← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 7736–7775 · переход к 7741.

стр. 7736

والأصح: تعين الثاني، إلا ألا توجد غرة بهذه القيمة؛ فيكون الحكم كما سنذكره. وقيل في المسألة قول مخرج: أن الاعتبار بالأب، وهو ما حكاه الإمام عن رواية صاحب "التقريب". وحكى القاضي الحسين وغيره عن أبي الطيب بن سلمة: أن الاعتبار بأخف الأبوين ضماناً؛ لأن الأصل براءة الذمة عن الزيادة، وهذا ما اختاره الماوردي من عند نفسه. والقول والوجه مأخوذان من الخلاف في أن المسلم هل ينكح المتولدة من أبوين كتابي ومجوسية، وهذا كله تفريع على الصحيح في أن الغرة يعتبر فيها القيمة، أما إذا قلنا: لا تعتبر – كما حكاه الإمام عن المراوزة – فهاهنا ثلاثة أوجه: أحدها: أن الواجب غرة كاملة، ولا يبالي بالتسوية بينه وبين الجنين المسلم؛ لأنه لا سبيل إلى الإهدار، ولا إلى تجزئة الغرة. قال الرافعي: وقد يحتج له بظاهر ما يروي عن النبي ﷺ "أَنَّهُ قَضَى فِي الْجَنِينِ بِالغُرَّةِ". والثاني: أنه لا يجب في جنين الكافر- كيف قدر – عبد ولا جزء من عبد؛ لأنه لا يمكن التسوية بينه وبين الجنين المسلم؛ كما لا يسوَّى بين المسلم والكافر في الدية، والتجزئة ممتنعة، وهذا ما قطع به الشيخ أبو محمد والصيدلاني، وصاحب "التقريب"، وبعض المصنفين؛ كما حكاه الإمام، وقال في موضع آخر: إن هذه الطريقة [هي] التي تعرفها المراوزة. والثالث: الوجه الذي حكيناه عن القاضي من قبل. فرع: إذا جنى على مرتدة حبلى؛ فأجهضت – نظر: إن ارتدت بعد الحبل وجبت غرة كاملة؛ لأن الجنين محكوم [له بالإسلام]، وإن حبلت بعد الارتداد من مرتد، فيبني على أن المتولد من مرتدين مسلم أم كافر؟ إن قلنا: مسلم، وجبت [فيه غرة] كاملة، وإن قلنا: كافر،

стр. 7737

فهو كجنين الحربيين لا يجب فيه شيء على الجاني؛ كذا حكى عن الشيخ أبي عليّ وغيره، وكلام القاضي الحسين منطبق عليه. وفي "التهذيب": أن من لم يجعل المتولد بين المرتدين مسلماً يوجب فيه ما يجب في جنين المجوسيين؛ فإن من يذهب إليه يثبت له حرمة؛ لبقاء علقة الإسلام. [فرع آخر]: إذا جنى على ذمية حبلى تحت ذمي، فأسلمت، أو أسلم الذمي، ثم أجهضت – وجبت غرة كاملة؛ لأن الاعتبار في قدر الضمان بالمال. قال: وإن ألقته حيًّا، ثم مات، أي: عقيبه، أو بقي متألماً إلى أن مات – وجبت فيه دية كاملة، أي: سواء كان [لستة أشهر فما دونها] أو فما فقها، أو كانت حياته بعد الانفصال كحياة من انتهى إلى حركة المذبوحين أولا؛ لتحقق الجناية على حي. وعلى المزني: أنها إذا وضعته قبل ستة أشهر- أنها لا تجب؛ لأن الجناية – والصورة هذه – منع من الحياة، لا قطع لها. وفي "التتمة" حكاية مثله عند انتهائه إلى حركة المذبوحين. فرع: لو انفصل بعض الولد، وصرخ واستهل، وقتله قاتل، والبعض منه في البطن – فالواجب: الغرة على الصحيح عند الإمام، وهو اختيار القفال كما حكاه القاضي الحسين، وبه جزم الماوردي؛ فلا يجب القصاص به، ولو أعتقه عن الكفارة لم يجزئه، وإن باع الأم أو وهبها دخل في البيع. وعلى الجملة: فهو في جميع القضايا والأحكام بمنزلة الجنين الذي لم ينفصل منه شيء. وقال بعض أصحابنا: إذا قتله قاتل استوجب القصاص، وإذا آل الأمر إلى المال وجبت الدية بكاملها، ويصير مستقلاً بنفسه في الإعتاق وكل ما كنا [لا] نثبته لعدم الاستيقان في الوجود. قال الإمام في كتاب العدد: وهذا وإن كان منقاساً، وقد عزي إلى القفال – فهو ضعيف في الحكاية؛ فما أراه ملتحقاً بالمذهب، وهذا ما حكاه القاضي أبو

стр. 7738

الطيب في وجوب الدية خاصة. قال: فإن اختلفا في حياته، أي: حال الوضع، فالقول قول الجاني؛ لأن الأصل يشهد له، فلو أقام الوارث بينة على حياته أو على استهلاله، عمل بها. ويكفيه [في إثبات الاستهلال] شهادة النسوة؛ لأن الاستهلال حينئذ لايطلع عليه - غالباً - إلا النساء؛ كالولادة. وعن حكاية الربيع: أنه لا يقبل إلا من رجلين، أو رجل وامرأتين. وحكى القاضي أبو الطيب بعد حكاية ذلك عنه أن القاضي أبا حامد غلطه؛ لأن هذه الشهادة هي مستندة إلى سببها، وهي الولادة، وشهادة النساء مسموعة فيها على الانفراد. وفي "أدب القاضي" لابن أبي الدم: أن صاحب "التهذيب" قال: وقيل: لا يثبت إلا برجلين. والذي رأيته فيه: أن الربيع قال: و [قيل] فيه قول آخر: أنه لا يقبل إلا من رجلين عدلين، وقد حكينا عن غيره أنه حكى عن الربيع ما ذكرناه، ولعل صاحب "التهذيب" اقتصر على بعض كلامه. فلو أقام كل منهما بينة قدمت بينة الوارث؛ لاشتمالها على زيادة علم. ولو اتفقا على أنه انفصل حيًّا، لكن ادعى الجاني أن سببه غير جنايته، وادعى الوارث أن انفصاله بسبب الجناية -[فإن كان الانفصال عقيب الجناية] فالمصدق الوارث باليمين، وإن انفصل بعد مدة من وقت الجناية فالمصدق الجاني باليمين؛ لأن الظاهر معه، إلا أن يقيم الوارث بينة أنها لم تزل متألمة حتى أجهضت، ولا تقبل هذه الشهادة إلا من رجلين. وضبط المتولي المدة المتخللة بما يزول فيها ألم الجناية وأثرها غالباً. وهكذا الحكم فيما لو اتفقا على أن الجنين سقط حيًّا بجنايته، وادعى الجاني أنه مات بسبب آخر، وقال الوارث: بل بالجناية، فإن لم يمتد الزمان فالمصدق الوارث، وإلا فالجاني، إلا أن يقيم الوارث بينة على أنه لم يزل متألماً حتى الموت.

стр. 7739

فرع: إذا أقر الجاني بانفصال الجنين حيًّا، وأنه مات من جنايته – فإن صدقته العاقلة تحملوا الدية، وإن كذبه في حياته وحلفوا، وجب عليهم قدر الغرة من جنايته، والباقي على الجاني قاله البندنيجي، والقاضي الحسين وغيرهما. قال: وإن ألقته مضغة، وشهد القوابل أنه خلق آدمي، أي: شهدن أنه لو بقي لتخطط – ففيه قولان: أحدهما: تجب فيه الغرة. الثاني: لا تجب، وقد بينا ذلك في كتاب العدد. فروع: لو ضربها؛ فألقت يداً، أو رجلاً، أو عضواً [آخر] – فعليه الغرة؛ لأن ذلك يدل على وجود الجنين، وهذا مجزوم به في الطرق. وقد ذكرنا من قبل فيما إذا تحقق وجود الجنين، ولم ينفصل – وجهين في وجوب الغرة، وعللنا وجه المنع بأن الأحكام المتعلقة بالولادة لا تتعلق بخروج بعض الولد، بل بالانفصال التام، وهذا يقتضي أن يجري الوجه المذكور هاهنا، إلا أن يقال: انفصال البعض يقام مقام انفصال الجميع مع تحقق وجوده. ولو ألقت يدين، أو ثلاثة، أو أربعة – لم تجب إلا غرة [واحدة]؛ لأن الشخص الواحد قد يكون له ذلك. ولو ألقت راسين، فكذلك؛ لأن الشخص الواحد قد يكون له رأسان، يحكي أنه كان لواحد رأسان؛ فكان إذا ضحك بأحدهما أو بكى ضحك الآخر أو بكى. ولو ألقت جسدين، قال في "الحاوي": فالحكم كذلك؛ لجواز أن يكون عليهما رأس واحد. وقال القاضي الحسين: يجب غرتان؛ لأن الشخص الواحد لا يكون له بدنان منفصلان. ومن هذا يؤخذ أن كلام الماوردي محمول على الجسدين المتصلين. ولو ألقت يداً، ثم ألقت الباقي، ومات – فعليه دية النفس، وتدخل دية اليد فيها.

стр. 7740

ولو ألقت الباقي وعاش فعليه نصف الدية؛ كذا قاله [القاضي] الحسين. وقال الماوردي: إن دلت شواهد حال اليد على انفصالها بعد استقرار الحياة، ففيه نصف الدية. وإن دلت على انفصالها قبل استقرار الحياة، ففيه نصف الغرة. وكذا حكاه القاضي أبو الطيب، وقال: لو اشتبه الحال على القوابل كان الواجب نصف الغرة. قال: ولا يقبل في الغرة ما له دون سبع سنين؛ لأن الغرة هي الخيار، ومن له دون سبع سنين ليس من الخيار؛ لأنه يحتاج إلى من يكفله، ويخالف الكفارة؛ حيث يجزئ مثل هذا فيها. قال القاضي الحسين: لأن المقصود من الإعتاق فيها تكميل شخص بالحرية، وتسليطه على القيام بكفايته عاجلاً أو آجلاً، والصغير وإن كان لا يقوم بكفايته في الحال فيقوم بها في المآل، والمقصود من الغرة جبر الخلل الواقع للأبوين بإتلاف ولدهما عليهما، ولا ينجبر الخلل بمن هو أقل من سبع سنين؛ لأنه يكون كلاًّ عليهما. قال: ولا كبير ضعيف، أي: عن العمل؛ لما ذكرناه. وظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه يقبل منه من له سبع سنين وأكثر، [ولكن لا] إلى أن ينتهي إلى حد الهرم المؤثر في حل القوى وتضعيف المُنَّة، وهو ما صرح به الإمام وابن الصباغ [عن قول الشيخ أبي حامد، وقال ابن الصباغ:] إنه قال: وليس للشافعي ﵁ نص في ذلك، وقد وافقه على ذلك جماهير الأصحاب؛ كما [حكاه] الإمام والقاضي الحسين والقاضي أبو الطيب البندنيجي؛ تمسكاً بقول الشافعي ﵁ -في "الأم": وليس له أن يؤديها هرمة؛ فدل على أنها ما لم تكن هرمة تجزئ، وهو الذي صححه في "التهذيب" والقاضي الحسين، وادعى الماوردي أنه لا يقبل منه من سنة زائداً على عشرين سنة؛ لأن الغرة معتبرة بشرطين: أحدهما: أكمل مايكون نفعاً. [والثاني: أزيد ما يكون ثمناً.

стр. 7741

وهي قبل العشرين أزيد ثمناً وأقل نفعاً]، وبعد العشرين أكمل نفعاً وأقل ثمناً؛ فاقتضى أن يكون العشرون حدًّا لغاية؛ لأنها أقرب سن إلى [الجمع] بين زيادة الثمن وكمال المنفعة. ولا فرق في ذلك بين الغلام والجارية، وهذا ما حكاه صاحب "البيان" والإمام والقاضي الحسين عن بعض الأصحاب. قال: وقيل: لا تقبل الجارية بعد عشرين سنة، ولا الغلام بعد خمسة عشر سنة؛ لأن ثمن الجارية إلى عشرين يزيد، وثمن الغلام بعد البلوغ ينقص؛ بسبب امتناعه عن خدمة النساء. وهذا ما نسبه القاضي أبو الطيب إلى ابن أبي هريرة، ورجحه أبو الفرج الزاز والقاضي الروياني وجماعة؛ كما قال الرافعي. وإيراد المصنف في "المهذب" وصاحب "الوجيز" يقتضيه، وقال الماوردي: إنه فاسد؛ لوجهين: أحدهما: [أنه] لما لم يختلفا في أول السن وجب ألا يختلفا في آخره. والثاني: أن نقصان ثمنه مقابل لزيادة نفعه؛ فتعارضا، وتساويا فيها الغلام والجارية. قال: ولا يقبل خصي؛ لأن الغرة - كما ذكرنا - الخيار، وليس الخصي من الخيار، ولأنه ناقص عضو من أصل الخلقة؛ فلم يجزئ في الغرة، أصله: إذا كان مقطوع الأنف. ولا نظر إلى زيادة قيمته؛ بسبب الخِصاء؛ كما لا أثر لذلك في امتناع الرد بالعيب. ولا فرق في ذلك بين أن يكون مقطوع الذكر والأنثيين، أو أحدهما. وفي معنى الخصي: الخنثى. قال ولا معيب، [أي] وإن كان العيب يسيراً لا يضر بالعمل؛ لأن

стр. 7742

المعيب ليس بخيار، ولأن هذه دية؛ فوجب ألا تكون معيبة، أصله دية الكبير. ويخالف هذا المعتق في الكفارة؛ حيث يجزئ فيه المعيب بعيب لا يضر بالعمل؛ لأن صاحب الشرع هنا أوجب الغرة، والغرة: الخيار، وهناك أوجب رقبة، والمعيبة تسمى: رقبة. وأيضاً: فإن حقوق الله – تعالى – مبنية على المسامحة، بخلاف حقوق العباد. ولأن الغرة وجبت على سبيل العوض؛ إذ هي بدل من المتلف، وضمان المتلفات نازع إلى الأعواض على اشتراط السلامة. وقد عد الرافعي من أنواع العيب: انتهاء الصبي إلى سن التمييز، ولا تمييز له. وليس عدم الصنعة في الغلام، أو الجارية مانعاً من قبولها. ولو رضي مستحق الغرة بقبولها معيبة جاز؛ إذ الحق له. ولو تراضيا على أخذ العوض عن الغرة مع وجودها، فهو كالاعتياض عن إبل الدية. قال: فإن عدمت الغرة- أي: أو لم توجد بما ذكرناه من القيمة – [وجب خمس] [من] الإبل، أي: في الحر المسلم – في أصح القولين – وقيمة الغرة في [القول] الآخر. هذه المسألة بناها الماوردي على الخلاف السابق في أن الغرة عند الوجود بماذا تقوم، وحكينا أن الجديد: تقويمها [بقيمة خمس من الإبل، والقديم: تقويمها] بخمسين ديناراً، أو ستمائة درهم، فالأول مبني على الأول، وبه قال البصريون، والثاني [مبني] على الثاني، وبه قال البغداديون، وعلى ذلك ينطبق ما حكاه الفوراني عن بعض مشايخنا – وعليه جرى الغزالي – أن وجوب الخمس من الإبل هو الجديد، ووجوب القيمة هو القديم. لكن الفوراني والبغوي حكيا بعد تصدير كلامهما بالقول الأول: أن الثاني مخرج من تقويم الإبل في الدية إذا فقدت، وذلك يقتضي أن يكون من

стр. 7743

الجديد أيضاً. وعن الشيخ أبي حامد: أن القول الأول هو القديم، والثاني هوا لجديد. قال ابن يونس: وأكثر الأصحاب على ذلك. فإن صح ذلك؛ فيكون هذا مما الفتوى فيه على القديم. وقد وجه الأول – وهو الذي جزم به في "المهذب" و"الشامل"، وقطع به بعض الأصحاب، وحكاه الفوراني والمتولي عن النص – بأنها عند الوجود مقدرة بالخمس؛ فإذا فقدت أخذنا ما هي مقدرة به، ويروي ذلك عن زيد بن ثابت، وإليه أشار في "الوسيط" بقوله: ولا يمكن أن يعرف هذا إلا بتوقيف، ولعله ورد. ووجه الثاني: [بأنه القياس]؛ كما لو غصب عبداً فأبق أو تلف. التفريع: إن قلنا بالأول؛ فإن كان الفعل خطأ وجبت مخمسة، وإن كان عمداً، وجبت مثلثة، حكاه البندنيجي، والماوردي، وفيه ما ذكرناه عن القاضي الحسين من قبل. فلو عدمت الإبل، ففيما يجب الخلاف السابق فيما إذا عدمت إبل الدية. وإن قلنا بالثاني وجب خمسون ديناراً أو ستمائة درهم، صرح به البندنيجي والماوردي، وقال: إن ذلك فيما إذا كان الفعل خطأ، أما إذا كان عمداً فيزاد قدر الثلث، وهذا الذي ذكرناه تفريع على أن الغرة تقوم عند الوجود. أما إذا قلنا: لا تقوم – كما حكيناه عن المراوزة – فيكون الواجب هاهنا على قول اعتبار القيمة: قيمتها بالغة ما بلغت، وعليه يحسن تعليل الرافعي القول الأول بأنا لو أوجبنا قيمة الغرة لم نأمن أن تبلغ دية كاملة، أو تزيد عليها، وهذا ما حكاه القاضي الحسين قولاً مع القول الثاني في الكتاب، ولم يتعرض لإيجاب خمس من الإبل هنا، وإن كان قد أشار إليه في أوائل الديات؛ كما حكينا عنه من قبل. قال: [والشجاج] في الرأس [عشر]. [الشجاج] – بتشديد الجيم -: جمع شجة. وهي: الجراحة في الرأس والوجه.

стр. 7744

وفي غيرهما تسمى جراحة لا غير. ويقال: شجَّه يشُجه، ويشِجه – بضم الشين وكسرها – شجًّا؛ فهو مشجوج وشجيج، والجارح: شاج. قال: الحارصة، والدامية، والباضعة، والمتلاحمة، والسمحاق، والموضحة، والهاشمة، والمنقلة، والمأمومة، والدامغة، أي بالغين المعجمة، وهذا ما ادعى المحاملي أنه الصحيح، وحكاه البندنيجي عن الشافعي – ﵁ – وأهل اللغة. وحكى الماوردي أن في كتاب ابن سريج جعل الدامغة والمأمومة سواء، وأنه أثبت بدل "الدامغة": الدامعة-[بعين مهملة] – وجعلها بين الدامية والباضعة، وأن الأكثرين عدوها إحدى عشرة؛ فأثبتوا الدامغة – بالغين المعجمة – وأدخلوا بين الدامية والباضعة: الدامعة، بالعين المهملة. ثم قال: ويحتمل أن يكون بين الباضعة والمتلاحمة: البازلة؛ فتكون اثنتي عشرة، وحكى ذلك عن بعضهم في باب الديات. وحكى عن بعضهم انه جعل بين المتلاحمة والسمحاق: الملطاة؛ فتكون ثلاث عشرة. ومنهم من جعل بين الموضحة والهاشمة شجة أخرى تسمى: المفرشة؛ فتكون أربع عشرة. وفي "تعليق" القاضي أبي الطيب أن المنقول عن أهل اللغة – وذكره القتبي -: أنها ثمانية، وأسقط في العد مما في الكتاب: الدامية، والدامغة، بالغين المعجمة. قال: فالحارصة: ما تشق الجلد، [أي]: قليلاً، ولا تدمي، وهكذا فسرها صاحب "المحكم"، وهي مأخوذة – كما قال الماوردي والقاضي الحسين –من قولهم: حرص القصار الثوب: إذا شقه وخدشه قليلاً بالدق. وقال في "المهذب": إن الحارصة ما تكشط الجلد. وهو كذلك في "تعليق" القاضي الحسين، والبندنيجي، و"مجموع" المحاملي، وأنه مأخوذ من قولهم:

стр. 7745

حرص القصار الثوب: إذا كشط عنه الوسخ، وهذا هو المحكي عن الأزهري، وهي بالحاء والصاد المهملتين، وتسمى: الحريصة، ويقال: حرص رأسه –بفتح الراء – يحرصه: بكسرها، حرصاً: بإسكانها. قال: والدامية ما تشق الجلد، وتدمي، أي من غير سيلان؛ كما قاله الماوردي والقاضي الحسني في موضع من كتابه، وحكاه المحاملي عن ابن سريج، والرافعي عن الشافعي – ﵁ – وأهل اللغة. ويليها عند الأكثرين – ومنهم: ابن سريج، كما قلناه – الدامعة، بالعين المهملة، وهي التي يخرج دمها كالدموع. وقد فسر بعضهم الدامية بالتي يسيل منها الدم، وعلى ذلك جرى القاضي الحسين في موضع من كتابه، وكذا الغزالي وإمامه. و [فسروا] الدامغة بالتي يقطر منها الدم، وكذلك جعلها هذا القائل بين الحارصة والدامية. قال: والباضعة: ما تقطع اللحم؛ لأن بضع الشيء: شقه، وتليها الشجة التي سماها الماوردي: البازلة، وهي التي يتبزل الدم فيها؛ فتكون أقوى من الدامغة؛ لأن دم البازلة ما اتصل ودام، ودم الدامغة ما انقطع، وقال: إن هذا أشبه بالمعنى [والاشتقاق]. قال: والمتلاحمة: ما تنزل في اللحم، وقد تسمى: اللاحمة وأهل المدينة يسمونها – كما قال الماوردي -: البازلة؛ لأنها تبزل؛ أي: يشق فيها اللحم. وعن الإمام تقديم المتلاحمة على الباضعة، وتفسير كل واحدة بما سبق في الأخرى، والمعنى لا يختلف. قال: والسمحاق: ما يبقى بينه وبين العظم جلدة رقيقة، سميت بذلك؛ لأن الجلد [الذي] وصلت إليه يسمى: سمحاق الرأس، مأخوذ من سمحايق البطن، وهو الشحم الرقيق، وغيم سمحايق: إذا كان رقيقاً، ويسميها أهل المدينة – كما قال الماوردي -: الملطاة.

стр. 7746

والسمحاق بكسر السين، وبالحاء، المهملتين. قال: ويجب في هذه الخمسة الحكومة؛ لأن التقدير يعتمد التوقيف، ولم يرد فيه توقيف، روي عن مكحول مرسلاً أن النبي ﷺ : "جَعَلَ فِي الْمُوضِحَةِ خَمْساً مِنَ الإِبِلِ، وَلَمْ [يُوقِفْ] فِيمَا دُونَ ذَلِكَ شَيئاً". وروى عبد الحق في "الأحكام"، عن الحسن أن رسول الله ﷺ "لَمْ يَقْضِ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ بِشَيْءٍ" وإذا كان كذلك تعينت الحكومة. قال: ولا تبلغ بحكومتها أرش الموضحة؛ لأنها دونها، قال الماوردي: وهذا هو الظاهر من منصوص الشافعي – ﵁ – وقول جمهور أصحابه، ووراءه أمران حكاهما الماوردي أيضاً، وثالث عن غيره. فأحد الأمرين: حكى أبو إسحاق المروزي وأبو علي بن أبي هريرة، عن الشافعي –﵁ أن الحكم كذلك، إذا لم يمكن معرفة قدر الشجة من الموضحة؛ فإن أمكن ذلك اعتبر ما انتهت إليه في اللحم من مقدار ما بلغته الموضحة؛ فإن أمكن ذلك اعتبر ما انتهت إليه في اللحم من مقدار ما بلغته الموضحة حتى وصلت إلى العظم، فإذا عرف مقداره من نصف أو ثلث أو ربع، كان فيه بقدر ذلك من أرش الموضحة؛ فإن لم أنه النصف، وشك في الزائد- اعتبر شكه بتقويم الحكومة؛ فإن زاد على النصف، وبلغ الثلثين – زال حكم الشك في الزيادة بإثباتها، وحكم [بها، ولزم ثلثا دية الموضحة. وإن بلغت النصف زال حكم الشك في الزيادة بإسقاطها، وحكم] بنصف دية الموضحة، وإن نقصت عن النصف بطل حكم النقصان والزيادة، وثبت حكم النصف. وهذا ما نسبه الرافعي إلى الأكثرين، وعليه اقتصر في "المهذب". وقال ابن الصباغ: إنه الذي قاله أصحابنا.

стр. 7747

وحكى القاضي أبو الطيب قبل الكلام في دية [اليهودي والنصراني]: أنا إذا عرفنا نسبة المجروح من الموضحة نوجب أكثر الأمرين مما اقتضاه التوزيع أو حكومة لا يبلغ بها أرش موضحة. والفرق بين هذا وبين ما حكيناه عن أبي إسحاق وغيره: أنا على هذا نوجب المحكومة إذا زاد قدرها على قدر ما اقتضاه التوزيع، مع تحقق قدر النسبة، وعلى رأي أبي إسحاق:؛ إذا تحققنا نسبة الجرح من الموضحة من غير شك في زيادة عليه، لانوجب إلا قدر النسبة من دية الموضحة، وإن كان قدر الحكومة أزيد منه، وهذا هو الأمر الثالث الذي أشرت إليه، وأدخلته بين كلام الماوردي؛ لقربه مما قبله. والثاني مما حكاه الماوردي: أن ابن سريج رأى أن أروشها مقدرة بالاجتهاد،

стр. 7748

كما قدرت الموضحة وما فوقها بالنص؛ فجعل في الحارصة بعيراً واحداً، وفي الدامية والدامغة بعيرين، وفي الباضعة والبازلة والمتلاحمة ثلاثة أبعرة، وفي الملطاة والسمحاق أربعة أبعرة. قال: والموضحة: ما توضح العظم، أي: تكشفه بحيث يقرع بالمرود، وإن كان العظم غير مشاهد بالدم الذي ستره. قال: في الرأس أو الوجه، وفيها خمس من الإبل؛ لما روى عمرو بن حزم في مسنده - كما ذكره أبو إسحاق - أن النبي ﷺ :"كَتَبَ كِتَاباً إِلَى اليَمَنِ، وَفِيهِ: وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ". قال الإمام: وهذا الحديث الذي اعتمد عليه الشافعي ﵁ في تقدير أروش الأطراف. وقد روى ما ذكرناه في الموضحة معاذ بن جبل، عن رسول الله ﷺ "لفظاً سمعت منه". وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: "فِي الْمُوَضِّحِ خَمْسٌ" أخرجه أبو داود والترمذي، وقال: إنه حسن. وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن أبا بكر وعمر ﵄ قالا: "الْمُوَضِّحَةُ فِي الرَّاسِ وَالوْجْهِ سَوْاءٌ". ونقل مكحول، عن زيد بن ثابت ﵁ أنه قال: "الْمُوَضِّحَةُ فِي

стр. 7749

الرَّاسِ وَالوَجْهِ وَالْحَاجِبِ سَوَاءٌ"، ولا يعرف لهم مخالف. ولا فرق في ذلك بين أن تكون صغيرة كالمخيط – كما قال الماوردي – أو أكبر؛ لأنها على الأسماء؛ فاستوى حكم صغيرها وكبيرها كالأطراف. وأبدى الإمام تخريج وجهين فيما إذا غرز إبرة في رأس إنسان، وتحققنا وصول رأس الإبرة إلى العظم، ثم استلها: في أن ذلك هل يكون إيضاحاً – مما سنذكره فيما إذا أوضح موضحتين، وأدخل بينهما مروداً في الباطن. وكذا لا فرق بين أن يسترها الشعر أو لا، ولا بين أن يحصل بها شين، أو لا يحصل، وإذا حصل بين القليل والكثير. قال الماوردي: وقد حكى عن الشافعي – ﵁ – أنه قال في موضع آخر: "إن موضحة [الجبهة إذا كثر] شينها في الوجه أن فيها أكثر الأمرين من ديتها أو أرش شينها؛ فاختلف أصحابنا على وجهين: أن [خرجوا] زيادة الشين في الرأس والوجه على قولين: والوجه الثاني: أنه لا يلزمه في شين الرأس إلا ديتها، ويلزمه في شين الوجه أكثر الأمرين؛ لأن شينها في الوجه أقبَح. وقد نسب الرافعي الأخر إلى الإصطخري وابن أبي محمد الفارسي، وأنه لا تفريع على هذا. ثم ما ذكره الشيخ مفروض في الموضحة على الحر المسلم الذكر، ونسبة قدر أرش الموضحة عيه من ديته: نصف عشرها؛ فراعى هذه النسبة في حق غيره، حتى يجب في موضحة المرأة بعيران ونصف، وفي موضحة اليهودي والنصراني بعير وثلثان، وفي موضحة النمجوسي ثلث بعير؛ لأن ذلك نصف عشر ديتهم، وقد ذكرنا تقدير أبدالها بالدراهم [من] قبل. تنبيه: قول الشيخ: "والشجاج في الرأس عشر" ثم قوله: "والموضحة: ما

стр. 7750

توضح العظم في الرأس أو الوجه"، يفهم أن باقي الشجاج لا يجري في الوجه، وليس الأمر كذلك؛ بل ما ذكره في الرأس، قال الأصحاب: إنه يجري في الجبهة من الوجه. وكذلك يتصور ماسوى المأمومة والدامغة في الخد وقصبة الأنف واللحى الأسفل، على أن في بعضه خلافاً سيأتي. قال: فإن عمت الرأس، ونزلت إلى الوجه - فقد قيل: يلزمه خمس من الإبل؛ لأن الجبهة والرأس كلاهما محل الإيضاح؛ فأشبه ما إذا أوضح رأسه في موضعين وجرح ما بينهما. وقيل: عشر؛ لأن الرأس والوجه عضوان مختلفان، فرتب على الجناية على كل منهما عند الاجتماع ما يترتب عند الانفراد، كما لو أوضحه، وأمرَّ السكين إلى قفاه؛ فإنه يجب عليه في الموضحة خمس من الإبل، ويجب في الجراحة في القفا حكومة. ويخالف ما إذا أوضحه في موضعين، ثم خرق ما بينهما؛ لأن الرأس كلها محل واحد؛ بدليل أن قدر الموضحة من الشجوج [لو استوعب جميع رأس] الشاج - استوفى، ولو زاد عليه لم يستوف من الوجه، وهذا ما صححه الرافعي وغيره. وعلى هذا فرعان: أحدهما: لو شملت الموضحة الجبهة والوجه، قال الإمام: في الاتحاد تردد، والأظهر الاتحاد؛ تنزيلاً لأجزاء الوجه منزلة أجزاء الرأس. الثاني: لو كانت الجراحة الواصلة إلى الوجه من الرأس مختلفة؛ بأن كانت في الرأس موضحة، وفي الوجه متلاحمة - وجب عليه خمس من الإبل وحكومة المتلاحمة، كما ذكرنا في جراحة القفا. وعلى الأول: لا شيء عليه سوى خمس من الإبل في الفرعين.

стр. 7751

قال: إن أوضح موضحتين بينهما حاجز، فعليه عشر من الإبل؛ لعموم أخبار المواضح، ولا فرق في ذلك بين أن يَرفع الحديدة عن موضحة، ثم يضعها على موضحة أخرى، وبين أن يجريها على الرأس من موضع الإيضاح الأول إلى أن يتحامل عليها في موضع آخر؛ فيوضحه، واللحم والجلد سليمان. وحكى الإمام في الحالة الثانية وجهاً ضعيفاً: أن الحاصل موضحة واحدة؛ لاتحاد الفعل وتواصل الحركات. وفي تعليق القاضي الحسين الجزم به نقلاً وتفقهاً. وهذا الحكم فيما لو كثرت المواضح؛ يجب في كل واحدة خمس من الإبل. وفيه وجه: أنها إذا كثرت، بحيث تزيد أروشها على دية النفس –لا يجب فيها أكثر من دية النفس؛ كما سيأتي مثله في قلع الأسنان. والصحيح، وبه قطع ابن كج: الأول. وفرق بين ذلك وبين الأسنان؛ بأن الأسنان معلومة مضبوطة؛ كالأصابع؛ فجاز إلا تزاد على دية النفس؛ كالأصابع؛ والموضحات ليست مضبوطة قدراً ولا عدداً؛ فيجب أرشها بحسب وجودها. قال: وإن خرق بينهما –أي: قبل الاندمال – رجعت إلى خمس؛ لأن فعل الإنسان مبني على فعله فيجعل كالشيء الواحد؛ بدليل ما لو قطع يده، ثم حز رقبته قبل الاندمال؛ فإنا نجعل الجنايتين واحدة، وإذا كان كذلك لم يجب عليه سوى خمس. وهكذا الحكم فيما لو تآكل ما بينهما، صرح به القاضي أبو الطيب وغيره من العراقيين والمراوزة، وادعى أنه لا خلاف فيه. وأبدى الرافعي تخريج وجه في مسألة الكتاب: أنه يجب عليه أرش ثلاث موضحات من قول ابن سريج فيما إذا قطع يديه ورجليه، ثم حز رقبته: إنه يجب عليه ديات. وحكى ابن كج وجهاً آخر فيها: أنه لا يجب عليه بسبب رفع الحاجز شيء، ولكن

стр. 7752

لا يسقطه به شيء من الأرشين؛ لأن زيادة الجناية تبعد أن تكون مسقطة لما وجب. قال: وإن خرق بينهما غيره، وجب على الأول عشر، وعلى الثاني خمس؛ لأن فعل الإنسان لا ينبني على فعل غيره؛ بدليل: ما لو قطع يد إنسان، وحز آخر رقبته؛ فإنه يجب على [كل] منهما موجب جنايته. ولو خرق بينهما المجني عيه كان فعله هدراً، واستمر وجوب العشر على الأول. فرع: لو أوضحه رجلان كل واحد موضحة، تم تآكل الحاجز بينهما- عادت إلى واحدة، ووجب على كل منهما نصف أرشها. ولو اشتركا في موضحتين، ثم رفع أحدهما الحاجز – فعلى الذي رفع نصف أرش موضحة، وعلى الآخر أرش موضحة كاملة. قال: وإن أوضح موضحتين، ثم خرق بينهما في الباطن، أي: وبقي الجلد الظاهر – [فقد قيل: يجب عليه أرش موضحتين؛ نظراً للظاهر]، وهذا ما صححه الجيلي. وقيل: أرش موضحة؛ [نظراً] للباطن، وهذا هو الأصح، وبه جزم القاضي الحسين. وذكا الخلاف جارٍ – كما حكاه الإمام – فيما إذا أدخل حديدة من الموضحة إلى الموضحة في الباطن، ثم استلها، وعاد اللحم وانطبق. وفيما إذا أوضح موضحتين ابتداء، بينهما حاجز الجلد دون اللحم، أو اللحم دون الجلد. وقيل: اللحم يصلح حاجزاً دون الجلد؛ لان اللحم هو الساتر للعظم المنطبق عليه؛ فيكون الاعتبار به. وقيل العكس؛ لأن الجلد هو الذي يظهر للناظرين؛ فإذا بقي [على] اتصاله لم يكن العظم واضجاً.

стр. 7753

قال الإمام: وهذا ليس بشيء: [وبه جزم الماوردي، وكلامه يوهم أن الشافعي – ﵁ – نص عليه]. قال: وإن شج في جميع رأسه شجة دون الموضحة، وأوضح في بعضها، ولم ينفصل بعضها عن بعض – وجب عليه أرش موضحة؛ إذ الكل لو كان موضحة لم يلزمه أكثر من أرش موضحة، فإذا كان بعضه موضحة وبعضه دونها كان أولى ألا يلزمه زيادة على أرشها. وفي "الجيلي" حكاية وجه: أنه يجب عليه مع ذلك حكومة، والمشهور: الأول، وهو المحكي عن نصه في "الأم". نعم، لو اقتص في الموضحة، فهل له أخذ الحكومة لما دونه من المتلاحمة والسمحاق؟ قال صاحب "التهذيب": يحتمل أن يكون على وجهين؛ كما لو قطع يده من نصف الكف؛ فاقتص المجني عليه من الأصابع، هل له حكومة نصف الكف؟ فيه وجهان. فروع: [الفرع الأول:] لو وسع الجاني الموضحة لم يجب عليه سوى أرش موضحة واحدة، على الصحيح. وفيه وجه: أنه يجب عليه أرش أخرى؛ كما لو وسعها غيره. قال الرافعي: وهذا الخلاف كالخلاف المذكور فيما لو رفع الحاجز بين موضحتيه. [الفرع الثاني:] إذا أوضح موضحة بعضها عمد، وبعضها خطأ، أو هو في بعضها محق، وفي بعضها متعدٍّ – فهل الحاصل واحدة، أو اثنتان؟ فيه وجهان: أظهرهما – في "الرافعي" -: الثاني. [الفرع الثالث:] إذا قال الجاني: رفعت الحاجز قبل الاندمال؛ فعادت الموضحتان واحدة، وقال الولي: بل بعده؛ فعليك أرش ثلاث موضحات – قال الأئمة: إن قصر الزمان صدق الجاني بيمينه، وإن طال صدق المجني عله بيمينه، فإذا حلف [ثبت] له أرشان، وهل يثبت الثالث؟ فيه وجهان:

стр. 7754

أحدهما: نعم؛ لأنه ثبت رفع الحاجز باعتراف الجاني، وثبت الاندمال بيمين المجني عليه؛ فقد حصلت موضحة ثالثة. وأصحهما: لا، ويصدق الجاني. وسنذكر عن الأصحاب في مسألة الاختلاف في موت المجني عيه بجنايات توجب ديات بالسراية أو بغيرها [كلاماً] يظهر مجيء مثله هاهنا؛ ليطلب من ثَمَّ. ولو وجدنا الحاجز بينهما مرتفعاً، فقال الجاني: رفعته أنا، أو: ارتفع بالسراية، وقال المجني عليه: بل رفعه آخر، أو رفعته أنا – فالظاهر تصديق المجني عليه؛ لأن الموضحتين توجبان أرشين؛ فالظاهر: ثبوتهما، واستقرارهما، وهذا ما جزم به القاضي أبو الطيب. قال: الهاشمة: ما تهشم العظم، أي: تكسره بعد الإيضاح. [قال]: ويجب فيها عشر من الإبل؛ لما روى قبيصة بن ذؤيب: "أن زيد ابن ثابت – ﵁ – قدر فيها عشراً من الإبل". والظاهر: أنه لا يقوله إلا توقيفاً؛ [فإن كان توقيفاً] كما ذكر القاضي الحسين والإمام أن بعض أصحابنا روى أن زيد بن ثابت روى ذلك عن رسول الله ﷺ فالمصير إليه واجب، وإن لم يكن توقيفاً فهو قول صحابي، وليس له مخالف؛ فكان إجماعاً. ولأن كسر العظم بالهشم ملحق بكسر ما تقدرت ديته من السن، وفيه خمس من الإبل؛ وكذلك في الهشم؛ فصار مع [أرش] الموضحة عشراً. وعن "أمالي" أبي الفرج السرخسي نقل قول عن القديم: أن الواجب أرش موضحة وحكومة. قال: وإن ضربه بمثقل؛ فهشم العظم، ولم يجرح – لزمه خمس من الإبل؛ لأن العشر إذا كانت في مقابلة الجرح والهشم، وأرش الجرح كما قلنا خمس – تعين أن الخمسة الباقية في مقابلة الهشم؛ فوجبت عند انفراده، وهذا

стр. 7755

قول أبي إسحاق. وعن "المنهاج": أن الشافعي ﵁ نص عليه، وهذا هو الصحيح في "تعليق" القاضي أبي الطيب و"المهذب" وغيرهما. وقيل: تلزمه حكومة؛ كهشم أعضاء البدن، وهذا قول ابن أبي هريرة، كما قاله في "المهذب". قال الإمام: وعلى هذا هل يبلغ بحكومته خمساً من الإبل؟ تردد فيه جواب القاضي. وقد أفسد الماوردي قول ابن أبي هريرة: بأنه لما لم تتقدر موضحة الجسد وهاشمته، لم يتقدر انفراد هشمه، ولما تقدرت موضحة الرأس وهاشمته، تقدر انفراد هشمه. ثم هذا المعنى ليس مما نرى؛ فلا يثبت [حكمه] إلا بإقرار الجاني، أو بشهادة عدلين من أهل الخبرة. فروع: [الفرع الأول:] إذا أوضح في مواضع متفرقة، وهشم في كل واحد منها- فهي هاشمات، وعن ابن كج حكاية وجه عن ابن القطان غير موجه بأنها تجعل موضحات وهاشمة واحدة، ولا تفريع عليه. [الفرع الثاني:] إذا شجه هاشمتين عليهما موضحة واحدة - كانتا هاشمتين، وعليه دياتهما؛ لأنه زاد إيضاح مالا هشم تحته. ولو أوضحه موضحتين تحتهما هاشمة واحدة، كان ذلك هاشمتين. قال البندنيجي: قولاً واحداً؛ لأنه قد زاده هشماً بلا إيضاح عليه. قال الماوردي: فإن قيل: فهذا هشم في الباطن دون الظاهر. قيل: الفرق: امتزاج اللحم بالجلد في الموضحة، وانفصال العظم عن الجلد واللحم في الهاشمة. وفرق ابن الصباغ بأن الهاشمة تابعة للموضحة، وهما موضحتان، وليست الموضحة تابعة لغيرها. وحكى الرافعي وجهاً: أن الحاصل هاشمة واحدة؛ لاتصال الكسر، فعلى هذا

стр. 7756

لا فرق. [الفرع الثالث:] إذا شجه؛ فهشم مقدم رأسه وأعلى جبهته، كان على وجهين كما قلنا في الموضحة. ولو شجه؛ فأوضح رأسه، وهشم جبهته - كان مأخوذاً بدية موضحة في أحدهما، وبهاشمة في الأخرى، قالهما الماوردي. وقد ذكرنا أن بين الهاشمة والمأمومة شجة؛ تسمى: المفرشة، وهي الموضحة إذا اقترن بها صداع في الرأس من غير هشم، قال الماوردي: فينظر في الصداع الحادث عنها: فإن انقطع ولم يدم، فلا شيء فيه غير دية الموضحة. وإن استدام الصداع على الأبد ولم يسكن، كان فيه مع أرش الموضحة حكومة لا تبلغ دية هاشمة. وإن كان يضرب في زمان، ويسكن في آخر؛ فإن علم أن عود الصداع سببه الموضحة، كان فيه حكومة، وإن علم أنه من غيرها، فلا حكومة فيه، ولا فيما تقدمه؛ لأنه لم يدم. وإن شك فيه، فلا حكومة أيضاً؛ لأنها لا تجب بالشك. قال: والمنقلة: ما لا تبرأ إلا بنقل العظم. هذا الكلام يحتمل أمرين: أحدهما: ألا تبرأ إلا بنقل العظم - الذي انتقل من محله إلى محل [آخر]؛ بالجناية إلى محله. والثاني: ألا تبرأ إلا بنقل العظم أصلاً ورأساً، وعليه ينطبق قول الماوردي في الديات حكاية عن "المختصر": وهي التي تكسر عظم الرأس حتى يتشظَّى فينقل من عظامه؛ ليلتئم، وقد سمي الشافعي ﵀ هذه الشجة في "الأم":المنقولة.

стр. 7757

وقد قيل: إن المنقولة: [هي] التي تنقل فراش العظم، أي: ما دق منها من موضع إلى موضع. قال: ويجب فيها خمسة عشر من الإبل: لانعقاد الإجماع عليه؛ كما حكاه الماوردي؛ لرواية عمر بن الخطاب – ﵁ – عن رسول الله ﷺ كتب كتاباً إلى [أهل] اليمن، وفيه: "وَفِي الْمُنْقِلَةِ خَمْسَةَ عَشْرَ مِنَ الإِبِلِ" خرجه النسائي. فرع: لو شجه منقلة لا إيضاح عليها لزمه كمال أرشها؛ قاله الماوردي، بخلاف الهاشمة إذا لم يكن عليها إيضاح؛ لأن المنقلة لابد من إيضاحها؛ لتنقل العظم الذي فيها؛ فصار الإيضاح عائداً إلى جانيها؛ فلزمه جميع ديتها، والهاشمة لا تفتقر إلى إيضاح؛ فلم يلزمه غلا قدر ما جنى فيها. وفي "الرافعي" حكاية [وجهين] فيما إذا نقل العظم من غير إيضاح: أحدهما: أن الواجب الحكومة. والثاني: أن الواجب عشر من الإبل. "وأن في الرقم" وغيره [أي في الأصل -:]؛ أن موضعهما إذا لم يحوج الهشم إلى البط والشق لإخراج العظم أو تقويمهن فإن أحوج إليه فالذي أتى به هاشمة، يجب فيها ما يجب في الهاشمة، [كذا وقفت عليه في نسختين]. قال: والمأمومة: ما تصل إلى الجلدة التي تلي الدماغ، سميت بذلك؛ لوصولها إلى أم الرأس، وهي الجلدة المحيطة بمخ الدماغ، وتسمى: الآمَّة – أيضاً – بالمد وتشديد الميم. قال: وفيها ثلث الدية؛ لما روى عمرو بن حزم أن النبي ﷺ كتب كتاباً إلى اليمن فيه: "وَفِي الْمَامُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ" خرجه النسائي. وقد روى أبو داود عن عمرو بن شعيب، عن أبيهن عن جده في حديث طويل:

стр. 7758

"وَفِي الْمَامُومَةِ ثُلُثُ الْعَقْلِ ثَلاَثٌ وَثَلاَثُونَ مِنَ الإِبِلِ وَثُلُثٌ". فرع: لو شجه رجل موضحة، وهشمه ثانٍ بعد [الإيضاح، ونقله ثالث بعد الهشم، وأمّه رابع] بعد التنقيل- وجب على الأول دية موضحة، وعلى الثاني ما زاد عليها من دية الهاشمة – وهو خمس من الإبل – [وعلى الثالث ما زاد عليهما من دية المنقلة – وهو خمس من الإبل] – وعلى الرابع ما زاد عليها من دية المأمومة، وهي ثمانية عشر بعيراً وثلث، وهذا ما حكي عن ابن سريج، وهو الصحيح، عن كتاب ابن كج وغيره حكاية وجه آخر: أنهم يجعلون شركاء في المأمومة؛ فيكون أرشها عليهم أرباعاً. فلو جاء خامس، وخرق خريطة الدماغ – ففي "التهذيب": أن عليه تمام دية النفس، وهذا على طريقة من جعل أرش الدامغة دية النفس، كما سنذكره. وعلى طريقة ابن سريج يظهر أن يجب نصف أرش المأمومة. قال: والدامغة: ما وصلت إلى الدماغ، ويجب فيها ما يجب في المأمومة؛ يعني: ثلث الدية؛ لأنها واصلة إلى جوف؛ فأشبهت الجائفة، وهذا ما نص عليه الشافعي، ﵀. قال الماوردي: والذي أراه: أنه يجب تفضيلها على المأمومة بزيادة حكومة؛ لخرق غشاوة الدماغ، لكنه لم يُحْكَ عن الشافعي، ﵀. وفي "الجيلي": أن الروياني استحسنه، وحكى الفوراني وجماعة أن الواجب فيها تمام الدية؛ لأنها تُذَفَّف، وعلى هذا جرى الإمام؛ حيث قال: وليست الدامغة من الجراح، وإنما توحي، تذفف تذفيفَ حزَّ الرقبة. قال الراعي: والأولون يمنعون كونها مذففة. قال: وفي الجائفة ثلث الدية؛ لما روى عمرو بن حزم أن النبي ﷺ كتب في الكتاب الذي كتبه إلى اليمن: "وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ"، خرجه النسائي. وقد روى [عن] عمر بن الخطاب – ﵁ – أن النبي ﷺ قال::"وَفِي الْجَائِفَة ثُلُثُ الدِّيَةِ".

стр. 7759

قال: وهي الجناية التي تصل إلى جوف البدن من ظهر أو بطن أو صدر أو ثغرة نحر. ثغرة النحر: خسفة اللبة. وألحق الإمام بذلك الوصول بالمثانة. ولا فرق في ذلك بين أن يكون بمحدد أو غيره، ولا بين الصغير [منها] والكبير؛ لأنها متعلقة بالاسم؛ كما في الموضحة. وكذا لا فرق بين أن تندمل أو يحز آخر رقبته قبل الاندمال على المذهب؛ كما صار إليه الأصحاب في الموضحة، وادعى الإمام فيها الاتفاق. وفي "تعليق" القاضي الحسين أن بعض أصحابنا قال فيما إذا اندملت: لا يجب أرش جائفة، وعليه حكومة. وعزاه في "التتمة" إلى رواية صاحب "الإيضاح" تخريجاً من قول الشافعي إذا أفضى امرأة فالتحم الموضع: إن عليه الحكومة. وابن الصباغ نسبه إلى تخريج صاحب "الإيضاح" نفسه. وطرده المتولي في الموضحة تخريجاً لنفسه، وهذا قد حكيناه عن رواية الإمام من قبل. وفي "التهذيب": أن بعضهم خرج مسألة الجائفة على القولين في سقوط الأرش، عند عود السن، وإدخال خشبة أو حديدة في حلقه إلى أن تنتهي إلى جوفه – لا يجب بها شيء، إلا أن تخدش شيئاً في الجوف؛ فتجب حكومته، ويعزر في الحال؛ أدباً. ولو خرق بوصول الخشبة إلى الجوف حاجزاً من غشاوة المعدة، أو الحشوة – ففي إجراء حكم الجائفة عليها وجهان. قال الماوردي: بناء على اختلاف الوجهين في الحاجز بين الموضحتين إذا انخرق باطنه من اللحم، وبقى ظاهره من الجلد، كذلك حكاهما المصنف فيما إذا حصل ذلك بإدخال خشبة في دبره.

стр. 7760

واحترز الشيخ بجوف البدن عن الوصول إلى جوف غيره؛ كما إذا جرح الذكر، فوصلت الجراحة إلى جوفه؛ فإنه لا يجب فيها أرش جائفة عند العراقيين؛ لأنه لا يخاف من الوصول إلى جوفه التلف، وقد حكى الإمام فيه وجهين. وعما إذا وصلت إلى جوف الفم؛ فإن فيها خلافاً، كما سنذكره. ومحل الاقتصار في الجائفة على ثلث الدية إذا وقعت الجراحة موازية للبطن، ولم تلدغ الآلة كبده ولا طحاله، أما إذا وقعت في الجسد غير موازية للجوف، وجرها إليه، أو لدغت الآلة الكبد أو الطحال – وجب ثلث الدية وحكومة، ولو كسر ضلعه من الجائفة؛ فإن نفذت الجائفة من غير الضلع لزمته حكومة للضلع، وإن لم تنفذ إلا بكسر الضلع دخلت حكومته في دية الجائفة. قال: فإن طعنه في بطنه؛ فخرجت الطعنة من ظهره – فهما جائفتان؛ لما رواه الجمهور، عن أبي بكر – ﵁ – "أَنَّهُ قَضَى عَلَى رَجُلٍ رَمَى رَجُلاً بِسَهْمٍ فَأَنْفَذَهُ، بِثُلُثِي الدِّيَةِ". وقد روى في "المهذب" عن عمر – ﵁ – نحوه، ولم يظهر لهما مخالف؛ فكان إجماعاً. ولأن ما خرق حجاب الجوف كان جائفة؛ كالداخلة من الظاهر إلى الباطن. قال: وقيل: هي جائفة؛ لأن الجائفة: ما وصلت إلى الجوف، والنافذة خارجة فكانت أقل من الجائفة؛ فعلى هذا يجب عليه مع أرش الجائفة حكومة؛ كذا حكاه القاضي الحسين، غيره، وهو الأظهر في "الرافعي". وفي "النهاية": أن الشيخ أبا بكر أبدى ذلك احتمالاً لنفسه؛ لأن هذه الجراحة زائدة على الواصلة إلى الجوف؛ فاقتضى ذلك زيادة حكومة. ثم قال الإمام: وهذا الذي ذكره فيه نظر؛ فإن تلك الزيادة التي تخيلها حقيقتها أنها جائفة أخرى، فإن مال إلى حقيقة هذا فالوجه إيجاب ثلثي دية، وإلا فلا

стр. 7761

وجه مع [اعتقاد] اتحاد الجائفة؛ لإيجاب الزيادة، وهذا بمثابة ما لو أجاف بطن إنسان، ثم زاد فوسع تلك الجائفة. وما ذكره الإمام قد حكاه الرافعي وجهاً لبعض الأصحاب، وهو ظاهر كلام الشيخ. قال: والأول أصح؛ لما ذكرناه. قال الماوردي: وهو مذهب الشافعي، وعليه جمهور أصحابه. وعلى هذا: إن كان ما حصل به الطعن قد قطع بنفوذه في الجوف بعض خُشْوةٍ، كان عليه مع دية الجائفتين حكومة فيما قطع. ولو جرحه بخنجر له طرفان؛ فأجافه في موضعين، وبينهما حاجز – كانت جائفتين؛ فإن خرقه الجاني، أو تآكل، أو خرقه غير الجاني، أو المجني عليه – فالحكم فيه كما ذكرنا في الموضحة. قال: وإن أجاف جائفة، فجاء آخر ووسعها-أي: في الظاهر والباطن – وجب على الثاني أرش جائفة؛ لأنه لو انفرد هذا القدر لكان جائفة؛ فكذا عند الاشتراك؛ كما قلنا في الموضحة، ولو اتسعت في الباطن دون الظاهر، أو بالعكس، أو زاد في [غورها] – قال الماوردي: فعليه حكومة؛ لأنه جرح لم يكمل جائفة. ولو قطع من جانب بعض [الظاهر ومن جانب بعض] الباطن، ففي التتمة: أنه ينظر في ثخانة الجلد واللحم، ويقسط أرش الجائفة على المقطوع من الجانبين، وقد يقتضي التقسيط تمام الأرش؛ بأن قطع نصف الظاهر من جانب، ونصف الباطن من جانب. أما إذا لم يؤثر فعل الثاني في سعتها شيئاً، لم يجب عليه سوى التعزير. قال: وإن طعن وجنته، فهشم العظم، ووصلت الجراحة إلى الفم – ففيه قولان: أحدهما: أنها جائفة؛ أي: يجب فيها ما يجب في الجائفة؛ لأنها جراحة واصلة [من الظاهر إلى جوف، فأشبهت الواصلة] إلى الباطن، وهذا أصح في الجيلي.

стр. 7762

والثاني: يلزمه أرش هاشمة؛ ولا يجب عليه أرش جائفة؛ لأنه لا يطلق عليها جائفة، ولا يخاف منها كالخوف من الجائفة؛ فلا تلحق بها في الحكم. وأيضاً: فإنه لو خرق شدقه لم يكن جائفة كما حكاه ابن الصباغ؛ فكذا هاهنا، وهذا أصح عند النواوي، والمختار في "المرشد". فعلى هذا: يجب [عليه] مع أرش الهاشمة حكومة لما زاد، صرح به البندنيجي وابن الصباغ وغيرهما. والوجنة: اللحم المرتفع من الخدين، وفيها أربع لغات: فتح الواو، وكسرها، وضمها، وأجنة – بالألف – والجمع: الوجنات، بفتحها، ومن كسر المفرد، أسكن الجيم، وفتحها، وكسرها، ومن ضمه ضم الجيم وفتحها وأسكنها، ويقال: رجل مُوَجَّن، وأوجن: عظيم الوجنة. وفي "عدة" الطبري حكاية القولين فيما إذا خرق شدقه؛ فوصل إلى داخل الفم: في أنه هل يجب [عليه] أرش جائفة أم لا؟ وحكى الماوردي نظير القولين في الأصل عن حكاية القاضي أبي حامد فيما إذا طعن وجنته؛ فهشمت العظم، وتنقل إلى أن وصل إلى الفم، أو كانت [في] إحدى اللحيين؛ فخرقت كذلك حتى وصلت إلى الفم: أحدهما: يجب فيها أرش مأمومة. والثاني: تجب فيها دية منقلة، وزيادة حكومة. وحكى القاضي أبو الطيب وابن الصباغ، عن أبي علي الطبري أنه خرج ما إذا جرح قصبة أنفه، وأنفذ الجراحة إلى باطنه – على القولين في مسألة الكتاب؛ لأن باطن الأنف كباطن الفم. وحكى الماوردي عن رواية القاضي أبي حامد في "الجامع" حكاية قول: أنه يلزمه دية مأمومة، وتلزمه حكومة هي أكثر من دية منقلة. فرع: إذا خاط المجروح جائفته؛ ففتقها آخر حتى عادت جائفة- نظر:

стр. 7763

فإن كان ذلك بعد التحامها ظاهراً وباطناً [فعليه دية جائفة وقيمة الخيط لا غير إن كان تالفاً. وإن كان قبل التحامها ظاهراً وباطناً] فلا شيء عليه في الجائفة، ويعزر أدباً، ويغرم قيمة الخيط إن كان تالفاً، وأجرة مثل الخياطة؛ لأنه ما ألزم في محله غرما سواه، وإن كان بعد التحامها ظاهراً دون الباطن فعليه حكومة، ويغرم قيمة الخيط؛ ولا يغرم أجرة الخياطة؛ لدخوله في حكومة محله، قاله الماوردي. وأطلق في "الرافعي" أنا إذا أوجبنا الحكومة في صور هذه المسألة، لا تجب أجرة الخياطة، ويجب ضمان المخيط إن تلف. قال: ويجب في الأذنين إذا قطعهما من أصلها الدية؛ لأنه روي عن عمر وعلي – ﵄ – أنهما قالا: "وَفِي الأُذُنَيْنِ الدِّيَةُ"، ولا يعرف لهما مخالف. قال الماوردي: ولرواية عمرو بن حزم أن النبي ﷺ قال في كتابه إلى اليمن: "وَفِي الأُذُنَيْنِ الدِّيةُ". وروى الدارقطني، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم [أنه كان في كتاب عمرو بن حزم] حين بعثه رسول الله ﷺ إلى نجران: "وَفِي الأُذُنِ خَمْسُونَ". وفي "النهاية": أنه لم يرج لها ذكر في كتاب عمرو بن حزم، وقد رواه بعضهم –يعني القاضي الحسين- عن النبي ﷺ ، وهو مجازفة في الرواية، ولم يصح

стр. 7764

-عندنا – في ذلك خبر في كتب الحديث. ولأنها عضوان يجتمع منهما جمال ومنفعة؛ فوجب أن تكمل فيها الدية؛ كاليدين والرجلين. قال: وفي أحداهما نصفها؛ لقوله ﷺ : "وَفِي الأُذُنِ خَمْسُونَ مِنَ الإِبِلِ". وبعضهم يروي ذلك عن كتاب (عمرو] بن حزم. قال: وفي بعضها بقسطه؛ لأن ما وجبت فيه الدية وجب في بعضه بقسطه؛ كالأصابع. وحكى الإمام أن بعض الأصحاب خرج وجهاً آخر: أن في الأذنين الحكومة، وقال: إنه متجه إن لم يثبت فيهما خبر؛ فإن إيجاب بدل الكل في الطرف ليس منقاساً في الأصل، والأصل المعتمد في تكميل بدل الجملة [في] الجزء توقيف الشارع. ولا فرق على المذهب بين ذات الثقب والخرم إذا لم يذهب منها شيء، ولا بين أذن الأصم والسميع؛ لأن محل السمع في الصماخ لا في الأذن؛ لبقائه بعد قطعها. وخالف حلول البصر في العين، وحلول حركة الكلام في اللسان. قال: وإن ضرب الأذن؛ فشلت، أي: يبست – وجبت الدية في أحد القولين – أي: في "الأم" –كما يلزمه ذلك في شلل اليدين، وهذا أصح في "التهذيب" وعند النواوي". والحكومة في الآخر؛ لبقاء منافعها بعد الشلل: من جمع الصوت، ومنع دخول الهوام والماء إذا اغتسل، وعدم منافع اليد بالشلل. وبعضهم بنى الخلاف على خلاف في أن منفعة الأذن منع دبيب الهوام وهو يزول بالشلل، أو جمع الصوت وهو باق مع الشلل. قال: وإن قطع أذناً شلاء، ففيه قولان: أحدهما: تجب الدية. والثاني: الحكومة.

стр. 7765

هذان القولان ينبنيان –كما قال الماوردي، والقاضي أبو الطيب، والبندنيجي – على القولين في الفصل قبله، فمن قال: تجب ثم الدية، أوجب هاهنا الحكومة؛ كما في قطع اليد الشلاء، ومن قال: تجب ثم الحكومة، أوجب هاهنا الدية. وعن الشيخ أبي حامد: أن إيجاب الدية غلط لا يحكي، بل عليه حكومة قولاً واحداً؛ كما قلنا فيمن قلع عيناً قائمة. قال البندنيجي: وهو غلط. وهذا القول أشار إليه الماوردي بقوله: وذهب بعض أصحابنا إلى أنه لا يجب في الحالين إلا حكومتان: أحداهما: بالاستحشاف، والأخرى: بالقطع، يستوفي بالحكومتين جميع الدية، لا يجوز نقصانها، ويجوز زيادتها. وعن ابن كج وجه آخر: انه لا يشترط بلوغهما قدر الدية. ثم قال الماوردي: وما ذكره هذا القائل- يعني: في الأصل – فاسد؛ لأنه لا بد أن يجري في إحدى الحكومتين حكم الجناية على الصحة، وذلك موجب لكمال الدية. وقد عكس الإمام البناء؛ فجعل الخلاف في الأولى مبنيًّا على الخلاف في المسألة الثانية، والمعنى لا يختلف. فرع: إذا جنى على أذنه؛ فاسودت، ففيها حكومة؛ كما لو جنى على يده؛ فاسودت، وإن كانت المنفعة باقية. فرع آخر: إذا استأصل قطع الأذن حتى أوضح العظم، قال الرافعي: لم يجعل أرش الموضحة تبعاً لدية الأذن؛ لأنه لا يتبع مقدَّرٌ مقدَّراً. قال: ويجب في السمع الدية؛ لما روى معاذ بن جبل – ﵁ – أن النبي ﷺ قال: "وَفِي السَّمْعِ الدِّيَةُ"، روي: "أَنَّ رَجُلاً رَمَى رَاسَ رَجُلٍ بِحَجَرٍ فِي زَمَانِ

стр. 7766

عُمَرَ – ﵁ – فَأَذْهَبَ سَمْعَهُ وَعَقْلَهُ وَلِسَانَهُ وَذَكَرَهُ؛ فَقَضَى عَلَيهِ عُمَرُ – ﵁ – بِأَرْبَعِ دِياتٍ، وَهُوَ حَيٍّ"، ولا مخالف له من الصحابة. ولأن السمع من أشرف الحواس؛ فأشبه حاسة البصر. ولا فرق في إيجاب الدية بين أن يذهب السمع، أو يحكم أهل البصائر بأنه باقٍ في مقره، ولكنه ارتتق بالجناية داخل الأذن ارتتاقاً لا وصول إلى زواله؛ كما صرح به الإمام. وحكى الغزالي والرافعي في الحالة الثانية وجهين، ثانيهما – وهو الأظهر في "الرافعي"، وبه أجاب في "التتمة" -: إيجاب الحكومة. واعلم أن لطيفة السمع ليست [متعلقة بجزء من الأذن، وإنما في مقرها من الرأس، وقد قال العلماء: السمع] شيء واحد، وليس من المثاني، بخلاف البصر. قال الإمام: وذهب بعض أصحابنا إلى إلحاقه بالمثاني، وكأنه يتخيل لطيفتين لكل واحدة نفوذ في مصرف الأذن؛ كما يتحقق ذلك في البصر، وهذا مزيف عند جماهير الأصحاب. قال: فإن قطع الأذنين وذهب السمع – وجبت ديتان؛ لقطعه عضواً وإذهابه منفعة حالَّة في غيره؛ فلم يدخل أرش المنفعة في دية العضو؛ كما لو أوضح رأسه؛ فأذهب ضوء عينه. قال: فإن اختلفا في ذهاب السمع، أي: والجناية مما يحتمل ذهاب السمع بها – تتبع في أوقات الغفلة: فإن ظهر منه انزعاج سقطت دعواه؛ لظهور كذبه. وهذا من الشيخ يقتضي أنا لا نحلف الجاني في هذه الحالة. وفي "الحاوي": أنه لابد من تحليفه: إن سمعه باق؛ لجواز أن يكون انزعاج المجني عليه عند الصوت بالاتفاق، [وأنه لا يكفيه] أن يحلف: إن سمعه لم يذهب بجنايته.

стр. 7767

قال: وإن لم يظهر فالقول قوله؛ لأن الظاهر صدقه مع يمينه؛ لاحتمال أن يكون متحفظاً في تلك الحالة. ثم صورة امتحانه: أن يُتَغَفَّلَ، ثم يصاح [به] بأزعج صوت وأهوله، يتضمن إنذاراً أو تحذيراً أو بأن يطرح في موضع [جلوسه شيء له صوت من موضع] عالٍ، ويكرر ذلك في أوقات الخلوات، ومن جهات؛ حتى يتحقق زوال اسمع بها؛ فإن الطبع يظهر منها ما يزول معه التصنيع. وإذا ثبت زوال سمعه – إما بإقرار الجاني، أو بالطريق المذكور – قال الماوردي: فيراجع عدول أهل الطب في أنه هل يجوز أن يعود، أم لا؟ فإن نفوا قدروها، وجب الانتظار بالدية إلى انقضاء تلك المدة: فإن عاد السمع فيها سقطت، وألا ثبتت. قال: وإن ادعى نقصان السمع – أي: من الأذنين جميعاً – فالقول قوله مع يمينه؛ إذ لا يعرف ذلك إلا من جهته. قال: ويجب فيما نقص بقدره –أي: من الدية – إذا عرف قدر نقصانه؛ لما مضى من نظائره. وطريق معرفة ذلك: أن يوقف له من يحدثه حتى يقول له: لا أسمع، ثم يغير الصوت عليه بالارتفاع قليلاً؛ فإن قال: أسمع، فقد صدق، ثم يتباعد عنه إلى أن يبلغ قدر المسافة التي كان يسمع منها قبل الجناية، ثم تذرع المسافة التي سمع فيها، ثم يدار الذي يحدثه إلى الجانب الآخر، ويفعل مثل ذلك؛ فإن اتفقت المسافتان – فقد ظهر صدقه؛ فيحلف، ويجب له بنسبة ما ذهب من السمع. وإن لم يعلم حد سماعه في حال الصحة، فلا سبيل إلى تحقيق المستحق من الدية؛ فيعطي في الذاهب منه حكومة يقدرها الحاكم باجتهاده؛ كما قاله الماوردي والبغوي.

стр. 7768

فإن قال المجني عليه: أنا أعرف قدر ما ذهب من سمعي، وهو النصف مثلاً، قال الماوردي: أحلف على دعواه، وحكم بقوله؛ [لأنه] لا يتوصل إلى معرفته إلا من جهته؛ فقيل قوله فيه مع يمينه؛ كما يقبل قول المرأة في حيضها. وقال الإمام وغيره: إنه يقدر الاعتبار بسمع رجل سليم السمع في مثل سنه وصحته؛ بأن يجلس بجنب المجني عليه، ويؤمر من يرفع الصوت ويناديهما من مسافة بعيدة، لا يسمع منها واحد منهما، ثم يقرب المنادي شيئاً فشيئاً، إلى أن يقول السليم: سمعت؛ [فيعلم على الموضع، ثم يديم المنادي ذلك الحد من رفع الصوت، ويقرب إلى أن يقول المجني عليه: سمعت]، فيضبط ما بينهما من التفاوت. أما إذا ادعى نقصان السمع في إحدى الأذنين – جرب بعد تصميم الأذن السليمة، وفعلنا معه ما تقدم؛ فإن انضبط الذاهب، وجب بقسطه، وإلا وجبت الحكومة. فرع: إذا أصمت الجناية إحدى الأذنين، وجب نصف الدية. [قال الإمام: وكان شيخي أبو محمد يمنع القول بإيجاب نصف الدية،] ويصير إلى أن يعتبر ما نقص من السمع بحالة الكمال. وهذا الذي ذكره إن كان قياس قولنا: إن السمع ليس من المثاني؛ فاعتبار النظر إلى إحدى الأذنين أقرب من معرفة جزئية النقصان بذرع المسافات، وحكى الغزالي وجهاًك أن الواجب الحكومة. قال: وفي العقل الدية؛ لما روى عمرو بن حزم أن النبي ﷺ قال في كتابه إلى اليمن: "وَفِي الْعَقْلِ الدِّيَةُ". وروى جابر بن عبد الله [أن النبي ﷺ قال: "وَفِي الْعَقْلِ الدِّيَةُ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ".

стр. 7769

وقضى عمر - رضي الله] عنه- في المشجوج رأسه، حين ذهب عقله بها وسمعه، ولسانه وذكره، بأربع ديات. ولأن العقل أشرف من حواس الجسد كلها؛ لامتيازه به من الحيوان البهيم، وفَرْقِه به بين الخير والشر، وتوصله به إلى [اجتلاب المنافع]، ودفع المضار، وتعلق التكليف به؛ فكان أحق بكمال الدية من جميع الحواس، ولا يجب فيه القصاص؛ لأمرين: أحدهما: اختلاف الناس في محله؛ فطائفة تقول: محله الدماغ، وأخرى تقول: القلب، وأخرى تقول: مشترك بينهما، وإن كان الأصح من أقوالهم- كما قال الماوردي وأبو الطيب - الثاني؛ لقوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: ٤٦] وقوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ أي: عقل. والثاني: تعذر استيفائه؛ لأنه يذهب بيسير الجناية، ولا يذهب بكثيرها، وهذا هو المشهور. وقد ذكرنا من قبل أن الإمام حكى تردداً للأصحاب في وجوبه. ثم المراد بالعقل الذي تجب به الدية: العقل الغريزي الذي يتعلق به التكليف، وهو العلم بالمدركات الضرورية. فأما العقل المكتسب الذي هو حسن التقدير، وإصابة التدبير، ومعرفة حقائق الأمور - فلا دية فيه مع بقاء الغريزي، وفيه حكومة. ومحل إيجاب الدية في العقل - عند المتولي - إذا قال أهل الخبرة: إن العارض الذي حدث لا يزول، أما إذا توقعوا الزوال فيتوقف: فإن مات قبل الاستقامة ففي الدية وجهان؛ كما إذا قلع سن مثغور، فمات قبل أن يعود، [والله أعلم]. قال: فإن نقص ما يعرف قدره؛ بأن يجن يوماً، ويفيق يوماً - وجب بقسطه، أي: من الدية؛ لإمكان ذلك.

стр. 7770

قال الرافعي: وقد يتأتى معرفة التفاوت بغير الزمان؛ بأن يقابل [صواب فعله، ومنظوم قوله] بالخطأ المطروح منهما، وتعرف النسبة بينهما؛ فيجب قسط الزائل، وهكذا ما ذكره في التهذيب. قال: وإن لم يعرف، أي: مثل أن صار إذا سمع صيحة زال عقله، ثم يعود؛ كما قال في "المهذب"، أو يفزع مما لا يفزع منه العاقل، ويستوحش إذا خلا؛ كما قاله ابن الصباغ وغيره. قال: وجبت حكومة؛ لتعذر الأرش المقدر. واعلم أن قول الشيخ: "فإن نقص ما يعرف قدره" فيه منازعة؛ فإن الماوردي قال: إن العقل الغريزي لا يتبعض في ذاته؛ لأنه محدود بما لا يتجزأ؛ فلا يصح أن يذهب بعضه، ويبقى بعضه، ولكن قد يتبعض زمانه؛ فيعقل يوماً، ويجن يوماً؛ فتوزع الدية عليها. قال: فإن ذهب العقل بجناية [لا أرش] لها مقدر، أي: كالحارصة والدامية [والباضعة] والمتلاحمة والسمحاق. قال: دخل أرش الجناية في دية العقل؛ لأن عمر – ﵁ – أوجب للمشجوج رأسه أربع ديات، ولم يوجب له أرش الشجة؛ فلو وجب لقضى به. قال: وإن ذهب بجناية لها أرش مقدر: كالموضحة، وقطع اليد والرجل – ففيه قولان: أصحهما: أنه لا يدخل أرش الجناية في دية العقل؛ لقوله ﷺ :"في الموضحة خمس من الإبل، وفي اليد خمسون من الإبل، [وَفِي الرِّجْلِ خَمْسُونَ مِنَ الإِبِلِ]، وَفِي الْعَقْلِ الدِّيَةُ"، فنص على هذه التقديرات؛ فلم يجز إسقاطها.

стр. 7771

ولأن العقل عرض يختص بمحل مخصوص؛ فلم تتداخل فيه أروش الجنايات كالسمع والبصر، وهذا هو الجديد. ومقابله: أن أرش الجناية إن كان أقل، اندرج في دية العقل، وإن كان أكثر كما إذا قطع يديه وأنفه فذهب عقله –دخلت دية العقل في أرش الجناية، ووجبت ديتان؛ و [هذا] هو القديم؛ لأن ذهاب العقل يعطل المنافع من سائر أعضائه؛ لأن المجنون لا ينتفع بنفسه وإن كانت سائر أعضائه سليمة؛ فجرى ذلك مجرى خروج الروح، وقد أفسد هذا بأمور، ومنها: أن قضية تشبيهه بالروح: أن تندرج أروش الجنايات في دية العقل وإن كانت أكثر منه؛ كما تندرج أروش الجراحات في دية النفس وإن كانت أكثر منها، وأيضاً: فإنه لو قطع يد ميت [فإنه] لا قصاص عليه ولا دية، ولو قطع يد مجنون وجب. واحترز المتولي عن هذا في توجيه هذا القول، فقال: العقل يشبه الروح؛ من حيث إن زواله يشبه زوال الروح [في زوال التكليف]. ويشبه فوات منفعة البصر؛ من حيث إنه يبقى الجمال في صورة الأعضاء مع زواله؛ كما يبقى الجمال في الحدقة بعد زوال الضوء؛ فلشبهه بالروح يدخل أرش الجناية في ديته إذا كان الأرش أقل، ولشبهه بالضوء لا يجمع بين بدله وبين أرش الجناية على الجزم؛ كما لا يجمع بين دية البصر وأرش العين القائمة، وإن كان تفويت العين القائمة يوجب حكومة، بل يدخل الأقل في الأكثر. واعلم أن جزم الشيخ باندراج الأرش الذي ليس بمقدر دية في العقل، وحكاية الخلاف في الأرش المقدر – لم يوافقه عليه أحد من المصنفين فيما وقفت عليه، إلا القاضي الحسين في "تعليقه"، وقد حكاه الإمام عنه أيضاً، وقال: إنه ليس بشيء. والجمهور – كالقاضي أبي الطيب، والماوردي، والبندنيجي، وابن الصباغ، والمتولي، [والبغوي]، وغيرهم – حكوا القولين الجديد والقديم في الصورتين، وحينئذ يكون قول الشيخ: "دخل أرش الجناية في دية العقل"، اختياراً

стр. 7772

منه للقديم، ويؤيده قضاء عمر ﵁ كما ذكرناه. نعم، الموضع الذي لا يجب فيه سوى دية العقل جزماً: إذا زال [عقله] بمال لا أرش له، كاللطمة، واللكمة، والضرب بالحجر والعصا على الرأس أو حول القلب، وفي هذه الحالة هل يجب التعزير مع الدية؟ الذي أطلقه الجمهور: الوجوب. وحكى الماوردي فيه وجهين، ووجه المنع: أن دية العقل أغلظ من التعزير؛ فاندرج فيها. وسلك في "المهذب" طريقاً آخر – قال الرافعي: إنه في غيره أيضا ً- وهو: أن أرش الجناية إن كان مثل الدية أو أكثر، لم تدخل فيه دية العقل، ولا [تدخل] دية العقل فيه، وحكاية القولين فيما إذا كان أرش الجناية أقل من دية العقل: هل يدخل في دية العقل، أم لا؟ وهو خلاف نص الشافعي ﵁؛ فإنه قال: إذا قطع يديه؛ فزال عقله؛ فهل الواجب دية، أو ديتان؟ [فعلى قولين]. فرع: لو أنكر الجاني زوال العقل، ونَسَبَهُ إلى التجانن – راقبناه في الخلوات وأوقات الغفلة: فإن لم تنتظم أقواله وأفعاله وجبت الدية من غير يمين؛ لأن تحليفه يثبت جنونه، والمجنون لا يحلف. نعم، لو كان الاختلاف فيمن يجن وقتاً، ويفيق وقتاً – حلفناه في زمن إفاقته. وإن وجدناها منظومة، فالقول قول الجاني مع يمينه؛ لجواز أنها صدرت من اتفاقاً، أو جرياً على ما اعتاده. قال: ويجب في العينين الدية؛ لما روى النسائي [أن] في كتاب [عمرو] بن حزم: "وَفِي العَيْنَيْنِ دِيَةٌ"، وروى على بن أبي طالب رضي الله عنه

стр. 7773

عن النبي ﷺ أنه قال: "فِي الَعيْنَيْنِ الدِّيةُ". ولأنهما من أعظم الجوارح نفعاً، وأجلِّ الحواس قدراً، فكان إيجاب الدية فيهما أحرى. وسواء في ذلك الصغيرة والكبيرة، والحادِّة والكليلة، والصحيحة والعليلة، والعشواء والعمشاء والحولاء؛ إذا كان النظر سليماً؛ قاله الماوردي. وألحق الغزالي الأخفش بالأعمش، وسنذكر ما قيل فيه في الفروع. قال: وفي أحداهما نصفها؛ لأن في كتاب عمرو بن حزم [أن النبي ﷺ ] قال:"فِي العَيْنِ خَمْسُونَ مِنَ الإِبِلِ". قال الشافعي: أراد به العين الواحدة. ويؤيده ما روى معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال [: "وفِي إِحْدَى العَيْنَيْنِ نِصْفُ الدِّيِةِ" ولأن كل دية وجبت في عضوين وجب نصفها في أحدهما؛ كاليدين. قال: وإن جنى عليه جناية، فادعى منها ذهاب البصر، أي: حالاً ومآلاً، وكذبه الجاني، وشهد بذلك شاهدان من أهل المعرفة- وجبت الدية؛ لما روى معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال] "وَفِي البَصَرِ الدِّيةُ"، ولأن منفعة العين بناظرها؛ فإذا سلبها كملت عليه ديتها كالشلل في اليدين، ولا يحتاج مع إقامة البينة إلى يمين. وقد خالفت هذه المسألة مسألة دعوى زوال السمع؛ حيث لا يُرَدُّ ثَمَّ إلى أهل

стр. 7774

الخبرة؛ لأنه لا اطلاع لهم عليه؛ بخلاف ضوء البصر؛ فإنه يمكن الاطلاع عليه في ضوء الشمس. ويقوم مقام الشاهدين في جناية الخطأ رجل وامرأتان؛ كما قاله البندنيجي. فرع: لو عاد بصر المجني عليه بعد أن قضى له بالقود أو الدية، قال في "الحاوي": فالمذهب: أنه لا درك عليه بعوده فيما قضى له به من قود أو دية. وللشافعي –﵁ – في سن المثغور إذا قلعت؛ فاقتص منها، أو أخذ ديتها، ثم عادت قولان، أحدهما: يلزمه رد ديتها؛ فعلى هذا اختلفت الأصحاب في تخريجه في العين إذا عاد بصرها على وجهين: فعلى وجه: يرد، وهذا ما ذكره مجلي والمصنف؛ استدلالاً بأن الضوء لو زال، لم يعد. وعلى وجه: لا يرد شيئاً، والفرق: أن عود السن معهود في جنسه، وعود البصر غير معهود في جنسه. وعلى هذا: لو اقتص من الجاني، ثم عاد بصره – لم يؤخذ بذهابه ثانياً على الصحيح من المذهب، وهل يؤخذ على القول المخرج من السن؟ فيه وجهان. فرع آخر: لو جنى على بصر صبي، أو مجنون؛ فذهب ضوء عينه، وقال أهل الخبرة: إنه لا يعود؛ ففي "المهذب" وغيره حكاية قولين: أحدهما: لا يجب عليه شيء في الحال؛ لجواز ألا يكون البصر زائلاً. والثاني: يجب عليه القصاص أو الدية. قال: وإن قالا: ذهب ولكن يرجى عوده إلى مدة معلومة – انتظر إليها حتى لا يبقى ارتياب، فعلى هذا: إن لم يعد في تلك المدة وجبت الدية، وكذا القصاص، [قاله البندنيجي والماوردي. وادعى الجيلي أنه لا يجب القصاص] بلا خلاف، وهو ما أورده المصنف والرافعي والبغوي ومجلي؛ لأن قول أهل الخبرة يورث شبهة. وإن عاد لم يجب عليه قصاص ولا دية، ووجبت [عليه] حكومة الجناية إن أثرت؛ وإن لم تؤثر عزر.

стр. 7775

ولو جنى على المجني عليه [آخر] في مدة الانتظار ففقأ عينه – فالدية على الأول دون الثاني، [وكذا القود]، قاله الماوردي والبندنيجي، وعلى الثاني الحكومة. وقضية ما حكيناه عن "المهذب" وغيره في المسألة السابقة: ألا يجب القود على الأول، وتجب عليه الدية خاصة؛ للشبهة. قال: فإن مات قبل انقضائها وجبت الدية؛ لتحقق الجناية، والتردد في عود الضوء، مع كونه غير معهود، بخلاف عود السن؛ حيث جرى في إيجاب أرشه في مثل هذه الحالة قولان؛ فإنه معهود فيمن لم يثغر، وهذا ما جزم به البندنيجي وابن الصباغ. وقد قيل بطرد القولين المذكورين [في السن] هاهنا أيضاً. فعلى قول: لا يجب سوى الحكومة؛ كما حكاه الماوردي والمصنف وغيرهما، وهو بعيد؛ لما ذكرناه. أما إذا لم يقدراه بمدة معلومة، لم ينظر؛ لأنه يؤدي إلى إسقاط [موجب] الجناية. قال البندنيجي: فيؤخذ منه القود، أو الدية في الحال. ولو قال أهل المعرفة: لا يعرف حال العين، ويجوز أن يكون بصرها ذاهباً؛ فإن كنا المجني عليه بالغاً، عاقلاً امتحن في أوقات غفلاته بما يزعج البصر رؤيته، ويشار إلى عينه بما توقاه البصر بإغماضها، ويؤمر بالمشي في طريق الحفائر والآبار، ومعه من يحوله عنها وهو لا يشعر؛ فإن دلت أحواله على صدقه؛ [جعل القول] قوله، ويحلف؛ لجواز تصنعه [فيه] ويقضي له بعد يمينه بالقود أو الدية، وإن دلت أحواله على كذبه؛ بأن كان يطبق طرفه عند الإشارة، ويتوقى بئراً إن كانت، ويعدل عن حائط إن لقيه – كان القول قول
следующие страницы →