Полный текст (9 685 стр.). Показаны 7421–7460 · переход к 7426.
стр. 7421
والثاني: يقدم عم الأب على أولاد العم، فإذا انقرض أعمام الأب، قدم أولاد العم، وإن سفلوا، وهكذا.
وفي الأخ من الأم – أيضاً- وجه: أنه يتأخر عن الأعمام.
قال: وقيل: لا حق لهم في الحضانة؛ لأن الذكورة بعيدة عن الحضانة؛ لافتقارها إلى الاستنابة فيها، وإنما أثبتت للأب والجد؛ لما لهما من الولادة، ووفور شفقتهما، واعتنائهما بأمر الولد؛ ولذلك ثبتت لهما الولاية، وهذا المعنى مفقود في هؤلاء؛ فلا يتعدى الحكم إليهم، والقائل بهذا حمل قول الشافعي –﵁: وكذلك العصبة يقومون مقام الأب، إذا لم يكن أقرب منهم من الأم وغيرها" على أن لهم تأديبه وتعليمه نهاراً.
وهذا الوجه يجري في الأخ من الأم – أيضاً – ومنهم من حكى وجهاً فيه دونهم؛ لأنه لا عصوبة له ولا ولاية.
فرع: إذا أثبتنا الحضانة لأولاد العم، ففي ثبوتها للمعتق عند فقد الأقارب وجهان، أحدهما: المنع، وهو ما أجاب به الماوردي؛ لعدم القرابة التي هي مظنة الشفقة.
فعلى هذا: لو كانت له قرابة، وهناك من هو أقرب منه، فهل ترجح؛ لانضمام عصوبة الولاء إلى عصوبة القرابة؟ فيه وجهان محكيان في "الحاوي" وغيره، ومثاله: ابن عم وعم.
واعلم أن قول الشيخ: "وأما الإخوة وبنوهم والأعمام وبنوهم، فإنهم كالأب والجد في "الحضانة"، إن أجرى على ظاهره لزم منه عند اجتماع الرجال والنساء أن يقدموا بعد الآباء والأمهات على جميع النساء من الأخوات والخالات والعمات ومن يدلي بهن من بناتهن؛ لاختصاصهم بالنسب، واستحقاقهم القيام بتأديب المولود ونقله إلى وطنهم، وهو وجه حكاه الماوردي وابن الصباغ، والشيخ في "المهذب" وغيرهم. وإن حمل على أهل الحضانة دون المنزلة كان ذلك مع ظاهر ما قدمه من قوله: "ثم الأخوات، ثم الخالة، ثم العمة على ظاهر النص"، يقتضي ألا يتقدم أحد بعد الآباء والأمهات من الذكور على الأخوات والخالات والعمات [و] لا يتقدم بعد الأخوات على الخالة، وهو وجه
стр. 7422
حكاه في "المهذب"، والماوردي معبراً عنه بأنه جميع النساء من الأقارب، بعد فقد الآباء والأمهات أحق بالحضانة من جميع العصبات؛ فتقدم الأخوات والخالات والعمات ومن أدلى بهن من النساء على جميع العصبات من الإخوة وبنيهم والأعمام وبنيهم؛ إذا أثبتنا لهم حق الحضانة لما فيهم من الأنوثة.
وحكينا – أيضاً – وجهاً ثالثاً، وصححه الماوردي، وتابعه على تصحيحه القاضي الروياني: أنه لا يترجح أحد الفريقين على العموم، مع تفاضل الدرج، ويترتبون ترتب العصبات في استحقاق الأقرب فالأقرب، فإن كان الرجال أقرب قدموا، وكذلك النساء.
وإن استوى الرجال والنساء في الدرج قدم النساء.
فعلى هذا: يقدم بعد الآباء والأمهات الأخوات، ثم الإخوة، فإذا عدموا انتقل حق الحضانة إلى بنات الأخوات، ثم إلى بني الإخوة، فإن اجتمع ابن أخت وبنت أخ كانت بنت الأخ أولى.
فإذا عدمت درجة الإخوة انتقلت إلى الدرجة التي تليها، وهي خالات الأم، ثم خالات الأب، ثم عماته، ثم أعمامه، ثم إلى أولادهم، وتكون بعدهم لأولادهم على ترتيبهم، ثم تستعلي على هذا القياس درجة بعد درجة.
قلت: وهذا الوجه فيه نظر من وجهين:
أحدهما: أن فيه تقديم بنات الأخوات والإخوة على الخالات والعمات.
وقد حكى الرافعي أن القولين – يعني: الجديد والقديم – متفقان عند انفراد النسوة على تقديم جنس الأخوات على الخالات، وعلى أن الخالات يتقدمن على بنات الأخوات والإخوة- كما حكيناه من قبل – فكيف يمكن أن يجعل هذا أصح مع مخالفته للجديد والقديم؟
الثاني: أن الروياني صحح – عند انفراد النسوة – تقديم الخالات والعمات
стр. 7423
على بنات الأخوات وبنات الإخوة – كما حكيناه عن القولين – وهنا صحح هذا، وهو مناقض له، فكيف يجمع بينهما؟!
وفيه – أيضاً – ما يوهم أن ابن الأخت له حق في الحضانة على الجملة، فإنه قال: إذا اجتمع ابن أخت وبنت أخت وبنت أخ، كانت بنت الأخ أولى، وهذا يدل على ما ادعيناه، مع أنه حق له في الحضانة؛ لأنه ذكر غير وارث، وقد قال الماوردي: إنه لا حضانة لذكر غير وارث أصلاً. على أن في هذا وجهاً، سنذكره من بعد، والله اعلم.
فرعان:
أحدهما: إذا استوى اثنان في درجة من كل وجه- كأختين مثلاً – وتنازعا، أقرع بينهما.
قال الرافعي: وكان يجوز أن يقدم بما يقدم به المتزاحمان على اللقيط.
الثاني: إذا كان في أهل الحضانة خنثى، نظر:
إن كان مستحقها رجلاً، لم [يساو به] الخنثى، وهل يقدم بذلك على المرأة، عند عدم الرجل؟ فيه وجهان.
ومثل ذلك يجري فيما إذا كان مستحقها امرأة، لكن على العكس.
فائدة: حكم المجنون، ومن به خبل وقلة تمييز، أو فقده –حكم الصبي فيما ذكرناه.
قال: وإذا بلغ الصبي سبع سنين وهو يعقل، خير بين الأبوين، أي: عند تساويهما في اجتماع شروط الكفالة، وطلب كل منهما الكفالة.
قال: فإن اختار أحدهما سلم إليه.
والأصل في ذلك ما روى الشافعي بإسناده عن أبي هريرة – ﵁ أن النبي ﷺ "خَيَّرَ غُلاَماً بَيْنَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ". وروى عنه أبو داود عن طريق آخر
стр. 7424
أنه قال: كنت جالساً عند رسول الله ﷺ فجاءته امرأة، فقالت: يا رسول الله، إن هذا ولدي، وإن أباه يريد أن يذهب به، وإنه سقاني من بئر أبي عنية ونفعني؟ فقال رسول الله ﷺ : "استهما عليه"؛ فقال زوجها: من يجاقني في ولدي؟! فقال: رسول الله ﷺ ] للغلام: "هَذَاَ أَبُوكَ، وَهَذِهِ أُمُّكَ، فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهِمَا شِئْتَ، فَأَخَذَ الْغُلامُ بِيَدِ أُمِّهِ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ".
وإنما يدعى بالغلام الصبين وعنبة: بنون وباء، قاله الدارقطني.
ولأن القصد بالكفالة طلب الحظ للولد، وهو بظهور تمييزه أعرف بحظه؛ فوجب أن يرجع إليه؛ لأنه قد عرف من برهما ما يدعوه إلى اختيار أبرهما.
ولا نظر إلى كون أحدهما أكثر مالاً، أو أزيد في الدين، أو المحبة على الأظهر من الوجهين، بل يجري التخيير.
وخص التخيير بالسبع؛ لأنه سن التمييز – غالباً – ولِهَذَا أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الأَولِيَاء بِأَمْرِ الصِّبْيَانِ بِالصَّلاَةِ فِيهِ، ويعتبر مَعَ الوُصُولِ إلِي هَذِهِ السِّنِّ وَالعَقْلِ أَنْ يَكُونَ عَارِفاً بأسباب الاختيار وضابطاً، فإن لم يكن كذلك أخر إلى حصول ذلك، وهو موكول إلى نظر القاضي واجتهاده.
стр. 7425
وعلى هذه الحالة حمل الأصحاب ما حكى عن الشافعي في القديم: إذا بلغ سبعاً أو ثماني سنين، خير ولم يثبتوا ذلك قولاً.
وراعى المراوزة هذا المعنى فأثبتوا التخيير عند وجود التمييز، ولو قبل السبع.
والمراد من قول الشيخ: "الأبوين": الأب وإن علا؛ يدل عليه قوله من بعد: فإن لم يكن له أب ولا جد.
وحكم أم الأم مع الأب أو الجد حكم الأم.
أما إذا لم يتشاحا في طلب الكفالة، بل رضي احدهما بتسليمه إلى الآخر – فهو أحق به، ما لم يرجع ويطلبه، صرح به الماوردي وغيره.
ولو تدافعاه، فإن كان بعدهما من يستحق الكفالة: كأب الأب، وأم الأم – انتقل الحق إليهما. وإن لم يكن بعدهما من يستحقها؛ لتفرد الأبوين – فوجهان حكاهما صاحب الحاوي:
أحدهما: أن المولود على خيرته؛ فمن اختاره منهما أجبر عليها.
ولو كان هذا التمانع في وقت الحضانة أقرع بينهما، وأجبر على الحضانة من قرع.
والثاني- وهو المحكي في "النهاية"-: أن الحضانة ينحي بها نحو النفقة: فمن تجب عليه النفقة يجب عليه القيام بالحضانة؛ فإنها من المؤن المتعلقة بالكفالة؛ وكذلك حكم الكفالة.
قال الإمام: ولو طلبت الأم الحضانة وطلبت الجرة فهي بمثابة طلبها الرضاع، وأبدى فيه احتمالاً؛ من حيث إنها فيها وغيرها على وتيرة واحدة [ويمكنه من أن يحضن بنفسه وهل ينزل منزلة متبرعة؟ فيه تردد بين الأصحاب. قال الإمام: ولعل الظاهر أن ما يناله من التعب بمثابة الأجرة التي تطلبها الأجنبية فلا يكون هذا كوجدان متبرعة. وهذا من الإمام تفريع على أنها تستحق الأجرة] بعد فصال الرضاع. أما إذا قلنا: إنها لا تستحق- وهو وجه حكاه القاضي الحسين – لأن حفظ الولد واجب عليها، في حال كونه عندها، فلا تأخذ الأجرة على شيء واجب عليها؛ فلا تفريع.
فرع: إذا احتاج الولد إلى خدمة في الحضانة والكفالة، ومثله من يخدم – [قام الأب] بمؤنة خدمته، إما باستئجار خادم، أو ابتياعه، على حسب عادة أهل البلد وعرف أمثاله.
стр. 7426
ولا يلزم الأم مع استحقاقها لحضانتها الأجرة أن تقوم بخدمته، إذا كان مثلها لا يخدم؛ لأن الحضانة هي الحفظ والمراعاة، وتربية الولد، والنظر في مصالحه، وذلك لا يوجب مباشرة الخدمة، ويستوي في ذلك الغلام والجارية؛ قاله الماوردي.
قال: فإن كان ابناً واختار الأم، كان عندها بالليل، وعند أبيه بالنهار، أي: يؤدبه، ويعلمه أمور الدين والمعايش، ويسلمه غلى المكتب إن كان من أهل التعلم، أو الحرفة؛ إن لم يكن من أهل التعلم، والمرجع في ذلك إلى عرف أهله، كما صرح به الماوردي؛ لأن المقصود من الكفالة حظه، وبهذا يحصل له الحظ.
وهكذا الحكم فيما إذا كان عندها قبل انتهائه إلى سن التخيير، وكان ذكيًّا فطناً، والمرد فيه خمس سنين أو ست سنين، وإن لم يكن فطناً فيؤخر إلى سن الكفالة.
قال: وإن اختار الأب كان عنده بالليل؛ أي: بحكم التخيير، والنهار، أي: بحكم رعاية مصالحه.
قال: ولا يمنع من زيارة أمه؛ كي لا يكون ساعياً في العقوق وقطيعة الرحم، وهل ذلك على طريق الوجوب أو الاستحباب؟ الذي صرح به البندنيجي ودل عليه كلام الماوردي: الأول؛ فإنه قال: وعليه أن ينفذه إلى زيارة أمه في كل يومين أو ثلاثة، وإن كان منزلها قريباً فلا بأس أن يدخل عليها [في كل يوم ليألف برها، ولو أرادت الأم زيارته لم يمنعها الأب من الدخول عليه،] لكن لاتطيل المكث. ولفظ البندنيجي: لا يحل له منعها منه.
قال: ولا تمنع من تمريضه إن احتاج؛ لأن المريض كالصغير في الحاجة؛ فكانت أحق به؛ لوفور شفقتها عليه؛ ولأن النساء بتعليل المريض أقوم من الرجال، فإن رضي الأب بأن تمرضه في بيته فذاك، ويجب الاحتراز عن الخلوة، وإلا فينقل الولد إلى بيت الأم.
وإذا مات الولد في بيت الأب لم تمنع من حضور غسله وتجهيزه إلى أن يدفن، وله منعها من زيارة قبره إن دفن في ملكه؛ لحق نفسه، وإن كان في غير
стр. 7427
ملكه فكذلك، لكن لحق الله تعالى.
قال: وإن كانت بنتاً، فاختارت الأب أو الأم – كانت عنده، أي: عند من اختارته منهما بالليل، والنهار؛ لتساوي الزمانين في حقها، وحصول المقصود منها في بيتها، ولا يمنع الآخر من زيارتها، أي: في حال الصحة، وعيادتها، أي: في حال المرض؛ لما ذكرناه، ولكل منهما منع البنت من الخروج إلى زيارة الآخر، بخلاف الغلام؛ حيث قلنا: لا يمنع من زيارة أمه؛ لأن الجارية من الحرم؛ فتمنع من [البروز؛ لتألف الصيانة] وعدم التبرج.
فإن قيل: الأم إذا أرادت زيارتها، احتاجت إلى الخروج – أيضاً- فلم رجحت البنت عليها؟
قيل: لأن الحذر على البنت أكثر، وحالها في الصغر أخطر، ولا تمنع من الخروج؛ للعيادة، وللأم إخراجها إلى بيتها؛ لأجل المرض، عند امتناع الأب من تمريضها في بيته؛ لأنها حالة ضرورة؛ فاتسع حكمها؛ كذا حكاه الماوردي، وابن الصباغ وغيرهما.
وفي "المهذب": أنها إذا مرضت كانت الأم أحق بتمريضها في بيتها، مقتصراً على ذلك.
قال: فإن اختار أحدهما، ثم اختار الآخر- حول إليه، فإن عاد واختار الأول أعيد إليه؛ لأن ذلك حق للولد، لا عليه، وهو يقف على شهوته؛ فاتبع فيه إرادته كما يتبع إرادته بشراء الطعام، ولأنه قد [يبدو له الأمر على خلاف ما ظنه]، وقد يقصد مراقبة الجانبين.
ولا فرق في ذلك بين أن يتكرر منه أو لا، على ما يقتضيه إيراد الماوردي؛
стр. 7428
حيث قال: وعلى هذا أبداً كلما اختار واحداً بعد واحد حول إليه.
وقال الإمام: إذا تردد الصبي تردداً كثيراً، قال الأصحاب: كان ذلك دالاًّ على خرقه؛ فيتبين أنه ليس مميزاً، ويقر في حضانة الأم، ثم قال: وهذا فيه نظر؛ فإنه لا ينكر في حالة الصبي وإن كان على كيس تام، وتمييز ولو تكرر ذلك ما أراه شاهداً، ولا وجه عندي في ذلك إلا اتباعه، على شرط ألا تتعطل أركان الحضانة بالتردد.
واعلم أن الشيخ – ﵀ – ذكر عند تخيير الصبي في حالة الصبي في حالة التنازع حالة من ثلاث أحوال، ولم يتعرض لما سواها، ولا غنى عن ذكرهما:
فالأولى: أن يختارهما؛ فلا يجتمعان فيه مع التنازع، ويقرع بينهما، فأيهما خرجت القرعة له، كان أحق بكفالته.
والثانية: ألا يختار واحداً منهما، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يقرع بينهما – أيضاً – وهو ما حكاه في "المهذب".
والثاني- وهو الأشبه عند الرافعي، والمذكور في "البسيط": أن الأم أحق؛ لأنه لم يختر غيرها، وكانت الحضانة لها؛ فتستصحب ما كان [لها].
قال: فإن لم يكن له أب ولا جد، وله عصبة غيرهما – خير بين الأم وبينهم، على ظاهر المذهب، أي: في أن لهم حقًّا في الحضانة، كما تقدم.
ووجهه ما روي عن عمار الجرمي قال: خَيَّرَنِي عَلِي – كرم الله وجهه – بَينَ أُمِّي وَعَمِّي، وَأَنَا ابْنُ سَبْعِ سِنيِنَ أَو ثَمَانٍ، وَقَالَ لأخٍ لِي هُوَ أَصْغَرُ مِنِّي: وَهَذَا – أيضاً لَو – قَدْ بَلَغَ لخيرته.
ولأنهم عصبة مناسبون كالأب.
وفيه وجه – على ظاهر المذهب – حكاه الماوردي والرافعي وغيرهما: أنه لا يخير، وتكون الأم أحق بكفالته من غير تخيير؛ لاختصاصها بالولادة.
قال: فإن كان العصبة ابن عم، أي: تحل له – لم تسلم البنت إليه؛ لأنه ليس بمحرم؛ فتحصل الخلوة المحرمة.
стр. 7429
وظاهر هذا الكلام يدل على أنها تخير بينه وبين الأم، لكن لا تسلم إليه، بل إلى غيره، وهو قضية ما في "الشامل"؛ فإنه قال: إذا كانت له بنت سلمت إليها. وقريب مما حكاه الرافعي فيما إذا أثبتنا له حق الحضانة، وبلغت حدًّا يشتهي مثلها، لم تسلم إليه، ولكن له أن يطلب تسليمها إلى امرأة ثقة، ويعطي أجرتها.
وإن كانت له بنت، سلمت إليها، والموجود في "المهذب" وتعليق البندنيجي وغيرهما: أنها لا تخير بينهما، وتكون الأم أحق بها.
وبنات الخالات وبنات العمات، إذا أثبتنا لهن حق الحضانة، وكان المحضون صغيراً فإذا بلغ إلى سن يشتهي سقط حقهن، صرح به الرافعي، والله أعلم.
قال: وقيل: لا حق لغير الآباء والأجداد في الحضانة- أي: كما ذكره من قبل؛ فلا يخير بينهم وبين أمه ولو كان للصبي أب وأخوات من أم، أو الخالات، وقدمناهن عليه في الحضانة – ففي تخييره بين الأب وبينهن وجهان، ولو كان له عصبات من الرجال [ومن له حق الحضانة من النساء دون الأمهات، فهل يخير بينهن؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها:] لا يخير، وتكون العصبات أحق.
والثاني: لا يخير، وتكون نساء القرابات أحق.
والثالث: يخير بين عصباته وبين قراباته إذا تساوت درجتهم، فإن تساوي اثنان من عصبته كالأخوين، أو اثنتان من قراباته كالأختين – ففيه وجهان:
أحدهما: يخير بينهما أيضاً.
والثاني: يقرع [بينهما] ولا يخير، ويستحقه من قرع منهما، كذا قاله الماوردي.
واعلم أن ما ذكرناه من التخيير بين الأبوين ومن عداهما مفروض فيما إذا لم يكن [للمكفول] زوج إن كان أنثى، أو زوجة إن كان ذكراً، أما إن كان له زوج كبير، وأمكنه الاستمتاع بها، أو زوجة كبيرة وأمكنه الاستمتاع بها – فالزوج والزوجة أحق بكفالته وإن كانا أجنبيين من جميع قراباته؛ لما جعل الله بين الزوجين من المودة؛ فكان أسكن إليهما، وهما أعطف عليه.
стр. 7430
وإن لم يمكن الاستمتاع فهو كما لو لم يكن له زوج ولا زوجة.
نعم، لو كان الزوج أو الزوجة من أقاربه، فهل يرجح بعقد النكاح على غيره من الأقارب، أم لا؟ فيه وجهان. حكاهما الماوردي وغيره.
قال: وإن وجبت للأم الحضانة، فامتنعت – لم يجبر؛ لأنها تركت حقًّا لها، ومن ترك حقًّا له، لا يجبر على استيفائه.
أما إذا وجبت عليها، إما بأن لم يكن له أب وإن علا، ولا مال له، أو تمانعا، وفرعنا على ما حكاه الماوردي من خروج القرعة، وإجبار من خرجت القرعة عليه، كما حكيناه من قبل فتجبر؛ كما يجبر كل من امتنع من حق وجب عليه.
قال: وتنتقل إلى أمها، وكذا لو غابت بالقياس على ما لو ماتت [أو جنت].
قال: وقيل: تنتقل [إلى الأب، وهو قول أبي سعيد الإصطخري على ما حكاه ابن الصباغ]، وبه قال ابن الحداد، على ما حكاه الرافعي؛ لأن أهليتها باقية، وإنما تركت حقها، فلم ينتقل [منها] إلى من يدلي بها؛ بخلاف ما إذا ماتت [أو جنت]، ينتقل إلى الأب؛ لأنه أولى من الحاكم؛ ألا ترى أن ولاية النكاح إذا مات الأقرب أو جن، انتقلت إلى الأبعد، وإذا غاب أو عضل ينوب عنه السلطان [ولا يزوج الأبعد؟!
قال الرافعي: وقد قال ابن الحداد- على ما حكاه المتولي-: إنها تنتقل إلى من يوليه السلطان].
والذي رأيته في "التتمة" في هذا الموضع ما حكيته عن الإصطخري لا غير. [نعم]، حكى فيما إذا وجبت الحضانة للأب فغاب، عن ابن الحداد: أن الحضانة تنتقل إلى السلطان؛ اعتباراً بولاية النكاح؛ لأنها حق عليه، ويفارق جانب الأم؛ لأنها تركت حقا لها، وما استشهد به كما يمنع نقل الولاية إلى من يدلي بالممتنع يمنع نقلها على من يدلي بغيره، فلا يحسن التمسك به.
وحكى الإمام هذا الوجه عن الخلافيين في القريب إذا غاب، ثم قال: ولست
стр. 7431
أحكي مثل ذلك ليلتحق بالمذهب، ولكن أذكره؛ ليتبين أنه له يذكره المعتمدون؛ فيقطع عن المذهب، مع أن الفرق بين ولاية النكاح وهذه أن الغائب يمكنه التزويج في الغيبة، فإذا لم يفعل، ناب السلطان عنه، والحضانة في الغيبة ليست بممكنة؛ فصار كما إذا نكحت مستحقة الحضانة، لما لم يمكنها القيام بها سقط حقها، وانتقل إلى من بعدها؛ وهكذا الحكم في كل من امتنع من الحضانة؛ فإنها تنتقل إلى من يليه.
قال: ولا حق في الحضانة لأب الأم؛ لضعف قرابته؛ ألا ترى تقاعده عن إفادة الولاية والإرث، وتحمل العقل؟! فكذلك يتقاعد عن إفادة الحضانة.
وفيه وجه: أن له حقًّا؛ لأن له قرابة تدعو إلى الشفقة والتربية.
وهذا الخلاف يجري في كل ذكر أدلى بأنثى، غير الأخ: كالخال والعم للأم، وابن الأخت وابن الخال وابن العمة.
وأجرى – أيضاً – في ابن الأخ للأم وابن الخال.
وإذا قلنا به، فيتأخرون عن المحارم الوارثين وعن الوارثين الذين لا محرمية لهم.
وإذا تنازعوا في أنفسهم، فمن له ولادة مقدم على من لا ولادة له؛ [فأبوا الأم يقدم] على الخال، فإن انتفت الولادة عنهم كالخال والعم للأم ففيه وجهان:
أحدهما: أنهما سواء؛ فيقرع بينهما.
والثاني- وهو الأشبه-: أنه يستحقها من قوي سبب إدلائه؛ فيكون الخال مقدماً على العم للأم وهكذا.
قال: ولا لأمهاته – أي: إذا قلنا: لا حق لهم؛ لأنها تدلي بمن لا حق له في الحضانة بحال ولا عصوبة؛ فأشبهت الأجانب، واحترزنا بقولنا: بحال عن [أم] الأم إذا كانت الأم فاسقة، أو مزوجة؛ لأن لها حقًّا على الجملة. وبقولنا: ولا عصوبة، عن بنت الأخ إذا قلنا: لا حق له في الحضانة؛ فإن الحضانة لها، وإن كانت مدلية به؛ لكونه عصبة ولكون له نوع منها، وهو تأديبه وتعليمه، كما صرح به ابن الصباغ.
стр. 7432
وفي المسألة وجهان آخران:
أحدهما: أن لها حقًّا، ولكن تؤخر عن جميع النساء.
والثاني: لها حق، وتقدم على الأخوات اولخالات؛ وهذا حكاه الشيخ أبو علي، واستحسنه الإمام، واستشكل المذهب من حيث إنها على عمود النسب، وهي أصل المولود، وذلك حكم يناط بالبعضية، فهو متعلق بها؛ كاستحقاق النفقة، والعتق عند جريان الملك، وإن نظر إلى عدم استحقاق الإرث فالخالات ساقطات عند من لا يورث بالرحم، ولا خلاف [أنهم مستحقون] للحضانة.
وهذا الخلاف يجري في كل جدة ساقطة، وكل محرم يدلي بذكر لا يرث، وإن شئت قلت: يدلي بأنثى، كما قال الإمام، وذلك مثل بنت ابن البنت، وبنت العم للأم، وعمات الأم، وبنات ابن الأخ للأم وبنت الخال، وبنت ابن الأخت.
فرع: إذا انفردن، وتنازع منهن اثنتان: فإن كان في إحداهما ولادة ليست في الأخرى: كأم أبي الأم، مع بنت الخال- كانت الأولى أحق. ولو لم يكن فيهما ولادة: كبنت الخال وبنت العم- ففيه وجهان:
أحدهما: يستويان، ويقرع بينهما.
والثاني: يقدم من قوى سبب إدلائها. وهو الأشبه.
[فرع] آخر: إذا تنازع ذكر ممن يدلي بالإناث المذكورات، وواحدة ممن ذكرناهن – نظر:
إن لم يدل واحد منهما بالآخر كانت الأنثى أحق، ما لم يكن في الذكر ولادة، سواء قربت، أو بعدت.
وإن كانت من جهته: كأب الأم، وأمه، فمن أحق بها؟ فيه وجهان:
أحدهما: الذكور: لأنهم أقرب ممن أدلى بهم.
والثاني: الإناث، مع بعدهن ممن أدلين به من الذكور؛ لأنوثتهن؛ فتكون أم أب الأم أحق من أب الأم، وبنت الخال أحق من الخال، حكاه الماوردي.
قال: ولا لرقيق.
стр. 7433
شرع الشيخ – ﵀ – من هاهنا في بيان ما يمنع من ثبوت حق الحضانة، مع وجود سببها- وهو القرابة – هو بعينه مانع من الكفالة، وجملة ما قيل فيه سبعة مواضع، أربعة ذكرها الشيخ:
فمنها: الرق، والدليل على أنه لا حضانة للرقيق أن منفعته للسيد، وهو مشغول به غير متفرغ للحضانة، وكذا لو أذن له السيد؛ لأنها نوع ولاية، والرقيق لا ولاية له.
ولا فرق في ذلك بين الرجال النساء إذا كان الولد حرًّا، وتكون حضانته لمن ينتقل إليه بعد الرقيق من الأقارب، فإن لم يكن كانت في بيت المال.
أما إذا كان الولد رقيقاً، فحضانته على سيده – أيضاً – لكن هل للسيد إذا كان مالكاً لأمه نزعه منها في سن الحضانة والكفالة، وتسليمه إلى غيرها؟ فيه وجهان حكاهما البندنيجي، وجزم المارودي بالمنع في سن الحضانة، وحكى قولين في سن الكفالة، وهو بعد السبع إلى البلوغ كما ذكرناه.
وحكى فيما إذا كان أبوه مِلْكاً لسيده في جراين حكم الأم عليه في المنع من التفرقة وجهين.
ولو كانت الأم حرة والولد رقيقاًن فكذلك حضانته لسيده، والانتزاع منها الخلاف.
وحكم المدبر والمعتق بصفة – حكم القن، وكذا المكاتب.
نعم: إذا قلنا: إن ولد المكاتبة تستعين به في الكتابة يسلم إليها، لا لأن لها حق الحضانة؛ بل لأنه لها، وأم الولد بالنسبة إلى ولدها [من نكاح أو زنى حكمها حكم الرقيقة، وكذا بالنسبة إلى ولدها من] سيدها، على الصحيح.
وعن الشيخ أبي حامد: أن لها الحضانة، دون الكفالة.
قال الروياني: والمصلحة الفتوى [به].
والمعتق نصفه ملحق بالرقيق.
ولو كان بعض الولد حرًّا، وبعضه رقيقاً – فنصف حضانته للسيد، ونصفها لمن تكون حضانته له من أقربائه الأحرار، فإن اتفقوا على المهايأة، أو على استئجار من يحضنه، أو رضي أحدهما بالآخر- فذاك، وإلا استأجر الحاكم من
стр. 7434
يحضنه، وأوجب المؤنة على السيد، وعلى من يقتضي الحال الإيجاب عليه.
قال: ولا فاسق؛ لأنها ولاية، ليس فيها شائبة الاكتساب، والفاسق ليس من أهل الولايات.
ولأنه لا يؤمن من أن يخون في حفظه، وينشأ على طريقته.
وفي عدول الشيخ عن اشتراط العدالة إلى اعتبار نفي الفسق، دلالة على أنا لا نشترط تحقق العدالة الباطنة، بل يكفينا نفي الفسق، وذلك يحصل بالعدالة الظاهرة، ما في شهود النكاح، كما صرح به الماوردي.
وعلى هذا: لو اختلف الأبوان، فادعى أحدهما فسق الآخر؛ ليفوز بالكفالة من غير تخيير، لم يقبل قوله فيه، ولم يكن له إحلافه عليه، وكان على ظاهر العدالة، حتى يقيم مدعي الفسق عليه ببينة. حكاه الماوردي.
قال: ولا كافر على [مسلم]؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء:١٤١].
ولأن في ذلك خشية أن يفتنه عن دينه؛ فلا حظ له فيه.
ولأنه لا ولاية للكافر على المسلم.
قال: وقيل: للكافر حق، وهذا قول أبي سعيد الإصطخري، وحكاه الرافعي في آخر الفصل عن ابن أبي هريرة أيضاً، وتمسك قائله بما روي أن النبي ﷺ خير غلاماً بين أبيه المسلم وأمه الكافرة، فمال إلى الأم، فقال النبي ﷺ : "اللَّهُمَّ اهْدِهِ"؛ فعدل على أبيه.
وعن بعض الأصحاب: أن الأم الذمية احق بالحضانة من الأب المسلم، بخلاف الكفالة؛ فإن الأب أحق بها.
والمذهب: الأول، وأما الخبر فقد قال ابن الصباغ والماوردي: إنه ضعيف عند
стр. 7435
أهل الحديث، وإن صح، فهو منسوخ، على ما حكاه في "المهذب"؛ لأن الأمة أجمعت على أنه لا يسلم إلى الكافر.
قال مجلي: ولعل نسخه وقع بقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء:١٤١].
أو يحمل على أنه – ﵇ – عرف أنه يستجاب دعاؤه، وأنه يختار الأب المسلم، وقصد بالتخيير استمالة قلب الأمز
قال الماوردي: ولأنه – ﵇ – دعا بهدايته على مستحق كفالته، لا إلى الإسلام؛ لثبوت إسلامه بإسلام أبيه، فلو كان لأمه حق لأقرها عليه، ولما دعا بهدايته إلى مستحقه.
وولد الذميين في الحضانة كولد المسلمين؛ فالأم أحق بها، قاله الرافعي.
وفي البندينيجي: أنهما إذا ترافعا إلينا حكمنا بينهما بحكم المسلمين. وهو قريب من الأول، وقد يوهم خلافه.
فرع: لو وصف صبي من أهل الذمة الإسلام، نزع منهم، ولم يمكنوا من كفالته، صححنا إسلامه أو لم نصححه.
والطفل الكافر: هل يثبت لقريبه المسلم حق حضانته؟
قال في "التتمة": الصحيح من المذهب ثبوته، وفيه وجه آخر؛ بناء على أن القريب الذي ليس بوارث لا حضانة له. قال: ويجري هذا الخلاف فيما نحن فيه إذا جن الذمي وله قريب مسلم، هل يثبت له حق الحضانة؟
قال: ولا حق للمرأة إذا نكحت؛ لقوله ﷺ : "أَنتِ أَحَقُّ مَا لَمْ تَنْكِحِي"، وروي أنه – ﵇ –قال: "الأَيِّمُ أَحَقُّ بوَلَدِهَا مَا لَم تَتَزَوجْ".
стр. 7436
ولأن النكاح يشغلها بحق الزوج ويمنعها من الكفالة، ويتعير به، ولا أثر لرضا الزوج؛ كما لا اثر لرضا السيد بحضانة الأمة.
نعم، لو رضي معه الأب بذلك سقط حق الجدة من الحضانة - على الأصح - فيكون عند الأم.
وقيل: لا يسقط حق الجدة برضا الأب، قاله في "التهذيب".
وبهذا يظهر لك أن المراد بالجدة: [أم الأم]، لا أم الأب.
قال: حتى تطلق- أي: وإن كان رجعيًّا -[لأن به] يزول المانع، وهو اشتغالها بحق الزوج.
وهكذا الحكم في كل مانع، إذا زال، فإنه يعود حق الحضانة كما كان وإذا راجع المطلقة، سقط حقها أيضاً.
وخرج ابن سريج قولاً: أن الطلاق الرجعي [لا] يكفي حتى تنقضي العدة؛ لبقاء أحكام الزوجية، وهو اختيار المزني.
والمسألة مصورة في الطلاق الرجعي والبائن فيما إذا رضي المطلق بدخوله منزل العدة إن كان له، أو لم يرض، وكان لها. أما إذا كان له ولم يرض، ولم يكن لها أن تدخله فيه.
وقد فهم من كلام الشيخ: أن حقها من الحضانة لا يعود بما عدا الطلاق وإن كان مُحرَّماً كالظهار قبل التكفير وغيره.
فرع: تقدم أن الرجعية تستحق النفقة في زمن العدة، فإذا أخذت في حضانة ولدها من غير رضا المطلق، وكان المسكن لها - فالمذهب: أن نفقتها [لا تسقط.
وحكى عن الشيخ أبي علي أنها تسقط؛ كما لو كانت في صلب النكاح؛ فإن الرجعية تستحق] نفقة الزوجة؛ فتسقط نفقتها بما تسقط به نفقة الزوجات.
قال الإمام: وهذا عندي هفوة؛ فإن الزوجة في غيبة الزوج لو حضنت الولد، [وأخذت] تحترف على وجه لو اشتغلت بمثله في حضور الزوج،
стр. 7437
وزاحمت به حقه لكانت ناشزة – فلست أراها ناشزة في الغيبة.
قال: إلا أن يكون زوجها جد الطفل، [أي: أب أبيه؛ لأن له حقًّا في الحضانة؛ فلا يسقط نكاحه حقها؛ كما لو كانت في نكاح الأب، وصورة المسألة إذا كانت الحاضنة جدة: أن يتزوج رجل بامرأة ويتزوج ابنه بابنتها من غيره، ثم يجيء لابنه ولد، ثم تموت الأم؛ [فتنتقل الحضانة إلى أم الأم، وهي زوجة الجد. أما الجد أبو الأم] فالذي يظهر من كلام الأئمة – حيث صوروا المسألة بما ذكرناه: أنه كالأجنبي، إذا قلنا: لا حق له في الحضانة، وإلى ذلك يرشد – أيضاً – كلام البغوي؛ حيث قال: الحق للأب إذا نكحت، إلا أن تنكح الجدة جد الطفل: إما أبا الأب، أو أبا الأم إن ثبتت له الحضانة.
وفي "الجيلي" حكاية عن "الحلية" و"البحر": أنه لا فرق بينه وبين أب الأب، وأن الفتوى الآن عليه؛ لأنه ليس بأجنبي، وإن لم يكن له حق الحضانة.
وفي كلام القاضي الحسين إشارة إليه؛ فإنه قال: قال الشافعي: إذا نكحت الأم، بطل حقها، وأمها – وهي الجدة- أولى بحضانته ما لم تتزوج هي، إلا أن يكون زوجها جد الطفل – فالجد والد – إذا رضي أن يكون عنده؛ لأن له ألا يدخل منزله ابن ابنته.
واعلم أن كلام الشيخ يقتضي أنها لو تزوجت بمن له حق في الحضانة، غير الجد – لا تكون لها الحضانة، وهو وجه حكاه الماوردي وغيره؛ لظاهر الخبر، ولما يجذبها الطبع إليه من التوفر على الزوج، ومراعاة أولادها منه، وليس كالجد؛ فإن الجد تام الشفقة، قوى القرابة.
والأشبه عند الرافعي – وبه قال القفال، وهو المذكور في "التتمة"، وقال البغوي: إن صاحب "التلخيص" خرجه من الجد -: أنه لا يبطل حقها.
ووجهه: ما روى أبو داود – ﵁ أنه "لما قتل حمزة، وتنازع في حضانة ابنته علي بن أبي طالب، وقال: بنت عمي، وعندي بنت رسول الله ﷺ وجعفر بن أبي طالب –أيضاً- وقال: بنت عمي وعندي خالتها – قال رسول الله ﷺ : "الْخَالَةُ أُمٌّ"، وسلمها إلى جعفر".
والقائل الأول حمل ذلك على أنه – ﵇ –رجح جعفراً، مع مساواته
стр. 7438
لعلي في القرابة – بالخالة، لا على ترجيح الخالة على غيرها.
وفي "ابن يونس": أنه قيل: [إنه] إذا كان المنازع للأم في الحضانة أعلى درجة من زوجها أسقط حق الحضانة وليس بشيء، وهذا أخذه من قول مجلي: إن الشيخ ابا علي ذكر أن العم إذا نكح أم الطفل، مع وجود الأب – بطل [حق الأم]؛ لأن الأب أولى من العم؛ فصار بالإضافة إلى الأب في الحضانة كالأجنبي.
ثم قال: وهذا الوجه الذي ذكره لا يجري إذا كان منازعها في الكفالة في درجة الزوج، ويجري إذا كان مقدماً عليه.
وهذا كله فيما إذا رضي الزوج بأن تحضنه الزوجة، أما إذا منعها من ذلك فإنه يسقط حقها، صرح به الماوردي وغيره.
والثلاثة الباقية من الموانع:
الجنون، فلا يثبت للمجنون حضانة؛ لأنه لا يتأتى منه الحفظ والتعهد، بل هو في نفسه محتاج إلى من يحضنه، ولما كان هذا المانع معلوماً بالبديهة لم يحتج الشيخ إلى ذكره.
ولا فرق فيه بين الجنون المطبق والمتقطع؛ لأنه بعد الإفاقة يبقى في خبل الجنون، ولا يؤمن أن يطرأ الجنون في غفلةٍ؛ فلا يؤمن على الصبين اللهم إلا أن يقل جنونه في الأحيان الكثيرة، ولا تطول مدته: كيوم في ستين – مثلاً – فلا يكون إذ ذاك مانعاً، بل هو كمرض يطرأ ويزول.
نعم، لو كان تأثيره في نفس الحركة والتصرف، فينظر:
إن كان ممن يباشر الكفالة بنفسه فالحكم كذلك؛ لما يدخل على الولد من النقص فيها، وإن كان ممن يدبر الأمور ويباشرها غيره، فلا يكون مانعاً.
والعمى هل يمنع؟ لم أر للأصحاب فيه شيئاً، [غير أن] في كلام الإمام ما يستنبط منه [أنه] مانع؛ فإنه قال: إن حفظ الأم للولد الذي لا يستقل ليس
стр. 7439
مما يقبل الفترات؛ فإن المولود في حركاته وسكناته، لو لم يكن ملحوظاً من مراقب لا يسهو ولا يغفل – لأوشك أن يهلك. ومقتضى هذا: أن العمى يمنع؛ فإن الملاحظة معه – كما وصف – لا تتأتى.
وقد يقال فيه ما قيل في الفال؛ إذا كان لا يُلْهِي عن الحضانة، بل يمنع الحركة.
وثالثها: فقد الرضاع منها إذا كان الولد رضيعاً؛ إما بامتناعها، أو لعدم اللبن، وهو ما أجاب به الأكثرون؛ لعسر استئجار مرضعة تُخْلي بيتها وتُنْقَل إلى سكن الأم.
وفيه وجه: أنه ليس بمانع، وهو ما صححه في "التهذيب".
واعلم: أن الحضانة متى سقطت في حق شخص بشيء مما ذكرناه انتقلت إلى من كانت تنتقل إليه لو مات ذلك الشخص.
قال: وإن أراد الأب أو الجد الخروج على بلد تقصر فيه الصلاة بنية الإقامة، والطريق آمن وأرادت الأم الإقامة- كان الأب والجد أحق به، أي: إذا كان من أهل الحضانة كما ذكرناه، وإلا فالأم أحق به.
قال: والعصبة من بعده – أي: الذين لهم حق الحضانة إذا ثبتت لهم وأرادوا السفر؛ لأن في كونه عندها حضانة، وفي كونه مع الأب أو العصبة حفظ نسبه وحصول تأديبه مع الحضانة؛ فكان أولى. وإنما قلنا: إن فيه حفظ نسبه؛ لأنه إذا طالت المفارقة بين الولد وبين أبيه، أو عصبته، لا يؤمن اندراس نسبه وخفائه؛ فيتضرر به الولد والوالد أيضاً.
واحترز الشيخ بالقيد الأول عما إذا أراد الانتقال من البلد إلى البادية؛ فإن الأم أحق به، صرح به القاضي الحسين في "التعليق" في أثناء كلامه؛ إلحاقاً له باللقيط.
وبالثاني: عما دون مسافة القصر؛ فإن ذلك لا يسلط الأب على الانتقال به إذا كان الحق للأم، وهو ما جزم به البغوي، والماوردي، وهو في "المهذب". ويقال: إنه اختيار الشيخ أبي حامد.
وفي "الرافعي" حكاية وجه: أنه كمسافة القصر، وهو الأصح عند ابن الصباغ والقاضي الروياني؛ لفوات التأديب.
стр. 7440
وبالثالث: عما إذا أراد السفر لحاجة: كحج أو تجارة، أو نحو ذلك – فإنه لا يسافر بالولد؛ لما في السفر من الخطر والضرر، ولا فرق في ذلك بين طويل السفر وقصيره.
وعن الشيخ أبي محمد وجه: أن للأب السفر به؛ إذا كانت تطول مدة السفر.
وبالرابع: عما إذا كان الطريق مخوفاً؛ فإنه لا تجوز المسافرة به، [ومن طريق الأولى إذا كان البلد الذي يقصد الإقامة به كذلك. ويلتحق بهذا السفر في الحر الشديد والبرد الشديد.
وبالخامس: عما إذا أرادت الأم السفر معهما؛ فإنها باقية على حقها؛ لإمكان تحصيل المقصود منهما.
ولا يلتحق بالعصبة المحرم الذي لا عصوبة له: كالخال، والعم للأم؛ إذا أثبتنا لهم حق الحضانة؛ لأن النقل لحفظ النسب، ولا نسب لهم، والأم إذا أرادت النقلة، وأراد الأب الإقامة، كان أحق به – أيضاً – إلا إذا كان سفرها دون مسافة القصر؛ فإنه على الخلاف السابق، وحكم من علا من الأبوين حكم الأبوين.
فروع:
أحدها: قال في "التتمة": لو كان للولد جد مقيم وأراد الأب الانتقال، كان له أن ينتقل بالولد، وكذا حكم الجد عند عدم الأب لا يمنعه من نقله الأخ والعم.
لكن لو لم يكن له أب ولا جد، وأراد الأخ الانتقال، وهناك ابن أخ أو عم مقيم – فليس له أن ينتزع الولد من الأم وينقله.
[وفرق] بأن كلاًّ من الأب والجد أصل في النسب؛ فلا يعتني به غيرهما كعنايتهما، و [غيرهما] ومن الحواشي يقرب بعضهم من بعض، والمقيم منهم يعتني بحفظه؛ كالغائب].
الثاني: لو اختلفا في نية الإقامة فالقول قول المسافر؛ لأنه أخبر بقصده. لكن مع اليمين أو بغير يمين؟ فيه وجهان، أصحهما: الأول؛ لما فيه من إبطال حق الحضانة، ومقابله محكي عن القفال.
الثالث: [قال الرافعي: إذا كان كل واحد من الأبوين يسافر سفر حاجة،
стр. 7441
واختلف بهما القصد والطريق- يشبه أن يدام حق الأم.
ويجوز أن يقال: يكون مع الذي مقصده أقربن أو مدة سفره أقصر.
قال: وإذا بلغ الغلام ولي أمر نفسه - أي: إذا كان رشيداً - لاستغنائه عمن يكفله، ومخاطبته بالأحكام؛ فلا يجبر على أن يكون عند أحد الأبوين، ولكن الأولى ألا يفارقهما؛ ليخدمهما، ويصل إليهما بره.
قال الماوردي: ومقامه عند الأب أولى من مقامه عند الأم؛ للمجانسة، واتفاقهما على التصرف.
وهذا إذا لم يكن ثم ريبة، أما إذا كان أمرد، وثم ريبة وخيف من انفراده فتنة- فقد حكى في "العدة" عن الأصحاب: أنه يمنع من مفارقة الأبوين.
ولو بلغ عاقلاً غير رشيد، فقد أطلق مطلقون: أنه كالصبي تدام حضانته.
وقال ابن كج: إن لم يكن مصلحاً لماله، ولم يحسن تدبير نفسه - كان الحكم كذلك، وإن كان عدم رشده بسبب دينه فالمذهب: أنه يسكن حيث شاء.
وعن أبي الحسين: أن بعض الأصحاب قال: تدام حضانته إلى ارتفاع الحجر عنه.
قال: وإن بلغت الجارية كانت عند أحدهما، حتى تزوج - أي: وتزف كما قيد في "التهذيب"؛ لأنها قبل ذلك متعرضة للآفات؛ فالتحقت بما قبل البلوغ.
وظاهر كلام الشيخ يقتضي أن ذلك على سبيل الوجوب، وقد حكاه ابن كج عن ظاهر المذهب، ورجحه الإمام والغزالي؛ لأن للأب والجد إجبارها على النكاح، وهو أعظم حبساً؛ فلأن يجوز لهما الحبس في البيت كان أولى.
لكن حكى الماوردي عن الشافعي ﵁: أنه قال: وأكره للجارية أن تعتزل أبويها حتى تزوج؛ لئلا تسبق إليها ظنة، ولا يتوجه إليها تهمة وإن لم تجبر على المقام معهما.
قال الرافعي: وهذا هو الذي يوجد في كتب أصحابنا العراقيين.
وعلى هذا: مقامها عند الأم أولى.
وهل يقوم الأخ والعم مقام الأب والجد في هذه الولاية؛ إذا قلنا بالوجوب؟ فيه وجهان في "التهذيب"، المذكور منهما في "الوسيط" و"البسيط": لا، بل تختص بالأب والجد؛ كولاية الإجبار.
стр. 7442
وهذا كله في البكر إذا لم يكن ثم [تهمة ولا] ريبة، أما الثيب، فلا تجبر على ذلك بالاتفاق، بل هو مستحب في حقها.
وإذا كان ثم تهمة فلأب والجد ومن يلي من العصبات تزويجها منعها من الانفراد، وإن كانت ثيباً.
ثم المحرم منهم يضمها إلى نفسه –إن رضي الله ذلك – أو يضمها إلى أحد من أهلها.
قال الماوردي: والنساء بذلك أشبه.
وغير المحرم يسكنها في موضع يليق بها، ويلاحظها؛ صيانة لها، ودفعاً للعار عن النسب.
وألحق في "الحاوي"، وفي "التهذيب" الأم بالأب في ذلك.
فرع: إذا ادعى الولي أن ثمة ريبة، ذكر الأصحاب في ذلك احتمالين:
أحدهما: أن الاحتكام على العاقلة بمجرد الدعوى بعيد.
والثاني- وهو الأقرب -: أنه يؤخذ بقوله، ويحتاط بلا بينة، فإن إسكانها في موضع [أكرم لهم] من الافتضاح.
فرع آخر: حكى الجيلي: أن الصغيرة التي لا تشتهي إذا كانت في حضانة الأم أو الجدة، وأراد من له الحضانة من المحارم نقلها إلى مسكن له؛ للخوف عليها أو ريبة، وامتنعت الأم أو الجدة من الانتقال معها – فله أخذها منها.
فلو امتنعت حيث يجب، أو هربت مع الولد، أو سرقت الولد – لم تجب على الأب النفقة والحالة هذه، وعزاه إلى "فتاوى" الغزالي.
قال: ومن بلغ منهما معتوهاً كان عند الأم؛ لأنه لا يهتدي إلى مصلحة نفسه؛ فكانت الأم أحق به؛ لقربها، ومعرفتها، ووفور حنوها وشفقتها عليه كالصغير.
وهذا إذا لم يكن له زوج أو زوجة، فإن كان فالزوج أو الزوجة أحق بكفالته من الأب والأم على ما حكاه الماوردي؛ لأنه لا عورة بينهما، ولوفور السكون إلى كل واحد منهما، بخلاف ما لو كان له أم ولد؛ فإن الأم أحق به؛ لأن ثبوت الرق يمنع من استيلائها، لكن تقوم بخدمته، وتقوم الأم بكفالته.
ولو كان له عند عدم الأبوين بنت كان لها حضانته؛ قاله القاضي ابن كج.
стр. 7443
كتاب الجنايات
الجنايات: جمع "جناية"، وجمعت وإن كانت مصدراً؛ لتنوعها إلى: عمد، وخطأ، وعمد خطأ.
وأصل الجناية: صدور ما يؤثر في الشيء، مقترناً [بالأذى، حتى من شتم إنسان يقال: جنى عليه، والمراد بها هاهنا: الجراحة وما في معناها]، مما سيتضح [لك] إن شاء الله.
стр. 7444
باب من يجب عليه القصاص
[قال]: باب من يجب عليه القصاص، ومن لا يجب القصاص - بكسر القاف، كما قال الأزهري-: المماثلة، وهو مأخوذ من "القص"، وهو القطع.
وقال الواحدي وغيره من المحققين: هو من اقتصاص الأثر، وهو تتبعه؛ لأن المقتص يتتبع جناية الجاني؛ فيأخذ مثلها، ويقال: اقتص من غريمه، واقتص السلطان فلاناً، أي: أخذ له قصاصه، واستقص فلان فلاناً: طلب قصاصه منه.
والأصل في وجوب القصاص: قبل الإجماع:
من الكتاب: قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: ١٧٨]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ [الإسراء:٣٣] وهو القصاص بالاتفاق.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة:١٧٩] أي: فإن الإنسان إذا علم أنه إذا قَتَلَ كف عن القتل، وقد كانت العرب تقول: القتل أنفى للقتل. وقيل: المخاطب في الآية أولياء المقتول؛ فإن القاتل انشأ بينه وبينهم عداوة بسبب القتل؛ فيكون حريصاً على قتلهم [أيضاً]، فإذا قتلوه حيوان قاله المتولي.
وقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ إلى آخرها [المائدة:٤٥].
وجه الدلالة منها- على قراءة النصب - أنها وإن كانت حكاية عن شَرْع من قبلنا فهي شرع لنا؛ لأن شرع من قبلنا شرع لنا في أصح الطريقين - كما قاله الماوردي عند الكلام في قلع العين بالإصبع- إذا لم يَرِد في شرعنا ما ينسخه، ولم رد. وفي طريقة أخرى يكون شرعاً لنا إذا قام عليه الدليل، وقد قام عليه
стр. 7445
الدليل؛ روى البخاري في "صحيحه" عن أنس: "أَنَّ [عَمَّتَهُ] الرُّبَيِّعَ – وَهِيَ ابْنَةُ النَّضْرِ – كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ؛ فَطَلَبُوا الأَرْشَ، وَطَلَبُوا الْعَفُوَ، فأَبَوْا، فَأَتَوْا النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَمَرَ بِالْقِصَاصِ؛ فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: أَتُكْسَرث ثَنِيَّةُ [الرُّبَيِّع يَا] رَسُولَ اللهِ؟! لاَ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لاَ تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا قَالَ: "يَا أَنَس، [كِتَابُ اللهِ الْقِصَاصُ، فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَعَفَوْا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ".
وروى مسلم، عن أنس: "أَنَّ أُخْتَ الرَّبِيعِ أُمَّ حَارِثَةَ، جَرَحَتْ إِنْسَاناً، فَاخْتَصمُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ ﷺ : "الْقِصَاصً"! فَقَالَتْ أُمُّ الرَّبِيعِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَقْتَصُّ مِنْ فُلانَةَ؟! [لا]، وَاللهِ لا تَقْتَصُّ [منها] [أبداً]؛ [فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "سُبْحَانَ اللهِ يَا أُمَّ الرَّبِيعِ، [الْقِصَاصُ] كِتَابُ اللهِ"! قَالَتْ: لا وَاللهِ لا تَقْتَصُّ مِنْهَا أَبَداً، قَالَ]: فَمَا زَالَتْ حَتَّى قَبِلُوا الدِّيَةَ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ".
وموضع الدليل منهما: أنه أخبر بأن كتاب الله موجب للقصاص في السن والجراحة، وليس لهما في الكتاب ذكر، إلا في هذه الآية.
وأما على قراءة الكسائي بالرفع في "العين" وما بعدها فظاهر؛ لأن ذلك يكون خارجاً عن الخبر إلى الأمر.
ومن السنة – [مع] ما ذكرناه – ما روى أبو داود في حديث طويل عن طاوس، وأبي عبيد مؤدبه – وهو محمد – أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ قَتَلَ عَمْداً فَهُوَ قَوَدٌ". زاد أبو [عبيد]: "قود يد"، ثم اتفقا: "وَمَنْ حَالَ دُونَهُ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَغَضَبُهُ لاَ يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلاَ عَدْلٌ".
стр. 7446
وروى أبو داود – أيضاً - أن النبي ﷺ قال في خطبة حجة الوداع: "أَلا إِنَّكُمْ مَعْشَرَ خُزَاعَةَ قَتَلْتُمْ هَذَا الْقَتِيلَ مِنْ هُذَيْلِ، وأنا عَاقِلُهُ، فَمَنْ قُتِلَ لَهُ بَعْدَ مَقَالَتِي هَذِهِ قَتِيلٌ، فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ: أَنْ يَاخُذُوا الْعَقْلَ، أَوْ يَقْتُلُوا" وقال الترمذي: إنه حسن صحيح.
والعقل: الدية، وأصله: أن القاتل كان إذا قتل قتيلاً جمع الدية من الإبل بعقلها بفناء أولياء المقتول؛ ليسلمها إليهم؛ فسميت الدية: عقلاً بالمصدر، يقال: عقل البعير بعقِله عَقْلاً، وكثر استعمال هذا الحرف حتى قالوا: عقلت المقتول: إذا أعطيت ديته دراهم أو دنانير.
قال: "لا يجب القصاص على صبي ولا معتوه"؛ لقوله – ﵇:"رُفِعَ
стр. 7447
القلمُ عن ثلاث ... " الخبر المشهور، ولأنهما غير مكلفين؛ فلم يجب عليهما القصاص كالبهيمة، ولأنه عقوبة؛ فلم تجب عليهما كالحدود.
قال: "ولا مُبَرْسم"؛ بالقياس على المعتوه.
قال: "ويجب على من زال عقله بمحرَّم"؛ لان زوال عقله به لا أمارة عليه، ولا يعرف حد ذلك، [و] لأنه لو لم يجب لأدى إلى ترك القصاص؛ فإنه لا يشاء يقتل إلا سكر حتى لا يقتص منه؛ وهذا ما جزم به القاضي أبو الطيب.
[قال]: قيل: فيه قولان:
وجه الوجوب – وهو الصحيح-: ما ذكرناه.
ووجه المنع: أنه زائل العقل؛ فكان كالمعتوه، وقد تقدم الكلام في أفعاله وأقواله في كتاب الطلاق.
والزائل العقل بسبب يعذر فيه: كمن شرب دواء فسكر منه، ثم قتل، أو أكره على شرب الخمر فسكر، ثم قتل- كالمعتوه.
فروع:
لو قال القاتل: كنت يوم القتل صغيراً، وكذبه ولي المقتول- فالمصدر باليمين القائل؛ بشرط الإمكان، ولو قال: أنا الآن صغير، فلا قصاص، ولا يحلف، قاله الرافعي.
وفي "الذخائر" نسبة ذلك إلى قول أبي الطيب، وأن أبا نصر وصاحب "الحاوي" حكيا عن المذهب: أن عليه اليمين، وأن الشاشي قال: إن الأول أصح.
وقال أبو إسحاق: تؤخر اليمين إلى أن يبلغ إذا أوجبناها، قال: وفيه نظر.
ولو قال: كنت مجنوناً عند القتل، وكان عُهِدَ له جنون – فهو المصدق.
وحكى الروياني وجهاً: أن المصدق الوارث إن [كان] الجنون الذي عهد له متقطعاً.
وفي "الحاوي" و"الشامل" و"الإبانة" وجه مطلق: [أنه] المصدق؛ لأن الأصل السلامة.
стр. 7448
وحكى القاضي أبو الطيب عن بعضهم القطع به، ثم قال: وليس بشيء، وقد تقدم [في باب: اللعان] مثل هذه الأوجه أقوالاً [فيما إذا] ادعى القاذف أنه قذفه وهو مجنون، وكذب فيه.
قال: "ولا يجب القصاص على المسلم بقتل الكافر"؛ لما روى البخاري، عن عليّ – كرم الله وجهه – عن النبي ﷺ قال: "لاَ يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ".
وفي رواية أبي داود والنسائي: "أَلا لا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ، وَلا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ".
قال أبو إسحاق: والنبي ﷺ ذكر هذه الزيادة؛ لأجل أن قوله: "لا يقتل مسلم بكافر" إغراء بقتل الكافرين؛ فاستثنى بها حقن دماء أهل الذمة.
ثم لا فرق في الكافر بين أن يكون حربيًّا أو مستأمناً أو معاهداً أو ذميًّا، أو ممن تمسك بدين بعض الأنبياء ولم تبلغه دعوة محمد ﷺ ؛ لعموم الخبر.
وفي "الوسيط" حكاية وجه: أن المسلم يقاد بمن لم تبلغه الدعوة إذا كان متمسكاً بدين بعض الأنبياء.
قال في "التتمة": وهو اختيار القفال.
وفي "الحلية": أنه روى عن الشافعي في "الإملاء": أن المسلم يقتل بالمستأمن.
فرع: إذا قتل ولي الكافر المسلم بغير [حكم حاكم]، قال الروياني عن والده: إن عليه القصاص، وإن كان خلاف العلماء فيه – بخلاف الوطء في النكاح بلا ولي- لا يوجب الحد؛ لأن القصاص لا يستوفي إلا بإذن الحاكم وإن كان متفقاً على وجوبه، ومن يبيح الوطء في النكاح لا يعتبر إذناً فيه.
وفي "الحاوي"، في كتاب حد الخمر: أن الإمام والجلاد إذا كانا يعتقدان عدم
стр. 7449
الجواز فالضمان واجب، لكن اختلف أصحابنا في وجوب القصاص على وجهين:
أحدهما- وهو قول ابن أبي هريرة -: أنه واجب؛ للنص.
والثاني: لا قود؛ لشبهة الاختلاف، ولأنه لو قتله بشهادة الزوايا، أو جلده في حد القذف بالتعريض، وهو لا يعتقد ذلك، فمات – فلا قود، والدية تجب.
قال: "ولا [على] الحر بقتل العبد"؛ لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨]؛ فاقتضى هذا الظاهر ألا يقتل حر بعبد، ويعضده ما رواه أبو داود، عن قتادة، عن الحسن قال: "لا يُقَادُ الْحُرُّ بِالعَبْدِ"، [وما رواه الدارقطني عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "لا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ]، يعني: سنة رسول الله ﷺ ، ولأن الحر لا يقطع طرفه بطرف العبد قصاصاً، وحرمة النفس أعظم؛ فالقصاص فيها أولى بالمنع.
стр. 7450
وحكم المدبر، والمعلق عتقه بصفة، والمكاتب، وأم الولد، ومن بعضه حر وبعضه رقيق – حكم الكامل الرق.
نعم، لو قتل من بعضه حر وبعضه رقيق من هو مثله – وجب عليه القصاص عند العراقيين من أصحابنا، وبه جزم الماوردي. وعند الخراسانيين والقاضي أبي الطيب، كما حكاه ابن الصباغ عن قوله في "المجرد": لا قصاص، واختاره القفال والمتأخرون؛ لأن كل جزء من القتيل يقابله جزء شائع من القاتل، من الحرية والرق؛ فيؤدي إلى استيفاء جزء من الحر بجزء من الرقيق، وهو مقتضى التوزيع المذكور في "مُدّ عَجُوَة"، ومما يدل على الشيوع: أن من نصفه حر ونصفه عبد لو قتل مثله، وآل الأمر إلى المال – كان الواجب على القاتل ربع دية المقتول وربع قيمته، [وتعلق بالنصف الرقيق منه ربع دية المقتول وربع قيمته]، ولا نقول: مقدار القيمة [من الجزء الرقيق يتعلق بمقدار الرقيق من الجاني ومقدار الدية] يتعلق بقدر الحر من الجاني,
قال: "فإن جرح الكافر كافراً"، أي: غير حربي، "ثم أسلم الجارح ومات المجروح، أو جرح العبد عبداً، ثم أعتق الجارح"، أي: ومات المجروح- "وجب عليه القود"؛ لأنه وجد التكافؤ حالة الجرح المفضي إلى الهلاك؛ فكان الاعتبار بها فإنها حالة الفعل الداخل تحت الاختيار؛ ولهذا نقول: لو جن الجارح، ثم مات المجروح – يجب [عليه] القصاص، وقد جزم بهذا بعضهم كالشيخ، ورجحه آخرون، ووراءه قول حكاه القاضي الحسين في الصورتين، وادعى ابن يونس أنه غير معروف في الأولى، وأثبته الإمام والمتولي وجماعة وجهاً، وادعوا أنه الصحيح؛ لأن القصاص إنما يجب وقت زهوق الروح؛ بدليل ما لو جرح مسلم مسلماً، ثم ارتد المجروح، ومات – فإنه لا يجب القصاص، [و] إذا كان كذلك فالجارح في تلك الحالة مسلم [أو حر].
ثم محل الخلاف في المسألة الثانية – عند المراوزة – إذا كان العبدان مسلمين، وسيد المجروح مسلماً حالة موته، أما لو كان ذميًّا: فإن قلنا في المسلم
стр. 7451
بعدم القصاص فهاهنا أولى، وإلا فوجهان:
وجه المنع: أن المستحق القصاص كافر، وقد طرده بعض الأصحاب فيما إذا قتل الذمي ذميًّا، ثم أسلم القاتل، ومستحق القصاص ذمي، كما حكاه مجلي عن "تعليق" إلكيا، وإن كان شيخه أبو المعالي الجويني جزم باستحقاق القصاص في هذه الصورة.
وعلى وجه الجواز – وهو الصحيح – ليس للكافر استيفاء القصاص بنفسه، بل الحاكم يستوفيه له؛ وكذا عند إسلام القاتل الذميّ.
فرع: إذا قتل الذمي ذميًّا، ثم أسلم القاتل، وقلنا بوجوب القصاص، فمات المستحق للقصاص، ووارثه كافر – فهل ينتقل حق القصاص إليه؟ فيه وجهان عند المراوزة، وأصحهما: الانتقال [إليه].
تنبيه: القود: بفتح القاف والواو، مأخوذ من [قود] المستقيد الجاني بحبل وغيره؛ ليقتصّ منه، و"والقود" و"القصاص": بمعنّى.
الجرح – [بفتح الجيم – مصدر جرحه يجرحه جرحاً، والجرح – بضمها-: الاسم، وجمعه: جروح، و"الجراحة" بمعنى: الجرح] وجمعها: جراح-[بالكسر – ورجل جريح وامرأة جريح،] ورجال ونسوة جرحى.
قال: "وإن قتل حر عبداً، أو مسلم ذميًّا، ثم قامت البينة انه كان قد أسلم، أو أعتق – ففي القود قولان".
وجه الوجوب: وجود القتل [العمد] المحض العدوان [من] المكافئ حالة القتل، وهذا هو الأصح، قال الرافعي: وفي كلام بعضهم ما يشير إلى القطع به.
ووجه المنع: أنه لم يقصد قتل من يكافئه، والقصاص يسقط بالشبهة الممكنة والظن، وهذا ما نص عليه في "المختصر".
[والأول مخرج من نص الشافعي في "المختصر"] و"الأم" على وجوب القصاص فيما إذا قتل من عهده مرتداً، وظن أنه لم يسلم، وكان قد أسلم؛ كما
стр. 7452
خُرِّج من نصه هنا إلى ثَمَّ قولٌ بعدم وجوب القصاص.
وقال الماوردي: إنه نص عليه في بعض كتبه، أعني: في المرتد، كما سنذكره في بابه، وقد أقر بعض الأصحاب النصين، وفرق بأن المرتد يحبس في دار الإسلام ولا يخلي، فقاتله في حالة تخليته مقصر، بخلاف العبد والذميّ. ثم على القول بسقوط القصاص: لو ادعى الجاني ذلك، وقال له الولي: بل عرفت الحال – فالقول قول الجاني.
فرعان:
إذا قتل من عهده حربيًّا، وظن أنه لم يسلم، وقد كان أسلم – فمن الأصحاب من جعله كالمرتد، ومنهم من قطع بأنه لا قصاص، وفرق بأن المرتد لا يخلي، والحربي قد يخلي بالمهادنة، وفرق بينه وبين الذميّ والعبد: بأن الظن هناك لا يقتضي الحد والإهدار، وهنا بخلافه، والقول بسقوط القصاص موافق لما جزم به البندنيجي فيما إذا أتانا جماعة من البغاة تائبين، فأمنهم السلطان، [فقتل رجل من أهل العدل رجلاً منهم، وادعى جهالته بأمان السلطان] ورجوعهم عن رأيه – فالقول قوله مع يمينه، ولا قود عليه، وعليه الدية.
وقد حكى الإمام القولين في وجوب القصاص فيما إذا قتل الرجل إنساناً على زِيّ الكفار [رآه] في دار الإسلام، وقال: إذا لم نوجب القصاص فهل تجب الدية عليه، أم على العاقلة؟ فيه قولان، [فإن] ضربناها عليهم، فلا شك في تأجيلها، والرأي الظاهر: أنها مغلظة كدية شبه العمد، ومن أصحابنا من ألحقها بالخطأ المحض، قال ذلك في باب قتال أهل البغي.
[الثاني]: إذا ظنه قاتل أبيه؛ فقتله، وبان خلافه – ففي وجوب
стр. 7453
القصاص قولان، أظهرهما: الوجوب، ومحلهما – عند قوم – إذا تنازعا، أما إذا صدقه ولي الدم فلا قصاص بلا خلاف وعند آخرين طردهما في الحالين؛ لانه ظن من غير مستند شرعي.
قال:"وإن جنى حر على رجل لا يعرف رقُّه وحريته، فقال الجاني: هو عبد، وقال المجني عليه: [بل أنا] حر – فالقول قول المجني عليه"؛ لأن الأصل في الآدمي الحرية، "وقيل: فيه قولان":
وجه قبول قول المجني [عليه]: ما ذكرناه.
ووجه قبول قول الجاني: أن الأصل براءة ذمته، وهذه المسألة قد تقدم الكلام فيها في اللقيط؛ فليطلب منه.
قال: "ولا يجب القصاص على الأب والجد"، أي: [من الجهتين]، "ولا على الأم والجدة"، أي: من الجهتين "بقتل الولد، وولد الولد"، ووجهه في [الأب]: ما روى الترمذي، عن سراقة بن مالك قال: "حَضَرْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُقِيدُ الأَبَ مِنَ ابْنِهِ، وَلا يُقِيدُ الابْن مِنْ أَبِيهِ".
وروى – أيضاً – عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "لا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَلا يُقْتَلُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ"، وأخرجه الدارقطني.
стр. 7454
وروي عن عمرو بن العاص:"أن رجلاً من بني مدلج أولد جارية له ابناً، وكان يستخدمها، فلما شب الغلام قال: إلى [متى] تستأمي أمي – أي: تستخدمها خدمة الإماء – فغضب؛ فحذفه بسيفٍ فأصاب رجله؛ فقطعها ومات؛ فانطلق في رهط إلى عمر فقال: يا عدو نفسه، أنت الذي قتلت ابنك؟! لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لاَ يُقَادُ الأَبُ مِنَ ابْنِهِ لَقَتَلْتُكَ"، ولأن الوالد سبب [في] وجوده؛ فلا يحسن أن يصير الولد سبباً في إعدامه.
ووجهه – فيمن عدا الأب – القياس على الأب؛ لأنهم في معناه [في] العتق [عليه، ووجوب] النفقة، ورد الشهادة؛ فكذلك هنا.
стр. 7455
وعن رواية صاحب "التلخيص" وأبي الطيب بن سلمة قول بوجوب القصاص على الأجداد والجدات. قال الإمام: وهو غريب، رده الأصحاب، ولم يقبلوه منصوصاً ولا مخرجاً، ولعله أخذ من قول الشافعي في الرجوع في الهبة أنه يختص بالأبوين، وليس هذا على وجهه؛ فإن اللائق بالهبة: منع الرجوع، والاقتصار على مورد الخبر، واللائق بالقصاص – إذا تمهد ما يدرأ العقوبة- أن لا تخصيص.
وحكى الإمام عن بعض أئمة المذهب: أن القصاص يجب على الأب ويسقط؛ لزعمهم أن سبب الوجوب التساوي، مع كون القتل موجباً للقصاص، ولكن يتعذر استيفاؤه، وهذا من حشو الكلام؛ فإن المانع من الاستيفاء مانع من الوجوب، ولا فرق – فيما ذكرناه – بين أن يتساوى الولد والوالد في الحرية والرق والإسلام والكفر، أو يختلفا.
فرعان:
أحدهما: لو حكم حاكم بقتل الوالد بالولد نقض حكمه.
الثاني: لو تنازع رجلان في نسب لقيط، فادعى كل منهما أنه ابنه – فإنه يرى القائف، فإذا اشتبه عليه، ثم قتله أحدهما قبل بلوغه – لم يقتل به؛ لأن الشبهة قائمة. [نعم]، لو قال بعد ذلك: ليس هذا ابني، وبقي الآخر على دعواه البنوة – قتل به جزماً عند العراقيين والماوردي والبغوي، وبناه الفوراني على أن نسبه يلتحق بالآخر بمجرد إنكار المنازع، كما هو قول الشافعي، [أما إذا] قلنا: لا يلتحق بالآخر بمجرد الإنكار، فلا يجب القصاص؛ كما لو وطئ رجلان امرأة، فأتت بولد يمكن أن يكون منهما، وأشكل على القائف أمره، فقتله أحدهما قبل بلوغه، وادعى أنه ليس بابن له؛ فإنه لا يجب [عليه] القصاص؛ لأن إنكاره لا يلحق نسبه بالآخر، على أن صاحب "التهذيب" حكى وجهاً في هذه الحالة بوجوب القصاص؛ كما في اللقيط.
стр. 7456
ولو رجع المقران بنسب اللقيط عن دعواهما، ثم قتلاه، أو أحدهما- لم يجب قصاص.
قال الماوردي: لأنه قد صار بدعواهما مستحقًّا لأبوة أحدهما، فإذا رجعا عنها صارا متفقين على إسقاط أبوته؛ فلم يقبل منهما، وإذا لم يقبل [منهما] رجوعهما بقيت الشبهة.
ولو اشترك المدعيان النسب المجهول في القتل، وكان قد ألحقه القائف بأحدهما- قُتِل شريكه على الأصح.
وعن القاضي ابن كج رواية وجه: أنه لا يقتص منه؛ لأن إلحاق القائف مبني على المارات والأشباه؛ فهو ضعيف، فلا يناط به القصاص؛ إذ هو يسقط بالشبهات؛ بخلاف اللحوق بالفراش.
قال:"وإن وجب القصاص على رجل، فورث القصاص ولده- لم يستوف"؛ لأنه إذا لم يستوف منه بجنايته على الولد، كان أولى ألا يستوفيه الولد.
ثم صورة المسألة: أن يقتل [ولد] عتيق ولده؛ بكما صوره] الفوراني، أو عتيق زوجته، وله منها ولد، ثم يموت العتيق، أو الزوجة بعد بينونتها منه وقبل استيفاء القصاص، وكما لا يجب عليه إذا ورثه القاتل، وصورته: أن يقتل ابن زوجته، ثم يموت؛ فينتقل [إليه منه] النصف أو الربع، أو أقل من ذلك، ويسقط القصاص؛ لعدم إمكان تحريه.
تنبيه: كلام الشيخ مصرح بأن الابن يرث القصاص الواجب على أبيه، لكنه يسقط، والقياس يقتضي عدم إرثه؛ لأن المسقط له – وهو البنوة – قارن سبب الملك، والشيء إذا قطع الدوام منع الابتداء، لكن [لو] صير
стр. 7457
إلى هذا لاقتضى إيجاب القصاص على الأب؛ فإن الابن إذا لم يرثه على أبيه خرج عن أن يكون وارثاً له، وإذا لم يرثه ورثه غيره؛ فيستوفيه، والمصير إلى هذا، مع ان الابن بصفة الوارثة مستنكر، وقد اغتفر مثل ذلك في جريان ملك الرجل ابنه، ما لم يتصور العتق إلا في ملك، وقدر الملك؛ ليترتب عليه العتق.
وحكى الإمام عن شيخه – بعد تقرير هذه المباحثة- أنه كان يميل إلى أن من قتل من وارثه الابن لم يجب القصاص؛ لامتناع الوراثة، مع استجماع الابن شرائط الوراثة.
قال: "وإن قتل المرتد ذميًّا – ففيه قولان"، أي: منصوصان، كما قاله المحاملي.
وجه وجوب القصاص، وهو الصحيح، والذي قال الشافعي فيه: إنه أولى القولين – أنهما كافران؛ فجرى القصاص بينهما كالوثنيين، ولأن المرتد أسوأ حالاً من الذميّ؛ لأنه مهدر الدمن ولا تحل ذبيحته، ولا يقر بالجزية؛ فأولى أن يقتل بالذميّ الثابت له ذلك، ولا فرق – على هذا – بين أن يعود إلى الإسلام أو لأن ويجيء مما تقدم فيما إذا عاد إلى الإسلام وجه: أنه يسقط.
ووجه عدم الوجوب: بقاء حرمة الإسلام في المرتد؛ [بدليل] وجوب قضاء الصلوات والصوم عليه، وأخذ الزكاة من ماله، وتحريم استرقاقه، وتحريم
стр. 7458
نكاح الذمي المرتدة، فعلى هذا تجب الدية: فإن رجع إلى الإسلام تعلقت [بذمته، وإن مات أو قتل على الردة تعلقت] بماله، وقد بنى الإمام الخلاف في المسألة على الخلاف الآتي في المسألة الثانية؛ فقال: إن قلنا: إن الذميّ لا يقتل بالمرتد، فالمرتد مقتول بالذميّ، وإن قلنا: الذميّ مقتول بالمرتد، فهل يقتل المرتد بالذميّ؟ فعلى قولين. وهذا فيه نظر؛ لأن الخلاف الآتي – كما حكاه الماوردي والقاضي أبو الطيب والمحاملي وغيرهم – محكي عن الأصحاب وجهين، ولا يمكن بناء قولين على وجهين. نعم لو عكس البناء – كما سنذكره عن القاضي الحسين – لكان أنسب.
وطريق الجواب عن هذا: أن الإمام حكى أن العراقيين حكوا الخلاف الآتي قولين، وحينئذ إن صح هذا فلا اعتراض.
قال:"وإن قتل ذميّ مرتدًّا فقد قيل: يجب القولد"؛ لأن الذميّ يقتله عناداً، لا تديناً؛ فأشبه ما لو قتل مسلماً، وهذا ما اختاره ابن أبي هريرة، وعلى هذا فيستوفي القصاص الإمام أو من ينوب عنه؛ كما قاله الشيخ أبو عليّ، وحكى قولاً بعيداً أن حق الاستيفاء يثبت لورثته أن لو مات مسلماً.
[قال الإمام: وهذا يمكن تخريجه من مسألة ستأتي وهي أن المسلم إذا قطع يد مسلم]، ثم ارتد المجروح، ومات مرتدًّا – فإن الشافعي قال: لأوليائه القصاص في الطرف، ولو عفا مستحق القصاص وجبت الدية، وفي قدرها وجهان:
أحدهما: دية مسلم؛ لبقاء علقة الإسلام عليه.
والثاني – وبه جزم في "التهذيب"، والبندنيجي -: أخس الديات، وهي دية المجوسي؛ لأنه لا دين له.
قال: "وقيل: لا يجب"؛ لأن المرتد مهدر الدم كالحربي، وإيجاب القصاص على القاتل المعصوم بقتل المهدر بعيد، وكما هذا لا تجب الدية، وهذا قول أبي إسحاق المروزي، وهو الذي صححه المحاملي
стр. 7459
والقاضي أبو الطيب والبغوي وغيرهم، وقد بنى القاضي الحسين هذا الخلاف على العلتين؛ لإيجاب القصاص في المسألة السابقة؛ فقال: إن قلنا: العلة ثم استواؤهما في الكفر، وجب القصاص هنا، وإن قلنا: العلة ثم كون القاتل مهدر الدم والمقتول معصوم الدم، فلا يجب هاهنا.
وقيل: إن قتله عمداً وجب القصاص، وإن قتله خطأ فلا دية، وهذا ما نسبه الإمام وأبو الطيب والشيخ في "المهذب" والبغوي إلى تخريج الإصطخري، والبندنيجي والماوردي إلى أبي الطيب بن سلمة، وقال: إنه لو عفا عن القود لا تجب له الدية، ثم قال: ولو عكس ما قاله ابن سلمة لكان أشبه، [و] لأن وجوب القود أغلظ من وجوب الدية؛ لأن عمد الخطأ يوجبها ولا يوجبه؛ فلو قال: إن الدية واجبة لبيت المال، دون القود – لكان أشبه بالأصول.
فروع:
[لو قتل المرتد مرتدًّا]، فظاهر المذهب: أنه مقتول به؛ لاستوائهما في كل معنى، وأبعد بعض أصحابنا؛ فقال: لا قصاص عليه؛ لأن المقتول هدر. قال الإمام: وهذا له اتجاه، وإن كان بعيداً.
إذا قتل الذميّ مسلماً زانياً محصناً وجب عليه القصاص جزماً، وكذا لو قتله مرتد، صرح به في "التتمة".
وقال القاضي الحسين: فيه جوابان [جاريان] فيما لو قتل تارك الصلاة مثله.
واعلم أن ممن لا يجب عليه القصاص: الحربي، ولم يذكره الشيخ، بل كلامه يقتضي وجوبه عليه؛ لأنه لما حضر من لا يجب عليه القصاص تبين به من يجب عليه، وهو من عداه، على أن أبا الحسن العبادي حكى أن الأستاذ أبا إسحاق الأسفراييني ذهب إلى أنه يجب على الحربي ضمان النفس والمال؛ تخريجاً على أن الكفار مخاطبون بالشرائع، قال: ويعزى إلى المزني في "المنثور"، [وقد حكاه عن رواية المزني في "المنثور"] – أيضاً- في المال،
стр. 7460
القاضي الحسين في كتاب السير، وخصه بما إذا عقدنا له الذمة، فلعل الشيخ اختاره – والله أعلم.
قال:"ولو قطع مسلم يد مسلم، ثم ارتد المجني عليه، ورجع إلى الإسلام، ومات"؛ أي: من القطع، "ولم يمض عليه [في] الردة زمان يسري فيه الجرح، [ففيه قولان، أصحهما: أنه يجب القود"؛ لأن زمان الردة لم يسر فيه الجرح]؛ فكان وجوده كعدمه، وعلى هذا من يستوفيه؟ سنذكره.
ووجه المنع: أنه أتت عليه حالة لو مات فيها لم يجب القصاص؛ فسقط، ولم يعد وجوبه بعد ذلك؛ كما لو ارتدت المبتوتة في المرض، ثم أسلمت قبل موت زوجها – لم ترثه؛ لأنها لو ماتت في ردتها لم ترثه، وهذا ما رجحه الشيخ أبو حامد والإمام وغيرهما؛ كما حكاه الرافعي، وقد وافق الشيخ على تصحيح الأول: المحاملي، والقاضي أبو الطيب، وصاحب "المرشد".
ثم هذان القولان كالقولين اللذين ذكرهما الشافعي في "الأم" – كما حكاه الأكثرون – فيما إذا قطع ذميّ يد مستأمن؛ فلحق المجني عليه بدار الحرب، ثم عاد إلى الإسلام، ثم مات من قطع اليد – في أن القصاص هل يجب عليه، أم لا؟ أما إذا مضى عليه في الردة زمان يسري فيه الجرح فلا قصاص عند الجمهور؛ لأنه اجتمع موجب ومسقط، فغلب حكم المسقط؛ كما لو جرحه جرحين: أحدهما عمد، والآخر خطأ.
وعن ابن سريج وابن سلمة وابن الوكيل طرد القولين السابقين في هذه الحالة – أيضاً – وهو قضية كلام الإمام والقاضي ابن كج؛ فإنهما حكيا أن الشافعي – أيضاً – وهو قضية كلام الإمام والقاضي ابن كج؛ فإنهما حكيا أن الشافعي نص في مسألة الكتاب على أن لا قصاص، وأن الصيدلاني وغيره حكوا نصه في مسالة الذميّ والمستأمن على وجوب [القصاص]، وأن من الأصحاب من جعل – لأجل ذلك – في المسألتين طريقين:
أحدهما: حكاية قولين في المسألتين.
следующие страницы →