← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 7351–7390 · переход к 7356.

стр. 7351

وفي "الحاوي": أنها لا تستحق النفقة- أيضاً- في زمن الأقراء بعد الوضع؛ لإقرارها بانقضاء العدة بالولادة، والرجعة له فيها أيضاً؛ لإكذابها فيما ادعته. [فرع] آخر: إذا وطئت المطلقة طلاقاً رجعياً بشبهة، وظهر بها حمل يمكن أن يكون منهما- وجب [الإنفاق] عليهما إن قلنا: إن النفقة للحمل، ويجب التعجيل. وإن قلنا: للحامل، فلا تجب على الزوج؛ لاحتمال أن يكون من الواطئ؛ [فلا تكون في عدته]، ولا على الواطئ؛ لأنه لا يجب عليه النفقة لو تحقق أنه منه، فكيف مع الشك؟ وإذا وضعته وأتمت الأقراء، قال الماوردي وابن الصباغ: يؤاخذ الزوج بنفقة أقصر المدتين؛ لاستحقاقها يقيناً، فإن كانت مدة الحمل أقصر أخذ بنفقتها في مدة حملها، وإن كانت مدة الأقراء أقصر أخذ بنفقة الباقي منها، ثم يراعى حال الحمل بعد الولادة كما سنذكره من بعد. وإن قلنا: للحمل ولا يجب التعجيل، فيكون الحكم في الحال كما إذا قلنا: إنها للحامل. ولايخفى ما يترتب على ذلك من بعد. فإذا وضعت: فإن ألحق بالزوج وجب عليه نفقة ما مضى. وإن ألحقوه بالواطئ لزمه نفقة ما مضى، وتعتد عن الزوج بالأقراء، ويجب عليه نفقتها في الأقراء، وهل تجب في مدة النفاس؟ فيه وجهان. وإذا لم يلحقه القائف بواحد منهما فيجب لها على الزوج أقل الأمرين من نفقة الحمل أو نفقة الأقراء، ونفقة الولد عليهما نصفين، فإذا انتسب إلى الزوج، وكانت نفقة مدة الحمل أكثر-[رجعت عليه] بما بقي منها، وإلا فلا شيء لها. وأما رجوع أحدهما على الآخر: فإن كان الذي لم يلحقه نسبه يدعي نسبه، لم يرجع على الآخر. وإن كان لا يدعي ذلك، فإن أنفق بقول الحاكم رجع وإلا لم يرجع. وهكذا الحكم فيما إذا أنفقا في حال الحمل. كذا قاله ابن الصباغ في العدد. وقال الماوردي: إذا أنفق بغير إذن الحاكم: إن شرط الرجوع في حال الإنفاق

стр. 7352

رجع وإن لم يشترط لم يرجع. وحكى عن ابن أبي هريرة وجهاً: أنه يرجع بها؛ لأن بحملها من الاشتباه قد كان واجباً عليه؛ فاستوى في الرجوع بها حكم الحاكم وعدمه. أما لو لم يظهر بها حمل فلا نفقة على الزوج إن تأخر اعتدادها عنه، وقلنا: لا رجعة له. وإن قلنا: له الرجعة، فوجهان، [كذا قال في كتاب التهذيب]. [فرع] آخر: لو اختلفا: فقالت: وضعت قبل الطلاق؛ فلي النفقة، وقال: بل بعده؛ فلا نفقة لك- فالقول قولها، وليس له الرجعة. ولو قالت: وضعت بعد الطلاق، وقال: بل قبله- فله الرجعة، ولا نفقة لها في العدة. قال: وإن طلقها طلاقاً بائناً- أي: بعد الدخول- إما على عوض، أو تمام ما يملكه من العدد- وجبت لها السكنى، أي: حائلاً كانت [أو] حاملاً؛ لما تقدم في باب العدد، وأما كون رسول الله ﷺ لم يجعل لفاطمة سكنى، فقد أجاب عنه سعيد بن المسيب حين قال له ميمون بن مهران: فاطمة بنت قيس طلقت؛ فخرجت من بيتها-: تلك امرأة فتنت الناس؛ إنها كانت لسنة؛ فوضعت في بيت ابن أم مكتوم الأعمى" على ما رواه أبو داود. قال: وأما النفقة: فإن كانت حائلاً لم تجب؛ لأن الله- تعالى- لما جعلها لها إذا كانت حاملاً دل على سقوطها بعدم الحمل، ولحديث فاطمة. وقد روى مسلم- أيضاً- "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَجْعَلْ لَهَا سُكْنَى، وَلَا نَفَقَةً". ولأن زوجتيها زالت؛ فلا تستحق النفقة بعد زوالها كالمتوفى عنها. فرع: لو ادعت المرأة أن الزوج أبانها وأنكر- فالقول قوله- ولا تستحق عليه

стр. 7353

نفقة قاله الرافعي في القسم والنشوز أصلاً مقيساً عليه. قال: وإن كانت حاملاً وجبت؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، ولما روى أبو داود، عن فاطمة أنها قالت: فأتيت رسول الله ﷺ فقال: "لا نَفَقَةَ لَكِ إِلَّا أَنْ تَكُوني حَامِلاً". ثم محل وجوبها عند توافقهما على الحمل، أو شهادة أربع نسوة- عند إنكاره- فإن لم يكن ثم من يشهد فالقول قوله مع يمينه. وتجوز الشهادة بالحمل وإن كان لدون ستة أشهر إذا عرفنا ذلك، وفيه وجه: أنه لا يعتمد على قوله إلا بعد مضي ستة أشهر، ووجه حكاه القاضي الحسين: أنها تعتبر بعد مضي أربعة أشهر. قال: ولمن تجب؟ فيه قولان: أحدهما: لها- أي: بسبب الحمل- لأنها تجب على المعسر، وتختلف بيسار الزوج وإعساره، ومقدرة لا بالكفاية، وذلك من شأن نفقات الزوجات، دون الأقارب. ولأنها لو كانت للحمل لما وجبت على الأب إذا ملك الحمل مالاً من وصية أو ميراث، وفي إجماعهم على أنها على الأب دليل على أنها تجب للحامل دون الحمل. ولأنها لو كانت للحمل، لوجبت على الجد، عند إعسار الأب، وهي لا تجب، كذا ذكر الماوردي التوجيه الثاني والثالث، وفيهما شيء سأذكره من بعد- إن شاء الله تعالى.

стр. 7354

وهذا القول هو الصحيح، والمنصوص عليه في "الأم" واختاره المزني. قال: والثاني: للحمل- أي: وصرفت لها- لأن غذاءه بغذائها، وإنما قلنا ذلك؛ لأنها لما وجبت بوجوده وسقطت بعدمه دلت على وجوبها له دون أمه. ولأن النفقة لما وجبت له بعد انفصاله، وجبت في حال اتصاله؛ لتحفظ بها حياته في الحالين، بل هو في حال الاتصال أضعف. ولأن نفقة المرضعة لما وجب للمرضع دونها، وإن تقدرت بكفايتها- كانت نفقة الحامل بمثابتها تجب للحمل دونها، وتتقدر بكفايتها دونه، كذا قاله الماوردي. وهذا القول منقول في "الإملاء"، وربما نسب إلى التقديم. ويتفرع على القولين مسائل نذكرها، إن شاء الله تعالى. قال: ولا تجب إلا على من تجب عليه نفقة الولد، أي: على القول الثاني، لأنه ولده. فإن [كان] المطلق عبداً أو حراً- والولد رقيق- فلا تجب عليه. وتجب عليه على القول الأول؛ لأن نفقة القريب مواساة، وليس من أهل المواساة، ونفقة الزوجة معاوضة في الأصل، والعبد من أهل المعاوضات. وقد استشكل الإمام قول الوجوب؛ لأنا وإن قلنا: إنها لها، فهي بسبب الحمل؛ فكان ينبغي ألا تجب كما في اللعان. ثم أجاب عن ذلك باتباع ظاهر نص الكتاب في المطلقات؛ لأنه لا تفرقة [فيهن بين أن يكون الزوج حراً أو عبداً، ولا] بين أن تكون الزوجة حرة أو أمة. قال: وهل يدفع إليها يوماً بيوم، أو لا يجب شيء منها حتى تضع؟ فيه قولان- أي: سواء قلنا: إنها لها أو للحمل كما صرح به في "المهذب" والبندنيجي وغيرهما: أحدهما- وهو الصحيح: الأول؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦]. ووجه الثاني: أن الأصل براءة الذمة عن النفقة، وقد انقطع عصام النفقة، ولم نستيقن سبباً متجدداً.

стр. 7355

وبعضهم بناه على أن الحمل هل يعرف أم لا؟ والصحيح أنه يعرف؛ بدليل رد الجارية المبيعة به، وتحريم وطء المسبية حتى تضع، ولا تؤخذ الحامل في الزكاة، وتجب الخلفة في الدية، ولا يقام الحد على حامل. ومن الأصحاب من قال: القولان على اختلاف حالين: فالأول محمول على ما إذا تبين الظهور، والثاني: على ما إذا لم يتبين، بل ظهر أدنى ظهور؛ قاله الجيلي. التفريع: إن قلنا بالأول، فدفع، ثم بان أن لا حمل- رجع. وعلى الثاني إن كان الإنفاق بإذن الحاكم، أو صرح عند الدفع بأنها نفقتها إن كانت حاملاً، وأنه يرجع عليها إن لم تكن حاملاً- رجع، وإن فقد ذلك لم يرجع. وإن صرح بأنها نفقة، ولم يشترط الرجوع عند ظهور أن لا حمل- فوجهان، أصحهما في "الحاوي" وغيره: أنه يرجع. ولو لم ينفق عليها حتى وضعت الحمل، أو لم ينفق في بعض المدة: فإن قلنا بالثاني لم تسقط نفقة ما مضى، وإن قلنا بالأول فمنهم من قال: إن قلنا: إن النفقة للحامل فكذلك، وإن قلنا: للحمل، فتسقط؛ لأن نفقة القريب تسقط بمضي الزمان؛ وهذا ما أورده المتولي، والغزالي. ومنهم من قطع بعدم السقوط وإن قلنا: إنها للحمل، وعلى ذلك جرى البندنيجي، لأن المرأة مستحقة لها، وانتفاعها بها أكثر من انتفاع الحمل؛ فكانت كنفقة الزوجة، وهذا هو الظاهر، والذي عليه الجمهور. وحكى الإمام الوجهين عند الكلام في سقوط نفقة القريب بمضي الزمان. قال: وإن لاعنها ونفى حملها، وجب لها السكنى، لأنها معتدة عن فرقة نكاح في حال الحياة؛ فأشبهت المطلقة. وحكى القاضي أبو الطيب وجهاً: أنها لا تجب؛ لأنها إنما تجب [لتحصين] الماء، والولد منتف عنه. قال: دون النفقة؛ [لأن النفقة في حال] البينونة إنما تجب بسبب الحمل أو

стр. 7356

له، وهو منتف عنه؛ فأشبهت الحائل. وفي تعليق القاضي الحسين حكاية وجه: أنها تجب إذا قلنا: إنها للحامل. ولا فرق في ذلك بين أن يكون اللعان في حال الزوجية [أو بعد البينونة إلا في استحقاق السكنى فإن القاضي أبا الطيب قال: إن قلنا: إنها حال الزوجية]، ففي حال البينونة يحتمل وجهين، فإذا لم نجوزه إلا بعد الوضع، فحكمها كما تقدم إلى الوضع، فإذا لاعن استرد النفقة، ولو أكذب نفسه بعد اللعان، رجعت عليه بالنفقة في زمن العدة، كذا صرح به الماوردي وغيره. وبعضهم قال: إن هذا بناء على أن النفقة للحامل، أما إذا قلنا: إنها للحمل، فلا ترجع. ولو أكذب نفسه [بعد] ما أرضعته، رجعت عليه بأجرة الرضاع، نص عليه في "الأم" وفيه وجه. وإن أنفقت عليه مدة، ثم رجع، رجعت عليه بما أنفقت؛ لأنها أنفقت عليه على ظن أنه واجب عليها، لا على سبيل التبرع، فإذا بان خلافه ثبت الرجوع، وشبه ذلك بما إذا ظن أن عليه ديناً، فقضاه، ثم تبين خلافه رجع. أما إذا لاعنها ولم ينف حملها، فهي كالمطلقة ثلاثاً في استحقاق السكنى والنفقة، وهذا هو الصحيح. وقد حكى الغزالي: أن فرقة اللعان تنسب إليها- على رأي- فتكون في استحقاقها السكنى والنفقة كما سنذكره فيما إذا انفسخ النكاح بسبب من جهتهاز ولا يخفى على الطريقة [المرجحة] أن اللعان من قبيل العوارض، والفراق به ليس مستنداً إلى حالة العقد. قال: ومن وطئ امرأة بشبهة، أي: سواء كانت شبهة نكاح فاسد أو غيره، وحملت منه- لم تجب لها السكنى؛ لأنها لا تستحقها في حال الاجتماع؛ فأولى ألا تستحقها بعد التفريق. وحكى الماوردي أنه قيل: [إن] لها السكنى أيضاً، إذا [قلنا]

стр. 7357

[إنها] تستحق النفقة، وذكره فيما إذا كانت الشبهة في نكاح فاسد. قال: وفي النفقة قولان، أي: ينبنيان على أن النفقة للحامل أو للحمل؟ فإن قلنا: لها، لم تجب؛ [لأنها] لا تستحقها في حال التمكن فأولى ألا تستحقها بعده. وإن قلنا: إنها للحمل، وجبت؛ إذ الحمل تابع له، وهذا ما علل به الجمهور، ولم يرتض الإمام ذلك، وقال: إنما وجبت لها من جهة قيامها بتربية الولد وتنزيلها منزلة الحاضنة، وطرده في كل موضع قلنا: إنها تستحق النفقة، وهذا المعنى يقتضي القطع بإيجاب النفقة. ثم قال: وحاصل هذا الخلاف- عندي- يرجع إلى أن الولد إذا كان مجتناً هل تجب مؤنته؟ فعلى قول: نعم كالمنفصل، وعلى قول: لا؛ لأنه جزء من الأم ما دام مجتناً لا استقلال له. قال الرافعي: وتنزيل نفقة الحالم منزلة مؤنة الحاضنة بعد الانفصال لا اتجاه له وإن ردده الإمام مراراً؛ لأن الواجب هناك كفاية أمر من تحضنه، إما تبرعاً وإما بأجرة، من غير تقدير، وهذه النفقة مقدرة كنفقة الزوجات. قلت: إن كان المراد بمن تحضنه: غير المرضعة فالاعتراض صحيح، وإن كان المراد به: المرضعة، فقد تقدم عن الماوردي- عند الكلام: في أن النفقة لمن؟ ما يدل على أنها مقدرة [فدفع الاعتراض] على أنه- أيضاً- مشكل. ثم هذا كله فيما إذا كانت الموطوءة بالشبهة غير منكوحة، فإن كانت منكوحة، وحملت من وطء الشبهة، فإن أوجبنا النفقة على الواطئ بالشبهة، سقطت عن الزوج، وإن لم نوجبها عليه ففي سقوطها عن الزوج وجهان: أفقههما: السقوط؛ لفوات الاستمتاع عليه، وهذا ما جزم به في "التهذيب". والثاني: لا تسقط؛ لأنها معذورة فيه، وهذا ما أورده في "البسيط". قلت: ويجوز أن يكون مأخذ هذا الخلاف أنه هل يحل له التلذذ بها، أم لا؟ وفيه خلاف تقدم في باب العدد.

стр. 7358

فإن قلنا: يحل، لم يفته جميع [وجوه] الاستمتاعات، [فتجب؛ كالمريضة. وإن قلنا: لا يحل فقد فاته جميع وجوه الاستمتاع]، فلا تجب؛ كالمحرمة. واستحسن الإمام توسطاً، وهو أنها إن كانت نائمة أو مكرهة فلها النفقة. وإن مكنت على ظن أنه زوجها، فهذا فيه التردد الذي حكاه الأصحاب. وما قاله قريب مما قاله الشيخ أبو علي فيما إذا وطئ زوجة أبيه؛ [كما ذكرناه في باب: ما يحرم من النكاح. وحكم أم الولد، إذا أعتقها سيدها]، وهي حامل- حكم الموطوءة بالشبهة، صرح به القاضي الحسين. قال: وإن توفي عنها لم تجب لها النفقة في العدة- أي: وإن كانت حاملاً-[لأنها إذا كانت حائلاً بانت بالموت؛ فأشبهت البائن بالطلاق، وإن كانت حاملاً]، فهي إنما تجب إذا كانت الفرقة بالطلاق، إما للحمل وإما بسببه، ونفقة القريب تنقطع بالموت. قال: وفي السكنى قولان: أحدهما: أنها لا تستحقها؛ لأنها تجب يوماً بيوم؛ فلم تجب كالنفقة، وهذا ما اختاره المزني، وصححه منصور اليمنى في "المستعمل" والغزالي في "الخلاصة". وروي "أَنَّ عَلِيًّا-[﵁]- نَقَلَ أَمَّ كُلْثُوم بَعْدَمَا اسْتُشْهِدَ عُمَرُ- ﵁ بِسَبْعِ لَيَالٍ". والثاني: أنها تستحقها، وهو الأصح عند العراقيين، وتابعهم الروياني وغيره. ووجهه: ما روى أبو داود أن فريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري قتل زوجها؛ فسألت رسول الله ﷺ أن ترجع إلى أهلها، فإنه لم يتركها في مسكن

стр. 7359

يملكه، ولا نفقة، فقال لها رسول الله ﷺ : "نعم"، فخرجت حتى صارت إلى الحجرة أو في المسجد، فدعاها وقال: "كَيْفَ قُلْتِ"؟ فأعادت عليه القصة، فقال: "امْكُثِي فِي بِيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ" قال: فاعتدت فيه أربعة أشهر وعشراً، فلما كان عثمان أرسل إلي، فأخبرته القصة؛ فقضى به واتبعه. قال الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح. ومن قال بالأول، قال: قوله: "امكثي في بيتك" ندب لها إلى الاعتداد في ذلك البيت، والمذكور أولاً بيان أنه لا سكنى لها. وقد ذهب كثير من الأصحاب إلى بناء القولين على التردد في أن حديث فريعة منزل على هذا الترتيب، أو الأول حكم بأنه لا سكنى لها، والذي ذكره آخراً ينسخ الأول. وفي "الجيلي": أن صاحب "الحلية" قال: تجب لها السكنى إن كانت حاملاً، على الأظهر. ولم يذكر أحد من المصنفين هذا التقييد سواه. ومحل الكلام في المسألة إذا لم يتقدم الموت طلاق، أما إذا تقدمه طلاق بائن فلا نزاع في وجوب السكنى لها، ولا نفقة لها إن قلنا: إنها للحمل، وإن قلنا: إنها للحامل، فوجهان: اختيار ابن الحداد- وهو الأصح عند الإمام-: أنها تسقط أيضاً؛ لأنها كالحاضنة، ولا تجب نفقة الحاضنة للولد بعد الموت. وعن الشيخ أبي علي: أنها لا تسقط؛ لأنها لا تنتقل إلى عدة الوفا’، بخلاف الرجعية، بل تعتد عن الطلاق، والطلاق كان يوجب هذه النفقة دفعة واحدة؛ فتصير كدين عليه، وهذا أقيس عند الغزالي. واعلم أن الشيخ – ﵀ سكت عن نوع آخر من المعتدات، وهن المفسوخ نكاحهن بعد الحكم بصحته، وللأصحاب في استحقاقهن السكنى طرق: أحدها: أنها تستحق وجهاً واحداً، وهو ما حكاه في "المهذب"، قال في "التتمة": وهو الصحيح.

стр. 7360

والثاني: إطلاق قولين: في قول: تستحق، كالمطلقة؛ تحصيناً لمائه. وفي قول: لا؛ لأن إيجاب السكنى بعد زوال النكاح كالمستبعد، وهي إنما وجبت بالنص في المطلقة؛ فيبقى حكم غيرها على الأصل. والثالث: إن كان لها مدخل في ارتفاع النكاح؛ بأن فسخت بالعتق، أو بالعيب، أو فسخ بعيبها- فلا سكنى. وإن لم يكن لها مدخل [كما إذا انفسخ بإسلام الزوج، أو ردته، أو رضاع من أجنبي- فقولان. والرابع: إن كان لها مدخل] – كما ذكرناه-[لم تجب وإن لم يكن] وجبت. والخامس: أن الفرقة إن كانت بعيب أو غرور فلا سكنى لها، وإن كانت بسبب رضاع أو مصاهرة أو خيار عتق، فوجهان، المذهب منهما: أنها كالمطلقة، وهذه طريقة صاحب "التهذيب". وفرق بأن الفرقة بالرضاع والصهارة وخيار العتق لم تكن بسبب موجود يوم العقد، ولا بسبب يستند إليه الفسخ حتى يجعل مفسوخاً من أصله، بدليل وجوب المسمى، وفي العيب والغرور كانت بسبب في العقد؛ ولذلك نوجب مهر المثل. وأما النفقة ففيها- أيضاً- طرق: أحدها: حكاية قولين مبنيين على أن النفقة للحامل أو للحمل: إن قلنا بالأول لم تجب. وإن قلنا بالثاني؛ وجبت. وهذا ما أورده ابن الصباغ، والشيخ في "المهذب"، والقاضي في "التعليق". والثاني: إن كان لا بسبب من جهتها، كردة وما في معناها، فهي كالمطلقة، وإن كان بسبب من جهتها، كالفسخ بخيار العتق، وما ذكرناه معه- فقولان ينبنيان على أن النفقة للحامل أو للحمل؟ والثالث: نسبه أبو علي إلى عامة الأصحاب، وهو المحكي في "التهذيب"- إن كان بسبب عارض، فهو كالطلاق، وإن كان بسبب قارن العقد كالعيب والغرور، فقولان.

стр. 7361

قال الإمام: وهذا فيه غموض من جهة أن المفسوخ نكاحها؛ كما لا تستحق النفقة في حال الحيال؛ كذلك المطلقة لا تستحقها، إذا كانت بائناً، وهذا مما يعسر الفرق فيه، والذي أراه في المسائل إذا غمضت الرجوع إلى ما اقتضاه القرآن [العزيز]؛ فإنه أوجب النفقة للمطلقات، والمفسوخ نكاحها ليست مطلقة. وقد ينقدح وجه آخر، وهو أنها كالمتسببة إلى رفع النكاح، فأثر ذلك في سقوط النفقة، كما أثر في سقوط المهر قبل الدخول. والرابع: أنها تستحق النفقة حيث تجب السكنى، وحيث [لا تجب] السكنى ففي نفقتها قولان. والخامس: أنها تستحق النفقة وجهاً واحداً؛ كالمطلقة، وهذا ما أبداه الماوردي من عند نفسه. ثم ما أطلقناه في المفسوخ نكاحها بسبب اختلاف الدين هو المذكور هاهنا. وفي "النهاية"- في نكاح المشرك- حكاية خلاف عن الأصحاب: فمنهم من يقول: سبيلها سبيل الرجعيات؛ فلا يخفى حكمها مما تقدم. ومنهم من يقول: سبيل البائن. تنبيه: ما أطلقه الشيخ من استحقاق النفقة [يشمل الطعام والإدام والكسوة، وما أطلقه من استحقاق النفقة] والسكنى محمول على من تستحق ذلك في حال الزوجية، أما إذا كانت ممن لا يستحق ذلك: إما وفاقاً كالناشز أو على راي كالصغيرة، والأمة إذا سلمت ليلاً دون النهار- فحكهما في استحقاق السكنى كذلك. وزاد المتولي فقال: إن المعتدة لو نشزت في العدة سقط سكناها، ولو عادت إلى الطاعة عاد حق السكنى. وقال الإمام شيئاً عبر عنه بعضهم بأنها إن نشزت على الزوج وهي في بيته، فلها السكنى في العدة، وإن خرجت من بيته واستعصت عليه مطلقاً، فلا سكنى لها، وأما النفقة فلم أر للأصحاب فيها [نقلاً] هاهنا.

стр. 7362

وحكى الإمام في فرع سأذكره في باب الحضانة عن الشافعي أن الرجعية تسقط نفقتها بما تسقط به نفقة الزوجات. فائدة تقدم الوعد بها: وهي ذكر المسائل التي تتفرع على القولين بأن النفقة للحامل، أو للحمل؟ فمنها: أن الحمل لو كان موسراً فهل تجب النفقة على الأب؟ قال في "الزوائد": إن قلنا بالأول لم تسقط، وإن قلنا بالثاني، قال أبو يعقوب: لا تسقط أيضاً. وقال الشاشي: تسقط وهو ما حكاه القاضي في "التعليق"؛ تفريعاً على هذا القول. وقال ابن كج: إن قلنا: إنها للحمل، وإنها تؤخر إلى الوضع، فإذا وضعت سلمت إليها النفقة من مال الصبي. وإن قلنا: يجب التعجيل، فلا تؤخذ من مال الحمل؛ كما لا نوجب فيه الزكاة والمؤنات، ولكن ينفق الأب عليها، فإذا وضعت ففي رجوعه في مال الصبي وجهان. ومنها: لو كان الأب ميتاً وله أب غني، فعلى الأول: لا تجب عليه، وهو ما قطع به في "التهذيب" على القولين معاً، وعلى الثاني تجب. وبهاتين المسألتين يظهر الاعتراض على الماوردي، فيما ذكره من الدليل على القول بأنها للحامل. ومنها: لو نشزت، فإن قلنا بالأول سقطت، وإن قلنا بالثاني فلا؛ قاله ابن كج. والصحيح السقوط، وكذا لو ارتدت أو أسلمت، ومنهم من قطع بالسقوط. ومنها: لو أبرأته من النفقة، قال المتولي: إن قلنا بالأول سقطت، وإن قلنا بالثاني فلا. وجزم في "الزوائد" بأنها تسقط على القولين معاً، ويظهر أن تكون صورتها إذا أبرأته من نفقة اليوم، بعد طلوع الفجر، أو الشمس، وبهذا يندفع ما أورد على ذلك من سؤال، ولا نزاع في أنها تملك المطالبة بها على القولين معاً. ومنها: هل تتقدر بالكفاية، أم هي؟ كنفقة الزوجة؟ الذي أجاب به الأكثرون الثاني. وحكى الإمام ومن تابعه طريقين:

стр. 7363

أحدهما: إن قلنا بأنها للحامل فهي كنفقة الزوجة، وإن قلنا: للحمل فوجهان. والثاني: إن قلنا: إنها للحمل، تقدرت بالكفاية، وإن قلنا: للحامل فوجهان. ومنها: لو كانت ممن تخدم هل تستحق الخادم؟ قال الروياني: إن قلنا: إنها للحامل، فنعم، وإلا فلا. قال: وإن اختلف الزوجان في قبض النفقة فالقول قولها؛ لأن شغل ذمته متحقق، والأصل عدم القبض. ولا فرق في ذلك بين أن تكون الزوجة حرة أو أمة. قال ابن الصباغ: لأن النفقة حق لها يتعلق بالنكاح، فكان الرجوع فيه إليها، كالمطالبة بالإيلاء والعنة. فلو اختلفا في نفقة ماضية، وادعى أنه سلمها، وأنكرت هي وصدقه المولى- قال أصحابنا: لا تثبت دعواه بتصديق المولى، وإنما يكون شاهداً له بذلك. قال ابن الصباغ: وهذا فيه نظر؛ لأن النفقة حق يتعلق بالنكاح لا حق للأمة فيها، وإنما حقها في النفقة بالمستقبل، وإذا ثبتت النفقة كان للسيد قبضها؛ فينبغي أن يقبل إقراره فيها. قال: وإن اختلفا في تسليمها نفسها فالقول قوله؛ لأن الأصل عدم التسليم، وقد تقدم الكلام فيما يتعلق بذلك. قال: وإن ترك الإنفاق عليها مدة، صار- أي: الذي تنفقه- دينا في ذمته؛ أي: سواء طالبته بذلك أو سكتت؛ لأنه مال يجب بطريق البدل في عقد معاوضة؛ فلم يسقط بمضي الزمان؛ كالثمن والأجرة والمهر، واستدل له الماوردي بما روي أن عمر- ﵁ كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم: "إِمَّا أَنْ تُنْفِقُوا، أَوْ تُطْلِقُوا وَتَبْعَثُوا بِنَفَقَةِ مَا حَبَسْتُمْ"، ولم يخالفه في الصحابة أحد؛ فكان إجماعاً. ولا فرق فيما تنفقه بين أن يكون طعاماً أو كسوة، ولا بين أن تكون نفقتها

стр. 7364

أو نفقة خادمها، هذا هو المشهور. وفي "الرافعي" في كتاب العدد: أن الشافعي نص على أن مدة العدة إذا مضت، أو بعضها، ولم تطلب حق السكنى- سقطت، ولم تصر ديناً، ونص في نفقة الزوجة على أنها لا تسقط بمضي الزمان، [وتصير ديناً] وللأصحاب فيهما طريقان: أحدهما: أن فيهما قولين نقلاً وتخريجاً. والثاني: المنع؛ كنفقة الأقارب. وأظهرهما: تقرير النصين، وفرقوا بأن النفقة في مقابلة التمكين، وقد وجد. ولا تسقط بترك الطلب، والسكنى؛ لتحصين مائه، على موجب نظره واحتياطه، ولم يتحقق. وعن القفال الفرق بأن السكنى كفاية الوقت، وقد مضى، والمرأة لا تملك المسكن، والنفقة عين تملك وتثبت في الذمة. وذكر أن حكم الكسوة حكم السكنى، وظاهر هذا يقتضي إثبات خلاف في المسألة، وقد ذكرت في العدد شيئاً يتعلق بذلك؛ فليطلب منه. وما قاله القفال في الكسوة هو ما صححه المتولي، وهو بناء على اعتقاده أنها إمتاع. قال: وإن تزوجت بمعسر، أو بموسر فأعسر بالنفقة- أي: نفقة المعسر- فلها الخيار: إن شاءت أقامت على النكاح، وتجعل النفقة-: [أي: إذا مكنته]- ديناً عليه، وإن شاءت فسخت النكاح. والدليل على أن لها حق الفسخ من الكتاب قوله تعالى: ﴿فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] خيره بين أحد الأمرين؛ فإذا عجز عن الإمساك بالمعروف تعين التسريح بالإحسان. ومن السنة: ما روى حماد بن سلمة، عن عاصم بن أبي النجود عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ سئل عمن أعسر بنفقة امرأته، فقال: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا". خرجه الدارقطني.

стр. 7365

وسئل سعيد بن المسيب عن رجل أعسر بنفقة زوجته، فقال: "يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا" قيل: سنة؟ فقال: سنة. قال الشافعي: وقول الراوي: "سنة" يقتضي سنة رسول الله ﷺ فصار كروايته عنه، وقد ذهب إلى ذلك عمر وعلي وأبو هريرة. وكتب عمر إلى أمراء الأجناد في رجال غابو عن نسائهم: "أن ينفقوا، أو يطلقوا، وليس لهم مع انتشار قولهم في الصحابة مخالف؛ فكان إجماعاً؛ كذا قاله الماوردي. ولأنه حق مقصود بكل نكاح؛ فوجب أن يستحق الفسخ بإعوازه؛ كالاستمتاع من [المجبوب والعنين]، بل من طريق الأولى؛ لأن البدن يقوم بدون الجماع، ولا يقوم بترك الغذاء. ولأن الحق مشترك في الجماع، وفي النفقة خاص بها، ولا يقال: الجماع لا تقدر على تحصيله من غيره؛ فيلحقها الضرر، والنفقة تقدر على تحصيلها من غيره؛ فلم يلحقها كبير ضرر؛ لأنا نقول: نفقة الزوجة لا تحصل بها أيضاً من غيره. وقولنا: مقصود بكل نكاح؛ ليخرج القدر الزوائد على نفقة المعسر، ونفقة الخادم، هذه طريقة أهل العراق. وفي طريقة المراوزة حكاية قول: أنه لا خيار لها، [ووجهه قوله] تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] فكان على عمومه في وجوب إنظار كل معسر بحق. ولأنه مال وجب بحق الزوجية؛ فوجب ألا تملك به الفسخ؛ كالصداق بعد الدخول. ولأن النفقة في مقابلة التمكين، ولو أعوزه التمكين منها بنشوزها لم يستحق الزوج به خيار الفسخ، [كذلك إذا أعوزت النفقة من جهته بالإعسار لم تستحق

стр. 7366

الزوجة به خيار الفسخ]. قال الروياني: قال [جدي]: وبهذا أفتى. وجزم بعض الأصحاب بالقول الأول، وحمل الثاني على حكاية مذهب الغير. قال ابن كج والروياني: وهذه أظهر. [و] أجيب عن الآية: بأن ذلك عائد إلى ما استقر ثبوته في الذمة من ماضي نفقتها، ونحن نقول به، ولا خلاف فيه- عندنا- في أكثر الكتب إلا ما حكاه في "التتمة": أن الحكم فيها حكم الصداق بعد الدخول على رأي. وعن القياس على الصداق بأنا نقول به. وعن النشوز: بأن ذلك دليل عليكم؛ لأن النشوذ لما أسقط ما في مقابلته [من النفقة، وجب أن يكون إعواز النفقة يسقط ما في مقابلته] من الاستمتاع، والله أعلم. وحكم غيبة المال في مسافة القصر، أو مرض مرضاً يزيد مدته على ثلاثة أيام في حق المكتسب- حكم الإعسار. قال القاضي الحسين: وهذا بخلاف ما إذا كان الزوج غائباً وهو موسر؛ فلا فسخ لها- على الأصح- لأن الزوج هناك قادر على الأداء، وتعذر الوصول إليه من جهة المرأة، وإذا كان المال غائباً فالعجز عن الإنفاق من جهة الزوج؛ فكان لها أن تفسخ. وقد اختار القاضي أبو الطيب في الغيبة مع اليسار أن لها الفسخ أيضاً، وإليه ميل ابن الصباغ. وذكر القاضي الروياني وابن أخيه صاحب "العدة"- أن المصلحة الفتوى به. وحكم امتناعه ظلماً، مع إخفاء ماله، وعسر تحصيله منه بالقاضي- حكم غيبته مع اليسار. وكذا لو كان كسوباً، فامتنع من الاكتساب؛ لأجل النفقة، وقلنا بوجوبه على أحد الوجهين.

стр. 7367

وكذا لو غاب، ولم يعلم إعساره، لم يثبت لها الاختيار، على الأصح في "المهذب" وغيره، وهو قول الأكثرين على ما حكاه الماوردي؛ لأن سبب ثبوت الفسخ- وهو الإعسار- لم يتحقق. ولو كان لا مال له إلا ديناً: فإن كان على مليء حاضر فلا خيار لها، وإن كان غائباً فوجهان؛ بناء على ما لو كان الزوج موسراً غائباً، قاله الماوردي. ولو كان معسراً، ثبت. وكذلك لو كان عليها وهي معسرة. ولو كان عليه ديون وله مال قدرها يقبل الوفاء، لا خيار لها، وبعده يثبت. ولو كان معسراً، فتبرع عنه أجنبي بأدائها- ثبت الخيار على الأصح، خلافاً لما أفتى به الغزالي، ﵀. وكذا لو ضمن بإ ذنه على وجه محكي في كتاب "التهذيب". والمجزوم به في "تعليق" القاضي الحسين: أنه لا خيار، إن كان الضامن مليئاً، وكذلك في "التتمة". وإن كان بغير إذنه فوجهان. التفريع: إن قلنا: لا فسخ لها، سقط عنها حق الحبس بسبب الزوجية، سواء كانت موسرة أو معسرة. وكذا لو أثبتنا لها حق الفسخ، فلم تفسخ، لكن يجب عليها أن تأوي إلى المنزل ليلاً، وله أن يستمتع بها في الليل؛ لأنه زمن الفرغة، دون النهار؛ لأنه زمان الاكتساب، فلو امتنعت [عليه في النهار دون الليل لم تكن ناشزاً، وكانت على حقها في النفقة؛ وإن امتنعت] بالليل كانت ناشزاً. فإن قيل: هلا إذا سقط حقه من الاستمتاع بها نهاراً أسقط عنه نفقتها؛ كما يسقط نفقتها لو كانت أمة فاستخدمها بالنهار سيدها؟ قيل: لأن منع الأمة من جهتها، فجاز أن تسقط به نفقتها، ومنع المعسر من

стр. 7368

جهته؛ فلم تسقط به نفقتها، كذا حكاه الماوردي. وفي "المهذب": أنه لا يلزمها التمكين من الاستمتاع، فلعله أراد: بالنهار؛ [لأنه قال: ولها أن تخرج من منزله، والخروج بالنهار]. وإن قلنا: لها حق الفسخ، فلا فرق في ذلك- أيضاً- بين أن [يكون معسراً أو موسراً]، ولا بين أن يعجز عن كل المد أو عن عشره. وفي طريقة المراوزة حكاية وجه: أنه إذا قدر على نصف مد لا خيار لها. وفي "التهذيب": أنه إذا كان يجد في يوم نصف مد، وفي يوم يقتصر عليه، وفي يوم يجد قدر الكفاية- فلا خيار. وأجرى الرافعي فيه الوجه السابق، وأجراهما فيما إذا كان يجد في يوم مداً، وفي يوم لا يجد شيئاً. ولو كان يجد في أول النهار ما يغديها، وفي آخره ما يعشيها- فوجهان في الطريقين، والأصح في "التهذيب": أنه لا خيار. ولو كان يكتسب في يوم قدر ما يكفيه ثلاثة أيام، ويبقى بعده يومين أو ثلاثة لا يكتسب، [ثم يكتسب] ما يكفي الأيام الماضية، أو كان نساجاً ينسج في كل أسبوع يوماً تكفيه أجرته الأسبوع- فلا خيار؛ لأنه ليس بإعسار، بل هو تأخير حق من وقت إلى وقت. ولو تعطل عليه العمل في بعض الأسابيع، ففي ثبوت الخيار وجهان في "التتمة"، وقال: الصحيح الثبوت. ولو كان بيده صنعة، [ولم يجد من يستعمله في صنعته]: فإن كان يعد ذلك نادراً فلا خيار، وإن كان غالباً؛ فلها الخيار؛ قاله الماوردي. وكذا لو كانت صنعته محرمة؛ كعمل آلة الملاهي- فهو لا يستحق ما سمي من الأجرة [ولا بد] أن يستحق لتفويت عمله أجراً؛ فيصير به موسراً. قال: ولا يكون لزوجته خيار. وكذا المنجم والكاهن قد يوصل إليه شيء بسبب محظور، لكنه قد أعطي عن طيب نفس المعطي؛ فأجري مجرى الهبة، وإن

стр. 7369

كان محظوراً لسبب؛ فساغ له إنفاقه. ولو قدر على مد من شعير دون غيره: فإن كان في بلد يقتات فيه فقراؤه الشعير لم يفسخ، سواء جرت عادتها [باقتيات الشعير أم لا وإن كان في بلد لا] يقتات الشعير كان لها الخيار، وهل هذا الرفع طلاق أو فسخ؟ حكى الطبري: أن الذي قاله الشيخ أبو حامد، ولم يذكر غيره: أنها لا تفسخ بنفسها، بل ترفع الأمر إلى الحاكم حتى يأمره بالطلاق، أو يطلق عليه. وفي "الشامل": أن الحاكم يفسخ بينهما النكاح. وحكى المراوزة فيه وجهين: أصحهما في "التهذيب": أنه فسخ، وهو ما جزم به القاضي الحسين في "التعليق"، وضعف الإمام مقابله؛ بأنه إذا طلق أو طلق عليه إنما يكون رجعياً، وذلك لا يسقط النفقة، ثم أجاب بأن ذلك محل ضرورة؛ فإن العدة لا بد منها. وقد يستدل له بما روي أنه- ﵇ قال: "ابْدَأ بمَنْ تَعُولُ" فقيل: من أعول يا رسول الله؟ قال: "امْرَأتُكَ تَقُولُ: أَطْعِمْني وإلَّا فَارِقْنِي" كما خرجه النسائي. واستدلله أبو يعقوب الأبيوردي بما كتبه عمر إلى أمراء الأجناد. وبنى في "التتمة" الوجهين على القولين في أن المولي يطلق الحاكم عليه، أو يحبسه ليطلق؟ إن قلنا: يطلق، فيطلق هاهنا، وإن قلنا: يحبسه، فهاهنا لا يمكن الحبس؛ لأنه عاجز؛ فلا يبقى للخلاص طريق إلا الفسخ. قال الرافعي: ولك أن تقول: العاجز عن الإنفاق لا يجوز حبسه لينفق، ولكن لا يبعد أن يحبس؛ ليكلف الإنفاق، أو يطلق كما ذكر في الكتاب- يعني: "الوجيز"-: حتى يحسبه؛ لينفق، أو يطلق. وعلى كلا الوجهين لا بد فيه من الرفع إلى القاضي. أما إذا قلنا: إنه طلاق، فليعرض عليه أن ينفق بالإقراض أو غيره، أو يطلق، فإن أبى ذلك طلق عليه طلقة رجعية؛ كما في المولي- على الأصح- أو يحبسه ليطلق، فإن راجعها طلق عليه ثانية إلى أن يتم الثلاث، إلا أن ينفق عليها.

стр. 7370

وأما إذا قلنا: إنه فسخ، فليثبت إعساره عنده، وليسلطها على الفسخ فإنه مجتهد فيه، وفي كلام الإمام ما يدل على أنه إذا ثبت إعساره لا حاجة إلى تسليط الحاكم، وعزاه إلى المحققين. وجزم في "الحاوي" قبيل باب شهادة النساء بأنه لا بد أن يحكم الحاكم بجواز الفسخ، وإذا حكم به فوجهان: أحدهما: لا يصح إلا أن يتولاه. والثاني: يجوز أن تتولاه الزوجة. وهل يحتاج إذا كان الزوج غائباً أن يبعث إليه ليحضر أو ينفق، أو لا يحتاج؟ فيه وجهان، أظهرهما الثاني، وهو المذكور في "التتمة". وفي "التهذيب": أنه قيل: لها أن تفسخ بنفسها، وحكاه في "التتمة" أيضاً. وقال الغزالي: لو فسخت؛ لعلمها بإعساره، لم ينفذ ظاهراً، وهل ينفذ باطناً، حتى إن اعترف الزوج أو قامت بينة- تبين نفوذه واحتساب العدة من ذلك الوقت؟ فيه تردد، ولا خلاف أنه ينفذ ظاهراً إذا لم يكن في الناحية حاكم، أو عجزت عن الرفع إليه، هذا لفظه. ولا يثبت هذا الخيار لولي الصغيرة والمجنونة، وكذا لسيد الأمة- في الأصح- لكن لا يجب عليه أن ينفق عليها. وفي "تعليق البندنيجي": أن الخيار إلى سيدها، وليس كالعنة، وهذا يشعر بأنه لا يثبت لها، وهذا إذا لم تكن معتوهة أما إذا كانت معتوهة فقد حكى ابن الصباغ عن ابن الحداد أنه لا خيار، وينفق المولى عليها، وتكون النفقة في ذمة الزوج، فإذا أيسر وعقلت، قال القاضي أبو الطيب: تطالبه بها وإذا قبضتها كان للسيد أخذها. قال ابن الصباغ: وهذا فيه نظر؛ لأن الأمة إذاك انت لا تملك العين فكذلك الدين؛ فيجب أن يكون ما يثبت من الدين للسيد، وله المطالبة به. قلت: وما قاله القاضي قريب مما ذكرناه عن الأصحاب عند اختلاف في قبض النفقة. قال: وإن اختارت المقام، ثم عن لها أن تفسخ- أي: بدا لها- جاز، أي:

стр. 7371

بعد يوم الاختيار؛ لأن وجوب النفقة يتجدد كل يوم، فرضاها بما يتعلق بالآتي إسقاط شيء قبل ثبوته؛ فلا يسقط. أما اليوم الذي اختارت المقام فيه فلا خيار لها فيه، صرح به البندنيجي. وبهذا يظهر لك أنها إذا كانت عالمة بإعساره حالة العقد ثبت لها الخيار على هذا النحو. قال: وإن اختارت الفسخ، ففيه قولان: أحدهما: تفسخ في الحال، وهو القديم؛ لأنه فسخ لتعذر العوض؛ فثبت في الحال؛ كفسخ البيع بالإفلاس بالثمن. والثاني- وهو الأصح-: أنها تفسخ بعد ثلاثة أيام؛ لتحقق العجز؛ فإن الإنسان قد يتعسر عليه وجه الإنفاق لعوارض، ثم تزول، وهذه مدة قريبة لا يصعب تزجيتها باستقراض وغيره. وقد نقل عن "الإملاء": أنه يمهل يوماً، وجعله أبو الفرج السرخسي قولاً ثالثاً، والأكثرون امتنعوا منه، وقالوا: المراد منه: أنه لو أمهله يوماً- جاز، لا أنه [لا] يزيد عليه. وفي "الوسيط" – تفريعاً على القول بعدم إمهال الثلاث-: أنه لا خلاف أنها لا تبادر إلى الفسخ صبيحة اليوم؛ فإن أكثر الناس يكتسبون قوت اليوم في اليوم، ولكن إلى متى التأخير؟ يحتمل أن يقال: إلى وسط النهار، ويحتمل أن يقال: إلى الليل، ويحتمل أن يقال: حتى يمضي يوم وليلة، وأراد: التي تليه؛ كما صرح به الرافعي، وقال: إن النفقة لهما، وبمضيهما تستقر. قال الغزالي: فرجع هذا إلى أنه يمهل يوماً واحداً، وهذا ما رجحه الإمام على هذا التقدير، بعد أن قال: إن هذا يدل على فساد المفرع عليه. وفي كتاب "التهذيب" تفريعاً على هذا القول- حكاية وجهين في أنها تفسخ في أول النهار أو آخره؟ قال الغزالي: [نعم]، لو أقر صبيحة اليوم بأني عاجز، ولست أتوقع شيئاً،

стр. 7372

فيحتمل أن يقال: [لها المبادرة، ويحتمل أن يقال] يمهل إلى تحقق العجز بانقضاء اليوم. ولو كان يعتاد الإتيان بالطعام لها ليلاً فلها الفسخ؛ لأن هذا صيام الدهر. وفي "العدة" فيه وجه، ولو وجد ذلك مرة أو مرتين لم يثبت لها حق الفسخ. ويتفرع على القول بإمهال الثلاث مسائل: إحداها: يجوز لها في مدة الإمهال أن تخرج لتحصيل النفقة، وليس له منعها، وإن قدرت على الإنفاق من مالها، أو كانت تكتسب بما لا يحوجها إلى الخروج كالغزل والخياطة، وفيه ذه الحالة وجه، وهو قضية ما في كتاب "التهذيب" فإنه قيد ذلك بما إذا كانت معسرة. وذكر وجه مطلق: أنه يدام حق الحبس في المدة، وعليها أن ترجع إلى المنزل ليلاً، والحكم في الاستمتاع كما تقدم. وذكر في "التهذيب":أن لها المنع، لكن إذا منعت لا تستحق النفقة لمدة الامتناع، ولم تصر ديناً. الثانية: إذا اختارت المقام بعد [مضي] الثلاث، ثم عن لها أن تفسخ- فلا بد من تجديد الإمهال. وفيه احتمال للإمام، وللقاضي الروياني، والظاهر الأول، بخلاف امرأة المولي إذا رضيت، ثم عادت إلى المطالبة، لا تستأنف مدة الإيلاء؛ لأن المدة هناك منصوص عليها، غير موقوفة على طلبها وهاهنا مدة الإمهال تقع بعد طلبها، وإذا تعلقت بطلبها، سقط أثرها برضاها. الثالثة: إذامضت الأيام الثلاثة، فلها الفسخ صبيحة اليوم الرابع، إن لم يسلم نفقته، وإن سلمها لم يجز الفسخ بما مضى، وليس لها أن تقول: آخذه عن نفقة بعض الأيام الثلاثة؛ لأن الاعتبار في الأداء بقصد المؤدي.

стр. 7373

ولو توافقا على جعلها عما مضى، قال الرافعي: يمكن أن يقال: لها الفسخ، ويمكن أن تجعل القدرة عليها مبطلة للمهلة؛ وهذا بناء على أن الزوجة لا تفسخ بنفقة المدة الماضية، وهو الصحيح، كما حكيناه من قبل. الرابعة: لو مضى يومان بلا نفقة، ووجد نفقة اليوم الثالث، وسلمها، وعجز في الرابع- فتستأنف المدة أو تبني؟ فيه وجهان، أظهرهما: البناء؛ فعلى هذا تصبر يوماً آخر، وتفسخ في اليوم الذي يليه. الخامسة: لو لم يجد نفقة يوم، ثم وجد في اليوم الثاني، ولم يجد في الثالث، ووجد في الرابع- فيلينف أيام العجز، فإذا تمت أيام المهلة كان لها الفسخ. السادسة: لو مضت ثلاثة أيام على العجز [ثم] أيسر في الرابع، وأعسر في الخامس- فالأظهر- وبه قال الداركي-: أن لها الفسخ، ويكتفي بالإمهال السابق، وهو ما أبداه ابن الصباغ احتمالاً. وذكر الروياني وجهاً: أنه يمهل مرة أخرى، قال: وهذا إذا لم يتكرر، فإن تكرر لم يمهل؛ [لأنها لا تعد إمهالاً]. قال: ولو أعسر بنفقة الموسر أو المتوسط- لم تفسخ، قال الماوردي: وهذا

стр. 7374

مجمع عليه، ولم يصر ديناً في ذمته؛ لأن ما زاد على المد غير مستحق مع الإعسار. وكذا لو منعها من القدر الزائد على المد، وهو واجب عليه- لم يثبت لها حق الفسخ، لكن يصير ديناً في ذمته. قال: وإن أعسر بنفقة الخادم لم تفسخ؛ لأن الخدمة مستحقة للدعة والترفه، ويمكن تحمله، ويقوم البدن بدونه؛ فجرى مجرى المد الثاني من المستحق باليسار؛ بخلاف نفقتها. وقيل: لها الفسخ؛ لأنها نفقة مستحقة بالنكاح؛ فأشبهت نفقة المخدومة. قال ابن يونس: وليس بشيء. قال: ويصير ذلك ديناً في ذمته؛ لأنه مستحق عليه، مع الإعسار. وفرق البندنيجي بينه وبين القدر الزائد على المد بأن ذلك معتبر به، واعتبار نفقة الخادم بها. وفي "التتمة": أنها لا تصير ديناً في ذمته. ولا فرق- على المذهب- بين أن تخدم نفسها أو تستأجر من يخدمها أو تنفق على خادمها، لكن إذا كان الخادم مملوكاً، رجعت عليه عند اليسار بنفقته، وإن كان حراً، فبأجرته؛ وإن باشرت هي الخدمة، فبأقل الأمرين؛ كذا قاله الماوردي. قال: وإن أعسر بالكسوة ثبت لها الفسخ؛ [لأنه لا يقوم بدنها إلا بأمر يقيها الحر والبرد؛ فثبت لها الفسخ كالنفقة. وفيه وجه. قال: وإن أعسر بالأدم لم تفسخ؛ لأنه تابع، والنفس تقوم بدونه. وفيه وجه لمعسر: الصبر على الخبز البحت دائماً، وبه قال الداركي، ورجحه الروياني، والأول أصح عند الإمامين أبي حامد والقفال وغيرهما، وتابعهما الإمام والغزالي والفراء. وقال الماوردي: إن كان قوتها ينساغ للفقراء أكله على الدوام بغير أدم لم تفسخ، وغن كان لا ينساغ أكله على الدوام إلا بأدم؛ فسخت، وإذا لم تفسخ؛ بقي ذلك في ذمته.

стр. 7375

قال: وإن أعسر بالسكنى احتمل أن تفسخ] لتضررها بعدمه، واحتمل ألا تفسخ؛ لأن النفس تقوم بدونه، فإنها لا تعدم مسجداً، أو موضعاً مباحاً؛ وهذا ما حكاه الشيخ أبو علي [عن الشيخ أبي حامد سماعاً، ورجحه صاحب "التهذيب". فعلى هذا: هل يبقى في ذمته؟ فيه وجهان في "التتمة" وأصحهما: أنه لا يبقى، والأول هو الأصح عند الرافعي والقاضي الروياني واختاره الشيخ أبو علي] ولم يحك ابن الصباغ غيره؛ لأن الإنسان لا بد له من كن يئويه ومن الحر والبر يقيه، والحوالة على المسجد كالحوالة في النفقة على السؤال [والتقاط السابل]. قال: وإن كان الزوج عبداً، وجبت النفقة [في كسبه] إن كان مكتسباً، أو فيما في يده إن كان مأذوناً [له] في التجارة، فإن لم يكن مكتسباً ولا مأذوناً له في التجارة- ففيه قولان: أحدهما: في ذمة السيد، وهذا هو القديم. والثاني: في ذمة العبد يتبع بها إذا أعتق، وتعليل ذلك، وما يترتب عليه ويتفرع مذكور في كتاب الصداق، فيطلب منه. وحكى الماوردي- عوضاً عما حكيناه عن القديم-: أنها تتعلق برقبته، فيباع فيها إلا أن يفديه السيد. قال: ولها أن تفسخ إذا شاءت- أي: على القول الثاني- لتضررها؛ كزوجة الحر. ويجيء فيه القول المحكي عن المراوزة في أنه لا فسخ بسببها، والله- أعلم.

стр. 7376

باب نفقة الأقارب والرقيق والبهائم يجب على الأولاد نفقة الوالدين- أي: بكسر الدال- وإن علوا، ذكوراً كانوا أو إناثاً؛ أي إذا [كانوا] أحراراً. الأصل في وجوب نفقة الأبوين من الكتاب آيات: منها قوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان: ١٥]، ومن المعورف القيام بكفايتهما. وقوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً﴾ [العنكبوت: ٨]، ومن الإحسان إليهما النفقة. وقوله: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] مبالغة في برهما. ومن السنة: ما روى [الأعمش]، عن إبراهيم عن عائشة أن النبي ﷺ قال: "أَطْيَبُ مَا يَاكُلُ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَوَلدُهُ من كَسْبِه" يدل عليه قوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد: ٢]، يعني: ولده.

стр. 7377

ويعضده [أنه] روى ذلك في متن الحديث، وفيه: "فَكُلُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ". وروى حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة- ﵂ أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ أَوْلَادَكُم هِبة مِنَ اللهِ لَكُمْ، يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ، وَأَمْوَالُهُمْ لَكُمْ إِذَا احْتَجْتُمْ إِلَيْها". فإذا ثبت وجوب نفقة الوالدين، ألحقنا بهما آباءهما وأمهاتهما، إن لم يدخلوا في عموم ما ذكر، كما ألحقوا بهما في عتقهم بالملك، وسقوط القود عنهم بالقتل، ورد الشهادة، لوجود البعضية. قال: وعلى الوالدين نفقة الأولاد وإن سفلوا؛ ذكوراً كانوا أو إناثاً، أي: إذا كانوا أحراراً. والأصل في وجوب نفقة الأولاد على الآباء من الكتاب آيات، منها: قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. وقوله: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] يعني: المطلقات، فلما لزمت أجرة الرضاع؛ كان لزوم النفقة أحق. وقوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء: ٣١] فلولا وجوب النفقة عليه ما قتله خشية إملاق من النفقة.

стр. 7378

ومن السنة: ما روى الشافعي بإسناده، عن أبي هريرة- ﵁ أن رجلا أتى رسول الله ﷺ فقال: "إِنَّ مَعِيَ دِينَاراً؟ فقال: أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ". قال: معي آخر؟ قال: "أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِكَ". وما روى مسلم عن عائشة- ﵂ قالت: دخلت هند بنت عتبة على رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح ما يعطيني ما يكفيني ويكفي بني، إلا ما أخذت من ماله بغير إذنه؛ فهل علي في ذلك [من] جناح؟ فقال رسول الله ﷺ : "خُذِي مِنْ مَالِهِ [بِالْمَعْرُوفِ] مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي بَنِيكِ". وما روى النسائي في حديث طويل: "وابدأ بمن تعول"، فقيل: من أعول يا رسول الله؟ قال: "امْرَاتُكَ تَقُولُ: أَطْعِمنِي وَإِلَّا فَارِقْنِي، خَادِمُكَ يَقُولُ: أَطْعِمْنِي وَاسْتَعْمِلْني، وَلَدُكَ يَقُولُ: إِلَى مَنْ تَتْرُكْنِي". فإذا ثبت وجوب نفقة الولد على الوالد ألحقنا به أباه وإن علا، إن لم يتناوله إطلاق ما ذكرناه؛ لأنه لما قام مقام الأب في الولاية وما ذكر من الأحكام، وجب أن يقوم مقامه في التزام النفقة. وأما وجوبها على الأم؛ فلأن البعضية فيها محققة، وفي الأب مظنونة، فلما تحملت بالبعضية المظنونة كان تحملها بالمتيقنة أولى. وأما وجوبها على أبيها وأمها؛ فلأنه حق واجب بالقرابة المحضة، لا يعتبر فيه التعصيب؛ فاستوى فيه القريب والبعيد، والوارث وغير الوارث، والعصبة وغير العصبة؛ كالعتق بالملك، ورد الشهادة. وفي الأم وجه: أنه لا تجب عليها النفقة بحال. والمشهور الأول. ولا فرق في ذلك بين الوارث وغير الوارث، ولا بين الموافق له في الدين والمخالف. وقيل: لا تجب على المسلم نفقة الكافر. والفرق- على المذهب- بين النفقة والميراث: أن الميراث يجب؛ لأجل

стр. 7379

الموالاة والمناصرة، وهي منقطعة باختلاف الدين. وأما النفقة [فتجب] بالقرابة والملك والزوجية؛ فإنها محققة، مع اختلاف الدين. فائدة تقدم الوعد بها: استنبط الأصحاب من حديث هند [غير] وجوب نفقة الزوجة والولد- ثلاثة عشر حكماً: أن صوتها ليس بعورة. وأنه يجوز لمن منع حقه أن يشكو، أو يتظلم. وأنه يجوز ذكر الغائب بما يسوءه عند الحاجة؛ فإنها وصفته بالشح. وأنه يجوز لمن له حق على غيره- وهو ممتنع- أن يأخذ من ماله بغير إذنه. وأنه لا فرق بين أن يكون من جنس حقه، أو من غيره. وأنه يجوز للقاضي أن يقضي بعلمه، وعلى الغائب. وأجيب عنهما: بأنه أفتى، ولم يقض. وأن للأم [طلب] نفقة الولد [قاله القاضي الحسين. وأنها تأخذ نفقة الولد] من مال الوالد، إذا كانت [يدها تمتد] إليه. وأبعد بعض الأصحاب، فلم يثبت لها ذلك إلا أن يفوض القاضي ذلك إليها، ورأى قول رسول الله ﷺ تسليطاً منه لها على الأخذ بمثابة تسليط القاضي. فعلى هذا: ليس لها أن تقترض عليه، وعلى الأول هل يجوز؟ فيه وجهان. وأنها تكون قيمة بالولد؛ فإنه جوز لها الأخذ والإنفاق في حياة الأب لامتناعه؛ فكذلك بعد موته. وأنه يجوز أن يذكر المرء بالكنية عند العظيم من الناس. وأنه يجوز للإمام أن يستمع إلى أحد الخصمين، دون الآخر. قالهما القاض الحسين. وأنه يجوز [للمرأة] أن تخرج من بيتها؛ لتستفتي؛ قاله الرافعي، وفيه نظر؛ فإن هنداً خرجت عام الفتح متقدمة على سائر النساء؛ لما نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا

стр. 7380

النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ [الممتحنة: ١٢]، فقال النبي ﷺ : "أُبَايِعُكُنَّ عَلَى أَلَّا تُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً"، فقالت هند: لو أشركنا بالله شيئاً ما دخلنا في دين الإسلام، فقال: "أُبَايعُكُنَّ عَلَى أَلَّا تَقْتُلْنَ أَوْلَادَكُنَّ"، فقالت هند: هل تركتم لنا من ولد؟ ربيناهم صغاراً فقتلتموهم كباراً، فقال: "أُبَايِعُكُنَّ عَلَى أَلَّا تَزْنِينَ"، فقالت هند: أف أو تزني الحرة؟ فقال: "أُبَايِعُكُنَّ عَلَى أَلَّا تَسْرِقْنَ شَيْئاً"، فقالت هند: إن أبا سفيان رجل شحيح .. " الحديث. وظاهر الحال يدل على أنها لم تخرج لتستفتي؛ فكيف يحسن الاستدلال به على ذلك؟ قال: فأما الوالدون فلا تجب نفقتهم إلا أن يكونوا فقراء زمني أو فقراء مجانين؛ لتحقق الحاجة حينئذ، فلو كان لهم مال لم تجب؛ لأنها مواساة؛ فتجب مع الحاجة، وتسقط مع القدرة على الكفاية، وكذا لو كان مكتسباً بيده. وحكم العجز بالمرض والعمى- عند صاحب "التهذيب"- حكم العجز بالزمانة. قال: فإن كانوا فقراء أصحاء، أي: ولم يكونوا ممن يكتسبون بأيديهم، والفرع بهذه المثابة- ففيه قولان: أصحهما: أنها لا تجب، للقدرة على الكسب؛ إذ هو نازل منزلة المال بدليل الزكاة. والثاني: أنها تجب؛ لقوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان: ١٥] وليس من الصحبة بالمعروف أن يكلفهما الكسب ما لم تجر به عادتهما، مع كبر السن. وفي "النهاية": أن المذهب المعتد به: القطع بأن عدم الكسب ليس بشرط،

стр. 7381

وحكاية طريقة قاطعة [بالوجوب]. فرع: قدرة الأم على النكاح مع كثرة الطلاب، لا تسقط عن الابن نفقتها. نعم لو تزوجت، سقطت نفقتها بالعقد ولو كان الزوج معسراً إلى أن تفسخ النكاح؛ [كي لا] تجمع بين نفقتين. ولو نشزت، وهي في عصمة زوج، لا تستحق النفقة على الولد؛ لقدرتها على النفقة؛ بطاعة الزوج حكى ذلك الماوردي. والأب الرقيق لا تجب نفقته على ولده، بل على السيد؛ وكذلك المكاتب، بل في كسبه. وفي المكاتب احتمال وجه- أبداه الماوردي-: أن نفقته تجب على الولد؛ لسقوط نفقته بالكتابة عن سيده. ومن نصفه حر ونصفه رقيق فيه وجهان: أحدهما: تجب عليه نصف نفقته. والثاني: لا تجب. حكاهما القاضي الحسين وغيره. فرع: إذا كان الابن معتوهاً، هل للأب أن يأخذ قدر نفقته من ماله، أو لابد من أن يأذن الحاكم لغيره ليدفعها إليه؟ فيه وجهان، والأصح في "تعليق" القاضي الحسين: أنه لا يحتاج إلى غيره؛ كما في الولد الصغير. قلت: والذي يظهر: أن ذلك محمول على ما إذا بلغ عاقلاً، ثم حصل له العته، فإن في عود ولاية الأب على ماله خلافاً مذكوراً في موضعه. أما إذا اتصل عتهه بصباه، فالذي يظهر: أنه يجوز وجهاً واحداً؛ لأن ولايته مستمرة؛ كما في حال الصبا.

стр. 7382

تنبيه: زمني- مقصور، يكتب بالياء-: جمع "زمن". قال: وأما الأولاد فلا تجب نفقتهم إلا أن يكونوا فقراء زمني، أو فقراء مجانين، أو قراء أطفالاً؛ أي لا يتهيأ منهم العمل؛ لأن الله- تعالى- نص على وجوب كفاية الأطفال بقوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] إلى آخرها؛ وذلك لعدم القدرة على الاكتساب، والمجانين والزمنى كذلك؛ فألحقوا بهم. وأوجب أبو ثور النفقة مع اليسار. قال: فإن كانوا [أصحاء بالغين]، أي: غير مكتسبين بأيديهم والأصل بهذه المثابة لم تجب نفقتهم، لأن الأصل في وجوب نفقة القرابات الصبا، وألحق به الزمانة والجنون؛ لمشابتهتهما حالة الصبا [وإذا] كانوا أصحاء متمكنين من الحيلة والتكسب- خرجوا عن أن يكونوا ملحقين بالصبيان. قال: وقيل: فيه قولان كالأب، وهذا الطريق أظهر عند الرافعي. وقد أجريت الطريقة الأولى في الأب أيضاً، لكن الفرق- على ما حكاه الشيخ وجماعة- أن حرمة الوالد [آكد] من حرمة الولد، بدليل: وجوب إعفافه، وعدم وجوب القصاص عليه بقتله، فتأكد وجوب نفقته؛ لقبح تكليفه اكتساب النفقة مع قدرته عليها، والطفل إذا بلغ إلى حد يقدر على الاكتساب فيه، حكمه في هذا المعنى حكم البالغ، حتى يفصل فيه بين أن يكون [ممن يليق به الاكتساب بيده أم لا، هكذا قاله الرافعي. وفي "النهاية": أنه لا يشترط أن يكون] الولد عاجزاً عن الكسب، بل اتفق الأصحاب على أن استكسابه وإن كان يرد مقدار نفقته، فعلى الأب الإنفاق عليه، مع أنه لا خلاف أن الأب لو أراد أن يعلمه بعض الحرف؛ لاستصلاح معاشه، والنظر في عاقبة أمره- فله ذلك، وإذا علم حرفة، فكيف ينتظم في النظر تعطيلها، وقد ينساها إذا تركها؟ وإذا كان يتجه لهذا الرأي إعماله، فأي معنى لإحباط منفعته؟ وقد رأيت لبعض الأصحاب أنه ليس للأب أن يجشم ولده الكسب، وهذا ثلمة عظيمة.

стр. 7383

نعم: إن كان ذلك يحط من منصبه، فليس له ذلك. وعلى الجملة: ما اتفق عليه الأصحاب من وجوب نفقته على الأب، مع كونه كسوباً تأثيره يظهر فيما إذا ترك الاكتساب بالهروب، أو لم يطعه، مع تكليفه، فلما جاع- عاد طالباً للنفقة؛ فإنه تجب نفقته؛ بخلاف البالغ. وما ذكرناه من الطرق هو المشهور للأصحاب، ولم يفرقوا بين اكتساب واكتساب. ومنهم من وضع الخلاف [أولاً] في اشتراط العجز عن الكسب اللائق به، ثم قال: إن شرط ذلك ففي اشتراط العجز عن كل كسب بالزمانة وجهان، ورأوا الأعدل والأقرب: الاكتفاء بعجزه عما يليق به من الاكتساب، وإجراء النفقة، مع القدرة على الكنس وحمل القاذورات وعلى ذلك جرى الإمام والغزالي. قال الرافعي: وهذا حسن. فرع: لو كان مال الولد غائباً، فعلى الوالد أن ينفق عليه قرضاً موقوفاً: فإن قدم ماله سالماً- رجع الأب بما أنفق عليه، سواء أنفق بإذن الحاكم أو بغير إذنه، إذا قصد الرجوع؛ لأن أمر الوالد في حق ولده أنفذ من حكم الحاكم. وإن هلك مال الولد قبل قدومه، لم يرجع عليه بما أنفق من حين تلف المال؛ لأنه بان أن نفقته واجبة عليه، حكاه الماوردي. تنبيه: اقتصار الشيخ من الأقارب على ذكر الأصول والفروع، مع شمول الاسم لغيرهما- يعرفك أن [هذا] الحكم مختص بهما، ولا يتعداهما إلى غيرهما. وقد خالف أبو ثور في وجوب نفقة الولد على الوارث؛ استدلالاً بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وأشار الشافعي إلى الجواب عن ذلك بأنها لو كانت على الوراثة لوجب على الأب ثلثا نفقة الولد، وعلى الأم الثلث، وقد قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]. وأما قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ فقد قال ابن عباس: ألا تضار الأم بانتزاع الولد منها.

стр. 7384

ثم النفقة الواجبة بالقرابة قدر الكفاية؛ لحديث هند، فيعطى من الطعام ما يستقل به، ويتمكن من التردد والتصرف به، ولا يقتصر معه على ما يسد الرمق، ولا ينتهي بما يعطى إلى [حد الشبع. وقال ابن خيران: إنها تتقدر بما تتقدر به نفقة الزوجة]. والظاهر المشهور: الأول؛ لأنها تجب على سبيل المواساة؛ لتزجية الوقت، ودفع حاجته الناجزة، فيعتبر أصل الحاجة وقدرها. ولا يشترط انتهاؤه إلى حد الضرورة. وهل المعتبر كفاية مثله أو كفايته في نفسه؟ وفيه شيء سأذكره في آخر الباب. ويجب لها مع الطعام الإدام؛ كي لا تختل القوى. وفي "التهذيب" ما ينازع في وجوب الإدام. وتجب له الكسوة والسكنى على ما يليق بالحال، وإذا احتاج إلى الخدمة، وجب مؤنة الخادم- أيضاً- وكذا لو احتاج إلى الدواء وأجرة الطبيب وجب، قاله الرافعي في قسم الصدقات. قال: ومن وجبت نفقته وجبت نفقة زوجته- أي: أباً كان أو ابناً- لأن ذلك من تمام الكفاية، وهذا ما حكاه القاضي أبو حامد [وغيره وجهاً، ونسبه صاحب "الإكمال" إلى الشيخ أبي حامد]، واستبعده القاضي الروياني، والأظهر في نفقة زوجة الابن: أنها لا تجب، وادعى صاحب "الإجمال": أن عليه معظم الأصحاب. والفرق أن الابن يجب عليه أن يعف أباه؛ فوجب عليه أن ينفق على زوجته؛ إذ لو لم يجب ذلك- لاختارت الفسخ، ووجب عليه أن يزوجه بامرأة أخرى، وهكذا فلا يحصل القيام بالواجب، والابن لا يجب إعفافه؛ فانتفى هذا المعنى. وما ذكره في الأب مفروض في الزوجة الواحدة، أما لو كان له زوجتان فأكثر فالأصح: أنه تجب نفقة واحدة منهما يدفعها إلى الأب. وفي "البسيط" وجه: أن نفقتهما تسقط. وكما تجب نفقة زوجة القريب تجب كسوتها. قال في "التهذيب": ولا يجب الإدام، ولا نفقة الخادم؛ لأن فقدهما لا يثبت الخيار.

стр. 7385

قال الرافعي: وقياس ما ذكر من أن الابن يتحمل ما وجب على الأب وجوبهما؛ لأنهما واجبان على الأب مع إعساره. وحكم أم ولد القريب حكم زوجته. ولو كان للوالد أولاد ففي "التتمة": أنه يجب على الابن الإنفاق عليهم من جهة أن نفقتهم واجبة على الأب، فيتحملها عنه كنفقة الزوجة، والظاهر: عدم الوجوب، والفرق: أن نفقة الأولاد لا تجب مع الإعسار؛ بخلاف نفقة الزوجة، ولأنه لو لم ينفق على زوجته لفسخت النكاح؛ فيتضرر الأب. قال: ولا تجب نفقة الأقارب على العبد؛ لأنه أسوأ حالاً من المعسر، وهي لا تجب عليه. والفرق بينها وبين نفقة الزوجة من وجهين: أحدهما: أنها تجب بطريق المعاوضة، والعبد من أهل المعاوضة، ونفقة القريب [تجب] مواساة، والعبد ليس من أهل المواساة، والثاني: أن نفقة الزوجة تجب مع اليسار والإعسار؛ فوجبت على العبد مع إعساره، ونفقة القريب تجب في حال اليسار؛ فسقطت عن العبد بإعساره. قال: ولا تجب على المكاتب؛ لأنها مواساة، وليس من أهلها؛ لأن ما في يده إما غير مملوك له- كما حكيناه من قبل- أو مملوك مستحق في كتابته؛ فصار باستحقاقه فقيراً. قال: إلا أن يكون له ولد من أمته؛ فتجب نفقته-[أي] سواء أولدها بإذن السيد أو بغير إذنه- لأنه تابع له إن عتق وعائد إلى سيده إن رق؛ فالنفع عائد إلى من له الملك. ويلتحق بذلك ولد المكاتبة من النكاح إذا قلنا: إنه تابع لها، وتجب قيمته إذا قتل لها، أما إذا قلنا: إنه مملوك للسيد، أو تكون قيمته للسيد إذا قتل، مع القول بأنه تابع لها- فلا ينفق عليه؛ [لأنها واجبة على السيد. ولو كان أبو الولد مكاتباً، فإن كان من غير سيدها- لم يجز أن ينفق

стр. 7386

عليه]، وإن كان من سيدها، وقلنا: إنه مملوك للسيد- أطلق الأصحاب القول بجواز [الإنفاق] عليه. قال الرافعي: ولا يصح [القول] بتجويز [الإنفاق] من ماله على ملكه بغير إذنه. وإن قلنا: إنه يتبعها، فلا؛ لاحتمال أن يعتق أحدهما دون الآخر. ومن نصفه حر ونصفه رقيق إذا كان يقدر [على النفقة] بما اكتسبه بنصفه الحر: هل تلزمه نفقة القريب؟ فيه قولان محكيان في "تعليق" القاضي الحسين. وقال في "البسيط" الظاهر أنها تلزمه. وهو ما جزم به في "الوسيط"؛ لأنها كالغرامات. وهل تلزمه نفقة تامة، أو نصف القيمة؟ حكى ابن كج والقاضي الحسين في ذلك وجهين. قال: ولا تجب إلا [على] من فضل عن نفقته ونفقة زوجته- أي: في يومه وليلته- لما روى عن جابر أن النبي ﷺ قال: "ابدأ بنفسك تصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك" خرجه مسلم. والمعنى في تقديم نفقة الزوجة على القريب: أنها تجب لحاجته؛ فقدمت كنفقة نفسه. ولأنها تجب بطريق [المعاوضة] فقدمت على ما يجب بطريق المواساة. واعترض الإمام بأنها إذا كانت كذلك كانت نفقتها كالديون، ونفقة القريب في مال المفلس تقدم على الديون، وخرج لذلك احتمالاً في المسألة، وأيده بما روي أن رجلاً جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، معي دينار. فقال: "أنفقه على نفسك". فقال: معي آخر؟ فقال: "أنفقه على ولدك". فقال: معي آخر؟ فقال: [أنفقه على أهلك"]، فقدم نفقة الولد على نفقة الأهل كما قدم نفقته على نفقة الولد.

стр. 7387

ويقرب من هذا ما حكاه القاضي الحسين في "التعليق" وجهاً: أن نفقة الأب مقدمة على نفقة الزوجة؛ لأن له سبيلاً إلى إسقاطها بالطلاق. وفي "التتمة" وجه: أن نفقة الولد الصغير مقدمة على نفقة الزوجة، وإنما لم تجب عند انتفاء الفضل؛ للحديث، وفي "التهذيب" وغيره حكاية وجه: أن نفقة الولد الصغير تجب مع الإعسار، فيقترض، أو يقترض عليه إلى اليسار. وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنه الصحيح من المذهب كنفقة الزوجة؛ لأن ذلك من توابع النكاح وحقوقه، والأظهر الأول. ويباع في نفقة القريب ما يباع في الدين من المسكن والخادم وغيرهما. وفي المسكن والخادم وجه كما في الدين. وإيراد القاضي الحسين في "التعليق" قد يقال: إنه يشعر به؛ فإنه قال: ولا يلزم أحد بنفقة أحد من الأقرباء حتى يفضل عن مؤنته من طعامه ومسكنه وملبسه وما ينام عليه، وما يستعمله في وضوئه وأكله وشربه مما لا غنى لمثله عنه. وليس كذلك؛ لأنه صرح- قبل ذكر ذلك- بأنه يباع؛ فتعين حمل ذلك على كراء المسكن. وكيف يباع عقاره؟ فيه وجهان: أحدهما: يباع منه كل يوم بقدر الحاجة. والثاني: يستقرض عليه إلى أن يجتمع ما يستكمل بيع العقار له. وحكم القدرة على الإنفاق عليه بالاكتساب حكم القدرة بالمال، عند الجمهور. وفيه وجه: أنه لا يجب كما في قضاء الدين. وفي "ابن يونس" حكاية الخلاف فيمن لم تجر عادته بالاكتساب، والجزم بالوجوب فيمن جرت عادته به. وفي "التتمة": حكاية الاختلاف في الاكتساب لأجل نفقة الولد، والقطع بعدم وجوبه [كنفقة الوالد] وفرق بأن نفقة الوالد سبيلها سبيل المواساة، ولا يكلف أن يكتسب ليصير من أهل المواساة، وأما الولد فسبب حصوله الاستمتاع؛ فألحقت نفقته بالنفقة الواجبة للاستمتاع، وهي [نفقة] الزوجة، وهذا يدل على

стр. 7388

اعتباره جريان الخلاف في الاكتساب لنفقة الزوجة، وقياس نفقة القريب عليها. لكن في كلام الإمام وغيره: أن في وجوب الاكتساب لنفقتها وجهين مرتبين على وجوب الاكتساب لنفقة القريب، وهي أولى بالمنع؛ لالتحاق نفقتها بالديون. قال الإمام: وينتظم بحسب ذلك: أنا إذا أوجبنا الاكتساب لنفقة القريب لا نوجب النفقة للقريب الكسوب، وإنما يجري ما قدمناه من الخلاف فيه إذا كان من له النفقة غير كسوب، ومن فيه الكلام كسوباً. فرع: إذا كان الولد صغيراً أو مجنوناً مكتسباً، والأب أو الجد ممن تجب نفقته لو كان للابن مال- فلهما أن يؤجراه، أو يأخذا من أجرته نفقتهما. ويجيء في جواز أخذهما النفقة بأنفسهما من مال المجنون الوجه الذي تقدمت حكايته، وفي وجوب استكسابه إشكال الإمام في وجوب نفقته على الأب. ولا يجب عليه قبول الهبة والوصية؛ صرح بذلك القاضي الحسين. قال: وإن كان له ما ينفق على واحد- أي: أو بعض نفقته- وله أم وأب، فقد قيل: الأم أحق لزيادة ضعفها وامتيازها عن الأب بالحمل والوضع والرضاع والتربية، وقد روي أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، من أبر؟ قال "أمك"، قال: ثم من؟ قال: "أمك"، قال: ثم من؟ قال: "أباك"، وهذا هو الأصح. قال: وقيل: الأب أحق؛ مكافأة لتقدمه في وجوب النفقة عليه، مع امتيازه بالعصوبة. قال: وقيل: يجعل بينهما؛ لاستوائهما في القرابة الموجبة للنفقة. قال: وإن كان له أب وابن، فقد قيل: الابن أحق؛ لثبوت نفقته بنص القرآن. وقيل: اأآب أحق؛ لزيادة حرمته وهذا هو الأصح عند النووي وفي "الجيلي".

стр. 7389

قال الشيخ أبو حامد: والوجهان إذا كان الابن بالغاً أو مراهقاً، أما لو كان صغيراً، كان أولى وجهاً واحداً. قال ابن الصباغ: والقاضي ذكر ثلاثة أوجه، الثالث: أنهما سواء. ولم يفصل بين الصغير والكبير والطفل. ونسب الرافعي الثالث إلى اختيار القفال. وتجري الأوجه في الأب والبنت والأم والابن، وفي الجد وابن الابن، وكذا في الجد والابن على أحد الطريقين، وفي الثاني: يقدم الابن. قال: وإن كان له ابن، وابن ابن، فقد قيل: الابن أحق؛ لابتداء وجوبها عليه، دون نفقة ابن الابن التي انتقلت إليه عن أبيه ولأنه أقرب. وهذا هو الأصح، ولم يحك الماوردي سواه. قال: وقيل: يجعل بينهما؛ لأن الابن لا يمنع [نفقة ابن الابن بدليل حال القدرة؛ فصارا كالابنين أو البنتين، والحكم فيهما الاستواء]، اللهم إلا أن يختص أحدهما بمزيد عجز؛ بأن كان مريضاً أو رضيعاً، فيقدم على ما حكاه في "البحر". وهذا الخلاف يجري فيما لو اجتمع أب وجد. ولو كان الأبعد زمناً ففي "التهذيب": أنه أولى. فروع: أحدها: ابن وبنت، الصحيح أنهما كالابنين. وفيه وجه: أن البنت أولى؛ لضعفها، وهذا إذا استويا أما لو كان أحدهما صغيراً لا يقوم بنفسه، والآخر يقوم بها أو أحدهما صحيحاً، والآخر مريضاً- فالصغير والمريض أولى؛ حكاه الماوردي. الفرع الثاني: ابن بنت، وبنت ابن، حكى الروياني أن بنت الابن أولى؛ لضعفها [وعصوبة] أبيها. الفرع الثالث: أب أب، وأب أم، الأول أولى؛ لاجتماعهما في الدرجة، وانفراده بالتعصيب، فلو اختلفت الدرجة، واستويا في العصوبة، أو عدماها، فالأقرب أولى، وإن كان الأبعد عصبة تعارض القرب والعصوبة؛ فاستويا.

стр. 7390

الفرع الرابع: جدتان لإحداهما ولادتان، وللأخرى ولادة واحدة- فإن كانا في درجة واحدة فذات الولادتين أولى، وإن كانت أبعد فالأخرى أولى. ومثل هذا يجري فيما إذا اجتمع في بنت البنت قرابتان، دون بنت [بنت] أخرى من غير عصوبة. تنبيه: حيث قلنا: يوزع الفاضل، فذاك إذا كان يسد مسداً، أما إذا لم يسد فالقرعة، وإذا لم يكن ثم من تجب عليه نفقة الموجودين لولا العجز عن تمام نفقتهما، أما إذا كان مثل أن يكون الأب هو العاجز عن نفقة أحدهما [وله أب موسر، وجب على الأب نفقة أحدهما] وعلى أبيه نفقة الثاني، ثم لهما الإنفاق عليهما بالشركة، أو يختص كل واحد منهما بواحد، فإن اختلفوا عمل بقول من يدعو إلى الاشتراك. وهكذا الحكم فيما لو كان للأبوين المحتاجين ابن لا يقدر إلا على نفقة أحدهما، وللابن ابن موسر، لكن عند الاختلاف يرجع إلى اخيتار الأبوين في النفغقة إن استوت نفقتهما. وإن اختلفت اختص أكثرهما نفقة بمن هو أكثر يساراً، كذا قالهما في "البحر". قال الرافعي: والقياس أن يسوي بين الصورتين، بل ينبغي في الصورة الثانية أن يقال: تختص الأم بالابن؛ تفريعاً على الأصح، وهو تقديم الأم على الأب، وإذا اختصت به تعين الأب لإنفاق ابن الابن. قال: وإن احتاج، وله أب وجد موسران، فالنفقة على الأب؛ لأنه أحق بالمواساة من الأبعد. قال: وإن كان له أم وأم أم فالنفقة على الأم؛ لما ذكرناه. وذكر الشيخ هاتين المسألتين؛ ليعرف بهما ما في معناهما، وضابطه: أن كل من أدلى بشخص لا يلاقيه الوجوب دونه ولا يساويه، وهذا مما لا خلاف فيه، فجد الأب مع الجد كالجد مع الأب، وأم أم الأم مع الأم؛ كأم الأم مع الأم فيما ذكرناه .... وهكذا. قال: وإن كان له أب وأم أو جد وأم، فالنفقة على الأب والجد:
следующие страницы →