← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 7771–7810 · переход к 7776.

стр. 7771

ولأن العقل عرض يختص بمحل مخصوص؛ فلم تتداخل فيه أروش الجنايات كالسمع والبصر، وهذا هو الجديد. ومقابله: أن أرش الجناية إن كان أقل، اندرج في دية العقل، وإن كان أكثر كما إذا قطع يديه وأنفه فذهب عقله –دخلت دية العقل في أرش الجناية، ووجبت ديتان؛ و [هذا] هو القديم؛ لأن ذهاب العقل يعطل المنافع من سائر أعضائه؛ لأن المجنون لا ينتفع بنفسه وإن كانت سائر أعضائه سليمة؛ فجرى ذلك مجرى خروج الروح، وقد أفسد هذا بأمور، ومنها: أن قضية تشبيهه بالروح: أن تندرج أروش الجنايات في دية العقل وإن كانت أكثر منه؛ كما تندرج أروش الجراحات في دية النفس وإن كانت أكثر منها، وأيضاً: فإنه لو قطع يد ميت [فإنه] لا قصاص عليه ولا دية، ولو قطع يد مجنون وجب. واحترز المتولي عن هذا في توجيه هذا القول، فقال: العقل يشبه الروح؛ من حيث إن زواله يشبه زوال الروح [في زوال التكليف]. ويشبه فوات منفعة البصر؛ من حيث إنه يبقى الجمال في صورة الأعضاء مع زواله؛ كما يبقى الجمال في الحدقة بعد زوال الضوء؛ فلشبهه بالروح يدخل أرش الجناية في ديته إذا كان الأرش أقل، ولشبهه بالضوء لا يجمع بين بدله وبين أرش الجناية على الجزم؛ كما لا يجمع بين دية البصر وأرش العين القائمة، وإن كان تفويت العين القائمة يوجب حكومة، بل يدخل الأقل في الأكثر. واعلم أن جزم الشيخ باندراج الأرش الذي ليس بمقدر دية في العقل، وحكاية الخلاف في الأرش المقدر – لم يوافقه عليه أحد من المصنفين فيما وقفت عليه، إلا القاضي الحسين في "تعليقه"، وقد حكاه الإمام عنه أيضاً، وقال: إنه ليس بشيء. والجمهور – كالقاضي أبي الطيب، والماوردي، والبندنيجي، وابن الصباغ، والمتولي، [والبغوي]، وغيرهم – حكوا القولين الجديد والقديم في الصورتين، وحينئذ يكون قول الشيخ: "دخل أرش الجناية في دية العقل"، اختياراً

стр. 7772

منه للقديم، ويؤيده قضاء عمر ﵁ كما ذكرناه. نعم، الموضع الذي لا يجب فيه سوى دية العقل جزماً: إذا زال [عقله] بمال لا أرش له، كاللطمة، واللكمة، والضرب بالحجر والعصا على الرأس أو حول القلب، وفي هذه الحالة هل يجب التعزير مع الدية؟ الذي أطلقه الجمهور: الوجوب. وحكى الماوردي فيه وجهين، ووجه المنع: أن دية العقل أغلظ من التعزير؛ فاندرج فيها. وسلك في "المهذب" طريقاً آخر – قال الرافعي: إنه في غيره أيضا ً- وهو: أن أرش الجناية إن كان مثل الدية أو أكثر، لم تدخل فيه دية العقل، ولا [تدخل] دية العقل فيه، وحكاية القولين فيما إذا كان أرش الجناية أقل من دية العقل: هل يدخل في دية العقل، أم لا؟ وهو خلاف نص الشافعي ﵁؛ فإنه قال: إذا قطع يديه؛ فزال عقله؛ فهل الواجب دية، أو ديتان؟ [فعلى قولين]. فرع: لو أنكر الجاني زوال العقل، ونَسَبَهُ إلى التجانن – راقبناه في الخلوات وأوقات الغفلة: فإن لم تنتظم أقواله وأفعاله وجبت الدية من غير يمين؛ لأن تحليفه يثبت جنونه، والمجنون لا يحلف. نعم، لو كان الاختلاف فيمن يجن وقتاً، ويفيق وقتاً – حلفناه في زمن إفاقته. وإن وجدناها منظومة، فالقول قول الجاني مع يمينه؛ لجواز أنها صدرت من اتفاقاً، أو جرياً على ما اعتاده. قال: ويجب في العينين الدية؛ لما روى النسائي [أن] في كتاب [عمرو] بن حزم: "وَفِي العَيْنَيْنِ دِيَةٌ"، وروى على بن أبي طالب رضي الله عنه

стр. 7773

عن النبي ﷺ أنه قال: "فِي الَعيْنَيْنِ الدِّيةُ". ولأنهما من أعظم الجوارح نفعاً، وأجلِّ الحواس قدراً، فكان إيجاب الدية فيهما أحرى. وسواء في ذلك الصغيرة والكبيرة، والحادِّة والكليلة، والصحيحة والعليلة، والعشواء والعمشاء والحولاء؛ إذا كان النظر سليماً؛ قاله الماوردي. وألحق الغزالي الأخفش بالأعمش، وسنذكر ما قيل فيه في الفروع. قال: وفي أحداهما نصفها؛ لأن في كتاب عمرو بن حزم [أن النبي ﷺ ] قال:"فِي العَيْنِ خَمْسُونَ مِنَ الإِبِلِ". قال الشافعي: أراد به العين الواحدة. ويؤيده ما روى معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال [: "وفِي إِحْدَى العَيْنَيْنِ نِصْفُ الدِّيِةِ" ولأن كل دية وجبت في عضوين وجب نصفها في أحدهما؛ كاليدين. قال: وإن جنى عليه جناية، فادعى منها ذهاب البصر، أي: حالاً ومآلاً، وكذبه الجاني، وشهد بذلك شاهدان من أهل المعرفة- وجبت الدية؛ لما روى معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال] "وَفِي البَصَرِ الدِّيةُ"، ولأن منفعة العين بناظرها؛ فإذا سلبها كملت عليه ديتها كالشلل في اليدين، ولا يحتاج مع إقامة البينة إلى يمين. وقد خالفت هذه المسألة مسألة دعوى زوال السمع؛ حيث لا يُرَدُّ ثَمَّ إلى أهل

стр. 7774

الخبرة؛ لأنه لا اطلاع لهم عليه؛ بخلاف ضوء البصر؛ فإنه يمكن الاطلاع عليه في ضوء الشمس. ويقوم مقام الشاهدين في جناية الخطأ رجل وامرأتان؛ كما قاله البندنيجي. فرع: لو عاد بصر المجني عليه بعد أن قضى له بالقود أو الدية، قال في "الحاوي": فالمذهب: أنه لا درك عليه بعوده فيما قضى له به من قود أو دية. وللشافعي –﵁ – في سن المثغور إذا قلعت؛ فاقتص منها، أو أخذ ديتها، ثم عادت قولان، أحدهما: يلزمه رد ديتها؛ فعلى هذا اختلفت الأصحاب في تخريجه في العين إذا عاد بصرها على وجهين: فعلى وجه: يرد، وهذا ما ذكره مجلي والمصنف؛ استدلالاً بأن الضوء لو زال، لم يعد. وعلى وجه: لا يرد شيئاً، والفرق: أن عود السن معهود في جنسه، وعود البصر غير معهود في جنسه. وعلى هذا: لو اقتص من الجاني، ثم عاد بصره – لم يؤخذ بذهابه ثانياً على الصحيح من المذهب، وهل يؤخذ على القول المخرج من السن؟ فيه وجهان. فرع آخر: لو جنى على بصر صبي، أو مجنون؛ فذهب ضوء عينه، وقال أهل الخبرة: إنه لا يعود؛ ففي "المهذب" وغيره حكاية قولين: أحدهما: لا يجب عليه شيء في الحال؛ لجواز ألا يكون البصر زائلاً. والثاني: يجب عليه القصاص أو الدية. قال: وإن قالا: ذهب ولكن يرجى عوده إلى مدة معلومة – انتظر إليها حتى لا يبقى ارتياب، فعلى هذا: إن لم يعد في تلك المدة وجبت الدية، وكذا القصاص، [قاله البندنيجي والماوردي. وادعى الجيلي أنه لا يجب القصاص] بلا خلاف، وهو ما أورده المصنف والرافعي والبغوي ومجلي؛ لأن قول أهل الخبرة يورث شبهة. وإن عاد لم يجب عليه قصاص ولا دية، ووجبت [عليه] حكومة الجناية إن أثرت؛ وإن لم تؤثر عزر.

стр. 7775

ولو جنى على المجني عليه [آخر] في مدة الانتظار ففقأ عينه – فالدية على الأول دون الثاني، [وكذا القود]، قاله الماوردي والبندنيجي، وعلى الثاني الحكومة. وقضية ما حكيناه عن "المهذب" وغيره في المسألة السابقة: ألا يجب القود على الأول، وتجب عليه الدية خاصة؛ للشبهة. قال: فإن مات قبل انقضائها وجبت الدية؛ لتحقق الجناية، والتردد في عود الضوء، مع كونه غير معهود، بخلاف عود السن؛ حيث جرى في إيجاب أرشه في مثل هذه الحالة قولان؛ فإنه معهود فيمن لم يثغر، وهذا ما جزم به البندنيجي وابن الصباغ. وقد قيل بطرد القولين المذكورين [في السن] هاهنا أيضاً. فعلى قول: لا يجب سوى الحكومة؛ كما حكاه الماوردي والمصنف وغيرهما، وهو بعيد؛ لما ذكرناه. أما إذا لم يقدراه بمدة معلومة، لم ينظر؛ لأنه يؤدي إلى إسقاط [موجب] الجناية. قال البندنيجي: فيؤخذ منه القود، أو الدية في الحال. ولو قال أهل المعرفة: لا يعرف حال العين، ويجوز أن يكون بصرها ذاهباً؛ فإن كنا المجني عليه بالغاً، عاقلاً امتحن في أوقات غفلاته بما يزعج البصر رؤيته، ويشار إلى عينه بما توقاه البصر بإغماضها، ويؤمر بالمشي في طريق الحفائر والآبار، ومعه من يحوله عنها وهو لا يشعر؛ فإن دلت أحواله على صدقه؛ [جعل القول] قوله، ويحلف؛ لجواز تصنعه [فيه] ويقضي له بعد يمينه بالقود أو الدية، وإن دلت أحواله على كذبه؛ بأن كان يطبق طرفه عند الإشارة، ويتوقى بئراً إن كانت، ويعدل عن حائط إن لقيه – كان القول قول

стр. 7776

الجاني، مع يمينه على أن بصره لباقٍ؛ لجواز أن يكون قد جرى ذلك اتفاقاً. وإن كان المجني عليه صغيراً، أو مجنوناً، انتظر بلوغه وإفاقته، بعد حبس الجاني: إن مات قام وليهما مقامهما فيما يدعيانه من ذهاب البصر، [واختلافهما] عليه إن كان] معهما ظاهر يدل على صدقهما؛ قاله الماوردي. واعتبر الإمام الامتحان بما ذكرناه [في ابتداء] الأمر من غير عرض على أهل الخبرة. وفي "التتمة": أن الحاكم بالخيار: إن شاء راجع أهل الخبرة، وإن شاء امتحنه. قال: وإن نقص الضوء، أي: في العينين، ولم يكن قد عرف مدى بصره قبل الجناية – وجبت حكومة؛ لتعذر إيجاب قسط من الأرش المقدر. وفي "الرافعي": أن ذلك على الطريقين المذكورين في السمع: فمنهم من اعتبره بمثله في السن والصحة، والأكثرون على ما ذكره الشيخ؛ لاختلاف الناس في الإدراك. ويروي عن الماسرجسي أنه قال: رأيت صياداً كان يرى الصيد على فرسخين. أما إذا كان قد عرف مدى بصره قبل الجناية، اعتبر مدى بصره بعدها، ولزمه من الدية بقد رما بين المسافتين، قاله الماوردي. وحكى عن الشافعي – ﵀ – فيما إذا نقص ضوء أحداهما عن الأخرى: أن تعصب عينه العليلة، وتطلق الصحيحة، وينصب له شخص من بعد على نشز من الأرض أو مستويها؛ فإذا رأى الشخص – بوعد منه حتى ينتهي إلى مدى لا يراه بعده، ويختبر صدقه؛ بأن يعاد الشخص من جهات شتى، ويغير ما عليه؛ كما قاله القاضي أبو الطيب؛ فإذا وثق بما قاله من هذا الاختبار الذي لم يختلف مدى البصر فيه باختلاف الجهات – مسح قدر المسافة؛ فذا كانت ألف ذراع – مثلاً – علم أنه قدر مدى بصره مع الصحيحة، وإن اختلف عمل بالأقل؛ احتياطاً، ثم أطلقت العليلة، وعصبت الصحيحة؛ فإن رأى الشخص

стр. 7777

من مداه علم أنه لم يذهب من بصره العليلة شيء، وإن لم يره قرب منه حتى ينتهي إلى حد يراه، ويختبر ذلك بالجهات، ويحسب بأكثر ما قاله من مدى بصره بالعليلة، ويمسح؛ فإن كان خمسمائة ذراع – مثلاً – كان الذاهب النصف؛ فيؤخذ بربع الدية؛ لأنه نصف دية إحدى العينين، وعلى هذه النسبة فقس. وقد حكى ابن الصباغ أن الشافعي ﵁ قال في "الأم": لو زعم اهل العلم بالطب أن بصره يقل إذا بعدت المسافة، ويكثر إذا قربت، وأمكن هذا في المذارعة [عملت عليه]. ولفظ البندنيجي: أوجبت الحصة. قال ابن الصباغ: وبيان هذا: أنهم إذا قالوا: الرجل إذا كان ينظر إلى مائة ذراع؛ فإذا أراد أن ينظر إلى مائتي ذراع احتاج للمائة الثانية إلى ضعفي ما تحتاج إليه الأولى من البصر؛ فحينئذ إذا أبصر بالصحيحة إلى مائتي ذراع، وبالعليلة إلى مائة- علمنا أن نقص من ضوئه ثلثاه. قال الشافعي – ﵀: "ولا أظن أن هذا يضبط"، ومن هذا اللفظ أخذ الأصحاب – كما حكاه مجلي عن الشيخ أبي حامد عنهم – أن هذا لا يمكن معرفته ولا العمل عليه. قال: فإن ادعى نقصانه فالقول قوله – أي: مع يمينه – لأنه لا يعرف إلا من جهته. قال: وفي العين القائمة الحكومة. العين القائمة: هي التي بياضها وسوادها صافيان، ولا يبصر بها شيئاً، وإنما وجبت الحكومة؛ لأن في إذهابها إتلاف إجمال من غير منفعة؛ فأشبه قطع اللسان الأخرس؛ وهكذا الحكم في العين التي ركبها بياض امتنع النظر بسببه، وإن كان باقياً تحت البياض؛ لأنه لا يبصر به؛ كما لا يبصر بالذاهب من أصله. قال الماوردي: ولا فرق في ذلك بين أن يرجى زوال البياض بالعلاج؛ فيعود البصر، أو لا. [نعم]، لو كان البياض قد أذهب بعض البصر وبقي البعض؛ فهو على ضربين:

стр. 7778

أحدهما: أن يكون قد غشي جميع النظار وهو رقيق؛ فصار يبصر أقل من بصره قبل البياض، فإن أمكن معرفة ما ذهب بالبياض وجب في الباقي قسطه من الدية، وإن لم يمكن ففيه حكومة. والضرب الثاني: أن يكون البياض قد غشي بعض الناظر؛ فلا يبصر بما غشيه، ويبصر بما عداه؛ فيلزم الجاني عليها إذا أذهب بصرها ما كان باقياً منها من نصف أو ثلث، أو ربع، إذا عرف ذلك وخبر من أهل بالبصر. وقد ذكرنا فيما [إذا] حصل بالجناية ارتتاق منفذ السمع، مع بقاء السمع في مقره وجهاً رجحه الرافعي: أنه لا تجب الحكومة، ولا يبعد مجيئه في نظيره هاهنا، وألا فيعسر الفرق. فروع: الأول: إذا ضرب عينه؛ فأشخصها، وذهب بعض بصرها – لزمه أكثر الأمرين من: دية الذاهب من بصرها، أو حكومة إشخاصها، ولا يجع عليه بينهما؛ لاجتماع محلهما، ويكون أقلهما داخلاً في الأكثر؛ قاله الماوردي. الثاني: إذا ضربه؛ فصار أعشى، وهو الذي لا يبصر لليل – قال في التهذيب: يجب عليه نصف الدية. الثالث: ولو عشى إحدى عينيه، فربع الدية. وقضية ما حكيناه عن الماوردي من إيجاب الدية كاملة في قلع عين الأعشى: ألا يجب عند حصول العشى بالجناية إلا الحكومة؛ عملاً بما نقلناه عن الأصحاب في الأذن الشلاء. وأبدى الرافعي تخريج وجه: أنه يجب فيه كمال الدية من قول الغزالي: إن إزالة بصر الأخفش يوجب كمال الدية؛ لأن الأخفش –كما فسر -: هو الذي يبصر بالليل دون النهار، وإذا وجب في ذلك كمال الدية وجب أن يجب في الذي يبصر في النهار دون الليل ذلك.

стр. 7779

قال: وفي الأجفان الدية؛ لما روى بعض أصحابنا أن النبي ﷺ قال في كتاب عمرو ابن حزم: "وفي الجفون إذا استؤصلت الدية"، لكنه ليس بمشهور عند أصحاب الحديث؛ فنقول: لأنها من تمام الخلقة فيها منفعة وجمال يؤلم قطعها، ويخاف على النفس من سراية الجناية عليها؛ فكملت فيها الدية؛ كسائر الأعضاء. ولا فرق في ذلك بين أجفان الصغير والكبير، والبصير والضرير. قال الماوردي: وأما القود، فإن أمكن فيها، ولم يتعد ضرره إلى العينين- وجب، وإلا سقط. قال: وفي كل أحد ربعها؛ لأن كل ذي عدد من الأعضاء تكمل فيه الدية، يقسط على عدده؛ كاليدين والرجلين في تقسيط ديتهما عليهما، وعلى الأصابع، وتقسط دية الأصابع على الأنامل، وسواء في ذلك الجفن الأعلى والأسفل. قال: وفي الأهداب الحكومة؛ لأن فيها جمالاً ومنفعة، لكن منفعتها – وهي ذبها عن البصر – منفعة ضعيفة؛ فلم تجب لأجل ذلك بها الدية؛ كما في الأظفار. وأيضاً: فإن الدية إنما تجب في قطع ما يخاف من سرايته، [ويؤلم في إبانته]، وهذا معدوم في الأهداب. ومحل إيجاب الحكومة إذا نتفها، ولم تعد، أو عادت دون الأولى، لكن في الحالة الثانية تكون أقل من الأولى. أما إذا عادت بعد النتف كما كانت، فوجهان: أحدهما: تجب الحكومة أيضاً. والثاني: لا شيء له؛ لعدم التأثير، ويعزر الفاعل؛ لأجل الأذى. قال: فإن قلع الأهداب مع الأجفان، لزمه دية؛ لأن الشعر إذا كان نابتاً على العضو كان تابعاً له في الضمان؛ كشعر الوجه. وقيل: يلزمه دية، أي للأجفان، وحكومة، أي: للأهداب؛ لأن في الأهداب جمالاً منفرداً ومنفعة منفردة؛ فوجب لها أرش منفرد. قال الماوردي: وهذا لا وجه له؛ لأن الجفون محل الأهداب؛ فلم تنفرد بالحكومة عنها؛ كالأصابع مع الكف.

стр. 7780

قال: وفي المارن الدية؛ لما روى ابن طاوس، عن أبيه أنه كان عنده كتاب من رسول الله ﷺ فيه: "فِي الأَنْفِ أَوْعَى مَارِنِهِ جَدْعاً الدِّيَةُ". وقد أورد الشافعي – ﵀ – لفظ الرسول ﷺ في ذلك في المختصر. قال الماوردي: وكثيراً ما يفعل الشافعي مثل هذا إذا أمكن؛ فإن لم يمكن فبألفاظ الصحابة؛ فإن لم يجد فبألفاظ أئمة التابعين، وكثيراً ما يوردها بلفظ عطاء بن أبي رباح. وروى عمرو بن حزم أن النبي ﷺ قال في كتابه إلى اليمن: "وَفِي الأَنْفِ إِذَا أُوعِبَ جَدْعُهُ الدِّيَةُ" خرجه النسائي. ومارن الأنف: هو ما لان من الأنف؛ كما ذكرناه من قبل، وعليه ينطبق قول الشيخ هاهنا. وقال الماوردي: هو ما لان من الحاجز بني [المنخرين] المتصل بعضه بقصبة الأنف، وإن الدية إنما تكمل باستيعاب المارن مع المنخرين، وسواء في ذلك الأنف الأقنى والأفطس والأجحر والأخنس، وأنف الأشم والأخشم. قال: وفي بعضه بحسابه من الدية إن أمكن؛ لما مضى؛ فيقدر بالثلث والربع، ونحوه. وإن لم يمكن فالواجب الحكومة. وحكى الإمام وجهاً: أنا نعتبر النسبة إلى جميع الأنف بقصبته. قال: وإن قطع المارن وبعض القصبة، لزمه [دية وحكومة؛ لأن القصبة] مع المارن كالذراع مع الكف، ولا يبلغ [مع الحكومة] دية الأنف؛ لأنها تبع له، ولا تنقص عن دية منقلة، بل تزيد عليها؛ كما حكينا ذلك عن الماوردي في باب: ما يجب به القصاص، وحكاه الرافعي عن رواية القاضي ابن كج عن النص، وقال: إنه لم يجد لغيره [تعرضاً لذلك]. ويجيء على قياس قول حكيناه من قبل فيما إذا خرق القصبة خاصة أنه تجب دية

стр. 7781

مأمومة، وحكومة هي أكثر من دية منقلة – ألا تنقص عن ذلك على قول أيضاًز وعن أبي عليّ بن أبي هريرة تخريج قول آخر: أنه لا يجب سوى دية المارن؛ بناء على اختلاف قول الشافعي – ﵀ – في قطع الحلمة مع الثديين، وقطع الحشفة مع بعض الذكر. قال الماوردي: وليس هذا التخريج صحيحاً؛ لأمرين: أحدهما: أن محل الحلمة في الثدي، ومحل الحشفة على الذكر، وليس محل المارن على القصبة، وإن اتصل بها؛ فاختلفا. والثاني: أنه لما وجب في إيضاح القصبة مع قطع المارن الدية، ودية موضحة – كان إلزام الغرم في قطع أصلها أحق. قال: فإن ضرب الأنف؛ فشل المارن – ففيه قولان؛ كالأذن، وقد تقدم توجيههما، [وعليهما يخرج] ما لو جدع أنفاً مستحشفاً، كان فيما يلزمه قولان؛ كما قلنا في الأذن الشلاء، صرح بهما الماوردي. قال: وإن عوجه، أي: بالجناية عليه، لزمه حكومة؛ لإزالة الجمال، فإن جبر حتى عاد مستقيماً كانت حكومته أقل. قال: وفي إحدى المنخرين نصف الدية؛ لأنه أذهب نصف المال ونصف المنفعة، وهذا ما حكاه في "المهذب"، وهو المحكي عن النص، وحكاه الماوردي عن رواية الشيخ أبي حامد، عن أبي إسحاق. وفي الرافعي نستبه إلى ابن سريج أيضاً، وصححه البغوي وشيخه القاضي الحين، فعلى هذا يجب في الحاجز حكومة. وقيل: [يلزمه] ثلث الدية [تقسيطاً للدية] على المنخرين، والحاجز الذي اشتمل الأنف عليها، وهذا قول أبي عليِّ الطبريّ، وإيراد الغزالي في "الوجيز" يقتضي ترجيحه، وإليه ذهب القاضيان: الطبري والروياني، وعلى هذا يجب في الحاجز خاصة ثلث الدية. وفي الرافعي أنه يخرج مما ذكره الإمام نقلاً وتلخيصاً: أنه لا يجب في أحد

стр. 7782

الطرفين النصف ولا الثلث، ولكن ينسب ما بقي ويوزع الواجب عليهما؛ فيجب ما يقتضيه التقسيط، وأنه أقام هذا وجهاً آخر، لكنه لا يستغني عن النظر في أن الدية تجب في مقابلة الطرفين، أو الطبقات الثلاث. ثم إذا جعلنا الدية [في] مقابلة الطرفين، فلا يكاد يهر تفاوت بينهما، ولا يكون الواجب إلا النصف. وإن جعلناه في مقابلة الطبقات الثلاث، فيظهر تفاوت الطرفين على الواسطة، ويكون الواجب فوق الثلث ودون النصف. وعلى الوجهين المذكورين في الكتاب يخرّج ما إذا ذهب من بعض المنخرين شيء، ولم يمكن معرفته – في أن الواجب من الحكومة ينقص عن نصف الدية أو ثلثها؛ كما صرح به الماوردي. [قال: وفي الشم الدية؛ لما روي] عن عمرو بن حزم أن النبي ﷺ قال في كتابه إلى اليمن: "وَفِي الشَّمِّ" يعني الدية؛ لأن الشم من الحواس النافعة؛ فأشبه حاسة السمع والبصر. وقيل: فيه حكومة؛ لأن الشم ضعيف النفع، وهذا ما حكاه صاحب التقريب وجهاً، و [حكاه] منصور اليمني قولاً. وعلى الأول – هو الصحيح -: لو جنى عليه؛ فذهب الشم من إحدى المنخرين- لزمه نصف الدية. قال الرافعي: ويشبه أن يجيء فيه الوجه المذكور في إبطال السمع من إحدى الأذنين. وإن نقص الشم، وأمكن معرفة النقص – وجب بقسطه من الدية، وإلا فالحكومة. قال: وإن قطع الأنف، [أي: مارن الأنف]، فذهب الشم – لزمه ديتان؛ لأن الشم في غير الأنف؛ فكان كالسمع مع الأذن.

стр. 7783

قال: فإن ادعى ذهاب الشم، تتبع في حال الغفلة بالروائح الطيبة والكريهة، أي: مرة بعد أخرى؛ لعدم إمكان إقامة البينة على الذهاب. قال: فإن لم يظهر منه إحساس؛ أي: بأن كان لا يرتاح إلى الروائح الطيبة، ولا يظهر منه كراهة الروائح – المنتنة – حلف؛ لأن الظاهر معه، وإمكان تصنعه قائم. وإن وجد منه الارتياح والكراهة، كان القول قول الجاني، لكن مع اليمين على بقاء شمه؛ لاحتمال حصول ذلك اتفاقاً. ثم إذا حلفنا المجني عليه، ثم غطى أنفه عند شم رائحة منتنة، فادعى الجاني أنه غطاه؛ لبقاء شمه، وقال المجني عليه: غطيته؛ لحاجة أوعادة – فالقول قوله، ويحكم له بالدية، قاله الماوردي. فرعان: أحدهما: إذا قضينا بالدية، ثم عاد شمه- لزمه رد الدية؛ لعلمنا بأن ذهاب شمه كان لحائل، ولا شيء له، إلا أن يكون بعد عوده أضعف منه قبل ذهابه؛ [بأن كان] يشم من قريب وبعيد؛ فصار يشم من القريب ولا يشم من البعيد، أو كان يشم الروائح القوية والضعيفة؛ فصار يشم القوية دون الضعيفة؛ فحينئذ ينظر: فإن علم فدر الذاهب منه – قال الشافعي: ولا أحسبه يعلم – كان فيه من الدية بقسطه، وإلا ففيه الحكومة. الثاني: لو كان في أصل الخلقة يشم شمًّا ضعيفاً؛ بأن [كان] يشم من القرب دون البعد، أو القوي من الروائح دون الضعيف، فجنى عليه؛ فصار لا يشم شيئاً – قال الماوردي: ففيه وجهان محتملان: أحدهما: فيه الدية الكاملة؛ كالأعضاء الضعيفة. والثاني: أن الموجود كان فيه بعض الشم؛ [فلم يلزم فيه إلا بعض الدية]، بخلاف ضعف الأعضاء التي يوجد جنس المنافع فيها.

стр. 7784

فعلى هذا: إن عُلم ما كان ذاهباً من شمه، ففيه من الدية بقسطه، وإن لم يعلم فالحكومة يجتهد فيها الحاكم. قال: وفي الشفتين الدية؛ لما روى عمرو بن حزم أن النبي ﷺ قال في كتابه إلى اليمن: "وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ" خرجه النسائي، ولأنهما عضوان من أصل الخلقة فيهما منفعة وجمال يألم بقطعهما، ويخاف من سرايته؛ فأشبهتا اليدين. قال: وفي أحداهما نصفها، وفي بعضها بقسطه؛ لما مر. قال: وإن جنى عليها؛ فشلت، أي: صارتا يابستين لا تتقلصان، ولا تسترخيان – وجبت الدية؛ كما لو جنى على اليدين؛ فشلتا. وهكذا الحكم فيما لو جنى عليهما؛ فتقلصتا، ولم تنبسطا بالمد، أو استرختا بحيث لم تتقلصا عن الأسنان إذا كشر أو ضحك؛ كما نص عليه الشافعي، ﵀. قال الماوردي: وفيه عندي نظر؛ لبقاء منفعتهما بحفظ الأسنان، وما يدخل الفم من طعام وشراب؛ فاقتضى لأجل ذلك أن تجب حكومة؛ بخلاف تقلصهما المذهب لجميع منافعهما، وهذا ما أورده في "المهذب"؛ حيث قال: ون تقلصتا وجبت عليه الحكومة؛ لأن منفعتهما لم تبطل، وإنما حصل بهما نقص. فرع: لو قطع شفة مشقوقة، ففي "التهذيب" و"التتمة": أن فيها دية ناقصة بقدر حكومة الشق، وفي "الحاوي": [أنه يجب جميع ديتها]؛ إن لم يذهب الشق شيئاً من منافعها، وبقسطه إن أذهب معلوم القدر من منافعها، وحكومة إن لم يعلم قدر الذاهب. فرع آخر: هل تتبع حكومة الشارب دية الشفة؟ نقل عن القاضي ابن كج فيه وجهان.

стр. 7785

قال: وفي اللسان الدية، أي: إذا كان ناطقاً سليم الذوق؛ لرواية عمرو بن حزم أن النبي ﷺ قال في كتابه إلى اليمن: "وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ" خرجه النسائي. ولأنه قول أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود – ﵃ – ولا مخالف لهم. ولأنه عضو فيه جمال ومنفعة، يألم بقطعه، ويخاف [من سرايته]؛ فكملت فيه الدية كسائر الأعضاء. [أما جمال] اللسان، فقد روى ابن عباس – ﵄ – أنه "قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فِيمَ الْجَمَالُ؟ قَالَ: فِي اللِّسَانِ"، وروي عنه ﷺ أنه قال: "الْمَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ". وأما منفعة اللسان فالمعتمد فيها ثلاثة أشياء: أحدها: الكلام الذي يعبر به عما في النفس، ويتوصل به إلى أربه. والثاني: حاسة الذوق التي يدرك بها ملاذ طعامه وشرابه، ويعرف بها فرق [ما] بين الحلو والحامض، والمر والعذب، وهذا هو المشهور. وفي "التتمة": أن الذوق في طرف الحلق، وعلى ذلك ينبني ما لو ضربه ضربة أزال بها نطقه وذوقه؛ فقال: عليه ديتان؛ لأن محلهما مختلف، ووافقه في "التهذيب" في الحكم. والثالث: الاعتماد عليه في أكل الطعام ومضغه وإدارته في لهواته، حتى يستكمل طحنه في الأضراس، وتندفع بقاياه من الأشداق. ولا فرق – فيما ذكرناه – بين لسان الصغير والكبير، والمتكلم بالعربية والأعجمية، والفصيح والألكن، والثقيل والعجل، والأرت والألثع؛ كضعف البطش في اليد.

стр. 7786

قال الروياني: ويحتمل أن يقال بخلافه. أما إذا كان ناطقاً مفقود الذوق. قال الماوردي: لم تكمل في الدية، وكان فيه حكومة؛ كالأخرس. فروع: [الفرع الأول] لسان الصغير الذي يعجز عن الكلام إذا قطع، هل تجب فيه الدية؟ ينظر: فإن عرفت سلامته بنطقه بحروف الحلق، وهي أول ما يظهر من الصغير في البكاء، [أو بحروف الشفة في "بابا" و"ماما"، وهي الحالة الثانية للصغير]، أو بحروف اللسان؛ فإذا عرف [منه] أحد هذه الثلاثة في زمانه كملت فيه الدية. قال القاضي الحسين: وضمن بالقود- أيضاً – وإن لم يستكمل الكلام؛ لأنه يكمل في غالب العرف إذا بلغ زمان الكلام. وإن لم يظهر منه في أوقات هذه [الحروف] ما يدل على سلامة لسانه، كان ظاهره دليلاً على خرسه؛ فيلزم فيه حكومة. ولو قطعه ساعة ولادته قال الماوردي: صار لسانه – وإن كان من الأعضاء الظاهرة من الكبير – جارياً مجرى الأعضاء الباطنة؛ فيكون على قولين: أحدهما: يحمل على الصحة، وتكمل فيه الدية، وهذا ما حكاه في "المهذب" وغيره، ونسبه ابن كج إلى قول أبي إسحاق. والثاني: يحمل على عدمه؛ فتجب فيه حكومة، وهذا ما حكاه الغزالي، وحكى الإمام قطع الأصحاب به، مع وقفة لشيخه فيه. ولو تعذر النطق في اللسان لا لخلل فيه، ولكنه ولد أصم، أو أزيل سمعه قبل أن يبلغ مظنة النطق، فلم يحسن الكلام؛ لأنه لا يسمع شيئاً – فالواجب فيه الدية، أو الحكومة؟ فيه وجهان. قال: وإن جنى عليه؛ فخرس – فعليه الدية؛ لأنه سلبه أعظم منافعه؛ فحلَّ ذهابها من اللسان محل ذهاب البصر من العين، وهذا فيما إذا لم

стр. 7787

يقدر على النطق بشيء من الحروف اللسانية والحلقية والشفهية. أما إذا قدر على النطق بالشفهية والحلقية، فقد ذكر في "الوسيط" والوجيز: [أن] الحكم كذلك، وعلله بأن الذي بطل حرفُ مقصود برأسه. قال الرافعي: وهذا لم [أجد] أحداً من الأصحاب تعرض له، وهو مناقض لما ذكره من بعد، وهو أنه يجب في بعض الكلام بعض الدية، وتوزع على جميع الحروف من الشفهية وغيرها، وإنما يستمر ذلك على طريقة الإصطخري على ما يتبين. قال: فإن ذهب بعض الكلام وجب بقسطه؛ لما تقدم، [ويقسم على حروف لغته: فإن] كان أعجمي اللسان اعتبر من عدد حروف كلامه؛ فإن حروف اللغات مختلفة الأعداد والأنواع؛ فالضاد مختصة بالعربية، وبعضها مختص بالأعجمية، وبعضها مشترك بني اللغات كلها، وبعض اللغات تكون حروف [الكلام] فيها أحداً وعشرين حرفاً، وبعضها ستة وعشرين حرفاً، وبعضها أحداً وثلاثين حرفاً. وإن كان عربي اللسان قسط على حروف المعجم التي عليها بناء جميع الكلام، وهي تسعة وعشرون حرفاً؛ كما قال الماوردي، ومنهم من عدها ثمانية وعشرين حرفاً، وأسقط حرف "لا"؛ [لدخوله] في الألف واللام، وعلى ذلك جرى في "المهذب"، وقبله القاضيان: أبو الطيب، والحسين، وكذا ابن الصباغ. وسواء في ذلك حروف الشفة واللسان والحلق في ظاهر قول الشافعي، وجمهور أصحابه – ﵃ أجمعين – وعلى هذا يكون في مقابلة كل

стр. 7788

حرف ثلاثة أبعرة ونصف، [وجزء من] أربعة عشر جزءاً من بعير. وقال أبو علي بن أبي هريرة والإصطخري: يقسط على حروف اللسان، وهي ثمانية عشر كما قال في "المهذب"، وأربعة عشر؛ كما حكاه القاضي الحسين عن الإصطخري دون حروف الحلق والشفة، وهي عشرة: ستة منها للحلق، وهي: الهمزة، والحاء، والخاء، والعين، والغين، و [الهاء]، وأربعة للشفة، وهي: الباء، والفاء، والميم، والواو. قال الماوردي: وهذا فاسد؛ لأن هذه وإن كانت مخارجها في الحلق والشفة، فاللسان معبر عنها وناطق بها؛ ولذلك لم يتلفظ الأخرس بها؛ فعلى هذا: لو ضرب ضارب شفته؛ فأذهب الحروف الشفوية، أو رقبته؛ فأذهب الحروف الحلقية – لا يجب إلا الحكومة. وعن كتاب ابن كج: أنه لو قطع شفته؛ فأذهب الباء والميم، فعن الإصطخري: أنه يجب مع دية الشفتين أرش الحرفين، وأن ابن الوكيل سئل عنه؛ فقال: لا يجب إلا الدية؛ كما أنه لو قطع لسانه، وذهب كلامه، لا يجب الدية. وإن كان يحسن العربية غيرها، قسط على حروف المعجم. [وقيل: يوزع على أكثرهما حروفاً، وقيل: على أقلهما. ومحل التوزيع على حروف المعجم] إذا كان قبل الجناية تحقق الكلام بجميعها، فإن كان ألثغ لا يحسن الكلام إلا بعشرين منها، قال القاضي الحسين: فتوزع الدية على العشرين، وعلى ذلك جرى في "التهذيب". وحكى غيره من المراوزة وجهاً آخر: أن التوزيع على جميع الحروف، دون ما يحسنه، وهذا ما أورده المتولي. وكذا الخلاف فيما إذا تعطل عليه بعض الحروف؛ بسبب جناية، لكنه مرتب، وأولى بالتوزيع على الجميع، وهذا ما أورده الإمام.

стр. 7789

ثم إذا قلنا بالتوزيع على الجميع في الأولى؛ فلو كان الشخص ممن يقدر على التعبير عن جميع مقاصده؛ لفطنته، استحداده من اللغة، وتهديه إلى مناط الكلام، فهل تكمل فيه الدية؟ فيه وجهان، أظهرهما: لا. واعلم أنا في اعتبار الذاهب من الحروف لا نأمره بأن ينطق بكل حرف على حياله؛ لأن الحرف الواحد يجمع في الهجاء حروفاً، بل نأمره بكلمة يكون الحرف الذي نمتحنه فيه من جملتها: إما في أولها، أو في وسطها، [أو في آخرها]؛ فإذا أردت اعتباره في أول الكلمة، وكان المعتبر هو الألف – فَامره أن يقول: أحمد، وأسهل، وأنصر، وأبعد؛ ليكون بعد الألف حروف متغايرة يزول بها الاشتباه؛ فإن لم تسلم له الألف في هذه الأسماء والأفعال كانت ذاهبة وإن سلمت كانت باقية. وإن أردت اعتبار الباء، فَامره أن يقول: بركة، وباب، وبعد. ثم على هذه العبرة تفعل في جميع الحروف؛ فإن ثقل عليه الحرف، ثم أتى به سليماً عد في السليم دون الذاهب، وإن قلبه بلثغة صارت في لسانه عد في الذاهب؛ وكذلك لو صار أرتَّ؛ لأن الأرت يأتي من الكلمة ببعضها ويسقط بعضها. قال: وإن حصلت به تمتمة، أي: صار يردد التاء – ثالثة الحروف – مراراً، أو عجلة – وجبت الحكومة؛ لحصول النقص والشَّيْن بجنايته. وهكذا الحكم لو صار أرد، وهو الذي يردد الكلمة مراراً، أو فأفاء، وهو الذي يكرر الفاء مراراً. فرع: لو كان الباقي من حروف كلامه بعد الذاهب منه لا يفهم معناه، لم يضمنه الجاني، للعلم بأن [بعض] الحروف لا يقوم مقام جميعها؛ فلم يلزمه إلا ضمان الذاهب منها، وهذا ما حكاه الماوردي، والقاضي أبو الطيب، وغيرهما، وقال في "التتمة": إنه المشهور من المذهب، والمنصوص في "الأم". وفي "التهذيب": أنه يجب كمال الدية؛ لأن منفعة الكلام قد فاتت، ويحكي

стр. 7790

هذا عن أبي إسحاق وعن القفال، وفيما روى عن الروياني أنه المذهب. قال الرافعي: ويمكن أن يقال: صورة النص في البعض إذا لم يمكنه أن يأتي بالكلمة التي فيها الحرف الذاهب، ولكن بقي له كلام مفهوم. [والذي صار إليه القفال صورته ما إذا لم يبق له كلام مفهوم]. فرع آخر: إذا جنى على اللسان؛ [فأبدل صورته]، واللسان على اعتداله وتمكينه من التقطيع والترديد- فعليه الدية؛ لأنه من المنافع المقصودة؛ فلو أبطل مع ذلك حركة اللسان حتى عجز عن الترديد والتقطيع، فوجهان أرجحهما: انه تلزمه ديتان. والثاني: دية واحدة؛ لأن المقصود: الكلام، وفواته بأحد طريقين: انقطاع الصوت، وعجز اللسان عن الحركة، وقد يجتمع الطريقان، وقد يوجد أحدهما خاصة. فإن قلنا بالأول وكانت حركة اللسان باقية؛ فقد تعذر النطق؛ بسبب فوات الصوت، قال الرافعي: فيجيء الخلاف المذكور في أن تعطيل المنفعة هل هو كزوالها؟ فإن جعلناه كزوالها وجب ديتان، وإلا فدية واحدة. قال: وإن قطع نصف اللسان، وذهب نصف الكلام- وجب [نصف] الدية؛ لأن ما ذهب من اللسان ومن الكلام تساويا فأيهما اعتبر، كان الواجب هذا. قال: وإن قطع ربع اللسان، وذهب نصف الكلام –وجب نصف الدية وإن قطع النصف، فذهب ربع الكلام –وجب نصف الدية؛ لأن منفعة العضو إذا ضمنت بديته، اعتبر فيه الأكثر من ذهاب العضو والمنفعة. دليله ما لو قطع الخنصر من أصابع اليد، فشلت، فإنه يلزمه جميع ديتها، لذهاب جميع منفعتها، ولو لم يشل [باقيها] لزمه دية الإصبع، وهو خمس دية اليد، لأنه أخذ خمس اليد، وإن كان الذاهب بها أقل من خمس المنفعة كذلك فيما ذهب

стр. 7791

من اللسان والكلام، وهذا تعليل أبي كثير، وظاهر تعليل الشافعي. وقال أبو إسحاق: الاعتبار باللسان؛ لأن الجناية عليه مباشرة، إلا أنه إذا قطع الربع، فذهب نصف الكلام –دل على شلل ربع آخر. قال القاضي أبو الطيب: وهذا غلط؛ لأنه ظن أن الكلام يقابل أبعاض اللسان، فيخص كل بعض من الكلام بعضاً من اللسان، وليس بصحيح؛ لأنه قد يذهببعض الكلام واللسان باق بحاله [لم يذهب منه شيء، وقد يذهب بعض اللسان، ويكون الكلام باق بحاله] لم ينقص؛ فلم يصح ما اعتبره. وتظهر ثمرة الخلاف في فروع: منها: إذا قطع ربع لسانه، فذهب نصف كلامه، ثم جاء آخر، وقطع الباقي – فعلى المذهب: يلزم الثاني ثلاثة أرباع الدية؛ [لأنه قطع ثلاثة أرباع اللسان]، وعلى قول أبي إسحاق: يلزمه نصف الدية، وحكومة [في ربع اللسان]؛ لان [نصف اللسان] سلم وربعه أشل. ومنها: إذا قطع نصف لسانهن فذهب ربع كلامه، ثم جاء آخر، فقطع الباقي، فعلى الأول: يلزم الثاني ثلاثة أرباع الدية، وعلى قول أبي إسحاق: يلزمه نصف الدية؛ لأنه قطع نصف لسانه. ومنها: إذا جنى على لسانه، فذهب بعض كلامه، فقطعه آخر – فعلى المذهب: على الثاني دية كاملة، وعلى قول أبي إسحاق: عليه نصف دية اللسان وحكومة. ومنها: إذا قطع فلقة من لسانه، ولم يبطل بذلك شيء من كلامه – قال الإمام: من راعى الكلام لم يوجب على القاطع إلا الحكومة، ومن راعى الجزم أوجب قسطاً بالنسبة إلى اللسان، ولكن هذا إيجاب المقدر من غير تفويت الكلام، ولو صح ذلك لزم إيجاب الدية الكاملة في لسان الأخرس، وموجبه الحكومة، وبه أجاب في "الوسيط". قال: وإن قطع اللسان، وأخذ الدية، ثم نبت – رد الدية في أحد

стр. 7792

القولين؛ لعود مثل ما قطع، دون الآخر، لأن هذه نعمة جديدة من الله تعالى. وهذان القولان كالقولين فيما إذا عاد سن المثغور بعد قلعه، كما سنذكرهما. وهذه طريقة أبي إسحاق، وظاهر التنبيه، وكلام الشيخ يقتضي أنا على القول الأول لا نبقى من المأخوذ قدر الحكومة. وقد ادعى الماوردي أن ذلك يبقى منها قولاً واحداً وإن جرى خلاف في مسألة السن، كما سنذكره. وقيل هاهنا: لا يرد شيئاً [مما أخذ] قولاً واحداً؛ لأن عود السن معهود في الجملة، بخلاف عود اللسان، وهذه طريق ابن أبي هريرة. ولو جنى على لسانه، فخرس، وغرم الدية، ثم عاد فنطق – رد ما أخذه من الدية. قال الماوردي: قولاً واحداً، بخلاف اللسان إذا نبت. والفرق: أن ذهاب اللسان محقق، والنابت غيره، وذهاب الكلام مظنون؛ فدل النطق على بقائه. وما قاله من الفرق يرد عليه ما حكيناه عنه في عود ضوء العين بعد زواله. وقد صور القاضي الحسين صورة عود اللسان: بان يقطع بعضه من العرض، فتزول منفعته، فينبت ثانياً وتعود منفعته. وصوره غيره بأن يقطعه بجملته. قال ابن أبي هريرة: وقد كنا ننكر على المزني حتى وجدنا في زماننا رجلاً من أولاد الخلفاء قطع لسانه، فنبت؛ فعلمنا أن مثله قد يكون. قال: وفي الذوق الدية. صورة المسألة – كما حكاه الجمهور -: أن يجني على لسانه، فيذهب حاسة ذوقه، ولذة طعامه حتى صار لا يفرق بين الحلو والحامض، والمر والمالح والعذب – فتجب فيه الدية؛ لأن الذوق إحدى الحواس المختصة بعضو خاص؛ فأشبه حاسة الشم والسمع، وبل أولى؛ لأن الذوق أنفع من الشم وآكد، وهذا ما نص عليه الشافعي – ﵀ – كما حكاه ابن الصباغ، عن رواية القاضي أبي الطيب، وقال الماوردي: ليس للشافعي – ﵀ فيه نص، وإنما ذلك

стр. 7793

هو الذي يقتضيه مذهبه، وكلام البندنيجي مشير إلى ذلك. وقد وافقهم القاضي الحسين على إيجاب الدية الكاملة فيه. ثم قال ابن الصباغ: قد نص الشافعي ﵁ -على أن في لسان الأخرس الحكومة، مع أن الذوق يذهب بذهابه؛ فدل على أن في الذوق الحكومة. وما ذكره حسن، ولا يندفع بما قاله الرافعي وحكاه الشيخ في المهذب: أن محل إيجاب الحكومة بقطع اللسان الأخرس، إذا لم يذهب ذوقه، أو كان قد ذهب قبل قطه، دون ما إذا ذهب بالقطع؛ فنه يجب فيه الدية الكاملة، لإتلاف حاسة الذوق، لأن الماوردي حكى نص الشافعي ﵀ على إيجاب الحكومة بقطع اللسان الأخرس، ثم قال: وإنما لم تجب الدية، لأنه قد سلب الكلام الذي هو الأخص الأغلب من [منافع اللسان]، ولو بقى بالخرس بعض منافعه - وهو الذوق، وتصرفه في مضغ الطعام - فلم تبلغ ديته دية لسان كامل المنافع. نعم، لو صح ما قاله المتولي: أن محل الذوق طرف الحلق - لا ندْفعَ سؤال ابن الصباغ. وعن أبي الطيب بن سلمة أنه يمكن تخريج قول: أن الواجب في لسان الأخرس الدية، فلعله أخذه من هنا فرع: لو نقص من اللسان بالجناية عليه بعض الذوق، قال في المهذب: نظر: فإن كان نقصاناً لا يتقدر، بأن يحس بالمذاق الخمس إلا أنه لا يدركها على كمالها - وجبت عليه حكومة، وإن لم يدرك إحدى المذاق الخمس، ويدرك الباقي - وجب عيه خمس الدية، فإن لم يدرك اثنتين، وجب خمسان، وهكذا؛ لأنه تعدد المتلف، فتقدر الأرش. قال: وفي كل سن، [أي] إذا أثغر خمس من الإبل؛ لرواية عمرو بن حزم، عن رسول الله ﷺ أنه قال في كتابه إلى اليمن: "وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الإِبلِ"، وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله ﷺ أنه [قال]: "وَفِي

стр. 7794

الأَسْنَانِ خَمْسٌ [خمس] "، وسواء في ذلك البيضاء المليحة والسوداء القبيحة إذا كان ذلك من أصل الخلقة، أو طارئاً عليها ولم ينقص منفعتها، كذا قاله الماوردي. وقال ابن الصباغ والقاضي الحسين: إن الحكم كذلك إن نبتت قبل الإثغار وبعده سوداء، أما إذا كانت قبل أن يثغر بيضاء، ثم نبتت بعده سوداء - سئل أهل الخبرة: فإن قالوا: إن ذلك لعلة، وجبت فيها حكومة. وإن قالوا: إنه لغير علة، وجبت الدية. وكذا لا فرق بين السن الكبيرة والصغيرة، والضرس وغيره؛ لاشتراكهما في الاسم، ولأنه جاء في خبر عمرو بن شعيب أنه ﵇[قَضَى فِي الأَسْنَانِ وَ] الأَصَابعُ سَوَاءٌ. وعن ابن عباس ﵄ أنه ﵇ قال: "الأَصَابعُ [سَوَاءٌ]، وَالأَسْنَانُ سَوَاءٌ، الثَّنِيَّةُ وَالضِّرْسُ سَوَاءٌ" أخرجه أبو داود. نعم، اختلف أصحابنا فيما لو كانت ثنايا إنسان مثل رباعياته، أو أقل منها: فحكى الإمام والقاضي أبو الطيب أنه لا يجب فيه تمام الأرش، ولكن [ينقص منه] بحسب نقصانها. وطرده القاضي الحسين فيما إذا كانت الوسطى من الأصابع مثل التي تليها أو البنصر، لا تكمل فيها الدية، وهو الذي أوره الروياني في السن، ثم قال: ويخالف هذا ما إذا كانت أسنان الصف الواحد قصيرة بأسرها؛ فإن الغالب أن ذلك يكون لمعنّى في الخلقة، وتفاوت الأسنان في الصف الواحد يشعر بأنه قد

стр. 7795

أصاب المنبت خلل، وأن النقصان كان لذلك. وقال قائلون: يكمل فيها الأرش، وهو الذي أورده في "التهذيب". ولا نزاع في أن صغر السن إذا انتهى إلى ألا يصلح للمضغ لا يجب فيه إلا الحكومة، وعلى هذه الحالة يحمل قول الفوراني: [إن في] الضرس إذا كان أصغر من الرباعيات حكومة عن بعض أصحابنا؛ لأنه عيب. لكن يمنع من ذلك استشكاله للحكم. قال: فإن كسر ما ظهر، وجب عليه خمس من الإبل؛ لأن المنفعة الجمال فيما ظهر؛ فكملت ديته. وادعى القاضي أبو الطيب أن الظاهر هوا لذي يسمى سنا، وأما الداخل فليس يسن، وكذلك قال الرافعي، وحينئذٍ يكون هذا الكلام من الشيخ كالتفسير لما أطلقه من لفظ السن. قال: وفي بعضه بقسطه؛ لإمكان معرفة الحصة، ولا فرق في البعض بين أن يكون من الطول أو من العرض، ولا بين أن يكون قد أزاله [من] سن سليم أو من سن [قد] ذهب بعضه بالنقب والتآكل. ولو ذهب منه حده الذي [كان] يكسر به، وبقي كالا، فكسره إنسان – وجب عليه تمام ديته. ثم البعضية تنسب إلى ما ظهر من السن في الغالب، حتى لو تقلص عمور اللثة حتى ظهر من السنخ المغيب في اللثة ما لم يكن ظاهراً – لا يدخل ذلك القدر في التقسيط. وقيل: البعضية تنسب إلى الظاهر، والسنخ على وجه؛ بناء على الظاهر من المذهب في دخول السنخ في السن، حكاه الإمام والمتولي. والقاضي الحسن خصه بما لم يكن النقص في الطول، وجعله كالوجه الآتي فيما إذا قطع [بعض الحشفة: هل يحسب من جميع الذكر، أو من الحشفة فقط؟ وقال فيما إذا قطع] بعض ما ظهر طولا: إنه يوزع على ما ظهر وجهاً واحداً.

стр. 7796

فإن قيل: قياس هذا الوهج ألا يجب تمام الأرش عند قطع جميع الظاهر. قيل: إذا قطع الجميع لم يبق للسنخ منفعة بها مبالاة؛ فإن منفعته المقصودة: حمل الظاهر وحفظه؛ فلذلك أتممنا الأرش، إذا بقى من الظاهر بعضه - بقيى في السنخ منفعة حمله، فوزعنا الأرش على ما ذهب، وعلى جميع ما بقي منتفعاً به. قال: وفي السنخ - أي أصل السن المغيب في اللحم، حكومة؛ لأنه تابع؛ فأشبه قطع الكف بعد قطع الأصابع، وسواء صدر ذلك من كاسر الظاهر بعد الكسر والاندمال، أو من غيره. ولو صدر من الجاني قبل الاندمال، فوجهان عن القاضي الحسين: الذي يوافق إطلاق الجمهور منهما: الوجوب أيضاً: والثاني: أنها تدخل في أرش السن. وطرد هذا الخلاف في قطع الكف بعد قطع الأصابع وقبل الاندمال، والذي رأيته في "تعليقه" فيهما: وجه الوجوب، كما ذكره غيره. وفرق بينه وبين ما إذا أوضح موضحتين، ثم أزال الحاجز بينهما؛ حيث تعود الجنايات واحدة: بأن ثم اسم المزال واحد، وهاهنا اختلف اسم المزال. قال: فإن قلع السن مع السنخ، دخل السنخ في السن؛ لأن السنخ تابع لما ظهر؛ فاندرج في الظاهر؛ كما لو قطع الكف مع الأصابع، وهذا ما حكاه الجمهور. وحكى الإمام وجهاً آخر: أنه تجب حكومة مع الأرش؛ لزيادة الجناية بقلع السنخ. وعن بعضهم القطع به، تعليلاً بأن السنخ باطن، فيفرد بالحكم. ولو قلع بعض السن مع السنخ، كما إذا كسر إنسان نصف الظاهر، فجاء آخر وقلع الباقي مع السنخ - فهل يدخل السنخ في أرش الباقي؟ فيه ثلاثة أوجه.

стр. 7797

أحدهما: نعم؛ [كما لو قلعه مع جميع السن. والثاني: لا، وتجب حكومة، وهو الظاهر من منصوص الشافعي، كما] قاله البندنيجي والماوردي، ونسبه الرافعي إلى "الأم"؛ لأنه تابع لجميع السن؛ فلا يتبع بعضه. والثالث – وهو قول الشيخ أبي حامد -: أن الألو إن كان قد كسر نصفه عرضاً لزم الثاني في سنخه حكومة؛ للزيادة على سنخ ما قلعه، وإن كان الأول قد كسره طولاً لم يلزم الثاني حكومة السنخ؛ لأنه سنخ للبقية التي كسرها هذا ما أورده ابن الصباغ وصاحب "التهذيب" وغيرهما، كما قال الرافعي. وقال القاضي الحسين: إن كان الأول قد كسر نصف الظاهر عرضاً، فإن أوجبنا عليه ثلث الدية فنوجب على الثاني الثلثين، وإن أوجبنا على الأول نصف الدية [فماذا نوجب على الثاني؟ فيه وجهان: أحدهما – وهو الأظهر-: نصف الدية] دون الحكومة؛ كما لو جاء واحد وقطع أنملة، ثم جاء آخر وقطع يده من الكوع؛ فالكف كما يتبع جميع الأصابع مع الأنامل يتبع بعض الأنامل؛ فكذلك السنخ. والثاني: عليه نصف الدية وحكومة. وإن كان الأول قد قلع نصف ما ظهر طولا، فعليه نصف الدية، وحكومة السنخ؛ كما لو قطع ثلاثة أصابع من يده، ثم جاء آخر، وقطع يده من الكوع – يجب عليه أرش إصبعين وثلاثة أخماس حكومة الكف؛ لأجل الأصابع المفقودة، كذلك هاهنا. ومحل الاتفاق على وجوب أرش السن إذا انفصلت ولم تبق متعلقة بشيء، أما إذا قلعت وبقيت متعلقة بعروق، ثم عادت إلى ما كانت، فعن "جمع الجوامع" للروياني: أنه لا دية، لأن الدية إنما تجب بالإبانة، ولم توجد، وعليه حكومة.

стр. 7798

ولو جنى على السن، أبطل منفعته – وهي المضغ – وجب عليه أرشه، فلو ذهب [منه] نص المنفعة، قال الماوردي: ففيه قولان: أحدهما: عليه ديتها تامة؛ لأنه قد يكون المسلوب من منفعتها مساوياً لمنفعة غيرها. والقول الثاني: فيها حكومة. ثم قال: ولو قيل بوجه ثالث: أنه إن ذهب أكثر منافعها كملت ديتها، وإن ذهب أقلها ففيها حكومة؛ اعتباراً بالأغلب- كان له وجه. والقولان جاريان – كما حكاه الماوردي عن نصه في "الأم" –فيما إذا قلع سناً ذهب بعض منافعه وبقى البعض، وفيما إذا قلع سنًّا قد تحرك لكبر أو مرض، مع بقاء المنفعة، كما حكاه القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والقاضي الحسين. وقال الإمام: إن كان الظاهر والغالب على الظن ثباتها، وجب الأرش الكامل بلا خلاف، كما نوجب الأرش في الأعضاء الناقصة بالأمراض العارضة، وإن كان الغالب على الظن سقوطها، فهو موضع القولين، وأصحهما الوجوب. قال: وإن جنى على سنه اثنان، [ثم اختلفا] – أي الجاني ثانياً، والمجني عليه – فقال: الجاني الأول [قد] كسر منه ثلثيه، وكسرت [أنا] ثلثه؛ فعلى ثلث الأرش، وقال المجني عليه: بل الأول كسر النصف، وأنت النصف؛ فعليك نصف الأرش. قال: فالقول قول المجني عليه؛ لأن الأصل بقاء السن. أما لو اختلف الجاني الأول والمجني عليه في قدر ما ذهب بجنايته من السن، فالقول قول الجاني؛ لأن الأصل براءة ذمته عما زاد على ما أقر به، مع إمكان إقامة البينة عليه. وهذا بخلاف ما لو وقع الاختلاف في الذاهب من منفعة السن، فإن القول قول المجني عليه، كما لو اختلفا في أصل ذهاب المنفعة، لأنه لا يطلع على ذلك إلا من جهته.

стр. 7799

وصورة الاختلاف: أن يدعي الجاني أن الذي ظهر من السن قدر كبير، ونسبة ما كسر منه نصف، ويدعي المجني عليه أن الذي ظهر من السن دون ذلك [القدر، وأن الذي كسر ثلثاه]. [قال:] وإن قلع سن كبير، فضمن، ثم نبت –ففيه قولان: أحدهما: يرد ما أخذ كالصغير إذا عادت سنه، وهذا ما يقتضي [كلام] الماوردي ترجيحه، وهو الأصح في "الجيلي". فعلى هذا: هل يبقى منه شيء؛ للألم وسيلان الدم، أم لا؟ فيه وجهان، حكاهما الماوردي عن ابن أبي هريرة، وظاهرهما: الثاني. والثاني: لا يرد؛ لقوله ﷺ : "وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ"، ولم يفصل بين أن تعود أو لا تعود. ولأن العادة في سن [من] أثغر ألا تعود، فإن عادت فهي هبة [مجددة] من الله – تعالى- فلم يسقط بها ضمان ما أتلف عيه. وهذا القول اختاره المزني، وصححه القاضي أبو الطيب والنواوي. فرع: إذا انقلع سنه، فأدخل مكانه سنًّا طاهراً من حيوان مذكري – فالتزق، ثم جاء آخر، فقلعه – ففيه قولان: أحدهما: يجب عليه الأرش؛ لأنه أذهب منفعة [له] مباحة. والثاني: لا يجب [الأرش]؛ لأنه ليس من أصل الخلقة، وإنما هو موصول به، وزائد فيه؛ [فحل] محل الشعر الموصول بشعره، قاله [القاضي] أبو الطيب، وكذلك البندنيجي وابن الصباغ، لكنهما قالا – على قول الوجوب-: إن الواجب الحكومة، وهو الأشبه، وطرده فيما إذا كان المغروز من حديد أو خشب أو ذهب، وعلى ذلك جرى الرافعي، وقال الإمام: لا يتصور أن يلتحم على الذهب اللحم.

стр. 7800

قال: وإن قلع سن صغير لم يثغر، انتظر: فإن وقع الإياس من نباتها، أي: بأن قال أهل الخبرة: قد تجاوزت مدة نباتها – وجب أرشها؛ لأنها سن لم تعد بعد القلع، فكانت كسن المثغر. ولو مات قبل الانتهاء إلى ذلك السن، فقولان كما قال الماوردي والبندنيجي، ووجهان كما قال أبو الطيب: أحدهما: تجب الدية؛ لأنه قلع سنا لم تعد. والثاني: [تجب] حكومة. وكذا القولان- أو الوجهان – جاريان فيما لو طلع بعضها، ثم مات قبل استكماله، لكنا – على القول الأول – نوجب من ديتها بالقسط. وإطلاق الماوردي وغيره – على القول الثاني- إيجاب الحكومة، يظهر أنه مفرع على قولنا بوجوبها إذا عاد السن، أما إذا قلنا بالمنع عند العود، فيظهر عدم إيجابها هاهنا أيضاً، كما قال المتولي، وعليه يحمل قول البندنيجي، والثاني: لا شيء عليه. والقاضي أبو الطيب اقتصر في حكاية الوجه الثاني في الصورتين على عدم إيجاب الدية، وهو الذي جعله ابن كج أقوى الوجهين. وإنما لم نوجب الدية قبل الإياس من النبات؛ لأن المعهود من أسنان اللبن أنها تعود بعد السقوط، ولو عادت، فإن كانت مساوية لأخواتها في المقدار والمكان، فلا دية. وأما الحكومة، فإن كان قد جرح محل المقلوعة حتى أدماه، لزمه حكومة جرحه. وإن لم يجرحه، ففي حكومة المقلوعة وجهان: أحدهما: لا؛ لأنها تسقط لو لم تقلع والثاني: فيها حكومة؛ لأنه قد أفقده منفعتها. قال الماوردي: ولو قيل بوجه ثالث: أنه إن قلعها في زمان سقوطها فلا حكومة فيها، وإن قلعها قبل زمانه ففيها حكومة – كان مذهباً، لأنها قبل زمان السقوط نافعة، وفي زمانه مسلوبة المنفعة. وما ذكره هنا مع ما ذكره في سن من قد أثغر، يحتاج إلى نظر، فليتأمل.

стр. 7801

ولو عادت مخالفة لأخواتها: فإن كانت المخالفة، لطولها على مثلها، فلا شيء عليه وإن شان أو ضر؛ لأن الزيادة لا تكون من جنايته؛ لأن الجناية نقص، لا زيادة. وكذلك لو نبت معها سن زائدة، صرح به الماوردي، وغيره من العراقيين والمراوزة. وقال في "المهذب": يحتمل – عندي – أن تلزمه الحكومة للشين الذي [قد] حصل بها. وإن كانت المخالفة قصرها عن مثلها، فعليه من أرشها بقدر ما نقص. وإن كانت المخالفة دخولها أو خروجها عن أخواتها، ولم تبطل بذلك منفعتها – فالواجب الحكمة. ولو بطلت منفعتها بذلك وجبت الدية. ولو كانت المخالفة في اللون، بأن نبتت صفراء أو خضراء أو سوداء، وأخواتها بيض – فتجب الحكومة. وقيل بتخريج قول في إيجاب كل الدية إذا نبتت سوداء. ولو كان الاختلاف في قدر المنفعة، فقولان: أحدهما: تجب الدية كاملة. والثاني: حكومة. قال الماوردي: ولو قيل بكمال ديتها إن ذهب أكثر منافعها، وحكومة إن ذهب أقلها، كان مذهباً. فرع: إذا قلع قالع سن صغير، وجاء آخر، فجنى على المنبت، فأفسده – قال الإمام: لا وجه لإيجاب الأرش عليهما، ولا على الثاني، وأما الأول [فيجوز أن يقال بوجوبه عليه، ويجوز أن تجب الحكومة. ولو سقطت سنه بنفسه، ثم جنى جان، فأفسد المنبت] فيجوز أن يقال بوجوب الأرش عليه؛ لأنه قد أفسد المنبت، ولم تسبق جناية يحال الفساد عليها. قال: وإن جنى على سن، فتغيرت، أي: بإصفرار أو اخضرار، أو اسوداد.

стр. 7802

قال: أو اضطربت، أي: مع بقاء منفعتها – وجبت عليه حكومة؛ لما حصل بها من شين، كما لو ضرب يده فتغيرت أو ضعفت منفعتها. وهكذا لحكم فيما لو برزت بجنايته عما جاورها. وقيل: يجب في اسوداد السن بالجناية أرش كامل؛ لذهاب جمالها بالسواد، وهذا خرجه المزني والمتقدمون من الأصحاب – كما قال الماوردي- من قول الشافعي في كتاب العقل، كما حكاه البندنيجي: "فيها تمام عقلها"، والذي ذهب إليه جمهور أصحابنا ومتأخروهم: ما ذكره الشيخ، وحملوا نصه عل ما إذا ذهبت منافعها، وهوا لأِبه عند الماوردي، وبه جزم القاضي أبو الطيب وكذلك النبدنيجي. قال: وإن قلع جميع الأسنان في دفعة، أي: بأن ضربه ضربة واحدة، أو سقاه دواء يسقطها؛ فسقطت كذلك. قال: أو متواليا، أي: بحيث لم يتخلل الجنايتين اندمال – فقد قيل: تجب دية نفس؛ لأنه جنس ذو عدد، فلا يضمن بأكثر من دية النفس، كالأصابع. والمذهب – أي: الذي نص عليه في كتبه، كما قاله البندنيجي – أنه يجب في كل سن خمس من الإبل؛ لقوله ﵇: "وَفِي الأَسْنَانِ [خَمْسٌ] "، وهذا ما قطع به ابن الوكيل وغيره. والفرق بين الأسنان والأصابع: أن الأصابع لا تزيد على عشرين مع سلامة الحال، بخلاف الأسنان، فعلى هذا: يجب عليه إذا كان المجني [عليه] كامل الأسنان مائة وستون من الإبل؛ [لأن] جملة الأسنان اثنان وثلاثون سناً: أربع ثنايا: ثنتان من أسفل، وثنتان من فوق، [وأربع رباعيات كذلك]، وأربعة أنياب كذلك، وأربع ضواحك كذلك، واثنا عشر ضرساً: ستة من فوق، وستة من أسفل، وهي الطواحن، وأربع نواجذ، وهي آخر أسنان الفم. فلو كانت زائدة على ذلك، قال الرافعي: ففي كتاب ابن كج ما يخرج منه وجهان:

стр. 7803

أحدهما: يجب لكل سن مما زاد – أيضاً – أرش؛ لظاهر الخبر. والثاني – عن رواية أبي الحسين -: أن الواجب لما زاد الحكومة؛ لأن الغالب في الأسنان العدد الذي ذكرناه، فالزائد عليه كالإصبع الزائدة. والقولان جاريان فيما لو قلع زائداً على عشرين سناً. وقيل: إذا قلعها واحدة بعد واحدة تعين القول الثاني، ولم يذكر في "المهذب"، و"الحاوي"، و"تعليق" البندنيجي غيره، وهو الذي حكاه القاضي الحسين عن أصحابه، وقال: إن الحكم في الاصفرار والاخضرار حكم السواد. لكن الطريق الأول هو الصحيح في الرافعي. قال: وفي أللحيين الدية؛ لما فيهما من الجمال، عِظم المنفعة، وذهابهما أخوف على النفس وأسلب للمنافع من الأذنين؛ فكانا بإيجاب الدية أولى. قال: وفي أحداهما نصفها؛ لأنها لما كملت فيهما – تنصفت في إحداهما؛ كاليدين. واللحيان – بفتح اللام هما: العظمان اللذان عليهما الأسنان السفلى، يجتمع مقدمهما في الذقن، ومؤخرهما في الأذن. والمسألة مصورة بما إذا لم يكن عليهما أسنان، إما لكون المجني عليه صغيراً، أو كبيراً سقطت أسنانه، وهذا حكم الدية. وأما القود: فإن أمكن فيهما أو أحدهما وجب، وإلا فلا. وقد استشكل المتولي إيجاب الدية في اللحيين؛ لأنه [لم يرد] فيهما خبر، والقياس لا يقتضيه، بل اللحيُ من العظام الداخلة؛ فيشبه الترقوة والضلع. وأيضاً فإنه لا دية في الساعد، والعضد، والساق والفخذ، وهي أيضاً عظام فيها جمال ومنفعة. قال: وإن قلع اللحيين مع الأسنان، وجبت دية كل واحد منهما؛ لأنهما عضوان أصليان في الجمال والمنفعة يجب في كل واحد منهما دية

стр. 7804

مقدرة، فكانا كالشفتين مع الأسنان، [وحكى الخراسانيون وجهاً: أنه تجب دية واحدة، أي دية اللحيين، وتدخل دية الأسنان فيها] لحلولها فيها، مع كونها أكثر كما دخلت دية الكف في دية الأصابع، لكثرتها. والقائلون بالأول فرقوا بينها من ثلاثة أوجه: أحدها: أن اسم "اليد" ينطلق على الكف والأصابع، ولا ينطلق اسم "اللحيين" على الأسنان، ولا اسم الأسنان على اللحيين. والثاني: أن اللحيين قد يتكامل خلقهما مع عدم الأسنان في الصغر، ويبقيان على كمالهما بعد ذهاب الأسنان من الكبر، ولا يكمل خلق اليد إلا بالأصابع، ولا تكون كاملة بعد ذهابها. والثالث: أن للحيين منافع غير حفظ الأسنان، وللأسنان منافع غير منافع اللحيين؛ فانفرد كل منهما بحكم، وليس كذلك في منافع الكف، فإنه لا نفع له بعد ذهاب الأصابع. فرع: لو جنى على اللحيين، فيبسا، حتى لم ينفتحا، ولم ينطبقا ضمنهما بالدية؛ لذهاب منفعة المضغ منهما، كما لو قاله الفوراني والطبري في العدة وغيرهما، فألحق ذلك باليد إذا شلت، ولاتضمن دية الأسنان، وإن ذهبت منافعها، لأنه لم يجن عليها، وإنما وقف نفعها بذهاب منافع غيرها، كذا نص عليه الشافعي في "الأم"، كما حكاه الماوردي. وقال الرافعي معترضاً على ذلك: [إن] في إبطال المضغ الدية، وإنه قد يحتج له بأن المنفعة العظمى للأسنان المضغ، والأسنان مضمونة بالدية؛ فكذلك منافعها، كالبصر مع العين. وإن الغزالي ذكر – لتفويت المضغ – طريقين: أحدهما: إن تصلب مغرس اللحيين حتى يمنع حركتهما ذهاباً ومجيئاً. والثاني: أن يجني على الأسنان، فيصيبها خدر، فتبطل صلاحيتها

стр. 7805

للمضغ، وأن على ذلك جرى الإمام. قال: وفي كل إصبع عشر من الإبل؛ لقوله ﷺ في كتاب عمرو بن حزم: "فِي كُلِّ إِصْبَعٍ مِمَّا هُنَالِكَ عَشْرٌ مِنَ الإبِلِ"، وروى أبو داود عن أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ قال: "الأَصَابعُ سَوَاءٌ عَشْرٌ عَشْرٌ عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ". ولا فرق في ذلك بين الإبهام والخنصر وغيرهما؛ لما ذكرناه، وعن ابن عباس – ﵄ – قال: قال رسول الله ﷺ : "هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ" يعني الإبهام والخنصر. خرجه أبو داود والبخاري وغيرهما. قال: وفي كل أنملة ثلاثة أبعرة وثلث، وإلا الإبهام؛ فإنه يجب في كل أنملة منهما خمس من الإبل؛ لأنه – ﷺ – لما قسط دية اليد على أصابعها وجب أن يقسط دية الإصبع على أعداد أناملها، وفي كل إصبع غير الإبهام ثلاث أنامل، فيكون في كل أنملة ما ذكره، وفي الإبهام أنملتان؛ فيكون في كل واحدة خمسة. نعم، لو كان لرجل في إبهامه ثلاث أنامل وجب في كل واحدة منها ثلاثة أبعرة وثلث، ولو خلق في غيرها أربع أنامل وجب في كل أنملة بعيران ونصف، ولو كان لغير الإبهام أنملتان وجب في كل واحدة خمس؛ نظراً للتقسيط، وهكذا يفعل في الزيادة والنقصان، ويخالف ما لو زادت الأصابع على العدد المعتاد، حيث لا تقسط دية اليد عليها؛ لأن الأنامل لما اختلفت في أصل الخلقة الغالبة بالزيادة والنقصان كان كذلك في الخلقة النادرة، ولما لم تختلف الأصابع في الخلقة المعهود فارقها حم الخلقة النادرة، وأيضاً فإن الزيادة في الأصابع متميزة، وفي [الأنامل غير متميزة]؛ فلذلك اشتركت الأنامل وتفرقت الأصابع.

стр. 7806

قال: وفي الكفين مع الأصابع الدية؛ لما روى معاذ بن جبل – ﵁ – أن النبي ﷺ قال: "وفي اليدين الدية". ولرواية عمرو بن حزم، أنه – [﵇]- قال في كتابه إلى اليمن: "وَفِي الْيَدِ خَمْسُونَ مِنَ الإِبِلِ". [وإذا وجب في الواحدة خمسون وجب] في الاثنتين مائة. ولأنهما من أعظم الأعضاء نفعاً في البطش والعمل. وإنما حملنا في "اليد" الخبر على الكف؛ لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]، وقد قطع رسول الله ﷺ من مفصل الكف، فدل على أنها هي اليد لغة وشرعاً. ولأن الدية تكمل في الرجل إذا قطعت من مفصل القدم، لأنها تقطع منه في السرقة، كذلك اليد، لما قطعت من الكف في السرقة، وجب أن تختص بكمال الدية. قال: فإن قطع ما زاد على الكف، أي: مع الكف بأصابعه – وجبت الدية في الكف، لما ذكرناه، والحكومة فيما زاد، لأنه ليس بتابع، وليس له أرش مقدر، فتعينت الحكمة، بخلاف الكف مع الأصابع، لأنهما كالعضو الواحد، لأن بهما جميعاً يتم البطش. وعن أبي عبيد بن حربويه من أصحابنا: أنه لو قطع [اليد] إلى المنكب، لم يجب سوى دية؛ لأن عمار بن ياسر تيمم حين أطلق ذكر التيمم إلى المناكب، تعويلاً على مطلق الاسم، حتى قال له النبي ﷺ :"إنما يكفيك ضربة لوجهك، وضربة لذراعيك". قال الماوردي: وهو خطأ؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، فلما جعل المرفق غاية، دل على أن حد اليد ما دون الغاية، مع ما ذكرناه من آية السرقة، وما فعله عمار وغيره من الصحابة لما نزلت آية التيمم، فلم يكن لكونه واجباً عليهم، كما قاله أبو الطب – بل ليسبغوا تيممهم، كما روى أن: "أبا هريرة كان يغسل ذراعيه إلى الآباط في الوضوء، ليسبغ وضوءه، ويقول: أفعل ذلك؛

стр. 7807

لأطيل غرتي"؛ فلم يكن فيه حجة. ثم قضية قول أبي عبيد: ألا يجب في الكف بأصابعه كمال الدية، وقد صرح به عنه القاضي الحسين، وهو ظاهر الفساد؛ لأن الأصابع لو انفردت بالقطع لوجبت الدية كاملة بالنص، فمن طريق الأولى إذا قطع معها غيرها. ومحل ما ذكرناه في الكف والأصابع: إذا قطعهما معاً، فلو قطع الأصابع، ثم الكف، وجبت دية الأصابع، وحكومة الكف، إن كان بعد الاندمال، وكذا إن كان قبله على الصحيح، كما قلناه في كسر السن، وقلع السنخ بعدها. قال: وإن جنى عليها، فشلت، وجبت الدية، لأنه فات المقصود منها، فأشبه ما لو قطعها، وبالقياس على ما لو جنى على عينه، فذهب ضوءها، ولا فرق في ذلك بين اليد والإصبع. قال: وفي اليد الشلاء الحكومة؛ لإزالة الجمال دون المنفعة. قال: وفي [اليد] الزائدة والإصبع الزائدة الحكومة؛ لأن كل عضو لا نوجب ديته تجب فيه حكومة، كالكف، وإنما لم تجب فيه الدية؛ لعدم نفعه. وقيل: إن لم يحصل بها شين لم يجب في الزائدة شيء؛ لأنها جناية لم يحصل بها نقص، فلم يجب بها أرش، كما لو لطم وجهه، فلم يؤثر. وتعرف الزائدة من الأصلية بقوة البطش، سواء كانت الباطشة في استواء الذراع، أو منحرفة عنه، فلو تساويا في البطش، نظر إلى استوائهما في القدر: فإن اختلفا، فالأصلية هي الكبرى، وإن استويا في القدر فالأصلية التي في استواء الذراع، فإن استويا، فكاملة الأصابع هي الأصلية دون الناقصة، فلو كانت أحداهما كاملة الأصابع، والأخرى زائدة الأصابع – ففي "تعليق" القاضي الحسين أن الكاملة هي الأصلية، والأكثرون على أنه لا يكون ذلك. فإن عدمت الأمارات، قال الماوردي: فهما يدان زائدتان، فإن قطعهما قاطع كان عليه القود وحكومة، خلافاً للمزني؛ فإنه قال: لا قصاص بقطعهما، لنقصانهما.

стр. 7808

ولو قطع أحداهما فلا قود اتفاقاً، وعليه نصف دية يد، وزيادة حكومة، وعن كتاب ابن كج حكاية وجه، عن رواية أبي الحسين: أنه لا تجب الحكومة مع نصف [دية] اليد. وفي "الوسيط": أن جعل إحدى اليدين نصفاً، مع احتمال كونها زائدة مشكلٌ، وأشار بذلك أن أحداهما أصلية، والأخرى زائدة، والأحكام يتبع فيها اليقين. ولو قطع إصبعاً من أحداهما فعليه نصف دية إصبع، وزيادة حكومة على المذهب، ولو قطع أنملة إصبع من أحداهما فعليه نصف دية أنملة، وزيادة حكومة على المذهب، ولا يجب القود، إلا أن يقطع إصبعين متماثلين من الكفين، ويؤخذ منه مع القصاص حكومة. فلو قطع إبهام إحدى اليدين، فأخذ المجني عليه أرشها والحكومة، ثم عاد الجاني، فقطع إبهام اليد الأخرى، فأراد المجني عليه رد الأرش، واستيفاء القصاص، فهل له ذلك؟ فيه وجهان أصلهما في "النهاية". فرع: لو قطع اليد الباطشة، فحكم فيها بقود، أو دية، ثم صارت غير الباطشة باطشة – وجب فيها كمال الدية لو قطعت، لأنها يد باطشة. قال الماوردي: ويجيء في رد ما أخذه من كمال الدية وجهان مخرجان من اختلاف قوليه في عود السن المثغور. ففي أحدهما: لا يرد شيئاً، وهو الأظهر في الرافعي. وفي الثاني: يرد ما زاد على قدر الحكومة. وحكى القاضي الحسين الوجهين في مسألتنا من غير تخريج من مسألة السن. وفرق بعضهم بين ما نحن فيه وبين السن: بأن عود السن في محل الجناية، والبطش هاهنا حصل في غير محل الجناية. قال: وفي الرجلين الدية؛ لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي ﷺ قال: "فِي الرِّجْلَيْنِ الدِّيَةُ"، ولأنه – ﵇ – قال في كتاب

стр. 7809

عمرو بن حزم: "وَفِي الرِّجْلِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ" كما خرجه النسائي، [و] إذا وجب في واحدة نصف دية ففيهما دية. ولا فرق في ذلك بين أن تكون الرجلُ عرجاء أو سليمة؛ لأن العيب ليس في نفس العضو، وإنما العرج يكون لقصر في الفخذ، أو في الساق، أو تشنج أعضاء الركبة. ولو تعطل مشي الرِّجل، مع سلامتها، لكسر الصلب – فعلى وجه: يجب فيها حكومة، لأن تعطل المنفعة كزوالها في تعذر الانتفاع، والأظهر: وجوب الدية، لسلامتها، وخلل غيرها لا يوجب نقصان ديتها. قال: وفي كل إصبع عشر من الإبل؛ لما روى الترمذي عن ابن عباس – ﵄ – أن رسول الله ﷺ قال: "دِيةُ أَصَابعِ اليَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ سَوَاءٌ، عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ لِكُلِّ إِصْبَعٍ" وقال: إنه [حديث] حسن صحيح غريب. وعنه قال: "جَعَلَ رَسُولُ اللهِ – ﷺ – أصَابعَ اليَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ سَوَاءً" خرجه أبو داود. قال: وفي الأليتين الدية. الأليتان: ما أشرف على الظهر والفخذين، وإن لم ينته ذلك إلى العظم. وإنما وجبت الدية فيهما؛ لأنهما عضوان فيهما جمال ظاهر، ومنفعة؛ لأنهما رباط المفصل والورك، وبهما يستقر الجلوس، فكملت فيهما الدية كاليدين والرجلين، وسواء في ذلك الصغير والكبير، ومن كان أرسح الآلية معروقها، أو لَجِيم الآلية غليظها. ويجب فيهما القصاص إذا استوعبهما، خلافاً للمزني

стр. 7810

وبعض أصحابنا، كما قاله القاضي أبو الطيب. قال: وفي أحداهما نصفها، كقطع إحدى اليدين. ولو قطع بعض أحداهما، فإن علم قدر المقطوع منها ففيه من الدية بحسابه، وإن جهل ففيه الحكومة. وإن قطعهما حتى أبقاهما على جلد لم ينفصل، وأعيدا، فالتحما - كان فيهما حكومة كالجرح المندمل. ولو نبتت الأليتان بعد قطعهما، لم يرد المأخوذ من ديتها، على ظاهر المذهب في "التهذيب". قال الماوردي: وقد خرج في ردها قول آخر كاللسان إذا نبت. قال: وإن كسر صلبه، فلم يطق المشي، أي: لأجل كسر الصب، لا لشلل حصل في الرجلين - لزمته الدية؛ لما روى [النسائي] أنه ﷺ قال في كتاب عمرو بن حزم: "وَفِي الصُّلْبِ الدِّيَةُ"، وقد روي ذلك عن زيد بن ثابت ﵁ ولا مخالف له من الصحابة، والمعنى فيه أنه أذهب جماله بكسر صلبه، وأبطل تصرفه بذهاب مشيه؛ فكملت فيه الدية؛ كما لو ضربه فأعدم شمه أو ذوقه. أما لو اقترن بكسر الصلب، وبطلان المشي شلل في الرجلين؛ وجبت ديتان، كما حكاه القاضي أبو الطيب عند الكلام في اللسان والماوردي هنا. وقال البندنيجي: تجب الدية لأجل شلل الرجلين، وحكومة لكسر الصلب، وهو ما أورده المتولي. ويرجع حاصل ما ذكروه إلى وجهين كالوجهين اللذين ذكرناهما فيما إذا جنى على لسانه، فأبطل صوته وحركة اللسان، حتى عجز عن الترديد والتقطيع. فرع: إذا اختلفا في ذهاب المشي، امتحن بأن يقصد بالسيف في وقت غفلته،
следующие страницы →