Полный текст (9 685 стр.). Показаны 7106–7145 · переход к 7111.
стр. 7106
مطلق الأيمان؛ فكيف ما لم يتم من العقود؟! وهذا ما ذهب إليه الشيخ أبو حامد.
وروى عن ابن سريج: أنه يحنث؛ لأن المحلوف عليه ما في وسعه، وهو الإيجاب، وذلك يمسى في العرف: هبة؛ بدليل أنه يقال: وهبه له فلم يقبل.
قال الغزالي: ويلزم أبا العباس أن يطرده في كل عقد؛ لأنه يقال: باع فلمي قبل، ونحو ذلك، ثم قال: ولا شك أنه يطرده.
قال المتولي: وهذا الخلاف يجري فيما إذا أعمره أو أرقبه. ولم يصححه، وعلى ذلك جرى الرافعي.
قلت: ومقتضى ما قالا أن يجري في الهبة الفاسدة، ولم أره.
[قال: وإن قبل ولم يقبض، لم يحنث، لأن المقصود من الهبة نقل الملك، ولم يتحقق، وهذا هو المذهب في "التهذيب"].
قال: وقيل: يحنث؛ لأن العقد قد وجد، وصدق اسم "الهبة" عليه، وهذا ما حكاه البندنيجي، وقال فيه قولاً واحداً، وفي "التتمة": أنه الأظهر.
فرع: لو حلف: لا يتصدق، فتصدق فرضاً أو تطوعاً- حنث، ولا فرق بين أن يتصدق على غني أو فقير.
ولو وقف، ففي "التتمة" إطلاق القول بأنه يحنث؛ لأن الوقف صدقة، وبناه غيره على أقوال الملك: فإن قلنا: إنه لله- تعالى- حنث، وإن قلنا: إنه للواقف، لم يحنث، وإن قلنا: إنه للموقوف عليه، ففيه وجهان، وهما جاريان فيما إذا وهب، والأصح في "التهذيب" في الهبة: عدم الحنث.
قال: وإن حلف: لا يتكلم، فقرا القرآن – لم يحنث، أي: سواء كان في الصلاة أو خارجاً عنها؛ لأن الكلام في العرف ينصرف إلى كلام الآدميين.
وكذا لا يحنث بالتكبير والتسبيح؛ لأن اسم الكلام عند الإطلاق ينصرف إلى كلام الآدميين في محاوراتهم.
وفيه وجه: أنه يحنث؛ [لأن الجنب] غير ممنوع منها؛ فهي كسائر الكلام، وهذا
стр. 7107
ما ادعى ابن الصباغ أنه القياس.
والدعاء في معنى التسبيح.
وترديد الشعر وإنشاده، أطلق البندنيجي القول بأنه لا يحنث به، وجزم الرافعي القول بأنه يحنث به.
فرع: لو حلف: لا يسمع كلام زيد، فسمعه يقرأ القرآن- لم يحنث، قاله الجيلي.
قال: وإن حلف: لا يكلمه، فكاتبه، أو راسله، أو أشار إليه، أي: إما برأسه، أو بعينه، أو بيده- لم يحنث في أصح القولين.
أما عدم الحنث بالإشارة؛ فلقوله- تعالى-: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً﴾ إلى قوله: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم: ٢٩]، فلو كانت الإشارة كلاماً لما كانت تفعلها وقد نذرت ألا تتكلم.
وأما عدم الحنث بغيرها؛ [فلأنه يصح] نفي اسم الكلام عنه؛ فإنه إذا قيل: كلم فلان فلاناً، يقال: لا، بل كاتبه، أو راسله؛ فثبت أن الاسم لا يتناوله حقيقة، والأيمان تنزل على الحقائق، وهذا الدليل يستدل به- أيضاً- على عدم الحنث بالإشارة.
ولا فرق على هذا بين إشارة الناطق والأخرس، وحيث أقيمت إشارة الأخرس مقام النطق في المعاملات، فذلك للضرورة.
والقول الثاني- وهو القديم-: أنه يحنث، واستدل له بقوله- تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً﴾ [آل عمران: ٤١] وبقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً﴾ [الشورى: ٥١]، فاستثنى الرسالة والرمز من التكليم، وذلك يدل على أنهما منه.
ومن الأصحاب من قطع بالقول الأول، وحمل ما نقل عن القديم على ما إذا نوى في يمينه المكاتبة والمراسلة والإشارة.
ومنهم من خصص الخلاف في الكتابة بحال الغيبة، وقال: إذا كان معه في المجلس لا يحنث إذا كتب إليه رقعة، ويظهر جريانه في الرسالة أيضاً.
стр. 7108
فروع:
أحدها: إذا قال عقيب حلفه على الكلام: تنح عني، حنث؛ على الأصح، وفيه وجه: أنه لا يحنث.
قال صاحب "البيان": وهو كالوجه المحكي فيما إذا قال لزوجته: إن كلمتك فأنت طالق، فاعلمي ذلك، وقد حكيناه أيضاً.
الثاني: يحرم على الْمُسْلِمِ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ؛ للحديث، وإذا كتب إليه أو أرسل فهل يخرج من مأثم الهجران؟ فيه وجهان، ووجه الخروج: أن القصد بالتكليم: إزالة ما بينهما من الوحشة، وذلك يزول بالمكاتبة والمراسلة، وهذا الخلاف فيما إذا كاتبه أو راسله فيما ليس بشر، أما إذا كاتبه في شر فإنه لا يخرج عن مأثم الهجران وجهاً واحداً؛ لأن ذلك يزيده.
الثالث: إذا قيل له: كلم فلاناً اليوم، فقال: والله لا كلمته- كانت يمينه على الأبد، إلا أن ينوى اليوم، ولو كان ذلك بالطلاق والعتاق لم يقبل في الحكم، قاله ابن الصباغ وغيره.
وفي "التمة": أن اليمين المطلقة محمولة على ذلك اليوم؛ على الصحيح؛ كما لو حلف: لا يدخل الدار، فدخل أول دهليزها؛ ولهذا قال الشافعي: لو قال رجل لآخر: تعالَ تغد معي؛ فقال: والله، لا أتغدى- انعقدت يمينه بالأكل معه في تلك الحالة؛ حتى لو أكل بعده أو مع غيره في يوم آخر- لم يحنث.
وما قاله ابن الصباغ يناظر ما أجاب به القاضي الحسين؛ حيث سئل عن امرأة صعدت السطح بالمفتاح، فقال الزوج: إن لم تلق المفتاح من السطح فأنت طالق، فلم تلقه ونزلت- من أنه لا يقع الطلاق، ويحمل قوله: إن لم تلقه، على التأبيد، واستدل له بأن الأصحاب قالوا فيمن دخل على صديقه، فقال: تغد معي، فامتنع، فقال: إن لم تتغد معي فامرأتي طالق، فلم يفعل- لم يقع الطلاق، ولو [تغدى] بعد ذلك يوماً
стр. 7109
من الدهر انحلت اليمين.
قال الرافعي في الفروع المذكورة آخر الطلاق: ورأى صاحب "التهذيب" حمل الطلاق على الحال في المسألة الأخيرة؛ للعادة.
قال: وإن قال: لا صليت، فأحرم بها؛ حنث؛ لأنه يسمى مصلياً.
وقيل: لا يحنث حتى [يأتي بالركوع]؛ لأنه إذا ركع فقد أتى بمعظم الركعة؛ فيقوم مقام الجميع، وهذا ما حكي عن ابن سريج، ومن الأصحاب من قال: لا يحكم بالحنث حتى يفرغ من الصلاة؛ لأنها قد تفسد قبل التمام؛ فيخرج عن أن يكون مصلياً.
وعلى هذا: إذا فرغ من الصلاة: هل يحكم بالحنث حينئذ، أو نسنده إلى أول الصلاة؟ فيه وجهان، ثم ما الأصح من هذا الخلاف؟ الذي اختاره الشيخ أبو حامد الأول؛ لأنه بمجرد الدخول في الصلاة يحصل الاسم؛ قال ﷺ في حديث المواقيت المروي عن جبريل: "صلَّى بِيَ الظُّهْرَ حِيْنَ زَالَتِ الشَّمْسُ" وأراد: [أحرم بالصلاة، وإذا] تناول ذلك الاسم وجب أن يحنث به.
وعلى هذا: لو أفسد الصلاة بعد الشروع حنث، وكذلك إذا أفسدها بعد الركوع على الوجه الثاني، وليس ذلك لأن اللفظ يقع على الصحيح والفاسد، ولكن لوجود مسمى الصلاة قبل الإفساد.
وقد يتوهم أن كلام القاضي الحسين في "الفتاوى" يقتضي أن الوجه الثالث هو ظاهر المذهب؛ لأنه قال فيما إذا قال لزوجته: إن قرأت سورة البقرة في صلاة الصبح فأنت طالق، فقرأها، ثم فسدت الصلاة في الركعة الثانية- لم يقع الطلاق على ظاهر المذهب؛ لأن الصلاة عبادة واحدة؛ فبفساد آخرها فساد أولها، وذلك يدل على اعتبار التحلل، وليس كذلك؛ فإن قوله: صلاة الصبح، ينزل منزلة قوله: لا اصلي صلاة، وهو لو قال ذلك لم يحنث إلا بالتحلل؛ فكذلك ها هنا.
стр. 7110
فروع:
إذا صلى على جنازة لم يحنث على الوجه الثاني.
ولو لم يجد ماء ولا تراباً، وصلى، حنث، إلا أن يريد الصلاة المجزئة.
ولو قال: لا أصلي صلاة، لم يحنث حتى يفرغ، هكذا حكاه الرافعي.
وفي "الجيلي": أنه لا يحنث- على أصح الوجهين- حتى يصلي صلاة هي ركعتان، وعزى ذلك إلى حكاية الروياني في "الحلية".
وهذا الوجه مذكور في "تعليق" أبي الطيب مع حكاية وجه آخر: أنه يحنث في هذه الصورة بركعة واحدة.
ولو حلف: لا يصوم، أطلقالعراقيون القول بأنه يحنث بالشروع فيه، وحكى المراوزة فيه الوجهين: الأول والأخير.
قال: وإن حلف: لا مال له، وله دين- أي: مؤجل- فقد قيل: يحنث؛ لأنه ينفذ تصرفه فيه بالاعتياض والحوالة والإبراء، [ويعد غنيّاً] به عرفاً، وهذا ما حكاه الغزالي، وهو الأصح، وبه قال أبو إسحاق.
قال: وقيل: لا يحنث؛ لأن المالية صفة الموجود، ولا موجود ها هنا، وهذا ما ينسب إلى [ابن] أبي هريرة.
وقال في "الحاوي" في كتاب الزكاة: إنه صرح بأنه غير مملوك له.
وادعى الإمام أن هذا هوس لا يعتد به، وكيف لا يكون مملوكاً وقد ثبت عوضاً في البيع مع استحالة تعريته عن العوض المملوك؟!
وقال في كتاب الفلس: الدين وإن سميناه ملكاً فليس شيئاً محصلاً، لكنه استحقاق التوصل إلى محصل الملك في عينٍ.
أما لو كان حالّاً، حنث.
وفي "التتمة" حكاية وجه مخرج من قوله القديم: لا زكاة في الدين: أنه لا يحنث.
واعلم: أن إطلاق الشيخ الخلاف فيه من غير أن يقيده بأن يكون الدين على موسر- يدل على أنه لا فرق في جريان الخلاف بين الموسر والمعسر.
стр. 7111
وقد أجراه المتولي، لكنه حكى أن الصحيح من المذهب: أنه لا يحنث، وكذلك فيما إذا كان جاحداً، ولا يخفى أن ذلك فيما إذا لم يكن له بينة، وجزم الغزالي في المعسر بالحنث أيضاً، والوجهان المذكوران في الكتاب جاريان- كما قال الماوردي في كتاب الزكاة- فيما إذا حلف من عليه دين: أن لا شيء عليه لأحد، هل يحنث؟ فأبو إسحاق يقول: يحنث، وابن أبي هريرة يقول: لا يحنث.
فروع:
هل يحنث إذا كان له عبد آبق، أو ضال، أو مسروق قد انقطع خبره، أو مكاتب، أو وقف عليه، وقلنا: إنه ملكه، أو منفعة ملكها بإجارة أو وصية؟ فيه خلاف، وبالحنث أجاب الغزالي في الآبق، وبعدمه في ملك المنفعة، وادعى الإمام إجماع الأصحاب عليه. والأصح- في المكاتب-: [عدم الحنث، والوقف ملحق به، ومنهم من قطع في المكاتب] بعدم الحنث.
ولو كان قد جنى عليه جناية عمد، ولم يعف ولم يقتص، قال في "البيان": يحتمل أن ينبني على أن موجب العمد ماذا؟ إن قلنا: القود، لم يحنث، وإن قلنا: القود أو المال، حنث.
قلت: وعلى هذا القول لا ينبغي أن يتخرج فيه خلاف مرتب على الخلاف في الدين، وأولى بألا يحنث؛ لأن الدية في جناية العمد تجب حالة، والدين الحال يحنث به وجهاً واحداً.
نعم، إن صححنا ما حكاه المتولي اتجه ذلك، ويحنث بالأجرة قبل استيفاء المنفعة.
وعن أبي الحسن: أنه لا يحنث. وغلطه القاضي ابن كج.
ولو حلف: لا ملك له، حنث بالآبق والمغصوب، وكذا بالدين على الصحيح في "التتمة".
ولو كان له زوجة فهل يحنث؟ قال في "التمة": لنا أصل، وهو: أن النكاح فيه
стр. 7112
ملك أو هو عقد على الحل؟ إن أثبتنا فيه ملكاً حنث.
ولا خلاف أنه يحنث بكل مال زكاتيّاً كان وغير زكاتي؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]. ومعلوم أن هذا يتناول النبات والمواشي والعقار والنقود.
قال: وإن حلف: ما له رقيق، أو: ما له عبد، وله مكاتب- لم يحنث في أظهر القولين؛ لأنه كالخارج عن ملكه؛ بدليل أنه يملك أكسابه ومنافعه، دون السيد، بخلاف أم الولد، وسوى الجيلي بينها وبين المكاتب.
وحكى في "التهذيب" الخلاف فيها وجهين، وبناهما على الوجهين في أن من سرقها هل يقطع.
قال: ويحنث في الآخر؛ لقوله- ﵇: "المُكَاتَبُ قِنٌّ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ".
قال الجيلي ويمكن بناء القولين على جواز بيع المكاتب.
وقال أبو علي الطبري: لا يحنث؛ قولاً واحداً، وما ذكر عن الشافعي فذلك قول ألزمه نفسه وانفصل عنه؛ فلا يجعل قولاً له.
وأما الحديث فمن أصحابنا من قال بموجبه، وجعله مملوكاً لا مالك له كستارة الكعبة.
ومنهم من يقول: هو مملوك لنفسه ولا يعتق؛ لأنه لم يكمل ملكه؛ كما إذا اشترى عبداً فإنه يملكه، ولا ينفذ عتقه فيه.
فإن قيل: أليس لو أعتقه نفذ عتقه فيه، وذلك يدل على أنه ملك للسيد؟
فالجواب: أن عتق السيد ينزل منزلة الإبراء عن نجوم الكتابة؛ ولذلك تبعه أولاده وأكسابه؛ فلا دلالة على الملك، وهذا الخلاف الأخير وحكاية الخلاف في أنه مملوك لمن، محكي في "الشامل".
واعلم: أن ما ذكرناه من الخلاف يجري فيما إذا قال: رقيقي أحرار، وله مكاتب، وغير مكاتب، والمذكور منه في "التهذيب" في كتاب النفقات: أنه لا يعتق.
стр. 7113
أما إذا لم يكن له إلا مكاتب عتق وجهاً واحداً، حكاه في "التهذيب" أيضاً في كتاب الطلاق.
فروع:
أحدها: لو كانت له أمة، وحلف: لا عبد له – لم يحنث على المذهب.
قال مجلي: وذهب بعض أصحابنا إلى أنه يحنث؛ لأنهن يدخلن تحت الاسم كما يدخلن تحت اسم "الرقيق".
الثاني: حكى البندنيجي، عند الكلام فيما إذا قال: من يُسَرِّيني بكذا، من كتاب الأيمان-أنه لو قال: عبدي حر، وله أمة أو خنثى مشكل – لم يحنث؛ فلو زال الإشكال وحكم بأنه ذكر فعلى وجهين.
قلت: ويتجه أن يجيء مثلهما في مسألة الكتاب.
الثالث: حكى البندنيجي في الموضع: لو قال: رقيقي أحرار، وله خنثى قد زال الإشكال فيه، وحكم بأنه أنثى أو ذكر – عتق، وإن كان على الإشكال فقد قال المزني: يحنث. ونقل الربيع: أنه لا يحنث، فمن الأصحاب من غلط الربيع، ومنهم من غلط المزني.
قلت: ويتجه أن يجيء مثل ذلك في مسألة الكتاب أيضاً.
قال: وإن حلف: لا تسربت، فقد قيل: لا يحنث حتى يحصِّن الجارية، ويطأها وينزل.
وقيل: يحنث بالتحصين والوطء، أي: من غير إنزال.
وقيل: يحنث بالوطء وحده.
السرية- بضم السين – "فُعْلِيَّة" من "السر"، وهو الجماع، سمي: سرًّا؛ لأنه يفعل سرًّا، وقالوا: سرية –بالضم – ولم يقولوها بالكسر؛ ليفرقوا بين الزوجة والأمة؛ كما قالوا للشيخ الذي أتت عليه دهور: دهري –بالضم – وللملحد: دهري- بالفتح وكلاهما نسبة إلى "الدهر".
وقال أبو الهيثم: هي مشتقة من"السر"، وهو السرور؛ لأن صاحبها يسر بها. [قال
стр. 7114
الزهري: وهذا القول أكثر، وبه] قال الأزهري.
وقال الجوهري: هي مشتقة من "السِّر" وهو: الجماع، أو من "السر" وهو الإخفاء؛ لأنه يخفيها من زوجته، ويسرها – أيضاً- من ابتذال غيرها من الإماء.
وقيل: هي مشتقة من" السَّراة" وهو: الظهر.
وقيل من السري، وهو الرفيع النفيس.
ويقال: تسررت جارية، وتسريت؛ كما قالوا: تظننت وتظنيت من "الظن".
والتحصين: أن يمنعها من الخروج والتبذل والانكشاف الذي تفعله غير السرية. إذا فهم ذلك فالخلاف المذكور مأخذه الاختلاف في أن ذلك مشتق من ماذا؟ فالقول الأول، وهو الذي نص عليه الشافعي في "الإملاء": مأخذه قول من قال: إن ذلك مشتق من "السرور"، وهو لا يحصل إلا بما ذكرناه، واستدل له ابن الصباغ بأنها تسمى: سرية بما ذكرناه بالإجماع؛ فمن ادعى ثبوت الاسم لها قبل ذلك احتاج إلى الدليل.
والوجه الثاني مأخذه قول من قال: إنه مشتق من "السَّريِّ"؛ فكأنه حلف: ألا يجعلها أسرى الجواري، وهذا لا يحصل إلا بالتحصين والوطء.
والوجه الثالث مأخذه قول من قال: إنه مشتق من "السر" أو من "السراة"؛ فكأنه حلف لا يتخذها ظهراً، والجارية لا تتخذ ظهراً إلا بالوطء.
ومن الأصحاب من حكى وجهاً آخر في أنه يحنث بالوطء والإنزال؛ لأن التسري في العرف اتخذا الجارية؛ لابتغاء الولد، وذلك موقوف على الوطء والإنزال.
ويشبه أن يكون مأخذه قول القائل بأنه مشتق من "السرور"؛ لأن السرور يحصل بذلك، وقد قيل: إن هذا الوجه هو المنصوص.
قال: وإن قال: لا رأيت منكراً إلا رفعته إلى القاضي فلان، ولم ينو أنه يرفع إليه وهو قاض، فعزل – أي بعد التمكن من الرفع إليه، ثم رفع إليه، أي: ومات ولم يولَّ، فقد قيل: يحنث؛ لأنه علق اليمين بعين موصوفة بصفة وتمكن من الإتيان بالمحلوف عليه، فلم يفعله حتى زالت الصفة؛ فيحنث؛ كما لو حلف: ليأكلن هذه
стр. 7115
الحنطة، فأكلها بعد طحنها.
قال: وقيل: لايحنث؛ لأنه علق اليمين على العين، وذكر "القاضي" [تعرضاً] لاشرطاً؛ فأشبه ما لو قال: لا دخلت دار زيد هذه، فدخلها بعدما باعها؛ فإن يمينه تنحل؛ فكذلك هاهنا.
وشبه ابن الصباغ والمتولي هذا الخلاف بالخلاف فيما إذا حلف: لا يكلم هذا الصبي، فصار شاباً.
لكن الراجح هاهنا – على ما اختاره القاضي الروياني والعمراني – القول الثاني، والراجح في مسألة الصبى عدم الحنث؛ على ما دل عليه كلام الأصحاب، ومقتضاه عدم حصول البر في مسألتنا.
أما إذا لم يتمكن في حال ولايته من الرفع إليه؛ بأن حبس أو مرض، ولم يقدر على الإرسال إليه، أو جاء إلى باب القاضي، فحجب عنه – فإن قلنا: عند التمكن [لا يحنث، فهاهنا أولى، وإن قلنا بحنثه عند التمكن] فالعزل قائم مقام الموت في هذا الغرض.
ولو مات القاضي، والحالة هذه، كان في الحنث القولان في حنث المكره.
ولو لم يرفع إليه، لكنه بادر عند الرؤية إلى الرفع إليه، فمات القاضي قبل الوصول إليه – ففي الحنث طريقان:
أحدهما عن الشيخ أبي حامد: طرد القولين، وطردهما المحاملي – أيضاً – فيما إذا مات الحالف [قبل الوصول إليه.
والمذكور في "التتمة" و"التهذيب": الجزم] بعد الحنث.
ولو نوى أنه يرفع إليه وهو قاض؛ فالحكم كما ذكرناه تفريعاً على الوجه الأول.
قال: وإن قال: لا رأيت منكراً إلا رفعته إلى القاضي، حمل على قاضي ذلك البلد من كان؛ لان التعريف بالألف واللام يرجع إليه.
стр. 7116
ومن الأصحاب من جعل الألف واللام للجنس، ولم يخص يمينه بقاضي البلد. وعلى الأول هل يتعين قاضي البلد في الحال فإنه المعهود، أو من ينصب بعده في البلد يقوم مقامه؟ فيه وجهان، ويقال: قولان، أشبههما – وينسب إلى أبي حامد، وهو الذي أورده البغوي، ويقتضيه إيراد الشيخ -: الثاني، حتى لو عزل من كان قاضياً وولى غيره بر بالرفع إليه، ولا يبر بالرفع إلى الأول.
وعلى الأول: هل الاعتبار بحال اليمين أو بحال رؤية المنكر؟ فيه وجهان محكيان في "التتمة".
ولو قال: لا رأيت منكراً إلا رفعته إلى قاضٍ، بر برفعه إلى أي قاض كان.
فروع:
لو كان في البلد قاضيان، وجوزناه، فرفع إلى أحدهما – بر.
ولو رأى المنكر بحضرة القاضي المرفوع إليه، قال في "الوسيط": لا معنى للرفع إليه.
ولو رآه بعد اطلاع القاضي عليه ففيه وجهان:
أحدهما: أنه كان البر بغير اختياره كما لو رآه معه؛ فيكون على القولين.
والثاني: أنه يبر بالإخبار وصورة الرفع، وهذا أظهرن وبه أجاب صاحب "التهذيب"، وهو الذي أورده المتولي فيما إذا رأى المنكر والقاضي يشاهده.
تنبيه: لا يشترط في الرفع إلى القاضي المبادرة عند الرؤية، بل له مهلة مدة عمره وعمر القاضي.
ولا يشترط فيه أن يذهب إليه مع صاحب المنكر، بل يكفي أن يحضر عند القاضي وحده ويخبره، أو يكتب إليه بذلك، أو يرسل رسولاً فيخبره.
قال: وإن حلف: لا يكلم فلاناً حيناً أو دهراً أو حقباً أو زماناً، بر بأدنى زمان؛ لأن "الحين" مبهم ينطلق على القليل والكثير، عند الشافعي، وأقل ما قاله غيره: أنه يوم، على ما حكاه صاحب "التهذيب". واستدل الشافعي بقوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ إلى آخرها [الروم: ١٧، ١٨] وأراد: أقل من يوم، وقال
стр. 7117
تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨] يعني: يوم القيامة، وقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ [الإنسان:١] يعني: تسعة أشهر من مدة الحمل.
وقيل: هي أربعون سنة، إشارة إلى آدم – ﵇ – أنه صور من حمأ مسنون وطين لازب، ثم نفخ فيه الروح بعد أربعين سنة.
وإذا اختلف المراد في هذه المواضع نزل على القدر المشترك وهو مطلق الزمان. وإنما بر فيما عدا الحين مما ذكرناه بأدنى زمان.
وكذلك إذا قال: أحقاباً؛ لأنها أسماء مبهمة تطلق على قليل الزمان وكثيره، ولم يرد فيها نص فيتبع، والقياس لا مجال له فيها؛ فبر بما ينطلق عليه الاسم.
ولو حلف: لا يكلمه مدة قريبة أو بعيدة بر بأدنى زمان.
ولو حلف: ليقضين حقه إلى أيام، قال جماعة من جملتهم المحاملي: إن ذلك بمنزلة ما لو حلف: ليقضين حقه إلى حين؛ فيبسط على مدة العمر.
وفي "المجرد" للقاضي أبي الطيب: أن في مسألة الأيام يحمل على ثلاثة أيام؛ لأنه لفظ جمع، وعلى هذا جرى الصيدلاني وصاحب "التهذيب".
تنبيه: الحقب – بضم الحاء، وضم القاف وسكونها -: هو الدهر، وجمعه: أحقاب؛ كذا قاله أهل اللغة.
стр. 7118
قال: وإن حلف: لا يستخدم فلاناً، فخدمه وهو ساكت – لم يحنث؛ لأن الاستخدام: طلب الخدمة، ولم يوجد.
قال: وإن حلف لا يتزوج، أو لا يطلق، فوكل فيه غيره حتى فعله- لم يحنث؛ لأنه حلف على نفسه، ولم يتحقق.
ولا فرق في ذلك بين أن يكون ممن جرت عادته بالتوكيل في ذلك أو لا.
ويلتحق بهاتين الصورتين ما لو حلف: لا يعتق؛ فوكل غيره فيه، ففعله.
وحكى المتولي في مسألة التزويج وجهين في الحنث، والمذكور منهما في "التهذيب" الحنث.
وفي "الحاوي": أنه إن كان ممن جرت عادته بالتوكيل كالسلطان، فإذا حلف: ألا ينكح أو لا يطلق، أو لا يعتق، فوكل به – فهل يعتبر حكم عادته؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يعتبر؛ لأنه إذا باشر ذلك لم تستنكره النفوس ولا تستقبحه له.
والثاني: أنه يعتبر؛ لما سنذكره في البيع.
فعلى هذا: لا يحنث قولاً واحداً، وعلى الأول: في حنثه ما سنذكره من الخلاف في البيع.
فرع: لو حلف: لا يتزوج، فتوكل من غيره في التزويج – قال الرافعي: قضية الوجه الصائر [إلى حنثه فيما إذا حلف لا يتزوج، فوكل من قبل له: ألا يحنث، وقضية الوجه الصائر إلى] عدم الحنث: أن يحنث، والأول هو الذي أجاب به الإمام، وحكى قطع الأصحاب به في الطرق، ثم قال: وذكر الصيدلاني ما يخالف هذا صريحاً، وهو أنه قال: لو قال: لا أكلم امرأة تزوجها زيد، فقبل له زيد نكاح امرأة، فكلمها الحالف – حنث. ثم خطأه فيه.
قال: وإن حلف: لا يبيع، أو: لا يصرف، فوكل فيه غيره حتى فعل – لم يحنث في أظهر القولين، وهو المنصوص عليه في "المختصر"،وعليه الأكثر؛ لما قلناه في التزويج.
قال: وفيه قول آخر: أنه إن كان ممن لا يتولى ذلك بنفسه، أي: كالسلطان ومن
стр. 7119
قاربه في رتبته، حنث؛ حملاً لليمين على العرف؛ كما حملت على العرف في الحلف على أكل الرءوس. وهذا ما رواه الربيع، وهو مطرد – على ما حكاه المتولي – فيما إذا حلف: لا يزوج ابنته، وهو من ذوي المروءات.
ومن قال بالأول أجاب عن مسألة الرءوس بأن العرف فيها عام؛ فكان حقيقة عرفية نزلت اليمين عليها، والعرف في مسألتنا خاص بالحالف، ومثل ذلك لا تنصرف اليمين إليه؛ ألا ترى أن الملك لو حلف؛ لا يأكل الخبز، لا يلبس الثوب، فأكل خبز الذرة، ولبس عباءة –حنث، وإن لم يكن ذلك عادته؟!
فروع:
قال في "التهذيب": لو حلف: ألا يبيع ولا يشتري، فاشترى لغيره شيئاً بالوكالة- حنث. ووافقه المتولي فيما إذا حلف [لا يبيع] شيئاً، فباع للغير بالوكالة أو الولاية أنه يحنث.
وقال الغزالي: إن أضاف العقد إلى موكله، لم يحنث، وإن لم يضفه ونوى – حنث؛ على أظهر الوجهين.
ولو حلف: لا يحلق رأسه، فأمر غيره فحلقه – فقد قيل: في حنثه القولان، وقيل: يحنث قولاً واحداً، وبه أجاب الماوردي، وطرده في كل ما جرت العادة فيه بالأمر، دون المباشرة من جميع الناس: كقوله: والله لا احتجمت، أو: افتصدت، أو: لا بنيت داري.
وفي "الرافعي": إلحاق الحلف على البناء بالحلف على الضرب، وهو الأشبه؛ لأن ذلك [لا] يختلف باختلاف الناس.
ولو حلف: لا يحلق عانته، فأمر من يحلقها – لم يحنث؛ لأنه لم تجر العادة بأن يفعله الغير.
ولو حلف: لا يبيع، فباع بيعاً فاسداً، لم يحنث، وكذا لو حلف: لا يبيع بيعاً فاسداً، لم يحنث، حكاه الفوراني في كتاب العتق، وحكى خلاف المزني فيه، وعزي الرافعي عدم الحنث إلى الصيدلاني والروياني.
стр. 7120
وفي "النهاية" هاهنا: أنه لا وجه عندنا إلا القطع بأنه يحنث كصورة البيع.
وحكى فيما إذا حلف: لا يبيع الخمر، وجهاً: أنه يحنث، وكذلك فيما إذا حلف: لا يبيع مال فلان بغير إذنه، أو: لا يبيع مال زوجته، فباع بغير الإذن، والمذهب: أنه لا يحنث فيهما.
فائدة: قال في "التتمة": إذا حلف: لا يشتري، فأسلم في شيء أو قبل التولية أو التشريك – حنث، بخلاف ما لو صالح من الدين على عين؛ لأن لفظ "الصلح" غير موضوع للتمليك، وإنما هو موضوع للإسقاط والرضا بترك الحق، والتولية والتشريك موضوعان لنقل الملك؛ فأشبها البيع، والذي اختاره –في الصلح – حكاه الإمام عن الصيدلاني واختار خلافه، وقال: لو أخذ طعاماً عن أجرة دار فلست أراه مشترياً، وحكى إن الإقالة وإن قلنا: إنها بيع، لا تندرج تحت اسم "البيع"؛ لأن ذلك من طريق الحكم، وكذلك في القسمة إذا قلنا: إنها بيع.
قال: وإن حلف: ليضربن عبده مائة سوط، فشد مائة سوط، وضربه بها ضربة واحدة، وتحقق أن الجميع أصابه-بر؛ لأن الله تعالى – قال لأيوب – على نبينا وعليه السلام – وقد حلف: ليضربن امرأته مائة خشبة: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ [ص:٤٤]، ولأن الضرب بالمائة قد حصل؛ فوجب أن يبر في يمينه؛ كما لو فرقه.
ثم المراد بتحقق إصابة الجميع: أن يتحقق وصول ألم الجميع إليه، وإن كان البعض حائلاً بين بدنه وبين البعض الآخر؛ كما لو حال بين بدنه وبين السياط الثوب، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً﴾ [ص: ٤٤] والغالب أن قضبان الضغث لا تنبسط، وذلك يدل دلالة ظاهرة على أن المماسة بالجميع ليست بشرط.
وفيه وجه: أنه لابد من ملاقاة الجميع بدنه أو ملبوسه، ولا يكفي التحامل ووصول الألم.
فرع: لو ضربه بعثكال فيه مائة شمراخ، ظاهر كلام البندنيجي والمحاملي وابن الصباغ والبغوي: أنه يبر.
стр. 7121
وفي "الوسيط" وغيره: أن ذلك لا يكفي على الصحيح؛ لأنها من جنس الأخشاب، لا من جس السياط.
قال: وإن لم يتحقق – بر؛ لقوله – تعالى-: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] فأثبت الضرب ونفي الحنث من غير اشتراط [أمر آخر]، ولأن عدم الإصابة وعدم حصول البر أصلان متقابلان، لا مزية لأحدهما على الآخر؛ فترجح حصول البر بأن الظاهر الإصابة.
وحكى المراوزة قولاً مخرجاً من نصه فيما إذا حلف: لا يدخل الدار إلا أن يشاء زيد، فمات زيد، ولم يدر هل شاء أم لا، ودخل؛ فإنه يحنث، وهذا ما صار إليه المزني على ما حكاه في "المهذب" وغيره، وقال الجيلي: إن الروياني اختاره.
واعلم أن عدم التحقق يصدق مع وجود الظن بالإصابة ومع الشك فيها، وقد حكى ابن يونس: أن كلام الشيخ شامل لهما، وجعل محل خلاف المزني حالة الشك، وحكى البندنيجي وابن الصباغ النص بعدم الحنث فيما إذا غلب على ظنه حصول الإصابة.
وألحق البندنيجي حالة الشك بما إذا تحقق عدم الإصابة، والحكم فيها: أنه لا يبر.
وصور في "المهذب" و"التهذيب" والرافعي والغزالي المسألة بحالة الشك، وسكتوا عن حالة الظن، ولعل مرادهم: الاصطلاح المتقدم من أن الشك هو التردد، لا على السوية.
واعلم أن النواوي تكلم في هذه المسألة، وقال: إنها مما اضطربت فيها النسخ، والصواب فيها: أن قول الشيخ: "وإن لم يتحقق لم يبر"، وهو الذي ضبطناه عن نسخة المصنف، وحققناه على المتقنين، وكونه لا يبر هو مذهب المزني، ونص الشافعي: أنه يبر، ولا يضر كون المصنف اختار القول المخرج، وترك المنصوص؛ فقد يفعل الأصحاب مثل هذا. وأما قوله: والورع أن يكفر، فمعناه: الأولى ألا يضربه ليبر، بل يكفر عن يمينه. هذا آخر كلامه.
стр. 7122
قلت: إن صح ما ذكره عن نسخة المصنف فالوجه أن يحمل قوله: "وإن لم يتحقق"، على حالة الشك؛ فإنه لا يبر فيها عند العراقيين كما حكيناه عنهم، وهو أهون من مخالفة المذهب. وأيضاً: فإن محل خلاف المزني – على ما حكاه ابن يونس، والشيخ في "المهذب"، والرافعي، والغزالي – حالة الشك، وإن كان ابن الصباغ حكاه في حالة غلبة الظن بالإصابة، والله أعلم.
قال: والورع أن يكفر؛ لاحتمال عدم الإصابة.
قال الجيلي: وهذا لم يتعرض له الشيخ في كتاب "المهذب"، ولا أحد سوى صاحب "الحلية"، ولعل وجهه أن يقال: إن إعادة الضرب زيادة في التعذيب.
وفي "التهذيب" حكاية عن النص: أن الورع أن يحنث نفسه.
قال: وإن حلف: ليضربنه مائة ضربة، فضربه بالمائة المشدودة دفعة واحدة، أي: وتحقق أن الجميع أصابه – فقد قيل: يبر؛ لأنه حصل بكل سوط ضربة؛ بدليل أنه يجزئ في حد الزنى، وإذا كان كذلك فقد تحقق البر.
قال: وقيل: لا يبر؛ لأن الكل يسمى ضربة واحدة؛ بدليل ما لو رمى في الجمار سبع حصيات دفعة واحدة؛ فإنه لا يحتسب له سبع حصيات، وصار هذا كما لو قال: مائة مرة؛ فإنه لا يبر ما لم يضربه مائة ضربة، وهذا هو الأظهر، وهو الذي أورده الصيدلاني، والفرق عند قائله بين هذه وبين المسألة الأولى: أنه ثم جعل العدد للأسواط وهي متعددة، وهاهنا جعل العدد للضربات؛ فلابد من تعددها.
وعنده – أيضاً -: أنه لابد من تواليها حتى تقع الضربة بعد الضربة حتى تتنجز الضربات المذكورة، قاله الإمام وغيره.
стр. 7123
قال: وإن حلف: لا يأكل هذه التمرة، فاختلطت بتمر كثير، فأكله إلا تمرة – ولم يعرف أنها المحلوف عليها – لم يحنث؛ لاحتمال أنها غير المحلوف عليها والأصل فراغ ذمته من الكفارة.
قال: والورع أن يكفر؛ لاحتمال أنها المحلوف عليها.
وهذا الحكم ثابت فيما لو ضاع من الجميع تمرة، ولم يعرف أنها المحلوف عليها.
قال: وإن حلف: لا أكلت رغيفين، فأكلهما إلا لقمة – لم يحنث؛ لأن اليمين تعلقت بالجميع؛ فلم يحنث بالبعض.
وهكذا الحكم فيما لو حلف: لا يأكل خبز الكوفة، فأكل بعضه، لم يحنث؛ على ما حكاه القاضي أبو الطيب في "المجرد".
واعلم أن تقييد الشيخ الترك بلقمة يحترز به عن الفتات الذي لا يمكن جمعه؛ فإنه يحنث به. وقد أطلق القاضي الحسين القول بأنه إذا أكل الرغيف إلا فتاتاً: فإنه لا يحنث، وحمله الإمام على ما إذا تفتت قطعة تُحَس ويحصل لها موضع. قال: وربما ضبط ذلك بأن تسمى قطعة خبز، فأما ما يَدِقُّ مدركه فلا نظر له في بر ولا حنث. وهذا مقوع به عندي في حكم العرف، وقد حكى ذلك الرافعي في فروع الطلاق.
فرع: لو قال: لا آكل اليوم إلا رغيفاً، ثم فاكهة-حنث. وكذا لو قال: لا أكلت أكثر من رغيف، فأكل خبزاً بأدم – حنث، حكاه الرافعي في الفروع أيضاً.
قال: وإن حلف: [لا أكلت] هذه الرمانة، فأكلها إلا حبة- لم يحنث؛ لما ذكرناه.
стр. 7124
قال الإمام: وقد يقول القائل في العرف: أكلت رمانة، وإن فاتته حبة، لكن من قال: إنه لم يأكل رمانة، لا يعد حائداً عن ظاهر الكلام، فإذن العرف متردد والوضع يقتضي عدم الحنث؛ فلا وجه للحكم بالحنث.
قال: وإن حلف: لا يشرب ماء الكوز، فشربه إلا جرعة- لم يحنث؛ لما ذكرناه. والحكم في الحلف على شرب ماء الصهريج الكبير وما في معناه مما يمكن شربه مع طول الزمان، كالحكم في الحلف على شرب ماء الكوز.
فإن قيل: لو حلف: لا يأكل طعاماً اشتراه زيد، فأكل بعضه- حنث] على أحد الوجهين؛ فهلا جرى مثله هاهنا؟
قلنا: الفرق بينهما ما حكاه الماوردي: أن الماء في الكوز أو الحب مقدار ينطلق على جميعه، ولا ينطلق على بعضه [؛ فلذلك لم يحنث بشرب بعضه]، وشراء زيد الطعام صفة تنطلق على بعضه كما تنطلق على جميعه؛ فلذلك حنث بأكل بعضه.
ثم تصوير الشيخ المسألة بترك الجرعة يحترز به عن البلل الباقي الذي لا يمكن شربه؛ فإنه يحنث وإن بقي.
تنبيه: الجرعة: بكسر الجيم وفتحها؛ قاله ابن السكيت.
ويقال: جرعت الماء، بكسر الراء على المشهور.
وحكى الجوهري أيضاً فتحها.
فرع حكاه الماوردي: لو شك: هل ذهب من الكوز قطرة ماء بعد حلفه أم لا، وشرب الموجود – فهل يحكم بحنثه؟ فيه وجهان.
стр. 7125
قال: وإن حلف: لا يشرب ماء النهر، لم يحنث، أي: وإن شرب منه، وهو قول أكثر الأصحاب، ومنهم أبو إسحاق؛ لأن يمينه توجهت إلى شرب جميعه؛ لأنه عقدها على ماء النهر، ولم يطلق؛ فصار النهر مقداراً له كالإداوة.
قال القاضي أبو الطيب: وعلى هذا ينبغي أن يقال: لا تنعقد يمينه؛ كما لو حلف: لا يصعد السماء.
وقد حكى ابن يونس هذه المقالة عن القاضي الحسين، وفي هذا القياس نظر؛ لأنا قد حكينا أنها تنعقد على الأصح.
قال: وقيل: يحنث بشرب بعضه، وهو ما ذهب إليه ابن سريج وابن أبي هريرة؛ لأنه لما استحال شرب جميعه صارت اليمين معقودة على ما لا يستحيل؛ لأن تغير اليمين بعد العقد لا نراه؛ ألا تراه لو قال: والله لا شربت الماء، حنث بشرب ما قل منه، وإن كان دخول الألف واللام يقتضي استيعاب جميعه؛ لأنه لما كان شرب جميعه؛ لأنه لما كان شرب جميعه من المستحيل حمل على شرب ما لا يستحيل، كذلك ماء النهر.
وهذا أصل مطرد عبر عنه الإمام في كتاب الطلاق عند الكلام في الحيض بأن اللفظ إذا تردد على وجه يحتمل الاستحالة ويحتمل إمكاناً، فمن الأصحاب من لا يبعد الحمل على الاستحالة، ومنهم من يوجب الحمل على الإمكان، فمن الأصحاب من لا يبعد الحمل على الاستحالة، ومنهم من يوجب الحمل على الإمكان؛ حتى لا يلغو اللفظ؛ فإن التعرض للاستحالات يكاد أن يكون كالهزل. ومن هذا الأصل ما إذا قال لزوجته وأجنبية: إحداكما طالق.
وأجاب من خالفهما عن ذلك بأن الألف واللام تستعمل لاستيعاب الجنس تارة، وللمعهود أخرى، وهو حقيقة فيهما، فإذا استحال استيعاب الجنس حمل على المعهود، وهو حقيقة فيه، [وفارق] "ماء النهر": [لأن] الاسم حقيقة في جميعه ومجاز في بعضه، ولا يصار إلى المجاز في الأيمان عند استحالة الحقيقة؛ ألا تراه لو حلف: لأصعدن السماء، وهو مستحيل – لم يحمل على صعود السقف، وقد يسمى: سماء؛ لأنه غير مستحيل، ووجب حمل اليمين في الصعود على الحقيقة دون المجاز؟!
стр. 7126
كذلك في شرب ماء النهر.
فروع:
لو قال: لأشربن ماء هذا النهر، فشرب منه – بر عند ابن سريج وابن أبي هريرة، وعلى الأظهر: لا يبر، وهو حانث؛ لعجزه عن شرب الجميع، وعلى هذا: فيلزمه الكفارة على الأصح، لكن في الحال أو قبل الموت؟ فيه وجهان، أشبههما، وبه أجاب الغزالي والروياني: الأول.
لو حلف: لا يكلم الناس، حكى ابن الصباغ وغيره: أنه يحنث بكلام الواحد، [ولو حلف: لا يكلم بني آدم، فقياس ما حكاه ابن الصباغ: أنه يحنث بكلام الاوحد] منهم، وقد صرح به ابن يونس فيما إذا حلف: لا يكلم بني فلان. وحكى الرافعي في فروع الطلاق: أن القياس أنه لا يحنث بكلام الواحد والاثنين إلا إذا أعطيناهما حكم الجمع.
ولو قال لرجلين: والله لا أكلم أحدكما، هل يحنث بكلام أحدهما؟ فيه وجهان في "الرافعي" في الإيلاء.
ولو حلف: لا يأكل هذا الرغيف وهذا الرغيف – لم يحنث إلا بأكلهما؛ كما لو قال: لا كلمت زيداً وعمراً لا يحنث إلا بكلامهما.
وفي "التتمة" فيما إذا قال: لا ألبس هذا الثوب وهذا الثوب – أنهما يمينان؛ لوجود حرف العطف؛ فلكل واحدة حكمها، ومقتضى ذلك أن يحنث إذا أكل احد الرغيفين.
وأبدى الرافعي في مسألة الثوبين توقاً، وقال: لو أوب العطف كونهما يمينين لأوجب في قوله: لا أكلم زيداً وعمراً، ولا آكل اللحم والعنب – كونهما يمينين.
قال: وإن حلف: لا يأكل ما اشتراه زيد، فأكل مما اشتراه زيد وعمرو، أي على الإشاعة، لم يحنث؛ لأنه ما من جزء يشار إليه فيقال: إنه اشتراه زيد دون عمرو، إلا ويقال في مقابله: لا، بل اشتراه عمرو؛ فلم يوجد في شيء منه المحلوف عليه، كذا وجهه المحاملي في "المجموع" ووجهه الماوردي بأن كل جزء من الطعام لم يختص الحالف بشرائه وإن قل، فوجب ألا يقع به الحنث؛ كما لو حلف: لا دخل دار
стр. 7127
زيد، فدخل داراً بين زيد وعمرو- لم يحنث، بوفاق أبي حنيفة.
وفي "الإبانة" حكاية وجهين آخرين:
أحدهما: أنه يحنث. قال الإمام: ولست أنكر دخوله تحت الإمكان في مسائل البر والحنث في الأيمان، ولكنه ليس مذهباً للشافعي.
وفي "الرافعي": أن القاضي أبا الطيب اختار هذا الوجه، ويقاربه ما حكاه في فروع الطلاق فيما إذا حلف: لا سرق ذهباً، فسرق ذهباً مغشوشاً – فإنه يحنث على المذهب.
والثاني: إن أكل أكثر من النصف حنث، وإلا فلا. قال الإمام: وهو سخيف.
وحكى في "التهذيب" الوجوه الثلاثة لكن فيما إذا حلف: لا يأكل ما اشتراه زيد، إلا أن ينوي أنه لا يأكل طعام زيد أو من طعامه.
واعلم أن قضية كلام الماوردي [أن] المسألة مصورة بما إذا عقدا على طعامٍ صفقة واحدة، أما إذا عقدا عليه في صفقتين على الإشاعة، فأكل منه – حنث؛ فإنه أجاب عن [استدلال] أبي حنيفة بالشِّرَى في صفقتين مشاعاً: بأن كل جزء من أجزاء الطعام قد اشترى زيد نصفه بعقد تام؛ فوجد شرط الحنث [، وإذا كان بعقد واحد فهو مشترك؛ فلم يكمل شرط الحنث] فافترقا. وهذا منه يدل على تسليم الحكم فيما استدل به أبو حنيفة.
قال: وإن اشترى كل واحد منهما شيئاً، فخلطاه فأكل منه –فقد قيل: لا يحنث حتى يأكل أكثر من النصف، أي: إن كان ما اشترياه متساوياً؛ لأن بما دونه لا يتحقق أنه أكل ما اشتراه زيد؛ فإذا أكل أكثر من النصف فقد تحقق أنه أكل ما اشتراه، وهذا ما ذهب إليه أبو سعيد الإصطخري؛ على ما حكاه ابن الصباغ والمحاملي والبندنيجي والرافعي وغيرهم، ولم يذكر البغوي سواه، وحكى ابن الصباغ أن القاضي أبا الطيب اختاره، وقال الإمام: هذا إشارة إلى أن الاستيقان يحصل عند ذلك، ولا ينبغي أن تستجيز عدَّ هذا من المذهب مع تحقق اليقين دونه.
стр. 7128
أما إذا كان متفاضلاً فيعتبر على هذا الوجه أن يزيد ما أكله على المقدار الذي لغير المحلوف عليه، [ثلثاً كان أو ربعاً]، أو غير ذلك من الأجزاء.
قال: وقيل: إن أكل حبة أو عشرين حبة لم يحنث؛ لأن ما من حبة يأكلها إلا ويجوز أن تكون مما اشتراه، كما يجوز أن تكون مما لم يشتره، والأصل فراغ ذمته من الكفارة.
قال: وإن أكل كفاًّ، أي: وكان المشتري من حنطة أو نحوها- حنث؛ لأنا نتحقق أنه أكل من الطعامين؛ فإنه إذا خلط لم يتميز منه الكف، وهذا ما ذهب إليه أبو إسحاق، وهو الأصح عند ابن الصباغ والرافعي.
وقد يؤخذ مما ذكرناه من التقييد [بجريان هذا الوجه] الفرق بين هذه المسألة وبين مسألة التمر.
وحكى عن ابن أبي هريرة أنه قال: لا يحنث وإن أكل الجميع؛ لأنه [لا] يمكن أن يشار إلى شيء منه أنه مما اشتراه زيد؛ فأشبه ما إذا اشترياه مشاعاً.
قال ابن الصباغ: وهذا ليس بصحيح؛ لأنا نتحقق أنه قد أكل ما انفرد المحلوف عليه بشرائه متميزاً، وإنما لم نعرفه، بخلاف المسألة قبلها.
وفي "ابن يونس": أن القاضي أبا الطيب اختاره، وفي "الوسيط": أنه إن أكل من المختلط حنث، ولم يحك سواه؛ فإن حمل على ظاهره كان وجهاً رابعاً.
والذي يظهر: أنه محمول على ما إذا أكل منه ما يتيقن به أنه أكل مما اشتراه زيد.
وقال البصريون من أصحابنا: إن كان المأكول مائعاً حنث بأكل القليل منه، وكذا إن كان دقيقاً، وإن كان متميزاً كالتمر، فأكل أكثر من النصف حنث، وإلا فلا.
قلت: وقد يتجه جيران خلاف في المائع أيضاً؛ كما أجرى فيما إذا خلط ما لا يكفيه لوضوئه بمائع؛ فإنا لا نجوز له على رأي أن يستعمل الجميع، بل يبقى قدر المائع، وسيأتي قريب من ذلك في كتاب الرضاع.
تنبيه: قد يظهر لك من كلام الشيخ أنه لو حلف: لا يأكل طعاماً اشتراه زيد، فأكل بعضه-حنث؛ لأنه على القول الأول يحنث إذا أكل أكثر من النصف، ومعلوم
стр. 7129
أنا لا نتحقق بذلك أكل جميع ما اشتراه زيد؛ وكذلك على الوجه الثاني، وهذا ما حكاه الماوردي عن ابن أبي هريرة.
وقد حكيت في هذه المسألة من قبل وجهاً عن رواية الماوردي: أنه لا يحنث بأكله، فعلى هذا: لا يجيء الوجه الأول والثاني، وإنما يحنث بأكل الجميع، وقد تحصَّلَ بذلك في المسألة خمس مقالات.
فائدة: تقدم فيما إذا حلف: لا يأكل سمناً، فأكله مع الخبز - أنه لا يحنث عند الإصطخري، وقاسه على ما إذا حلف: لا يأكل ما اشتراه زيد، فأكل ما شاتراه زيد وعمرو؛ فكيف يحسن منه الحكم بالحنث عند أكله أكثر من النصف في مسألتنا؟! وفي ذلك مخالفة لما ذكره ثَمَّ من وجهين:
أحدهما: أنه لم يحنثه في مسألة السمن؛ لأجل أنه لم يأكله منفرداً، ومقتضاه: ألا يحنثه هاهنا؛ للاشتراك.
الثاني: أنه جعل هذه المسألة أصلاً لما ذكره في مسألة السمن، وخالف فيه.
ويمكن أن يجاب عن الثاني على مقتضى هذا النقل: بأن ما قاله ثَمَّ محمول على ما إذا اشتريا على الإشاعة، ولم ينقل عن الإصطخري فيها خلاف، لكن إلحاق مسألة السمن بالمسألة الثانية أشبه؛ من حيث إن السمن متميز عن الخبز، كما أن ما اشتراه زيد متميز عما اشتراه عمرو في نفس الأمر؛ فالقياس عليها أمَسُّ، والذي يظهر أن يكون الصحيح في النقل عن الإصطخري في هذه المسألة ما حكاه الماوردي عنه: أنه لا يحنث وإن أكل الجميع؛ لموافقة ما ذكره ثَمَّ، وقد نسب ما نسب إلى الإصطخري إلى أبي إسحاق، ولم يحك القول الذاهب إلى أنه: إن أكل حبة أو كفًّا، وحكى بدله ما حكيناه عن البصريين، ثم قال: ويشبه أن يكون قول أبي علي بن أبي هريرة، والله أعلم.
فرع: لو اشترى زيد طعاماً، ثم باع بعضه وخلط؛ فأكل منه - حنث، وكذا لو باع بعضه مشاعاً، فأكل منه.
قال: وإن حلف: لا يدخل [هذه] الدار، فدخلها ناسياً، أي: لليمين، أو جاهلاً، أي: بأنها المحلوف عليها - ففيه قولان:
стр. 7130
أحدهما- وهو المذهب في "تعليق" البندنيجي، والأصح في "المهذب" و"المجموع" للمحاملي و"تعليق" القاضي أبي الطيب، وكلام ابن الصباغ يدل على ترجيحه -: أنه لا يحنث؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَاتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]؛ فكان رفع الخطأ موجباً لإسقاط الكفارة عن الخاطئ، ولما روى ابن عباس – ﵄ – أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لأمتي عن الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ"؛ فكان حكم الأيمان داخلاً في عموم هذا التجاوز.
والثاني: أنه يحنث، وبه كان يفتي بعض علماء عصرنا في الناسي؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]؛ فكان عقدها موجباً للمؤاخذة بالكفارة على عموم الأحوال: من عمد وخطا، وعلم وجهل. ولأن الكفارة تطهير؛ فأشبهت طهارة الحدث؛ فإذا استوى حكم الحدث في العمد والخطأ والنسيان والذكر وجب أن يستوي حكم الحنث في ذلك.
والقائلون بالأول قالوا: في الآية إضمار، وهو: إذا عقدتم الأيمان وحنثتم، ولا يسلم الحنث.
وفي "الرافعي" حكاية طريقة في الناسي: أنه يحنث، وأن الجاهل قد يرتب على الناسي عند إجراء الخلاف فيه، وأولى بأن يحنث؛ لأن الجاهل الغالط في غروب الشمس يفطر، والناسي لا يفطرن وهذا ما ذهب إليه الإمام.
وحكى الماوردي أن شيخه أبا القاسم الصيمري قال له: ما أفتيت في يمين الناسي بشيء قط.
وحكى عن شيخه أبي الفياض أنه لم يفت فيها بشيء قط، وأنه اقتدى بها، ولا السلف، ولم يفت بها بشيء، لأن استعمال التوقي أحوط من فرطات الإقدام.
ولا فرق في جريان القولين بين اليمين بالله – تعالى – وبين اليمين بالطلاق وغيرهن وقد حكينا في كتاب الطلاق خلاف القفال في ذلك.
قال: وإن أُدخل على ظهر إنسان باختياره حنث؛ كما لو دخل على دابة.
стр. 7131
فإن قيل: لو حلف: لا باع، ولا ضرب؛ فأمر غيره بالبيع والضرب – لم يحنث، فهلا كان في الأمر بالدخول كذلك؟
قيل: لأن البيع والضرب وإن كان عن أمره فالفعل موجود من غيره؛ فكان مثال من حلف على دخول الدار، فأمر غيره بالدخول؛ فإنه لا يحنث.
قال: وإن أكره حتى دخل بنفسه، ففيه قولان:
أحدهما: أنه يحنث؛ لأن ما تعلقت الكفارة به [إذا وجد بالاختيار تعلقت به] إذا وجد لا بالاختيار؛ كقتل الصيد.
وأصحهما-على ما اختاره أبو حامد القاضي والشيخ وابن كج والروياني وغيرهم -: أنه لا يحنث، ولا تلزمه الكفارة؛ للحديث السابق، وأيضاً: فإنه لو حلف مكرهاً لا تنعقد يمينه؛ فكذلك المعنى الذي يتعلق به الحنث إذا وجد على وجه الإكراه ينبغي أن يلغو، والجامع: أنه أحد سببي وجوب الكفارة، وعن أبي الطيب بن سلمة: القطع به.
قال: وإن حمل مكرهاً لم يحنث؛ لأنه لم يوجد الفعل منه، ولا الاختيار القائم مقام الفعل.
قال: وقيل: على قولين؛ لأنه لما كان دخوله بنفسه ودخوله باختياره واحداً، وجب أن يكون دخوله مكرهاً بنفسه ومحمولاً واحداً.
ولو حمل بغير إذنه، لكنه كان قادراً على الامتناع، ولم يمتنع – قال الرافعي: فالظاهر: أنه لا يحنث، وهو قضية كلام الماوردي؛ فإنه قال فيما إذا حلف وأدخل بغير أمره: إنه لا يحنث، استصعب أو تراخَى.
ومنهم من جعل سكوته بمثابة الإذن في الدخول، وهذا ما حكاه الإمام عن الأكثرين.
فروع:
إذا قلنا بعدم الحنث فهل تنحل اليمين؟ ينظر: إن كان في صورة لم يتعاطَ الفعل بنفسه؟ لا تنحل وجهاً واحداً، وإن كان في صورة تعاطاه بنفسه، فالأشبه – وعليه يدل
стр. 7132
كلام الماوردي -: أنها لا تنحل، وهو ما أجاب به الصيدلاني.
إذا نام، وتدحرج، فدخل الدار – لم يحنث، قاله البغوي، وكذا لو كان المحلوف عليه القراءة، فقرأ وهو نائم، قاله البندنيجي، وحكى أنه لو دخل مجنوناً لم يحنث.
إذا حلف: لا يبيع زيد له متاعاً، فوكَّل في بيعه، وأذن له في أن يوكل، فوكل الوكيل زيداً، فباعه – حنث، سواء علم زيد أنه متاع الحالف أو لم يعلم حكاه العمراني في "الزوائد" عن الطبري.
والظاهر: أن ما قاله محمول على ما إذا قصد التعليق، لا المنع من المخالفة، ويرشد إليه كلام الإمام، وقد تقدم نظيره في كتاب الطلاق، وسنذكر عن صاحب "التهذيب" – وغيره حكاية طريقة تدل على إجراء الكلام على ظاهره.
ولو حلف: ليطؤها الليلة، فوجدها حائضاً أو مُحْرِمة – فعن المزني أنه حكى في التعاور عن مالك: أنه لا حنث عليه، وأن النعمان والشافعي ساعداه. واعترض بأنه ليس التحليل والتحريم من الأيمان في شيء، ومن حلف على أن يعصي، فلم يعص – حنث وإن عصى.
وقيل: إن المذهب ما قاله المزني، وهو اختيار القفال.
وقيل: هو على الخلاف في فوات البر بالإكراه، حكاه الرافعي في الفروع آخر كتاب الطلاق.
قال: وإن حلف: ليأكلن هذا الرغيف غداً، فأكله، أي: أو بعضه في يومه، حنث؛ لأن البر مقيد بزمان؛ فوجب أن يكون شرطاً فيه كالمقيد بالمكان، وإذا كان شرطاً، وقد فوته باختياره، حنث، ومتى يحنث؟ فيه وجهان:
أحدهما- وهو ما جعله الإمام المذهب -: بأكل شيء من الرغيف.
والثاني: في الغد، وهو ما حكاه الماوردي.
فعلى هذا: في أي وقت يحكم بحنثه؟ فيه وجهان:
أحدهما: إذا مضى منه وقت إمكان الأكل، وهو الأصح في "التهذيب".
والثاني: قبيل الغروب.
وتظهر ثمرة الخلاف – على ما حكاه الإمام – في أن الاعتبار بحالة الحنث في
стр. 7133
صفة الكفارة، أو بحالة الأداء؟ ولو صام وقد حكمنا بالحنث أجزأه، ولو لم نحكم بالحنث لم يجزئه؛ فإن الصوم لا يقدَّم على وجوبه.
فإن قيل: إذا أخرتم الحنث إلى الغد فلا يعتبر، والأكل في اليوم وإن كان اختياراً فإنه اختيار في غير الوقت المعتبر، ونظير هذا ما لو صب الماء قبل دخول وقت الصلاة، لا يتعلق بصبه حكم، بخلاف بعد الوقت.
قال الإمام: حق هذا السؤال أن يستمسك به في تضعيف ذلك الوجه.
ولو أخر أكله إلى بعد الغد: فإن كان عامداً حنث، وإن كان ناسياً أو مكرهاً ففي حنثه القولان في نظائرها.
فإن قلنا: لا يحنث، قال في "الحاوي": لا يلزمه فعل المحلوف عليه بعد فوات وقته.
قال: وإن تلف في يومه، أي: أو في بعضه، فعلى القولين في المكره؛ لأنه [فات] بغير اختياره.
المنصوص من القولين هاهنا – على ما حكاه في "التهذيب" – والأصح في "النهاية": أنه لا يحنث.
وإذا قلنا بالحنث فمتى يحنث؟ فيه الخلاف السابق.
ولو أتلفه أجنبي فحكمه كما لو تلف.
وألحق الغزالي بذلك موت الحالف قبل الغد، وهو موافق لما حكيناه عن المحاملي فيما إذا حلف: لا يرى منكراً إلا رفعه إلى القاضي فلان، ومات الحالف قبل وصوله إليه، ولإيراد البندنيجي فيما إذا حلف ليقضينه حقه غداً، فماتا أو أحدهما في اليوم، في الحنث قولين، والذي يقتضيه إيراد الماوردي والبغوي وابن كج وغيرهم: القطع بأنه لا يحنث؛ لأنه لم يبلغ زمان البر والحنث.
قال الرافعي: وقضية هذا أن يفرق بين موته وبين تلف الطعام بعد مجيء الغد وقبلا لتمكن من الأكل، ووفى بهذه القضية صاحب "التتمة".
لكن في "التهذيب" وغيره إلحاق موت الحالف بعد مجيء الغد بتلف الطعام.
قال: وإن تلف من الغد أي: بعد تمكنه من أكله، [فقد قيل: يحنث؛ كما لو قال:
стр. 7134
لآكلن هذا الرغيف، ولم يقيِّده بمدة، فتلف بعد تمكنه من أكله؛] فإنه يحنث.
قال: وقيل: على قولين، وهو الأشبه، هذا ما ذهب إليه ابن سريج؛ لأن جميع اليوم وقت للأكل، ولم يكن التفويت بفعله، ويفارق المطلق؛ لأنه لم يتعين وقته.
قال الغزالي: وهذا الخلاف يلتفت على أن من مات في أثناء وقت الصلاة، هل يعصي بترك المبادرة؟ والصحيح: أنه لا يعصي؛ لأن الوقت فُسْحة للتأخير. وهذا يوافق قول الشيخ: إن الطريقة الثانية أشبه؛ كما ذهب إليه المحاملي والروياني أيضاً.
لكن الأظهر وإن ثبت الخلاف: أنه يحنث، وإليه مال الأكثرون، وهو الجواب في "التهذيب".
وإذا قلنا بالحنث، فهل هو في الحال أو قبل الغروب؟ فيه الخلاف السابق.
قال: وإن قال: لا فارقت غريمي؛ أي: حتى يوفيني حقي، فهرب منه، أي: قبل وفاء الحق – لم يحنث؛ لأنه حل على فعل نفسه، ولم يوجد منه.
قال في "الحاوي": ووهم ابن أبي هريرة؛ فخرج حنثه بفراق الغريم على قولين من حنث المكره والناسي، وهو خطأ، وهذا يقتضي أن يكون التخريج من ابن أبي هريرة. وحكى الرافعي عن أبوي علي بن أبي هريرة والطبري: أن بعض الأصحاب خرجه على قولي الإكراه، وهذا مخالف لذلك، ولا فرق على المذهب بين أن يتمكن الحالف من التعليق به فلم يفعل، أو لم يتمكن؛ لما ذكرناه من العلة؛ ولأجلها جزم ابن الصباغ بأنه لا يحنث إذا فارقه بإذنه.
وخالف ابن كج في ذلك وقال: إذا فارقه بالإذن كان حانثاً، وعليه يدل كلام الشيخ والماوردي؛ حيث قيدا المسألة بالهرب، ويمكن أن يجاب عن ذلك بما ذكره الإمام: أن الشافعي إنما صور المسألة بالفرار؛ بناء على العادة؛ فإن من يبغي ملازمة غريمه إنما تقع المفارقة منه على هيئة الفرار. وزاد الصيدلاني فقال: إن أمكنه منعه من الذهاب فلم يفعل حنث.
ويقرب منه ما حكاه في "التهذيب" عن شيخه، والإمام عن صاحب "التقريب"،
стр. 7135
وبعض المصنفين: أنه إن أمكنه متابعته حنث؛ [لأنه بالمقام] مفارق.
وهذا كله إذا كانا واقفين، فلو كانا يتماشيان، فمشى الغريم، ووقف الحالف لم يحنث؛ على الأصح، وقال القاضي الحسين: إنه يحنث.
ثم المفارقة المعتبرة هاهنا هي المفارقة التي ينقطع بها خيار المجلس مع بقاء الروح، وهي المذكورة في البيع.
ومما يتعلق بهذه المسألة ما إذا حلف: لا فارقني غريمي حتى يوفيني حقي، فإن فارقه الغريم باختياره حنث، سواء أذن في ذلك أو هرب منه.
وعن صاحب "التقريب": أنه إن فر منه خرج على القولين [في المكره، وإن كان ناسياً أو مكرهاً خرج على القولين فيهما].
وحكى صاحب "التهذيب" طريقة؛ قاطعة بأنه يحنث، والاختيار يعتبر في فعل الحالف، لا في فعل غيره.
ونسب الماوردي هذه الطريقة إلى قول البصريين، وهي الطريقة التي وعدنا بذكرها من قبل.
وإن فارقه الحالف لم يحنث؛ على ما حكاه ابن الصباغ، وينبغي أن يجيء فيه ما ذكرناه من قبل، وقد أشار إليه الرافعي.
ولو قال: والله لا افترقت أنا وأنت حتى توفيني حقي، فأيهما فارق صاحبه باختياره حنث الحالف، ولو فر من عليه الحق حنث الحالف قولاً واحداً، قاله البندنيجي وغيره.
ولو قال: لا افترقنا حتى استوفى حقي، أو: لا نفترق، فوجهان:
أحدهما: أنه لا يحنث حتى يفارق كل واحد منهما صاحبه؛ فيذهب هذا إلى كذا، ويذهب هذا إلى كذا.
والثاني- وهو الأظهر-: أن الحكم كالحكم في المسألة قبلها.
فرع على أصل المسألة: لو أعطاه عن حقه عوضاً، أو أبرأه عنه، أو أحاله على
стр. 7136
غيره، ثم فارقه - حنث، وفي "الإبانة" حكاية وجه في الحوالة: أنه لا يحنث؛ بناء على أنها استيفاء.
ولو استوفى حقه في الظاهر، ثم وجده من غير جنسه، أو وجد به عيباً يخرج به من انطلاق الاسم عليه، كما إذا كان حقه دنانير مغربية، فأعطاه دنانير مشرقية، أو لم يخرج به من انطلاق اسم الحق عليه، لكن كان أرش العيب كثيراً لا يسمح بمثله - فإن علم بذلك قبل التفرق حنث، وإن علمه بعد التفرق خرج على القولين في المكره، ولو كان الأرش مما يتسامح به لقلته بَرَّ.
فإن قيل: نقصان القدر موجب للحنث فيما قل وكثر؛ فهلا كان نقصان الأرش بمثابته في وقوع الحنث بما قل وكثر؟
قيل: لأن نقصان القدر متحقق يمنع من التماثل في الربا، ونقصان الأرش مظنون لا يمنع من التماثل في الربا؛ فلذلك لم يحنث.
فإن قيل: قد قلتم بالحنث فيما إذا كان أرش العيب كثيراً، وإن كان ما ذكرتموه موجوداً.
قيل: لأن الظن في كثيره أقوى، وفي قليله أضعف فافترقا في بر اليمين وإن استويا في تماثل الربا، كذا قاله الماوردي.
آخر: لو أفلس قبل أن يفارقه، ثم فارقه؛ لأجل الفلس:
فإن كان قبل أن يحكم الحاكم عليه بالمفارقة حنث، وإن كانت المفارقة واجبة؛ لأن أحكام الشرع إذا خالفت عقد اليمين لم تمنع من الحنث؛ كمن غصب مالاً، وحلف: لا يرده على صاحبه، حنث برده عليه، وإن كان رده بالشرع واجباً؛ لأنه رده عليه مختاراً.
وإن كان بعد حكم الحاكم عليه بالمفارقة فهو مكره؛ فيكون في حنثه قولان، كذا حكاه الماوردي.
وفي البندنيجي: أنه إن فارقه قبل ثبوت فلسه، وحجر الحاكم عليه - حنث، وإن كان بعده فقد لزم الحالف أن يفارقه شرعاً، فإذا فارقه فهل يحنث أم لا؟ على قولين: لأنه مكره على فراقه.
стр. 7137
قال: وإن حلف – أي: على أمر مستقبل، نفياً كان أو إثباتاً – فقال: إن شاء الله، متصلاً باليمين، أي: ونوى رفع اليمين بها من أول لفظه – لم يحنث؛ لما روى طاوس عن أبي هريرة أنه ﷺ قال: "مَنْ حَلَفَ علََى يَمِينٍ، فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ – لَمْ يَحْنَثْ"، ولأنه علق الفعل على مشيئة الله – تعالى – وهي غير معلومة. وهكذا الحكم فيما لو قال: إن أراد الله، أو: إن أحب الله، او: إن اختاره الله، أو: بمشيئة الله تعالى، أو: بإرادة الله، أو: باختيار الله، على ما حكاه الماوردي.
وهل نقول: انعقدت اليمين مع الاستثناء؟
منهم من قال: نعم، لكن المشيئة غير معلومة؛ فلا يحكم بالحنث، وهذا ما نقله المحاملي والروياني.
ومنهم من يطلق القول بأنها غير منعقدة، وهكذا فعل صاحب "التهذيب".
ومعنى الاتصال وما يمنعه مذكور في كتاب الطلاق.
واعلم أن قول الشيخ: فقال: إن شاء الله – فيه إشارة إلى أنه لو لم يقل ذلك ولكن نواه بقلبه، لا يحصل المقصود من الاستثناء، وقد صرح بذلك المحاملي والبندنيجي والماوردي وغيرهم.
ووجهه البندنيجي: بان الاستثناء كالنسخ؛ فلهذا لم يصح بالنية، بخلاف ما لو قال: أنت طالق إن دخلت الدار، ثم قال: نويت شهراً، أو قال لعبده: أنت حر، ثم قال: أردت: إن دخلت الدار – فإنه يُدَيَّن؛ لأنه تخصيص، والتخصيص يجوز بالنية.
стр. 7138
ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يؤخر الاستثناء كما ذكره الشيخ، أو يقدمه فيقول: إن شاء الله، والله لأفعلن كذا، أو: لا فعلت كذا، [أو يوسطه فيقول: والله – إن شاء الله – لا فعلت كذا] أو: لأفعلنه، صرح به الماوردي وغيره.
ولو قال: والله لا فعلت كذا، إلا [إن شاء الله أو: إلا] أن يشاء الله – ففيه خلاف قدمناه في كتاب الطلاق، والأصح عند ابن كج في الأولى: أنه استثناء.
قال: وإن جرى الاستثناء على لسانه – على عادته – ولم يقصد به رفع اليمين، لم يصح الاستثناء؛ لأن ذلك لغو الاستثناء، ولما لم ينعقد لغو اليمين لم ينعقد لغو الاستثناء قياساً عليه.
فإن قيل: حكى صاحب "البيان" فيما إذا نوى صوم غد من شهر رمضان، وقال: إن شاء الله – خلافاً في انعقاد نيته عند عدم قصد التعليق؛ فهلا جرى مثله هاهنا؟ فالجواب: أنا أخذنا بالأحوط في الموضعين.
واعلم أن قول الشيخ: ولم يقصد به رفع اليمين، يفهم أنه إذا قصد به رفع اليمين أنها لا تنعقد.
وفي "الشامل" والصورة هذه: أنها تنعقد، وفي ذلك نظر.
стр. 7139
قال: فإن عقد اليمين، ثم عَنَّ له الاستثناء، أي: عرض له بعد استكمال اليمين؛ فأتى به – لم يصح الاستثناء؛ لأن عقد اليمين بعد تمامه يثبت حكمه؛ فلا يرفع بعد ثبوته؛ كما لو عَنَّ له ذلك بعد طول الزمان.
وفي "الحاوي" وغيره حكاية وجه: أنه يصح، وقضية كلام ابن الصباغ ترجيحه؛ فإنه قال: حكى عن أبي الحسين بن القطان أنه قال: لا يصح الاستثناء حتى يقصده مع ابتداء اليمين. وأكثر أصحابنا قالوا: لا يحتاج على ذلك. ووجهه بأن لفظ الاستثناء أقوى، نيته، ثم يكون عقيب اليمين، كذلك نيته.
قال: وإن عن له الاستثناء في أثناء اليمين، فقد قيل: يصح؛ لأنه تحققت النية متصلة باللفظ قبل الاستثناء؛ فأشبه ما لو كانت النية من ابتداء اليمين، وهذا ما يقتضي كلام ابن الصباغ: أنه ظاهر المذهب، وأنه الصحيح، وإليه ذهب الداركي، والقاضيان أبو الطيب والروياني.
قال: وقيل: لا يصح؛ لأن الموجب جميع اللفظ؛ فاشترط اقتران النية بجميعه. ونقل ابن الصباغ عن ابن القطان توجيهه بأنه قاسه على نية الجمع بين الصلاتين، وفرق بأن النية تجعل الصلاتين كالصلاة الواحدة، والاستثناء يخالف اليمين، وهذا ما صححه القاضي ابن كج وابن المرزبان.
قال: وإن قال: لا سلمت على فلان، فسلم على قوم هو فيهم، واستثناه بقلبه – لم يحنث؛ لأنه سلم بلفظ عام يحتمل أن يريد به [الكل، ويحتمل أن يردي به] البعض؛ فإذا نوى أحد محتمليه وقع بحسبه.
وفي "الشامل" عند الكلام فيما إذا حلف: لا يدخل على فلان بيتاً، حكاية قولين في الحنث، وكذلك حكاهما البندنيجي، وهما في طريق الخراسانيين أيضاً.
قال: وإن لم ينو شيئاً، أي: لم ينو السلام على فلان، ولا استثناه من السلام – ففيه قولان:
стр. 7140
أحدهما – وهو رواية المزني، والأصح في "الجيلي" -: لا يحنث؛ لأن اللف يصح للجميع وللبعض؛ فلا يحنث بالشك، وقد يوَجَّه بأنه لم يسلم عليه خاصة، وهو المفهوم من مطلق لفظه، وهذه مادة ما حكيناه عن الإصطخري في مسألة السمن، وقضية ذلك: ألا يحنث وإن قصد السلام عليه، وقد أبداه صاحب "البيان" احتمالاً.
والثاني: أنه يحنث، وهو رواية الربيع، والأظهر عند الشيخ أبي حامد والرافعي؛ نظراً إلى عموم اللفظ.
ومحل الخلاف إذا علم أنه فيهم، أما لو لم يعلم، أو سلم عليه في ظلمة، وقلنا: إنه يحنث – عند العلم – ففي حنثه القولان في الجاهل.
فرع: لو كان الحالف إماماً في الصلاة، والمحلوف عليه من جملة المأمومين، وسلم عليهم – قال ابن الصباغ: الذي يقتضيه المذهب: أن الحكم ما لو سلم على جماعة وهو فيهم، وصرح به الرافعي نقلاً.
قال: وإن قال: لا دخلت على فلان، فدخل على قوم هو فيهم، واستثناه بقلبه – فقد قيل: يحنث؛ لوجود صورة الدخول، وهذا هو الأصح.
قال: وقيل: لا يحنث؛ كالمسألة قبلها، وهذا ما ذكره البغوي، وعلى هذه الطريقة: يجيء في الحنث القول الآخر، وقد صرح به البندنيجي وابن الصباغ. والفرق على الطريقة الأولى بين هذه المسألة والتي قبلها: أن الاستثناء لا يصح في الأفعال؛ ألا ترى أنه لو دخل على جماعة فيهم زيد، فقال: دخلت عليكم إلا زيداً – لم يكن صحيحاً، والاستثناء في السلام صحيح؛ ألا ترى أنه لو سلم على قوم، فقال: سلمت عليكم إلا زيداً، صح، وهذا إذا كان الداخل عالماً بأنه في الموضع، أما لو دخل الموضع الذي فيه فلان ولم يعلم، ففيه قولا الجاهلِ دخل لحاجة، ولم يعلم بأنه فيه، فهذه الصورة أولى بعدم الحنث؛ [لانضمام قصد الشغل إلى الجهل، ونقل الإمام أن الشافعي نص في هذه الصورة على عدم الحنث].
ولو كان الحالف في بيت، فدخل عليه فلان: فإن خرج الحالف في الحال لم
стр. 7141
يحنث، وإن أقام فطريقان:
أحدهما: أن في حنثه قولين ينبنيان على أن الإقامة تنزل منزلة الدخول أم لا؟ فإن قلنا: نعم، حنث، وإلا فلا.
والطريق الثاني: القطع بأنه لا يحنث. ووجهه ابن الصباغ بأنا إذا جعلنا استدامة الدخول كابتدائه كانا داخلين معاً؛ فلا يكون أحدهما داخلاً على الآخر.
فروع:
لو حلف: لا يلبس ثوباً من غزلها، فرقع برقعة كرباس من غزلها - حنث، وعن أبي عاصم العبادي: أنه لا يحنث، وتلك الرقعة تتبع الثوب.
ولو تكوَّر بعمامة من غزلها حنث، إن حلف بالعربية، وإن حلف بالفارسية فلا.
لو حلف: لا يأكل المطبوخ، يحنث بما يطبخ بالنار، أو يغلى، ولا يحنث بالمشوي، والطَّبَاهِجَةِ مشوية.
قال الرافعي: ويحتمل غيره.
لو حلف: لا يأكل المرق حنث بأكل مرق أيِّ لحم كان، وهل يحنث بما يطبخ بالكرش والبطن والشحم؟ فيه وجهان.
لو حلف: لا يأكل من طبيخ زيد، فأكل مما أوقد عليه إلى الإدراك، أو وضع القدر في التنور بعد التسخين -حنث، سواء وجد نصب القدر في الأولى، وتقطيع اللحم، وصب الماء عليه وجميع التوابل، وتسخين التنور في الثانية منه أو من غيره.
ولو أوقد فلان تحت القدر، أو وضعه في التنور مع آخر- لم يحنث؛ لأنه لم ينفرد بالطبخ.
وكذا لو أوقد هذا ساعة وهذا ساعة.
ولو جلس الحاذق بالطبخ على القرب، وكان يستخدم صبيًّا في الإيقاد، ويستقل ويستكثر - فهذا فيه تردد؛ إذ يعزى الطبخ والحالة هذه إلى الأستاذ.
ولو قال: لا آكل مما خبزه فلان، فالاعتبار فيه بالإلصاق بالتنور، دون العجن، وتسخين التنور، وتقطيع الرغفان وبسطها، والله أعلم.
стр. 7142
كفاية النبيه
شرح التنبيه
الجزء الخامس عشر
المحتوى:
تتمة كتاب الأيمان - كتاب النفقات - كتاب الجنايات
стр. 7143
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
باب كفارة اليمين
سميت الكفارة: كفارة؛ لأنها تكفر الذنب، أي تستره، ومنه قيل للأكار: كافر؛ لأنه يكفر البذر، أي: يغطيه، وسمى الكافر: كافراً؛ لأنه يغطي نعم الله تعالى.
وما الذنب الذي تكفره؟
قال في "الحاوي": إن كان عقد اليمين طاعة وحلها معصية، كقوله: والله لا أشرب الخمر، فإذا حنث وشرب الخمر- كانت الكفارة تكفر مأثم الحنث.
وإن كان عقدها معصية وحلها طاعة: كقوله: والله لا صليت- فإذا صلى كانت الكفارة لتكفير مأثم اليمين بعد الحنث. وإن كان عقدها مباحاً وحلها مباحاً، كقوله: والله لا لبست هذا الثوب- فالكفارة تتعلق بهما، وهي بالحنث أحق؛ [لاستقرار وجوبها به].
قال- ﵀:- إذا حلف وحنث، لزمته الكفارة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] أي: وحنثتم؛ كما جاء في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] أي: فأفطرتم.
وسبب وجوبها عند الأكثرين: اليمين والحنث جميعاً.
وحكى الروياني والطبري وجهاً أن سبب وجوبها: اليمين، إلا أنها لا تجب إلا بالحنث؛ كما يوجب ملك النصاب الزكاة، عند حولان الحول، وكأن من قال به جعل الحنث شرطاً، واحتج له بأن الكفارة منسوبة إلى اليمين، وهذا ما حكاه الغزالي.
وقال في "الحاوي": إن الظاهر من مذهب الشافعي: أنها تجب بالحنث وحده.
стр. 7144
وحكى الوجه الأول أيضاً.
ثم قال: والأصح عندي من إطلاق هذين المذهبين: أن يعتبر حال اليمين: فإن كان عقدها طاعة وحلها معصية، وجبت الكفارة بالحنث وحده، وإن كان عقدها معصية وحلها طاعة وجبت باليمين والحنث؛ لأن التكفير بالمعصية أخص.
ثم هذا التردد في اليمين على المستقبل، أما اليمين على الماضي، فقد قال الماوردي: إن سبب الكفارة فيها عند الكذب الحلف وحده.
وقال المحاملي: والبندنيجي: إنما تجب باليمين والحنث، وهما متعاقبان فيها، بخلاف المستقبل؛ فإنهما متراخيان، والله أعلم.
وهل تتعدد الكفارة عند تعدد اليمين واتحاد المحلوف عليه؟
ينظر: إن قصد التأكيد لم تتعدد، وإن قصد الاستئناف فوجهان والأصح: عدم التعدد.
وإن أطلق فعلى أيهما يحمل؟ فيه وجهان.
وسوى ابن كج بين حالة الإطلاق وحالة إرادة الاستئناف في جريان الخلاف، وقد يستدل لقول بالتعدد بقوله – تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] أي: كررتموها على شيء واحد، وإن كان الماوردي في أول هذا الكتاب قد استدل به على عدم التعدد.
وهل إذا حلف يميناً واحدة منع نفسه بها من فعلين أو أكثر، كما إذا قال لجماعة: والله لا كملت واحداً منكم، وكلم واحداً- تبقى اليمين منعقدة في حق من بقي، حتى إذا كلمه تب عليه كفارة أخرى، أم لا؟ فيه خلاف تقدم مثله في كتاب الإيلاء؛ فليطلب منه.
والظاهر من كلام الشافعي- على ما حكاه ابن الصباغ، وهو الصحيح عنده: أنها لا تبقى.
فرع: إذا حلف: لا يأكل الخبز، وحلف: لا يأكل لزيد طعاماً، فأكل خبزه- وجبت عليه كفارة واحدة على أحد الوجهين؛ قاله الرافعي في كتاب الإيلاء.
آخر: هل يجب إخراج الكفارة على الفور؟
стр. 7145
قال: في "التتمة": ينظر: إن كان عاصياً بالحنث فلا يباح له تأخير التكفير وإن كان الحنث طاعة أو مباحاً، فالأولى أن تبرأ الذمة؛ فلو أخر لا حرج عليه.
وقال الغزالي عند الكلام في قضاء الحج: الكارة إذا لزمت بسبب محظور كان في وجوبها على الفور خلاف، أما ما لا عدوان في سببه فلا تضييق في واجبه.
وهل يجوز للإمام المطالبة بها؟
حكى الرافعي في كتاب الإيلاء عن المتولي فيه وجهين، وحكاهما ابن التلمساني في "شرح التنبيه" في قسم الصدقات، وأجراهما في النذر، وعلل وجه عدم المطالبة بأن ذلك لا يجب على الفور، وقرر ما ذكرناه، وهذا هو المذكور في "الشامل" عند الكلام فيما إذا قال: أقسم بالله، أو: أقسمت بالله.
قتال: فإن كان يكفر بالصوم لم يجز حتى يحنث؛ لأنها عبادة بدنية لا حاجة له إلى تقديمها [على وقت الوجوب؛ فلم يجز تقديمها] كصوم رمضان.
وفي قولنا: لا حاجة إلى تقديمها، الاحتراز عن الجمع بين الصلاتين.
وأيضاً فإن الصوم إنما يجوز التكفير به عند العجز عن جميع الخصال المالية، وإنما يتحقق العجز بعد الوجوب.
وفيه وجه: أنه يجوز التكفير به قبل الحنث أيضاً؛ كسائر الخصال.
وفي "شرح مختصر الجويني": أن أبا زيد حكاه قولاً عن القديم.
قال: وإن كان يكفر بالمال فالأولى ألا يكفر [حتى يحنث؛ ليخرج من خلاف] أبي حنيفة.
قال: فإن كفر قبل الحنث؛ أي: وبعد اليمين- جاز؛ لما روي عن عبد الرحمن بن سمرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، فَكَفِّرْ، ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرُ" خرجه أبو داود. ولما روى مسلم والبخاري والترمذي والنسائي: أنه- ﵇ قال في حديث طويل: "وأنا- إِنْ شَاءَ اللهُ- لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، ثم أرى خَيْراً
следующие страницы →