← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 7316–7355 · переход к 7321.

стр. 7316

والجمهور حملوه على أن ذلك كان عادة ذلك الوقت. نعم، لو كانت العادة لبس الثياب الرقيقة- كالقصب الذي لا يصلح ساتراً- فلا يعطيها منه؛ لأنه لا يعطيها إلا ثوباً واحداً؛ فلا تصح الصلاة فيه، ولكن يعطيها من الصفيق الذي يقرب منه في الجودة، كالدبيقي والكتان المرتفع. قال: ولامرأة المعسر دون ذلك، أي: من غليظ القطن والكتان، ويجب لامرأة المتوسط ما بينهما، كما قلنا في النفقة، وفيهما الوجه الجاري على ظاهر النص، هذا هو المشهور. قال الرافعي: وفي كلام أبي الفرج وإبراهيم المرورذي: أنه ينظر في الكسوة إلى حال الزوجين جميعاً، فيجب عليه ما يلبس مثله مثلها في العادة. وفي "الذخائر": أن بعض أصحابنا قال: يعتبر حال الموجة، وأن يكون بحيث إذا فرض لها ذلك، لا يجاوز حد مثلها، [وإلا اقتصر] بها على ما يجب لمثلها. ثم قال: وينبغي أن يفصل؛ فيقال: إن قلنا: إن الكسوة تمليك، فيعتبر العرف في جنس الواجب كالنفقة. وإن قلنا: إنها إمتاع، فوجهان: أحدهما: يعتبر بالزوجة. والثاني: يعتبر بالزوج – كالوجهين في المسكن. قال: وأقل ما يجب، أي: لامرأة الموسر وغيرها- قميص وسراويل ومقنعة ومداس للرجل، وإن كان في الشتاء- ضم إليه جبة- أي: محشوة بالقطن- وهذا أكثر الواجب؛ لأجل حصول الكفاية به، وذلك يختلف بطولها وقصرها، وهزالها وسمنها. ويجب أن يكسوها في السنة مرتين: كسوة في الشتاء، وكسوة في الصيف إذا بليت عند انتهاء أمدها، وهو ستة أشهر الفصل، فإن بقيت بعده أو بليت قبله، فسيأتي الكلام فيه، إن شاء الله تعالى. فإن قيل: لم اعتبرتم في الكسوة الكفاية، ولم تعتبروها في القوت؟

стр. 7317

قيل: لأن الكفاية في الكسوة متحققة بالمشاهدة؛ فاعتبرناها لضبطها، وكفاية القوت غير متحققة ولا مشاهدة؛ فلم نعتبرها للجهل بها، مع كونها وجدت بطريق المعاوضة المقتضية الصون عن الغرر بقدر الإمكان. ويقوم مقام المداس المكعب والنعل، ومقام السراويل الإزار، ومقام الجبة الفرو إن كانت عادتهن بلبس ذلك. وعن "المنهاج" للجويني: أن السراويل لا تلزم في الصيف، وإنما تلزم في الشتاء مع البرد. وفي "الحاوي" خلافه، وإن كانت عادتهن ترك لباسه، بخلاف ما إذا كانت عادتهن ترك [لباس] شيء في أرجلهن كأهل القرى في البيوت؛ لأن في ترك السراويل هتك عورة، ويؤخذ بها في حق الله- تعالى- جميع النساء. وقال أبو الفجر السرخسي: إذا لم تستغن بالثياب في البلاد الباردة عن الوقود؛ فيجب من الحطب والفحم بقدر الحاجة. ولا فرق في وجوب ما ذكرناه على المذهب بين الحضرية والبدوية، كما صرح به البندنيجي. وفي "الحاوي": أن الاعتبار في الكسوة والطعام بموضع مقامها حتى لو كانت الزوجة بدوية، وهو حضري، وأقام بها في البادية- وجب عرفهم، وإن أقام في الحاضرة فعرف الحاضرة. وكذلك لو كان بدوياً، وهي حضرية: فإن أقام بالبادية اعتبر عرف البادية، وإن أقام في الحضر اعبتر عرف الحاضرة، وإيراد القاضي الحسين قريب من ذلك. تنبيه: المقنعة والمقنع- بكسر الميم- من "التقنيع". قال الجوهري: والقناع أوسع من المقنعة. المداس: بفتح الميم، وحكى كسرها. قال: ويجب لامرأة الموسر ملحقة، أي: إن كان صيفاً، وكساء تتغطى به- أي:

стр. 7318

إن كان شتاء- ووسادة ومضربة محشوة بقطن لليل، وزلية أو لبد تجلس عليه بالنهار، أي: إذا كان شتاءً، ونطعاً إن صيفاً، وكانت عادتهم ذلك؛ لما ذكرناه. وإيراد الغزالي ربما يفهم أنه يجب زلية غير اللبد تحت المضربة. قال الرافعي: والمفهوم من كلام الجمهور: أن المفروش على الأرض من الزلية أو اللبد أو الحصير واحد ليلاً ونهاراً. وفي المضربة وجه: أنها لا تجب، بل تنام على ما تفرشه نهاراً، حكاه العراقيون. وفي "النهاية" حكاية عنهم: أن المضربة تجب في الليل، وهل تجب لها زلية تفرشها بالنهار؟ فعلى قولين. أما لو كانت ممن عادتهن الغطاء باللحاف في الشتاء، وجب. ولو كانوا لا يعتادون في الصيف لنومهم غطاء غير لباسهم، لم يلزمه شيء آخر، حكاه الماوردي وغيره. قال: ولامرأة المعسر كساء أو قطيفة؛ بحسب العرف. واعلم أن ظاهر كلام الشيخ يدل على أنه لا يجب لامرأة المعسر ما يجب لامرأة الموسر من آلة النوم وما تجلس عليه. قال ابن يونس: وقد ذهب إليه بعض العراقيين، والجمهور على أن امرأة المعسر يجب لها النازل مما ذكرناه، ولامرأة المتوسط ما بينهما، وهو ما حكاه في "المهذب". وفي "الحاوي": أن ذوي الإقتار وسكان القرى يكتفون في نومهم بالبسط المستعملة لجلوسهم؛ فلا يفرض لها فراش. وفي "التتمة": أنه يجب لامرأة المعسر حصير في الصيف، ولبد في الشتاء. تنبيه: الملحفة- بكسر الميم-: من الالتحاف. الوسادة- بكسر الواو- والإسادة: [لغتان. الزلية: بكسر الزاي، وتشديد اللام والياء، وجمعها: الزلالي. اللبد: بكسر اللام، جمعه:] لبود.

стр. 7319

القطيفة- بفتح القاف-: دثار مخمل، وجمعه: قطائف وقطف؛ كصحائف وصحف. [و] في "الجيلي": أنه كساء كبير عريض أبيض. قال: وإن أعطاها كسوة مدة، وبليت قبلها، أي: [لا لسخافتها، بل لزيادة] في الاستعمال، كما صرح به الماوردي وابن الصباغ وغيرهما- لم يلزمه إبدالها؛ كما لا يجب بدل طعام اليوم إذا نفد قبل انقضاء اليوم. [أما] إذا تلف لسخافته فيجب إبداله. قال: وإن بقيت بعد المدة لزمه التجديد؛ كما لو بقي قوت يومها إلى غد؛ فإنها تستحق فيه قوتها، وهذا هو الأصح عند الجمهور، والمذهب في "تعليق" البندنيجي. قال: وقيل: لا يلزمه، أي: حتى تبلى، بخلاف القوت. والفرق: أن الكسوة معتبرة بالكفاية، وهي مكفية، والقوت معتبر بالشرع. ولا فرق- على هذا القول- بين أن تكون قد لبستها في المدة أو لا، صرح به القاضي الحسين في "التعليق". وقال الماوردي، وتابعه ابن الصباغ: إن الأصح عندي من إطلاق هذين الوجهين أن ينظر في الكسوة: فإن بقيت لجودتها لم تستحق بدلها؛ لأن الجودة زيادة، وإن بقيت لصيانتها عن اللبس، استحقت بدلها كما لو لم تلبسها. وهذا كله فيما عدا الجبة، فأما الجبة: فإن كانت من القطن فتجدد في كل سنة، وإن كانت من الديباج ففي سنتين، والعرف في ذلك متبع. وأما الدثار من اللحف والقطيفة والأكسية فهو أبقى من الكسوة، فيتبع فيه- أيضاً- العرف، هذا ما حكاه العراقيون. وبنى المراوزة ذلك على أن الكسوة هل يجب تمليكها للزوجة كما يجب تمليك الطعام والإدام، أو لا يجب، وتكون إمتاعاً كما في المسكن والخادم؟ وفيه خلاف عندهم، والذي ذهب إليه ابن الحداد منهما، ويقال: إنه قضية نصه في "الإملاء"، واختيار القفال-: [الثاني].

стр. 7320

قال ابن الصباغ: وقد وافق ابن الحداد بعض أصحابنا، وإيراد الفوراني والمسعودي يقتضيه. وأصحهما عند الأكثرين، وينسب إلى النص: الأول. وفي "التهذيب" طرد هذا الخلاف في كل ما ينتفع به مع بقاء عينه كالفرش وظروف الطعام والشراب والمشط، وكلام الفوراني في المشط يوافقه. وكلام القاضي في "التعليق" يقتضي إلحاق الفرش ونحوه مما يخرج عن كسوة البدن بالمسكن؛ فإنه قال: لا يجب إبداله ما لم يبل ويتخرف ولا يتهيأ الانتفاع به. وألحق في "البسيط" الفرش والظروف بالمسكن. رجعنا إلى المقصود: فإن قلنا بالأول، وبليت قبل المدة من غير تقصير- لم يجب التجديد، وفيه وجه ضعيف. وإن قلنا بالثاني وجب، وإن كان بتقصير منها، كما إذا كثر تردادها وتحاملها عليها؛ فهو كما لو أتلفتها، وإتلافها مبني على الخلاف- أيضاً-: إن قلنا بالأول لم يجب لها ولا عليها، وإلا فتجب عليها القيمة، وعليه الإبدال. وأبدى الإمام احتمالاً في وجوب البداءة بأيهما. ولو بقيت بعد المدة: إن قلنا بالأول وجب الإبدال، وإن قلنا بالثاني فلا. ويتفرع على هذا المأخذ عندهم مسائل يأتي بعضها في الباب، منها: لو استأجر لها كسوة، أو استعارها، إن قلنا بالثاني جاز، وكانت العارية مضمونة على الزوج دونها، وإن قلنا بالأول فلا. قال: ويجب تسليم النفقة إليها في أول النهار؛ لأن الواجب حب؛ فتحتاج إلى طحنه وخبزه، فلو لم يسلم لها في أول النهار لم تنله عند الحاجة؛ فيلحقها الضرر. ومراده بأول النهار: طلوع الشمس، كما صرح به في "المهذب"، وهو ما حكاه الرافعي في كتاب الضمان، وقضية كلام الماوردي في باب الإعسار بالنفقة؛ حيث قال: "الوقت الذي تستحق فيه نفقة يومها هو أول أوقات التصرف فيه؛ لأنها إن طالبته مع طلوع فجره خرجت عن العرف، وإن أخرها إلى غروب شمسه أضر بها.

стр. 7321

والجمهور على أنه تجب بطلوع الفجر. قال في "البسيط" عند الكلام في وقت الفسخ: فإن قيل: ما معنى قول الأصحاب: إن النفقة تجب بطلوع الفجر؟ قلنا: معناه: أنه تجب وجوباً موسعاً كما في الصلاة، أو معناه: أنه إن قدر وجب عليه التسليم، وإن ترك عصى ربه، ولكن لا يحبس ولا يخاصم، ومن هذا يظهر أنه لا تلزم من طريق الأولى، كما صرح به الإمام. قال: فإن سلفها نفقة مدة، فماتت قبل انقضائها- رجع فيما بقي؛ لأنه دفع عما يلزمه ويستقر عليه في المستقبل، فإاذ تبين خلافه استرد؛ كالزكاة المعجلة. وهذا الحكم فيما لو بانت منه. وفيه وجه: أنه لا يسترد؛ بناء على أنها ملكت ما سلفه لها كما ذهب إليه ابن الحداد، وصححه الرافعي، أما إذا قلنا: إنها لا تملك بالتسليف- وهو الأظهر في "النهاية"- فلا نزاع في أنه يسترد. ثم هذا فيما عدا اليوم الذي حصل فيه الموت أو البينونة، أما ذلك اليوم فلا يسترد ما يقابله، وادعى الإمام اتفاق الأصحاب عليه. وفي "الرافعي": حكاية وجه فيه، ولم يطرده فيما إذا مات، بل سكت عنه. فرع: حيث قلنا: لا تملك، فكلما شرعت في يوم ملكت ما يقابله في وقت وجوب التسليم. قال: ويجب تسليم الكسوة في أول الفصل، يعني: فصل الشتاء أو الصيف، كما ذكرناه؛ لأنه وقت الحاجة إليها. قال: فإن أعطاها الكسوة، [ثم ماتت] قبل انقضاء الفصل؛ أي: الذي قبضت الكسوة له- لم يرجع؛ لأنه دفعها، وهي واجبة عليه؛ [فلم يرجع]؛ كما في نفقة اليوم، فإن الكسوة بالنسبة إلى الفصل كالنفقة بالنسبة إلى اليوم. قال: وقيل: يرجع؛ لأن الكسوة لمدة لم تأت؛ فكان له الرجوع فيها؛ كما لو عجل نفقة أيام. قال: والأول [أصح]؛ لما ذكرناه.

стр. 7322

والمراوزة قالوا: إن قلنا: إنها إمتاع، استرد، وإلا فلا. وفي الرافعي: حكاية وجه: أنه يسترد وإن قلنا: إنها تمليك، ثم قال: ويمكن تنزيل وجه الاسترداد على الوجه الغريب الذي حكاه القاضي ابن كج في نفقة اليوم الواحد مع تسليم: أن كسوة الفصل كنفقة اليوم. واعلم أنا حيث قلنا: يسترد، فذاك إذا كانت العين باقية، فإن كانت تالفة فالواجب [رد بدلها]. قال: وإن تصرفت فيما أخذت من الكسوة ببيع أو غيره- أي: مثل الهبة والإجارة- جاز؛ لأنه عوض مستحق بسبب النكاح؛ فجاز التصرف فيه؛ كالمهر، وهذا هو الصحيح. وقيل: لا يجوز؛ لأن له غرضاً في جمالها، وعليه ضرر نقصانه، وهذا قول ابن الحداد، وقد وافقه عليه بعض أصحابنا كما حكاه ابن الصباغ، وهو مبني على أن الكسوة إمتاع، والأول على القول بأنها تمليك. فإذا قلنا بمذهب ابن الحداد فقد قال أبو إسحاق: إن لها أن تلبس ما دون المأخوذ كما في النفقة، [والظاهر المنع؛ لما للزوج من غرض التزين، وهل يجوز لها أن تتعوض عن الكسوة شيئاً إن قلنا: إنها تمليك؟ فيه وجهان كما في النفقة] قاله المتولي. قال: ويجب لها سكنى مثلها؛ لأن المعتدة تستحقها؛ فالزوجة أولى. وظاهر كلام الشيخ يقتضي أن الاعتبار فيها بما يليق بها، وهو ما حكاه المراوزة، وطردوه في كل ما الغرض منه الإمتاع حتى يجري في الكسوة على

стр. 7323

رأي، بخلاف ما الغرض منه التمليك؛ فإنه يعتبر فيهجانبه لعظم الضرر فيه. فعلى هذا: من لم تكن عادتها بسكنى الخان لابد من سكناها في دار أو حجرة، وينظر- أيضاً- إلى سعتها وضيقها. والذي حكاه الشيخ في "المهذب"، وقال الجيلي: إنه في "الخلاصة"، وإنه خلاف المذهب- أن الاعتبار في المسكن بحاله في اليسار والإعسار والتوسط؛ كما في النفقة. ومن أراد الجمع بين الكلامين سلك طريق المتولي، وقال: إنا نعتبر مسكناً يليق بها [متفاوتاً بين] الغني والفقير والمتوسط؛ كما في النفقة، وهو يتضمن النظر إلى الجانبين معاً. وعلى كل حال: فلا يشترط في المسكن أن يكون ملكاً له، بل يجوز أن [يكون] مستعاراً أو مستأجراً. قال: وإن كانت المرأة ممن تخدم، أي: في بيت أبيها، لمنصبها وشرفها، دون ما إذا طرأ لها ذلك في بيت زوجها؛ كما صرح به أبو حامد، أو من سكان الأمصار دون أهل البوادي؛ كما قاله الماوردي. قال: وجب لها خادم واحد، أي: سواء كان الزوج موسراً أو معسراً، حراً أو عبداً؛ لأنه من المعاشرة بالمعروف، وقال- ﵇ لهند: "خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ" وهذا من جملة الكفاية. ولأنه يجب عليه نفقتها؛ فوجب عليه إخدامها إذا كانت ممن تخدم؛ كالأب لما وجب عليه نفقة ولده وجب عليه نفقة من يخدمه، وهو الحضانة. وأشار المزني إلى اختلاف قوله في وجوب الإخدام، وقد أثبته بعضهم، والجمهور قطعوا بالوجوب، وحملوا النصوص المشعرة بخلافه على ما إذا لم تكن ممن تخدم. وفي "التتمة"- عند الكلام في دليل وجوب الخدمة-: أن اليسار شرط في

стр. 7324

وجوب الخدمة، وإنما اكتفينا بخادم واحد؛ لأن الذي يجب على الزوج كفايته في حق المخدومة الشريفة- على ما قاله أبو الفرج السرخسي- الطبخ والغسل ونحوهما، دون حمل الماء إليها للشرب، وحمله إلى المستخدم؛ فإن الترفع عن ذلك محض رعونة لا عبرة بها. وعلى ما حكاه في "التهذيب": بحمل الماء إلى المستخدم، وصبه على يدها، وغسل خروق الحيض ونحوها، وذلك كله يحصل بالواحد. ولا يشترط في الخادم أن يكون مملوكاً له، بل يجوز ذلك، ويجوز أن يكون مستعاراً، أو حراً يسمح بالخدمة أو مستأجراً. ولا يجب عليه أن يستأجره بأكثر من قدر نفقة الخادم، سواء كان المستأجر حراً، أو رقيقاً، قاله مجلي. وفي كلام الماوردي ما يدل على خلافه، وسنذكره في الباب. نعم، يشترط أن يكون امرأة أو صبياً أو محرماً. وقيل: يكفي الشيخ الهم ومملوكها، وهل يجوز أن يكون ذمياً؟ فيه وجهان. والمرجع في تعيين الخادم إليه ابتداء، جزم به الماوردي، وهو الأظهر في الرافعي. وفيه وجه حكاه القاضي أبو الطيب: أنه يرجع فيه إليها. وأما في الدوام إذا توافقا على خادم في الابتداء فإليها، أو كانت قد حملت معها خادماً، فأراد إبداله- لم يجز إلا إذا ظهرت ريبة وخيانة. ولا خلاف أن له [أن] يمنع ما زاد على الخادم الواحد من دخول منزله؛ وكذلك إذا استخدمت من لا تخدم خادماً فله منعه؛ كما له إخراج مالها من داره. ولو كانت الزوجة أمة، واقتضى منصبها وجمالها أن تخدم- ففي وجوبه وجهان: أظهرهما- واقتصر الأكثرون عليه-: المنع. وفي "الوجيز": مقابله أصح.

стр. 7325

ومن نصفها حر ونصفها رقيق في معنى الأمة، صرح به القاضي الحسين. ولو كانت الزوجة ممن لا تخدم، لكن مرضت وعجزت عن خدمة نفسها- أطلق الأكثرون وجوب إخدامها، وهو مقتضى إطلاق الشافعي، ﵁. ولا فرق فيه بين الحرة والأمة. وإذا لم تحصل الكفاية بواحد فيزاد بحسب الحاجة. وفصل بعضهم فقال: إن [كان] المرض دائماً وجب الإخدام؛ لأن [العذر] الدائم لا ينقص عن مراعاة الحشمة. وإن لم يكن دائماً لم يجب؛ كأسباب المعالجة، وعلى ذلك [جرى] المبلغون عن الإمام. وفرق الماوردي بينه وبين المعالجة بأن الخدمة من جنس ما يجب على الزوج بخلاف المعالجة. قال: فإن قال الزوج: أنا أخدمها بنفسي، لم يلزمها الرضا به؛ لأنها تستحيي منه، وذلك يمنعها من استيفاء خدمتها، ولأن فيه عاراً عليها. وقال أبو إسحاق، وأبو علي بن أبي هريرة: له ذلك. واختاره الشيخ أبو حامد. وعن القفال، أو غيره: أن له ذلك، فيما لا تستحيي منه: كغسل الثوب، واستقاء الماء، وكنس البيت، وطبخ الطعام، دون ما يرجع إلى خدمة نفسها: كصب الماء على يدها، وحمله إلى المستخدم، ونحو ذلك، وهذا ما حكاه الغزالي. والأظهر ما في الكتاب، وإن كان البندنيجي قد قال: إنه ليس بشيء. قال: وإن قالت: أنا أخدم نفسي، وآخذ أجرة الخادم- لم يلزمه الرضا به؛ لأن القصد به ترفيهها، وذلك لا يحصل بخدمة نفسها. وأشار الغزالي إلى خلاف فيه بقوله: فالظاهر: أنه لا يلزم. وإذا قلنا بالظاهر، فلو توافقا على ذلك ففي "التتمة": أنه على الخلاف في الاعتياض عن النفقة. ولو تبرع أجنبي عنها أو عنه، سقطت خدمتها؛ قاله الماوردي.

стр. 7326

قال: ويجب عليه نفقة الخادم وفطرته. أما وجوب النفقة؛ فقد وجه بأنه من المعاشرة بالمعروف. ووجهه ابن الخل: بأن الواجب يقف على ذلك. وأما وجوب الفطرة، فمحله كتاب زكاة الفطر. وقد قال الإمام: ثم إن الأصح: أن فطرته لا تجب. ثم المسألة مصورة في "الحاوي" وغيره بما إذا كان لها [خادم]، واتفقا على أن يخدمها بكفاية المؤنة وغيرها. وألحق الرافعي والبندنيجي بذلك الحرة إذا رضيت بمثل ذلك. أما لو كان الخادم له، فنفقته واجبة عليه بحكم الملك. وإذا كان مستأجراً أو مستعاراً، فنفقته عليه؛ إن كان حراً، أو على سيده؛ إن كان رقيقاً. والخادم يطلق على الذكر والأنثى، [بغير الهاء]، وجاء لغة قليلة في الأنثى: خادمة. قال: فإن كان موسراً لزمه للخادم مد وثلث من قوت البلد، وإن كان معسراً أو متوسطاً لزمه للخادم مد. وتمسك الماوردي- في اعتبار تقدير نفقة خادم امرأة الموسر بالمد والثلث- بأن نفقة المخدومة مدان، وهذه تابعة لها؛ فلا تساويها، ولا يمكن إيجاب مد ونصف؛ لئلا نساوي بينها وبين نفقة المتوسط؛ فاقتصر فيه على مد وثلث، وهو ثلثا نفقة المخدومة. وتمسك في اعتبار المد في حق المتوسط بأنه ثلثا نفقة المخدومة على وزان ما سبق في المعسر، وإن كان مقتضى ما ذكرناه من القياس أن يكون الواجب له ثلثي مد كي لا تحصل التسوية بينهما وبين نفقة المعسر وأجيب [بأن المد لا يقوم بدن- في الغالب- إلا به؛ فسوينا بينهما فيه للضرورة الداعية للتسوية] كالعدد والحدود [تنقص بالرق] عن حال الحرية فيما يتبعض من الأقراء

стр. 7327

والأشهر والجلد، ويسوي بينهما فيما لا يتبعض من الحمل وقطع السرقة. وعن القفال الشاشي- في اعتبار المد والثلث-: أن للخادمة والمخدومة في النفقة [حالة] كمال وحالة نقص، وهما في حالة النقصان يستويان وفي حالة الكمال يزاد للمفضولة ثلث ما يزاد للفاضلة؛ كما أن للأبوين في الميراث حالتي كمال ونقصان، وهما في حالة النقصان- وهو أن يكون للميت ابن- يستويان، ويكون لكل منهما السدس، وفي حالة الكمال- وهي إذا انفردا- يكون المال بينهما أثلاثاً [يزاد للأم] ثلث ما يزاد للأب. وقال غيره في ذلك: إن نفقة الخادم على المتوسط ثلثا نفقة المخدومة؛ لأن نفقة المخدومة مد ونصف، ونفقة الخادم مد؛ فلذلك ينبغي أن تكون فقة الخادم على الموسر ثلثي نفقة المخدومة عليه، وذلك مد وثلث. قال في "البسيط": وهذه المدارك بأصول أبي حنيفة أشبه بها من أصولنا، لكن لما بطلت الكفاية اكتفوا بمثل هذه التقديرات. ووراء ما ذكرناه وجوه أخر: أحدها: أن نفقة الخادم [مد لا] تختلف باختلاف الأزواج. والثاني: أنه يجب على المتوسط للخادم مد وثلث؛ كالموسر، وهو ما حكاه البندنيجي، وفي "البحر" نسبه قائله إلى الغلط. والثالث: [أنه يجب] على المتوسط مد وسدس. وفي "الوسيط": أن اعتبار المد والثلث تقريب، لا تقدير؛ إذ لا تقدير للشرع فيه. وأما اعتبار قوت البلد؛ فلأنه من المعاشرة بالمعروف، وقد حكي فيه وجه: أنه يجعل دون ذلك؛ كما يأتي في الإدام. واعلم أن المد والثلث، وكذا المد إنما يجب للخادم إذا قام بجميع ما يستحق من الخدمة الواجبة على مثله، أما إذا تعاطى الزوج بعضها- كما حكيناه- فهل يستحق الخادم- والحالة هذه- ما قدر له؟ فيه خلاف مبني على أن الأمة إذا

стр. 7328

سلمت إلى الزوج ليلاً، دون النهار- هل تستحق تمام النفقة؟ وفيه كلام سيأتي، فإن قلنأ: لا تستحق التمام، وهو ما حكاه الغزالي- فقد قيل: يحتمل أن تشطر، ويحتمل أن توزع على الأفعال، كما حكاه أيضاً. قال: ويجب عليه أدمه من دون جنس أدم المرأة- على المنصوص- وهو الأصح للعرف. فعلى هذا: يكون أدم المرأة من الزيت الجيد، والخادم من الزيت الدون. وقيل: من جنس أدمها؛ كما لزمه من جنس طعامها، وهذا ما حكاه الماوردي. وقيل: لا يلزمه للخادم أدم أصلاً، بل يكتفي بما يفضل عن المخدومة. وهل يجب للخادم اللحم؟ فيه خلاف بناه البندنيجي وغيره على أن الأدم يجب من أدم المخدومة أم لا؟ فإن قلنا: يجب منه وجب، وإلا فلا. وأما قدر الأدم، فهو بحسب الطعام. قال: ولا يجب للخادم الدهن والسدر والمشط؛ لأن ذلك يراد للزينة، والخادم لا تتزين له، بل اللائق بحال الخادم [أن تكون شعثة؛ كي لا تمتد إليها الأعين بخلاف الزوجة]. نعم، لو كثر الوسخ وتأذت بسبب الهوام، فعليه أن يعطيها ما تترفه به. وهذا ما استدركه القفال، واستحسنوه، وقريب منه ما حكي عن الصيدلاني: أنها إن احتاجت إليه عند تلبد شعرها وجب. وأطلق صاحب "العدة" وجهين في أنه هل يعطي الخادم المشط والدهن؟ قال: ويجب لخادم امرأة الموسر قميص ومقنعة. أما وجوب أصل الكسوة فبالقياس على النفقة؛ لأنها من المعاشرة بالمعروف. وأما القميص والمقنعة؛ فلأن ذلك أقل ما يحصل به الستر، وتقتضيه العادة. وفي "التتمة": أن المقنعة تجب في الشتاء، وفي الصيف للحرة، وإن كانت أمة فلا إذا كانت عادة الإماء في البلد كشف الرأس. وهذا منه يدل على ما حكيناه عن الرافعي في إلحاق الحرة المتبرعة بخادمها. ويجب لها مع ما ذكرناه في الشتاء: جبة صوف، [أو] محشوة قطناً، أو فرو،

стр. 7329

على حسب العادة؛ ليدفع عنها البرد. قال: وخف، أي: إذا كانت تخرج إلى الطريق في الحوائج؛ لأنها محتاجة إلى الخروج لقضاء حاجتها، والمعهود في حق النساء لبس الخف عند الخروج. وكذلك يجب لها إذا كانت تخرج ما تلتحف به؛ لما ذكرناه. قال: ولا يجب لها سراويل؛ لأن المقصود منه الزينة وكمال الستر، والخادمة لا تحتاج إلى الزينة ولا إلى كمال الستر، إذا كانت أمة؛ فإن ساقها ليس بعورة، كذا علل به الرافعي. ومقتضاه: أن يجب إذا كان الخادم حرة- إن لم يكن ما ذكره علة واحدة- كما حكيناه عن المتولي في المقنعة. وفي "التهذيب" حكاية وجه: أنه يجب مطلقاً، وصححه ووافقه القاضي الروياني على تصحيحه. قال: ويجب لها كساء غليظ أو قطيفة؛ أي: تتغطى بذلك، ووسادة، أي: تنام عليها. وفي "التتمة": أنه لا بد لها من شيء تجلس عليه: كباريه في الصيف، وقطعة لبد في الشتاء. وفي "البحر": أنه لا يجب لها فراش، ويظهر أن يكون اختيار الشيخ هاهنا؛ لأنه لم يتعرض له، وإن كان قد ذكر في "المهذب" وجوبه، كما سنذكره. قال: ولخادم امرأة المعسر عباءة، أو فروة، والمرجع في ذلك كله إلى العرف. وقال الغزالي: الغرض أن الكسوة تجب للخادم، إلا أنه [لا] تكون أحسن جنساً من كسوة المخدوم. ويختلف ذلك باختلاف البقاع، ومقتضى هذا: أن يساوي المخدوم في القدر والجنس، وإنما الاختلاف في النوع، كما قلنا في الأدم، وهو قضية كلام الشيخ في "المهذب"؛ فإنه قال: يجب لخادم كل زوجة من الكسوة والفراش والدثار، دون ما يجب للزوجة، ويستثنى منه السراويل.

стр. 7330

وقد سكت الشيخ والأصحاب عن التعرض لكسوة خادم امرأة المتوسط، ويحتمل- على ما قاله الشيخ هاهنا في امرأة المعسر- أن تلتحق بها في القدر كما في النفقة. ويحتمل أن يجب لها ما بين كسوة امرأة الموسر والمتوسط، خصوصاً إذا قلنا بما حكاه في "المهذب". تنبيه: العباءة: بفتح العين والمد، والعباية: بالياء- لغتان. الفرو- بغير هاء-: هذا الملبوس المعروف، وجمعه: فراء. وقد استعمله الشيخ بالهاء، وهي لغة، وقيل: "الفرو" واحد "الفراء"؛ فإن كان كالجبة فاسمها: فروة. قال: وتجب النفقة إذا سلمت نفسها إلى الزوج- أي: في الموضع الذي عينه- أو عرضت نفسها عليه- أي: وإن لم ينقلها إلى موضع، ولا استمتع بها- لأنها سلمت ما ملك عليها، فملكت واستحقت ما بإزائه؛ كالأجير إذا سلم الدار المكراة إلى المكتري، أو عرضها عليه- يستحق عليه الكرا. وصورة العرض أن تقول: سلمت نفسي إليك، فإن اخترت أن تصير إلى، وتأخذني وتستمتع بي- فذاك إليك، وإن اخترت جئت إليك في أي مكان شئت. أو ما يؤدى هذا المعنى. قال: وإن كانت صغيرة- أي: لا يوطأ مثلها- ففيه قولان: أصحهما: أنها لا تجب؛ لأمرين: أحدهما: أن فقد الاستمتاع بالصغر أغلظ من فقده بالنشوز [في الكبر؛ لإمكانه في حال النشوز، وتعذره في الصغر فكان إلحاقه بالنشوز] في سقوط النفقة أولى. والثاني: أن النفقة في مقابلة التمكين والاستمتاع؛ فصارت بدلاً في مقابلة مبدل، وفوات المبدل موجب لسقوط البدل، وإن كان فواته بعذر كسقوط الثمن بتلف المبيع، وهذا القول هو المنصوص عليه في "الأم" وهو مع الثاني في "الإملاء". والقول الثاني: أنها تجب؛ لأنها محبوسة عليه، وفوات الاستمتاع بسبب هي معذورة فيه، فأشبهت المريضة والرتقاء.

стр. 7331

وبنى المراوزة القولين على القولين في أن النفقة تجب بالتمكين أو بالعقد. واعلم أن المسألة مصورة في "المهذب"، "وتعليق" القاضي الحسين، و"الرافعي" بما إذا سلمت إليه، أو عرضت عليه، حتى قال الرافعي: لو لم تسلم إليه كانت كالكبيرة. وفي "النهاية": أنه لا حاجة في الصغر في تقدير النفقة إلى وعد الزفاف، عند إمكان الاستمتاع، بل تستقر النفقة في الصغر مع السكوت وترك التعريض وفاقاً، وإذا جاز الإمكان كان الحكم كالكبيرة، وهذا قد يؤخذ من ظاهر كلام الشيخ هاهنا من حيث إنه جعله في مقابلة تسليمها نفسها. أما إذا كانت الصغيرة يمكن وطؤها فيجب لها النفقة وجهاً واحداً إذا سلمت إلى الزوج، أو عرضت [عليه، والمخاطب بذلك هو الولي. فلو سلمت هي] نفسها، [فتسلمها الزوج- وجبت، ولو عرضت نفسها] ولم يتسلمها الزوج، قال ابن الصباغ: ينبغي ألا تجب حتى يتسلمها؛ لأن بذلها لا حكم له. وهذا ما حكاه الرافعي عن المذهب، وأبداه مجلي عن بعض الأصحاب جزماً، وذكر لنفسه احتمالاً في وجوبها. قال: وإن كان الزوج صغيراً، أي: لا يتأتى منه النكاح، وهي كبيرة- أي: وعرضت نفسها على وليه، لا عليه؛ كما صرح به الرافعي- ففيه قولان: أصحهما: أنها تجب؛ لأن الاستمتاع مستحق عليها دونه، وقد وجد التمكين من جهتها؛ فوجبت النفقة، ولم تسقط بعذر من جهته؛ كما لو هرب. وكما لو تعذر على المستأجر استيفاء المنفعة يعذر فيه بعد تسليم العين، وهذا هو المنصوص عليه في "الأم"، وهو مع الثاني في "الإملاء". والقول الثاني: أنها لا تجب؛ لأن التسليم أو التمكين لا معنى له إلا بتسليم أحد أو تمكينه منه، ولم يوجد. ومن الأصحاب من جزم بالأول، وأجرى الخلاف [في الصورة الأولى. قال

стр. 7332

القاضي الحسين: وهو سديد، وذكر ما عللنا به] القول الثاني. قال الرافعي: ولك أن تقول: إن قضية القولين معاً في أن النفقة تجب بالعقد أو بالتمكين. ومن الأصحاب من قال: إن كانت جاهلة بصغره، وجبت وجهاً واحداً، [وإلا فلا كذا قاله الغزالي. وذكر الرافعي: وإلا فقولان. وهو موافق لرواية الإمام عن بعض المصنفين، فيحصل من ذلك مع إجراء كلام الغزالي على ظاهره أربعة طرق. أما إذا كان الزوج يمكن جماعه كالمراهق فتجب النفقة وجهاً واحداً] بالعرض على وليه والتسليم إليه، وإن كان بغير إذن الولي، كما صرح به البغوي. ولو كان الزوجان صغيرين لا يتأتى منهما الجماع، ففي وجوب النفقة- أيضاً- قولان في "الإملاء" و"الأم"، أصحهما- عند الماوردي: الوجوب، وفي "الشامل": أن المنصوص عدمه. وقال القاضي الحسين: إن قلنا في المسألة قبلها: لا تستحق، فهاهنا أولى، وإن قلنا تستحق، فهاهنا قولان. قال: وإن كانت مريضة، أو رتقاء، أو كان الزوج عنيناً- وجبت النفقة. أما إذا كانت مريضة أو رتقاء؛ فإنه وجد منها التسليم الممكن، ويمكن الاستمتاع بها من بعض الوجوه، مع أنها [معذورة بما يدوم فترك الإنفاق عليها مما يضر بها وتخالف الصغيرة من حيث إنها] في قبضته؛ لما يلزمها من تسليم نفسها إليه، والصغيرة ممنوعة منه؛ لأنه لا يجب تسليمها إليه، كذا فرق به الماوردي. وقال القاضي الحسين: لأن المرض عارض بعد التسليم، فلا يكون حكمه حكم العارض الموجود في أصل العقد؛ ألا ترى أن العيب الحادث بعد التسليم لا يجعل له الخيار كالعيب الموجود في أصل العقد؟ ويظهر من الفرق الأول: أن تكون الصورة في الصغيرة كما حكيناه عن الإمام،

стр. 7333

وأن محل الكلام في المريضة إذا سلمت إلى الزوج، وهو على طريقة من يوجب تسليمها إليه، أما على طريقة من لا يوجب تسليمها- كما حكيناه في موضعه- فنفقتها تجب، وإن لم يوجد عرض، ولا تسليم، وقد صرح به مجلي وغيره. ويظهر من الفرق الثاني أن محل الكلام في المريضة إذا حدث المرض بعد التسليم، وكلام الأئمة يشعر بأنه لا فرق بين أن يحدث بعده أو قبله، وقد صور في "التهذيب" المسألة بما إذا سلمت نفسها وهي مريضة أو رتقاء، وألحق المفضاة بهما. ثم هذا إذا لم يكن لها سبب في المرض، أما إذا تسببت فيه، ثم استمر- ففيه التردد المذكور في إحرامها؛ صرح به الإمام عند الكلام في نفقة المطلقات. وأما إذا كان الزوج عنيناً؛ فلما ذكرناه من قبل، والفرق بينه وبين الصغير على رأي: أنه يحصل له بها الأنس، وبعض الاستمتاع، بخلاف الصغير. ولأن العلة التي اقتضت عدم إيجاب النفقة على الصغير مفقودة هاهنا. وحكم من يلحقها بالجماع شدة ضرر: إما لصلوبة جسدها وضيق فرجها، وإما لعظم خلقة الزوج وغلظ ذكره- حكم الرتق في وجوب النفقة، ولا يجب عليها تمكينه. ولو اختلفا فيما يمنع من الوطء، فادعته [المرأة]، وأنكره الزوج- فلها أن تبينه بشهادة النسوة، وهل يكفي فيه شهادة امرأة واحدة أو لا بد من أربع نسوة؟ فيه وجهان، أظهرهما: الثاني. قال: ولا تجب النفقة إلا بالتمكين التام؛ لأنها لا تعد مسلمة بدونه، ومعناه ما ذكرناه أولاً. وقال الإمام: والتمكين أن تقول المستقلة، أو أهلها إن كانت محجوراً عليها: مهما أسقطت الصداق رفعنا إليك.

стр. 7334

وهل التمكين سبب أو شرط؟ فيه خلاف يأتي. واحترز الشيخ بلفظ "التمام" عما إذا قالت: أنا أسلم نفسي إليك [ليلاً دون النهار أو نهاراً دون الليل، أو: في البلد الفلاني دون غيره، أو في المنزل الفلاني- فإن النفقة لا تجب؛ بدليل أنه لم يحصل التمكين المقابل بالنفقة. قال: فإن كانت أمة فسلمها السيد] ليلاً ونهاراً، أي إما في بيت الزوج، أو في البيت الذي بوأها إياها- إن قلنا بوجوبه- وجبت نفقتها؛ [لوجود التمكين التام كالحرة. قال: وإن سلمها ليلاً ولم يسلمها نهاراً لم يلزمه نفقتها]؛ لقصور استمتاعه عن حالة الكمال؛ فالتحقت بالحرة إذا سلمت نفسها ليلاً دون النهار، وهذا قول أبي إسحاق وجمهور الأصحاب. قال: وقيل: يلزمه نصف النفقة؛ اعتباراً بما تسلمه، وهذا قول ابن أبي هريرة. وقال الماوردي: هو أظهر عندي، وعبر عنه بأنه يجب على الزوج عشاؤها؛ لأنه يراد لزمان الليل، وعلى السيد غداؤها، لأنه يراد لزمان النهار، وعليه من الكسوة ما تتدثر به ليلاً، وعلى السيد منه ما تلبسه نهاراً. وهذا الوجه قد حكي في الحرة مثله إذا سلمت نفسها في وقت دون وقت: أنها تستحق من النفقة بقدر ما سلمت، وهو ما أجاب به [أبو الفرج]. وقيل: يلزمه جميع النفقة، لوجود كمال التسليم المستحق عليها بالعقد، وهذا لا يجري فيالحرة؛ لأنه لم يكمل التسليم المستحق عليها. نعم: لو كانت مستأجرة قبل العقد فقد حكى الماوردي أن الزوج لا يستحق تسليمها إلا ليلاً، ويثبت له الخيار في فسخ النكاح، إن كان جاهلاً بإجارتها، ولا يسقط برضا المستأجر من التمكين من الاستمتاع. وإن كان عالماً فلا خيار له، فإذا لم يفسخ فالذي يظهر مما ذكرناه: أن يكون حكمها حكم الأمة في جريان الوجه الثالث، ولم أره، بل المصرح به في

стр. 7335

"التتمة" عدم الاستحقاق؛ تفريعاً على القول بأنها إذا سافرت بإذنه في حاجتها تسقط نفقتها. وفي "تعليق" إبراهيم المروزي حكاية وجهين فيما إذا تزوجها وهي صائمة، في استحقاق النفقة، وهو [نظير] المسألة، لكنه لم يبين؛ فيجوز أن يكون أحدهما: أنها تسقط. والآخر: استحقاق الشطر. ويجوز أن يكون غيره؛ فلا يتحصل من ذلك المطلوب. قال: وإن كان الزوج غائباً، فعرضت نفسها عليه، ومضى زمان، أي: بعد العرض، لو أراد المسير فيه لكان قد وصل، أي: ولا عذر في الطريق- وجبت النفقة من حينئذ؛ لأن التقصير من جهته؛ فأشبه ما لو عرضت نفسها عليه وهو حاضر. قال الماوردي: وهذا قول البغداديين من أصحابنا. وصورة العرض: أن تمضي إلى الحاكم، وتبذل التسليم بعد ثبوت الزوجية عنده، ويكتب الحاكم إلى حاكم البلد الذي فيه الزوج، ليعلمه بذلك، فإذا أعلمه فقد حصل الغرض. وفي "الرافعي": أن من الأصحاب من لم يتعرض للرفع إلى القاضي ولا للمكاتبة، وقال: تجب النفقة من وقت وصول الخبر إليه، وبمضي زمان إمكان القدوم عليها. وهكذا أورد صاحب "التهذيب". ثم هذا إذا عرف مكانه، فلو غاب ولم يعرف مكانه، قال في "التتمة": فإذا جاءت المرأة إلى الحاكم، وأظهرت الطاعة له- فالحاكم يكتب إلى حكام البلاد التي تتردد إليها القوافل من تلك البلدة في العرف والعادة حتى ينادي في تلك

стр. 7336

البلاد باسمه: فإن ظهر في بعض البلاد فالحكم كما سبق، ولو لم يظهر فرض الحاكم لها النفقة في [ماله، ولو كان له مال حاضر، وأراد الحاكم أن يصرف إليها النفقة في] حال غيبته- أخذ منها كفيلاً بما يصرفه؛ لأنه لا يؤمن أن يظهر وفاته أو طلاقه. قال: ولا تجب النفقة إلا يوماً بيوم؛ إذ التمكين سببها مع تقدم العقد؛ لكونها تدور معه وجوداً وعدماً عند النشوز، والتمكين كذل كيحصل وهذا قول البغداديين من أصحابنا. وقال البصريون: تجب بالعقد والتمكين، فجعلوا الوجوب معلقاً بالعقد وحدوث التمكين معاً. وهذا يحتمل معنيين: أحدهما: أن كل واحد منهما جزء السبب، وهو الظاهر. والثاني: أن السبب: العقد، والتمكين شرط، على عكس الوجه الأول، وبه صرح الماوردي عنهم وستظهر لك ثمرة هذا الاختلاف من بعد كما ظهرت من قبل. قال: وقال في القديم: تجب، أي: نفقة مدة النكاح جميعاً بالعقد؛ كما يجب المهر به؛ ولأنها لو كانت تجب بالتمكين لما استحقتها الرتقاء والمريضة، لكنها لو نشزت سقطت؛ فيكون ضدها- وهو التمكين- شرطاً في استقرار الوجوب، وهو معنى قول الشيخ، إلا أنه لا يجب التسليم إلا بالتمكين [يوماً بيوم]؛ كما أن الأجرة الحالة تجب بالعقد، ولا يستقر وجوبها إلا بالتسليم، لكن الأجرة يجب تسليمها بالعقد جملة؛ للعلم بها، وجملة النفقة غير معلومة. وقد صرح بالمعنى الذي ذكرناه الماوردي في كتاب الرهن، حيث قال: وفي القديم تجب النفقة بالعقد جملة، وتستحق قبضها بالتمكين، والجديد هو الأول، وهو الصحيح. واستدلله بأن النبي ﷺ تَزَوَّجَ عَائِشَةَ [وَدَخَلَ] بِهَا بَعدَ سَنَتَينِ، وما نقل أنه أنفق عليها قبل أن يدخل بها، ولو كان النقل، ولو

стр. 7337

كان حقاً لساقه إليها، [ولما استحل أن يقيم على الامتناع من حق واجب عليه، ولكان إن أعوزه الحال يسوقه إليها] من بعد، أو يعلمها بحقها ثم يستحلها؛ لبراءة ذمته؛ وذلك يدل على عدم الوجوب بالعقد. ولأن النفقة مجهولة، والعقد لا يوجب مالاً مجهولاً، وإذا لم تجب بالعقد فتجب بالتمكين يوماً فيوماً. وهذان القولان ادعى ابو الفرج السرخسي أنهما منقولان في "الإملاء"، وادعى الإمام وغيره أنهما مستخرجان من معاني كلام الشافعي- ﵁ وادعى الرافعي أن من جملة ما يدل على ذلك ما حكيناه عن الماوردي أولاً. وفيه نظر؛ لأن الماوردي صدر كلامه بأنها لا تجب بالعقد، وأن على قول البصريين تجب بالعقد والتمكين شرط، ومحال أن يجب الشيء قبل وجود شرطه. نعم، يمكن رده إليه؛ بأن يجعل التمكين- على قول البصريين- شرطاً في التسليم، لا في نفس الإيجاب؛ كما حكاه عن القديم. واعلم أن في هذه العبارة: "أن النفقة تجب بالتمكين [أو بالعقد] "- تساهلاً؛ فإن الإمام قال: إن النفقة الدارة لا تجري مجرى الأعواض- على التحقيق- وإنما هي كفاية في مقابلة ارتباط المرأة بحالة الزوجية؛ فإن للزوج سلطان منعها عن التسليط، فقابل الشرع ما أثبت له من الأحكام عليها بإيجاب كفاية وظييفتها عليه، والصداق هو المذكور على صيغة الأعواض في مقابلة البضع، ثم صح عند المحققين أنه خارج عن حقائق الأعواض، وإذا كان لا ينتصب الصداق عوضاً محققاً فالنفقات لا يتحمل ثبوتها عوضاً في العقد، ولكن انقدح معنيان: أحدهما: احتباسها بالعقد على الزوج. والآخر: تمكن الزوج من الاستمتاع. ولم يختلف العلماء أنها لو نشزت فلا نفقة لها في زمان النشوز؛ فلما لم

стр. 7338

تكن النفقة عوضاً لمنافع البضع حتى يتوقف استقرارها على توفية المنافع المقابلة مقابلة الأعواض على التحقيق- قال قائلون: تجب بالعقد النفقة، ومعناه أنها تجب بالاحتباس الذي أوجبه العقد. وقال آخرون: تجب في مقابلة التمكين من الاستمتاع، والله أعلم. قال: فلو ضمن عنه نفقة مدة معلومة، أي: في المستقبل- جاز، أي: تفريعاً على القول القديم؛ لأن في القديم يصح ضمان الدين الذي لم يجب، ولم يوجد سبب وجوبه؛ فكيف وقد وجد الوجوب؟ وعلى هذا: فلا يضمن إلا نفقة المعسرين، وإن كان الزوج موسراً أو متوسطاً؛ لأنها المنتفية. وفي "التتمة" وجه آخر: أنه يصح ضمان نفقة المعسرين والمتوسطين؛ لأن الظاهر استمرار حاله. ولو ضمن النفقة مطلقاً، ولم يقيد بمدة- قال الرافعي: لم يصح ضمان ما بعد الغد، وفي ضمان الغد وجهان؛ أخذاً من الخلاف فيما إذا قال: أجرتك كل شهر بدرهم. قلت: وهذا لا يحسن إذا كان التفريع على القديم؛ لأن ضمان المجهول فيه جائز، كما تقدم. وقد حكى الشيخ أبو حامد أن الشافعي قال: لو قال الأب لولده: ضمنت لك النفقة أبداً- فهذا ضمان مجهول. وقد أجازه كذا حكاه مجلي في الضمان. وعلى القول الجديد: لا يصح ضمان نفقة الزمان المستقبل؛ لأنه ضمان ما لم يجب. وأشار الإمام إلى أنه على قولين، مع تفريعنا على أن ضمان ما لم يجب باطل؛ لأن سبب وجوب النفقة على تعاقب الأيام ناجز. وهذا ما أورده الغزالي حيث قال: وفي ضمان نفقة المرأة الغد- وكذا كل ما لم يجب ولكن جرى سبب وجوبه- قولان في الجديد. قال الرافعي: "وفيه إشكال، لأن سبب النفقة إما النكاح أو التمكين في النكاح: إن كان الأول فالنفقة واجبة؛ فكيف قال: ولم تجب؟ وإن كان الثاني فالسبب غير موجود.

стр. 7339

ويجوز أن يقال في الجواب: ليس المراد من سبب الوجوب هاهنا ما [يقترن به] الوجوب؛ بل المراد منه الأمر الذي إذا وجد، استعقب الوجوب ظاهراً عند وجود أمر آخر، ويتأيد ذلك بأنهم نقلوا قولين فيما إذا ضمن أرش الجناية وما يتولد منها، ومعلوم أن الجناية ليست سبباً لما يتولد منها إلا على هذا التفسير. وأما عند قولنا: سبب الوجوب النكاح أو التمكين، فنعني به: ما يقترن به الوجوب، هذا آخر كلامه في كتاب الضمان. قلت: [و] قد يظهر أن الخلاف الذي حكاه الإمام في الجديد يستنبط مما حكيناه عن البغداديين والبصريين في أن النفقة بماذا تجب؟ ويتفرع على القولين- الجديد والقديم- أيضاً [فوائد] عند المراوزة: منها: لو اختلفا في التمكين، فقالت المرأة: مكنت وسلمت نفسي من وقت كذا، وأنكر الزوج- فإن قلنا بالقول الجديد فالقول قوله، وعليها البينة، وإلا فقولها، وهو ما نسبه البغوي إلى "الإملاء". وقد أشار الروياني إلى القطع بأن القول قوله، وهو الذي يقتضيه إيراد الشيخ على القول القديم- أيضاً- فإنه جعل التسليم شرطاً في وجوب التسليم، والقاعدة: أنه متى وجد الشك في الشرط لا يترتب الحكم، ويكون الشيخ نبه بقوله: "إلا أنه لا يجب التسليم إلا بالتمكين يوماً فيوماً" إلى هذا الحكم. ومحل الخلاف مصور في "الوجيز" و"الوسيط" بما إذا تنازعا في النشوز. قال الرافعي: ولفظ الأكثرين كما صورناه فيه، ويجب أن يكون ما ذكره محمولاً عليه. أما إذا توافقا على حصول التمكين، واختلفا في أنها نشزت وخرجت عن الطاعة أم لا- قال: فينبغي أن يقطع بتصديقها؛ فإن الأصل عدم النشوز، واستمرار الواجب، وهكذا ذكره القاضي ابن كج بعدما أجاب فيما إذا اختلفا في أصل التمكين بأن القول قوله. وحكى مع ذلك وجهاً ضعيفاً: أن القول- أيضاً- قوله؛ لأن الأصل براءة الذمة. هذا آخر كلامه، وما أبداه احتمالاً ونقلاً عن

стр. 7340

القاضي هو ما حكاه الإمام، [و] هو- أيضاً- في نكاح المشركات. ومنها: إذا لم يطالبها بالزفاف، ولم تمتنع هي منه، ولا عرضت نفسها عليه، ومضت مدة- فتجب النفقة على القديم، وأما على الجديد، فلا، وهو ما حكى الإمام عن العراقيين القطع به، وهو قضية ما ذكرناه من قبل، وبه يظهر تقوية الاحتمال، ثم قال: وليس من الممكن القطع به. قال: وإن نشزت، أي: منعته من الاستمتاع بها في الموضع الذي أراده من غير عذر، أو سافرت بغير إذنه، أي: ولم تكن معه، أو أحرمت، أو صامت تطوعاً، أو عن نذر [في الذمة أو نذر] معلق بزمان بعينه نذرته بعد النكاح بغير إذنه- سقطت نفقتها؛ لأنها تجب بالتسليم، أو تستقر به؛ فسقطت بالمنع؛ كالأجرة إذا امتنع الآجر من تسليم العين حتى مضت مدة؛ فإنه يسقط ما بإزائها. ولأنها وجبت؛ لكونها معطلة المنافع بسبب الزوج، محبوسة عنده؛ ولهذا لو امتنع من الإنفاق عليها كان لها أن تمتنع من التمكين؛ فإذا نشزت، سقط ما يقابل التمكين.

стр. 7341

ولا فرق في النشوز بين أن يكون من مكلفة أو غير مكلفة، ولا بين أن تكون حائلاً أو حاملاً. وفي "تعليق" القاضي الحسين: أن من أصحابنا من قال: إن قلنا: إن النفقة للحمل، وجبت. والأصح خلافه؛ لأن ذلك بعد البينونة. ولا فرق بين أن يكون في جملة اليوم، أو بعضه على الأصح. وفي وجه: إذا وجد في أثنائه توزع نفقته على زمن التمكين والنشوز فيه، كما تقدم. فعلى هذا: لو نشزت بالليل دون النهار، أو بالعكس- استحقت الشطر، ولا نظر إلى طول أحدهما وقصر الآخر. ولا فرق في السفر بغير الإذن بين أن يكون في حاجتها أو حاجته. نعم، لو سافرت معه من غير إذنه، عصت، واستحقت النفقة؛ قاله الرافعي في قسم الصدقات. وألحق في "التهذيب" عصيها بسفرها بغير الإذن، ولو خرجت من منزله بغير إذنه سقطت النفقة وإن لم يوجد السفر، اللهم إلا أن يكون لزيارة أبيها أو عيادته؛ فلا تسقط، كما صرح به البغوي. وكذا لو خرجت لإشراف المنزل على الانهدام، أو كان لغير الزوج؛ فأزعجت. ولو عادت إلى المنزل بعد غيبة الزوج فلا تعود نفقتها- على الأصح- ما لم تعرض نفسها عليه، كما تقدم. وفيه وجه: أنها تعود بالعود، وقيده في كتاب "التهذيب" بما إذا كان الخروج في غيبته، وجزم بعدم العود فيما إذا كان الخروج في حضوره والعود في غيبته. وقال الإمام: الذي أرى نظمه أن نشوزها إن ظهر وانتشر كان في عود النفقة بعودها إلى الطاعة الخلاف السابق، وإن جرى نشوز خفي من غير إظهار ثم فرض العود، ففي المسألة طريقان:

стр. 7342

من أصحابنا من قطع بأنا لا نشترط الإعلام. ومنهم من أجرى الخلاف. وهذه المسألة شبيهة بما إذا تزوجت امرأة المفقود، ثم عادت إلى منزل الزوج الأول بعد فسخ نكاح الثاني، تفريعاً على الجديد، وقد حكيت فيها طريقين. ولا فرق [في سقوط النفقة بالإحرام بغير الإذن بين أن يكون الزوج محرماً أو غير محرم كما لا فرق] في نشوزها بخروجها من المنزل بين أن يكون الزوج حاضراً أو مسافراً، ولا بين أن يكون ما أحرمت به فرضاً- وقلنا: له أن يحللها منه- أو تطوعاً؛ كما تسقط نفقتها بالهروب، وإن كان قادراً على الرد. ثم المسألة مصورة في "الشامل" بما إذا خرجت مسافرة. وفي كلام الماوردي إشارة إليه أيضاً، والمراوزة قالوا: إن أحرمت بفرض، وقلنا: له أن يحللها على الأصح، أو كان تطوعاً- فإن له أن يحللها وجهاً واحداً، فإذا لم يحللها فلها النفقة: ما لم تخرج- على الأصح- فإذا خرجت: فإن كان- أيضاً- بغير إذنه فلا نفقة، وإن كان بإذنه: فإن سافر معها لم تسقط- على الأصح- وإن لم يكن معها فقولان. واشترط القفال في وجوب النفقة ألا ينهاها عن الخروج. وإن قلنا: إنه ليس له أن يحللها، سقطت نفقتها [بمجرد الإحرام على الأصح بخلاف ما إذا أحرمت بإذنه فإنها لا تسقط] بمجرده- على الأصح- ولا إذا خرجت على وجه، وفيه وجه: أنها لا تسقط ما لم تخرج. قال الرافعي: وقد حكي وجه أو قول مطلق: أن الإحرام لا يؤثر في النفقة؛ لأنها تسقط فرضاً عن نفسها. وفي صوم التطوع وجه محكي في "المهذب" وغيره: أنه لا يستقط النفقة. وقال الماوردي: إن لم يدعها إلى الخروج منه بالاستمتاع فهي على حقها، وإن دعاها، فأبت، كانت ناشزة وسقطت نفقتها؛ إن كان ذلك في أول النهار، وإن كان في آخره فلا؛ لقرب الزمان والتحاقه بزمان الأكل والشرب.

стр. 7343

ويفهم من كلامه: أنه لو دعاها إلى الخروج لغير الاستمتاع، فلم تفعل- كانت على حقها؛ وهذا وجه حكاه في "العدة" ثالثاً. قال الرافعي: وقد استحسن الروياني هذا التفصيل، والأكثرون سكتوا عنه. ولا فرق في الصوم عن نذر في الذمة بين أن تكون نذرته قبل النكاح، أو بعده؛ لكونه غير واجب على الفور، وحق الزوج واجب على الفور؛ فأشبه الحج. وألحقه الماوردي بصوم الكفارة، والحكم فيه عنده: أنها إن دخلت فيه بعد أن نهاها سقطت نفقتها، وإن لم يمنعها منه حتى دخلت فيه- ففي [إجبارها على الخروج منه] وجهان: أحدهما: [له] ذلك، فإن أقامت سقطت نفقتها. والثاني: لا. فعلى هذا ينظر: إذا كان التتابع فيه مستحقاً سقطت نفقتها، وإلا ففي سقوط النفقة وجهان: أحدهما: لا تجب كالتتابع. والثاني: تجب. وهما مأخوذان من اختلاف وجهي أصحابنا في وجوب نفقة الأمة إذا سلمت ليلاً ومنعت نهاراً: تجب نفقتها أو لا؟ على وجهين. هذا آخر كلامه، ومقتضى هذا التخريج أن يجيء وجه آخر: أنها تستحق شطر النفقة

стр. 7344

كما حكيناه في الأمة، وطرده في "التهذيب" في كل صوم قلنا: إنه يسقط النفقة. والصوم عن نذر تعلق بزمان بعينه بعد النكاح، له منعها منه؛ لأنه استحق الاستمتاع بها في وقته قبل لزومه، فقدم؛ لسبقه، فإن دخلت فيه سقطت نفقتها، وإن كان بإذنه، فليس له ذلك، وعليه النفقة. ونقل إبراهيم المرورذي فيه وجهين، سواء نذرته قبل النكاح أو بعده. [ولو] كان الصوم الذي شرعت فيه قضاء شيء من شهر رمضان، فإن لم يبق من شعبان إلا قدر ما عليها [لم يكن له منعها، وكانت على حقها من النفقة كصومها في رمضان، وإن كان أكثر من ذلك] ولم تكن متعدية في الإفطار- فله منعها. وإن دخلت فيه ففي جواز إجبارها على الفطر وجهان مخرجان من اختلاف قوليه في إجبارها على إحلالها من الحج، فإن قلنا: له التحليل- فامتنعت- سقطت نفقتها. وفي "الشامل" حكاية وجه في كل صوم قلنا: إن له أن يمنعها منه، فلم تفطر – أن نفقتها لا تسقط، كما هو محكي في صوم التطوع. وإن قلنا: ليس له، ففي وجوب النفقة [وجهان: أحدهما:] لا كالحج. والثاني: نعم. والفرق من وجهين: أحدهما: قرب زمان الصوم، وقدرته على الاستمتاع بها في ليله. والثاني: أنها مقيمة في منزله، بخلاف الحج؛ فإنها خارجة منه. وحكى الغزالي وغيره الخلاف في جواز المنع من المبادرة. وإن كانت متعدية بالإفطار فالقضاء يجب على الفور، وهل تسقط نفقتها؟ فيه وجهان، المذكور منهما في "التهذيب": عدم السقوط، وفي "التتمة": السقوط. فرعان: [أحدهما]: لو اعتكفت تطوعاًن أو عن نذر في الذمة، أو زماناً [عينته بنذرها] بعد النكاح بغير إذنه: فإن كان في مسجد بيتها، وجوزناه- لم تسقط

стр. 7345

نفقتها، وإن كان في المسجد سقطت. وإن كان عن نذر متقدم على النكاح، فلا منع منه، ولا تسقط النفقة، ولو كان بإذنه: فإن كان معها فنفقتها مستمرة، وإلا فقولان [يأتي] مثلهما في السفر في حاجتها. وفي كتاب ابن كج [وجه]: أنه إن قصرت مدته بأن لم يزد على يوم، لم يؤثر، وإذا قلنا بسقوط النفقة فالساقط جميعها؛ كما في الإحرام، قاله الجيلي. الثاني: إذا شرعت في الصلاة، فإن كانت صلاة فرض فليس له أن يحللها، وإن كانت قضاء، أو في أول الوقت، وإن جاز تأخيرها بخلاف فرض الحج. والفرق: أن تعجيل الصلاة لأول وقتها فضيلة تتعلق بالوقت؛ فلم يكن له تفويتها عليها، وتعجيل الحج احتياطاً لا يختص بفضيلة تفوت؛ فافترقا. وهل له منعها من الدخول فيها في أول الوقت؟ فيه وجهان، والأصح لا. وليس له منعها من الشروع في قضاء الصلاة مطلقاً، ولكن لو أرادت أن تحرم بها، وأراد الاستمتاع، فمن المقدم منهما؟ فيه وجهان. اختيار الشيخ أبي حامد منهما: الزوج. واختيار الماوردي: الزوجة. ولو كانت الصلاة نفلاً؛ نظر: فإن كانت من الرواتب التابعة للفرائض والضحى فليس له منعها ولا تحليلها. وفيه وجه: أن له المنع من الاستدامة. وصوم يوم عرفة وعاشوراء في الصيام ملحق بهذه الرواتب في الصلوات. وإن كانت من الرواتب التي شرع لها الجماعة: كالعيدين والكسوفين والاستسقاء- فله منعها من الخروج من منزله، وليس له منعها [من فعل ذلك في البيت، وإن كانت لا سبب لها فله منعها] إذا دعاها إلى الاستمتاع، وله قطعها بعد الدخول، فإن امتنعت، فهل تسقط نفقتها؟ يتجه أن يخرج على الوجهين في صوم التطوع. ويمكن أن يفرق بينهما بقصر المدة، كما تقدم.

стр. 7346

وصوم يوم الاثنين والخميس في الصيام ملحق بالنوافل غير الراتبة من الصلوات. قال: وإن سافرت بإذنه، أي: في حاجتها من حج أو غيره، ولم يكن معها- ففيه قولان: أحدهما: أنها لا تسقط، لأنها سافرت بالإذن؛ فأشبه ما إذا سافرت في حاجته، فإنه لا نزاع في وجوب النفقة، وهذا أظهر عند الماوردي- على ما حكاه- فيما إذا أحرمت بإذنه، ولم يسافر معها، وذكر هو وغيره أنه ظاهر النص هنا. وأظهرهما عند أكثر الأصحاب: أنها تسقط؛ لأنها غير ممكنة، وبه قطع بعضهم، وحمل النص على ما إذا سافر معها، وهو متفق فيه على الوجوب. قال الرافعي: وقد يبنى القولان على أن النفقة تجب بالعقد أو التمكين؟ إن قلنا بالأول وجبت؛ لأنه لا نشوز، وإن قلنا بالثاني لم تجب. قلت: وما قاله متجه على طريقة المراوزة، أما على طريقة الشيخ، فلا. ويجري القولان، على ما حكاه المتولي فيما إذا أجرت نفسها بإذن. قال: وإن أسلم الزوج وهي في العدة، أي: شرعت فيها بإسلامه؛ لكونها غير كتابية ومدخولاً بها- لم تجب لها النفقة؛ لأنها ناشزة بالتخلف ممتنعة من التمكين. وفي "تعليق" القاضي الحسين حكاية وجه في الوجوب؛ وهذا إذا أخرت إلى انقضاء العدة. قال: وإن أسلمت أي: في العدة؛ ففيه قولان: أصحهما: [أنها] لا تستحق لما مضى، وهو الجديد؛ كما لو سافر الزوج، وأراد مسافرتها، فتخلفت، ثم عادت إلى الطاعة؛ فإنها لا تستحق لما مضى شيئاً. والثاني- وهو القديم-: أنها تستحق؛ لأنها ما أحدثت شيئاً، والزوج هو الذي بدل الدين؛ فحصل بإسلامه تشعث في العقد وخلل، وقد زال بإسلامها، واستقرت له الزوجية؛ فاستحقت النفقة.

стр. 7347

فعلى الجديد: لو اختلفا: فقال الزوج: أسلمت من عشرة أيام، وقالت: بل من شهر- فالقول قوله مع يمينه. وكذا على القديم لو قالت أسلمت في العدة، وقال بل بعدها فالقول قوله؛ لأن الأصل عدم الاستحقاق. ولو أسلمت المرأة أولاً، وتخلف الزوج- وجبت النفقة، سواء أخر إلى انقضاء العدة أو أسلم فيها؛ لأنها أدت فرضاً مضيقاً؛ فلم تسقط نفقتها به كصوم رمضان. ولأنه متمكن من رفع هذا المانع بإسلامه؛ فكان عليه النفقة كما في الطلاق الرجعي. وحكى ابن خيران وصاحب "الإفصاح" وغيرهما وجهاً: أنه لا نفقة لها في مدة التخلف إذا أسلم في العدة، لأنه استمر على دينه، وهي التي أحدثت المانع من الاستمتاع. وإذا جرى هذا الوجه، وقد عاد إلى الإسلام في العدة- فلأن يجري إذا لم يعد كان أولى؛ لأنا نتبين- إذن- أن النكاح قد زال من حين الإسلام. وإطلاق الشيخ في "المهذب" يقتضي جريانه فيها، وقد صرح به الإمام ورجحه، وضعف مقابله، وهو الذي رجحه الأكثرون، والمنصوص في "المختصر". قال في "التتمة": ويخالف ما إذا سبقت إلى الإسلام قبل الدخول؛ حيث يسقط المهر، وإن أحسنت؛ لأن المهر عوض العقد، والعوض يسقط بتفويت [العاقد] مدة المعقود عليه، وإن كان معذوراً؛ كما لو باع طعاماً، ثم أكله وهو مضطر إليه، والنفقة في مقابلة التمكين، وإنما تسقط عند التعدي ولا تعدي. واعلم أن الشيخ لم يتعرض لذكر هذه المسألة؛ لأنه في معرض بيان ما يسقط النفقة بعد وجود سبب وجوبها، والنفقة لا تسقط فيها؛ فلذلك لم يذكرها. فرع: على المذهب: لو اختلفا في سبق الإسلام؛ فقال الزوج: أسلمت أولاً؛ فلا نفقة لك، وقالت: بل بعدي؛ فلي النفقة- فمن القول قوله؟ فيه وجهان: أشبههما وهو المذكور في "التهذيب"، والمحكي عن ابن أبي هريرة: أنه الزوجة مع يمينها؛ لأن النفقة كانت واجبة عليه وهو يدعي السقوط؛ فأشبه ما لو ادعى عليها أنها نشزت وأنكرت.

стр. 7348

قال: وإن ارتدت- أي: بعد الدخول- سقطت نفقتها- أي: في زمن العدة- لإساءتها ونشوزها، فإن أسلمت قبل انقضاء العدة، فقد قيل: لا تستحق؛ كما لو نشزت ثم عادت إلى الطاعة، وهذا ما أجاب به القاضي الحسين. وقيل: على قولين- كالمسألة قبلها- لأنها على شرك تحرم به، وهو مسلم؛ فهو كما لو أسلم وتحته وثنية؛ هكذا عللها البندنيجي، وادعى ابن الصباغ أن هذه الطريقة أقيس. والفرق على الطريق الأول، وهو الذي أجاب به الماوردي أيضاً، ونفيا مجيء خلافه: أنها ثم أقامت على دينها، ولم تحدث شيئاً يقتضي المنع، وهاهنا أحدثت الردة، وهي تقتضي المنع؛ فغلظ عليها. ولا نزاع في أنها تستحق النفقة من حين عودها إلى الإسلام وإن كان الزوج غائباً، [وكذا إن كانت وثنية وأسلمت والزوج غائب] ويخالف ما إذا نشزت، ثم غاب الزوج، ثم عادت؛ فإن النفقة لا تعود حتى تعود إلى يده أو يد وكيله، أو يرسل إليه الحاكم- كما ذكرنا- لأن النفقة هاهنا سقطت بالكفر، وقد زال بالإسلام، وثم سقطت بالامتناع والخروج عن اليد؛ فلم تعد إلا بالتسليم، هذا مذهب العراقيين. وفي "النهاية": أن أئمة المراوزة لم يفصلوا بين أن يكون سقوط النفقة بالخروج من مسكن النكاح أو غيره. ولو ارتد الزوج فعليه النفقة في مدة العدة. وإن ارتدا [معاً]، قال في "التهذيب": هو كما لو ارتدت المرأة. قال الرافعي: ويشبه أن يجيء فيه خلاف؛ كما لو ارتدا معاً قبل الدخول: ففي وجه: يسقط نصف المهر. وفي وجه: لا يجب؛ كما لو ارتدت هي. وإن طلقها طلقة رجعية وجبت لها النفقة والسكنى؛ لما روى الدارقطني عن فاطمة بنت قيس في حديث طويل، وقد طلقها زوجها ثلاثاً أنها قالت: فأتيت

стр. 7349

رسول الله ﷺ فلم يجعل لي سكنى، ولا نفقة، وقال: "إِنَّمَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ لِمَنْ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ" وخرجه النسائي أيضاً. ولأن الزوجية باقية، والتمكين من جهتها مستمر، وإنما المنع من جهته، وهو قادر على الإزالة. قال الماوردي: وهذا إجماع. قال الرافعي: ويجب لها مع النفقة والسكنى سائر المؤنات المختصة بالزوجات، إلا آلة التنظيف؛ فإن الزوج ممتنع عنها. قاله في "البسيط" وغيره. فروع: لو ظهر بها بعد انقضاء الأقراء أمارات الحمل، فعلى الزوج الإنفاق عليها، قال الماوردي: يوماً بيوم وجهاً واحداً. فإذا أنفق، ثم بان أنه لم يكن حملا؛ فله استرداد ما زاد على مدة الأقراء، ويرجع إليها في الأقراء إذا ادعت جريانها على مقتضى عادتها، وكذا إن ادعت نقصاناً عن عادتها، وإن ادعت تباعد حيضها فكذلك على المذهب. ونقل القاضيان أبو الطيب وابن كج أنها لا نفقة لها، وله الرجعة وعليها العدة على وجه، ولا يختص بهذه الصورة، بل يجري فيما لو ادعت ذلك ولا حمل أصلاً. فإن قالت: لا أعلم متى انقضت الأقراء، رجعنا إلى عادتها المضبوطة في الطهر والحيض، فإن ادعت اختلافها رجعنا إلى أقل عادة، ورجع الزوج فيما زاد. وإن قالت: نسيت عادتي، رجع بنفقة ما زاد على ثلاثة أشهر على النص، وقال الشيخ أبو حامد: يبنى الأمر على أقل ما يمكن انقضاء العدة به، وهذا ما أورده أبو الفرج السرخسي والماوردي. قال الرافعي: وهو قريب من الخلاف في مدة المبتدأة. ولو وضعت ولداً لا يلحق الزوج، فإن ادعت أنه من زوج يلحقه بعد انقضاء العدة، أو من وطء شبهة فعليها رد ما زاد على مدة الأقراء، وإن ادعت أنه جرى

стр. 7350

في أثناء الأقراء فعليها بعد الوضع أن تتم عدة المطلق، وعليه النفقة فيها، وأما ما في مدة الحمل فقد جزم الماوردي بأنه يسترجع ما زاد على مدة [الأقراء]. وغيره بنى ذلك على أن هل له الرجعة فيها أم لا؟ فإن قلنا: لا رجعة له، فلا نفقة، وإن قلنا: له، فوجهان، وهذا أظهر. وقيل: إن قلنا له الرجعة، وجبت، وإلا فوجهان، والظاهر أنه لا نفقة لها؛ فيسترجع ما أخذته بإزاء ذلك. والحكم فيما ادعت أن وطء الزوج الثاني أو الأجنبي عقيب طلاق الأول كذلك؛ فتعتد عن الزوج بعد الوضع بثلاثة أقراء، ويجب عليه نفقتها فيها، وله الرجعة فيها إن صدقها، وإلا فلا رجعة له. وأما نفقة مدة الحمل فيسترجعها على رأي الماوردي وعلى رأي غيره يظهر أن يجيء فيه ما ذكر في الصورة قبلها. ولو أشكل الحال في وقت وطء الثاني، فالحكم كما في المسألة قبلها إلا في ثبوت الرجعة، صرح به الماوردي. وإن قالت: وطئني الزوج الأول، فإن صدقها، لحق به الولد، وانقضت به العدة، وأما النفقة فتستحقها في مدة الأقراء، وفي مدة الحمل قولان؛ لأنه من وطء شبهة. وإن أكذبها فهو المصدق بيمينه، ولا يلحق به الولد، ولا تنقضي به العدة على الظاهر من المذهب، وهو قول جمهور أصحابنا، خلافاً للشيخ أبي حامد في انقضاء العدة. وعلى القولين تسأل عن وطئه: فإن قالت: بعد مضي الأقراء، استرد ما أنفقه بعد اقنضائها، وإن قالت: عقيب الطلاق، وأمكن أن يكون الولد من ذلك الوطء- فقد بان أنها ما مضت عدتها؛ فترد ما أخذت، وتعتد بعد الوضع بثلاثة أقراء، ولها النفقة فيها، كذا ذكره ابن الصباغ وغيره. قال الرافعي: وإنما يستمر ذلك على قولنا: إن العدتين المختلفتين من شخص واحد لا تتداخلان.

стр. 7351

وفي "الحاوي": أنها لا تستحق النفقة- أيضاً- في زمن الأقراء بعد الوضع؛ لإقرارها بانقضاء العدة بالولادة، والرجعة له فيها أيضاً؛ لإكذابها فيما ادعته. [فرع] آخر: إذا وطئت المطلقة طلاقاً رجعياً بشبهة، وظهر بها حمل يمكن أن يكون منهما- وجب [الإنفاق] عليهما إن قلنا: إن النفقة للحمل، ويجب التعجيل. وإن قلنا: للحامل، فلا تجب على الزوج؛ لاحتمال أن يكون من الواطئ؛ [فلا تكون في عدته]، ولا على الواطئ؛ لأنه لا يجب عليه النفقة لو تحقق أنه منه، فكيف مع الشك؟ وإذا وضعته وأتمت الأقراء، قال الماوردي وابن الصباغ: يؤاخذ الزوج بنفقة أقصر المدتين؛ لاستحقاقها يقيناً، فإن كانت مدة الحمل أقصر أخذ بنفقتها في مدة حملها، وإن كانت مدة الأقراء أقصر أخذ بنفقة الباقي منها، ثم يراعى حال الحمل بعد الولادة كما سنذكره من بعد. وإن قلنا: للحمل ولا يجب التعجيل، فيكون الحكم في الحال كما إذا قلنا: إنها للحامل. ولايخفى ما يترتب على ذلك من بعد. فإذا وضعت: فإن ألحق بالزوج وجب عليه نفقة ما مضى. وإن ألحقوه بالواطئ لزمه نفقة ما مضى، وتعتد عن الزوج بالأقراء، ويجب عليه نفقتها في الأقراء، وهل تجب في مدة النفاس؟ فيه وجهان. وإذا لم يلحقه القائف بواحد منهما فيجب لها على الزوج أقل الأمرين من نفقة الحمل أو نفقة الأقراء، ونفقة الولد عليهما نصفين، فإذا انتسب إلى الزوج، وكانت نفقة مدة الحمل أكثر-[رجعت عليه] بما بقي منها، وإلا فلا شيء لها. وأما رجوع أحدهما على الآخر: فإن كان الذي لم يلحقه نسبه يدعي نسبه، لم يرجع على الآخر. وإن كان لا يدعي ذلك، فإن أنفق بقول الحاكم رجع وإلا لم يرجع. وهكذا الحكم فيما إذا أنفقا في حال الحمل. كذا قاله ابن الصباغ في العدد. وقال الماوردي: إذا أنفق بغير إذن الحاكم: إن شرط الرجوع في حال الإنفاق

стр. 7352

رجع وإن لم يشترط لم يرجع. وحكى عن ابن أبي هريرة وجهاً: أنه يرجع بها؛ لأن بحملها من الاشتباه قد كان واجباً عليه؛ فاستوى في الرجوع بها حكم الحاكم وعدمه. أما لو لم يظهر بها حمل فلا نفقة على الزوج إن تأخر اعتدادها عنه، وقلنا: لا رجعة له. وإن قلنا: له الرجعة، فوجهان، [كذا قال في كتاب التهذيب]. [فرع] آخر: لو اختلفا: فقالت: وضعت قبل الطلاق؛ فلي النفقة، وقال: بل بعده؛ فلا نفقة لك- فالقول قولها، وليس له الرجعة. ولو قالت: وضعت بعد الطلاق، وقال: بل قبله- فله الرجعة، ولا نفقة لها في العدة. قال: وإن طلقها طلاقاً بائناً- أي: بعد الدخول- إما على عوض، أو تمام ما يملكه من العدد- وجبت لها السكنى، أي: حائلاً كانت [أو] حاملاً؛ لما تقدم في باب العدد، وأما كون رسول الله ﷺ لم يجعل لفاطمة سكنى، فقد أجاب عنه سعيد بن المسيب حين قال له ميمون بن مهران: فاطمة بنت قيس طلقت؛ فخرجت من بيتها-: تلك امرأة فتنت الناس؛ إنها كانت لسنة؛ فوضعت في بيت ابن أم مكتوم الأعمى" على ما رواه أبو داود. قال: وأما النفقة: فإن كانت حائلاً لم تجب؛ لأن الله- تعالى- لما جعلها لها إذا كانت حاملاً دل على سقوطها بعدم الحمل، ولحديث فاطمة. وقد روى مسلم- أيضاً- "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَجْعَلْ لَهَا سُكْنَى، وَلَا نَفَقَةً". ولأن زوجتيها زالت؛ فلا تستحق النفقة بعد زوالها كالمتوفى عنها. فرع: لو ادعت المرأة أن الزوج أبانها وأنكر- فالقول قوله- ولا تستحق عليه

стр. 7353

نفقة قاله الرافعي في القسم والنشوز أصلاً مقيساً عليه. قال: وإن كانت حاملاً وجبت؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، ولما روى أبو داود، عن فاطمة أنها قالت: فأتيت رسول الله ﷺ فقال: "لا نَفَقَةَ لَكِ إِلَّا أَنْ تَكُوني حَامِلاً". ثم محل وجوبها عند توافقهما على الحمل، أو شهادة أربع نسوة- عند إنكاره- فإن لم يكن ثم من يشهد فالقول قوله مع يمينه. وتجوز الشهادة بالحمل وإن كان لدون ستة أشهر إذا عرفنا ذلك، وفيه وجه: أنه لا يعتمد على قوله إلا بعد مضي ستة أشهر، ووجه حكاه القاضي الحسين: أنها تعتبر بعد مضي أربعة أشهر. قال: ولمن تجب؟ فيه قولان: أحدهما: لها- أي: بسبب الحمل- لأنها تجب على المعسر، وتختلف بيسار الزوج وإعساره، ومقدرة لا بالكفاية، وذلك من شأن نفقات الزوجات، دون الأقارب. ولأنها لو كانت للحمل لما وجبت على الأب إذا ملك الحمل مالاً من وصية أو ميراث، وفي إجماعهم على أنها على الأب دليل على أنها تجب للحامل دون الحمل. ولأنها لو كانت للحمل، لوجبت على الجد، عند إعسار الأب، وهي لا تجب، كذا ذكر الماوردي التوجيه الثاني والثالث، وفيهما شيء سأذكره من بعد- إن شاء الله تعالى.

стр. 7354

وهذا القول هو الصحيح، والمنصوص عليه في "الأم" واختاره المزني. قال: والثاني: للحمل- أي: وصرفت لها- لأن غذاءه بغذائها، وإنما قلنا ذلك؛ لأنها لما وجبت بوجوده وسقطت بعدمه دلت على وجوبها له دون أمه. ولأن النفقة لما وجبت له بعد انفصاله، وجبت في حال اتصاله؛ لتحفظ بها حياته في الحالين، بل هو في حال الاتصال أضعف. ولأن نفقة المرضعة لما وجب للمرضع دونها، وإن تقدرت بكفايتها- كانت نفقة الحامل بمثابتها تجب للحمل دونها، وتتقدر بكفايتها دونه، كذا قاله الماوردي. وهذا القول منقول في "الإملاء"، وربما نسب إلى التقديم. ويتفرع على القولين مسائل نذكرها، إن شاء الله تعالى. قال: ولا تجب إلا على من تجب عليه نفقة الولد، أي: على القول الثاني، لأنه ولده. فإن [كان] المطلق عبداً أو حراً- والولد رقيق- فلا تجب عليه. وتجب عليه على القول الأول؛ لأن نفقة القريب مواساة، وليس من أهل المواساة، ونفقة الزوجة معاوضة في الأصل، والعبد من أهل المعاوضات. وقد استشكل الإمام قول الوجوب؛ لأنا وإن قلنا: إنها لها، فهي بسبب الحمل؛ فكان ينبغي ألا تجب كما في اللعان. ثم أجاب عن ذلك باتباع ظاهر نص الكتاب في المطلقات؛ لأنه لا تفرقة [فيهن بين أن يكون الزوج حراً أو عبداً، ولا] بين أن تكون الزوجة حرة أو أمة. قال: وهل يدفع إليها يوماً بيوم، أو لا يجب شيء منها حتى تضع؟ فيه قولان- أي: سواء قلنا: إنها لها أو للحمل كما صرح به في "المهذب" والبندنيجي وغيرهما: أحدهما- وهو الصحيح: الأول؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦]. ووجه الثاني: أن الأصل براءة الذمة عن النفقة، وقد انقطع عصام النفقة، ولم نستيقن سبباً متجدداً.

стр. 7355

وبعضهم بناه على أن الحمل هل يعرف أم لا؟ والصحيح أنه يعرف؛ بدليل رد الجارية المبيعة به، وتحريم وطء المسبية حتى تضع، ولا تؤخذ الحامل في الزكاة، وتجب الخلفة في الدية، ولا يقام الحد على حامل. ومن الأصحاب من قال: القولان على اختلاف حالين: فالأول محمول على ما إذا تبين الظهور، والثاني: على ما إذا لم يتبين، بل ظهر أدنى ظهور؛ قاله الجيلي. التفريع: إن قلنا بالأول، فدفع، ثم بان أن لا حمل- رجع. وعلى الثاني إن كان الإنفاق بإذن الحاكم، أو صرح عند الدفع بأنها نفقتها إن كانت حاملاً، وأنه يرجع عليها إن لم تكن حاملاً- رجع، وإن فقد ذلك لم يرجع. وإن صرح بأنها نفقة، ولم يشترط الرجوع عند ظهور أن لا حمل- فوجهان، أصحهما في "الحاوي" وغيره: أنه يرجع. ولو لم ينفق عليها حتى وضعت الحمل، أو لم ينفق في بعض المدة: فإن قلنا بالثاني لم تسقط نفقة ما مضى، وإن قلنا بالأول فمنهم من قال: إن قلنا: إن النفقة للحامل فكذلك، وإن قلنا: للحمل، فتسقط؛ لأن نفقة القريب تسقط بمضي الزمان؛ وهذا ما أورده المتولي، والغزالي. ومنهم من قطع بعدم السقوط وإن قلنا: إنها للحمل، وعلى ذلك جرى البندنيجي، لأن المرأة مستحقة لها، وانتفاعها بها أكثر من انتفاع الحمل؛ فكانت كنفقة الزوجة، وهذا هو الظاهر، والذي عليه الجمهور. وحكى الإمام الوجهين عند الكلام في سقوط نفقة القريب بمضي الزمان. قال: وإن لاعنها ونفى حملها، وجب لها السكنى، لأنها معتدة عن فرقة نكاح في حال الحياة؛ فأشبهت المطلقة. وحكى القاضي أبو الطيب وجهاً: أنها لا تجب؛ لأنها إنما تجب [لتحصين] الماء، والولد منتف عنه. قال: دون النفقة؛ [لأن النفقة في حال] البينونة إنما تجب بسبب الحمل أو
следующие страницы →