Полный текст (9 685 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
ليغسله سبعا" وإذا قلنا: إنه يطهر كان في جواز التطهير به ما سنذكره في الماء
القليل النجس إذا كوثر حتى زال تغيره ولم يبلغ قلتين.
فرع: إذا أخبره عدل أن هذا الماء نجس -قال الأصحاب: فلا يرجع إلى قوله؛
لأن المذاهب مختلفة في التنجيس، فقد يعتقد المخبر ما ليس بنجس نجسا. نعم، لو كان
المخبر يعلم أن المخبر يعتقد أن أنياب الباع طاهرة، وأن الماء إذا كان قلتين لا ينجس،
إلا بالتغيير -فقد قال الشافعي: إنه حينئذ يقبل منه، ويرجع إليه.
ولو ذكر له من يثق بقوله: أنه رأى كلبا ولغ فيه، أو وقع فيه بول، ونحوه -رجع
إليه سواء كان حرا أو عبدا، ذكرا أو أنثى، بصيرا أو أعمى؛ كما حكاه ابن الصباغ
والبندنيجي وغيرهما وغيرهما في باب الآنية.
وفي قبول قول الصبي في [مثل] ذلك خلاف يأتي مثله. نعم، لوشهد واحد: أنه
رأى الكلب ولغ في هذا الإناء، وآخر: أنه ولغ في غيره -حكمنا بنجاستهما؛ نص
عليه في "حرملة".
ولو شهد اثنان: أنه وقت الزوال ولغ في هذا الإناء، وآخر، وفي ذلك الوقت
ولغ من هذا ولم يلغ في غيره – قال الإمام_: عمل بقول أوثقهما.
وقال أبو الطيب: تعارضت البينتان: فإن قلنا بالتساقط صار كأن لا بينة، ويستعمل
أيهما شاء. وإن قلنا بالاستعمال، فلا يأتي قول القرعة، ولا قول القسمة، ويتعين
стр. 72
الوقف؛ فيدعهما ويتيم ويصلي، ويجب عليه الإعادة؛ لأن معه ماء مظنون
الطهارة.
قال: وإن كان الماء -أي: الذي وقعت فيه النجاسة -قلتين ولم يتغير، فهو طاهر؛ لما روي
عن أبي سعيد الخدري – ﵁ – قال: قلت: يا رسول الله، إنك تتوضأ من
بئر بضاعة، وإنها يلقى فيها المحايض ولحوم الكلاب، قال النبي _صلى الله عليه وسلم_:" الماء طهور لا ينجسه شيء" وكان ماؤها إذا زاد بلغ العانة، وإذا نقص بلغ دون العورة؛
[كذا ذكره أبو داود] وقال: إنه مسحها بردائه فكانت ستة أذرع.
وعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال:"إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث" رواه أبو داود والترمذي، وصححه الدارقطني، ورواية الشافعي:"إذا بلغ الماء قلتين بقلال
هجر لم يحمل نجسا" ومعنى "لا يحمل"أي: يدفع عن نفسه؛ كما يقال: فلان لا
يحمل الظلم، أي: يدفعه عن نفسه.
ويعضده رواية أحمد:" إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء".
والحكم فيما إذا كان الماء دون القلتين، وورد عليه ماء نجس كمل به قلتين
كالحكم فيما إذا وقعت فيه النجاسة وهو قلتان بل لو جمع قلة نجسة ومثلها في
موضع واحد طهرتا إذا لم يكن ثم تغير، ولا يضر تفريقهما بعد ذلك.
ولو كان الماء في موضعين، وبينهما اتصال يحصل معه التراد والتدافع، فالحكم
كذلك.
ولو كان لا يحصل: كما إذا كان في حفرتين قلتان، وبينهما نهر صغير غير عميق،
وفي ما يتصل كل طرف منه بحفرة [منهما فإذا] وقع في إحدى الحفرتين نجاسة،
قال الإمام: لست أرى أن ما في الحفرة الأخرى دافع لتلك النجاسة بحكم الكثرة
والذي اشتهر فيه خلاف الأصحاب: أنه إذا كان معه ماء مطلق ناقص قدر جرة أو
كوز، فغمس فيه كوزا أو جرة فيها من الماء النجس ما يكمل به قلتين، هل يحكم
بطهارة مافي الجرة والكوز بهذا الاتصال أم لا؟ فيه وجهان، أصحهما [فيما إذا كان
стр. 73
الإناء ضيق الرأس: عدم الطهارة، ولم يحك الإمام عن الأئمة غيره، و] فيما إذا
كان وايع الرأس الطهارة.
نعم، هل يطهر على الفور، أوبعد مكثه زمانا يمكن ان يزول فيه تغير ما [في
الكوز] لو كان متغيرا؟ فيه وجهان:
اختيار الشيخ أبي محمد الأول، وهو الأصح في "الكافي".
وقال الإمام: لست أعده من المذهب، واختار ترجيح مقابله، وهو الأظهر في
"الرافعي".
ثم إذا لم نحكم بطهارة ما في الإناء حكمنا الماء الآخر.
والخلاف جار في عكس المسألة: وهو ما إذاكان في الجرة [ماء] طاهر
والمغموس فيه ماء نجس، هل [نحكم بطهارته] أم لا؟ فإن لم نحكم بطهارته
حكمنا بنجاسة ما في الجرة.
ويجري أيضا فيما لو كان الماءان نجسين.
والقلتان عند الشافعي خمسمائة رطل بالبغدادي؛ لأنه روي بإسناد لم يحصره
بقلال هجر [كما سلف] فكانت هذه الرواية مقيدة للرواية المطلقة.
وقلال هجر كانت معروفة عندهم، ولذلك قال في حديث الإسراء في وصف
سدرة المنتهى" فإذا ورقها كآذان الفيلة وثمرها مثل قلال هجر" فلو لم تكن معروفة
стр. 74
لهم ما شبه بها.
وقد قيل: إنها كانت تعمل بالمدينة.
قال الشافعي: والشيء إذا قرن بالكامل يطلق على ما دون النصف؛ فاستظهرت
فجعلت الشيء نصفا، ولأنه غاية الشيء المضاف إلى القربتين.
قال أبو إسحاق: ونسبت إلى هجر، وهو موضع بقرب المدينة؛ لأنها أول ما
عملت به.
قال ابن الجريح: ولقد رأيت قلال هجر، فرأيت القلة [منها] تسع قربتين، أو
قربتين وشيئا ولأن ما زاد على النصف يقال فيه: ثلاثة إلا شيئا، ,لأنه شك فيه، ولو
كان أزيد من النصف لما شك فيه. وإذا جعلت القلة قربتين ونصفا كان مجموع
القلتين خمس قرب.
وقرب الحجاز صغار وكبار -كما قال البندنيجي والروياني عن الشافعي -لا
تسع الواحدة منها أكثر من مائة رطل.
فثبت بما ذكرناه [أن القلتين] خمسمائة رطل، وذلك بالأمنان مائتان وخمسون
منا.
وقد قيل إنهما ألف رطل؛ لأن أكثر ما تسع القربة مائتا رطل؛ فنزلنا قول ابن جريح
عليها؛ وعلى هذا يكون بالأمنان خمسمائة من.
وقيل: إنهما ستمائة رطل، وبالأمنان ثلاثمائة من، وهو اختيار القفال
والزبيري صاحب "الكافي" -كما قال الإمام والفوراني -لأن"القلة" مأخوذة
стр. 75
من استقلال البعير وأبعرة الحجاز ضعاف لا تستقل بأكثر من وسق، وهو ستون
صاعا؛ فيكون مائة وستين منا؛ فالقلتان ثلاثمائة وعشرون منا، فيذهب الوعاء والحبل
بعشرين، ويبقى الخالص ثلاثمائة [من]، وادعى الغزالي: أن هذا ما عليه
الفتوى، وهو في هذا متبع للفوراني؛ فإنه هكذا قال.
لكن الصحيح في "الكافي" للخوارزمي وغيره من كتب العراقيين الأول، وهو ما
حكاه الماوردي عن سائر الأصحاب.
ويتايد بأن القلة -في اللغة_: هي الجرة العظيمة، سميت بذلك؛ لأن الرجل
العظيم يقلها بيده، أي: يرفعها عن الأرض.
فعلى هذا: فتقديرها بالمساحة ذراع وربع طولا وعرضا وعمقا عند تساوي
الأضلاع وإن اختلفت فالمعتبر قدر ذلك بالحساب إذا كانت النجاسة الواقعة فيه
مائعة، فإن كانت جامدة فسنذكر حكمه.
وهل الخمسمائة رطل تقريب أو تحديد؟ فيه وجهان:
كلام بعض المصنفين -ومنهم الفوراني -يقتضي طردهما في كل ما جعلناه حدا لهما.
واختار ابن سريج وغيره أن ذلك تقريب، وهو الأصح في "الكافي" و"الوسيط"
و"الرافعي".
واختيار أبي اسحاق الثاني.
[وقال الشيخ أبو بكر]: وهو الأصح عند أبي الطيب وغيره؛ كما قال الإمام.
فعلى هذا لو نقص رطلا واحدا أو أقل منه ضر.
قال الإمام: وهذا عندي إفراط؛ فالوجه في التفريع على هذا أنه لو نقص ما
стр. 76
يظهر، ولا يحمل على تفاوت يقع في كرات الوزن، هو [الذي] ينقص الحد.
وعلى الأول لا يضر نقصان رطل ورطلين؛ كما قال الماوردي والفوراني وغيرهما
وهو ما حكاه الغزالي عن الأكثرين، وقال: إنهم لم يسمحوا بثلاثة، وهذا ما حكاه
الإمام عن شيخه.
ومنهم من لم يسمح بأكثر من ثلاثة؛ حكاه أبو علي في "الشرح" ولم يورد في
"الكافي" غيره.
وفي" تعليق القاضي الحسين": أنه لا يضر على هذا نقصان من ومنين
وثلاثة.
وعن صاحب "التقريب": أنه لا يضر نقصان نصف قربة من قلة، وهو الذي
تردد فيه ابن جريح، وهو ما حكاه المتولي في التفريع على هذا الوجه.
قال الإمام: ولعل صاحب" التقريب" رد القلتين على هذا إلى أربعمائة رطل،
ويسقط محل التردد، ثم يقع في الأربعمائة تقدير التقريب، ولست أعده من المذهب،
وإنما هو خطأ ظاهر.
وقال الغزالي: لعل الأقرب أن يقال: إذا نقص قدرا لو طرح عليه شيء
من الزعفران لو قدر طرحه على الكل، لظهر التفاوت في الحس -فهو مؤثر، وإلا
فلا.
وهذا الضابط أولى من التقدير بالأرطال، فإن ذلك يسوق إلى التحديد
بالأرطال، وهذا ما أبداه الإمام.
وعلى هذا لو وقعت النجاسة في ماء، وشك [فى أنه] هل نقص عنهما نقصا
يضر أم لا؟ فيه احتمالان للإمام: ينظر في أحدهما إلى أن الأصل اعتبار القلة وهو
الظاهر، وفي الآخر [إلى أن الأصل عدم] النقص الفاحش.
стр. 77
والمذكور في"الحاوي" وغيره فيما إذا شك بعد وقوع النجاسة في الماء هل
هو قلتان أو أقل: فهو نجس.
وقال في "الروضة": المختار، بل الصواب الجزم بطهارته؛ لأن الأصل طهارته.
وقد أفهم قول الشيخ أمرين:
أحدهما: [أنه] إذا كان عدم تغيره؛ لموافقة النجاسة له في الصفات، ولو قدر
مخالفا له لغيره -لا يضر، وهو ماش على أصلهم في أن الاعتبار عند إلقاء المائع
الطاهر على الماء المطلق بالأكثر، لكن المتولى جزم القول بأن الاعتبار في هذه
الصورة باحتمال التغيير عند المخالفة، وفرق بينها وبين ماإذا ورد المائع الطاهر على
الماء على وجه؛ فإن الطاهر لا يضاد الماءمن كل وجه فعلقنا الحكم بالغلبة.
والنجاسة تضادها من كل وجه؛ فلا يمكن اعتبار الغلبة؛ وهذا ما حكاه الرافعي أيضا،
وقال: إن التفرقة بينهما تقع من وجه آخر، وهو أنا ثم نعتبر التقدير بالوسط كما سلف،
وهنا نعتبره بأشد الصفات.
الثاني: أنه لا فرق في الحكم بالطهارة عند عدم التغيير بين أن تكون النجاسة مائعة
كالبول أو جامدة كالميتة، وهو ما حكاه العراقيون.
نعم، قالوا: إن كانت النجاسة مائعة، هل يجوز استعمال الجميع، أويبقى قدر
النجاسة؟ فيه وجهان:
المذهب منهما -كما قال البندنيجي وأبو الطيب -الأول، وهو الأصح في
"النهاية".
قال الرافعي: والوجه الثالث المذكور فيما إذا اختلط المائع [بمائع] طاهر جار
ها هنا.
وقالوا -فيما إذا كانت النجاسة جامدة_: إن خرجت من الماء جاز استعماله
جميعه، وإن لم تخرج منه: فإن كان الماء أكثر من قلتين، قال ابن القاص وأبو إسحاق:
стр. 78
يجب أن يستعمل من موضع يكون بينه وبين النجاسة قدر قلتين؛ لأنه لا حاجة
[به] إلى أن يستعمل الماء وفيهةالنجاسة فليبتعد عنها؛ وهذا ما حكاه الإمام وغيره
من المراوزة عن الجديد.
وقال ابن سريج، والإصطخري وعامة أصحابنا كما قال أبو الطيب وصححه: إنه
يستعمله كيف شاء؛ لقوله ﵇:" إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس"؛ وهذا ما
حكاه الإمام وغيره من المراوزة عن القديم وصححوه.
قال ابن الصباغ: وما ذكره أبو إسحاق وابن القاص غير صحيح؛ لأنه ماء محكوم
بطهارته، والاعتبار بجميعه؛ فلا معنى لما ذكره، وهذا فيه منع؛ لأن المراوزة نقلوا عن
أبي اسحاق: أنه قال بنجاسة ما جاوز النجاسة إلى قدر قلتين، وروده بأن ذلك يؤدي
إلى تنجيس ما وراء القلتين بمقدار قلتين، وهكذا، ولا قائل به.
وإن قلنا يقول أبي إسحاق الذي نسبه المراوزة إلى الجديد -قال القاضي
الحسين: قال القفال [من] أصحابنا: لم يذكروا في كيفية اعتبار القلتين حدا، وقالوا:
لو كان في [بحر] عظيم، وتباعد عن النجاسة قدر نصف ظفر، واغترف منه يجوز؛
لأنه في العمق قد بلغ قلالا كثيرة.
وعندي يجب أن يكون بين موضع النجاسة والاغتراف قدر قلتين على استواء
الأضلاع في الطول والعرض والعمق. فأما إذا كان متفاوتا فلا يجوز؛ وهذا ما
حكاه الإمام ومن تبعه، ووجهه: بأنا إنما راعينا ذلك؛ لأن العمق الخارج عن هذه
النسبة لا يصلح أن يكون حائلا.
وقال القاضي الحسين تفريعا على هذا: المعتبر أن يكون بينه وبينها ذراع وربع
في عرض ذراع وربع، بعمق ذراع وربع؛ وهذا إذا كان له عرض [فإن لم يكن له
عرض] فيعتبر الطول والعمق -قال في "التتمة" -بمقدار ما فات من العرض
في الحساب.
قال: وكذا لو عدم العمق، وكان له طول وعرض، يزيد في الطول والعرض بقدر ما
стр. 79
عدم من العمق بطريق الحساب.
كذا لو عدم الطول، وكان له عرض وعمق يعتبر الفائت بالحساب ويزيد في
العرض والعمق؛ إذ لا مزية لعرض الماء على طوله وعمقه؛ فجاز أن يعتبر قدر
القلتين [من إحدى هذه الجهات.
والقاضي الحسين يقول: إنه لو كان منبسطا على الأرض النجسة لا يجوز أخذه
بالكوز إلا أن يكون بينه وبين جرم النجاسة قدر قلتين] عمقا وطولا، وإذا [كان]
أقل من ذلك [لا يجوز].
وعلى ما قاله الأصحاب قال الفوراني: إذا كان بينه وبين النجاسة قدر شبر، فيأخذ
طول شبر في عرض شبر في عمق شبر.
فإن كان بينه وبينها شبران فيأخذ طول شبرين في عرض [شبرين] في عمق
شبرين، وقس على هذا.
وإن قلنا بما قاله ابن سريج، ونسبه المراوزة إلى القديم: لو كان الماء على مستو
من الأرض عمق شبر أوفتر مثلا بحيث لا يكون التراد، فهل يجب التباعد؟ فيه
وجهان ذكرهما الإمام عن رواية المحاملي في القولين والوجهين
وإن كان الماء قلتين فقط -كما هي صورة الكتاب -فعلى رأي أبي إسحاق وابن
القاص: لا يستعمل شيئا منه، وعلى رأي ابن سريج وغيره: يجوز أن يغتسل فيه
ويتوضأ، وهل يجوز أن يتطهر بما يغترف منه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، وهو ما أشار إليه في "الشامل" بقوله -بعد حكاية مذهب أبي
إسحاق وابن القاص في هذه المسألة_: ومن أصحابنا من قال هاهنا: لا يجوز
الاستعمال لمعنى آخر، وهو أنه إذا غرف منه غرفة فالباقي نجس؛ فيجب أن يكون
الذي في كفه نجس أيضا.
والثاني: يجوز، وهوالصحيح، ولم يحك في "الكافي" غيره؛ وهذا إذا لم
تصعد النجاسة فيما اغترفه ولا سبق إلى ما اغترف به شيء فشيء من الماء، فإن
стр. 80
كان فالكل نجس.
قال في "التتمة": وأصل هذا الخلاف إذا كان معه جرة من الماء الطاهر فوضعها
في ماء ناقص عن قلتين بقدر مافي الجرة وهو نجس، فهل يطهر؟
فإن قلنا: لا يطهر، لم تجز الطهارة بما اغترفه هنا، وإلا جاز.
والمراوزة قالوا في هذه الصورة: هل الماء طاهر أو نجس؟ فيه قولان:
الجديد: أنه نجس.
والقديم: أنه طاهر، وهو الذي صححه القاضي الحسين والفورانيوالإمام
وغيرهم.
وعلى هذا لا يجب على المستعمل اجتناب حريم النجاسة أيضا، وهو ما جزم به
الإمام، وقال الرافعي: إنه المذهب؛ بخلاف الماء الحاري إذا كان فيه نجاسة جامدة
فإنه يتجنبها وحريمها على ما سنذكره. والفرق: أن الجاي يحرك النجاسة، والنجاسة
تصادمه فيوجب ذلك تعدي النجاسة. وفي الراكد، قرار الراكد يوجب تساوي أجزاء
الماء في النجاسة فالقريب والبعيد على وتيرة واحدة.
وقال في "الوسيط": إن [الحريم نجس] في الماء الراكد أيضا.
وإذا عرفت أن ماذكرناه عرفت أن عدول الشيخ عن قوله:"وإن كان الماء قلتين
ولم يتغير فهو طهور" إلى قوله:"فهو طاهر" لأجل ما ذكرناه من التفصيل
والخلاف.
قال: وإن تغير فهو نجس؛ لقوله – عليه السلام_:"الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما
غلب على ريحه أو لونه أو طعمه" رواه ابن ماجه، ومن رواية أبي داود
стр. 81
........................................................................
стр. 82
"خلق الله الماء طهورا لا ينجسه إلا ما غير طعمه أو ريحه"، وقيس اللون
عليهما؛ لأنه في معناهما، بل أبلغ منهما؛ لأن دلالته على بقاء النجاسة أبلغ من دلالة
الطعم عليه؛ كذا قاله ابن الصباغ.
وقد قيل: إته جاء في رواية ذكر اللون، ولم يثبتها المحدثون.
فإن قيل: كيف يحسن على الأولى قياس اللون عليهما مع أن الحصر في الخبر
يقتضي أنه لا يؤثر، والقياس في معرض النص فاسد [الوضع].
قلت: ذلك إذا اقتضى القياس إبطال النص، ونحن هنا لا نبطله، بل نعمل بموجبه،
وقد ادعى ابن المنذر إجماع أهل العلم على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه
نجاسة [فغيرت طعمه أو لونه أو ريحه] أنه ينجس ما دام كذلك.
وظاهر كلام الشيخ يقتضي أمرين:
أحدهما: أنه لا فرق في نجاسته عند التغيير بين أن يكون بالمخالطة أو بالمجاورة:
كما إذا ألقيت فيه جيفة فغيرته بريحها, وهو المشهور.
وعن الشيخ أبي محمد حكاية وجه آخر: أنه إذا تغير بالمجاورة, أنه لا ينجس كما
لو تغير بريحها وهي بقربه والأصح عند الإمام وغيره الأول.
الثاني: أنه لا فرق بين أن يتغير كله أو بعضه؛ وهذا ما صرح به في
стр. 83
" المهذب" وغيره, وعبارة ابن الصباغ: "أنه إذا كان في موضع ماء راكد منبسط
وفيه جيفة قد تغير ما قرب منها برائحتها ولم يتغير الباقي – فإن الكل نجس
وإن كثر؛ لأنه ماء واحد, والماء الواحد لا يتبعض حكمه, فإذا كان بعضه نجسا كان
جميعه نجسا.
وفي "زوائد" العمراني أن أصحابنا حملوا ذلك على إذا ما كان الماء قلتين فقط
ومنهم من بحمل ذلك على ما إذا كان غير المتغير دون القلتين, وأن ظاهر كلام
صاحب "المهذب" على الإطلاق.
وما حكاه عن الأصحاب يوافقه قول صاحب "التتمة": إن كان غير المتغير قلتين
فأكثر لم ينجس؛ لأن ما تغير بالنجاسة لا يزيد على عينها.
نعم, لو أراد أن يستقي من غير المتغير فالحكم ما سلف في النجاسة العينية؛ وهذا
هو المحكي عن القفال, والأصح في "الروضة" وإن كان ظاهر المذهب في
"الرافعي" الأول.
стр. 84
قال: وإن زال التغير بنفسه – أي: بلا سبب من خارج – أو بماء, [أي]: صب
عليه أو نبع – طهر؛ لزوال علة التنجيس, وهو التغيير.
وطهر: بفتح الهاء, ويجوز ضمها.
وظاهر كلام الشيخ: أنه لا فق في طهره بالماء بين أن يكون قدر القلتين أو أقل,
وبه صرح الماوردي, وما ذكرناه من الحكم والتعليل في الصورتين هو ما أورده
الجمهور.
وفي "التتمة" أن الإصطخري قال: [إنه] يطهر فيما إذا زال التغيير بنفسه؛ لأن
نجاسته تثبت لوارد فلا تزول إلا بوارد.
قلت: ولعله هو القائل من أصحابنا – كما قال الماوردي [وغيره] عند الكلام
في مناظرة أبي حنيفة في إزالة النجاسة بالمائع-: إن ارتفاع معنى الحكم ليس موجبا
لارتفاع الحكم.
وزوال التغيير بالشمس أو الريح أو نبات شيء فيه كزواله بنفسه, صرح به
الماوردي غيره.
وعلى المشهور إذا عاد التغيير؛ فإن كانت النجاسة جامدة وهي فيه ينجس, وإن
كانت مائعة أو جامدة وقد أذيبت قبل التغيير الثاني لم يتنجس؛ قاله الماوردي.
قال: وإن زال بالتراب ففيه قولان:
أصحهما: أنه يطهر لما ذكرناه.
قال الرافعي: ومنهم من يوجهه بأن التراب يوافق الماء في الطهورية فيتعاونان في
دفع النجاسة؛ ولهذا يجمع بينهما في إزالة النجاسة؛ وهذا القول ذكره المزنب في
"جامعه الكبير" واختاره, ووافق الشيخ على تصحيحه القاضيان: أبو الطيب, وأبو
حامد.
стр. 85
ومقابله: أنه لا يطهر؛ كما لو زال [بطرح كافور أو] مسك أو نحوهما فيه, وهذا
ما نص عليه في "حرملة" واختاره الشيخ أبو حامد.
وقال الفوراني وصاحب "الكافي" والرافعي: إنه الأصح, والروياني: إنه الأظهر.
وكلام أبي الطيب يفهم أن القولين منصوصان في "الجامع الكبير" و "حرملة".
والماوردي صرح بأنهما مذكوران في "الجامع الكبير" وابن الصباغ صرح بأنهما
منصوصان في حرملة.
وقد أفهم كلام الشيخ أمورا:
أحدها: أنه لا فرق في جريان الخلاف عند زوال لتغيير بين حالة كدورة الماء
وصفائه, والمتولي خصه بحالة التكدر, وقال – فيما إذا صفا-: إنه يطهر؛ لأنا قد
علمنا أن التراب قد جذب النجاسة إلى نفسه, وفارق أجزاء الماء والكثرة موجودة.
قلت: ومساق هذا التعليل أن يكون التراب مع النجاسة التي ضمها [إليه]
كنجاسة عينية؛ فيأتي في استعمال الماء ما سلف.
الثاني: أنه لا فرق في التغيير الذي زال بالتراب بين أن يكون الطعم أو اللون أو
الرائحة, وكلام النقلة مضطرب فيه: فالذي يرشد إليه كلام ابن الصباغ أنه الرائحة فقط,
وهو ما حكاه الرافعي عن بعضهم, وقال: إن الأصول المعتمدة ساكتة عن ذلك.
قلت: ولا يستقيم [على] ما ذكره المتولي من تخصيص الخلاف بالتكدر,
وبعض الشارحين قالوا بما اقتضاه كلام الشيخ, وهو ما يقتضيه كلام غيره؛ فإن في
كلام القاضي الحسين والفوراني وغيرهما إشارة إلى أن اللون فيما نحن فيه كالرائحة,
وبه صرح في "التتمة", وإذا صج ذلك في اللون كان الطعم مثله, وقال في "الروضة":
إن المحاملي والفوراني وآخرين صرحوا به.
الثالث: أن زواله بغير التراب من الجامدات لا يطهره جزما، وهي طريقة الشيخ
أبي حامد.
والفرق: التراب أحد الطهورين؛ فالتحق بالماء؛ ولهذا لو طرحه فيه فغيره
стр. 86
لا يسلبه الطهورية.
وبعض الأصحاب طرد القولين فيما إذا زال بالجص والنورة نحوهما، وهي ما
صححها الرافعي وغيره قائلين بأن التراب لم يكن مزيلا لكونه طهورا، بل لكونه غير
ساتر، والجص ونحوه مثله.
وعبارة ابن الصباغ مصرحة بأن القولين منصوصان في ذلك في"حرملة".
وقال الروياني في "تلخيصه": إن المزني نقلهما.
وفي "الكافي" حكايتهما قولين، وحكاية [الخلاف] في التراب وجهين.
قلت: والأصح عندي ما أفهمه كلام الشيخ؛ لأن الجص ونحوه إذا ألقي على الماء
المطلق وغيره سلبه الطهورية عند العراقيين، وألحقه بسائر المائعات، حتى لو وردت
عليه نجاسة غير معفو عنها نجسته، ولا تزول نجاسته إذا كانت قد غيرته بزوال
التغيير، وإذا كان كذلك فزوال التغير بالنجاسة بعد إلقاء ذلك فيه يجوز أن يكون بعد
تغيره بذلك وسلب طهوريته؛ فلا ينفع فيه الزوال، ويجوز أن يكون معه، وفي نفعه في
هذه الحالة نظر، والأصل الحكم بنجاسته، فيبقى إلى أن يتحقق رفعه، وفارق هذا
التغير بالتراب؛ فإنه إذا طرح في الماء قصدا وغيره لا يسلبه الطهورية عند العراقيين،
وهو الصحيح؛ فلا جرم بأن الخلاف فيه -والله أعلم -يجري على الطريقة الطاردة
للخلاف في الجص ونحوها هو طاهر غير مطهر؛ إذا بقي متغيرا.
ولو كان الماء أكثر من قلتين وقد تغير، فهو يطهر بما يطهر به إذا كان قلتين فقط،
وبما إذا زال التغير بأخذ شيء منه ولم ينقص عن قلتين.
ولو كان الماء أقل من قلتين فطريق تطهيره أن يبلغ قلتين غير متغير، فإن كان
متغيرا وهو دون القلتين؛ فصب عليه ماء حتى زال تغيره ولم يبلغ قلتين، فهل يطهر؟
فيه وجهان: أصحهما في "الكافي" و "الرافعي": لا.
ويقال: إنه اختيار القفال.
стр. 87
وأصحهما عند الباقين مقابله؛ كما في مسألة النجاسة.
وهذا في "النهاية" منسوب إلى ابن سريج، وخصه بما إذا قصد به الغسل؛ بناء
على أصله في غسل النجاسة.
قال الشيخ أبو علي: وهذا تفريع على أن العصر لا يجب، فأما إذا شرطنا ذلك _
وهو غير ممكن هنا -فإن الوارد لا يتميز عن المورود، فإن الكل نجس.
وعلى قول ابن سريج، قال أبو الطيب: ولا تجوز الطهارة به؛ لأنه غسالة النجاسة؛
وهذا ما قال غيره: إنه المذهب.
وقال البندنيجي: إنه يجيء على مذهب ابن حيران: أنه يجوز أن يستعمل في
الحدث؛ لما ستعرفه.
والذي رآه الإمام: أنه لا يطهر ما [لم] يبلغ قلتين، وعد ما صار إليه ابن سريج
من الهفوات.
وإذا بلغ قلتين جاز استعمال الجميع.
وحكى ابن الصباغ وجها: أنه يبقى منه قدر النجاسة.
قال القاضي الحسين: لو صب عليه ماء مستعملا حتى بلغ قلتين، فهل يطهر؟
قال: إن قلنا: إن المستعمل إذا بلغ قلتين يجوز التطهر به، طهر هنا، وإلا فلا، كما
لو كمله قلتين بمائع.
قال: وقال في القديم: إن كان الماء جاريا_أي: قليلا أو كثيرا_لم ينجس إلا بالتغير.
لما قسم الشيخ الماء الواقع فيه النجاسة إلى القليل والكثير، وبين الطاهر منه
والنجس تفريعا على الجديد -التفت إلى ما انفرد به في القديم، فقال ما ذكره.
ووجهه: أن الماء وارد على النجاسة، وليس بمتغير؛ فكان طاهرا؛ كالماء
стр. 88
المصبوب على الثوب النجس إذا لم يتغير.
قال [الرافعي]: وهذا ما اختاره طائفة من الأصحاب.
ومحل هذا القول كما قال في"التتمة": في الماء الذي يجري على النجاسة
الواقفة، وينفصل عنها.
وقال: إن صاحب "التلخيص" رواه هكذا عن القديم، والقاضي أبو الطيب قال:
إن محله الجرية التي اشتلمت على نجاسة جامدة تجري مجرى الماء لا قبلها ولا
بعدها، والجرية تنقص عن قلتين.
وكلام صاحب "الكافي" يقتضي تصويره بما إذا وقع في الجرية نجاسة مائعة، ولم
تغيره، وهي دون القلتين؛ فإنه قال: المذهب: أنها نجسة.
وقيل: فيه قول آخر: أنها لا تنجس؛ وهذا مااقتصر الغزالي على إيراده تبعا لإمامه،
ووجهه بأن الأولين ما زالوا يتوضؤن ويستنجون من الأنهار الصغيرة، يعني:
و [هي] لا تنفك عن رشاش النجاسة غالبا.
قلت: والأقرب ما قاله المتولي، [و] في معناه ما قاله صاحب"الكافي".
وأما الجرية التي اشتملت على نجاسة جامدة تجري بجريها فهي شبيهة بالماء
الراكد؛ ولذلك قال في"التتمة": فإن كانت قلتين فأكثر ففيها ما سلف، وإن نقصت
عن قلتين فهي نجسة.
والإمام قال فيما إذا كانت النجاسة تجري بجري الماء في الأنهار التي يحتمل أن
تغيرها النجاسة: إنه ينجس من الجرية التي فيها النجاسة، ولعله ما
يتغير شكله بجرم النجاسة، وكذا ينجس ما يقرب منها مما ينسب إليها، وهو الذي
يحرك النجاسة ويتراد عليها من اليمين والشمال؛ قاله الصيدلاني، وهو فحوى
كلام شيخي.
وروي وجها آخر: أنه لا ينجس، وهو غريب ضعيف، لا أعده من المذهب.
وأما ما وراء ذلك مما عن يمين النجاسة ويسارها إلى جانبي النهر من تلك
стр. 89
الجرية، فقد ذهب [ذاهبون] إلى رعاية قولي التباعد بقدر قلتين فيه، والأكثرون
على القطع بأنه لا يجب التباعد عن غير ما ينسب إلى النجاسة، فإن لم نعتبر القلتين
في التباعد، فلا كلام، أي: في طهارته، وإن اعتبرنا القلتين، فقد سبق قياسه.
ولو كان النهر من الأنهار العظام الذي لا يتوقع تغيره بالنجاسة، والنجاسة جارية
فيه -فالذي ذكره المعظم القطع بأنه لا تباعد بقدر قلتين، وإنما يجتنب محل النجاسة
فقط، كما مضى مفصلا، ويستوي في ذلك الأمام والوراء واليمين واليسار.
وذكر صاحب " التقريب" وجها آخر: أن الأمر في ذلك كما في النهر الصغير،
والنهر الصغير إذا كانت كل جرية منه [قدر] قلتين بالنسبة إلى النجاسة اليسيرة _
كالبعيرة مثلا -كالنهر الكبير بالنسبة إلى النجاسة الكثيرة؛ قاله الإمام.
وهذا حكم الجرية التي فيها النجاسة وأما ما قبلها من الجريات، فينظر فيه: فإن
كانت النجاسة تجري بجري الماء، فهو طاهر، بلا خلاف؛ قاله ابن سريج؛ كما لو كان
الماء يخرج من ابريق ويصادف النجاسة؛ فإنه طاهر وإن كان بعضه متصلا
بالبعض المتصل بالنجاسة؛ وكذا ما بعد الجرية التي فيها النجاسة طاهر -أيضا _
نص عليه في "الأم".
وعن صاحب "التقريب" وجه: أن طهارة ذلك تتخرج على قولي التباعد.
قلت: وسأذكر ما لعله خرج منه.
وصاحب "الكافي" قال: إن ما مر بموضع الجرية التي وقع فيها عين النجاسة
تتخرج طهارته على غسالة النجاسة؛ لأن بوقوع النجاسة في الجرية تنجستن وتنجس
النهر، فما يرد على ذلك في حكم الغسالة، ولو كان ما هو أمام النجاسة مرتفعا،
فالماء يتراد لا محالة، لكنه قد يجري مع هذا جريانا متباطئا.
قال الإمام: فالظاهر: أن حكمه حكم الماء الراكد.
ومن الأصحاب من قال: حكمه حكم الماء الجاري. ولست أعده من المذهب.
وإن كانت النجاسة واقفة، والماء يجري عليها: فإن كانت ترد الماء، فما ردته
стр. 90
حكمه حكم ما بعدها، وما لم تصل إليه طاهر.
وعن صاحب "التقريب" طريقة مخرجة له على قولي التباعد.
وما يجري عليها وتحتها وجوانبها قد مضى ما قاله المتولي فيه.
وأبو الطيب وغيره من العراقيين قالوا: إن كان دون القلتين فنجس، وإن كان قلتين،
ولم يتغير، فهو طاهر.
والماوردي وافق على ذلك فيماإذا كانت النجاسة تعم الماء، وحكى فيما إذا
كانت راسبة في أسفل النهر ولا تمر بها الطبقة العليا من الماء، أو كانت النجاسة
طافية على وجه الماء ولا تصل إلى أسفله، فهل نحكم بنجاسة الطبقة العليا في
الصورة الأولى، والطبقة السفلى في الصورة الثانية؟ وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنها لم تمر على النجاسة، ولا لاقتها؛ فصارت كالماء المتقدم عليها.
والثاني: نعم؛ لأن جري الماء إنما يمتنع من اختلاطه بما تقدم وتأخر، وأما ما
علاه واستفل من طبقاته فهو بالراكد أشبه، والراكد لا يتميز حكم أعلاه على أسفله.
وما يمر على النجاسة القائمة من الجريات: إن كانت كل جرية تنقص عن قلتين،
فلم يكن بينه وبين النجاسة قلتان، فنجس على الجديد.
وإن كان بينه وبينها قلتان، وهو متصل، فعند أبي إسحاق وصاحب "التلخيص"
والقاضي أبي حامد: أنه طاهر.
قال الروياني في"تلخيصه":وبه أفتي.
قلت: فلعل صاحب"التقريب" خرج ماذكره من هنا.
وقال سائر الأصحاب -وهو ما حكاه البندنيجي _: إنه نجس، وإن اتصل بذلك
فراسخ مالم يجمع في حوض قلتان؛ لأن لكل جرية حكم نفسها، وهي نجسة؛ وهذا
ما نسبه الإمام إلى ابن سريج، ثم قال: فإن قيل: الماء عن يمين النجاسة ويسارها إذا
كان يبعد بعدا لا يصدم النجاسة، فهو طاهر، والظاهر: أنه لا يجب اعتبار القلتين فيما
عن اليمين واليسار, فإذا انحدر الماء, فكيف يحكم ابن سريج بنجاسة جميع الماء المنحدر؟!
стр. 91
قلنا: إذا امتد الماء، كثر اضطرابه، والتقت الحواشي على الأوساط، وانعكست
الأوساط على البطن؛ فيصير الكل كالشيء الواحد.
فروع:
إذا كان ما حكمنا بنجاسته من الجريات لكونه دون القلتين، يرد على ماء راكد
دون القلتين أيضا لكنه يبلغ بالجرية القلتين -فعن ابن سريج: أنه يطهر [الجميع]
وإن لم يختلط به، قال: ويعرف ذلك بأن تكون الجرية كدرة، والراكد صافيا؛ كذا
حكاه عن البندنيجي وابن الصباغ، ولم يكه غيره، وقال: إن الحكم كذلك فيما لو
كان بجانبي النهر موضع منخفض يركد الماء فيه، وما فيه من الماء لا يبلغ قلتين، وفيه
نجاسة لم تغيره، لو كان الراكد متغيرا، والجاري يمر عليه، ويتصل به، ولا يخلط به.
نعم: لو كان الراكد متغيرا، وكل جرية تمر به قلتان -قال ابن الصباغ: فقياس
المذهب: أن يحكم بنجاسة كل جرية؛ لأن الجميع كالماء الواحد، وإذا انفصلت
الجرية يحكم بطهارتها؛ لأتها انفصلت وهي قلتان غير متغيرة.
قلت: وإذا كان قياس المذهب نجاسة الجرية في حال اتصالها مع كونها قلتين،
فالحكم بنجاستها إذا كانت دون القلتين والحالة هذه أولى وتبقى بعد الانفصال
كذلك؛ لفقد الكثرة.
والإمام قال: إذا كان في حوض ماء راكد، ويدخل إليه ماء ضعيف، ويخرج _
فالمقدار الجاري هو الذي يدخل ويخرج، وما عن جانبيه وما تحت المجرى إلى
العمق حكمه حكم الراكد، فلو كان على المقدار الجاري نجاسة تجري بجري الماء،
والتفريع على أنه لا يجب التباعد، أو كان الماء كله جاريا، فلا ينجس الراكد –
فإنه يجوز في هذه الصورة الاغتراف من جانبي القدر الجاري، فكيف يتعدى حكم
النجاسة إلى ما وراءه؟
ولو وقعت النجاسة على [ماء له] حكم الركود، والمقدار الراكد أقل من قلتين،
حكمنا بنجاسة الراكد.
стр. 92
ثم حاشية الجاري تلقى في جريانها نجاسة واقفة -وهي الماء الراكد -فقد
يقتضي ذلك نجاسة الماء الجاري الضعيف في منحدره؛ فاقتضى قياس ماتمهد: أن
النجاسة على المقدار الجاري لا تتعدى إلى الراكد، والنجاسة على الراكد إذا كان لأقل
من قلتين يتعدى حكمهما إلى الجاري.
ولو كان في وسط النهر حفرة لها عمق، والماء يجري عليها، فقد حكى صاحب
"التقريب" نصا للشافعي: أن للماء في الحفرة حكم الركود.
قال الإمام: ونحنونقول: إذا كان الماء الجاري يغلب مافي الحفرة ويبدلها
ويخلفها في جار، وإن كان يلبث الماء قليلا ثم يزايل الحفرة، فله في زمان اللبث
حكم الركود.
وإن كان لا يلبث بل يثقل حين كثر، ثم يشتد في الجري، فله في زمان التثاقل
حكم الماء الجاري الذي بين يديه ارتفاع وهو متحرك على بطء.
وإن كان ما في الحفرة لابثا وفيه نجاسة، والماء يجري عليها، فماء الحفرة نجس،
والجاري عليها في حكم الجاري على نجاسة واقفة لا تتزحزح.
فائدة: القديم إذا أطلق، فالمراد [به] ما صنفه الشافعي بالعراق، ويسمى: كتاب
الحجة.
ورواة القديم -كما قال الوياني _: أحمد بن حنبل، والزعفراني،
стр. 93
وأبو ثور.
والجديد إذا أطلق فهو ما صنفه وأفتى به بمصر، ورواته: المزني، والربيع
المرادي صاحب" الأم" -وقد ذكر الإمام في كتاب الخلع: أن"الأم" من الكتب
القديمة، ولم أظفر بذلك لغيره -والبيع الجيزي، والبويطي، وحرملة، ومحمد
стр. 94
بن عبد الله بن عبد الحكم، وعبد الله بن الزبير المكي.
وقد اختلف كلام الأئمة في عد القديم من مذهب الشافعي:
فقال الإمام في مسألة التباعد: ومما بلغنا ثلاث مسائل في كل منها قولان،
والقديم منهما أصح من الجديد: أحدها: هذه.
وغيره يقول: إنها أربع عشرة مسألة.
وإنها تزيد على ذلك، وستعرفها في مواضعها [إن شاء الله تعالى].
وقال الإمام عند الكلام في سبق الحدث:" إن الشافعي إذا نص في القديم على
شيء، وجزم في الجديد بخلافه، فمذهبه الجديد، وليس القديم معدودا من المذهب،
لكن أئمة المّذهب يعتادون توجيه الأقوال القديمة". وقد أعاد مثل هذا القول -أو
قريبا منه -عند الكلام في جلد الميتة إذا دبغ، كما سنذكره، وقال في باب العاقلة:
وقد ذكرت مرارا: أنه لا يحل عد القول القديم من المذهب الشافعي [مع رجوعه
عنه].
стр. 95
وحكى القاضي الحسين والصيدلاني وغيرهما خلافا عن الأصحاب في أن
الشافعي إذا قال فيالقديم شيئا، ونص في الجديد على خلافه، هل يكون رجوعا عن
القديم له [أم] لا؟ وقد ذكرته في أول باب مايفسد الصلاة.
وبالجملة: فمن قال شيئا ثم قال بخلافه، فلا وجه لمقلده إلا العمل بالمتأخر
[والله أعلم].
قال: وما تطهر به من حدث – أي: كالمستعمل في المرة الأولى في الوضوء عن
حدث وغسل الجنابة والحيض والنفاس وغسل الميت إذا قلنا بطهارته.
قال: فهو طاهر؛ لقوله ﷺ :" الماء طهور ... " الخبر المشهور.
ولأنه ماء طاهر لاقى محلا طاهرا؛ فكان طاهرا؛ كما لو غسل به ثوب طاهر.
فإن قيل: لا نسلم أنه لاقى محلا طاهرا؛ فإن أعضاء المحدث نجسة.
قيل: لو كان كذلك لتنجس مالاقاه في حال الرطوبة، وقد روى البخاري أن
رسول الله ﷺ كان إذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه.
قال: غير مطهر في أظهر القولين.
اتبع الشيخ في هذه العبارة القاضي أبا حامد، فإنه هكذا قال في "جامعه".
ووجه الأظهر منهما ما روي أنه ﵇ _:" نهى أن يتوضأ الرجل بفضل
وضوء المرأة"، وفي رواية: عن أن تتوضأ المرأة بفضل وضوء الرجل.
стр. 96
ولا يخلو إما أن يكون أراد بالفضل ما في الإناء أو ما ينحدر عن الأعضاء، ولا
يجوز أن يكون الأول مرادا؛ لإجماعنا مع الخصم على جواز التوضؤ به، وعليه تدل
الأخبار الصحيحة؛ فتعين الثاني.
ولأن الأولين مع تحرزهم في طهارتهم لم ينقل عنهم أنهم جمعوا الماء
المستعمل، ولو كان التطهر به جائزا لفعلوه؛ لحيازة فضيلة الوضوء خصوصا وفي
стр. 97
الماء قلة عندهم.
ولا يقال: إنهم لم يجمعوه للشرب ومع ذلك فشربه مباح؛ لأن عدم جمعه للشرب
لما فيه من العيافة؛ وهذا القدر لا يسقط الوضوء.
ومقابله: أنه مطهر لقوله تعالى ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ [الفرقان: ٤٨]
وطهور ليس بعنى طاهر كما تقرر؛ فهو إذن من الأبنية الدالة على التكرار: كصبور،
وشكور، وقتول؛ فإن هذه أسماء لمن تكرر منه الصبر والشكر والقتل، وإذا دلت
على التكرار دلت على جواز التطهر به مرة بعد مرة.
ولأنه استعمال لم يغير صفة الماء؛ فلم يسلبه الطهورية؛ كما لو غسل به ثوبا
طاهرا؛ وهذا القول نسبه القاضي الحسين إلى القديم.
ويقال: إنه لم يحكه عن الشافعي غير عيسى بن أبان من أصحاب أبي حنيفة.
وأبو ثور قال: إنه سأل أبا عبد الله عنه فتوقف فيه، وعني بأبي عبد الله الشافعي.
وعلى هذا متى تغير بالاستعمال سلبه الطهورية، وهل يؤثر فيه التغيير اليسير أة لا
بد من الكثير؟ فيه ما سلف بتغيره بالطاهرات؛ لأن تغيره ييكون بما على البشرة؛ قاله
الإمام.
وقد ذهب بعض الأصحاب -وهو ابن سريج، وابن أبي هريرة -إلى القطع
بالقول الأول، وقال: لا نأخذ مذهب صاحبنا من المخالفين، خصوصا وعيسى بن
أبان لم يلق الشافعي، ورواية أبي ثور لا تنفي القول ولا تثبته فلا حجة فيها.
وعلى هذا فالجواب عن الآية: أن "فعولا" قد روي بمعنى ما يفعل به: كقولهم:
سحور، وفطور، ونحو ذلك
стр. 98
ثم إن سلمنا أنها للتكرار، فالمراد ثبوت ذلك في للجنس أو في العضو الذي يمر
عليه الماء.
والفرق بين استعمال ذلك في الطهارة واستعماله في غسل ثوب طاهر: ما أشار
إليه الشافعي: أنه ليس على الثوب والأرض تعبد، بخلاف البدن. وهذه الطريقة أصح
عند الماوردي، والأولى طريقة أبي إسحاق والقاضي أبي حامد.
ثم لأجل ماذا امتنع استعماله في الطهارة به؟ فيه معنيان:
أحدهما: تأدية الفرض به.
والثاني: لا، بل تأدي العبادة به.
قال الإمام: والمسلكان جميعا لا يصلحان لإثبات أصل المذهب؛ لقصورهما
عنه، وإنما معتمد المذهب ما سلف.
واحترز الشيخ بقوله: "من حدث" عن المتطهر به من خبث؛ فإن حكمه في
الطهارة والنجاسة سيأتي؛ وعن المستعمل لا في حدث ولا خبث المستعمل في
الأغسال المسنونة، وفي تجديد الوضوء، وفي المرة الثانية والثالثة في الحدث،
والخبث بعد طهارة المحل، وفي المضمضة والاسنتنشاق ونحوها – فإن في جواز
الطهارة به وجهين حكاهما ابن سريج:
أحدهما: نعم؛ لأن الشافعي جعل العلة فيه في الماء المستعمل كونه أدى به فرضا،
وهذا لم يؤد به الفرض؛ ولأجل هذا ادعى الماوردي وابن الصباغ: أنه ظاهر المذهب،
وصححاه، وكذا صاحب " الكافي ".
والثاني: [لا]؛ لأنه مستعمل فيما أمر الشرع به، وحث عليه؛ فأشبه المستعمل
في رفع الحدث.
وهذا ما اختاره القفال؛ كما قال الروياني في " تلخيصه" واختاره الإمام وصححه.
وقال القاضي الحسين؛ إنه مستبط من قول الشافعي: إن على الناس تعبدا في
أنفسهم بالطهارة، وليس على الثواب تعبد ولا على الأرض تعبد.
стр. 99
والوجهان جاريان فيما توضأ به الصبي قبل البلوغ، كما قال القاضي الحسين.
وفي " الكافي ": الجزم بأنه مستعمل؛ لأنه مأمور به، مضروب عليه.
وهما - أيضا - يجريان فيما اغتسلت به الذمية من الحيض؛ لتحل للزواج أو
السيد المسلم: فمن يقول: العلة تأدي الفرض به، يجعله مستعملا، ومن يقول: العلة
تأدي العبادة به، فلا؛ لأن الكافر ليس من أهل العبادة.
وهذا إذا قلنا: إنه يجب عليها الإعادة إذا أسلمت، أما إذا قلنا: لا تجب الإعادة،
فهو مستعمل قولا واحدا؛ قاله الإمام.
والمتولي بنى الخلاف على أنه هل يجب التجديد بعد الإسلام أم لا؟
فإن قلنا: يجب، جاز استعماله، وإلا فلا.
قلت: ومن هنا يظهر لك عدم جواز الطهارة بما استعمله الصبي في رفع الحدث؛
ولا خلاف في أن المستعمل في الكرة الرابعة في الوضوء والغسل مطهر؛ لأنه لم
يتأد به فرض ولا عبادة، وفي معناه ما جدد به الوضوء والغسل، حيث لا يستحب،
وما تؤضأ به الحنفي هل يلحق بما توضأ به الشافعي؟ فيه ثلاثة أوجه: ثالثها: إن نوى
كان كما لو توضأ به الشافعي، وإلا فليس بمستعمل.
قال في " الروضة " والأصح: أنه مستعمل مطلقا.
وقد أفهم كلام الشيخ: أنه لا فرق على أظهر القولين [بين] أن يستعمل
المستعمل في الحدث في حدث آخر أو خبث، وهو ما عليه عامة الأصحاب؛ كما
قال أبو الطيب وغيره، وحكو عن ابن خيران والأنماطي: أن المستعمل في
الحدث لا يجوز أن يستعمل في حدث آخر، ويجوز أن يستعمل في الخبث؛ لأن
للماء حالين: حالة رفع الحدث، وحالة إزالة الخبث، ولم يستوف إلا إحداهما؛ فتبقى
стр. 100
الأخرى؛ ولذالك قالا: إن المستعمل في الخبث لا يستعمل في خبث آخر إذا حكمنا
بطهارته، ويستعمل في رفع الحدث.
قال الماوردي: ومنهم من منع استعماله في الحدث أيضا. وفرق بأن حكم
الخبث أقوى؛ فلم يجز استعمال المستعمل فيه في غيره، والصحيح الأول.
والحالتان إنما تثبتان على البدل، وإلا فللماء قوة إباحية الوضوء والغسل، ومع هذا
فالمستعمل في لوضوء لا يستعمل في الغسل وبالعكس.
ثم هذا فيما إذا وقع أحد الاستعمالين منفكا عن الآخر، فلو وقعا معا بأن كان على
عضو من أعضاء طهارته نجاسة؛ فصب الماء عليه بقصد رفع الحدث، فهل يحكم
بطهارة المحل عن الحدث والخبث، أو عن الخبث فقط؟ فيه خلاف قدمته في باب
"صفة الغسل"، ومثله [ما] سلف أول الباب، والذي نذكره هنا أن المتولي قال: إن
الجنب لو قلب على رأسه ماء، وكان على بعض أعضائه نجاسة، فإن قلنا: إن
المستعمل في الحدث يستعمل في الخبث، زالت به النجاسة، واحتاج إلى تجديد
غسل ذلك المحل؛ لأجل الجنابة؛ لأنهما فرضان؛ فلا يؤديان بغسل واحد.
وإن قلنا: لا يستعمل في الخبث، فهل نحكم بطهارة الموضوع؟ فيه وجهان،
أحدهما: نعم؛ لأن الماء قائم على المحل، وإنما ثبت له صفة الاستعمال بعد
الانفصال.
قال: فإن بلغ قلتين، أي: بلغ الماء المستعمل في الطهارة قلتين، وقد قلنا: [إنه]
لا يجوز استعماله إذا كان دونهما – جازت الطهارة به؛ لأن تأثير الاستعمال في الماء
دون تأثير النجاسة [فيه]، وقد ثبت أن النجس إذا بلغ قلتين، جازت الطهارة
به؛ فهذا أولى.
ولأن الكثرة تمنع ثبوت حكم الاستعمال في الابتداء؛ كما نص عليه الشافعي
فتمنعه دواما؛ كما في النجاسة؛ وهذا ما نص عليه في " الأم " واختاره ابن سريج وأبو
إسحاق وغيرهما.
стр. 101
وقيل: لا تجوز؛ لأن المنع من استعمال عند القلة خروجه عن اسم الماء المطلق
بالاستعمال، وبلوغه ألف قلة لا يخرجه عن ذلك؛ وهذا ما حكاه الماوردي عن أبي
العباس، واختاره في "المرشد".
خاتمة: وصف الماء بالاستعمال لا يثبت له ما دام يتردد على المحل، فإذا انفصل
عنه، ثبت له، سواء انتقل عنه إلى الأرض أو إلى عضو آخر، حتى لو انتقل من إحدى
اليدين إلى الأخرى، ثبت له حكم الاستعمال.
قال في"الروضة":وفي هذه الصورة وجه شاذ محكى في "البيان" في باب
"التيمم": أنه لا يصير مستعملا؛ لأن اليدين [كالعضو الواحد] والبدن جميه في
الغسل في حكم العضو الواحد في الوضوء، فلا يصير الماء مستعملا بانتقاله من
عضو منه إلى عضو آخر.
وفي" الحاوي" حكاية وجه آخر: أنه لا يصير مستعملا بالانتقال كما في الوضوء،
وصححه المراوزة، وبه قطع الفوراني والمتولي، وذلك مصور بما إذا نزل الماء من
على وجهه إلى صدره، وقطع ما بينهما من الفضاء.
والأصح [الأول وهو] ما أبداه الإمام احتمالا.
стр. 102
أما إذا انتقل من عضو إلى عضو على الاتصال المحسوس، فالوجه القطع بأنه غير
مستعمل؛ كما لو انتقل [في] العضو الواحد في الوضوء من محل إلى محل.
نعم قال الخضري: إذا انغمس الجنب في ماء قليل ناويا، ارتفعت جنابته عن
أول جزء لاقى الماء، وصار الماء مستعملا.
قال: ويخالف ما لو صب الماء عليه حيث لا نحكم بالاستعمال بمجرد الملاقاة؛
لقوة الورود.
وعلى هذا فقد يقال: إنه يصير مستعملا بانتقاله عن عضو إلى عضو على الاتصال
المحسوس في الجنابة، ومن محل إلى محل في العضو الواحد في الوضوء،
والصحيح في مسألة الخضري: أنه لا يصير مستعملا، وترتفع جنابته عن [جميع]
جسده، وأنه لا يثبت للماء حكم الاستعمال في حقه إلا بخروجه، وهو محكي عن
стр. 103
نص الشافعي في" الأم"، ورأيت في" الإبانة" أن الخضري رجع إليه.
قلت: وينبغي أن يكون استكمال طهارته قائما مقام خروجه [منه، يعني]: لو
أحدث بعد استكمالها وقبل خروجه، ورام أن يجدد الطهارة، لا يجوز له ذلك؛ لأنا
لم نثبت له حكم الاستعمال قبل استكمال الطهارة؛ لأجل المشقة، وهي منتفية
هنا، لكن في "الكافي" في هذه الصورة: أنه يرتفع حدثه به؛ تفريعا على المذهب.
وأما استعماله بالنسبة إلى غيره، فيثبت قبل خروجه، وقبل استكمال طهارته، حتى
لوأراد آخر أن يغتسل به في هذه الحالة لم يجز، لأن بنا ضرورة إلى بقاء حكم
الطهورية للأول، ولا ضرورة بنا هنا إليها في حق الثاني.
وفي" الرافعي" حكاية وجه آخر: أنه لا يثبت الا ستعمال في حق غيره إلا بانفصاله،
حتى إذا انغمس معه في الماء [آخر] ارتفع حدثه أيضا.
وعلى الأول لو انغمسا معا، ونويا تحت الماء جازت طهارتهما، ولو نويا عند
إدخال أرجلهما فيه رفع الجنابة ارتفعت عن الجزء الذي اقترنت به النية فقط دون ما
بعده، يوافق عليه الخضري وغيره، كما قال بعضهم، وقال في "الروضة":إنه
الصحيح. وفيه إشارة إلى أن الاستعمال لا يثبت فيه أيضا على وجه، وهو الذي ذكرناه
عن رواية الرافعي في الحدث قبلها.
والمذكور في"التتمة"الأول.
ولو انغمسا معا، ونوى أحدهما قبل الآخر، قال في "الروضة": فالصحيح أنه
يرتفع حدث السابق عن جميع بدنه.
وفيه وجه الخضري.
стр. 104
وفرع هذه المسألة: إذا أدخل المحدث الحدث الأصغر يده في الإناء بعد
غسل الوجه قاصدا رفع الحدث عنها، ففي ارتفاعه عن جميعها، أو عن أول جزء
منها فقط خلاف الخضري وغيره، وبعد انفصالها يثبت له حكم الاستعمال بلا
خلاف.
نعم لو كان حالة إدخال اليد، قصد الاغتراف فقط، لا يصير الماء مستعملا.
فإن قيل: لو قصد المتوضىء بغسل يديه التبرد، وهو غافل عن نية الوضوء، كان في
صرف نيته المستصحبة بهذه النية الحاضرة خلاف، فلم لا جرى مثله هاهنا حتى
يكون الحكم كما لو أدخلها الإناء ولم يقصد شيئا؟
قلت: لأن من لم يجعل القصد التبرد حكما [قائل] بأنه حاصل بفعله الطهارة
وإن لم ينوه؛ فلا يؤثر قصده شيئا، وهنا لا يستلزم وجود أحد القصدين حصول
الآخر.
ولو أدخل اليد فب الإناء، ولم يحدد قصد رفع الحدث، ولا قصد الاغتراف، قال
في "الكافي" وغيره: صار الماء مستعملا عند الانفصال.
وعبارة الإمام: إن تصور انتفاء القصدين جميعا، فهو كما لو قصد غسل اليد، فإن
من نوى وعزبت نيته، ثم غسل بقية أعضائه من غير قصد، يرتفع الحدث عن أعضائه؛
كذا قال الغزالي.
стр. 105
ويمكن أن يقال: هيئة الاغتراف صارفة للنية المستصحبة إلى قصد الاستعمال؛
وهذا ما حكاه المتولي وجها عن بعض الأصحاب في الغسل من الجنابة، ولم يحك
الفوراني فيها غيره.
وألحق المتولي مسألة [الوضوء] بها.
ويقال: إن البغوي قطع به، وعلى هذا لا يرتفع الحدث عن الكف ما لم يمر [عليه
الماء مرة أخرى].
فرع: إذا غسل المحدث رأسه بدلا عن المسح، وقلنا: يجزئه، فهل يصير
مستعملا؟ فيه وجهان: في "الحاوي":
قال ابن أبي هريرة [لا]؛ لأن المستحق في الرأس مسحه بالبلل الباقي عليه؛ فلم
يصر الفاضل عن غسله مستعملا فيه.
والثاني: أنه يصير مستعملا، كما لو احتاج في غسل وجهه إلى رطل، فغسله
بعشرة؛ فإنه يصير مستعملا؛ وهذا أصح في "الروضة".
فلت: وللخلاف التفات على ما سلف في أن النجاسة لو كانت راسبة أسفل
الماء الجاري بحيث لا تلاقيها طبقة الماء العليا، هل يحكم بنجاسة [الطبقة] العليا
أم لا؟ وفيه ما سلف، والله أعلم.
стр. 106
باب الآنية
الآنية: جمع إناء، كسقاه وأسقية، ورداء وأردية، وجمع الآنية: الأواني، وهي
ظروف المياه، فلما ذكر المياه ذكر ظروفها.
قال: تجوز الطهارة -أي: تباح -من كل إناء طاهر بالإجماع؛ فلا يحتاج ما ذكره
الشيخ إلى قيد كما ذكره بعض الشارحين؛ إذ المدعى جوازها على الجملة، وهو
حاصل، وقد ثبت أن رسول الله ﷺ توضأ من شن من جلد، ومن تور من شبه، ومن قدح من خشب، ومن مخضب من حجر.
قال: إلا ما اتخذ من ذهب أو فضة؛ فإنه يحرم استعماله -أي: على الرجل
والمرأة -في الطهارة وغيرها.
ذكر الشيخ غير الطهارة هنا؛ لأمرين:
أحدهما: ما ستعرفه.
والآخر: أنه محل قيام الدليل؛ قال ﵇:" الذي يشرب في آنية
стр. 107
[الذهب] والفضة إنما يجرجر في جوفه نار جهنم" متفق عليه.
وفي "نار" روايتان: النصب، والرفع.
ومعنى الخبر: أنه يلقى في جوفه بسبب [استعماله] ذلك نار جهنم، ومثله ما
جاء في قوله تعالى: ﴿إنما يأكلون في بطونهم نارا﴾ [النساء: ١٠] والتجرجر:
التصوت، يقال: جرجر فلان الماء في حلقه: إذا جرعه جرعا متتابعا يسمع له صوت.
وقال -عليه السلام_: (لا تشربوا في آنية الذهب والفضة)، ولا تأكلوا في
صحافهما، فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة" متفق عليه.
وعن أنس أن النبي ﷺ نهى عن الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة،
وظاهر النهي التحريم، خصوصا وقد تأيد بالخبر الأول، فإن الوعيد بالعقاب إنما
يكون على محرم، وإذا حرم الأكل والشرب فغيرهما من الاستعمالات أولى؛ لأنه
دونهما في المعنى الذي لأجله حرما.
وبعضهم يقول: إنه ﵇ -نبه بذلك على سائر وجوه الاستعمالات؛ كما
في قوله تعالى: ﴿الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما﴾ [النساء: ١٠] فإن الوعيد لا
يختص بنفس الأكل.
ثم تحريم استعمال آنية الذهب والفضة لعينهما أو لمعنى؟
من الأصحاب من رواه مختصا بعينهما، كما اختص بهما القراض والنقدية
وغيرهما.
стр. 108
ومنهم من قال: بل إنما حرم ذلك؛ لما فيه من الخيلاء والتزيي بزي الأعاجم.
وقال الإمام: الذي أراه أن معنى الخيلاء لا بد من اعتباره؛ فإنه مما يبتدر إلى
الفهم، وإذا أمكن اعتبار المعنى فحسمه مع القول بالمعاني بعد.
وقد حكى الرافعي ذلك عن العراقيين أيضا، وأثر الخلاف يظهر في مسائل:
منها: لو اتخذ آنية من ذهب أو فضة ورصصها من الظاهر، فعلى المعنى الأول
يحرم استعماله وعلى الثاني: لا؛ إذ لا خيلاء في ذلك.
ولو رصصها من الظاهر والباطن، قال الإمام: فالذي أراه القطع بجواز الاستعمال؛
فإن الإناء من الرصاص وقد أدرج فيه ذهب مستور فيه.
قال الرافعي: والذي يجيء على رأى من جعل مناط التحريم العين: التحريم أيضا.
وفي "الروضة" حكاية طريقين في المسألة:
إحداهما: تخريجه على الوجهين: أصحهما عنده الإباحة.
والثانية: القطع بها.
قلت: والأظهر التفصيل: فإن كان للرصاص المعمول على ذلك جرم يمكن أن
ينفصل فلا يحرم، وإلى هذه الحالة يرشد قول الإمام:" إن الإناء من رصاص، وقد
أدرج فيه ذهب" وإن كان لا يتحصل من الرصاص الموضوع عليه شيء جرى
الوجهان.
ومنها لو اتخذ آنية من رصاص ونحوه، وغشاها بالذهب أو الفضة، بحيث لا
يجتمع منه شيء لو عرض على النار -فعلى المعنى الأول: لا يحرم، وعلى الثاني:
يحرم؛ لأن الخيلاء موجود فيه، فإن المراد بالخيلاء إظهار أن ذلك آنية ذهب وفضة،
وذلك ينكسر به قلوب الفقراء.
ومن قال: إن معنى الخيلاء ملاحظ بلا شك، يعلل وجه الإباحة -هنا -بأنه لا
يكاد يخفي المموه بغيره فينتقي معنى الخيلاء من ذلك، ولو كان يجتمع من ذلك
شيء بالنار، حرم وجها واحدا.
وكلام الشيخ يقتضي في الصورة الأولى الجزم بالتحريم، وفي الثانية بمقابله، وإن
كان في باب ما يكره لبسه, ألحق المموه بالذهب, بالذهب؛ وهذا كله تفريع على
стр. 109
الجديد في [أن استعمال] آنية الذهب والفضة حرام.
وقد حكى الزعفراني عن القديم: أن ذلك مكروه، وليس بمحرم؛ لأن ما فيه
الخيلاء والتشبه بالأعاجم لا ينهض حجة في التحريم؛ وعلى هذا فالمموه بالإباحة
أولى.
لكن الصحيح بالاتفاق الأول، بل قال الإمام: إن المراوزة لا يعرفون غيره، وأنهم
نقلوا -[أيضا]-للشافعي في نفي التحريم بخيلاء، ثم أولوه وحملوه على أن
المشروب في نفسه لا يحرم.
وقد أفهم كلام الشيخ: أنه لا فرق في الآنية بين ما ذكر منها وما صغر: كالمكحلة،
والمسعط، والمدهن، والمرشف ونحوه، وبه صرح الماوردي في كتاب الزكاة وألق
به [الميل]، وقال: إن استعماله لأجل جلاء العين إذا احتاج إليه يكون مباحا: كربط
السن بالذهب.
وعن الشيخ أبي محمد تردد في إباحة الظروف الصغيرة من الفضة، وضبط
بعضهم الصغير منها بقدر الضبة التي لا تحرم بقصد الزينة.
ورأى الإمام القطع بتحريم الكل.
قال القاضي الحسين: وإذا أراد الإنسان استعمال الماورد الذي في آنية الفضة،
فطريقه أن يقلبه في يساره، ثم يقلبه من يساره في يمينه، ويستعمله؛ فلا يكون محرما.
وليس من الاستعمال المحرم شم البخور الذي يصعد من على مبخرة فضة
والقرب منها، نعم: الاحتواء على المبخرة منه.
стр. 110
قال: فإن تطهر منه، صحت طهارته؛ لأن المنع لا يختص بالطهارة؛ فلم يقتض
الفساد: كالصلاة في الدار المغصوبة، والذبح بسكين الغير، وهذه وهي الفائدة الأخرى
التي تقدم الوعد بها.
ولأن التطهير يقع بإجراء الماء على الأعضاء، وذلك يكون بعد انفصاله من الإناء.
قال: وهل يجوز اتخاذه؟ فيه وجهان:
وجه الجواز: أن المنع بالاستعمال دون الاتخاذ.
قال البندنيجي وغيره: ولأنه لا خلاف في صحة بيعه.
وهذا فيه نزاع مذكور في كتاب البيع.
ووجه التحريم -وهو الصحيح -: أن ما حرم استعماله على الرجال والنساء، حرم
следующие страницы →