Полный текст (9 685 стр.). Показаны 7456–7495 · переход к 7461.
стр. 7456
ولو رجع المقران بنسب اللقيط عن دعواهما، ثم قتلاه، أو أحدهما- لم يجب قصاص.
قال الماوردي: لأنه قد صار بدعواهما مستحقًّا لأبوة أحدهما، فإذا رجعا عنها صارا متفقين على إسقاط أبوته؛ فلم يقبل منهما، وإذا لم يقبل [منهما] رجوعهما بقيت الشبهة.
ولو اشترك المدعيان النسب المجهول في القتل، وكان قد ألحقه القائف بأحدهما- قُتِل شريكه على الأصح.
وعن القاضي ابن كج رواية وجه: أنه لا يقتص منه؛ لأن إلحاق القائف مبني على المارات والأشباه؛ فهو ضعيف، فلا يناط به القصاص؛ إذ هو يسقط بالشبهات؛ بخلاف اللحوق بالفراش.
قال:"وإن وجب القصاص على رجل، فورث القصاص ولده- لم يستوف"؛ لأنه إذا لم يستوف منه بجنايته على الولد، كان أولى ألا يستوفيه الولد.
ثم صورة المسألة: أن يقتل [ولد] عتيق ولده؛ بكما صوره] الفوراني، أو عتيق زوجته، وله منها ولد، ثم يموت العتيق، أو الزوجة بعد بينونتها منه وقبل استيفاء القصاص، وكما لا يجب عليه إذا ورثه القاتل، وصورته: أن يقتل ابن زوجته، ثم يموت؛ فينتقل [إليه منه] النصف أو الربع، أو أقل من ذلك، ويسقط القصاص؛ لعدم إمكان تحريه.
تنبيه: كلام الشيخ مصرح بأن الابن يرث القصاص الواجب على أبيه، لكنه يسقط، والقياس يقتضي عدم إرثه؛ لأن المسقط له – وهو البنوة – قارن سبب الملك، والشيء إذا قطع الدوام منع الابتداء، لكن [لو] صير
стр. 7457
إلى هذا لاقتضى إيجاب القصاص على الأب؛ فإن الابن إذا لم يرثه على أبيه خرج عن أن يكون وارثاً له، وإذا لم يرثه ورثه غيره؛ فيستوفيه، والمصير إلى هذا، مع ان الابن بصفة الوارثة مستنكر، وقد اغتفر مثل ذلك في جريان ملك الرجل ابنه، ما لم يتصور العتق إلا في ملك، وقدر الملك؛ ليترتب عليه العتق.
وحكى الإمام عن شيخه – بعد تقرير هذه المباحثة- أنه كان يميل إلى أن من قتل من وارثه الابن لم يجب القصاص؛ لامتناع الوراثة، مع استجماع الابن شرائط الوراثة.
قال: "وإن قتل المرتد ذميًّا – ففيه قولان"، أي: منصوصان، كما قاله المحاملي.
وجه وجوب القصاص، وهو الصحيح، والذي قال الشافعي فيه: إنه أولى القولين – أنهما كافران؛ فجرى القصاص بينهما كالوثنيين، ولأن المرتد أسوأ حالاً من الذميّ؛ لأنه مهدر الدمن ولا تحل ذبيحته، ولا يقر بالجزية؛ فأولى أن يقتل بالذميّ الثابت له ذلك، ولا فرق – على هذا – بين أن يعود إلى الإسلام أو لأن ويجيء مما تقدم فيما إذا عاد إلى الإسلام وجه: أنه يسقط.
ووجه عدم الوجوب: بقاء حرمة الإسلام في المرتد؛ [بدليل] وجوب قضاء الصلوات والصوم عليه، وأخذ الزكاة من ماله، وتحريم استرقاقه، وتحريم
стр. 7458
نكاح الذمي المرتدة، فعلى هذا تجب الدية: فإن رجع إلى الإسلام تعلقت [بذمته، وإن مات أو قتل على الردة تعلقت] بماله، وقد بنى الإمام الخلاف في المسألة على الخلاف الآتي في المسألة الثانية؛ فقال: إن قلنا: إن الذميّ لا يقتل بالمرتد، فالمرتد مقتول بالذميّ، وإن قلنا: الذميّ مقتول بالمرتد، فهل يقتل المرتد بالذميّ؟ فعلى قولين. وهذا فيه نظر؛ لأن الخلاف الآتي – كما حكاه الماوردي والقاضي أبو الطيب والمحاملي وغيرهم – محكي عن الأصحاب وجهين، ولا يمكن بناء قولين على وجهين. نعم لو عكس البناء – كما سنذكره عن القاضي الحسين – لكان أنسب.
وطريق الجواب عن هذا: أن الإمام حكى أن العراقيين حكوا الخلاف الآتي قولين، وحينئذ إن صح هذا فلا اعتراض.
قال:"وإن قتل ذميّ مرتدًّا فقد قيل: يجب القولد"؛ لأن الذميّ يقتله عناداً، لا تديناً؛ فأشبه ما لو قتل مسلماً، وهذا ما اختاره ابن أبي هريرة، وعلى هذا فيستوفي القصاص الإمام أو من ينوب عنه؛ كما قاله الشيخ أبو عليّ، وحكى قولاً بعيداً أن حق الاستيفاء يثبت لورثته أن لو مات مسلماً.
[قال الإمام: وهذا يمكن تخريجه من مسألة ستأتي وهي أن المسلم إذا قطع يد مسلم]، ثم ارتد المجروح، ومات مرتدًّا – فإن الشافعي قال: لأوليائه القصاص في الطرف، ولو عفا مستحق القصاص وجبت الدية، وفي قدرها وجهان:
أحدهما: دية مسلم؛ لبقاء علقة الإسلام عليه.
والثاني – وبه جزم في "التهذيب"، والبندنيجي -: أخس الديات، وهي دية المجوسي؛ لأنه لا دين له.
قال: "وقيل: لا يجب"؛ لأن المرتد مهدر الدم كالحربي، وإيجاب القصاص على القاتل المعصوم بقتل المهدر بعيد، وكما هذا لا تجب الدية، وهذا قول أبي إسحاق المروزي، وهو الذي صححه المحاملي
стр. 7459
والقاضي أبو الطيب والبغوي وغيرهم، وقد بنى القاضي الحسين هذا الخلاف على العلتين؛ لإيجاب القصاص في المسألة السابقة؛ فقال: إن قلنا: العلة ثم استواؤهما في الكفر، وجب القصاص هنا، وإن قلنا: العلة ثم كون القاتل مهدر الدم والمقتول معصوم الدم، فلا يجب هاهنا.
وقيل: إن قتله عمداً وجب القصاص، وإن قتله خطأ فلا دية، وهذا ما نسبه الإمام وأبو الطيب والشيخ في "المهذب" والبغوي إلى تخريج الإصطخري، والبندنيجي والماوردي إلى أبي الطيب بن سلمة، وقال: إنه لو عفا عن القود لا تجب له الدية، ثم قال: ولو عكس ما قاله ابن سلمة لكان أشبه، [و] لأن وجوب القود أغلظ من وجوب الدية؛ لأن عمد الخطأ يوجبها ولا يوجبه؛ فلو قال: إن الدية واجبة لبيت المال، دون القود – لكان أشبه بالأصول.
فروع:
[لو قتل المرتد مرتدًّا]، فظاهر المذهب: أنه مقتول به؛ لاستوائهما في كل معنى، وأبعد بعض أصحابنا؛ فقال: لا قصاص عليه؛ لأن المقتول هدر. قال الإمام: وهذا له اتجاه، وإن كان بعيداً.
إذا قتل الذميّ مسلماً زانياً محصناً وجب عليه القصاص جزماً، وكذا لو قتله مرتد، صرح به في "التتمة".
وقال القاضي الحسين: فيه جوابان [جاريان] فيما لو قتل تارك الصلاة مثله.
واعلم أن ممن لا يجب عليه القصاص: الحربي، ولم يذكره الشيخ، بل كلامه يقتضي وجوبه عليه؛ لأنه لما حضر من لا يجب عليه القصاص تبين به من يجب عليه، وهو من عداه، على أن أبا الحسن العبادي حكى أن الأستاذ أبا إسحاق الأسفراييني ذهب إلى أنه يجب على الحربي ضمان النفس والمال؛ تخريجاً على أن الكفار مخاطبون بالشرائع، قال: ويعزى إلى المزني في "المنثور"، [وقد حكاه عن رواية المزني في "المنثور"] – أيضاً- في المال،
стр. 7460
القاضي الحسين في كتاب السير، وخصه بما إذا عقدنا له الذمة، فلعل الشيخ اختاره – والله أعلم.
قال:"ولو قطع مسلم يد مسلم، ثم ارتد المجني عليه، ورجع إلى الإسلام، ومات"؛ أي: من القطع، "ولم يمض عليه [في] الردة زمان يسري فيه الجرح، [ففيه قولان، أصحهما: أنه يجب القود"؛ لأن زمان الردة لم يسر فيه الجرح]؛ فكان وجوده كعدمه، وعلى هذا من يستوفيه؟ سنذكره.
ووجه المنع: أنه أتت عليه حالة لو مات فيها لم يجب القصاص؛ فسقط، ولم يعد وجوبه بعد ذلك؛ كما لو ارتدت المبتوتة في المرض، ثم أسلمت قبل موت زوجها – لم ترثه؛ لأنها لو ماتت في ردتها لم ترثه، وهذا ما رجحه الشيخ أبو حامد والإمام وغيرهما؛ كما حكاه الرافعي، وقد وافق الشيخ على تصحيح الأول: المحاملي، والقاضي أبو الطيب، وصاحب "المرشد".
ثم هذان القولان كالقولين اللذين ذكرهما الشافعي في "الأم" – كما حكاه الأكثرون – فيما إذا قطع ذميّ يد مستأمن؛ فلحق المجني عليه بدار الحرب، ثم عاد إلى الإسلام، ثم مات من قطع اليد – في أن القصاص هل يجب عليه، أم لا؟ أما إذا مضى عليه في الردة زمان يسري فيه الجرح فلا قصاص عند الجمهور؛ لأنه اجتمع موجب ومسقط، فغلب حكم المسقط؛ كما لو جرحه جرحين: أحدهما عمد، والآخر خطأ.
وعن ابن سريج وابن سلمة وابن الوكيل طرد القولين السابقين في هذه الحالة – أيضاً – وهو قضية كلام الإمام والقاضي ابن كج؛ فإنهما حكيا أن الشافعي – أيضاً – وهو قضية كلام الإمام والقاضي ابن كج؛ فإنهما حكيا أن الشافعي نص في مسألة الكتاب على أن لا قصاص، وأن الصيدلاني وغيره حكوا نصه في مسالة الذميّ والمستأمن على وجوب [القصاص]، وأن من الأصحاب من جعل – لأجل ذلك – في المسألتين طريقين:
أحدهما: حكاية قولين في المسألتين.
стр. 7461
قال الإمام: وأقيسهما تقرير النصين، وحملهما على حالين:
فحيث قال: لا يجب، فذاك إذا طالت مدة الإهدار؛ بحيث يظهر أثر السراية، ويجعل له وقع واعتبار.
وحيث قال: يجب، فذاك إذا قصرت المدة؛ بحيث لا يجعل للسراية فيها اعتبار ووقع، وقد حكى الصيدلاني أن القفال قال: القولان مبنيان على ما إذا اذهب الروح بجناية مضمونة واقعة عمداً، وجناية عمد غير مضمونة، كما إذا قتله حربي ومسلم، أو مسلم وسبع.
ووجه التقريب: أن السراية في حال الهدر لها حكم العمد، ولكن لا ضمان فيها والجراحة والسراية في الطرفين لهما حكم العمد والضمان.
قال الإمام: وهذه هفوة عظيمة؛ فإنا إذا قدرنا السراية في حال الهدر بمنزلة العمد الذي لا ضمان فيه، فهي مضافة إلى الجاني العامد الضامن. ولو صدرت من واحد جناية عمداً مضمونة، وجناية عمداً غير مضمونة، ومات منهما – لم يجب عليه القصاص اتفاقاً، فقياس هذا البناء: ألا يجب [القصاص] جزماً، وهذا حكم القصاص، [أما حكم] الدية – فتجب في الصورتين إذا آل الأمر إلى المال، وإذا وجبت وجبت الكفارة [أيضاً] وهذا القول لم يحكه الفوراني.
وقيل في الصورة الثانية قول آخر، [وادعى الإمام أنه ظاهر النص]: إن الواجب نصف الدية، وصححه في "التهذيب"، وعلى هذا تجب الكفارة أيضاً، والذي صححه المحاملي الأول.
وقيل: يجب ثلثا الدية، وهذا ما نسبه الإمام وغيره إلى تخريج ابن سريج.
وحكى الماوردي قولاً: أنه يجب أرش الجراح، ويسقط ضمان السراية؛ لأن سراية الإسلام حادثة عن سراية الردة؛ فصارت تبعاً لها في سقوط الضمان.
قال: وعلى هذا لا كفارة عليه؛ لأنه – على هذا القول – جارح، وليس بقاتل.
وعن الطبري أنه [يجب] أقل الأمرين من أرش الجناية، وجميع الدية، وقد
стр. 7462
حكاه الفوراني أيضاً، والأقل في صورة الكتاب نصف الدية، وقد يكون الأقل كل الدية؛ كما إذا قطع يديه ورجليه، وعلى هذا يظهر إن كان الأقل أرش الجناية فلا كفارة، وإن كان دية النفس وجبت، وقد حكى الإمام طريقة طاردة للأوجه الثلاثة الأول في الصورة الأولى أيضاً، والأكثرون على الطريقة الأولى، ثم كلام الإمام والبغوي والفوراني مصرح بأن الخلاف المذكور إنما يجري إذا قلنا بعدم وجود القصاص، [أما إذا أوجبنا القصاص] فعفا وجب كمال الدية، ولفظ الإمام: ولا شك فيه.
وفي "الرافعي": أن الإمام قال: إذا أوجبنا القصاص، فآل الأمر إلى المال – تضرب على العاقلة؟
ذكر العراقيون [فيه] وجهين:
أحدهما: لا يضرب عليها إلا نصف الدية؛ فإنه قد جرى [ارتداد في الأثناء. وهذا زلل غير معتد به؛ فإن الردة لو اعتبرناها لما أوجبنا الدية] بكمالها.
والثاني: أنا نضرب الدية بكمالها على العاقلة.
فرع: لو رمى إلى مسلم، فارتد وعاد إلى الإسلام، ثم أصابه السهم – فالمشهور: أنه لا قصاص.
قال الإمام: ويجيء فيه قول آخر: أنه يجب؛ لأنا ذكرنا فيما إذا تخلل المهدر بين الجرح والموت قولاً: أنه يجب القصاص، مع أن الجراحة تؤثر [وتؤلم] حالة الإهدار؛ فصورة الرمي أولى بإثبات الخلاف.
وأيضاً: فإن الشيخ أبا عليّ حكى قولاً، فيما إذا رمى سهماً إلى صيد، وارتد
стр. 7463
وعاد إلى الإسلام، ثم أصاب السهم إنساناً - أن الدية تضرب على عاقلته للمسلمين، ويكتفي بإسلامه في الطرفين، والحكم عند الأصحاب في تحمل العقل والقصاص [واحد].
قال:"وإن مات من الجرح في الردة وجب القصاص في الطرف في أصح القولين"؛ [لأن] القصاص في الطرف يجب حالة قطعه وجوباً مستقرًّا، فلا يؤثر فيه ما يطرأ عليه؛ ألا ترى أنه إذا قطع يده، ثم قتله من لا يقاد به؛ فإنه لا يسقط القصاص في الطرف، وإن سقط في النفس؟! وهذا هو المنصوص في "المختصر" و"الأم" [كما حكاه الماوردي، وبه جزم الفوراني.
ووجه مقابله]- وهو [المحكي عن نص له في "الأم"]-: أن الطرف تبع للنفس إذا صارت الجناية قتلاً، فإذا لم يجب قصاص النفس لم يجب قصاص الطرف؛ ولذلك لو قطع طرف إنسان؛ فمات منه، فعفا وليه عن قصاص النفس - لم يكن له أن يقتص في الطرف، وقصاص النفس في مسألتنا ساقط اتفاقاً؛ فكذلك قصاص الطرف، وهذا ما يحكي عن اختيار ابن سريج، ومنهم من لم يجعل هذا القول منصوصاً، وإنما جعله مخرجاً من نصه فيما إذا قطع ذميّ يد مستأمن، ثم لحق المستأمن بدار الحرب؛ فإنه [قال]: لا قصاص عليه في المقطوع، وعلى ذلك جرى المحاملي والقاضي أبو الطيب والمتولي، ثم قال: وأصل هذا الاختلاف قاعدة سنذكرها، وهي أن الرجل إذا قطع يد رجل؛ فمات - يجوز لولي المقتول عندنا أن يقطع يده، فإن مات، [وإلا حز] رقبته، وهل يكون قطع اليد مقصوداً في الاستيفاء، أو يكون القطع طريقاً في الاستيفاء؟ وفيه اختلاف بين أصحابنا: فعلى الأول لا يسقط القصاص في الطرف، وعلى الثاني يسقط، ثم على الصحيح من يستوفي القصاص؟ قال الشافعي في المختصر: يستوفيه وليه المسلم.
واختلف الأصحاب فيه:
стр. 7464
فمنهم من قال: هو الإمام؛ لأن القريب لا يرثه؛ فلا يستوفي قصاصه. قال الفوراني: وعلى هذا يجيء قول: إنه ليس له [أن] يقتص منه؛ بناء على [أن] اللقيط إذا قُتِلَ، هل للسلطان أن يقتص من قاتله، أم لا؟ وفيه قولان.
ومنهم من قال: هو القريب الذي يرثه لو مات مسلماً؛ لأن القصاص يراد للتشفي ودرك الغيظ، وذلك يتعلق بالقريب دون الإمام.
واستدل القائل به بقول الشافعي: "المسلم"، ولو كان المراد الإمام لم يكن لقوله:"المسلم" معنى، وقد نقل أنه قال في "الأم": "يقتص منه أولياؤه": بلفظ الجمع، و"الإمام" واحد.
قال الرافعي: وربما حكى ورثته صريحاً، وهذا أظهر في المذهب، وبه قال عامة أصحابنا؛ كما حكاه في "المهذب" في باب استيفاء القصاص، وبه قطع في ["التهذيب"]، واختاره في "المرشد"، لكن الإمام استبعده من جهة المعنى، وقال القاضي أبو الطيب: إنه ليس بشيء.
وادعى القاضي ابن كج أن الأكثرين على أن يستوفيه الإمام، وأن أبا سعيد وحده ذهب إلى أنه يستوفيه القريب، وكذلك الماوردي ادعى أن المزني قال به وابن أبي هريرة وأكثر أصحابنا.
فرع: إذا قلنا: لا يجب القصاص، أو يجب، فعفا عنه على مال – فهل يجب ويكون فيئاً، أم لا؟ فيه وجهان أو قولان حكاهما العراقيون كالمحاملي والشيخ وغيرهما:
أحدهما: لا، وبه قال أبو الطيب بن سلمة.
وأصحهما: نعم؛ فعلى هذا – فيما يجب – وجهان:
أصحهما في "المجموع" وغيره، ويحكي عن النص أنه يجب أقل الأمرين من الأرش الذي تقتضيه الجراحة ودية النفس.
والثاني- وبه قال الإصطخري -: أن الواجب أرش الجراحة بالغة ما بلغت، وفي مسألتنا: لا يظهر لهذا الاختلاف أثر. نعم، يظهر فيما لو قطع يديه ورجليه.
стр. 7465
فرع: لو قطع يده، ثم ارتد المقطوع، واندمل الجرح - فله قصاص اليد، فإن مات أو قتل قبل أن يقتص - اقتص وليه، ومن هو؟ فيه الخلاف السابق.
قال: "ومن قتل من لا يقاد به في المحاربة"؛ أي: كالمسلم إذا قتل الذميّ، والحر [و] العبد، والأب ولده - "ففيه قولان:
أحدهما: يجب عليه القود"؛ لأن القتل تأكد بالمحاربة؛ ولهذا لا يجري فيه عفو الولي فلم يعتبر فيه التكافؤ كحد الزنى، وهذا هو الأصح في "الجيلي".
والثاني:"لا يجب"، وهو الصحيح عند الجمهور؛ لعموم الأخبار، ولأن من لا يُقْتل بقتل [من] قتله في [غير المحاربة، لا يقتل به إذا قتله في] المحاربة؛ كالمخطئ.
قال مجلي: وقد استخرج الخراسانيون من هذين القولين [قولين] للشافعي [في] أن القتل في المحاربة يقع لحق الله - تعالى- أو لحق الآدمي، [وكأنه - والله اعلم - يشير على ما ذكره الرافعي، وصححه، وهو في "التهذيب": أن القتل في المحاربة فيه معنى القصاص؛ لأنه قتل في مقابله قتل، وفيه معنى الحدود؛ لأنه لا يصح العفو عنه، ويتعلق استيفاؤه بالسلطان، لا بالولي، فما المغلب من المعنيين؟ فيه قولان].
وفي "الوسيط" و"النهاية": أن القتل في المحاربة إذا تمحضت فيه العمدية، يتعلق به حق الله - تعالى- قطعاً، ولكن هل يثبت للقتيل حق مع الله تعالى، أم لا؟ للشافعي فيه قولان، فإن قلنا: إنه حق لله - تعالى - قتل بقتل من لا يكافئه، وإلا فلا يجب.
ثم قال الغزالي: ولعل الأصح الجمع بين الحقين ما أمكن، وهوا لذي جزم الإمام بترجيحه، ولم يحك العراقيون غيره، كما حكاه مجملي عنهم، وهو قضية قول ابن الصباغ: إنه [إذا وقع وقع] قصاصاً؛ كما صرح به قبيل كتاب الأشربة في موضعين؛ ولأجل ذلك كانت عبارة الشيخ: أنه هل يجب عليه القود
стр. 7466
إذا قتل من [لا] يقاد به في المحاربة، أم لا؟ ولو [كان] قتله بمحض حق الله – تعالى- لما حسن إطلاق القول بوجوب القود على من قتل من لا يكافئه؛ لأن القتل حينئذ يكون حدًّا لا قوداً، [وقد وجه هذا بان القتل لو وقع في غير المحاربة لثبت القصاص للآدمي؛ فيبعد أن يحيط حقه بوقوع القتل في المحاربة، ولنا اختلاف قول فيما إذا اجتمع حق الله – تعالى – وحق الآدمي: أنه يغلب حق الآدمي، أم لا؟ فكيف ينتظم منا إبطاله بالكلية؟!].
ثم كلام [الغزالي وأمامه] ظاهره التناقض؛ فإنهما جزما القول في مسألة الكتاب بعد القتل، إذا قلنا: إن القتل في المحاربة يتعلق به حق الله – تعالى – وحق الآدمي، وكأنهما جعلا كلاًّ من الحقين جزء علة في قتل المحارب، لا على مستقلة، وفي قتل من لا يقاد به لم يوجد أحد جزئي العلة، وهو حق الآدمي؛ فلا جرم لم يجب القتل، وكلامُهما بعد ذلك مصرح بأن كلا من الحقين علة مستقلة بنفسها، لا جزء علة؛ فإنهما قالا: إذا عفا ولي القتل عن القصاص على الدية، فإن قلنا: القتل محض حق الله – تعالى – فلا أثر لعفوه في سقوط القتل، ولا دية، وإن قلنا: حق الآدمي ثابت في الدم، فله الدية، وهو كمرتد استوجب القصاص، وعفا عنه، وقضية هذا أن يقولا بوجوب القتل في مسألة الكتاب، مع قولنا: إن القتل في المحاربة يتعلق به حق الله- تعالى- وحق الآدمي؛ لوجود العلة الكاملة في استحقاق قتله.
وحاصل ما ذكرته من التقرير يرجع إلى أنهما يلزمهما أحد أمرين: إما القطع بوجوب القتل في مسألة الكتاب، أو القطع بعدم إيجاب القصاص عند عفو الولي؛ تفريعاً على قولنا: إن للآدمي فيه حقًّا، ولم يقولا بواحد منهما، والله اعلم.
стр. 7467
باب ما يجب به القصاص من الجنايات
والجنايات، أي: على النفس والطرف "ثلاثة: خطأ، وعمد، وعمد خطأ"، أي: ثلاثة أنواع؛ لأنه أثبت الهاء في الجمع. ودليل حصرها: أن الذي حصلت منه الجناية إما [أن] يقصد بها عين المجني عليه أو لا: فإن لم يقصد فهو الخطأ، وإن قصده فإن كان بما يقتل غالباً فهو العمد، وإلا فعمد الخطأ.
قال:"فالخطأ: أن يرمي إلى هدف، فيصيب إنساناً"، وهكذا ذكره القاضيان أبو الطيب والحسين في باب الديات، وقد قيل: إن هذا ليس حد الخطأ؛ بل حده: ما لا يقصد فيه الشخص، ومثاله ما ذكره الشيخ، أو ما لا قصد فيه إلى الفعل، ومثاله: إذا زلق، فوقع [على] إنسان فاتلفه. وما ذكره هذا القائل: من أن ما ذكره الشيخ ليس بحد الخطأ - صحيح؛ لأن الحد إما كامل وهو المشتمل على ذكر الجنس والفصل، أو ناقص وهو المقتصر فيه على ذكر الفصل، ولا جنس ولا فصل - فيما ذكره الشيخ - لكنا نقول: لم يذكره الشيخ حدًّا، وإنما ذكره تعريفاً، واقتصر عليه؛ لدلالته على ما عداه من طريق الأولى؛ لأن فيما ذكره وجد منه قصد الفعل، ولم يؤثر في إيجاب قصاص ولا تغليظ؛ فعدم قصد بذلك أولى، على أني أقول: من زلق، فوقع على إنسان، فتلف به - لا أعد ذلك جناية منه، فضلاً عن كونه خطأ؛ لأن الجناية مصدر: جنى يجني جناية، والخطأ بالهمز مصدر: أخطأ يخطئ إخطاء وخطأ، ومن زلق لا اختيار له؛ فلا فعل منه حقيقة حتى يقال: جنى، أو: أخطأ، لكنا نجعل حكم فعله حكم الخطأ؛ لقربه منه، وبعده عن غيره.
стр. 7468
تنبيه:
الخِطء - بكسر الخاء، وإسكان الطاء بعدها همزة-: هو الإثم، يقال: خَطِيء يَخْطَأ خِطئاً؛ فهو خاطئ، مهموز كله، كعلم يعلم علماً [فهو عالم]، قال الله - تعالى-: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً﴾ [الإسراء: ٣١]، وقال الله تعالى: ﴿يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٩٧] وقد يطلق "الخاطئ" على "المخطئ" في لغة قليلة، وأكثر الغزالي استعمالها.
الهدف، بفتح الدال: سبق بيانه في المسابقة.
قال: والعمد: أن يقصد الجناية [بما يقتل غالباً، وعمد الخطأ: أن يقصد الجناية بما] [لا] يقتل - غالباً - أي: كالسوط والعصا الخفيفة.
اعلم أن الحد الأول قد وافق عليه صاحب "التهذيب" وغيره، و [قد] قال القاضي الحسين: إنه مستنبط من قول الشافعي إذا ضربه بما الأغلب أنه يموت منه، فمات منه؛ فعليه القود، وقد اعترض على الشيخ فيه؛ فقيل: إنه ليس بجامع، ولا مانع:
أما الأول؛ فلأن من قطع أنملة إنسان، فسرت جراحته إلى النفس - يقاد به، وإن كان القتل بذلك لا يحصل إلا نادراً.
وأما الثاني؛ فلأن من قصد جماعة بسهم، ولم يقصد واحداً بعينه؛ فقتل واحداً منهم - لا يجب عليه القصاص، وإن وجد منه قصد الجناية [بما يقتل] غالباً.
واعترض على حد عمد الخطأ، فقيل: إنه ليس بجامع؛ لأنه يدخل قطع الأنملة فيه، مع أنه عمد.
وما ذكره هذا القائل: من أن الحد الأول غير جامع؛ لإخراجه مسألة [قطع] الأنملة، فهو [غير صحيح]؛ لأن "ما" في قول الشيخ: "أن يقصد الجناية بما يقتل غالباً" نكرة موصوفة، وتقديره أن يقصد الجناية بشيء يقتل غالباً، وإذا كان كذلك [فالغلبة معتبرة] في ذلك الشيء الذي حصلت به الجناية، وهي
стр. 7469
حاصلة في مسألة قطع الأنملة؛ لأن الذي حصلت به الجناية فيها آلة الجراحة، وهي تقتل غالباً. وبهذا يندفع قوله أيضاً: إن الحد الثاني غير مانع. نعم، هذا التسير يخرج مسائل القتل بالإبرة؛ وكذلك صرح الشيخ بها؛ لخروجها عن الضبط.
وقوله: إن الحد الأول غير مانع؛ استدلالاً بمسألة السهم – ممنوع؛ لأنا نقول له: الموجود – فيما ذكرته – ليس إلا امتناع القصاص، وامتناع القصاص لا يدل على عدم العمدية؛ ألا ترى أن العمدية ثبتت، ويتخلف القصاص عنها؛ لاعتبار شيء آخر؟! فجاز أن يكون قصد عين الشخص شرطاً لوجوب القصاص، وإن صدق وصف العمدية بدونه، على أن المتولي حكى وجهاً في مسالة رمي السهم إلى قوم من غير قصد واحد بعينه: انه يجب به القصاص، وأشار إليه الغزالي في باب الصيد والذبائح.
وقد تكلم الأصحاب في حد العمد وعمد الخطأ بعبارات أخر:
فقال بعضهم: ما علم حصول الموت به بعد وجود قصد الفعل والشخص فهو عمد، سواء قصد الفاعل إزهاق الروح أو لم يقصد، وسواء حصل الموت به غالباً، أو نادراً كقطع الأنملة. وإن وجد القصدان معاً، وترددنا في أن الموت حصل به – فهو عمد خطأ. وهذا منه حد للمذهب الصحيح، وإلا فقد قال مجلي: إن بعض علمائنا قال: لابد من قصد إزهاق الروح.
وبعضهم قال: يشترط قصد عين الشخص، كما ذكرناه.
وقد [اعترض] على هذا القائل فيما ذكره من حد العمد؛ فقيل: إنه غير مانع؛ فإنه لو ضرب كوعه بعصا؛ فتورم الموضع، ودام الألم حتى مات – فإنا نعلم حصول الموت به، ولا قصاص فيه؛ ولأجل ذلك قال بعضهم: إن حد العمد ما يقصد به القتل غالباً في المثقلات، فأما في الجراحات فكل جرح سارٍ ذي غور.
стр. 7470
قال الغزالي: وهذا ضعيف؛ لأن معنى العمد لا يختلف بالجرح والمثقل؛ فإن الجارح كما يؤثر في الظاهر بالشقِّ والتخريب يؤثر المثقل في الباطن بالهد والترضيض، واختار – بعد ذلك – ترك الضبط، وأن يقال: حصول الموت بالسبب إما أن يكون نادراً، أو كثيراً، أو غالباً، [وليس كل كثير غالباً]؛ فإن المرض كثير، وليس بغالب، ولا نادر، بل الغالب الصحة، والجذام نادر لا كثير ولا غالب؛ فكل ما كان حصول الموت به غالباً فيلتحق بما يكون حصول الموت به ضرورياًّ، وإن كان يهلك كثيراً، فإن كان الفعل بجارح ألحق بالغالب، وإن كان بغير [مثقل كالسوط] والعصا لم يتعلق به قصاص.
قال:"ولا يجب القود غلا في العمد".
أما وجه وجوبه فيه عند اجتماع شرائطه وهي صفته بكونه عدواناً من حيث كونه مزهقاً للروح، والمكافأة في القتيل، وغير ذلك على ما سنبينه؛ فلما ذكرناه في أول الكتاب.
وأما عدم وجوبه في الخطأ؛ فلقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]، فأوجب الدية، ولم يتعرض للقصاص، وللخبر المشهور.
وأما عدم وجوبه في عمد الخطأ؛ فلما روى أبو داود، عن عقبة بن أوس، عن عبد الله بن عمرو – ﵃ – في حديث طويل، أن رسول الله صلى الله لعيه وسلم قال: ["أَلاَ] إِنَّ دِيَةَ الْخَطَأِ شِبْهِ الْعَمْدِ – مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا – مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ، مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلادُهَا"، وأخرجه
стр. 7471
النسائي، وابن ماجه والبخاري في "التاريخ الكبير" والدارقطني في "سننه".
وجه الدليل منه: أنه – ﵇ – سماه خطأ؛ فاندرج في الخبر المشهور، ويؤيده أنه جاء في حديث آخر: "أَلاَ إِنَّ قَتِيلَ عَمْدِ الْخَطَإِ قَتِيلَ السَّوْطِ، وَالْعَصَا فِيهِ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ"، فبين أن ذلك واجبه، ولأنه لم يقصد القتل فلا يجب عليه عقوبته؛ كما أن من لم يقصد الزنى؛ بأن وطئ بشبهة – لا يجب عليه الحد.
قال:"فإن جرحه بما له مَوْر من حديد"، أي: كالسيف، والسكين والخنجر "أو غيره"، كالنحاس والصفر والرصاص والذهب والفضة [والزجاج، والخشب، والقصب]، إذا اتخذ منه آلة تجرح "فمات منه – وجب عليه القود"؛ لن هذا الفعل يفضي إلى الموت غالباً فهو عمد؛ وهكذا الحكم فيما إذا أصابه بما ليس له حد يجرح، ولكن يثقب برأسه الدقيق؛ كالرمح والسهم والمسلة؛ لأن لذلك نكاية، كالجرح، ولا فرق فيه بين أن يخرج بعده دم أم لا، قال الماوردي: كما لا يعتبر ذلك في وجوب الدية.
تنبيه: المور – بإسكان الواو-: والغور والنفوذ والسَّراية.
وأصله: الحركة؛ ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْراً﴾ [الطور: ٩] أي: تموج.
وفي "الجيلي": أن أصل المور: الطريق.
قال: "وإن غرز إبرة في غير مقتل"؛ أي: كالالية والفخذ والعقب؛ كما ذكر القاضي الحسين، "فإن بقي منها ضَمِنا؛ [أي: متألماً، وهو بفتح الضاد وكسر
стр. 7472
الميم] حتى مات – وجب عليه القود"؛ للعلم بحصول الهلاك بذلك، واعتبر الغزالي في ذلك أن يكون مع اللم ورم، حتى لو وجد الألم دون الورم- كان في وجوب القصاص وجهان.
قال:"وإن مات في الحال قد قيل: يجب" كما لو طعنه بمسلة فمات في الحال، ولأن في البدن مقاتل خافية في عروق ضارية، وربما صادفها، وهذا قول أبي غسحاق المروزي، وأبي الطيب بن سلمة.
وذكر القفال أنه الأصح.
وقيل: لا يجب؛ لأنه لا يقتل مثله في العادة؛ فاشبه لسع العقرب والزنبور، وأشبه ما لو مات بعد مدة، ولم يعقب للغرز ألم ولا ورم، وهذا قول ابن سريج والإصطخري، وهو الذي صححه المتولي، واختاره القاضيان الطبري والروياني، وصاحب "المرشد"، وقال في "العدة": إنه المذهب.
وقد حكى القاضي أبو الطيب: أنهما طردا مذهبهما في إسقاط الضمان أيضاً.
وحكى الشيخ في "المهذب" في باب الديات، والماوردي ذلك وجهاً تفريعاً على مذهبهما، مع وجه آخر: أن الدية تجب مغلظة؛ لتردده بين احتمالين: قتل، وسلامة، والأخير هو الذي جزم به الفوراني والبغوي؛ تفريعاً على قولهما.
ثم محل ما ذكرناه: إذا لم يبالغ في إدخال الإبرة، فأما إذا بالغ وجب القود وجهاً واحداً، وهذا ما حكاه الشيخ أبو حامد، والقاضي أبو الطيب والماوردي والفوراني.
وقال ابن الصباغ: لا وجه عندي لما ذكر من التفصيل؛ [لأن القائل] بهذه الطريقة: إن كانت العلة عنده أنه لا يقتل غالباً فلا فصل بين أن يبقى ضمناً منه أو يموت في الحال، وإن كان يقول: إنه إذا لم يزل ضمناً منه، فقد مات منه، وإذا مات في الحال فلا يعلم أنه مات منه؛ فكان ينبغي أن يكون الوجهان في وجوب الضمان دون القود.
وعن القاضي ابن كج وغيره: أنهم طردوا الوجهين فيما إذا تورم الموضع،
стр. 7473
ودام الألم إلى الموت؛ لأن الفعل في نفسه ليس مما يقصد [به الإهلاك] في نفسه، وأنه دون الفصد والحجامة اللذين يقدم عليهما الناس بالاختيار، ولا يعدونهما قتلاً.
وفي "الرقم" للعبادي: أن الغرز في بدن الصغير والشيخ الهم ونضوا الخلق، يوجب القصاص بكل حال، وسلك القاضي الحسين طريقاً آخر، فقال: إن كان غرز الإبرة في اللحم، فإن دمي فعليه القصاص، وإن لم يدم فعلى وجهين.
وإن غرز في الجلد، فإن لم [يدم] فلا قصاص، وإن دمي فوجهان.
وإن أعقب الغرز ألماً حتى مات وجب القود، أما إذا غرز الإبرة في مقتل كأصول الأذنين والعين والقلب والصدر والخاصرة والخصية، وجب القود جزماً.
قال: "وإن ضربه بمثقل كبير" أي: بشيء يقتل كالعمود من الحديد، والدبوس، وحجر الرحا ونحوه، "أو بمثقل صغير"، [أي: كالحجر الصغير] والعصا الخفيفة "في مقتل، أو في رجل ضعيف"؛ أي: لصغر، أو كبر، "أو في حر شديد، أو برد شديد"؛ أي: يقتل مثل ذلك الضرب بتلك الآلة فيه غالباً أو والي بين الضرب؛ فمات منه – وجب عليه القود"؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ [الإسراء: ٣٣] والسلطان هو القود، وهذا قد قتل مظلوماً؛ فوجب أن يكون لوليه القود؛ ولما روى أبو داود بسنده في حديث طويل:"أَنَّ [حَمَلَ بْنَ مَالِكِ] بْنِ النَّابِغَةِ قَالَ لِعُمَرَ – ﵄: كُنْتُ بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ، فَضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِمِسْطَحٍ، فَقَتَلَتْهَا وَجَنِينَهَا فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي جَنِينِهَا بِغُرَّةٍ، وَأَنْ تُقْتَل" وخرجه النسائي، وابن ماجه. وقال أبو داود: والمسطح: هو الصوبج. وقال أبو عبيد: إنه عود من أعواد الخباء.
وحمل بحاء [مهملة مفتوحة وبعدها ميم مفتوحة ولام].
стр. 7474
وروى أبو داود أيضاً عن أنس – وهو ابن مالك-: "أَنْ جَارِيَةً وُجِدَتْ قَدْ رُضَّ رَاسُهَا بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَقِيلَ لَهَا: مَنْ فَعَلَ بِكِ هَذَا: أَفُلاَنٌ؟ أَفُلانٌ؟ حَتَّى سُمِّيَ الْيَهُودِيُّ فَأَوْمَتْ بِرَاسِهَا، فَأَخِذَ الْيَهُودِيُّ فَاعْتَرَفَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَضِّ رَاسِهِ بِالحِجَارَةِ" وأخرجه البخاري ومسلم وغيرهما؛ فثبت القصاص في هاتين الصورتين بالنص، وقيس ما عداهما عليهما؛ لأنه في معناهما.
وأيضاً فإن الخصم وهو أبو حنيفة – وافقنا – كما حكاه الماوردي – على أن القتل بالعمود الحديد موجب للقود؛ فقيس عليه غيره بجامع ما اشتركا فيه من إزهاق الروح.
وأيضاً: فإن إيجاب القصاص شرع؛ صيانة للنفوس بقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] فلو سقط بالمثقل لما انخرست النفوس، وفي ذلك إبطال معنى النص؛ فبطل.
تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه لا فرق في وجوب القصاص على من قتل الضعيف بالمثقل الصغير بين أن يعلم ضعفه أو لا يعلم، وهو الصحيح في الطرق.
وحكى الرافعي وغيره وجهاً فيما إذا ظنه صحيحاً، [و] كان ذلك الضرب لا يقتل الصحيح غالباً – أنه لا يجب؛ [لأن ما] أتى به ليس بمهلك عنده، وذكر أن هذا الوجه مأخوذ من الخلاف فيما إذا شهد اثنان على إنسان بما يوجب القتل، ثم رجعا، وقالا: تعمدنا، ولم نعلم أنه يقتل بشهادتنا – في أنهما هل يقادان، أم لا؟
قال:"وإن رماه من شاهق"؛ أي: مكان عالٍ، وأصله الجبل المرتفع، أو عصر خُصييه عصراً شديداً، أو خنقهُ خنقاً شديداً، أي: يموت من مثله غالباً "أو
стр. 7475
طرحه في ماء، أو نار لا يمكنه التخلص منه"؛ أي: لكثرته؛ أو لضعف المطروح، أو لكونه مكتوفاً.
قال:"وجب عليه القود"، أي: إذا مات منه؛ لان ذلك يقتل غالباً فوجب فيه القود؛ كالجارح. ولا فرق في وجوب القود [به] بين أن يموت في الحال أو بعد خروجه من الماء والنار، وزوال الخنق والعصر، وبقائه ضمناً إلى الموت.
وحكم شد يديه ورجليه، وطرحه في ساحل يعلم وصول الماء إليه بالزيادة؛ كالمد بالبصرة؛ كما قال في "المهذب" في باب الديات، و"الحاوي" في باب التقاء الفارسين – حكم الإلقاء في الماء المهلك، وكذا حكم وضع مخدة على وجهه، وجلوسه عليها، أو سَدّ فيه بشيء ومَسْكِ أنفاسه إلى الموت – حكم الخنق، أما إذا أمسك نفسه، أو خنقه مدة لا يقتل مثلها غالباً – فلا قود، وتجب دية مغلظة، قاله المحاملي وابن الصباغ.
تنبيهان:
أحدهما: قوله:"خصييه" بياء آخر الحروف مكررة، وليس هي مثناة من فوق، هذا هو المشهور في اللغة، ونقل الجوهري وغيره عن أبي عمرو أنه قال: الخصيتيان: البيضتان، والخصيان – بحذف التاء -: الجلدتان اللتان فيهما البيضتان. قال الجوهري: يقال: خُصية، بضم الخاء وكسرها، والمشهور الضم.
الخنق – بفتح الخاء، وكسر النون -: مصدر "خنقه، يخنقه"، بضم النون، خنقاً، ويجوز إسكان النون مع فتح الخاء وكسرها.
وحكى عن صاحب "المطالع": فتح النون [و] قيل: هو شاذ أو غلظ.
стр. 7476
الثاني: تقييد الشيخ إيجاب القود في الصورتين الخيرتين بعدم القدرة على التخليص، يشعر بأمرين:
أحدهما: أنه إذا قدر عليه لا يجب القود.
الثاني: أنه لا يتوقف وجوب القود فيما عدا الصورتين على عدم القدرة على الخلاص، بل يجب وإن قدر المجني عليه عليه.
والإشعار الأول صحيح على ما حكاه الماوردي والمحاملي والبندنيجي وغيرهم من العراقيين، إلا القاضي أبا الطيب؛ فإنه حكى في "تعليقه" فيما إذا قدر على التخلص من النار ظاهراً؛ كما قاله الفوراني، أو قال: يمكنني أن أخرج منها، ولم أفعل؛ كما صوره ابن الصباغ في وجوب القود – قولين:
أحدهما: نعم؛ كما لو جرحه، فترك التداوي، ولم يزل متألماً ضمناً إلى أن مات، وهذا ما جزم به الفوراني، وحكاه القاضي الحسين، ونسبه ابن كج إلى القاضي الحسين، وجماعة إلى القفال، وبه أجاب العبادي في "الرقم".
وحكى الإمام مثله وجهاً في مسألة الماء أيضاً إذا قلنا بأنه يوجب الدية.
وقال الرافعي: إن صاحب "الرقم" حكى عن بعض البغداديين من الأصحاب أنهم صاروا إليه؛ تخريجاً من مسألة النار.
والقول الثاني في مسألة النار: أنه لا يجب، وهو الذي أبداه القاضي الحسين احتمالاً، واختاره الشاشي لنفسه، وحكاه المحاملي عن النص؛ حيث قال: قال الشافعي: لا قود فيه ولا عقل.
قال الأصحاب: والفرق بين هذا وبين المجروح؛ إذا تمكن من مداواته، فلم يفعل حتى مات – من وجهين:
أحدهما: أن موته بالجرح حصل من السراية، وهي من فعل الجارح، وموته هنا حصل من إقامته؛ وهي من فعل المطروح.
والثاني: أن برءه بالتداوي مظنون؛ فلا يسقط لأجله حكم الجناية المتحقق، وليس كذلك في مسألتنا؛ فإن سلامته بخروجه من النار متحققة، فإذا لم يفعل سقط [القود]؛ ولهذا نقول: إذا فتح عرقه؛ فلم يعصبه حتى مات – لم يجب ضمان بقود ولا دية.
стр. 7477
والإشعار الثاني يؤيده ما حكاه ابن يونس من إطلاق القاضي أبي الطيب القول بالقود مطلقاً، وأنه الأصح، وأن صاحب "المستظهري" قال: وعندي: أنه لا اعتبار بقدرته على الدفع، والقود واجب؛ لا سيما إذا قلنا: لا يجب عليه الدفع عن نفسه، وقد حكى الماوردي خلاف ذلك جزماً فيما إذا قدر المخنوق على خلاص نفسه؛ لفضل قوته على قوة الخانق، ولم يفعل، وقال: إنه لا قود على الجاني؛ لأنه قاتل نفسه، وفي وجوب الدية قولان ممن أمر غيره بقتله، قال المحاملي: والصحيح: أنها لا تجب.
قال الماوردي: ويخالف من أريدت نفسه، فلم يدفع عنها حتى قتل؛ فإنه لا يسقط عن قاتله القود؛ فإن سبب القتل في المخنوق موجود [فكان تركه إبراء، وسببه في الطالب نفسه غير موجود]، فلم يكن [في] الإمساك قبل حدوث السبب إبراء.
فروع:
إذا حبسه في بيت؛ فمات جوعاً أو عطشاً – نظر: إن أمكنه الأكل والشرب؛ بأن كان ما يتناوله عندهن وهو يهتدي إليه، أو لا، وكان يمكنه أن يستدعيه؛ فيأتيه، فلم يفعل – فهو قاتل نفسه.
وإن [كان] منعه الحابس الطعام والشراب، وطلبه في مدة يموت مثله فيها غالباً من الجوع والعطش – فعليه القصاص، وكذا إذا كان عنده، وكان صغيراً لا يهتدي إليهما؛ فمات – يجب عليه القصاص وألحق الغزالي في "الفتاوى" بهذه الحالة ما إذا منع من افتصد من شد الفصاد حتى مات، فإن لم يمض عليه مثل تلك المدة؛ فمات: فإن لم ينك به جوع أو عطش سابق فهو شبه عمدن وإن كان به جوع سابق أو عطش ففيه طريقان في "التهذيب":
[أظهرهما في "الرافعي"، وهو المذكور في "الوجيز": أنه إن علم جوعه السابق أو عطشه لزمه القصاص، وإلا فقولان، أصحهما: المنع.
стр. 7478
والثاني: إن كان جاهلاً بحاله فلا قصاص] قطعاً، وإن كان عالماً فقولان، أصحهما في "التهذيب": عدم الوجوب، فإن لم نوجب القصاص ففيما يجب من الدية قولان:
أحدهما: جميعها.
والثاني: نصف دية شبه العمد، وهو ما أورده المتولي والأكثرون.
[وفي "النهاية" – في كتاب الوديعة – حكاية وجهين في إيجاب الضمان، أحدهما: لا يجب؛ لأن الحابس لو حبس في مثل هذا الزمانا من لم يكن به جوع سابق لم يمت، ولم يوجد منه هنا إلا الحبس في هذا الزمن؛ فلا يؤاخذ بتلف ترتب على الجوع السابق].
ولو منعه الشراب دون الطعام، فلم يأكل؛ خوفاً من العطش، فمات – فلا قصاص. وفي وجوب ضمانه وجهان، المذكور [منهما] في "التهذيب": المنع.
إذا حبسه، وعراه حتى مات برداً – فهو كما لو حبسه ومنعه الطعام والشراب، وهذا بخلاف ما لو خلاه في طريق، ونزع ثيابه؛ فمات من البرد، أو اخذ زاده وماءه؛ فمات جوعاً وعطشاً؛ فإنه لا قصاص.
قال المتولي: لأنه ما قصد بالذي فعل قتله، وإنما قصد تحصيل شيء لنفسه، وكما لا يجب القصاص لا تجب الدية؛ فإنه لما لم تتصل جنايته به صار كمال لو وجد مضطرًّا وله طعام، فمنعه منه حتى مات، أو كان يغرق في الماء، وهو يقدر على تخليصه، فلم يفعله؛ فإنه آثم، ولا ضمان.
وأشار القاضي الحسين إلى خلاف في وجوب الضمان فيما إذا عراه في مفازة [فمات برداً، وفيما إذا منع منه الطعام والماء وهو في مفازة]؛ حيث قال: لا ضمان على الصحيح.
[وفي "الحاوي" في باب الأطعمة فيما إذا منع المضطر الطعام، فمات، أو قتل – أنه يتضمن ديته – كان مذهباً؛ كما لو منعه من طعام نفسه؛ فإنه يضمن ديته؛
стр. 7479
كذلك هاهنا].
قال:"وإن طرحه في لجة، أي: لا يقدر على الخلاص منها، فالتقمه حوت قبل أن يصل إلى الماء – ففيه قولان:
أحدهما: يجب [عليه] القود؛ لأنه رماه في مهلكة، وقد هلك بسبب رميه، ولا نظر إلى الجهة التي يهلك بها؛ كما لو ألقاه في بئر مهلك، فكان أسفلها سكاكين منصوبة لم يعلم بها الملقي؛ فهلك بها، أو جرحه بسكين مسمومة لم يعلم الجارح بسمها؛ فمات بالسم.
وأيضاً: فإن لجة البحر، وهي معظم الماء –كما نبهنا عليها في الغصب- معدن الحوت، فالإلقاء فيها إلقاء إلى الحوت؛ فصار كما لو كتفه وعرضه للسبع، وهذا القول هو المنصوص للشافعي، والأصح في "الرافعي" وغيره.
والثاني: لا يجب؛ لأن الهلاك حصل بغير ما قصد به الملقى الإهلاك، وإذا لم يكن سبب الهلاك متعلق قصده صار ذلك شبهة دارئة للقصاص.
قال القاضي أبو الطيب: بالقياس على ما لو دفعه من حائط، فاستقبله إنسان بسيف فقده نصفين؛ فإنه يكون خطأ من الدافع؛ كذلك هاهنا، وهذا منه يدل على أن الملقى في مسألتنا إذا لم نوجب عليه القصاص يجب عليه دية الخطأ، وقد صرح الرافعي وابن الصباغ بأنها دية عمد الخطأ، وهذا القول رواه الماوردي عن حكاية الربيع.
وقال الإمام: إن الربيع خرجه مما إذا رمى [رجلاً] من شاهق، واعترض له واحد فقده بنصفين – فإنه لا قود على الرامي، وكذلك حكاه القاضي الحسين، لكنه قال: إن محله مع القول الأول إذا التقمه الحوت، أو اختطف رأسه بعد وصوله إلى الماء، أما إذا التقمه، أو اختطف رأسه قبل أن يصل إلى الماء – فلا يجب القود وجهاً واحداً، وهذه طريقة القفال؛ كما حكاها أبو الحسن العبادي عنه.
стр. 7480
وفي "التهذيب" وغيره: أنه لا فرق بين الحالتين، وقد ادعى الجيلي أن القول المخرج هو الصحيح.
قال الإمام: إن معظم الأصحاب لم يرتضوا التخريج، وفرقوا بين الصورتين بان القتل في مسألة تلقي القاد صدر من فاعل مختار يفعل برأي وترو؛ فقطع أثر السبب الأول، والحوت يلتقم بطبعه كالسبع الضاري؛ فجاز ألا يقطع السبب الأول؛ ألا ترى أنه لو أمسك إنساناً فقتله إنسان آخر – فلا قصاص على الممسك، [ولو هدفه لوثبة أسد ضار، فافترسه – فالقصاص على الممسك؟!].
وغيره فرق: بأن الإلقاء من الشاهق قد لا يهلك؛ فإن الريح ربما رفعت الملقي وعطفته؛ فيصيب الأرض بلا شدة ولا صدمة؛ فيسلم، فإذا طرأ عليه القد بطل أثره، والإلقاء في الماء المغرق مهلك لا محالة؛ فلا ينظر إلى ما يحدث بعده.
قال الرافعي: وهذا يفهم القطع بوجوب القصاص إذا كان التقام الحوت بعد وصوله إلى الماء، وفي إيراد الشيخ أبي حامد وغيره من الأئمة العراقيين ما يشعر به.
وحكى الماوردي عن بعض الأصحاب أنه نفي الخلاف في المسألة، وحمل القولين على اختلاف حالين، وقال: الأول محمول على نيل مصر الذي يغلب عليه التماسيح؛ فلا يسلم منها أحد. والثاني: محمول على غيره من البحار والأنهار التي تخلو – غالباً – عن مثله. وحكى في باب القصاص بغير السيف، في مسألة التلقي بالسيف وجهان: أن القاتل هو الملقي دون القادّ؛ لأنه بإلقائه كالموحي، وكذلك حكاه الإمام في "باب وضع الحجر" عن بعض التصانيف، وضعفه ونسبه البغوي إلى الشيخ أبي حامد، وقال: إنه ليس بصحيح.
وحكى البندنيجي وابن الصباغ- قبيل باب التقاء الفارسين، والشيخ في "المهذب" في باب الديات، مع الوجه الأول فيها وجهاً آخر: أنهما شريكان في الضمان، وادعى الإمام في باب وضع الحجر: أن أحداً من الأصحاب لم يحكه،
стр. 7481
وبه يجتمع في المسألة ثلاثة أوجه؛ كما صرح به الماوردي قبيل باب اصطدام الفارسين، وحكاه ابن يونس:
أحدها: أن الضمان على القاد؛ فيضمنه بالقود أو الدية.
والثاني: أنه على الملقى؛ فيضمنه بالقود والدية.
والثالث: أنهما يضمنانه [جميعاً] بالقود والدية، والله أعلم.
قال:"وإن طرحه في زُبية فيها سبع؛ فقتله، أو امسك كلباً؛ فأنهشه؛ [فمات]، أو السعه حية أو عقرباً يقتل مثلها غالباً، فقتله – وجب عليه القود: أما في الأولى؛ فلأنه ألجأ السبع إلى قتله؛ لأنه يثب بطبعه في المضيق، ويقصد؛ فوجب عليه القود؛ كالمكره، وأما في الباقي؛ فلأن ما ذكره آلة له في القتل؛ فهو كالسيف.
والزبية – بضم الزاي، وإسكان الباء ثانية الحروف -: حفرة تحفر للأسد؛ ليصاد فيها، وجمعه: زبي، بضم الزاي، و [في] معناها كل مضيق.
وألحق بذلك ما إذا عرضه لافتراس السبع، وهدفه له، حتى صار السبع كالمضطر إليه؛ [كما حكاه ابن كج عن النص، وجزم به أبو الطيب، أما إذا لم يلقه على السبع] في مضيق، ولا هدفه له – فقد أطلق معظم الأصحاب القول بأنه لا قصاص، وحكوه عن النص. ووجهوه بأن السبع لا يقصد الآدمي في الموضع الواسع إلا قصد الدافعين، ويمكن التحرز عنه والفرار عنه.
وعن القاضي الحسين وغيره: أن السُبع إذا كان ضارياً شديد العدو، وكان لا يتأتى الهرب منه في الصحراء، أو كان الشخص قصير الخطوة عن وثبة السبع – أنه يجب عليه القود، وهو ما أجاب به الماوردي، وقال: إنه يكون بمثابة من أرسل سهماً قاتلاً. والإمام جعل هذا كالبيان والاستدراك لما أطلقه الأصحاب وأرسلوه، وحكى عن صاحب "التقريب" رواية قولين في وجوب القصاص على من حبس شخصاً مع سبع؛ فقتله، واستبعد ذلك، وقد حكاهما الرافعي عن رواية
стр. 7482
[القاضي] ابن كج بالنقل والتخريج، واتفق النقلة على أنه لو كتفه وألقاه في أرض مسبعة؛ فافترسه السبع – أنه لا قود عليه؛ لأنه لم يلجئه إلى قتله، وكذا لا دية؛ كما في الممسك مع القاتل، صرح به الماوردي، وغيره، وحكى وجه: أنه يجب الضمان إذا كان المطروح صغيراً لا يقدر على الانتقال.
وفي "المهذب": الجزم بوجوب الدية مغلظة إذا كان المطروح رجلاً؛ لأن ذلك شبه عمد، وبوجوبها مخففة إذا كانت الأرض غير مسبعة، فافترسه السبع؛ لأنه قتل هخطأ.
ولا فرق في السبع الذي ذكرناه بين أن يكون أسداً، أو نمراً، أو كلباً عقوراً. والحيات التي تقتل – غالباً – حيات الطائف، وكذا أفاعي مكة، وثعابين مصر، والعقارب التي تقتل – غالباً – عقارب نصيبين.
قال:"وإن لم يقتل غالباً" أي: كالذئب كما قاله البندنيجي، وحيات الماء، والحجاز، وعقارب مصر "ففيه قولان:
أصحهما: أنه لا يجب"؛ لأنه لم يظهر منه قصد القتل، وهذا وافق الشيخ على تصحيحه البغوي والروياني والقاضي أبو الطيب.
والثاني: يجب؛ لأنه نهشه ذلك يشق الجلد، ويرتقب منه الغور والنكاية؛ فكان كالجرح، وقد وافق الشيخ على حكاية القولين [هكذا الماوردي].
وحكى الإمام أن الأصحاب قالوا: الحكم في هذه المسألة كالحكم فيما لو غرز إبرة. وقد سبق تفصيله، وأن هذا حسن بالغ.
فرع: إذا حبسه مع حية في مكان ضيق؛ فقتله – لا قصاص عليه ولا دية.
وحكى القاضي ابن كج قولاًك أن ذلك كالجمع بينه وبين السبع في بيت.
قال:"وإن أكره رجلاً على قتله"، أي: بغير حق؛ فقتله –"وجب عليه القود"؛ لأنه أهلكه بما يقصد به الهلاك- غالباً – فأشبه ما إذا رماه بسهم فقتله.
قال القاضي أبو الطيب: ولأن المكره على الفعل بمنزلة المباشر له؛ بدليل أن المطلوب نفسه يحل له أن يدفع عن نفسه، وهو مخير بين أن يقتل الآمر، أو المأمور أو هما معاً، وإذا كان كذلك فهو لو باشر القتل على وجه العمد وجب عليه القصاص؛ كذلك هاهنا.
стр. 7483
وقد حكى القاضيان أبو الطيب والحسين أن المذهب لا يختلف في ذلك.
وحكى الرافعي: أن الشيخ أبا عاصم العبادي [حكى عن] شيخه الأستاذ أبي طاهر، عن شيخه الأستاذ أبي الوليد، عن شيخه ابن سريج: أنه لا قصاص عليه؛ لانه متسبب، والمكره مباشر مأثوم بفعله، والمباشرة تقدم على السبب.
وفي "ابن يونس" حكاية ذلك قولاً، وكذلك في "الجيلي"، ونسبه إلى "البسيط" و"تعليق" الشريف، وقد رأيت فيه إشارة إليه.
قال:"وفي المكره"؛ أي: بفتح الراء – قولان:
أصحهما: أنه يجب؛ لأنه قتله عمداً عدواناً؛ لاستيفاء نفسه؛ فوجب عليه القود؛ كما لو قتل المضطر إنساناً ليأكله، بل أولى؛ لأن المضطر على يقين من التلف؛ عن لم يأكل، وليس المكره على يقين من القتل إن لم يقتل. ولأن القصاص حكم يتعلق بالقتل؛ فوجب ألا يسقط بالإكراه؛ كالمأثم.
والقول الثاني: أنه لا يجب؛ لأنه قتله دفعاً عن نفسه؛ فأشبه [قتل الصائل]، وأيضاً فإن المكرَه آلة المكرِه؛ ولذلك وجب القصاص على المكره؛ فصار كما لو ضرب به المكره على قتله فقتله، قال البغداديون: ولأن الإكراه شبهة تدرا بها الحدود.
ثم ظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه لا فرق في جريان القولين بين أن يكون المكره هو الإمام، أو نائبه، أو إمام أهل البغي، أو المتغلب باللصوصية، وذلك هو الطريقة الصحيحة في "تعليق" القاضي أبي الطيب و"مجموع" المحاملي و"الشامل" وغيرها. ومقابلها: أن محلهما إذا كان المكره هو الإمام، أو نائبه، أو من في معناه: كأمير طائفة خرجوا على الإمام بتأويل سائغ، وتغلبوا على بلده؛ كما صرح به المحاملي.
أما إذا أكرهه خلاف ذلك كإمام أهل البغي، وجب عليه القود جزماً.
والفرق: أن الإمام واجب الطاعة في الجملة؛ فأمره وإكراهه يوجب الشبهة في القصاص.
стр. 7484
وفي "الحاوي" على هذه الطريقة: أن المكره إن كان إمام أهل البغي، وكان المكره ممن يعتقد صحة ما صار إليه – [فهو في حقه كإمام أهل العدل في حقهم، وإن كان لا يعتقد صحة ما صار إليه] فوجهان، وإن كان المكره متغلباً باللصوصية فهو محل الجزم بوجوب القود.
[وفي "الإبانة" و"العدة" حكاه عن بعض الأصحاب: أنه جزم بعدم وجوب القود] على مكره السلطان، وبوجوبه على مكره غيره، وقال: إن ذلك نص عليه الشافعي، وإن الفرق: أن مكره غير السلطان يجد مخلصاً.
من المتغلب عليه بأن يستعين بالسلطان، ولا كذلك مكره السلطان؛ فإنه لا يجد [منه] مخلصاً، ثم السلطان هل يخرج بالإكراه على القتل عن الإمامة؟ فيه وجهان حكاهما الماوردي عن [ابن] أبي هريرة، وأنه أجراهما في ارتكابه [الكبائر التي] يفسق بها، وقد تقدم في كتاب الطلاق الكلام فيما يحصل به الإكراه في الطلاق، وقد قال بعض أصحابنا: إنه يحصل به الإكراه على القتل أيضاً.
وقال القاضي الحسين: الذي يحصل به الإكراه هنا هو أن يخوفه بعقوبة لو نالها من يديه مبتدئاً – وجب فيها القصاص، والصحيح الذي مال إليه المعتبرون هاهنا ورجحوه ما حكاه القاضي الحسين عن أصحابنا العراقيين، وهو في "الشامل": أن الإكراه في القتل لا يحصل إلا بالتخويف بالقتل، أو ما يخاف منه التلف كالقطع، بخلاف الطلاق، وألحق الرافعي بالقطع الضرب الشديد.
التفريع: إن أوجبنا القصاص: فإذا آل الأمر إلى الدية بالعفو فهي موزعة عليهما، وهما كالشريكين، وإن لم نوجبه على المكره ففي وجوب الدية عليه وجهان حكاهما المراوزة – وكذا الماوردي، عن البغداديين والبصريين -:
стр. 7485
أحدهما: لا؛ تنزيلاً له منزلة الآلة، وهذا ما صححه في "التهذيب".
والثاني: يجب نصف الدية، والقصاص [إنما] يثبت للشبهة، وهذا هو المنصوص، والذي أورده المحاملي، وابن الصباغ، والقاضي أبو الطيب والأكثرون.
[وعبارة البندنيجي – في كتاب: الصيام -: أن الشافعي لم يُجْرِ الإكراه على القتل مجرى غيره؛ لأنه لم يسقط حكمه بكل حال على أحد القولين؛ لأنه أوجب نصف الدية قولاً واحداً،] فعلى هذا: إذا غرم رجع به على المكره، صرح به الغزالي، ولم أره لغيره، وتجب عليه الكفارة أيضاً، ويتعلق بقتله حرمان الميراث.
ثم من يغرم: هل الجاني، أم عاقلته؟ تردد فيه الإمام، وحكى الجيلي ذلك قولين، وعلى القول بعدم وجوب شيء من الدية هل تجب الكفارة؟ فيه وجهان، [أصحهما: الوجوب؛ لحصول الإثم المحوج إلى التكفير، فإن أوجبناها تعلق بها حرمان الميراث، وإلا فوجهان]، أظهرهما: ثبوته.
تنبيهان:
أحدهما: احترز الشيخ بقوله:"رجلاً" عما إذا كان المكره صبيًّا مراهقاً؛ فإن القصاص لا يجب على المكره؛ لصباه، ووجوبه على المكره ينبني على أن عمد الصبي عمد أو خطأ: إن قلنا: عمد – وهو الأصح – فعليه القصاص، وإلا فلا؛ لأنه شريك خاطئ، وبهذا جزم القاضي الحسين.
قال الإمام: وهذا إذا فرعنا على انه يجب القصاص على المكره – بفتح الراء – وتنزيل المكرِه والمكرَه منزلة الشريكين، أما إذا قلنا: لا قصاص على المكرَه – ففي وجوب القصاص على المكره – بكسر الراء – [مع] الحكم بأن عمد الصبي خطأ، وجهان. وقال: إن القاضي الحسين أشار إليهما، يعني به: [في] المسألة التي سأذكرها تلو هذه.
стр. 7486
ووجه الوجوب: أن إكراهه هو الذي ولد هذا الخطأ، وهذا الوجه هو الذي رأى صاحب "التهذيب" الجواب به إذا لم نوجب الدية على المكره، ونزلناه منزلة الآلة، وقد طرد الإمام الوجه فيما لو أكرهه أن يرمي إلى طللٍ عهده المكره إنساناًن وظنه الرامي جرثومة أو صيداً، أو على أن يرمي إلى ستر وراءه إنسان عرفه المكره دون الرامي؛ كما حكاه القاضي الحسين عن المذهب، وأبدى تخريج الوجهين احتمالاً لنفسه من خلاف سبق في الوكالة فيما إذا اقتص الوكيل بعد عفو الولي، وهو جاهل بالعفو – فإن الدية هل تجب أم لا؟ فيه قولان: فإن قلنا: تجب، [فهل] في مال الوكيل [أو لا؟] فيه وجهان. قال: فإن قلنا: تجب في مال الوكيل، فهاهنا يجب القود على المكره، ومال صاحب التهذيب إلى القطع بالوجوب هاهنا.
ولو انعكس الحال، فكان المكره مراهقاً، والقاتل بالغاً – فلا ضمان على المكره، وفي المكره القولان: إن جعلنا عمد الصبي عمداً [وجب القصاص]، وإن جعلناه خطأ فلا قصاص؛ لأنه شريك خاطئ.
الثاني: في قول الشيخ:"وإن أكره رجلاً على قتله وجب عليه القود ... " إلى آخر المسألة، ما يعرفك أن صورة المسألة إذا كان الإكراه على قتل رجل غير المكرِه والمكرَه، أما إذا كان المكرَه على قتله هو المكرَه؛ بأن قال: إن لم تقتل نفسك وإلا قتلتك، فلا يجب على المكره شيء، جزم به القاضي الحسين، وهو المشهور، وفي "التهذيب" حكاية قول آخر: أنه يجب عليه القود، وعلى هذا: إذا آل الأمر إلى الدية وجبت.
وفي "الرافعي": أنا إذا قلنا بعدم إيجاب القصاص: فإن قلنا: المكره – بفتح الراء – لا شيء عليه من الدية، وجب جميع الدية على المكره، وإلا فنصفها. وفيما قاله [نظر]؛ لأنا إنما أسقطنا القصاص لانتفاء الإكراه، وإذا انتفى كان قضيته ألا يجب على فاعله شيء أصلاً، كما ذكرناه. ثم إن صح ذلك فقياس
стр. 7487
ما حكيناه عن "الوسيط" من أن المكره إذا غرم يرجع [به] على المكره – [بكسر الراء] – ألا يسقط من الدية في هذه الحالة – شيء، وإن قلنا: إن المكره – [بفتح الراء – مطالب] بالنصف؛ لأنه طريق في ذلك، لا أصل، والله أعلم.
ولو كان المكره هو المقتول؛ بان قال: إن [لم] تقتلني وإلا قتلتك، لا يجب على المكره قصاص على ظاهر المذهب؛ لإذنه، وبعضهم قطع به، [و] في وجوب الدية قولان حكاهما القاضي الحسين، وحكى عن الشيخ أبي سهل أنه خرج وجها في وجوب القصاص، وهو جار فيما لو أمره بقتله فقتله من غير إكراه، والمتولي حكى عن الصعلوكي أنه حكاه- في هذه الصورة- قولاً [عن الشافعي].
وفي "الرافعي": أنا على قول إيجاب المال يكون الواجب نصف الدية، وهذا الذي يظهر من جهة القياس، ولا يخفى أن محل الخلاف بوجوب الدية على القاتل – في هذه المسألة، أو بعضها – مفرع على القول بوجوبها على المكره؛ كما قدمنا أنه المنصوص، أما إذا قلنا بعدم وجوبها ثم، فهاهنا أولى، ومصور بما إذا أمكن دفع المكره – بكسر الراء – بغير القتل، أما إذا لم يمكن دفعه إلا بالقتل – فقد حكى الأصحاب أن للمكره دفع المكره بالقتل إذا لم يندفع إلا به، وإذا كان كذلك فلا دية عليه؛ كما في الصائل.
فإن قلت: إذا كانت الصورة كما ذكرت فقد انتفى الإكراه؛ لأن المكره هو الذي لا يقدر المكره على دفعه، وإذا كان كذلك فينبغي أن يجب القصاص جزماً.
قلت: الإكراه الذي فرضناه وتضمن الإذن بالقتل، [لو تجرد] الإذن وحده لجرى الخلاف الذي ذكرناه؛ فلذلك جرى هاهنا.
قال:"وإن أمر من لا يميز"؛ [أي]: لصغر، أو جنون، أو عجمة، مثل: أن
стр. 7488
يأمر صغيراً أو مجنوناً أو أعجمياً لا يميز في طاعة آمره بين المحظور والمباح، وسواء في ذلك عبده وعبد غيره والحر، كما صرح به المحاملي وغيره.
قال:"فقتله – وجب [القود على] الآمر، ولا شيء على المأمور؛ لأن القاتل لا تمييز له ولا قصد؛ ففعله كفعل البهيمة؛ فهو كالآلة التي يستعملها الآمر، وكالبهيمة التي يسلبها، وهذا بخلاف ما لو أمر من لا يميز بالسرقة فسرق؛ فإنه لا قطع على الآمر؛ لأن القطع في السرقة لا يجب إلا بالمباشرة؛ بدليل: ما لو أكره إنساناً على السرقة؛ فإنه لا يجب على واحد منها القطع، وحكاه القاضي الحسين، بخلاف القود؛ فإنه كما يجب بالمباشرة – يجب بالسبب، ثم إذا أفضى الأمر إلى وجوب المال في مسألتنا وجب على الآمر، دون المأمور، كما ذكره الشيخ.
قال الماوردي هنا: ولو كان المأمور عبداً للآمر لا تكون رقبته مرتهنة بالمال، بل يكون كسائر أموال السيد، وحكى في كتاب الرهن في ذلك [وجهين: أحدهما:] يتعلق برقبته عند إعسار السيد، والثاني: لا، وقال: إن ثمرة الخلاف تظهر فيما لو كان مرهوناً. وحكى الوجهين فيما لو كان المأمور حرًّا، وكان الآمر معسراً، في أن المأمور هل [يطالب]:
أحدهما- وهو قول أبي إسحاق-: نعم، ويكون ديناً له على الآمر.
والثاني- وهو قول ابن أبي هريرة -: لا، ويكون ديناً لولي القتيل على الآمر، وقد ذكرت طرفاً من ذلك في كتاب الرهن.
والغزالي هاهنا حكى الوجهين في تعلق المال برقبة العبد من غير تقييد بإعسار السيد، وصحح الرافعي وجه المنع، وحينئذ يجتمع في المسألة ثلاثة أوجه.
قال الإمام: وعلى قول التعليق: إذا بيع وفضل من الأرش [شيء] فهو متعلق بذمة السيد دون العبد.
стр. 7489
قال: "وإن أمر السلطان رجلاً بقتل رجل بغير حق، والمأمور لا يعلم – وجب القود على السلطان"؛ لأنه ألجأه إليه شرعاً بأمره إياه بالقتل؛ لكون طاعته إما مستحبة أو واجبة؛ لقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، وإذا كان كذلك وجب عليه القود، كالمكره؛ [و] لأن السلطان لا يقتل بيده في العادة، بل يأمر به غيره؛ فأشبه ما لو قتله بيده، وهذا معنى قول الشافعي:"وكذلك قتل الأئمة"، ولا يجب على المأمور – والحالة هذه – قود ولا دية ولا كفارة، ولا يأثم؛ لأنه معذور؛ فإن الظاهر أن الإمام إنما يأمر بحق، لكن الأولى له أن يكفر، وهذا بخلاف ما لو أمره متغلب باللصوصية بقتل رجل بغير حق، ولم يعلم به المأمور فقتله فإنه يجب عليه القود؛ كما صرح به الماوردي، والقاضي أبو الطيب؛ لأن الظاهر أنه لا يأمر بحق.
وحكم أمر إمام أهل البغي حكم أمر إمام أهل العدل فيما ذكرناه، صرح به أبو الطيب وغيره.
قال:"وإن علمن وجب القود على المأمور"؛ لأنه لا تجوز طاعته في معصية الله تعالى؛ قال ﷺ :"مَنْ أَمَرَكُمْ مِنَ الْولاةِ بِغَيْرِ طَاعَةِ اللهِ فَلا تُطِيعُوهُ" كذا رواه الشافعي، [وروى البخاري ومسلم وغيرهما، عن علي – كرم الله وجهه – أن النبي ﷺ قال:"لاَ طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ" ورويا وغيرهما عن عبد الله – وهو ابن عمر – عن رسول الله ﷺ أنه قال: "السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلاَ سَمْعَ وَلاَ طَاعَةَ"]، وعن أبي بكر – ﵁ – أنه
стр. 7490
قال: "أَطِيعُوني مَا أَطَعْتُ اللهَ تَعَالَى، فَإِذَا عَصَيتُ فَلاَ طَاعَةَ لِي عَلَيكُمْ".
وإذا كان الأمر كذلك صار كما لو قتله بغير أمره، ولا يجب على السلطان شيء، وإن كان آثماً؛ لإذنه في المعصية.
وحكى الماوردي عن بعض أصحابنا: أنه صار إلى وجوب القود عليه وعلى المأمور، [ويوافقه قول الشافعي: "وليس على الجلاد شيء".
هذا إذا لم يعلم أن الإمام ظالم، فأما إذا أخبره الإمام بأنه ظالم ضمن هو والإمام معاً.
قال القاضي الحسين ثم: فمن الأصحاب من قال: صورة ذلك إذا كان غير مكره؛ لأنه متعد بأمره بقتله ظلماً؛ وكذلك الجلاد؛ فكان النصف عليه؛ لأن الجرائم لا تحل له بأمر السلطان]. وقال المراوزة: أمر السلطان هل ينزل منزلة الإكراه؟ فيه وجهان.
وادعى القاضي الحسين في "التعليق" أن المنصوص عليه منهما أنه إكراه، وقضية هذه العبارة: أن يكون في وجوب القود على المكره – بفتح الراء – إذا فرعنا على المنصوص، قولان، وقد صرح بهما في "التهذيب"، وكذلك القاضي الحسين؛ حيث [حكى أن الشافعي] قال:"لو أمر السلطان الجلاد حتى قتل واحداً، وعند الجلاد أنه يقتله ظلماً – لا شيء عليه"، و [أن] من أصحابنا من قال: إنه أجاب بذلك على قوله: إنَّ أَمْرَ السلطان إكراه، وان المكره لا قود عليه، و [أن] منهم من قال: إن هذا الجواب صحيح، وإن قلنا: إنه ليس بإكراه؛ لأن الجلاد لا يقطع بكون السلطان مبطلاً في قتله، ولابد أن يخطر بباله أنه محق، وقد يرى كونه مبطلاً فيما هو محق فيه؛ امتحاناً لخدمه وحشمه، وهل يطيعونه أم لا؛ فانتصب ذلك شبهة في سقوط القصاص، حكى ذلك في موضعين من "التعليق":
стр. 7491
أحدهما: في باب قتل العمد.
والثاني: قبيل باب: الحكم في الساحر.
وحكى المحاملي عن النص في "الأم" أن المأمور بالقتل لو كان يعلم أن الإمام أمر بقتله ظلماً، كان عليهما القود، وأن من الأصحاب من قال: أراد بذلك إذا اكرهه، وأجاب عن أحد القولين في المكره، وليس بصحيح؛ فإن الشافعي ذكر مسالة القولين في المكره، وذكر هذه المسألة مفردة عنها؛ فثبت أنها غيرها، وتأول أبو إسحاق المروزي وغيره ذلك تأويلاً حسناً؛ فقال: أراد بذلك ما إذا أمر بقتل المسلم بالكافر، أو الحر بالعبد، واعتقد المأمور أن الإمام رأى في ذلك رأي بعض العلماء – فالقود عليهما: أما المأمور؛ فلأنه قتل من لا يجوز قتله في زعمه، وأما الإمام؛ فلأن المأمور لما اعتقد أنه يرجع إلى تأويل صار مكرهاً من حيث الشرع، وإذا صار مكرهاً صار الإمام مكرهاً؛ فلزمه القود، وقد عكس الرافعي الحكاية عن أبي إسحاق، ونسب إليه الأول، ونسب الثاني إلى رواية أبي عليّ الطبري، وإذا تأملت ما ذكرناه ظهر لك في المسألة أوجه:
أحدها – وهو المشهور-: أن القصاص على المأمور، دون الآمر.
الثاني: أنه عليهما.
الثالث: أنه على الآمر، دون المأمور.
الرابع: [أنه] لا قود على واحد منهما: أما السلطان؛ فلكونه غير مكره، وأما المأمور؛ فلكونه معذوراً، وقد تعرض الإمام لتصوير محل الخلاف؛ فقال: إن كان الإمام بحيث لو لم يمتثل أمره لظهر الخوف في إهلاك مخالفة، فهذا إكراه في الحقيقة وإن لم يظهر ذلك في الظن؛ فلست أرى للخلاف في الأمر يكون إكراهاً وجهاً أصلاً، إلا من جهة واحدة، وهي: أنه إن كان يظن به أنه يسطو بمن خالفه؛ فاعتقد ذلك منه، ولا يبلغ توقع ذلك مبلغ توقع الخوف، لو
стр. 7492
صرح بالتوعد؛ فليقع تنزيل الخلاف على هذا.
فرع: لو كان الجلاد يعتقد أن الحر لا يقتل بالعبد، والإمام يعتقد جوازه؛ فأمره الإمام بقتله، ولم يكرهه- فهل يجب عليه القصاص؟ فيه وجهان حكاهما الإمام عن العراقيين في باب: حد الخمر، [وهما في "الحاوي"]، والمذكور منهما في "الشامل" و"تعليق" القاضي أبي الطيب ثم: الوجوب، [والذي حكاه القاضي الحسين في كتاب الحدود: أنه لا ضمان على الجلاد؛ لأن الشافعي قال في القسامة: لو قالك اقتل، فقتل – [وجب] القود على الإمام، وعلى المأمور التعزير، وهذا ما حكاه الماوردي في باب: الشهادة بالجناية، أما إذا أكره الإمام الجلاد، قال الماوردي: فلا ضمان على واحد منهما].
ثم حكى الإمام عنهم فيما لو كان [الإمام لا يرى قتل الحر بالعبد، والجلاد يراه، فأمره بقتله من غير فحص عن الحال، ولو كان] قد فحص لم يأمره به – فعلى القول بعدم الوجوب في الصورة الأولى يجب هاهنا، وعلى القول بالوجوب فيها لا يجب هنا؛ تعويلاً على عقده، وقد وجد الأمر من الإمام على الجملة، وضعفه، [وفي "الحاوي": أنه لا ضمان على الجلاد، سواء كان مكرهاً أو غير مكره؛ لأنه استوفى بإذن مطاع ما يراه مسوغاً في الاجتهاد، فأما الإمام – فإن لم يكره الجلاد- فلا ضمان عليه، وإن أكرهه، وهو عالم بالحال ضمن؛ لأنه ألجأه إلى ما لا يسوغ في اجتهاده].
قال:"وإن أمسك رجلاً حتى قتله آخر وجب القود على القاتل"؛ لما تقدم من الأدلة، ولا يجب على الممسك؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]؛ فلو وجب عليه القصاص لكنا [قد] فعلنا به غير ما فعل؛ ولقوله ﵇ "إِذَا أَمْسَكَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ، حَتَّى جَاءَ آخَرُ وَقَتَلَهُ – يُحْبَسُ المُمْسِكُ، وَيُقْتَلُ القَاتِلُ"، خرجه الدارقطني. وروى أبو عبيد
стр. 7493
في كتابه بإسناده أن رسول الله ﷺ قال: "يُقْتَلُ الْقَاتِلُ، وَيُصْبَرُ الصَّابِرُ" ومعناه: [و] يحبس الحابس؛ للتأديب؛ ولأن هذا السبب غير ملجئ، وقد اجتمع مع المباشرة؛ فلم يتعلق به القصاص؛ كما لو حفر بئراً، فدفع رجل فيها رجلاً – فإن القصاص يجب على الدافع، دون الحافر؛ ولأنه لا يضمن خطأ بالدية؛ فلا يضمن عمداً بالقود؛ كما لو ضربه بما لا يقتل [غالباً]، وكما لا يجب القصاص لا تجب الدية والكفارة. نعمن لو كان المقتول عبداً فلمالكه مطالبة الممسك – أيضاً – والقرار على القاتل.
قال:"وإن شهد على رجل"، أي: بقتل، أو ردة، أو زنى بعد إحصان، مع غيره – فقتل بشهادته، ثم رجع، أي: ونقص برجوعه نصاب الشهادة، وقال: "تعمدت ذلك"؛ أي: تعمدت الشهادة؛ ليقتل بها، [وكذلك من شهد معي تعمد ذلك] – "وجب عليه القود"؛ لما روي: "أَنَّ رَجُلَيْنِ شَهِدَا عِنْدَ عَلِيٍّ – كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ – عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ سَرَقَ؛ فَقَطَعَ يَدَهُ، ثُمَّ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا؛ فَقَالَ: لَو أَعْلَمُ أَنَّكُمَا تَعَمَّدْتُمَا لَقَطَعْتُ أَيْدِيَكُمَا. وَغَرَّمَهُمَا دِيَةَ يَدِهِ"، ولأنه توصل إلى قتله بسبب يقتل غالباً؛ فوجب عليه القود؛ كما لو جرحه فمات.
стр. 7494
قلت: ويظهر مجيء وجه آخر: أنه لا قود عليه إذا لم يرجع من شهد معه؛ لأن الأصحاب قالوا: فيما إذا شهد أربعة بالزنى فرجم، ثم رجعوا، وقال أحدهم: تعمدت قتله بالشهادة، وتعمد أصحابي؛ فقالوا: بل أخطأنا – مع وجوب القود عليه – وجهان:
وجه المنع: أن أصحابه أعرف بأنفسهم منه؛ فهو شريك خاطئ، وهذا الوجه الذي أردت مجيئه في مسألة الكتاب؛ لأن رفقته يزعمون أنهم على حق، فهو أولى من اعترافهم بالخطأ، وقد حكوا في مسألة الزنى أن الراجع لو قال: تعمدت، ولا أدري حال أصحابي، وقالوا هم: تعمدنا – ففي وجوب القود عليه – وجهين حكاهما القاضي الحسين في كتاب حد الزنى، والمنقول [في "المختصر" في كتاب حد الزنى] في مسألة الكتاب ما ذكره الشيخ، وعليه اقتصر في "الكافي"، والقاضي الحسين وأبو الطيب [والبندنيجي].
وهكذا الحكم فيما لو شهد على رجل مع غيره بما يوجب القطع، فقطع، ثم رجع – فعليه القطع، وإن سرى إلى النفس فالقصاص فيها. ولا فرق في ذلك على المذهب – كما حكاه المتولي، [وكذا صاحب "الكافي" في باب حد الزنى، والقاضي الحسين والبغوي في باب الرجوع عن الشهادة] – بين ألا يرجع سوى الشاهد، أو يرجع معه الحاكم والولي ويقولا: تعمدنا.
وفي هذه الصورة وجه حكاه أبو يعقوب الأبيوردي: أن القصاص يجب على الولي خاصة، وبه جزم في "الوسيط" [هنا]؛ لأن الشهود في هذه الحالة لم يلجئوه حسًّا ولا شرعاً؛ فصار قولهم شرطاً محضاً كالإمساك، وعلى هذا: الدية – أيضاً – على الولي، [وعلى الأول: على] الجميع، [قال في "الكافي": على الشهود ثلثها، [وعلى القاضي ثلثها]، وعلى الولي ثلثها.
وقد حكى الإمام وغيره الوجهين – أيضاً – في باب الرجوع عن الشهادة،
стр. 7495
وكذلك الغزالي، [و] رجح الإمام الثاني]، أما إذا لم ينقص برجوعه نصاب الشهادة فسيأتي الكلام فيه في كتاب الشهادات؛ لأن الشيخ تكلم فيه [ثم، وسيعيد ذكر المسألة ثم مع زيادة فيها، عن شاء الله تعالى].
فرعان:
أحدهما: المزكِّي لشاهد القتل إذا رجع، وقال: تعمدت التزكية مع علمي بالفسق؛ ليقتل المشهود عليه – فهل عليه القصاص؟ فيه وجهان في "التتمة"، [وفي "الكافي" في باب: حد الزنى، وصحح المنع؛ لأنه لم يتعرض للمشهود عليه، وإنما أثبت صفة في الشاهد، لكنه حكى عن القفال أنه قال: محل الوجهين فيما إذا قال: كنت علمت كذب الشهود، أما إذا قال: كانوا فاسقين فعدلتهم، فلا شيء عليه؛ لاحتمال أن يكونوا صادقين، فإن كانوا فاسقين] [ففي "الرافعي" في باب الرجوع عن الشهادة، بعد حكاية مثل ذلك عن البغوي: أن الأوفق لكلام أكثرهم الوجوب عليه، وهو الذي أورده أبو الحسن العبادي].
قال مجلي: ويحتمل وجهاً ثالثاً، وهو التفرقة بين أن تكون التزكية وجدت قبل الشهادة فلا ضمان، أو [بعدها فعليه الضمان]، كما قلنا في مزكي شهود الزنى، [وهذان الوجهان في "النهاية" وغيرها، في باب الرجوع عن الشهادة، مفرعان على أحد الوجهين في وجوب الغرم، أما إذا قلنا: لا يجب الغرم، فلا قصاص قولاً واحداً، وحينئذ يجتمع في المسالة – بقول مجلي – أربعة أوجه].
الثاني: إذا أشكلت الحادثة على الحاكم، وكان متوقفاً، فروى إنسان خبراً عن النبي ﷺ وقتل الحاكم به الرجل، ثم رجع الراوي، وقال: كذبت وتعمدت ففي فتاوى صاحب "التهذيب": أنه ينبغي أن يجب القصاص؛ كالشاهد إذا رجع.
قال الرافعي: والذي ذكره الإمام والقفال في "الفتاوى": أنه لا يتعلق به القصاص، بخلاف الشهادة؛ فإنها تتعلق بالواقعة، والخبر لا يتعلق بها خاصة.
قال: وإن أكره رجلاً على أكل سم، [أي:] والآكل لا يعلم أنه سم، أو
следующие страницы →