← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 7141–7180 · переход к 7146.

стр. 7141

يحنث، وإن أقام فطريقان: أحدهما: أن في حنثه قولين ينبنيان على أن الإقامة تنزل منزلة الدخول أم لا؟ فإن قلنا: نعم، حنث، وإلا فلا. والطريق الثاني: القطع بأنه لا يحنث. ووجهه ابن الصباغ بأنا إذا جعلنا استدامة الدخول كابتدائه كانا داخلين معاً؛ فلا يكون أحدهما داخلاً على الآخر. فروع: لو حلف: لا يلبس ثوباً من غزلها، فرقع برقعة كرباس من غزلها - حنث، وعن أبي عاصم العبادي: أنه لا يحنث، وتلك الرقعة تتبع الثوب. ولو تكوَّر بعمامة من غزلها حنث، إن حلف بالعربية، وإن حلف بالفارسية فلا. لو حلف: لا يأكل المطبوخ، يحنث بما يطبخ بالنار، أو يغلى، ولا يحنث بالمشوي، والطَّبَاهِجَةِ مشوية. قال الرافعي: ويحتمل غيره. لو حلف: لا يأكل المرق حنث بأكل مرق أيِّ لحم كان، وهل يحنث بما يطبخ بالكرش والبطن والشحم؟ فيه وجهان. لو حلف: لا يأكل من طبيخ زيد، فأكل مما أوقد عليه إلى الإدراك، أو وضع القدر في التنور بعد التسخين -حنث، سواء وجد نصب القدر في الأولى، وتقطيع اللحم، وصب الماء عليه وجميع التوابل، وتسخين التنور في الثانية منه أو من غيره. ولو أوقد فلان تحت القدر، أو وضعه في التنور مع آخر- لم يحنث؛ لأنه لم ينفرد بالطبخ. وكذا لو أوقد هذا ساعة وهذا ساعة. ولو جلس الحاذق بالطبخ على القرب، وكان يستخدم صبيًّا في الإيقاد، ويستقل ويستكثر - فهذا فيه تردد؛ إذ يعزى الطبخ والحالة هذه إلى الأستاذ. ولو قال: لا آكل مما خبزه فلان، فالاعتبار فيه بالإلصاق بالتنور، دون العجن، وتسخين التنور، وتقطيع الرغفان وبسطها، والله أعلم.

стр. 7142

كفاية النبيه شرح التنبيه الجزء الخامس عشر المحتوى: تتمة كتاب الأيمان - كتاب النفقات - كتاب الجنايات

стр. 7143

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ باب كفارة اليمين سميت الكفارة: كفارة؛ لأنها تكفر الذنب، أي تستره، ومنه قيل للأكار: كافر؛ لأنه يكفر البذر، أي: يغطيه، وسمى الكافر: كافراً؛ لأنه يغطي نعم الله تعالى. وما الذنب الذي تكفره؟ قال في "الحاوي": إن كان عقد اليمين طاعة وحلها معصية، كقوله: والله لا أشرب الخمر، فإذا حنث وشرب الخمر- كانت الكفارة تكفر مأثم الحنث. وإن كان عقدها معصية وحلها طاعة: كقوله: والله لا صليت- فإذا صلى كانت الكفارة لتكفير مأثم اليمين بعد الحنث. وإن كان عقدها مباحاً وحلها مباحاً، كقوله: والله لا لبست هذا الثوب- فالكفارة تتعلق بهما، وهي بالحنث أحق؛ [لاستقرار وجوبها به]. قال- ﵀:- إذا حلف وحنث، لزمته الكفارة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] أي: وحنثتم؛ كما جاء في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] أي: فأفطرتم. وسبب وجوبها عند الأكثرين: اليمين والحنث جميعاً. وحكى الروياني والطبري وجهاً أن سبب وجوبها: اليمين، إلا أنها لا تجب إلا بالحنث؛ كما يوجب ملك النصاب الزكاة، عند حولان الحول، وكأن من قال به جعل الحنث شرطاً، واحتج له بأن الكفارة منسوبة إلى اليمين، وهذا ما حكاه الغزالي. وقال في "الحاوي": إن الظاهر من مذهب الشافعي: أنها تجب بالحنث وحده.

стр. 7144

وحكى الوجه الأول أيضاً. ثم قال: والأصح عندي من إطلاق هذين المذهبين: أن يعتبر حال اليمين: فإن كان عقدها طاعة وحلها معصية، وجبت الكفارة بالحنث وحده، وإن كان عقدها معصية وحلها طاعة وجبت باليمين والحنث؛ لأن التكفير بالمعصية أخص. ثم هذا التردد في اليمين على المستقبل، أما اليمين على الماضي، فقد قال الماوردي: إن سبب الكفارة فيها عند الكذب الحلف وحده. وقال المحاملي: والبندنيجي: إنما تجب باليمين والحنث، وهما متعاقبان فيها، بخلاف المستقبل؛ فإنهما متراخيان، والله أعلم. وهل تتعدد الكفارة عند تعدد اليمين واتحاد المحلوف عليه؟ ينظر: إن قصد التأكيد لم تتعدد، وإن قصد الاستئناف فوجهان والأصح: عدم التعدد. وإن أطلق فعلى أيهما يحمل؟ فيه وجهان. وسوى ابن كج بين حالة الإطلاق وحالة إرادة الاستئناف في جريان الخلاف، وقد يستدل لقول بالتعدد بقوله – تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] أي: كررتموها على شيء واحد، وإن كان الماوردي في أول هذا الكتاب قد استدل به على عدم التعدد. وهل إذا حلف يميناً واحدة منع نفسه بها من فعلين أو أكثر، كما إذا قال لجماعة: والله لا كملت واحداً منكم، وكلم واحداً- تبقى اليمين منعقدة في حق من بقي، حتى إذا كلمه تب عليه كفارة أخرى، أم لا؟ فيه خلاف تقدم مثله في كتاب الإيلاء؛ فليطلب منه. والظاهر من كلام الشافعي- على ما حكاه ابن الصباغ، وهو الصحيح عنده: أنها لا تبقى. فرع: إذا حلف: لا يأكل الخبز، وحلف: لا يأكل لزيد طعاماً، فأكل خبزه- وجبت عليه كفارة واحدة على أحد الوجهين؛ قاله الرافعي في كتاب الإيلاء. آخر: هل يجب إخراج الكفارة على الفور؟

стр. 7145

قال: في "التتمة": ينظر: إن كان عاصياً بالحنث فلا يباح له تأخير التكفير وإن كان الحنث طاعة أو مباحاً، فالأولى أن تبرأ الذمة؛ فلو أخر لا حرج عليه. وقال الغزالي عند الكلام في قضاء الحج: الكارة إذا لزمت بسبب محظور كان في وجوبها على الفور خلاف، أما ما لا عدوان في سببه فلا تضييق في واجبه. وهل يجوز للإمام المطالبة بها؟ حكى الرافعي في كتاب الإيلاء عن المتولي فيه وجهين، وحكاهما ابن التلمساني في "شرح التنبيه" في قسم الصدقات، وأجراهما في النذر، وعلل وجه عدم المطالبة بأن ذلك لا يجب على الفور، وقرر ما ذكرناه، وهذا هو المذكور في "الشامل" عند الكلام فيما إذا قال: أقسم بالله، أو: أقسمت بالله. قتال: فإن كان يكفر بالصوم لم يجز حتى يحنث؛ لأنها عبادة بدنية لا حاجة له إلى تقديمها [على وقت الوجوب؛ فلم يجز تقديمها] كصوم رمضان. وفي قولنا: لا حاجة إلى تقديمها، الاحتراز عن الجمع بين الصلاتين. وأيضاً فإن الصوم إنما يجوز التكفير به عند العجز عن جميع الخصال المالية، وإنما يتحقق العجز بعد الوجوب. وفيه وجه: أنه يجوز التكفير به قبل الحنث أيضاً؛ كسائر الخصال. وفي "شرح مختصر الجويني": أن أبا زيد حكاه قولاً عن القديم. قال: وإن كان يكفر بالمال فالأولى ألا يكفر [حتى يحنث؛ ليخرج من خلاف] أبي حنيفة. قال: فإن كفر قبل الحنث؛ أي: وبعد اليمين- جاز؛ لما روي عن عبد الرحمن بن سمرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، فَكَفِّرْ، ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرُ" خرجه أبو داود. ولما روى مسلم والبخاري والترمذي والنسائي: أنه- ﵇ قال في حديث طويل: "وأنا- إِنْ شَاءَ اللهُ- لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، ثم أرى خَيْراً

стр. 7146

مِنْهَا- إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَأَتَيتُ الذِي هُوَ خَيْرُ". فإن قيل: فقد روي أنه- ﵇ قال: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً منها، فَلْيَفْعَلِ الَّذِي هُوَ خَيْرُ، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ". قلنا: قد ورد فيه تقديم الكفارة على الفعل، وأيضاً: فما ذهبنا إليه فيه استعمال للروايتين معاً؛ فإنا نحمل الأول على الوجوب، والثاني على الجواز؛ فكان أولى. ولأنه حق مالي يجب بسببين يختصان به؛ فجاز تقديمه على أحدهما كتعجيل الزكاة. فإن قيل: لا نسلم أن لوجوبها سببين، بل له سبب واحد، وهو الحنث؛ لأن الحنث ضد اليمين؛ لأن اليمين تمنع من الحنث، والضدان لا يشتركان في معنى الوجوب؛ لتنافيهما. قيل في الجواب عنه: إن اليمين [عقد والحنث حل، والحل] لا يكون إلا بعد عقد؛ فلم يتضادا وإن اختلفا؛ كما أن قوله: لا إله، كفر، وقوله: إلا الله إيمان، والإيمان بهما منعقد، ولم يتنافيا بالمضادة. ولو أراد أن يكفر قبل انعقاد اليمين لم يجز وجهاً واحداً. نعم، لو علق انعقاد اليمين على فعل، ولم يوجد بعد: فهل يجوز له أن يكفر قبل انعقاد اليمين وبعد التعليق؟ فيه وجهان مذكوران في "التتمة" وغيرها في كتاب الإيلاء، وصورة ذلك: أن يقول: إن دخلت الدار، فوالله لا كلمتك. قال: وقي: إن كان الحلف بمعصية لم يجز أن يكفر قبل الحنث؛ كي لا يتوصل به إلى المعصية، ولأن تقديم الكفارة رخصة، والرخص لا تستباح بها

стр. 7147

المعاصي، وهذا ما رجحه البغوي، وهو اختيار ابن القاص. قال: وليس بشيء؛ لأن الكفارة لا يتعلق بها تحريم ولا تحليل؛ فإن المحلوف عليه على حاله، وهذا ما [صار] إليه معظم الأصحاب. فرعان: أحدهما: لو قال: أعتقت هذا العبد عن كفارة يميني إذا حنثت، عتق العبد عن الكفارة إذا حنث، بخلاف ما إذا قال: أعتقته عن الكفارة إذا حلفت، لا يجزئه عن الكفارة؛ لأنه قدم التعليق على الحلف. الثاني: لو قال: أعتقته عن كفارة يميني إن كنت قد حنثت، فإن بان أنه حنث عتتق، وأجزأ، وإلا فلا يعتق، بخلاف ما لو قال: أعتقته عن كفارة يميني إن كنت حلفت، فبان أنه حلف؛ فإن صاحب "التهذيب" قال: وجب ألا يجوز؛ لأنه شاك في اليمين، وفي الصورة الأولى هو شاك في الحنث، والتكفير قبل الحنث جائز. تنبيه: يشترط في إجزاء العتق المعجل عن الكفارة أن يبقى العبد حياً إلى الحنث، وكذا على الإسلام؛ فلو مات قبل الحنث أو ارتد لم يجزئه؛ كما في الزكاة المعجلة، كذا صرح به الرافعي. ومقتضاه: أن يعتبر بقاء سائر الأوصاف، وكذا بقاء من صرف إليه الطعام أو الكسوة على صفة الاستحقاق إلى الحنث. وأبدى صاحب "التهذيب" احتمالاً فيما إذا مات العبد [أو ارتد] في أنه يجزئ؛ كما لو ماتت الشاة المعجلة. قال: والكفارة: أن يعتق رقبة، أو يطعم عشرة مساكين، أو يكسوهم، والخيار

стр. 7148

في ذلك إليه؛ لقوله- تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]. ولا يجوز أن يطعم خمسة ويكسو خمسة، قال ابن الصباغ: كما لا يجوز أن يعتق نصف رقبة ويطعم خمسة؛ لأن الله تعالى خيره بين ثلاثة أشياء، ولو جوزنا إخراج جنسين لأثبتنا تخييراً رابعاً؛ فلا يجوز لذلك. قال: فإن أراد العتق أعتق رقبة؛ كما ذكرنا في الظهار، وإن أراد الإطعام أطعم كل مسكين رطلاً وثلثاً؛ كما ذكرنا في الظهار؛ بجامع ما اشتركا فيه من التكفير. وذكر الماوردي أن في قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ دليلاً على اعتبار المد؛ لأن الأوسط محمول على الجنس والقدر، وأوسط القدر فيما يأكله إنسان رطلان من الخبز، والمد: رطل وثلث من حب إذا خبز كان رطلين من خبز، وذلك أوسط الكفارة. وقد جمع الشيخ بقوله: كما ذكرنا في الظهار، ما يجزئ من الأجناس وما لا يجزئ، وكيفية النية ووقتها، وما يتعلق بذلك، وقد ذكر في "الحاوي" هاهنا وجهاً: أن الاعتبار في جنس الطعام بقوت المكفر؛ لظاهر الآية. ولم يحك مثله في كفارة الظهار. قال: وإن أراد الكسوة دفع إلى كل مسكين ما يقع عليه اسم الكسوة من قميص أو سراويل أو منديل أو مئزر، أي: وغير ذلك كالعمامة، والجبة، والقباء، والطيلسان، والمقنعة، والخمار، والإزار؛ لأن الشرع ورد بالكسوة مطلقاً، ولا عرف له فيها. ولم يختلف العلماء في أنا لا نوجب لكل مسكين دست ثوب؛ فحمل على ما ينطلق عليه الاسم، ويخالف واجب الطعام؛ حيث قدر بالمد؛ فإن، فيه سداد الرغيب، وكفاية المقتصد، ونهاية الزهيد، والكسوة لا سبيل إلى ضبطها، هذا هو الجديد. وقد حكى عن القديم قولاً موافقاً لمذهب مالك، وحكاه البويطي أيضاً: أنه

стр. 7149

يشترط أن يكون المعطى ساتراً للعورة، بحيث تصح الصلاة فيه؛ فيختلف بذكورة الآخذ وأنوثته، حتى يجزئ الإزار الواحد إن كان الآخذ ذكراً، ولا يجزئ إن كان أنثى. وضعف الأصحاب ذلك بوجهين: أحدهما: خروجه عن اعتبار الاسم وهو أصل، وعن اعتبار الكفاية وهي عرف. الثاني: أنه لو أعطي من رقيق الثياب ما يعم العورة ولا يسترها لرقته أجزأه، وإن لم يجز فيه الصلاة؛ كذا قاله الماوردي. وعلى الجديد: هل يشترط أن يكون المدفوع يتمكن المدفوع إليه من لبسه، أو لا يشترط ذلك كما إذا دفع ثوب صغير إلى كبير؟ فيه وجهان: اختيار الشيخ أبي محمد: الاشتراط؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ فأضاف الكسوة إلى من يكسى. وأظهرهما: عدم الاشتراط، وإجزاء ذلك، وبه قال القاضي الحسين، وهو الذي دل عليه كلام الشيخ هاهنا؛ حيث قال: "ما يقع عليه اسم الكسوة" ولم يقل: كسوة المدفوع إليه. ويؤيده: أنه يجوز أن يدفع للرجل من الكسوة ما يصلح للمرأة، وكذلك يجوز أن يدفع للمرأة ما يصلح للرجل، ولا يشترط أن تكون الكسوة مخيطة. فرع: لو أعطى عشرة مساكين ثوباً طويلاً، قال الماوردي: إن دفعه إليهم بعد قطعه أجزأه؛ لأنه قد صار كل قطعة منه كسوة، وإن دفعه إليهم صحيحاً، لم يجزئه؛ لأنه ثوب واحد. تنبيه: الكسوة: بكسر الكاف وضمها. والمنديل: مشتق- على ما حكاه ابن الأعرابي وابن فارس- من الندل، وهو النقل؛ لأنه ينقل من واحد إلى واحد. وقيل: من الندل؛ وهو: الوسخ؛ لأنه يندل به. ويقال: تندلت بالمنديل، وتمندلت، وتمدلت: وهو أنكرها. والمئزر: بكسر الميم، مهموز، ويجوز ترك همزه، وهو الإزار؛ كقولهم: ملحف

стр. 7150

ولحاف، ومقرم وقرام. قال: فإن أعطاهم قلنسوة قلنسوة، فقد قيل: يجوز؛ لما روي أن عمران بن الحصين سئل عن قوله- تعالى: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ فقال: إذا قدم وفد على الأمير، فأعطاهم قلنسوة قلنسوة- يقال: قد كساهم. قال: وقيل: لا يجوز؛ لأنه لا يقع عليها اسم الكسوة، وحكى الماوردي عن أبي الفياض البصري: أنها إن كانت صغيرة تغطي قحف الرأس لم تجزئ، وإن كانت كبيرة تعم الرأس، وتغطي الأذنين والقفا-[أجزأت، والمشهور الخلاف الأول، وهو جار في إجزاء الخف على ما حكاه البندنيجي]، وأجراه غيره في الشمشق، وهو المكعب، وفي النعل، وفي الدرع، وفي التبان: وهو سراويل صغير لا يبلغ الركبة، والظاهر في الجميع المنع. وجعل المحاملي قول المنع في القلنسوة المذهب، وقطع في الخف والنعل بعدم الإجزاء، ووافقه الماوردي على ذلك؛ كما لا تجزئ المنطقة والكمران والتكة، وفي "جمع الجوامع" أجراه في التكة. ولا يجزئ دفع الغزل قبل النسج، وكذا لا تجزئ البسط والأنطاع؛ لخروجها عن اسم "الكسوة"، وتجزئ الأكسية؛ لأنها تلبس دثاراً وإن لم [تلبس شعاراً، وهل يجزئ ما يلبس من الجلود واللبود والفراء؟ ينظر: إن كان في بلد] يلبس أهله ذلك أجزأه، وإن كان [في بلد لا يلبسه] أهله فوجهان حكاهما الماوردي، وأنهما مخرجان من اختلاف قوليه في أجناس الحبوب في الإطعام: هل يكون مخيراً، أو يعتبر بالغالب منها؟ وفي "الجيلي": أن محلهما ما إذا كانا في بلد يلبس فيه ولو نادراً. تنبيه: القلنسوة: بفتح القاف واللام، وضم السين، وفي جمعها لغات: قلانس، وقلاس، وقلاسي مشتقة من "قلس": إذا غطى، والنون زائدة. قال: [ولا يجزئ] الخلق؛ لأنه يشبه الطعام المسوس والعبد الزمن، وكذا لا

стр. 7151

يجوز المرقع؛ لأجل البلى، ويجوز المرقع في الابتداء، وما عدا ذلك مما يعد عيباً في البيع لا يمنع من الإجزاء؛ كما قلنا في عيب الرقبة. ولو كان الثوب رقيقاً مهلهل النسج، غير بال في جنسه، لكن يبليه أدنى لبس، ولا يدومم إلا بقدر ما يدوم الثوب البالي- فقد قال الإمام في ذلك: الذي يظهر أنه لا يجزئ. تنبيه: الخلق- بفتح الخاء واللام- الثوب البالي، وجمعه: خلقان، وقد خلق الثوب، بضم اللام وفتحها وكسرها، وأخلق: أربع لغات. قال: ويجزئ ما غسل دفعة أو دفعتين كالطعام العتيق، والعبد المعيب بعيب لا يضر بالعمل. واعلم أن سكوت الشيخ- ﵀ عن ذكر الجنس يعرفك أنه لا فرق في ذلك بين جنس وجنس، فيجزئ الثوب من القز والإبريسم أو القطن أو الكتان أو الصوف أو الشعر، لكن يشترط أن يكون طاهر العين، فإن كان نجس العين لم يجزئه، وإن كان متنجساً أجزأه، وعليه أن يعلمهم بنجاسته. وفي الحرير وجه: أنه يجزئ إذا دفعه إلى [امرأة أو صبي]، ولا يجزئ إذا دفعه إلى رجل، وهو يناظر ما حكيناه من أنه لا يجزئ الثوب الصغير إذا دفعه للكبير؛ اعتباراً بحال المدفوع إليه، وأنه لا فرق بين الجيد من النوع والمتوسط منه والرديء في الإجزاء، ومأخذه اتباع الاسم. وعن القاضي الحسين: أنه لو قيل باعتبار الكسوة الغالبة في أهل البلد كالطعام لم يبعد. قال الإمام: وهو متجه، وهو قريب- أيضاً- مما حكيناه عن رواية "الحاوي" في الفراء والجلود. قال: وإن كان معسراً لا يقد على المال، أي: الذي يصرفه في الكفارة، أي: بأن كان كسوباً وكسبه قدر كفايته، أو له من المال قدر كفايته بغير زائد عليه. قال: كفر بالصوم؛ للآية.

стр. 7152

ثم ما المراد بقدر الكفاية؟ هل كفاية وقته، أو على الأبد؟ الذي صرح به من العراقيين البندنيجي والمحاملي الثاني، وعليه ينطبق إيراد ابن الصباغ؛ حيث قال: إن من له أن يأخذ من الزكاة من سهم الفقراء والمساكين أو من الكفارة، جاز له أن يكفر بالصوم، ولا يلزمه التكفير بالمال، وأورد عليه أن من يملك نصاباً لا يحصل به الكفاية تجب عليه زكاة المال، وإن كان ممن يجوز له أخذها. وأجاب: بأنا لو أسقطنا الزكاة لخلا لانصاب عنها، وهاهنا لا يسقط، وإنما ينتقل إلى بدلها وهو الصيام، وهذا ما حكاه الرافعي، ودل عليه ظاهر كلام الشافعي؛ حيث قال: ومن له أن يأخذ من الكفارة والزكاة، فله أن يصوم. وفي "الحاوي": أن التكفير بالمال قد يجب على من تحل له الزكاة والكفارة، وهو من وجدها فاضلة عن قوته وقوت عياله، ولا يصير بفضلها غنياً؛ فيجب عليه التكفير بالمال دون الصيام؛ لوجودها في ملكه، فاضلة عن كفاية وقته، ويحل له أن يأخذ من الزكوات والكفاراة؛ لدخوله في حكم الفقر والمسكنة. وأجاب عن نص الشافعي بأنه أشار إلى الأغلب من أحوال الناس، والأغلب ما قاله. قلت: وقد انتظم من مجموع النقلين خلاف، وهو مشابه للوجهين اللذين حكاهما ابن الصباغ في الحج في أن المعتبر أن يفضل ما يحتاج إليه في الحج عن الكفاية على الدوام. ويتجه أن يجيء فيما نحن فيه مذهب ثالث، أبداه الرافعي احتمالاً في كتاب الظهار: أن المعتبر أن يكون فاضلاً عن كفاية سنة. قال: وإن كان له مال غائب لم يجز أن يكفر بالصوم؛ لأنه قادر على التكفير بالمال من غير ضرر؛ فلم يتحقق الشرط.

стр. 7153

فإن قيل: قد حل له أن يأخذ من الزكوات والكفارات؛ فوجب أن يجوز له أن يكفر بالصوم؛ كالقسم قبله. فالجواب: أنه يأخذ لحاجة مختصة بمكانه، والكفارة معتبرة بإمكانه. فإن قيل: أليس المتمتع في الحج إذا كان معسراً بمكة، موسراً ببلده، يكفر بالصوم؛ فهلا كان هذا مثله؟ فجوابه: أن مكان الدم مستحق بمكة، فاعتبر يساره وإعساره بها، ومكان الكفارة مطلق؛ فاعتبر يساره وإعساره على الإطلاق. قال: والصوم ثلاثة أيام [للآية. قال:] والأولى: أن تكون متتابعة؛ ليخرج من خلاف أبي حنيفة وأحد القولين عندنا. قال: فإن فرقها، ففيه قولان: أصحهما: أنه يجوز؛ عملاً بإطلاق الآية، وهذا هو المنصوص عليه في هذا الموضع وقال الإمام: إنه الجديد. والقول الثاني: أنه لا يجوز، وهو ما نص عليه في كتاب الصيام، واختاره المزني، وهو الأصح في "التهذيب"؛ استدلالاً بقراءة ابن مسعود: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات" وقراءة أبي: "فصيام ثلاثة أيام متتابعة"، والقراءة الشاذة تقوم مقام خبر الواحد في وجوب العمل، ولأنه صوم تكفير فيه عتق؛ فوجب أن يكون التتابع من شرطه ككفارة القتل والظهار، ولأن من أصل الشافعي حمل المطلق على ما قيد من جنسه؛ كما حمل العتق في كفارة اليمين على المقيد في كفارة القتل، وذلك يقتضي حمل إطلاق هذا الصيام على ما قيد من تتابعه في القتل والظهار. وأجاب من قال بالأول عن القراءة الشاذة: بأنها إنما تجري مجرى خبر الواحد في وجوب العمل بها إذا أضيفت إلى التنزيل، أو إلى سماعها من رسول الله ﷺ ، فأما إذا أطلقت جرت مجرى التأويل.

стр. 7154

ثم لو سلمت حملت على الاستحباب، وإطلاقها على الجواز. وذهب بعض مشايخنا إلى أنها لا حجة فيها وإن أضيفت إلى التنزيل وغيره؛ لأنها ذكرت لكونها قرآناً، ولم يثبت كونها قرآناً؛ فلا يجب العمل بها. وعن القياس على كفارة الظهار والقتل بأنها لما غلط صومها بزيادة العدد تغلظ بالتتابع، ولما خفف هذا الصوم بنقصان العدد تخفف بالتفرقة. وعما ألزموه من قاعدة الشافعي في حمل المطلق على المقيد: بأن الإطلاق هاهنا متردد بين أصلين يجب التتابع في أحدهما وهو كفارة الظهار، ولا يجب في الآخر وهو قضاء رمضان؛ فلم يكن أحد الصلين في التتابع بأولى من الآخر. التفريع: على القول باعتبار التتابع إذا أفطر الحالف في اليوم الثاني أو الثالث بعذر المرض أو السفر، كان حكمه كما ذكرنا في الظهار. ولو أفطرت المرأة بعذر الحيض، فقد قيل: لا يقطع التتابع؛ كما في صوم الشهرين. وقيل: يقطع بالانقطاع؛ لأن خلو الأيام الثلاثة عن الحيض ممكن، بخلاف الشهرين، وقيل: الحيض هاهنا كالمرض هناك. وإذا كانت المرأة ممن لم تحض، فشرعت في الصوم وابتدأها الحيض- قال الرافعي: اتجه التسوية بينه وبين المرض. قال: وإن كان الحالف كافراً لم يكفر بالصوم؛ لأنه ليس من أهله، وكذا لو كان مسلماً ثم ارتد، ليس له أن يكفر به في حال ردته، ويجوز للكافر أن يكفر بالمال؛ لما ذكرناه في كتاب الظهار. وهل يجوز للمرتد أن يكفر به؟ فيه طريقان: أحدهما: أنه على الخلاف في ملكه: إن قلنا بزواله لم يكفر به أيضاً، وإن قلنا ببقائه كفر به، وإن وقفناه: فإن عاد إلى الإسلام تبين وقوعه عنه، وإن مات أو قتل على الردة فلا. والثاني: القطع بإجزائه لأنه مستحق عليه قبل الردة؛ فكان كالديون، على أن في الديون وجهاً عن الإصطخري حكاه صاحب "التقريب": أنها لا تقضي؛ على قول زوال الملك، ويجعل كأنه تلف. والظاهر: أنه يكفر، وإن ثبت الخلاف.

стр. 7155

وهذا الحكم جار هاهنا، وفي سائر الكفارات، وعن صاحب "التقريب" حكاية وجه في هذه الكفارة: أنه لا يخرج من ماله إلا أدنى الدرجات؛ هكذا حكاه الرافعي. وحكى البندنيجي أن إجزاء الكفارة عنه ينبني على تصرفه، وفيه ثلاثة أقوال [مشهورة، فإن قلنا بجوازه أجزأه، وإن قلنا بعدم جوازه ففي ماله- على هذا القول- قولان:]. أحدهما: أنه زال عنه. والثاني: أنه باق عليه. وعلى القولين تكفيره وتصرفه باطل؛ فإن كان عليه دين، فقضاه عن نفسه، لم يصح، وإن قضاه الإمام من ماله جاز. قال: وإن كان عبداً، فأذن له المولى في التكفير بالمال، أي: الذي ملكه إياه، لم يجز في أصح القولين؛ بناء على أنه لا يملكه، وهو الجديد. وفي "الشامل" و"الذخائر" حكاية عن ابن القاص تفريعاً على هذاك أنه يصح منه التكفير بالمال حتى بالعتق، ويثبت له الولاء، وأنكره أصحابنا. قال: ويجوز في الآخر بالطعام والكسوة؛ بناء على أنه يملك، وهو القديم. قال: دون العتق؛ لأن العتق يستعقب الولاء، ولا يمكن إثبات الولاء للعبد. وفي "الحاوي" حكاية وجه: أنه يجوز؛ كالطعام والكسوة. وعلى هذا: فلمن يكون الولاء؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه للسيد. والثاني: أنه موقوف على ما يفضي إليه الحال: من عتق؛ فيصير الولاء له، أو يموت على رقه؛ فيكون لسيده، هذه طريقة "الحاوي". وأما الإمام فقدم على الكلام في ذلك مقدمة، وهو أن السيد لو ملك رقيقه عبداً، وأذن له في عتقه، فلا شك في نفوذ العتق، و [لكن] لمن يكون الولاء؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يكون للعبد؛ فعلى هذا يجزئ عتقه عن الكفارة.

стр. 7156

والثاني: أنه يكون للسيد؛ فعلى هذا يقع العتق عمن؟ قال الإمام: ينقدح فيه وجهان للأصحاب: أظهرهما: أنه للسيد، وكأن الملك ينقلب إليه؛ لانصراف الولاء إليه؛ فعلى هذا لا يجزئ عن الكفارة. والثاني: أنه للعبد؛ فعلى هذا يجوز عتقه عن الكفارة، وهو ما صار إليه الشيخ أبو محمد. والثالث: أنه يكون موقوفاً؛ فعلى هذا هل يقع العتق عن الكفارة ناجزاً في الحال، أو يكون موقوفاً كالولاء؟ الذي حكاه الصيدلاني عن الأصحاب: الأول. والذي اختاره: الثاني، وبه قطع القاضي، وقد ذكرنا طرفاً من ذلك في كفارة الظهار مختصراً. وحكم المدبر والمعتق بصفة وأم الولد، حكم العبد. وأما المكاتب: فإن قيل: إن العبد لا يملك إذا ملك، لم يكن له أن يكفر إلا بالصوم. وإن قلنا: إنه يملك بتمليك السيد وأذن له، ففي جواز تكفيره بالمال قولان: أحدهما: يجوز كالعبد. والثاني: لا يجوز أن يكفر إلا بالصوم، وإن كان للعبد أن يكفر بالمال؛ لأن تملك السيد لمال مكاتبه ضعيف، فضعف إذنه فيه، وتملكه لمال عبده قوي؛ فقوى إذنه فيه، كذا حكاه الماوردي. وحكى الإمام عن الصيدلاني أنه قال: إن أعتق المكاتب عن كفارته بإذن السيد – على قولنا بنفوذ تبرعاته بإذن السيد- فالذي ذكره الأصحاب: أن ذمته برئت عن الكفارة. والذي عندي فيه: أن الأمر موقوف؛ فإن المكاتب ربما يعجز فيرق، ثم إذا عاد رقيقاً فيكون الولاء موقوفاً، وإذا كان موقوفاً يجب وقف الكفارة. واعلم أن كل موضع قلنا فيه: يجوز للعبد أن يكفر بالمال بإذن المولى، يجوز للمولى أن يكفر عنه بإذنه به. وكل موضع قلنا: لا يجوز [له] أن يكفر به بإذن

стр. 7157

المولى، لا يجوز للمولى أن يكفر به عنه بإذنه. نعم، لو مات العبد والمكاتب جاز للمولى أن يكفر عنه بالإطعام والكسوة، وإن قلنا: إن العبد لا يملك بالتمليك؛ لأن التكفير عنه في الحياة يتضمن دخوله في ملكه، والتكفير بعد الموت لا يستدعى ذلك؛ فليس للسيد ملك محقق. وأيضاً فإن الرق لا يبقى بعد الموت؛ فهو والحر سواء. قال الإمام: ويتطرق إليه احتمال وجه مذكور في الكفارات- فيما إذا أعتق العبد وعليه كفارة، وأراد أن يكفر بالمال، وقلنا: إن الاعتبار بحال الوجوب-: أنه لا يجوز؛ لأنه لم يكن أهلاً للتكفير بالمال حينئذ. وإذا قلنا بالظاهر فهل يجزئ إعتاقه عنه؟ فيه وجهان، أصحهما- وهو المذكور في "التهذيب" المنع؛ لما ذكرناه من إشكال الولاء. فرع: إذا قلنا: يجوز للعبد أن يكفر بالمال، فهل له العدول عنه إلى الصيام؟ الذي أبداه الإمام والرافعي في كتاب الظهار: الوجوب، والذي يقتضيه إيراد الشيخ هاهنا: عدمه. آخر: إذا أعتق العبد بعد اليمين، ثم حنث؛ فحكمه في الكفارة حكم الأحرار، وإن حنث في حال الرق، ثم أعتق، فإن كان معسراً كفر بالصوم. وإن حصل له مال، فإن قلنا: الاعتبار بحال الأداء، أو بأعلى الحالين، كفر بالمال، ولم يجزئه الصوم. وإن قلنا: الاعتبار بحال الوجوب، أجزأه الصوم. وإن أراد أن يكفر بالمال، فإن قيل: إن العبد يجوز أن يكفر بالمال على قوله القديم: إنه يملك إذا ملكه سيده، كان بعد عتقه أولى بالجواز. وإن قيل: إنه لا يجوز للعبد أن يكفر بالمال على قوله في الجديد: إنه لا يملك، فهل يجوز له بعد عتقه أن يكفر بالمال؟ على وجهين: أحدهما: يجوز؛ لأنه عند تكفيره حر؛ فأشبه الحر المعسر. والوجه الثاني: لا يجوز؛ لأنه لو أراد التكفير بالمال عند الوجوب لم يجزئه، بخلاف الحر المعسر الذي لو كفر بالمال أجزأه؛ فلزمه استصحاب هذا الحكم بعد عتقه؛ لاستقرار وجوبه في حال رقه؛ فصار في حصول تكفيره ثلاثة أوجه: أحدها: لا يكفر إلا بالمال. والثاني: لا يكفر إلا بالصوم.

стр. 7158

والثالث: أنه مخير بين التكفير بالمال أو الصيام، كذا حكاه الماوردي. والذي حكاه ابن الصباغ- على القول باعتبار حال الوجوب- أن المذهب: أن له أن يكفر بالعتق والإطعام والكسوة. ومن أصحابنا من قال: لا يكفر بالعتق قولاً واحداً، وفي الإطعام والكسوة القولان في ملك العبد؛ لأن الاعتبار بحال الوجوب، وحال الوجوب كان عبداً. قال: وإن أراد أن يكفر بالصوم في وقت لا ضرر على مولاه فيه، أي: مثل أن كان في الشتاء أو ما قاربه من الزمان القصير المعتدل، جاز، أي: من غير إذن المولى، سواء حلف بإذنه وحنث بإذنه، أو بغير إذنه، لأنه لا ضرر عليه في ذلك؛ فلم يكن له منعه منه؛ كما لو أراد أن يتطوع بالصلاة في غير زمان الخدمة، أو يقرأ القرآن. وحكى الماوردي وغيره وجهاً: أنه لا يجوز من غير إذنه؛ لأنه ينقض نشاطه. وحكم التطوع بالصوم في مثل هذا الوقت حكم الصوم عن الكفارة. وفي "النهاية": أن ما ذكر من جواز الصوم تبرعاً أو فرضاً حيث لا يؤثر في الرقبة والقوة في العبد، أما الأمة فللسيد أن يفطرها في صوم التطوع، وصوم الفرض إن لم يكن سبب وجوبه بإذنه. قال: وإن كان عليه ضرر فيه؛ بأن كان في حر شديد، أو في طول النهار، أو كان يضر به ويضعفه عن العمل- نظر: فإن كان حلف بغير إذنه وحنث بغير إذنه لم يجز؛ لأن السيد لم يأذن له فيما ألزم نفسه مما يتعلق به ضرر على السيد؛ فكان له منعه وتحليله منه؛ كما لو أحرم بالحج بغير إذنه. قال: وإن كان حلف بإذنه، وحنث بغير إذنه- فقد قيل: يجوز؛ لأن الإذن في الحلف إذن فيما يتعلق به ويترتب عليه؛ كما أن الإذن في النكاح إذن فيما يتعلق به من اكتساب المهر والنفقة، وهذا ما رجحه في "التهذيب". قال: وقيل: لا يجوز، وهو الأصح؛ لأن اليمين مانعة من الحنث، ولا يعقبها وجوب الكفارة؛ فلم يكن إذنه فيها إذناً في إلزام الكفارة.

стр. 7159

ولأنه إذا حلف وحنث بغير إذنه، لم يجز له أن يصوم بغير إذنه، مع أنه لم ينهه عن المخالفة بالإذن في اليمين؛ فلئلا يجوز- وقد نهاه عن المخالفة وأكدها بإذنه في اليمين- كان أولى. وقد بقى من القسمة الرباعية أمران: أحدهما: قسيم الأول، وهو: إذا حلف بإذنه وحنث بإذنه، جاز من غير إذنه، ولم يكن للسيد منعه، وإن كانت الكفارة على التراخي؛ لما صدر عنه من الإذن، وحكى الإمام أن من أصحابنا من قال: لا يجوز. الثاني: إذا حلف بغير الإذن، وحنث بالإذن، فطريقان: أحدهما- وهو الذي جزم به الماوردي والمحامللي-: أنه يجوز، وهو قضية كلام ابن الصباغ؛ حيث علل وجه الجواز- فيما إذا حلف بالإذن، وحنث بغير الإذن- بأنه أذن في أحد سببي الكفارة؛ فلم يكن له المنع من التكفير؛ كما لو أذن في الحنث دون اليمين. والطريق الثاني- وهو الذي ذكره الغزالي-: [أن] فيه وجهين، والأظهر- وإن ثبت الخلاف- جوازه بغير الإذن. قال: فإن خالف، أي: [حنث، و] قلنا: لا يجوز من غير إذن، وصام، أجزأه؛ لأنها عبادة لا يقف انعقادها على إذنه؛ فصحت وإن جاز للسيد منعه؛ كالحج. ولأن المنع لا يعود إلى نفس الصوم؛ فأشبه ما لو صلى الجمعة من غير إذنه. قال: وإن كان نصفه حراً، ونصفه عبداً، وله مال- أي: ملكه بنصفه الحر- كفر بالطعام والكسوة، أي: ولا يجوز له أن يكفر بالصوم؛ العاجز عنه، وهذا كما أنه إذا وجد ثمن الماء لا يجوز أن يصلي بالتيمم، وإذا وجد ثمن الثوب لا يجوز له أن يصلي عارياً كالحر. قال: دون العتق؛ لأنه إذا لم تكمل فيه الحرية لم يكن من أهل الولاء؛ فلم يصح منه الإعتاق كالعبد القن.

стр. 7160

وذكر الصيدلاني في تكفيره بالعتق قولين كالقولين في المكاتب إذا أعتق بإذن سيده، والذي يظهر أن يجيء فيه ما ذكرناه من الخلاف في العبد من طريق الأولى. قال: وقيل: هو كالعبد القن، أي: فيكفر بالصوم، وهذا ما خرجه المزني، ويقال: إن ابن سريج صوبه فيه. وفي "الحاوي": أن عدة من أصحابنا وافقوه عليه، ووجهوه بأنه ناقص بالرق، وبأن الأداء بحسب اللزوم، واللزوم يلغي جملته؛ فكذا الأداء؛ فلو أخرج المال لكان مخرجاً عن بعضه الرقيق. والمذهب: الأول؛ لأن تكفير الحر الموسر بالمال، وتكفير العبد القن بالصوم، ولم يخل حال من نصفه حر ونصفه عبد من ثلاثة أحوال: تبعيض الكفارة على الرق والحرية، أو تغليب الرق على الحرية، أو على العكس، وقد أجمعوا على بطلان الأول؛ فلم يبق إلا تغليب أحدهما؛ فكان تغليب الحرية في التكفير بالمال أولى من تغليب الرق في التكفير بالصوم من وجهين: أحدهما: أنه لما تغلبت حرية بعضه في السراية إلى عتق جميعه تغلب حكمها في تكفيره. والثاني: أن التكفير بالمال أصل، وبالصيام بدل؛ فكان تغليب ما أوجب الأصل من المال أولى من تغليب ما أوجب البدل من الصيام. وقد نجز – بحمد الله- شرح مسائل الكتاب، ولنختمه بذكر فوائد وفروع متعلقة به، فنقول: الكفارات ثلاثة أنواع: نوع مرتب لا تخيير فيه، وهو كفارة القتل والجماع والظهار. ونوع مخير لا ترتيب فيه، وهو جزاء الصيد وفدية الأذى. ونوع فيه تخيير وترتيب، وهو كفارة اليمين وما في معناها من كفارة النذر، وقوله: أنت علي حرام.

стр. 7161

فالتخيير في الأنواع الثلاثة، والترتيب بينها وبين الصوم، وعلى كل حال: فإذا أتى بها في [أي] وقت كانت أداء إلا كفارة الظهار؛ فإن لها وقت أداء وهو إذا فعلت بعد العود وقبل الجماع، ووقت قضاء وهو إذا فعلت بعد العود والجماع، صرح به البندنيجي. ويجوز لكل من وجبت عليه الكفارة إذا كان أهلاً لأدائها: أن يخرج المال منها بنفسه، ويجوز أن يأمر غيره بإخراجه، وإذا أمر غيره بالإخراج: فإن كان من مال المأمور صح، سواء كان بجعل أو بغير جعل، ويقدر بيعاً أو هبة، وموضع الكلام في ذلك عند الكلام فيما إذا قال لغيره: أعتق [عبدك عني]. وإن كان من مال نفسه فالمأمور وكيل، ولا شك في جواز ذلك؛ لأن مقصودها المال، [والعمل] تبع؛ فأجريت مجرى حقوق الآدميين، لكن النية في إخراجها مستحقة لما يتضمنها من العبادة، وللآمر والمأمور أربعة أحوال: أحدها: أن ينوي الآمر عند الأمر والمأمور عند دفعه، فهو أكمل أحوال الجواز. والثاني: ألا ينوي واحد منهما؛ فلا يجزئ، ولا يضمنه المأمور. والثالث: أن ينوي الآمر عند دفعه، [ولا ينوي المأمور عند دفعه] فهذا يجزئ لاقتران النية بالدفع. والرابع: أن ينوي الآمر عند الأمر، ولا ينوي المأمور عند دفعه؛ ففي إجزائه وجهان، حكى ذلك الماوردي. والثالث على الضد مما حكى في كتاب الزكاة. ثم الآمر إما أن يعين ما يخرجه في الكفارة، أو لا يعينه ويطلق؛ فإن عين شيئاً، فأخرج غيره ضمنه، سواء عدل من الأدنى إلى الأعلى، كعدوله من الإطعام إلى العتق، أو بالعكس، كذا أطلقه الماوردي. قلت: وفي ضمان المعتق نظر؛ لأن العتق غير نافذ [فكيف يضمنه]؟

стр. 7162

وإن أطلق الإذن، ولم يعين له جنساً، فإن كانت الكفارة مرتبة حمل إطلاقه على ما يقتضيه حاله من عتق أو إطعام، فإن أخرج غيره لم يجزئه. وإن كانت كفارة تخيير مثل: كفارة الأيمان، فإن كفر بأقل الأشياء ثمناً جاز، سواء كان ذلك موجوداً في ماله أو غير موجود، وإن كفر بأكثر الأجناس ثمناً: فإن لم يوجد في ملكه إلا هو أجزأه، وإن لم يوجد في ملكه إلا الأقل لم يجزئه، ويكون ذلك على المأذون دون الآمر، والكفارة باقية، وكذا إن لم يكن في ملكه واحد منهما. وإن كانا في ملكه فوجهان: أحدهما: أن الحكم كذلك. والثاني: أنه يجوز. وهذا كله في حال الحياة، أما إذا مات من وجبت عليه الكفارة، ولم يخرجها – نظر: إن خلف تركة، كانت الكفارة في ماله، أوصى بها أو لم يوص، وسبيلها سبيل الديون، هذا هو المذهب. وذكر في باب الوصية وجه: أنه إن أوصى بها أخرجت من الثلث، وإلا لم تخرج. وعلى المذهب: للوصي أو الوارث أن يعتق عنه في الكفارة المرتبة، ويكون الولاء للميت؛ فإن تعذر العتق أطعم من التركة؛ لأن ذلك الواجب. وأما إذا كانت الكفارة غير مرتبة، مثل: كفارة اليمين وما في معناها، فالواجب – على ما حكاه البندنيجي والمحاملي-: [الإطعام لأنه أقل ما يكفر به في حال الحياة، وقال صاحب التهذيب: الواجب: أنقص الأشياء قيمة من] الإطعام والكسوة والعتق، واتفقوا أن الوارث إذا كفر بأعلاها قيمة جاز. وانفرد البندنيجي والمحاملي بحكاية وجه في الإعتاق: أنه لا يجزئ، وقد حكاه غيرهما. وبنى في "الحاوي" الوجهين في جواز الإعتاق على خلاف بين أصحابنا في أن الواجب بالنص في كفارة التخيير أحد الخصال على وجه التخيير، أو

стр. 7163

الواجب جميعها بالنص، وله إسقاط جميعها بفعل أحدها؟ فإن قلنا الأول لا يجزئ، وإن قلنا بالثاني أجزأه، وهو الأصح في الطريقين، وعليه ينبني ما لو أوصى بالعتق وهو أزيد قيمة؛ فإنه يعتبر من الثلث، لكن هل المعتبر جملة الرقبة، أو القدر الزائد من ثمنها على قدر الواجب؟ فيه وجهان يجريان- على ما حكاه في "التهذيب"- فيما إذا أوصى بالكسوة أو الإطعام، وذلك أزيد قيمة: فعلى الأول- وهو الأصح عند الرافعي، وظاهر النص، ولم يحك البندنيجي سواه- إن وفي الثلث بها فذاك، وإن لم يوف، أطلق الرافعي القول ببطلان الوصية، وقال البندنيجي والمحاملي: إنما يفرد من التركة قدر الطعام وثلث ما تبقى: فإن لم يف بقيمة رقبة بطلت الوصية، وإن وفى فوجهان: قال ابن سريج وأبو إسحاق وغيرهما: يعتق بذلك رقبة، وظاهر المذهب: أن الوصية تسقط. وعلى الثاني: إن لم يوف الثلث بما زاد بطلت الوصية. وحكي في أصل المسألة وجه ثالث ضعيف في العتق: أن جملة الرقبة تعتبر من رأس المال، ويتجه جريانه في الكسوة والإطعام أيضاً. وإن كان الميت معسراً فقد حكى الماوردي: أن الأصحاب اختلفوا في أن التكفير يعتبر بالواجب؛ فيكون على ما مضى، أو معتبر بالتطوع؛ فيكون- على ما سيأتي- على وجهين، والذي حكاه في التطوع: أنه جائز إذا أوصى به، سواء كان عتقاً أو صدقة. وإن لم يوص به: فإن كان صدقة جاز من الوارث وغيره، وإن كان عتقاً: فإن تطوع به غير الوارث لم يجز؛ لأنه يتضمن الولاء، وهو يجري مجرى النسب؛ للحديث المشهور: "وليس لأحد إلحاق نسب بغيره"؛ فكذلك الولاء. وإن تطوع به بعض الورثة لم يجز؛ لما ذكرناه في الأجنبي، وإن تطوع به جميع الورثة فوجهان؛ هذا آخر كلامه، ومقتضاه- إذا فرعنا على الوجه الثاني- أن التكفير إن جرى بوصية من الميت يجوز من الوارث والأجنبي بالعتق وغيره، وقد صرح به ابن الصباغ وغيره، وجعله كما لو جرى في حال الحياة بإذنه، وإن جرى بغير وصية؛ يجوز من الوارث ومن الأجنبي التكفير بالطعام والكسوة، ولا يجوز من الأجنبي وبعض الورثة بالعتق، وهل يجوز به من جميع الورثة؟ فيه وجهان، وهذا يفهم أنه لا فرق بين الكفارة المرتبة والمخيرة، والذي حكاه ابن الصباغ والبندنيجي والمحاملي وغيرهم: أن الوارث يجوز له في الكفارة المرتبة أن يعتق وأن يطعم، وإن لم تكن مرتبة يجوز له الإطعام، وهل يجوز له العتق؟ فيه وجهان.

стр. 7164

قال الإمام: والأولى ترتيب الخلاف على الخلاف فيما إذا خلف تركة؛ فإن التركة علقة قائمة حتى كأنها بقية من حياته. وأما الأجنبي فلا يقع عتقه عن الميت، وهل يجزئ إخراجه الإطعام والكسوة؟ سكت ابن الصباغ عن ذلك، وحكى الإمام ومن تابعه فيه وجهين، ووجه الأصحاب عدم إجزاء العتق منه بأمرين: أحدهما: أن التكفير بغير الإعتاق متيسر؛ فلا يعدل إلى الإعتاق؛ لما فيه من عسر إثبات الولاء، ومقتضى هذا: أن يجوز في الكفارة المرتبة. والثاني: أن فيه إضراراً بأقارب الميت من حيث إنهم يؤاخذون بجناية معتقه، وفي طريقة المراوزة حكاية وجه في إجزاء عتق الأجنبي، ووجه في عدم إجزاء الطعام من الوارث والكسوة، وضعفهما الغزالي. وأما الصوم فالجديد: أنه لا يجوز للوارث ولا لغيره أن يصوم عنه، وفي القديم: جوازه للولي، والأجنبي المأذون له في الصوم كالولي، وغير المأذون له فيه خلاف مرتب على الإطعام، وأولى بالمنع.

стр. 7165

باب العدد العدة- بالكسر-: الاسم من "الاعتداد"، وقد تجعل مصدراً لإحصاء العدد؛ فيقال: عددت الشيء عداً، واعتدت المرأة اعتداداً. ويقال: عده فاعتد، أي: صار معدوداً. وهي في الشرع: اسم لمدة معدودة تربص فيها المرأة؛ لتعرف براءة الرحم. وذلك يحصل بأحد ثلاثة أمور: بوضع الحمل. أو: الأقراء. أو: الأشهر؛ على ما سنذكره. والأصل فيها- قبل الإجماع- آيات الكتاب؛ كقوله- تعالى- في سورة البقرة: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] [وقوله تعالى: ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ [البقرة: ٢٣٤]. ومن السنة: ما سنذكره في موضعه. قال أبي بن كعب: أول ما أنزل من العدد: الآية [الأولى]؛ فارتاب ناس بالمدينة في عدة الصغار والمؤيسات وذوات الحمل؛ فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بذلك؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ ....﴾ إلى آخرها. قال- ﵀: إذا طلق امرأته بعد الدخول، وجبت عليها العدة، أي: سواء كان الدخول في حال الصبا، أو بعد البلوغ، وسواء كان الواطئ مقطوع الأنثيين أو لا؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾،

стр. 7166

ويعضده مفهوم قوله تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾ [الأحزاب: ٤٩]. فإن قيل: القصد من العدة- في الغالب- معرفة براءة الرحم، وهي متحققة؛ فيما إذا لم يحصل ثم إنزال؛ فلماذا وجبت والحالة هذه؟ فالجواب: أن الإنزال خفي يختلف في حق الأشخاص وفي الشخص الواحد باعتبار ما يعرض له من الأشغال؛ فيعسر تتبعه ويقبح؛ فأعرض الشرع عنه، واكتفى بسبب الشغل وهو الوطء، والوطء بتغييب الحشفة. وهذا صنيعه في تعليق الأحكام بالمعاني الخفية: كالإسلام، والبيع، وغيرهما. ثم الأصحاب لما رأوا اكتفاء الشرع في وجوب العدة- بما ذكرناه- ألحقوا به استدخال المرأة ماء الزوج من طريق الأولى، لأنه أقرب إلى العلوق من تغييب الحشفة، وألحقوا بذلك النسب أيضاً، وقالوا: لا اعتبار بقول الأطباء: إن الماء إذا ضربه الهواء لم ينعقد منه الولد؛ لأنه شيء مقول بالظن لا يتأتى فيه الإمكان. وفي "التتمة" حكاية وجه: أن الاستدخال لا يوجب العدة؛ إعراضاً عن النظر إلى شغل الرحم، [وإدارة للحكم] على الإيلاج. ثم على الأول: هل يشترط أن يكون ماء الزوج صدر عن وطء شبهة، أو لا فرق فيه بين ذلك وبين أن يكون صدر عن زنى؟ الذي ذكره صاحب "التهذيب"- على ما حكيناه في باب ما يحرم من النكاح- عن المذهب: الأول، وأبدى من عند نفسه الثاني؛ كما لو وطئ زوجته على ظن أنه زنى بها. وأطلق الرافعي الجواب هاهنا بوجوب العدة من غير تفصيل؛ فلعله محمول على ما حكاه في "التهذيب". فرع: لو أقرت المرأة بالدخول، وأنكر الزوج، وحلف عليه- ففي وجوب العدة عليها وجهان محكيان في "النهاية" في باب الإقرار بالنسب. قال: وإن طلقها بعد الخلوة، ففيه قولان: أصحهما: أنه لا عدة عليها؛ لقوله -تعالى- ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، ولأن القصد بالعدة:

стр. 7167

معرفة البراءة، وهي محققة مع انتفاء مظنتها. والقول الثاني- وهو القديم-: أن عليها العدة؛ لما ذكرناه في كتاب الصداق: أن عمر وعلياً- ﵄ قالا: "إذا أغلق باباً وأرخى ستراً فلها الصداق كاملاً، وعليها العدة". ولا فرق في جريان القولين بين أن تجري مباشرة فيما دون الفرج أو لاز والمطلقة قبل الدخول والخلوة لا عدة عليها اتفاقاً. وزوجة المجبوب الذكر، الباقي له الأنثيان، لا يتصور منه الدخول، ولا عدة على زوجته إذا طلقها وهي حائل، وإن طلقها وقد ظهر بها حمل فقد ذكرنا أنه يلحقه، وعليها أن تعتد بوضعه. وامرأة الممسوح لا تجب عليها عدة الطلاق؛ بناء على الصحيح- في [أن] الولد [غير] لاحق به. قال: ومن وجبت عليها [العدة]، أي: بسبب الطلاق، وهي حامل، أي: بحمل يجوز أن يكون من المطلق حتى المنفي باللعان- اعتدت بوضع الحمل، أي: ولو كان ميتاً؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، وإنما قيدنا صورة المسألة بالطلاق؛ لأن عدة المتوفى عنها والموطوءة بالشبهة ستأتي في الباب، إن شاء الله تعالى. وإنما قلنا: إن وضع الحمل المنفي باللعان يحصل به الاعتداد؛ لأنه يحتمل أن يكون منه. والقول في العدة قول المرأة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. ثم المعتبر في انقضاء العدة بالحمل أن ينفصل بجملته، فإن كان أكثر من ولد فلا بد من خروج الجميع، وإن كان ولداً واحداً فلا بد من انفصال جميعه وجهاً واحداً، حتى لو لم تنفصل رجله، لم تنقض العدة؛ فلو ماتت ورثها إذا كان الطلاق رجعياً؛ وكذلك هي، وإن كان في وجوب الدية بقتله وغيرها من

стр. 7168

الأحكام خلاف يأتي في موضعه. أما إذا لم يمكن أن يكون من المطلق؛ بأن وضعته لدون ستة أشهر من يوم النكاح أو لأكثر، وبين الزوجين مسافة [لا] تقطع في تلك المدة- فلا تنقضي به العدة، كما سنذكره في زوجة الصبي؛ لأنه ليس منه، هذا هو المشهور. وفي "الوجيز" وراءه وجهان آخران جاريان فيما لو مات: أحدهما: انقضاء العدة به؛ لاحتمال أنه جرى وطء شبهة قبل النكاح. والثاني: أنها إن ادعت وطء شبهة حكمنا بانقضاء العدة؛ لأن القول في العدة قولها إذا حصل الإمكان. ولم يذكر في "النهاية" ولا في "البسيط" الوجهين في هذه الصورة، وإنما ذكراهما مع الوجه الأول فيما إذا قال لامرأته: إذا ولدت فأنت طالق، فولدت وشرعت في العدة، ثم ولدت بعد ستة أشهر ولداً آخر. والثالث منهما: الفرق بين أن يدعى وطئاً [محترماً من] الزوج بعد الولادة الأولى؛ فتنقضي العدة، أو لا يدعي؛ فلا نحكم بانقضائها. ثم إذا فرعنا على المذهب فمتى تشرع في الأقراء؟ ينظر: إن كان الحمل من وطء شبهة أو نكاح فاسد، فمن حين الوضع، وكذلك إن كان من زنى، ولم تر الدم على الحمل، أو رأته، وقلنا: إنه ليس بحيض، أما إذا قلنا: إنه حيض، فهل تنقضي عدتها بثلاثة أطهار في حال الحمل؟ وجهان، أظهرهما عند الرافعي: الانقضاء، وعلى هذا: لو زنت في عدة الطلاق، وحبلت من الزنى، لم يمنع ذلك انقضاء العدة، ولو كان الحمل مجهول الحال، فقد حكينا من قبل عن الروياني أنه يحمل على أنه من زنى. وفي "النهاية" في فصل أوله: "إذا نكحت في العدة"- أن المعتدة لو أتت بولد لا يمكن أن يكون من واحد منهما لا نقضي بأنه ولد زنى، ولكن لا اب له، وطريق تحسين الظن حمل العلوق به على وطء شبهة. فرع: امرأة المسلول الأنثيين، الباقي الذكر، إذا وضعت حملاً انقضت عدتها

стр. 7169

بوضعه؛ بناء على الصحيح في لحوق الحمل به. وفيه وجه: أنه لا يلحقه؛ فعلى هذا لا تنقضي العدة بوضعه. قال: وأكثره أربع سنين، وقال المزني- على ما حكاه الماوردي وغيره-: أكثره سنتان. والدليل على المذهب في اعتبار مدة السنين الأربع: الاستقراء؛ قال مالك – ﵀: هذه جارتنا امرأة محمد بن عجلان امرأة صدق، وزوجها رجل صدق، وحملت ثلاثة أبطن في اثنتي عشرة سنة، تحمل كل بطن أربع سنين. وروى المبارك عن مجاهد قال: مشهور عندنا: كانت امرأة محمد بن عجلان تحمل وتضع في أربع سنين. وروى الشافعي عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد القرشي: أن سعيد بن المسيب أراه رجلاً، فقال: إن أبا هذا غاب عن أمه أربع سنين، فوضعت هذا وله ثنايا. ورأى هشام بن يحيى المجاشعي قال: بينما مالك بن دينار يوماً جالس إذ قام رجل، فقال: يا أبا يحيى، ادع لامرأة حبلى منذ أربع سنين قد أصبحت في كرب شديد؛ فغضب مالك وأطبق المصحف، وقال: ما ترى هؤلاء القوم؟ ثم قرأ ودعا؛ فجاء الرسول إلى الرجل، فقال: أدرك امرأتك؛ فذهب الرجل، فما حط مالك يده حتى طلع الرجل من باب المسجد على رقبته غلام جعد قطط ابن أربع سنين، قد استوت أسنانه، ما قطعت سراره. وفي أن هذه المدة [هي] أكثر مدده؛ بأن الأصل فيما زاد العدم. وحيث تكلمنا في الدليل على أكثر الحمل، فلنذكر الدليل على أقل مدته وهي ستة أشهر. ونقول: الدليل على ذلك: ما روي أنه أتي إلى عثمان- ﵁ بامرأة ولدت لستة أشهر؛ فشاور القوم في رجمها؛ فقال ابن عباس- ﵄: أنزل الله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾ [الأحقاف: ١٥] وأنزل: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]، فالفصل في عامين، والحمل في ستة أشهر. قال الماوردي: فرجع عثمان ومن حضر إلى قوله؛ فصار إجماعاً.

стр. 7170

قلت: وفي هذه الواقعة دليل على ما ادعاه الروياني أن الحمل المجهول الحال يحمل على أنه من زنى، وقد روي أن الحسن بن علي- ﵄ ولد بعد ستة أشهر من ولادة أخيه الحسين. وقال القتبي: إن عبد الملك بن مروان ولد لستة أشهر. قال: [فإن] وضعت ما لم يتصور فيه خلق آدمي، وشهد القوابل أن ذلك خلق آدمي- فقد قيل: تنقضي به العدة، وهذا نصه هاهنا، قال الماوردي: في القديم؛ لأن القصد من العدة معرفة براءة الرحم، وهي تحصل برؤية الدم؛ فمثل هذا أولى. قال: وقيل: فيه قولان: أحدهما: أنها تنقضي؛ لما ذكرناه. والثاني: أنها لا تنقضي، وهو مخرج من نصه في الجنايات؛ فيما إذا جنى على امرأة فألقت مثل ذلك-: أنه لا يجب على الجاني الغرة، ومن نصه في أمهات الأولاد: أن الاستيلاد لا يحصل به. ووجهه: أن هذه الأحكام منوطة بالولد، واسم "الولد" لا يقع عليه؛ فصار كما لو ألقت علقة. والقائل الأول فرق بأن الغرة الأصل براءة الذمة منها؛ فلا تجب بالشك، وأمومة الولد منوطة باسم الولد، وهذا لا يسمى ولداً، والعدة منوطة باسم الحمل، وهذا يسمى حملاً، بخلاف العلقة؛ فإنها لا تسمى حملاً. وفي المسألة طريقة قاطعة، وصححها صاحب "التهذيب": أن العدة لا تنقضي بذلك. وقائلها حمل النص على ما إذا كانت فيه صورة خفيت عنا وعرفها

стр. 7171

القوابل؛ فإن العدة تنقضي بها وجهاً واحداً؛ كما لو كانت الصورة ظاهرة لنا. وفي "الرافعي": أنه يشبه أن يكون الراجح طريقة القولين، وأن يقال: الأظهر انقضاء العدة؛ ولذلك ذكره الشيخ أبو الحسين ابن خيران في "اللطييف"، والقاضي الروياني وإبراهيم المرورذي. فرع: لو شك القوابل فيما وضعته في أنه مبتدأ خلق آدمي أم لا، فلا خلاف في أنه لا يترتب عليه حكم من أحكام الحمل. قال: وإن كانت من ذوات الأقراء اعتدت بثلاثة أطهار. الأقراء: جمع قرء، بضم القاف وفتحها. يجمع "القرء" على "أقراء" و"قروء"، وهو اسم مشترك بين الحيض والطهر يقع على كل منهما حقيقة عند الأكثرين من أهل اللغة، وقيل: إنه حقيقة في الطهر، مجاز في الحيض، وقيل عكسه، وقيل: إنه حقيقة في الانتقال من معتاد إلى معتاد؛ فتناول الانتقال من الحيض إلى الطهر وعكسه. وقيل: إن القرء- بالفتح-: الطهر، وهو الذي يجمع على "فعول"؛ كحرب وحروب، وضرب وضروب. والقرء- بالضم- يجمع على "أقراء"؛ كقفل وأقفال، والصحيح أنه لا فرق. إذا تقرر ذلك فنقول: الدليل على ما ادعاه الشيخ من أن الاعتداد في حق ذوات الأقراء يكون بالأطهار، قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] والمراد بالقروء في الآية: الأطهار عند الشافعي؛ كما ذهب إليه زيد بن ثابت، وابن عمر، وابن عباس، وعائشة، ﵃. واستدل أصحابنا لذلك بقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أي: في وقت عدتهن؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] أي: في يوم القيامة. والطلاق المأمور به في الطهر، قال- ﵇ لعمر- ﵁ وقد طلق ابنه زوجته في الحيض: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، فَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا؛ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ" فجعل الطهر زمان العدة. وروي أنه- ﵇[كان] يقرأ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِقُبُلِ

стр. 7172

عدتهن﴾، وقبل الشيء: ما اتصل بأوله؛ فكان القبل والاستقبال سواء. وتمسك الماوردي في ذلك بأن الله- تعالى- أثبت الهاء فيها، والهاء إنما تثبت في جمع المذكر دون المؤنث، و"الأطهار" جمع "طهر"، و"الطهر" مذكر، و"الحيض" لو قدرت جمع "حيضة". ولأن "القرء" مشتق من الجمع؛ يقال: قرأت الطعام في فيه، وقرأت الماء في جوفه؛ إذا جمعته، ومن ذلك سمي القرآن قرآنا؛ لاجتماعه؛ قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَانَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] يعني: إذا جمعناه فاتبع اجتماعه. وسميت القرية: قرية؛ لاجتماع الناس فيها، وإذا كان "القرء" هو الجمع كان بالطهر أحق من الحيض؛ لأن الطهر اجتماع الدم في الرحم، والحيض خروج الدم من الرحم، وما وافق الاشتقاق كان أولى بالمراد من مخالفه، والله أعلم. وفي "تعليق" القاضي الحسين والرافعي: أنه يروي أن الشافعي [وأبا عبيد القاسم ابن سلام تناظرا في "القرء"، وكان الشافعي يقول: إنه الحيض] وأبو عبيد يقول: إنه الطهر؛ فلم يزل كل واحد منهما يقرر قوله حتى تفرقا وقد انتحل كل واحد منهما مذهب صاحبه، وتأثر بما أورده من الحجج والشواهد. ثم قال الرافعي: وهذه الحكاية تقتضي أن يكون للشافعي قول قديم أو حديث يوافق مذهب أبي حنيفة. ثم ما المراد من الطهر المفسر به القرء؟ فيه قولان: المذكور منهما في "الرسالة": أنه الانتقال إلى الحيض، [وهذا] أخذاً من قولهم: قرأ النجم، إذا طلع، وقرأ: إذا غاب، وقد يقال: قرأ، إذا انتقل من برج إلى برج. قال الرافعي: وقد يقتضي الاشتقاق وقوع الاسم على الانتقال من الحيض إلى الطهر، كوقوعه على الانتقال من الطهر إلى الحيض، وهذا قد حكيناه من قبل. قال المتولي: الانتقال من الحيض إلى الطهر لا يدل على براءة الرحم؛ فإنها قد تحمل من الوطء في زمان الحيض، ثم ينقطع فيه، والانتقال من الطهر إلى الحيض يدل على البراءة؛ لأن الغالب أن الحامل لا ترى الدم؛ فاعتبر الشرع هذا الانتقال، ولم يعتبر ذلك الانتقال.

стр. 7173

الثاني- وهو المذكور في "الأم"- أنه المحتوش بدمين، لا مجرد الانتقال، وهو الجديد، والأصح في "التهذيب" وعند القاضي الروياني وغيره. قال الرافعي: لكنه يخالف ما حكيناه في كتاب الطلاق [أن أكثرهم حكموا بوقوع الطلاق] في الحالف إذا قال للتي لم تحض قط: أنت طالق في كل قرء طلقة. وأظهر المراوزة ثمرة هذا الخلاف فيما إذا اعتدت الصغيرة بالشهور، ثم حاضت في أثنائها، وفيما إذا قال لها: أنت طالق في آخر طهرك، أو وقع ذلك اتفاقاً، وعند العراقيين في ذلك كلام سنذكره. قال: ومتى يحكم بانقضاء العدة؟ فيه قولان: أحدهما: إن كان الطلاق في طهر- أي: قبل جماع فيه أو بعده- انقضت العدة بالطعن في الحيضة [الثالثة، وإن كان في حيض انقضت العدة بالطعن في الحيضة] الرابعة؛ لأن الظاهر أن الذي ظهر دم حيض؛ فيكون الطهر قبله قد كمل؛ فانقضت العدة بثلاثة أقراء، وقد روي عن عائشة وزيد بن ثابت- ﵄ أنهما قالا: إذا طعنت المطلقة في الدم من الحيضة الثالثة، فقد برئت منه. وعن عثمان وابن عمر- ﵃ أنهما قالا: إذا طعنت في الحيضة الثالثة فلا رجعة له. وهذا القول هو الذي رواه الربيع والمزني، وهو الأصح. فإن قيل: فإاذ كان الطلاق في الطهر لم يكمل بذلك ثلاثة أقراء، وإنما حصل قرءان وبعض الثالث، والله- تعالى- أوجب الاعتداد بثلاثة أقراء. فالجواب: أنه قد يطلق اسم "الثلاث" على الاثنين وبعض الثالث؛ قال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] وهو شهران وبعض الثالث، وتقول: كتبت لثلاث خلون، وإن كان قد مضى اثنان وبعض الثالث؛ فكذلك في "الأقراء". فإن قيل: ذلك مجاز، والأصل في الإطلاق الحقيقة. قيل: الحمل [على] المجاز هاهنا متعين؛ لأمرين:

стр. 7174

أحدهما: أنها لو لم تعتد به عن الطلاق لكانت عدتها بأكثر من ثلاثة أقراء، والله- تعالى- أمرها أن تعتد بثلاثة أقراء. والثاني: أنه منع من الطلاق في الحيض؛ لئلا تطول عدتها؛ لفوات الاعتداد بحيضها، وترك الاعتداد بما ذكرناه أبعد لعدتها، وأسوأ حالاً من الطلاق في الحيض؛ فلو لم تعتد به لكان المنع من الطلاق فيه أولى. واعلم أنا إنما نبهنا على أنه لا فرق في بقية الطهر بين أن يكون قبل الجماع أو لا؛ لأنا رأينا الجيلي قد جزم القول بأنه إذا كان الطلاق بعد جماع فيه: أن عدتها لا تنقضي إلا بالطعن في الحيضة الرابعة، وهذا خلاف ما نص عليه الشافعي في "المختصر"، وصرح به أصحابنا كالماوردي، وابن الصباغ والإمام وغيرهم، ولم أر ما قاله لأحد من أصحابنا. نعم، حكوه عن أبي عبيد القاسم بن سلام؛ فلعله اعتقد أنه من أصحابنا؛ فاقتصر على حكاية مذهبه. قال: والثاني: لا تنقضي حتى تحيض يوماً وليلة، أي: من الحيضة الثالثة أو الرابعة؛ لجواز أن يكون ذلك دم فساد؛ فلا نحكم بانقضاء العدة بالشك، وهذا ما رواه البويطي [وحرملة]. قال: وقيل: إن حاضت للعادة انقضت العدة بالطعن في الحيض، لأنه يعلم من العادة أنه حيض، وإن حاضت لغير العادة لم تنقض حتى تحيض يوماً وليلة؛ لأنه لا يعلم أنه حيض بيقين. والقائل بهذه الطريقية حمل النصين على هذين الحالين، والقائل الأول يقول: إن لم يوجد شرط الحيض بعد ذلك تبين أن العدة لم تنقض. وهل لحظة رؤية الدم، أو اليوم والليلة- إن اعتبرنا وجودهما- من نفس العدة، أو يتبين بها انقضاء العدة وليست منها؟ فيه وجهان محكيان في الطريقين، وأصحهما- على ما حكاه الرافعي وغيره-: الثاني، وتظهر فائدة الخلاف فيما لو راجعها في هذا الزمن، أو مات واحد منهما، أو تزوجها غيره. ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون الدم الذي رأته في زمن الإمكان أسود أو أصفر أو كدراً.

стр. 7175

وقال أبو سعيد الإصطخري: الصفرة والكدرة في غير أيام العادة ليست بحيض؛ لأنه إذا تجرد من صفة الحيض، وخرج عن زمانه؛ كان قاصراً. قال أبو إسحاق المروزي: وقد كنت أذهب إلى هذا حتى رأيت للشافعي نصاً يسوي في الصفرة والكدرة بين أيام العادة وغيرها. تنبيه: قول الشيخ: "إن كان الطلاق في طهر انقضت العدة بالطعن في الحيضة الثالثة"، محمول على ما إذا بقي من الطهر بعد وقوع الطلاق بقية، أما إذا لم يبق، بل انطبق آخر لفظ لطلاق على [آخر] [أجزاء] الطهر، ويتصور ذلك بأن يقول: أنت طالق في آخر أجزاء طهرك، أو يقع ذلك اتفاقاً- فالمذهب المشهور: أنه لا يعتد بذلك قرءاً، وإن كان كلام الشيخ يصدق عليه. وفيه وجه محكي في "المهذب" وغيره عن تخريج ابنس ريج أنه يعتد به قرءا. ومحله عند البندنيجي وابن الصباغ إذا تكمل لفظ الطلاق في زمن الطهر، وتخلل بينه وبين الحيض زمن وقوع الطلاق، وجزما القول بعدم الاعتداد فيما إذا انطبق آخر اللفظ على آخر الطهر، وغيرهما لم يعتبر ذلك، وما قالوه يمكن أن يخرج على قاعدة قررها الغزالي في كتاب الظهار: أن كل حكم مرتب على لفظ: فيكون مع آخر جزء منه، أو متأخراً مترتباً عليه ترتب الضد على زوال الضد؟ والأصح عند الغزالي وإمامه: الأول، ومقتضاه جريان الخلاف في الصورة التي حكيناها أولاً، ومقتضى مقابله: يكون الطلاق واقعاً في الحيض؛ فلا يعتد به قرءاً وجهاً واحداً، ويكون محل الخلاف ما حكاه البندنيجي. فائدة: إذا كانت المطلقة مستحاضة فلها أربعة أحوال: الحالة الأولى: أن تكون معتادة. الثانية: أن تكون مميزة، ولا يخفى الحكم فيها. الحالة الثالثة: أن تكون معتادة مميزة؛ فالجمع بينهما مع اختلاف حكمهما غير ممكن، وفيما يعتبر منهما وجهان: أحدهما- وهو ظاهر المذهب- حكم التمييز على العادة. والثاني: عكسه. ولا يخفي التفريع على كل قول.

стр. 7176

الحالة الرابعة: أن تعدما، ولذلك صورتان: إحداهما: أن تكون مبتدأة، وفيما نحيضها قولان مذكوران في الحيض. والحكم في انقضاء عدتها: أنا ننظر: إن كان الطلاق في الدم في أول الشهر انقضت عدتها بثلاثة أشهر كاملة؛ لأن الأغلب من عادة النساء أن يحضن في كل شهر حيضة، قال الرافعي: وشهرها ثلاثون يوماً. ثم قال: ويمكن أن تعتبر الأهلة؛ كما سنذكره في الناسية، وقد أشار إليه مشيرون. وإن كان في أثناء الشهر فهل تعتد بباقيه قرءاً أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لجواز أن يكون حيضاً. والثاني: نعم، وهو اختيار ابن أبي هريرة؛ لأن اعتبار الأغلب في الشهر أن يجمع حيضاً وطهراً، يقتضي تغليب الحيض في أوله والطهر في آخره؛ فيصير الطلاق في آخره طلاقاً في الطهر، كذا حكاه الماوردي، وفيما علل به إشعار بأن محل الوجهين فيما إذا بقي من الشهر القدر الذي نحيضها فيه أو أقل، أما إذا بقي أكثر من الزمن الذي نحيضها فيه، فالذي يظهر أنه يجب القطع بالاعتداد به، وسنذكر من بعد عنه ما يعضده. ويظهر من طريق النظر أمر آخر: أن يقال: إن كان الطلاق في أثناء الشهر، وكان ذلك الوقت [مثل الوقت الذي ابتدأ بها فيه الدم أولاً- تعتد بثلاثة أشهر من ذلك الوقت] وجهاً واحداً؛ بناء على أنا [لا] نحيضها في الشهر أكثر من مرة واحدة إما لأنا نحيضها أقل الحيض ونجعل باقي الشهر طهراً، أو لأنا نحيضها أغلب الحيض، ونجعل طهرها غالب الطهر؛ لأن ذلك الوقت يكون أول كل حيضة على هذا التقدير، أما إذا حيضناها أقل الحيض، وجعلنا طهرها أقل الطهر، فيظهر أن عدتها تنقضي بأقل من ذلك. وإن كان الطلاق قبل رؤية الدم، ثم أت الدم في شهرها- فسيأتي بالاعتداد

стр. 7177

[بما مضى] قرءاً حكاية خلاف: فإن اعتددنا به قرءاً انقضت عدتها إذا استكملت شهرين بعده مع اتصال [الدم]، وإن لم نعتد به اعتدت بثلاثة أشهر بعد رؤية الدم، سواء كان الدم في أول شهر أو في تضاعيفه؛ لأن أول الدم هو الحيض يقيناً. الثانية: أن تكون ناسية للوقت والعدد؛ فلا تعلم هل كان حيضها يوماً أو عشرة، وهل كان في كل شهر أو شهور، أو في كل سنة أو سنين، وهي المتحيرة- ففي حكم عدتها قولان: أحدهما: أنها كالمبتدأة؛ فتحيض في كل شهر حيضة؛ فإن طلقت في شهر قد بقي منه أكثر من القدر الذي نحيضها إياه، اعتدت به قرءاً، وإن بقي قدر ما نحيضها أو أقل لم تعتد به قرءاً، كذا حكاه الماوردي. وحكى البندنيجي: أنا على هذا القول نجعل حيضها من أول كل شهر. ولا يخفى تفريع الحكم على ذلك. وحكى القاضي الحسين وغيره وجهين: أحدهما: أنه إن طلقها وقد بقي من الشهر خمسة عشر يوماً [أو أقل فلا يحسب ذلك طهراً؛ لاحتمال أنه كله حيض، وإن بقي أكثر من خمسة عشر يوماً] حسب ذلك قرءاً؛ لأنا نقطع بأن فيه جزءاً من [طهر]. والثاني: يوافق ما يقتضيه التفريع على ما حكاه البندنيجي. والقول الثاني: أن أمرها مشكل؛ فتنقضي عدتها بثلاثة أشهر كاملة من وقت طلاقها، سواء كان في أول الشهر أو تضاعيفه؛ لقوله- تعالى: ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤] وهذه مرتابة؛ فتكون عدتها ثلاثة أشهر. والذي حكاه البندنيجي على هذا القول: أنها تصبر إلى سن الإياس، وحكي عن صاحب "التقريب" رواية وجه: أنا نأخذ بالاحتياط، ويكون حكمها حكم التي تباعد حيضها لعارض، ولا نقول- على هذا- بامتداد الرجعة

стр. 7178

وحق السكنى، والذي عليه الجمهور خلافه، ولو كانت ناسية لعدد حيضها ذاكرة لوقته، وهي أن تقول: أعلم أن لي في أول كل شهر حيضة أنا ناسية لقدرها- ففيما ترد إليه قولان كالمبتدأة: فإن طلقت في أول الشهر اعتدت بثلاثة أشهر كوامل. ولو كانت ناسية للوقت ذاكرة للعدد، وهي أن تقول: أعلم أن حيضي في كل شهر عشرة أيام، [ونسيت وقتها من الشهر- فينظر: إن بقي من الشهر بعد الطلاق أكثر من عشرة أيام] اعتدت به قرءاً، فإذا مضى بعد مضي ذلك الشهر شهران انقضت العدة، وإن كان الباقي عشرة أو أقل استقبلت ثلاثة أشهر كاملات بعد انقضاء ذلك الشهر. قال: وإن كانت ممن لا تحيض؛ لصغر أو إياس اعتدت بثلاثة أشهر؛ لقوله – تعالى: ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ الآية [الطلاق: ٤]، ومعنى قوله: ﴿إِنْ ارْتَبْتُمْ﴾ أي: لم تعرفوا ما تعتد به التي أيست من ذوات الأقراء؛ فدل على ما ذكرناه عن أبي في أول الباب. وحكم من بلغت بالسن ولم تحض حكم من ذكرناه؛ لعموم الآية. ولو ولدت المرأة، ولم تر حيضاً قبل الولادة ولا نفاساً بعدها فتعتد بالشهور؛ لظاهر الآية، أو هي كمن انقطع دمها بلا سبب ظاهر؛ لأن الحمل لا يكون إلا لذوات الأقراء؟ فيه وجهان، والأول اختيار الشيخ أبي حامد. ثم الأشهر تعتبر بالأهلة أو بالعدد؟ ينظر: إن انطبق آخر الطلاق على آخر شهر- إما بالتعليق أو اتفاقاً- اعتبرت بالأهلة، وإن وقع الطلاق في أثناء شهر اعتبر الأول بالعدد- وأوله بعد الطلاق- والشهران الباقيان بالأهلة. وذهب أبو عبد الرحمن محمد ابن بنت الشافعي إلى أنا نعتبر الأشهر الثلاثة بالعدد والحالة هذه. وقد ذكرت في باب السلم عن الإمام وغيره كلاماً فيما إذا وقع العقد في آخر

стр. 7179

لحظة من الشهر، وجاء بعده شهران ناقصان ومثله يجيء هنا. قال: فإن انقطع دمها لغير عارض، أي: معروف، وهي ممن تحيض- ففيه قولان أحدهما، أي وهو الجديد: تقعد إلى الإياس إن لم يعاودها الحيض، ثم تعتد بالشهور- أي: ولا تعتد بها قبل ذلك- لأن الله تعالى لم يجعل الاعتداد بالشهور إلا للتي لم تحض وللآيسة، وهذه ليست بواحدة منهما. ولأنها مطلقة ترجو عود الدم؛ فلم تعتد بالشهور، قبل [تبين الإياس] كما لو انقطع لعارض معروف من مرض أو رضاع. وقد استفتي عثمان وعنده علي وزيد- ﵃ في امرأة حبان بن منقذ، وكان قد طلقها طلقة واحدة، وكانت لها منه بنية صغيرة ترضعها؛ فتباعد حيضها، وأقامت تسعة عشر شهراً لا تحيض- أترثه إذا مات؟ فقال لعلي وزيد: ما تريان؟ فقالا: نرى أنها إن [ماتت ورثها، وإن] مات ورثته؛ لأنها ليست من القواعد اللائي يئسن من المحيض، ولا من اللائي لم يحضن، وانتزع حبان البنت منها؛ فعاد إليها اللبن؛ فحاضت حيضتين، ومات حبان قبل انقضاء الثالثة، فورثها عثمان، ﵁. قال: وفي الإياس قولان: أحدهما: إياس أقاربها، أي: من أحد الأبوين، كما نص عليه في "الأم"؛ لتقاربهن في الطبع والخلق والخلق ونزوع بعضهن إلى بعض. وقيل: الاعتبار بنساء العصبات؛ كمهر المثل، وهو بعيد. وعلى الأول: لو اختلفت عادة أقاربها اعتبرنا أقل عادة امرأة منهن، وقيل: تعتبر أكثرهن عادة. وهذا القول إيراد صاحب "التهذيب" يقتضي ترجيحه. قال: والثاني: إياس جميع النساء [أي: أقصى إياس جميع النساء]؛ لأنه لا يتحقق الإياس فيما دون ذلك.

стр. 7180

قال الإمام: ولا يمكن طوف العالم والتفحص، وإنما المراد ما يبلغ خبره ويعرف. وقيل: المعتبر سن اليأس غالباً، ولا نظر إلى الأقصى؛ كما يعتبر في المستحاضة [و] المبتدأة الرد إلى الغالب في قول. وعلى كلا الوجهين: هل المعتبر نساء زمانها أو نساء أي زمان كان؟ الذي رأيته في "الإبانة" الأول، وكذلك في "تعليق" القاضي الحسين و"التتمة"، وغيرهم لم يتعرض لذلك. واعلم أن القول باعتبار إياس جميع النساء هو الراجح على ما يقتضيه إيراد أكثرهم، خلا صاحب "التهذيب" كما حكيناه عنه، وقد حكى الروياني في "جمع الجوامع"، أن أبا إسحاق قال: لعله أصح القولين. وقد اختلف أئمتنا في سنه – تفريعاً على هذا القول- على ستة مذاهب: أشهرها: أنه اثنتان وستون سنة. وقيل: ستون سنة، وهو ما ذهب إليه ابن القاص والشيخ أبو حامد، ويعضده ما رواه ثابت [بن] قرة الحراني في كتاب "الذخيرة في الطب": أن أقل سن [الإياس] وانقطاع الحيض خمس وثلاثون سنة، وأكثره ستون سنة. وقيل: خمسون سنة، وينسب هذا إلى رواية أبي الحسين بن خيران في "اللطيف". وذكر أبو الفرج السرخسي: أن المرأة إنما تبلغ سن الإياس إذا جاوزت سبعين سنة، وحكى أن امرأة حاضت لسبعين سنة. ويقرب منه ما حكاه الماوردي: أن امرأة من بني تميم [ذات] خفر وخشوع أخبرته بجامع البصرة أن الدم عاودها بعد الإياس كما كان يعتادها في زمان الشباب منذ سنة، وكان سنها نحو سبعين سنة. وفي "الجيلي" حكاية وجه: أنه خمس وثمانون سنة. وفي "البيان": أن بعضهم قال: إن غير العربية لا تحيض بعد خمسين سنة، والعربية تحيض بعدها، ولا تحيض بعد ستين سنة إلا قرشية.
следующие страницы →