← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 7981–8020 · переход к 7986.

стр. 7981

وقال الماوردي: إن التصرف إن كان فيه إهلاك للمالية، كالعطايا والهبات والوصايا والصدقات والوقف والعتق – فهو باطل، سواء قيل: إنه حجر سفه أو مرض، ولا يقال: إنا إذا قلنا: إنه حجر مرض يجاز كما تجاز وصايا المريض؛ لأن للمريض في ماله الثلث، فأمضيت وصاياه من ثلثهن وليس للمرتد ثلث تجعل وصاياه منه. وإن كان التصرف بيعاً أو إجارة، فإن قلنا: إن حجره حجر سفه، لم يصح؛ لأن عقود السفيه باطلة، وإن قلنا: إنه حجر مرض، نفذت؛ لأن عقود المريض جائزة. قال: وعلى هذين الوجهين يكون حكم إقراره بالديون والحقوق. قلت: وهما جاريان أيضاً إذا قلنا: إنه حجر فلس؛ بناء على القولين في صحة إقرار المفلس، والله أعلم. قال: وإذا مات – أي على الردة – أو قتل، قضيت الديون من ماله، يعني الديون اللازمة له قبل الردة، وإن حكمنا بزوال ملكه بنفس الردة؛ لأن الردة وإن أزالت الملك فحقها أن تكون كالموت، [والموت] مزيل للملك، ثم الديون الثابتة في حال الحياة تتعلق بما يخلفه الميت، وهي مقدمة على حقوق الورثة، فبأن تقدم هاهنا على حقوق أهل الفيء أولى؛ لأن جهة الزوال بالردة عرضة للارتفاع بالإسلام، والموت مزيل للملك على الثبات، ويثبت حق الورثة على اللزوم، وهذا ما ادعى القاضي الحسين والإمام نفي خلافه. قال: والباقي فيء؛ لأنه لما امتنع أن يرثه عنه أقاربه المسلمون؛ لقوله ﷺ : " [لاَ يَتَوارَثُ] أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى"، وأقاربه الكفار؛ لما فيه من علقة الإسلام، ولا مرتدٌّ مثلُه؛ لامتناع إرث المرتد – فتعين كون ماله فيئاً، كحال من لا وارث له من أهل الذمة. وقد روي ذلك عن زيد بن ثابت وابن عباس – ﵄ – ولا مخالف لهما من الصحابة.

стр. 7982

وأما [ما] تعاطى سبب إيجابه بعد الردة فينظر: فإن كان تصرفاً جائزاً كان كالديون اللازمة قبلها، وإن كان تصرفاً مردوداً لم يستحق، وفي أرش الجنايات على الأنفس والأموال وجهان: ظاهر المذهب منهما في "تعليق" البندنيجي و"الحاوي": أنها تقضي من ماله. والثاني: أنها لا تقضي؛ بناء على أن ملكه قد زال بالردة، وهذا ما أبداه القاضي الحسين احتمالاً مخرجاً على مذهب الإصطخري [في أنه لا تجب نفقة القريب في ماله على هذا القول، وقد [حكى أن الإصطخري] وأبا الطيب بن سلمة قالا به، وهو المختار في "المرشد"، وقد قيل: إن الإصطخري] طرده في قضاء الديون السابقة على الردة. فروع: إذا كانت الديون مؤجلة ولم يمت بعد فهل تحل بردته؟ قال الأصحاب: ذلك ينبني على زوال ملكه، فإن قلنا ببقائه فلا، وإن قلنا بزواله فنعم، وإن قلنا بقول الوقف: فإن أسلم تبَيّنا عدم حلولها، وإلا تبينا حلولها. ولو كان قد استولد جارية، أو دبَّر مملوكه فلا يعتق على الأقوال كلها؛ لأن عتق المستولدة يتعلق بالإياس من الاستفراش، ولم يوجد، والمدبر تعلق عتقه بالموت لفظاً ولم يوجد، نعم لو مات أو قتل عتقت المستولدة على الأقوال كلها؛ [لأنها] لا تقبل التصرف ونقل الملك، وأما المدبر فإن قلنا بزوال ملكه أو بقول الوقف فلا يعتق، وإلا كان كما لو دبر من لا وارث له عبداً ثم ماتن ولو استولد المرتد أمته في حال ردته: فإن أثبتنا له الملك نفذ، وإلا فلا ينفذ، فإن أسلم فقولان كما لو استولد المشتري الجارية المشتراة في زمن الخيار، وقلنا: الملك للبائع، فتم البيع. قال: فإن أقام وارثه بينة – أنه صلى بعد الردة، أي التي حكمنا بصحتها منه، فإن كانت الصلاة في دار الإسلام لم يحكم بإسلامه، وإن كانت في دار الحرب حكم بإسلامه.

стр. 7983

قال ابن الصباغ والماوردي: والفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن إظهار الإسلام في دار الحرب إنما يكون في الصلاة؛ فإنه لا يمكنه إظهار الشهادتين بينهم، بخلاف دار الإسلام. والثاني: أن صلاته في دار الإسلام تحتمل أن تكون تقية، وفي دار الحرب لا يحتاج إلى اتقاء المسلمين، وهذا ما حكاه القاضي أبو الطيب وابن الصباغ عن النص. وقال البندنيجي: إنه منصوص عليه في كتاب "المرتد [الكبير] ". والماوردي: إنه في "الأم" ثم قال: وفيه نظر؛ لأنه لو صارت الصلاة إسلاماً للمرتد لصارت إسلاماً للحربي. و [على] هذا جرى الإمام حيث حكى عن العراقيين ما ذكرناه، واستبعده، ثم قال: والوجه في قياس المراوزة القطع بأنه لا يحكم بإسلامه في دار الحرب، كما لو صلى فيها الكافر الأصلي. وهذا منهما دليل على أن الحربي لا يحكم بإسلامه بصلاته في دار الحرب، وبالغ الإمام في ذلك فقال: لو حكم به حاكم كان صائراً إلى مذهب أبي حنيفة. وفي "الرافعي": أن صاحب "البيان" سوى بين الكافر الأصلي والمرتد فيما ذكرناه، وهذا يدفع الإلزام ثم قال: ويمكن أن نفرق بينهما بأن المرتد كان مسلماً، وعلقة الإسلام باقية فيه، وهو محمول على العود إليه، والعود إلى ما كان أهونُ من افتتاح أمر لم يكن؛ فجاز أن يجعل الشيء عوداً إلى الإسلام ولا يجعل افتتاحاً. ثم إيراد الشيخ في "المهذب" يفهم تخصيص ما ذكرناه من إسلام المرتد، بما إذا كان قد ارتد إلى دين لا تأويل لأهله، ولم أره في غيره. ولا يحصل الإسلام بإنكار الردة بعد الشهادة عليه بأنه ارتد بكذا، سواء كان في دار الإسلام أو دار الحرب، بخلاف ما لو شهد عليه بأنه أقر بالزنى، فأنكر - جعل [ذلك] رجوعاً، [وسقط] عنه الحد. نعم، لو ادعى أنه قال ذلك مكرهاً، ودلت شواهد الحال على صدقه - قبل قوله، وإلا [فلا] يُقبل كما

стр. 7984

ذكرناه من قبل. ولو شهد عليه أنه نطق بكلمة الردة من غير أن تتعرض البينة لأنه ارتد، فقال: صدقا ولكني كنت مكرهاً – فالذي حكى عن الشيخ أبي محمد وتوبع عليه: أنه لا يقتل؛ لأنه ليس فيه تكذيب البينة، بخلاف ما إذا شهدت بالردة، فإن الإكراه ينافي الردة ولا ينافي التلفظ بكلمة الردة، وعلى هذا يجب عليه أن يجدد كلمة الإسلام، فلو قتل قبل التجديد ودعوى الإكراه أو الحلف عليه، فهل يكون قتله مضموناً أم لا؟ فيه قولان، ولو قتل بعد دعوى الإكراه والحلف عليه، قال الإمام: فيقطع بأنه مضمون. وأعلم أن الشهادة بالردة عند الماوردي لا تقبل إلا مفسرة كالجرح؛ لاختلاف الناس في أسباب التكفير، ورأى الإمام تخريج ذلك على الخلاف في أن الشهادة على البيع وسائر العقود، هل تسمع مطلقة، أم يجب التفصيل والتعرض للشرائط؟ قال الرافعي: والظاهر قبول الشهادة المطلقة والقضاء بها. قلت: ولو رتب الخلاف في هذه الشهادة على القولين اللذين حكاهما الأصحاب فيما إذا أقر مسلم أن أباه مات كافراً، وأنه لا يرث منه، ولم يفسر بماذا كفر، بل أطلق هذا القول – لكان أولى؛ لأن الإقرار المطلق يحتمل فيه ما لا يحتمل في الشهادة المطلقة، وأحد القولين في مسألة الإقرار: أنه لا يقبل ويرثه؛ لأنه ربما يعتقد تكفير أهل البدع، والثاني: لا يرثه؛ لأنه أقر بكفره. وفي "الرافعي" وجه جعله [الأظهر]: أنه يستفصَل، فإن فصل وذكر ما هو كفر صرف المال إلى الفيء، وإن ذكر في التفسير ما ليس بكفر صرف [المال] إليه. فرع: إذا ارتد الأسير في يد الكفار ولم نحكم بردته، فقال أحد وارثيه: مات مرتداًّ، وقال الآخر: بل مات مسلماً – سلم للذي [ادعى] موته على الإسلام نصيبه، وفي نصيب الآخر قولان نص عليهما في "المرتد الكبير" كما حكاه البندنيجي: أحدهما: يوقف حتى يُستبان أمره.

стр. 7985

والثاني: يكون فيئاً. ولو كان الأسير يشرب معهم الخمر ويأكل [معهم] الخنزير، ويشهد معهم مواضع متعبَّدهم، إلا أنه ما سجد لصنم، ولا [وجد منه ما يوجب الكفر – فلا نحكم بكفره. فلو مات على هذه الحالة وله ابنان مسلمان، فقال أحدهما:] مات مسلماً، وقال الآخر: بل مرتدًّا – ففيه وجهان في "تعليق" القاضي الحسين: أحدهما: يكون ميراثه بين ولديه؛ لأنا نغلط مدعي ردته فيما يدعيه؛ لأنه يقول: أبي بما فعل صار مرتدًّا. والثاني: أن نصيب المدعي الردة لا يحل له، وعلى ذلك جرى في "التهذيب". قال: وإن علقت منه كافرة، أي: أصلية، وطئها بنكاح أو شبهة، كما قاله في "المهذب"، أو مرتدة، كما قاله أبو الطيب والماوردي والفوراني وغيرهم. قال: بولد في حال الردة، أي: وانفصل وهما كذلك، كما قيده الفوراني. قال: فهو كافر؛ [لأنه] متولد بين كافرين؛ فكان كافراً كولد الحربيين، لكن كفره ككفر أبيه سحباً لحكم الردة، أو كفره كفرٌ أصلي؟ فيه قولان: الأصح منهما في "الحاوي"، وادعى أنه المنصوص عليه في هذا الموضع: الأول، وادعى الفوراني أن الأصح: الثاني. قلت: ولو قيل: بأن ولد المرتد من الكافرة الأصلية كفره أصلي، ومن المرتدة يكون مرتدًّا – لم يبعد؛ بناء على أصلين: أحدهما: أن الذمي لا يقتل بالمرتد؛ لكونه أشرف منه، مع اشتراكهما في الكفر. والثاني: أن المتولد بين وثني وكتابية تعقد له الذمة؛ لحكمنا بتبعيته في هذه الحالة لها في الدين؛ لكونها أشرف ديناً من أبيه، كما يتبعها في الإسلام لشرفهن وفي كتب المراوزة – فيما إذا كانت أمه مرتدة أيضاً – طريقة أخرى

стр. 7986

حاكية للقولين على غير هذا النحو: أحدهما: أنه كافر أصلي. والثاني: أنه مسلم؛ لبقاء علقة الإسلام في الأبوين؛ لأن المرتد يجبر على الإسلام ولا تؤخذ منه الجزية، ولاتعقد معه المهادنة، ويؤمر بقضاء الصلوات التي تمر عليه أوقاتها في الكفر، وكل ذلك من علائق الإسلام، وإذا بقيت فيهما علقة الإسلام غلب على الولد حكمه. وهذا ما صححه في "التهذيب"، وبه قال صاحب "التلخيص". وعند الاختصار يحصل في الولد ثلاثة أقوال كما ذكرها الغزالي.

стр. 7987

قال: وفي استرقاق هذا الولد قولان –أي: على قولنا إنه كافر – وهما ينبنيان على أن كفره ككفر أبيه أو هو كفر أصلي. فعلى الأول: لا يسترق كما لا يسترق أبواه؛ [لبقاء عُلْقة] الإسلام فيهما، وهذا أصح عند القاضي الحسين، فعلى هذا يستتاب بعد البلوغ، فإن تاب وألا قتل، وحكم أولاد هذا الولد حكمه. وعلى الثاني: يسترق؛ لأنه كار لا أمان له، ولم يثبت له حكم الإيمان بنفسه؛ فهو كأولاد أهل الحرب، وعلى هذا يجوز المن عليه والفداء به. قال الماوردي وأبو الطيب وابن الصباغ وغيرهم: ولا يجوز أن يقره الإمام بالجزية؛ لأنه دخل في الكفر بعد نزول القرآن. وقال الإمام: يجوز عقد الجزية معه إذا بلغ، وهو كالكافر الأصلي في كل معنى. وهذا قد حكاه في باب عقد الذمة وجهاً، وقال: إنه لا أصل له، وإن المذهب: أنها لا تعقد له، وأنا إذا قلنا بعقدها ففي حل المناكحة والذبيحة تردد، وأن الوجه: القطع بالتحريم. وأما إذا علقت منه مسلمة وطئها بشبهة نكاح أو غيره، فولده منها مسلم، قال الرافعي: بلا خلاف. وكذلك لو ارتد الأبوان بعد العلوق فهو مسلم، ومن طريق الأولى إذا ارتدا أو أحدهما بعد انفصاله وقبل البلوغ أن نحكم بإسلامه، ولا يتبع أحدهما في الكفر وإن تبعه في الإسلام؛ لقوله ﷺ : " [الإِسْلامُ] يَعْلُو، وَلا يُعْلَى". ولو بلغ هذا الولد بعد ارتداد أبيه وأعرب بالكفر، قال البندنيجي: فالمنصوص أنه مرتد، ومن أصحابنا من قال: يقر على كفره. وهذا [ما] حكاه في "المهذب" قولاً عن تخريج ابن سريج؛ متمسكاً فيه بقول الشافعي – ﵁: لو بلغ فقتله قاتل قبل أن يصف الإسلام لم يجب عليه القود. قال الماوردي: وهذا التخريج سهو منه إلا أن يكون قاله مذهباً لنسه، فيفسد بما ذكرناه.

стр. 7988

قلت: ولا شك أن [هذا] الوجه يجري في الصورتين السابقتين من طريق الأولى. ولا يجوز استرقاق [من باشر الردة بنفسه بحال، كما لا يجوز استرقاق] أهل البغي، وهذا من الأحكام التي اتفق المرتدون والبغاة فيها، وإن اختلفوا في أمور، [منها: قتلهم] مدبرين، وجواز التذفيف على جريحهم، [وقتل أسيرهم]، ورميهم بالنار ونحوها، والاستعانة عليهم بالكفار، وعدم إمهالهم مدة إذا استمهلوا لغلظ كفرهم، وكذلك قال الأصحاب: إذا امتنع المرتدون بالحرابة بدأنا بقتالاهم قبل قتال أهل الحرب، ولأنهم أهدى إلى عورات المسلمين. وقد نجز ما في الباب من المسائل، وآن الوفاء بما وعدنا بذكره: قال المتولي: إذا قال المسلم لمسلم: يا كافر – بلا تأويل – كفر؛ لأنه سمي الإسلام كفراً، وكذا لو سأله كافر يريد الإسلام أن يلقنه الشهادة، فلم يفعل، أو أشار عليه بألا يسلم، أو على مسلم بأن يرتد – فهو كافر؛ للرضا بالكفر، بخلاف ما لو قال للكافر: لا رزقه الله الإيمان، أو لمسلم: سلبه الله الإيمان؛ لأنه ليس رضا بالكفر، لكنه دعا عليه بتشديد العقوبة. وفي "فتاوى" القاضي الحسين وجهان في كفره بالدعاء بالكفر، وكذا فيما إذا أكره مسلماً على الكفر في أنه هل يكفر بذلك أم لا؟ والمتولي جزم بكفره، بخلاف المكره على الإسلام، إنه لا يكون مسلماً به، وقال: إن العزم على الكفر في المستقبل كفر في الحال، وكذا التردد في أنه [هل] يكفر أم لا؟ والتعليق بأمر في المستقبل، كما إذا قال: إن هلك مالي أو مات ولدي تهودت أو تنصرت –كفر. وإن من اعتقد قدم العالم أو حدوث الصانع، أو نَفَى ما هو ثابت للقديم بالإجماع ككونه عالماً وقادراً، أو أثبت ما هو منتف عنه بالإجماع كالألوان، أو أثبت له الاتصال والانفصال – كان كافراً، وكذا من أنكر جواز بعثة الرسل، أو نبوة نبي من الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام – أو كَذَّبه، أو جحد آية من القرآ،

стр. 7989

مجمعاً عليها، أو زاد في القرآن كلمة [واعتقد] أنها منه، أو سب نبيًّا من الأنبياء – ﵈ – أو استخف به، أو استحل حراماً بالإجماع، أو حرم محلَّلا بالإجماع، أو نفى وجوب مجمع عليه كالزكاة ونحوها في زماننا – ووافقه على ذلك الماوردي – أو اعتقد وجوب ما ليس بواجب بالإجماع، كصلاة سادسة أو صوم [من] شوّال، أو نسب عائشة – ﵂ – إلى الفاحشة، وادعى النبوة في زماننا، أو صدق مدعيها. وعن الشيخ أبي محمد – ﵀ أن من كذب على رسول الله ﷺ عمداً؛ فقد كفر ويراق دمه؛ قال الإمام: وهذه زلة ولم أر ما قاله لأحد من الأصحاب، والظاهر – وهو الذي أورده الغزالي -: أنه يعزر. وجزم الإمام بأن سب الرسول ﷺ بما هو قذفٌ صريحُ كفرٍ باتفاق الأصحاب، وأن الشيخ أبا بكر الفارسي قال في كتاب "الإجماع": إنه لو تاب لم يسقط القتل عنه؛ لأن حد قذفه ﷺ القتل، وحد القذف لا يسقط بالتوبة. وادعى فيه الإجماع، ووافقه الشيخ أبو بكر القفال. وقال الأستاذ أبو إسحاق: إنه يكفر بالسب، فإذا تاب [سقط] القتل عنه. وقال الصيدلاني: إذا تاب سقط القتل وجلد ثمانين. ثم أبدى الإمام في ذلك مباحثة [لنفسه]، فليطلبها [من أرادها في كتاب عقد الذمة]. وقال القاضي الحسين: ولو تقلنس المسلم بقلنوسة المجوس، أو تزنَّر بزُنَّارهم – صار كافراً؛ لأن الظاهر أنه لا يفعل ذلك إلا عن عقيدة الكفر، بخلاف ما لو دخل دار الحرب فشرب معهم الخمر، أو أكل لحم الخنزير – لم يُحكَم بكفره؛ فإن ارتكاب المحرمات ليس بكفر ولا يسلب به اسم الإيمان، ولا يستحق الفاسق – إذا مات ولم يتب – الخلود في النار. والله أعلم.

стр. 7990

باب قتال المشركين هذا الباب ترجمه صاحب "التلخيص" وغيره بكتاب "الجهاد"، وبعضهم بكتاب "السير"؛ لأن الأحكام المودَعة فيه متلقاة من سِيَرِ رسول الله ﷺ أو أكثرها. والسيرة: الطريقة، وهي مِنْ: سار يسير، و"الفِعْلة": للهيئة، كالجِلسة والقِعدة. وقد ذكر الشافعي ﵁ وأصحابه ﵏[في صدر هذا الكتاب] مقدمة [لا غَنَاء عن] ذكرها، وهي أن رسول الله ﷺ لما بُعث أُمِرَ بالتبليغ والإنذار بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ إلى قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥]، وكان ذلك في يوم الاثنين من شهر رمضان، وكان ابن أربعين سنة في قول الأكثرين، وفي قول الآخرين: ابن ثلاث وأربعين [سنة]، فبلغ ذلك زوجته خديجة، فآمنت به. ثم اختلف العلماء في أول من آمن به بعدها، فقيل: عليٌّ - كرم الله وجهه - وكان - إذ ذاك - ابنَ تسعٍ، وقيل: [بل] ابن عشرٍ، وقيل: أبو بكر ﵁، وقيل: زيد بن حارثة. ثم نزل جبريل ﵇[يوم الثلاثاء] بأعلى مكة، فهم بِعَقِبِهِ [في ناحية] الوادي؛ فانفجرت فيه عين، فتوضأ جبريل ﵇ ليُريَه كيف الطهور، فتوضأ رسول الله ﷺ [منها، ثم قام جبريل يصلي، وصلى رسول الله ﷺ ] بصلاته؛ فكانت هذه أول عبادة فُرضت عليه كما قاله الماوردي. ثم جاء إلى خديجة فتوضأ لها حتى توضأت، وصلى بها كما صلى به جبريل

стр. 7991

- ﵉ فكانت أول من توضأ وصلى بعد رسول الله ﷺ . ثم أمر رسول الله ﷺ بتبليغ قومه بعد ثلاث سنين من مبعثه، واتبعه قوم بعد قوم، وكان القتال ممنوعاً عنه بـ"مكة" كما نقله ابن الصباغ، وأُمِرَ بالصبر على أذى الكفار واحتماله منهم، وكذل من آمن معه. ثم أمر رسول الله ﷺ بالمهاجرة إلى المدينة، فهاجر إليها بعد أن أقام بـ "مكة" رسولاً ثلاث عشرة سنة في الرواية الظاهرة، وفي الأخرى عشر سنين، وذلك في [يوم] الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول، وأُمِر بقتال من قاتله بقوله – تعالى-: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾، [ثم لما] قوى الإسلام أُمِر بابتداء القتال، لكن في غير الأشهر الحُرُم بقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [الآية] [البقرة:١٩١]، ثم أمر به من غير تقييد بشرط وزمان ومكان؛ بقوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]. واختلف أصحابنا في أن الجهاد في عصره ﷺ هل كان فرض عين أو فرض كفاية؟ والذي عليه عامة أصحابنا: المذهب الثاني. وقال أبو علي الطبري كما حكاه أبو الطيب، وابن أبي هريرة كما حكاه الماوردي – بالأول. ثم غزا رسول الله ﷺ سبعاً وعشرين غزوة، قاتل منها [في] تسع غزوات كما حكاه الماوردي، [وفي "مسلم": أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ غَزَا تِسْعَ عَشْرَةَ. كذا ذكره في أثناء حديث ابن عمرن في باب: كم حج

стр. 7992

النبي ﷺ ]. وسرَّى ﷺ سبعاً وأربعين سرية كما نقله الماوردي، وفي "المهذب" وغيره: أنها خمس وثلاثون سرية، ولم يتفق في كل منها قتال؛ فلنذكر من غزواته ﷺ أشهرها: ففي السنة الأولى من هجرته ﷺ لم يغزُ. وفي السنة الثانية غزا غزوة بدر الكبرى المشهورة، وكانت في يوم السبت السابع عشر من شهر رمضان، وبها سُمِّي هذا العام: عام بدر، وفي هذا العام فرض الصيام وكان في شعبان، وكانوا يصومون عاشوراء، كذا نقله الماوردي. وفي "تعليق" [أبي الطيب و] "الشامل" وغيرهما: أن الصيام فُرِضَ بعد سنتين من الهجرة، وفيه – أيضاً –أقرت صلاة السفر، وزيد في الحضر ركعتان؛ فجعلت أربعاً. وحولت القبلة إلى الكعبة في يوم الثلاثاء، النَصفَ من شعبان، بعد أن صلى رسول الله ﷺ إلى بيت المقدس، بالمدينة، ثمانية عشر شهراً؛ كما حكاه الواقدي. وقال قتادة وابن زيد: [حُوِّلت] بعد ستة عشر شهراً [في رجب. وحكى القاضي الحسين في كتاب "الهدنة": أنه ﷺ صلى إلى بيت المقدس سبعة عشر شهراً.] وفيه – أيضاً – فرضت زكاة الفطر، وخطب رسول الله ﷺ بذلك قبل الفطر بيوم أو يومين، وفيه خرج رسول الله ﷺ وصلى بالناس

стр. 7993

صلاة العيد، وهو أول عيد صُلِّي، ثم صلى صلاة عيد الأضحى فيه – أيضاً- وضحى فيه بشاة، وقيل: بشاتين، وضحى معه ذوو اليسار بعد صلاة العيد، وهو أول عيد ضُحِّي فيه. وفي السنة الثالثة من الهجرة غزا رسول الله ﷺ غزوة أُحُد. وفي السنة الرابعة غزا رسول الله ﷺ غزوة بني النضير في شهر ربيع الأول، كذا نقله الماوردي، وفي "النهاية": أن غزوة بني النضير كانت في السنة السادسة، وغزوة ذات الرقاع كانت في هذا العام. وفي السنة الخامسة من الهجرة غزا رسول الله ﷺ غزوة ذات الرقاع، كما نقله الماوردي، وكان خروجه في ليلة السبت العاشر من المحرم، وصلى بها صلاة الخوف، وهي أول صلاة صلاها في الخوف. وفيها غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب، وكانت – كما نقله الماوردي – في الثامن من ذي القعدة، وفيها ترك رسول الله ﷺ الظهر والعصر والمغرب والعشاء لاشتغاله بالقتال، فلما انكف العدو أمر ﷺ بلالاً فأذن وأقام للظهر، وأقام لكل صلاة بعدها ولم يؤذن. والذي رواه البخاري – ﵁: أن صلاة الخندق كانت في شوال سنة أربع من الهجرة، وبهذا اندفع سؤال المزني، ﵀. وفيها غزوة بني قريظة، اتفقت في يوم الأربعاء الثالث والعشرين من ذي القعدة. وفي هذه السنة ضاع عقد عائشة – ﵂ – ونزلت آية التيم. وفي السنة السادسة من الهجرة غزا رسول الله ﷺ غزوة الحديبية في يوم الاثنين هلالَ ذي القعدة، وفيها أحرم ﷺ بالعمرة، وصُدَّ عن البيت، وفيها أسلم من الناس أكثر من جميع من أسلم من قبل، ووقعت بيعة الرضوان تحت الشجرة، وفيها فرض الحج، ومن أصحابنا من قال: إنه فرض في سنة خمس، وفي "النهاية" في كتاب الحج حكاية خلاف عن أصحابنا في أن الحج هل وجب قبل الهجرة أو بعدها؟ وهذا بعيد. ثم اختلف أصحابنا في أن الزكاة [فرضت] قبل الصوم، أو بعده وقبل الحج.

стр. 7994

وفي السنة السابعة غزا رسول الله ﷺ غزوة خيبر وفتحها، وفيها خرج رسول الله ﷺ لعمرة القضاء في هلال ذي القعدة، وخرج معه من شهد الحديبية وغيرهم، إلا من قُتِل منهم [أو مات] وأحرم من [قِبَل المسير] الذي صدر منه. وفي السنة الثامنة فتح رسول الله ﷺ مكة، واختلف العلماء في أنه [هل] فتحها عنوة أو صلحاً؟ فذهب الأوزاعي ومالك وأبو حنيفة إلى الأول، وهو الذي أورده في "الوجيز". وحكى الماوردي عن الشافعي أنه قال: إنها فتحت صلحاً بأمان عقد بشرط، فلما وجد – وهو الكف – لزم الأمان، وانعقد الصلح. وهذا قول مجاهد. قال الماوردي: والذي أراه: أن أسفل مكة دخله خالد بن الوليد عنوة؛ لأنه قوتل فقاتل، وأعلى مكة دخله الزبير صلحاً؛ لأنهم كفوا والتزموا شرط أبي سفيان؛ فكف عنهم الزبير، ولم يقتل أحداً، ولما دخل رسول الله ﷺ مكة في يوم الجمعة العشرين من شهر رمضان، واستقر بها – التزم أمان من لم يقاتل، واستأنف أمان من قاتل، وكذلك استجار بأم هانئ بنت أبي طالب رجلان من أهل مكة، فدخل عليٌّ – كر الله وجهه – ليقتلهما، فمنعَتْه، وأتت رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال ﷺ : " [قَدْ] أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ أُمَّ هَانِئ"، ولو كان الأمان عامًّا لم يحتاجا إلى ذلك، ولو لم يكن أمان لكان كل الناس كذلك.

стр. 7995

وقال الإمام: إن عني القائل بأنها فتحت عنوة: أنه مُنع فقاتل، فليس الأمر كذلك، وإن أراد أنه: دخلها معتدياً على هيئة الاستمكان من القهر، فهذا حق لا ينكر، لكنه أمر بقتل رجال مخصوصين [كان قد عزم على قتلهم]. وفي هذه السنة غزا رسول الله ﷺ بعد الفتح غزوة حنين إلى هوازن في السادس من شوال، وفيها اعتمر رسول الله ﷺ من الجِعرانة في ليلة الأربعاء الثامن عشر من ذي القعدة، وفيها – كما قال الماوردي – استعمل رسول الله ﷺ أبا بكر- ﵁ –على الحج، وأمره أن يؤم الناس كلهم. وفي السنة التاسعة من الهجرة، غزا رسول الله ﷺ غزة تبوك في الروم في رجب، وكان – ﵇ – إذا هم بغزوة ورّى بغيرها، إلا في تبوك؛ فإنه أباح بها؛ حتى يأخذ الناس أهبتهم؛ لبعد المسافة، واتفقت تلك الخرجة في شدة الحر، وفيها تخلف من نزلت فيهم الآية المشهورة، وفيها استعمل رسول الله ﷺ [أبا بكر] على الحج بالناس من المدينة، وفيها بعث العمال لجبي الصدقات من العرب. وفي السنة العاشرة حج رسول الله ﷺ حجة الوداع، وفيها نزل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية، وعاش رسول الله صلى الله ليه وسلم بعد أن قضى حجه اثنين وثمانين يوماً، وتوفي ﷺ في سنة إحدى عشرة من الهجرة في يوم الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول، وكان ابتداء مرضه الذي مات فيه ﷺ الثامن والعشرين من صفر، حشرنا الله في أمته! قال [الشيخ – ﵀:] من لا يقدر على إظهار الدين في دار الحرب، أي: لكونه لا قوة له، ولا عشيرة تمنعه، وقدر على الهجرة، أي: إلى بلاد الإسلام- وجب عليه أن يهاجر؛ لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ﴾ الآية [النساء: ٩٧]، مع قوله ﷺ : "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها" كما خرجه أبو داود والنسائي عن معاوية.

стр. 7996

وروى أبو داود عن جرير، أن النبي ﷺ قال: "أَنَّا بَرِيءٌ مِنْ كُلٍّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ لِمَ؟ قَالَ: لاَ تَراءَى نَارُهُمَا"، أي: لا يتفق رأيهما. فعبَّر عن الرأي بالنار؛ لأن الإنسان يستضيء بالرأي كما يستضيء بالنار، ومثله قوله ﷺ : "لا تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ أَهْلِ الشِّرْكِ"، أي: لا تقتدوا بآرائهم. وما روي عنه ﷺ [أنه] قال يوم فتح مكة: "لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ"، فهو محمول على الهجرة من مكة إلى المدينة؛ لأنها صارت بعد الفتح دار إسلام أبداً؛ فلا معنى للهجرة من دار إلى دار، مع أنه يحتمل أنه لا هجرة كاملة الفضل كالهجرة قبل الفتح؛ فإنهما لا يستويان، كما لا يستوي الإنفاق قبل الفتح وبعده. ولا فرق في ذلك بين أن يكون المسلم أسيراً في أيدي الكفار في قيد أو حبس، أو قد أطلقوه بشرط المقام عندهم، أو بعد تحليفه على عدم مفارقتهم، أو لا يكون شيء من ذلك، ولا يحنث عند الحلف إن كان مكرهاً على اليمين، وفي معناه ما إذا حلَّفوه وهو في الحبس أو القيد، كما صرح به القاضي الحسين والماوردي، وحكى فيما إذا ابتدأهم باليمين على عدم الهرب وهو في القيد أو الحبس - وجهين في الحنث؛ وهما - أيضاً - في "التهذيب"، وجزم بأنه إذا قيل له: لا نطلقك حتى تحلف ألا تخرج إلى دار الإسلام، فحلف. وأطلقوه فخرج - بعدم الحنث، ولم يُقيِّدُه بحالة حبس وغيرها، لكنه قاسه على ما إذا أخذ

стр. 7997

اللصوص رجلاً، وقالوا: لا نتركك حتى تحلف ألا تخبر بمكاننا أحداًن فحلف وتركوه، فأخبر بهم؛ فإنه لا كفارة عليه، وإن كان قد حلف بالطلاق فلا يقع. قال: ومن قدر على إظهار الدين، أي: لقوته وكثرة عشرته –استحب له أن يهاجر. أما عدم وجوبها؛ فلقدرته على إظهار دينه والقيام بواجبه؛ ولهذا بَعَث رسول الله ﷺ يوم الحديبية عثمان [بن عفان] – ﵁ – إلى مكة؛ لأن عشيرته كانت أقوى بـ"مكة"، فأُكرِم، ولأنه – تعالى – لما أوجبها على المستضعفين دل على أنها لا تجب على غيرهم. وفي "النهاية" وجه: أنه يحرم عليه الإقامة؛ لإطلاق الخبر؛ لأن المسلم بين أَظْهُر الكفار مقهورٌ مهان، فإن انكفوا عنه لعارض لم يؤمن عودُهم إليه، والمشهور الأول. وأما كونها مستحبة؛ فلقوله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١]، ولأنه لا يأمن أن يميل إليهم، وفي بقائه [عندهم] تكثير لسواد المشركين وزيادة في عددهم. ومن لم يقدر على إظهار الدين ولا على الهجرة، فهذا يسقط عنه الهجرة؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ الآية [النساء: ٩٨]. والكلام في الحالة الثانية مخصوص عند الماوردي بما إذا كان يرجو نصرة المسلمين بنصرته، ولم يتمكن من الدعاء إلى الإسلام في دار الحرب ولا القتال عليه ولا الانعزال عنهم. وقال – فيما إذا قدر على الانعزال والدعاء والقتال -: إنه يجب عليه أن يقيم، وكذا إذا قدر على الانعزال ولم يقدر على الدعاء والقتال: يجب عليه المقام؛ لأن داره قد صارت بانعزاله دار إسلام، فإذا هاجر عنها صارت دار حرب، ولو لم يقدر على الانعزال أيضاً، فإن كان يرجو ظهور الإسلام بمقامه فالأولى به أن يقيم ولا يهاجر، وإن استوت أحواله في المقام والهجرة فهو بالخيار بينهما، وهذا كله في زماننا.

стр. 7998

وأما الهجرة في زمنه ﷺ فقد كانت في زمن مقامه بـ"مكة" لمن خشي على نفسه من المقام معه [بـ"مكة" جائزةً]، ولمن أمن على نفسه ودينه معصيةً، [إلا لحاجة]؛ لما في مقامه من ظهور الإيمان وكثرة العدد، وفي مدة مقامه بالمدينة قبل الفتح واجبةً على من خاف على نفسه [أو دينه، وهو قادر على الخروج بأهله وماله؛ للآية، ومستحبة لمن أمن على نفسه] كالعباس بن عبد المطلب. وذكر أبو عبيد في كتاب الأموال: "أن الهجرة كانت على غير أهل مكة من الرغائب، ولم تكن فرضاً؛ لما روي أنه ﷺ أتاه أعرابي يسأله عن الهجرة، فقال ﷺ : "وَيْحَكَ إِنَّ شَانَ الْهِجْرَةِ شَدِيدٌ، فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ "قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ الْبِحَارِ، فَإِنَّ اللهَ لَنْ يَتِرَكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئاً" كما خرجه البخاري ومسلم وغيرهما، ولأنه لم يأمر الوفود عليه قبل الفتح بالهجرة. والهجرة: الانتقال من موضع إلى موضع، وسميت بذلك؛ لأنه يهجر فيها ما ألفه من وطن وأهل، وقيل: لأنه يهجر فيها العادة من عمل وكسب. وهي على القولين مأخوذة من "الهجر"؛ وهو الترك. قال: والجهاد فرض على الكفاية؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨]، وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٤٤]، مع قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢]، أي: يجاهدوا جميعاً في قولٍ، أو ما كان لهم إذا جاهد قوم أن يخرجوا

стр. 7999

معهم؛ حتى يتخلفوا لحفظ الذراري والأموال [في قولٍ، وقوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥]. فالآيات الأول دالة على خطاب جميع المؤمنين، [والآية الرابعة تبين] أن الجميع ليسوا مخاطبين، [وكذلك الخامسة]، ووجه الدليل منها: أن الله – تعالى – فاضل بينهم، ولايجوز أن يفاضل بين مأجور ومأزور، وإنما يحصل التفاضل بين مأجورَيْنِ؛ أحدهما أعظم أجراً من الآخر، كما فاضل بينهم في الإنفاق. وأيضاً فقد وعد كلاًّ من المجاهد والقاعد الحسنى، ولو كان القاعد عاصياً لما وعده الحسنى، وهذا شأن فرض الكفاية، ولأنه لو فرض على الأعيان لتعطلت المعايش والمكاسب، وأدى ذلك إلى خراب البلاد؛ لأنه كان يجب ألا يتخلف صاحب صناعة، ولا من يحرث ويزرع، ولا من يحفظ البلاد من العدو، وفي هذا أعظم الفساد؛ والله لا يحب الفساد. قال في "المرشد": والجهاد أفضل الأعمال بعد الإيمان. وهذا إذا كان الكفار قارِّين في بلادهم غير متعلقين بأطراف بلاد الإسلام، أما إذا قصدوا بلادنا فسيأتي حكمه، إن شاء الله تعالى. قال: إذا قام به من فيه الكفاية سقط الفرض عن الباقين؛ لأن هذا شأن [فرض الكفاية] كما هو مقرر في الأصول، والكفاية في هذه الحالة تحصل – كما قاله الماوردي وأبو الطيب والرافعي وغيرهم – بشيئين: أحدهما: شحن الإمام الثغور بجماعة يلقون من بإزائهم من العدو، ويكافئونهم؛ فيسقط بذلك فرض الجهاد عمن خلفهم، فإن ضعفوا واستشغروا وجب على كل من وراءهم من المسلمين أن يمدوهم من أنفسهم بمن يتقوَّوْن به على قتل عدوهم، ويصير جميع من تخلف عن إمدادهم داخلاً في فرض الكفاية حتى يمدهم بأهل الكفاية.

стр. 8000

والثاني: أن يدخل دار الكفار غازياً بنفسه، أو يبعث جيشاً يؤمر عليهم من يصلح لذلك، وأقله مرة، كما سيأتي، وهذا ما يقتضيه ظاهر كلام الشيخ. ولو امتنع الكل من القيام لَحِق الحرجُ، لكن هل يعم الجميع أو يخص الذي يدنو إليه؟ حُكي عن رواية ابن كج فيه وجهان، المذكور منهما في "الحاوي" وكذا "تعليق" أبي الطيب: الأول؛ حيث قالا: ومتى لم يُخلِّ بالثغور من الرجال قدراً يحصل بهم الكفاية لم يسقط الفرض عن الباقين، وكان الإمام وجميع الناس آثمين بذلك، وعلى الجملة: فالذي يلحقه الحرج من عَلِمَ وقدر على القيام به، ومن لم يعلم وكان قريبا ًمن الموضع بحيث يليق بحاله البحث والمراقبة – آثمٌ أيضاً من جهة ترك البحث. قال الإمام: ويختلف هذا بكبر البلد وصغرها، وقد يبلغ التعطيل مبلغاً ينتهي خبره إلى البلاد؛ فيجب عليهم السعي في التدارك، فإن لم يفعلوا نالهم الحرج، وهكذا على التدريج الذي ذكرناه إلى أن يعم الخطة. وإذا قام بالفرض جَمْعٌ لو قام به بعضهم لسقط الحرج عن الباقين، فكلهم مؤدون الفرض؛ لتساويهم في صلاحية القيام، وشمول الحرج للكل لو تعطل. قال الإمام: وإذا صلى على الميت جمع، ثم صلى آخرون، فالوجه أن يجعلهم بمثابة المقاربين للأولين في الصلاة؛ فإن التنفل بصلاة الجنازة لا نرى له أصلا في الشرع. قال: ومن حضر الصف [وهو] من أهل الفرض تعيّن عليه؛ لقوله – تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمْ الأَدْبَارَ﴾ الآية، وقوله – تعالى-: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾، أما إذا حضره من ليس من أهل الفرض، فكلام الشيخ يقتضي أنه لا يتعين عليه، وقد صرح به القاضي الحسين في كتاب قسم الفيء في أواخره، حيث قال: فأما الصبي والمجنون والعبد والمرأة والمريض والضعيف الذي لا يطيق القتال، لا يعطون من أربعة أخماس الفيء؛

стр. 8001

لأنهم ليسوا من أهل الجهاد بدليل أنهم لو حضروا الصف لم يتعين عليهم [القتال]. وقد صرح بذلك - أيضاً- الشيخ أبو حامد وغيره في المريض والأعمى والأعرج، وقال غيرهم خلافه، وسيأتي الكلام فيه، و [صرّح به] ابن يونس في العبد والكافر، وحكى القاضي الحسين هنا أن [النص في] العبد إذا حضر بإذن سيده تعين عليه كالحر، وإن كان بغير إذنه فلا يأثم بالانصراف، كما نص على أنه لا إثم على المرأة؛ لكونها ليست من أهل القتال. [وجزم الإمام في "الغياثي" بأن العبد يتعين عليه المصابرة وإن حضر بغير إذن سيده، وكذلك الولد إذا خرج بغير إذن أحد أبويه إلى أن تضع الحرب أوزارها]. وقال [في "النهاية"] في أهل الذمة: الذي أراه أنهم يمنعون من الانصراف إذا حضروا بإذن الإمام؛ لما فيه من الضرر. ثم ما المتعين بحضور الصف؟ الذي يظهر أنه الجهاد، وفي "تعليق" البندنيجي: أن المتعين جزماً الثبات وعدم الانصراف، وأما القتال فإن كان في المسلمين قلة ولا يكفي بعضهم لقتال المشركين، فيتعين القتال أيضاً، وإن كان فيهم من يقوم بالقتال- يعني: وتقدم إليه - قال: فهو بالخيار إن شاء قاتل وإن شاء ترك. وسأظهر من كلام الإمام- من بعد - ما يقتضي إجراء خلاف في وجوبه في هذه الحالة أيضاً - إن شاء الله تعالى، وأن الصحيح وجوبه كما اقتضاه ظاهر كلام الشيخ، والله أعلم. وكما يتعين الجهاد بحضور الصف يتعين أيضاً في حالتين، حكاهما الماوردي: إحداهما: إذا حل العدو بلاد الإسلام -[والعياذ بالله]- ووطئها؛ فيتعين فرض قتاله على أهل البلاد التي وطئها وأذلها، وإن لم يكن بأهلها قدرة على دفعه تعين فرض القتال على كافة المسلمين؛ [حتى تنكشف البلاد من العدو

стр. 8002

إلى بلاده، وإن كان بهم قدرة على دفعه، لم يسقط بهم فرض الكفاية عن كافة المسلمين ما دام العدو باقياً في ديارهم، وهل يتعين عليهم كما تعين على أهل الثغر؟ فيه وجهان، فإن انهزم أهل ذلك الثغر عنهم، صار فرض جهادهم متعيناً على كافة الأمة، وجهاً واحداً، حتى يردوه إلى بلاده إن لم يستصحب معه شيئاً للمسلمين، أو أسيراً منهم، إلا فحتى يسترجع ذلك من أيديهم. الحالة الثانية: إذا أطل العدو على بلاد المسلمين لقتالهم وخافوه؛ فيتعين فرض الجهاد على كل من أطاقه وقدر عليه من البلاد التي أطلها، وكذلك إذا لم يطل العدو لكنه قصد بلاد الإسلام، وبقي بينه وبينها [دون] مسافة القصر. ويدخل في هذا التعيين جميع من في الثغر من المجاهدين، سوى النساء إذا لم يكن فيهن قوة الدفع، وكذا الصبيان والمرضى، ويدخل فيه من عليه دين، ومن له أبوان لا يأذنان له؛ لأنه قتال دفاع وليس بقتال غزو، فيتعين فرضه على كل مطيق، وكذا يدخل فيه العبيد بدون إذن السادة، إن لم يكن في الأحرار مدفع. قال الإمام: وبهذا يتبين أن العبد من أهل القتال، ولكن إذا لم يتعين فحق السيد مقدم. ولو أمكن مقاومة الأحرار لهم من غير موافقة العبيد، لكن بالموافقة تقوى القلوب – فوجهان حكاهما المراوزة، أحدهما: أن الجواب كذلك، وهو قضية [كلام] الماوردي، والنسوان اللاتي فيهن قوة [كالعبيد]، صرح به الإمام وغيره. وفي "الرافعي" أن ابن أبي هريرة قال فيما إذا أطل العدو: لا يكون الجهاد فرض عين، بل هو فرض كفاية أيضاً، وهذا يأتي في الحالة الأخرى من طريق الأولى. والمذهب: الأول، وعليه ينظر: إن كان عدد العدو أكثر من مثلي عدد من في الثغر – لم يسقط فرض الكفاية عن كافة المسلمين، ووجب على الإمام إمدادهم

стр. 8003

بمن تقوم به الكفاية، وإن كان العدو مثلي أهل الثغر فما دون، قال الماوردي: فإن كان في صورة إطلال العدو كان في حق غير أهل الثغر فرض كفايةٍ باقياً عليهم، وإن كان في الصورة الأخرى، فهل يسقط بأهل الثغر فرض الكفاية عمن عداهم؟ حكى ابن أبي هريرة فيه وجهين: أحدهما: [لا،] خوفاً من الظفر بهم؛ فيصير فرض القتال متعيناً عليهم وباقياً على الكفاية في حق غيرهم، وفي "الوسيط" وغيره: أن أهل الثغر إذا كان فيهم كثرة في صور إطلال العدو، فخرج بعضهم وفيهم كفاية، فهل يتحتم على الآخرين المساعدة؟ فيه وجهان. وأصحهما في "الرافعي": نعم؛ لعظم الواقعة وكون النصر غير منضبط. وفي "الإبانة" وكذا في "العدة" كما حكاه العمراني: أن العدو إذا لم يدخل بلاد الإسلام، فقتاله فرض على الكفاية، وإن دخل كان على من يقربه فرض عين، وكذا على من بعد عنه إن كان يجد الزاد والراحلة، ويقوى أن يجاهدهم، وإن كان بعيداً ولا يجد الزاد والراحلة، ولا يقوون على قصد العدو، فهل يلزم ذلك؟ فيه وجهان، أحدهما: نعم، ويكون على أعيانهم؛ لقوله تعالى: ﴿انفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾؛ فإن القرب والبعد معتبر بمسافة القصر، وفي "الوسيط" إجراء الوجهين [فيما] إذا كان في أهل البلد كثرة، وخرج من تقوم به الكفاية في وجوبه على من هو خارج البلد فيما دون مسافة القصر. ولو كان العدو قد سار في بلاده إلى نحو بلاد الإسلام، فإن كان غير متأهب للقتال، فقتاله فرض كفاية، كما لو أن مقيماً في بلاده ولم يسر كما ذكرناه، ولكن ينبغي أن يتحرز من مكره، ولو انتهى إلى أن صار بينه وبين بلاد الإسلام يوم وليلة، فالفرض في جهاده كما لو كان مقيماً في بلاده أيضاً، لكن يجب التأهب لقتاله. قال الماوردي: وفرض هذا التأهب على أعيان [أهل] ذلك الثغر.

стр. 8004

فرعان: نزول العدو في موات دار الإسلام أو خرابها، هل ينزل منزلة دخوله بلاد الإسلام؟ فيه وجهان حكاهما الغزالي، والمذكور منهما في "النهاية" حكاية عن الأصحاب: الأول، والذي رآه لنفسه: مقابله. وأسر المسلم أو المسلمين هل ينزل منزلة الدخول لدار الإسلام؟ فيه وجهان، أظهرهما عند الإمام: الأول؛ لأن حرمة دار الإسلام كحرمة المسلمين؛ فالاستيلاء على المسلم أعظم. قال: ويستحب الإكثار من الغزو؛ لأنه طاعة، والإكثار من الطاعة مستحب، ولأن النبي ﷺ أكثر منه كما ذكرناه، وقد سأل ابن مسعود – ﵁ – رسول الله ﷺ : "أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: "الصَّلاَةُ لِمِيقَاتِهَا"، قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "بِرُّ الوَالِدَيْنِ"، قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ". وروى سهل بن سعد الساعدي: أنه – ﵇ – قال: "لَغَزْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ- تَعَالَى – خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا"، غير ذلك من الأخبار. قال الماوردي: والذي [استقرت عليه سِيَر] الخلفاء الراشدين أن يكون لهم في كل فصل غزوة، وأن النبي ﷺ كان بعد فرض الجهاد على هذا. تنبيه: الغزو: مصدر: غَزَوْتُ العدو، وأصله: الطلب، يقال: ما مغزاك؟ أي: ما مطلوبك؟ والغازي يطلب إعلاء كلمة الله – تعالى – والثواب والغنيمة، والاسم: الغَزاة والغَزْوة، وهو غازٍ، وهم غُزَاة، وغُزَّى، وأغزيته: جهزته للغزو. قال: وأقل ما يجب في كل سنة مرة: أما وجه وجوبه في كل سنة فهو أن النبي ﷺ منذ أمر به لم يتركه في كل سنة، والاقتداء [رسول الله] ﷺ واجب، وأما كون أقل ذلك [في السنة

стр. 8005

مرة]، فوجهه قوله تعالى: ﴿أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ﴾ الآية [التوبة:١٢٦]، قال مجاهد: إنها نزلت في الجهاد، ولأن فرض الجهاد متكرر، وأقل الفرض المتكرر ما وجب في كل عام مرة كالصيام وزكاة المال والفطر، ولأن الجزية تؤخذ للكف عن القتال، وإنما تؤخذ مرة واحدة في السنة، وسهم الغزاة يؤخذ في كل سنة مرة؛ فلابد من غزوة واحدة، ثم الإمام فيها مخير: إن شاء خرج بنفسه، وإن شاء بعث قوماً وأمَّر عليهم أميراً، على حسب ما تقتضيه المصلحة، قال ابن الصباغ: و [يلزم] الرعية طاعته فيما يراه من ذلك، وهذا ما نص عليه الشافعي – ﵁ – وقال أيضاً: إنه يُغْزِي كل قوم إلى من يليهم من الكفار؛ لأنهم أعرف بقتالهم. وعلى ذلك جرى أصحابه وقالوا: للإمام تكليف أهل البر القتال في البر؛ لأنهم أعرف به، وتكليف أهل البحر القتال في البحر: لأنهم أخبر به. ثم ظاهر كلام الشيخ وغيره: أن الاعتبار بإرسال الجند مرة واحدة إلى أي جهة كانت من جهات العدو في إسقاط الفرض، ومن ذلك قول البندنيجي: وإذا غزا [جهة سنة غزا جهة] أخرى [في] السنة الثانية. وكلام الإمام مصرح بأمر زائد على ذلك؛ فإنه قال: قال الفقهاء: يتعين على الإمام أن يقيم في كل سنة قتالاً مع الكفار، ويجب أن يغزي إلى كل صَوْبٍ منهم جنداً إذا أمكن ذلك، وزعموا أن فرض الكفاية يسقط بقتال واحد في كل صوب، والمختار – عندي في هذا – مسلك الأصوليين؛ فإنهم قالوا: الجهاد دعوة قهرية، فيجب إدامته على حسب الإمكان، حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم، ولا يختص بالمرة الواحدة في السنة، وإذا أمكنت الزيادة لا يعطل الفرض. وما ذكره الفقهاء حملوه على الغالب؛ لأن الأموال والعدد لا يتأتى تجهيزها للجند في السنة أكثر من مرة واحدة، وإذا اصطلى الرجال بنار القتال ونالوا من العدو، ونيل منهم – لم يعودوا ولا دوابهم إلى الاستعداد التام إلا في مدة السنة.

стр. 8006

قال: فإن دعت الحاجة إلى أكثر [من ذلك] وجب؛ لأنه فرض كفاية، فيقدر بقدر الكفاية. قال: وإن دعت إلى تأخيره لضعف المسلمين، أخره؛ لأن النبي ﷺ أخر قتال قريش بالهدنة، وأخر قتال غيرهم من القبائل بغير هدنة، ولأن ما يرجى من النفع بتأخيره أكثر مما يرجى من النفع بتقديمه؛ فوجب تأخيره. و [الضُّعْف و] الضَّعْف – بضم الضاد وفتحها – خلاف القوة، وتارة يحصل بقلة المسلمين، وعظم شوكة الكفار في هذا العام، وتارة لكون بلاد المسلمين مجدبة، ولا شيء لهم يتقوون به [على] عدوهم، وما أشبه ذلك، ولو أمكن قتال بعض الكفار [دون بعض] تعين على النعت المتقدم. وهذا كله في الغزو، وأما حراسة حصون المسلمين، فمتعينة على الفور، ويجب إدامتها بلا فتور، وذلك بعمارة الثغور، وإعداد الكراع والأسلحة، وحفر الخنادق، وترتيب الرجال- كما قال ابن الصباغ – في أطراف البلاد، يلقون من بإزائهم من المشركين إذا أمكن، ويؤمِّر في كل ناحية أميرا يجيشهم في المقام، ويديرهم في أمر الحرب والجهاد، ويعتبر فيه أن يكون مسلماً حرًّ ممن له رأي وعقل ونجده وبصيرة بالحرب، ومكايدة العدو، ويكون فيه أمانة ورفق ناصح للمسلمين، وأن يكون من أهل الاجتهاد [في أحكام الجهاد]. وحكى الماوردي في اعتبار كونه [من أهل الاجتهاد] في الأحكام الدينية وجهين؛ بناء على اختلاف أصحابنا في هذا الأمير، هل يجوز أن ينظر في أحكام جيشه إذا كان مطلق الولاية؟ ولو فوض إليه ولاية التنفيذ، وهي ما كانت موقوفة على رأي الإمام في تنفيذ أمره [فلا يعتبر] من الشرائط المذكورة الحرية، ولا أهلية الاجتهاد في أحكام الجهاد وغيرها. قال: ولا يجب الجهاد إلا على ذكر بالغ عاقل مستطيع، أي: مسلم،

стр. 8007

وسكت الشيخ عنه لوضوحه. ووجه وجوبه على من هذه صفته: الاتفاق، وهذه الصفات جمعت شروط الأهلية وانتفاء الموانع الحسية والشرعية. قال الماوردي: ولا فرق فيه بين أن [يكون] يحسن القتال أو لا؛ لأنه إن كان يحسنه حارب، وإلا كثَّر وهَيَّب. ووجه عدم وجوبه على من لم يتصف بها سيأتي. قال: فأما المرأة والعبد والصبي، فلا يجب عليهم: أما المرأة؛ فلقوله تعالى: ﴿أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ﴾ [الأنفال: ٦٥]، وإطلاق لفظ "المؤمنين" يتوجه إلى الرجال دون النساء، ولا يدخلن فيه، كما هو مذهب الشافعي – ﵁ – إلا بدليل يدل على إرادة دخولهن؛ كما نقله الماوردي. وقد روي عن عائشة – ﵂ – أنها [قالت]: سألت رسول الله ﷺ عن الجهاد فقال: "جِهَادُكُنَّ الْحَجُّ"، وروى أبو هريرة أنه ﷺ قال: "جِهَادُ الْكَبِيرِ وَالضَّعِيفِ وَالْمَرْأَةِ؛: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ". والخنثى المشكل في ذلك كالمرأة. وأما العبد؛ فلقوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١]،وهذا الخطاب لا يتوجه للمملوك؛ لأنه لا يملك؛ فصار داخلا في قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٩١]، وقد روي أنه ﷺ تَبِعَهُ مَمْلُوكٌ لاِمْرَأَةٍ مِنْ مُزَينَةَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "اسْتَاذَنْتَ مَوْلاَتَكَ؟ " فَقَالَ: لاَ، فَقَالَ – ﵇: "لَو مِتَّ أُصَلِّ عَلَيكَ، ارْجِعْ فَاسْتَاذِنْهَا، وَاَقْرِئْهَا مِنِّي السَّلاَمَ"، فَرَجَعَ فَاسْتَاذَنَها، فَأَذِنَتْ لَهُ. وَرَوَى جَابِرٌ أن عَبْداً قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَبَايَعَهُ عَلَى الإِسْلاَمِ وَالْجِهَادِ، فَقَدِمَ صَاحِبُهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَخْبَرَهُ اَنَّهُ مَمْلُوكٌ، فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ بِعَبْدَينِ، فَكَانَ بَعْدُ إِذَا

стр. 8008

أَتَاهُ إِنْسَانٌ لاَ يَعْرِفُهُ لِيُبَايِعَهُ، سَأَلَهُ: أَحُرٌّ هُوَ أَمْ مَمْلُوكٌ؟ فَإِنْ قَالَ: أَنَا حُرٌّن بَايَعَهُ عَلَى الإِسْلاَمِ وَالْجِهَادِ، وَإِنْ قَالَ: أَنَا مَمْلُوكٌ، بَايَعَهُ عَلَى الإِسْلاَمِ وَلَمْ يُبَايِعْهُ عَلَى الْجِهَادِ. ومن جهة المعنى: أنه لو حضر الغنيمة لم يسهم له، بل يرضخ، ولو كان من أهل فرض الجهاد لأُسْهِمَ له، والمدبر والمكاتب. ومن فيه جزء من رق – وإن قل في ذلك – ككامل الرق. ولو أذن السيد للعبد في الجهاد، قال الإمام: فالوجه ألا يلزمه طاعته؛ فإنه ليس من أهل هذا الشأن بنفسه، والملك لا يقتضي التعرض للهلاك، وليس القتال من الاستخدام الذي يجب للسيد على العبد، ولا يجوز أن يكون في هذا خلاف، وإذا لم نوجب الدفع عن المسلم المقصود على التفصيل الذي قدمناه للفقهاء، فلا يجب على العبد أن يدفع عن سيده إذا كان في الدفع تعريض نفسه للقتل. نعم، له استصحابه لخدمته في السفر [وليسوس] دوابه. وهذا ما أورده الغزالي، وقال الرافعي: إن قوله: وليس عليه الذب عن سيده، ينبغي أن يعلم بالواو؛ فإنه جواب على أن الدفع عن الغير لا يجب. قلت: ولا ينبغي أن يعلم بالواو؛ لأن موضع الخلاف في وجوب الدفع عن الغير إذا لم يخف على نفسه، أما إذا خاف عليها فلا يجب، والمسألة مصورة هاهنا بالخوف. وأما الصبي؛ فلقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾ الآية [التوبة: ٩١] قيل: وهم الصبيان؛ لضعف أبدانهم، وقوله – ﵇: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثٍ ... " الخبر المشهور. وقد روي أنه – ﵊ – رد زيد بن ثابت ورافع بن خديج والبراء بن عازب وعبد الله بن عمر –﵃ – [يوم بدر، استصغرهم.

стр. 8009

وروى نافع عن ابن عمر] قَالَ: عُرِضْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَومَ أُحُدٍ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَرَدَّنِي وَلَمْ يُجِزْنِي فِي القِتَالِ، وَعُرِضْتُ عَلَيهِ يَومَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي. خَرَّجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. قال: فإن حضروا جاز، أي: بإذن الإمام؛ لما في حضورهم من النفع. وقد روى أبو داود عن أنس قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عيه وسلم يَغْزُو بِأُمِّ سُلَيْم وَنِسْوَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ، يَسْقِينَ الْمَاءَ، وَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى. وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي. وحضور العبد منوط بإذن مولاه، وإلا فلا يجوز. قال: ولا يجب الجهاد على معتوه؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾ [قيل: وهم] المجانين؛ لضعف عقولهم، وللخبر المشهور. وأفرد الشيخ هذه المسألة عما قبلها؛ لافتراقهم في جواز الحضور؛ فإن المعتوه لا نحضره الحرب؛ لأن حضوره مظنة الضرر على المسلمين؛ فإنه قد يعبث فيهم فيشغلهم عن القتال، بخلاف غيره كما تقدم. قال: ولا على غير مستطيع، وهو الأعمى والأعرج والمريض الذي لا يقدر على القتال؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ﴾ الآية [الفتح: ١٧]؛لأن سورة الفتح نزلت في الجهاد باتفاق المفسرين، وقول الشيخ: الذي لا يقدر على القتال، يعود إلى الثلاثة، وفيه احتراز عن أعمى إحدى العينين؛ فإنه يجب عليه القتال، كما يجب على الأعشى والأعمش ومن في بصره سوء وهو يدرك به الشخص والسلاح، وعن الأعرج الذي يقدر على الركوب والمشي معاً؛ فإنه يجب عليه،

стр. 8010

دون ما إذا قدر على أحدهما كما صرح به ابن الصباغ وغيره. وفي "الرافعي" وجه اختاره في "المرشد": أن الأعرج إذا كان عنده ما يركبه وقدر على ركوبه خاصة وجب عليه، يعني في موضع يمكن القتال فيه راكباً، وهو ما حكاه الإمام عن العراقيين، وألحق في "المرشد" به ما إذا كان يقدر على المشي خاصة. والظاهر: الأول وبه جزم البغوي والمراوزة، كما حكاه الإمام؛ لأن الدابة قد تهلك فيهلك. وعن المريض مرضاً يسيراً لا يمنعه عن القتال، كالحمى اليسيرة والصداع [اليسير]، ووجع الضرس؛ فإنه يجب عليه، بخلاف ما يخشى منه كالحمى الشديدة ورمد [ووجع العين]، كما حكاه أبو الطيب. ومن طريق الأولى: لا يجب على مقطوع الرجل، وكذا مقطوع إحدى اليدين، ولو كان مقطوع بعض أصابعها، فإن كان المقطوع الأكثر فكذلك الحكم، وإن كان المقطوع الأقل وجبن قاله [المصنف] والماوردي. وكذلك حكم الأنامل. قال: والفقير الذي لا يجد ما ينفق على نفسه وعياله، ولا يجد ما يحمله، وهو على مسافة تقصر فيها الصلاة، أي: سواء قدر على المشي أو عجز عنه كما قاله الماوردي، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [الآية] [التوبة: ٩١] إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَاذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ﴾ [التوبة: ٩٣]، وفي الآية – أيضاً – دليل على أن العادم إذا دفع له الإمام من بيت المال ما ينفقه عليه ويحمله يجب عليه الجهاد، وقد صرح به الأصحاب، وأنه لا يجب عليه إذا كان المدفوع من غير بيت المال، والفرق: أن له في مال بيت المال حقا؛ فلا تلحقه مِنَّةٌ، بخلاف مال غيره. نعم، لو قبله لزمه فرض الجهاد بعد القبول، وإذا

стр. 8011

كانت المسافة دون مسافة القصر لم يكن عدم الراحلة مانعاً من الوجوب إذا كان قادراً على المشي، كما أن ذلك لا يمنع وجوب الحجز نعم، في هذه الحالة القدرة على النفقة شرط، إلا إذا كان العدو على باب البلد الذي هو فيه؛ فإنه يجب عليه القتال بكل حال، كما قاله أبو الطيب والمصنف والبندنيجي وغيرهم. ثم المعتبر في النفقة نفقة الأهل وآلة الجهاد ونفقته في الذهاب، وكذا في الإياب؛ لأن الأصل بقاؤه، والنفس تحدثه بالرجوع إلى أهله وإن كان هذا السفر مظنة الموت. نعم، لو كان لا أهل له ففي اعتبار نفقة الإياب في مثله في الحج وجهان، قال الإمام: وهما جاريان هنا وقد يرتبان، وهاهنا أولى بعدم الاعتبار. قال الأصحاب: وكل عذر يمنع [وجوب] الحج يمنع وجوب الجهاد إلا الخوف من طلائع الكفار في الطريق؛ فإنه يمنع الحج ولا يمنع الجهاد، وفي الخوف من متلصصي المسلمين وجهان في "النهاية"؛ أصحهما – وهو الذي أورده الغزالي وقال [الإمام]: إن ميل النص [والأئمة إليه]-: أنه لا يمنع؛ لان الخوف محتمل في هذا السفر، مع أن قصد المتلصصين من فروض الكفايات، فلعله أهم. قال: ولا يجاهد من عليه دين، أي: حالاًّ أو مؤجلاً، إلا بإذن غريمه، أي: مسلماً كان أو كافراً، ووجهه: ما روى أبو قتادة: أن رجلاً أتى النبي ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبيلِ اللهِ صَابِراً مُحْتَسِباً، مُقْبِلا غَيْرَ مُدْبِرٍ، يُكَفِّرُ اللهُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "نَعَمْ، إِلاَّ الدَّيْنَ"، وفي رواية: أَيَحْجُزُنِي عَنِ الْجَنَّةِ شَيءٌ؟ فَقَالَ: "لاَ، إِلاَّ الدَّيْنُ". [وما] حجز عن الجنة لم يتوصل بالجهاد إليها، ولأن فرض الدين إذا كان حالاًّ [فهو] متعين عليه، وفرض الجهاد على الكفاية، وفرض العين مقدم على فرض الكفاية. وإذا كان مؤجلاً

стр. 8012

فمقصود الجهاد: طلب الشهادة ببذل النفس والاستسلام للقتل، وذلك يؤدي إلى إسقاط حق ثابت؛ فمنع منه. نعم، لو أذن له صاحب الدين صار من أهل الجهاد، وللإمام احتمال فيه مع جزمه بجوازه، وإذا جاهد لم يتعرض للشهادة، ولم يتقدم أمام الصفوف، ويقف في وسطها أو حواشيها، ليحفظ الدين بحفظه نفسه، قاله الماوردي، وهذا على وجه الاستحباب، كما صرح به البندنيجي. وقيل: يجوز في الدين المؤجل أن يجاهد بغير إذنه؛ لأنه في الحال مخاطب بفرض الكفاية، بخلاف الدين؛ فإنه لا يتوجه الخطاب به إلا بعد حلوله؛ فلا يترك أمراً ناجزاً لشيء منتظر، وهذا أصح عند النواوي وصاحب "المرشد". والصحيح في "تعليق" القاضي أبي الطيب: الأول؛ لما ذكرناه، وهو ظاهر النص في "المختصر"؛ فإنه قال: ولا يجاهد إلا بإذن أهل الدين، وما ذكره صاحب الوجه الثاني منتفض بما لو كان الدين الحالُّ على معسر؛ فإن المعنى المذكور موجود فيه، وقد قال الأصحاب: إنه لا يجاهد إلا بإذن الغريم، كما لو كان الدين حالاًّ وهو موسر، صرح به الماوردي، ومحل المنع عنده مصور بما إذا لم يستتب من يقضي الدين من ماله الحاضر، أو [استناب من يقضيه من ماله الغائب، أما إذا استناب من يقضيه من المال الحاضر] لم يلزمه الاستئذان؛ لأنه كالمؤدين وعلى ذلك جرى في "التهذيب"، والحق به غيرهما قيام كفيل به كما ذكرناه في باب التفليس. واعلم أن ظاهر نص الشافعي – ﵁ – الذي حكيناه، وكلام الشيخ هاهنا وفي "المهذب" وكلام البندنيجي والماوردي يقتضي أمرين: أحدهما: منع نفس الجهاد، لا منع السفر له. والثاني: إناطة المنع منه بعد الإذن، وعدم الإذن تارة يُعقل مع المنع من الجهاد، وتارة يعقل مع السكوت. وبهذا التقرير يظهر لك: أن هذه المسألة مخالفة للمسألة المذكورة في هذا

стр. 8013

الكتاب في أول باب التفليس؛ لأنه ذكر ثم أن الممنوع السفر، وحينئذ لا يقال: إن إيراده ثم يقتضي تصحيح قول اقتضى إيراده هنا تصحيح مقابله، بل يقال: إن الخلاف المذكور في باب التفليس مرتب على الخلاف المذكور هاهنا، إن قلنا: [إن] الجهاد نفسه لا يتوقف على إذن الغريم، فالسفر إليه من طريق الأولى، وإن قلنا: يتوقف على الإذن - كما هو ظاهر النص - جاء الخلاف المذكور في باب التفليس، ويكون وجه الجواز الذي اقتضى إيراد الشيخ ترجيحه: [أن المحذور] المتوقع الناشئ من طلب الشهادة، وهو تعذر الدين [بالموت]- مأمون؛ لتوقف الجهاد على الإذن، ومن منعه، قال: إذا كان الجهاد ممنوعاً بدون الإذن، كان ما يتوصل به إليه كذلك؛ حسما للباب كالخلوة. والفرق على الأول: أن الجهاد إنما تدعو النفس إليه لطلب الأجر، فإذا كان محرماً لم يقدم عليه؛ لأن من طبعها كراهة الموت، بخلاف الزنى؛ [فإن] في النفس داعية إليه؛ فلذلك مُنعت الخلوة، [ويكون الفرق بين الصحيح في المسألتين: أن الجهاد نفسه مظنة المظنة؛ فإنه قد يحصل مع السفر للجهاد جهاد، وقد لا يحصل]. لكن في كلام الماوردي والمصنف شيء قد يفهم منه: أن الممنوع منه هاهنا جزماً أو على أحد الوجهين، السفر للجهاد؛ فإنهما قالا فيما إذا كان الدين مؤجلا: أحد الوجهين: أنه يجوز أن يجاهد من غير إذن الغريم؛ كما يجوز أن يسافر لغير الجهاد [بغير إذنه]، وهو مصرح به كذلك في "تعليق" القاضي الحسين و"النهاية" في هذا الموضع، وفيهما في الدين المؤجل وجهان آخران ذكرناهما في باب التفليس [مع] غيرهما، وكلام القاضي أبي الطيب هنا ليس فيه تصريح بأحد الأمرين؛ لأنه ذكر فيما إذا كان الدين حالا: أن لرب الدين منعه من الخروج، وإذا كان مؤجلاً فهل له منعه من الخروج؟ فيه وجهان. ولفظ "الخروج" يحتمل أن يريد به: [السفر، وهو الظاهر من قوة الكلام،

стр. 8014

ويحتمل أن يريد به]: إلى وجه العدو؛ فيكون مراده الجهاد كما هو [ظاهر] لفظ الشافعي، ﵁. و [على] هذا: فبين عبارة الشافعي – ﵁ – ومن تبعها، وعبارة أبي الطيب فرق؛ لأن عبارة الشافعي –﵁ – تقتضي كما ذكرنا أن المنع منوط بعدم الإذن، وهو أعم، وعبارة القاضي أبي الطيب وكذلك البندنيجي مصرحة بأن لرب الدين منعه، ومن هاهنا استشكل بعضهم الجمع بين كلامي الشيخ هاهنا وفي التفليس؛ بناء على أن المراد هاهنا: السفر، لا الجهاد نفسه، والأشبه ما ذكرته أولا؛ لأن الأصحاب نسبوا قول المنع من السفر في الدين المؤجل إلى الإصطخري كما نقلته في التفليس، ولو كان المراد بما ذكره الشافعي – ﵁ – هاهنا: السفر، لا الجهاد نفسه، لم يكن منسوباً إلى الإصطخري؛ بل للنص في "المختصر"، فتأمل ذلك، والله أعلم. قال: ولا يجوز لمن أحد أبويه مسلم أن يغزو بغير إذنه؛ لما روى أبو داود عن عبد الله بن عمر – ﵄ – قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُجَاهِدُ؟ قَالَ: "أَلَكَ أَبَوَانِ؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ". وخرجه البخاري ومسلم. وروى أبو داود عن أبي سعيد الخدري – ﵁ – أن رجلا هاجر إلى رسول الله ﷺ من اليمن فقال – ﵇: "هَلْ لَكَ أَحَدٌ بِالْيَمَنِ؟ " فَقَالَ: أَبَوَايَ، فَقَالَ – ﵇: "أَذِنَا لَكَ؟ " قَالَ: لاَ، قَالَ: "ارْجِعْ إِلَيْهِمَا فَاسْتَاذِنْهُمَا، فَإِنْ أّذِنَا لَكَ فَجَاهِدُ وَإِلاَّ فَبِرَّهُمَا".

стр. 8015

ولأن فرض الجهاد [على الكفاية]، وبر الوالدين وطاعتهما [فرض عين]، ولهذا [يأثم بترك كلامهما]، كما يعصي بترك صلاة الفرض، كما حكاه مجلي عن ابن الصباغ في طلاق المريض، وفرض العين آكد فكان الاشتغال به أولى. ولو كان أبواه كافرين لم يلزمه استئذانهما؛ لأنهما يمنعانه، وقد جاهد أبو حذيفة ابن عتبة بن ربيعة مع رسول الله ﷺ وأبوه عتبة يقاتل رسول الله ﷺ يوم بدر حتى قتل، ولا شك في كراهيته لذلك. واستئذان الجد والجدة عند عدم الأبوين كاستئذان الأبوين، صرح به الماوردي والمصنف والبغوي وغيرهم، وهو ما أبداه الإمام احتمالاً، وقد مضى في إلحاقهما بالأبوين عند عدمهما في جواز التفريق بينهما وبين الطفل –خلافٌ كان لا يبعد عن القياس مجيء مثله هاهنا، ومع وجود الأبوين هل يلزمه استئذانهما مع الأبوين؟ فيه وجهان في "المهذب"، والصحيح فيه وفي "التهذيب": اللزوم؛ لأن بوجود الأبوين لا يسقط بر الجدين، ولا تنقص شفقتهما عليه. ثم ظاهر كلام الشيخ إيجاب استئذان الرقيق من الأبوين كالحر منهما، وهو ما اختاره في "المرشد"، وأبداه في "المهذب" احتمالا لنفسه؛ لأن المملوك كالحر في البر والشفقة، فكان كالحر في الاستئذان، بعد أن قال: [إن] بعض أصحابنا قال: تشترط الحرية ولا يلزمه استئذان الرقيق، وهو ما أورده الماوردي؛ لأنه لا إذن للرقيق في نفسه فلم يعتبر في غيره، وحكى الشاشي في "حليته" في ذلك وجهين، وكذلك البغوي، وقال: إن الصحيح عندي انه لا يجاهد بدون إذنه، وعلى ذلك جرى الرافعي. فرع: سفر غير الجهاد هل يلتحق به في وجوب استئذان الأبوين أم [لا؟] قال الأصحاب: إن كان لأجل حج الفرض وقد استطاعه فلا، وادعى الإمام نفي خلافه، وفي "تعليق" القاضي الحسين هاهنا وجه: أنه يلتحق به؛ لأنه وإن وجب علهي لكن لم يتعين أداؤه في تلك السنة، والغزالي حكاه في كتاب الحج، وقال الرافعي: إنه غريب.

стр. 8016

وفي حج التطوع قولان رأيتهما فيما وقفت عليه من "تعليق" البندنيجي هاهنا. وإن كان سفره لتجارة أو لطلب علم فقد أطلق العراقيون – ومنهم [القاضي] أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ –أن الاستئذان مستحب. وقال في "الحاوي": إن كان الأبوان أو أحدهما ممن [لا تلزمه نفقته فلا يلزمه أن يستأذنهما في سفره، وإن كان ممن] تلزمه نفقتهما أو نفقة أحدهما، فهما كصاحب الدين؛ لأن وجوب نفقتهما كالدين لهما؛ فيجب استئذانهما [أو من وجبت نفقته منهما، مسلما كان أو كافراً، إلا أن يستنيب في الإنفاق عليهما من ماله الحاضر، فلا يلزمه استئذانهما]. والمراوزة فصلوا قالوا: إن كان لطلب [علم هو] فرض عين كالعلم بالطهارة والصلاة، وقدر ما يبتلى به العامة، إذا لم يكن في بلده من يتعلم ذلك منه – فله ذلك من غير إذن من أحدهما، وإن كان من فروض الكفايات كما إذا خرج طالباً لدرجة الفتوى، وفي البلد من يشتغل بالفتوى – فوجهان، أصحهما: عدم وجوب الاستئذان، فإن [كان] المفتي شيخاً جزم القاضي الحسين بجواز الخروج من غير إذن؛ لأن ذلك الشيخ يعرض أن يموت، وإن لم يكن هناك من يشتغل بالفتوى فطلب العلم واجب على الكل على الكفاية، والكل عصاة [ترك ذلك، ولو] خرج في هذه الحالة واحد لا غير لم يلزمه الاستئذان؛ لأنه بالخروج يدفع الحرج عن نفسه، وادعى الإمام نفي الخلاف فيه، وإن خرج معه جماعة ففي الحاجة إلى الإذن وجهان مرتبان على الخلاف السابق وأولى بعدم الاحتياج، وهو الذي أورده القاضي الحسين، ووجهه: أنه لم يوجد في الحال من يقوم بالمقصود، [والخارجون معه قد لا يظفرون بالمقصود]. وعد الإمام مقابل هذا الوجه بعيداً، وادعى القاضي الحسين أن من تفقه يسيراً وعلم بعض العلوم، وله خاطر بحيث إنه لو تكلف لبلغ درجة المفتين – يتعين عليه التفقُّه، وفي هذه الصورة يجوز له الخروج من غير إذنٍ وجهاً واحدا، وغيره

стр. 8017

قال: أصح الوجهين: أنه لا يتعين عليه النفقة. وقالوا في سفر التجارة؛: إن كان قصيراً فلا يحتاج فيه إلى الإذن بحال، وإن كان طويلاً نظر: إن كان فيه خوف ظاهر كركوب البحر والبراري المخطرة فهو كسفر الجهاد، ويجيء فيه ما حكيته عن "تتمة التتمة" في باب التفليس، وإن كان الأمن غالباً فوجهان، الأظهر: الجواز بدون الإذن، وهذا ما حكاه الرافعي، وهو مستنبط من احتمال أبداه الإمام لنفسه بعد حكايته عن القاضي إطلاق القول بأن الأسفار المباحة لابد فيها من [إذن الوالدين]، وقد رأيت هذا في "تعليق" القاضي، ورأيت فيه أنه قال في كَرَّة أخرى: فيها وجهان، قال الإمام: والأبوان الكافران لا يبعد عندي إلحاقهما في الأسفار المباحة في الأمور الدنيوية بالأبوين المسلمين. قال: فإن أذن له الغريم، [أي: أو أحد الأبوين]، ثم بدا له قبل أن يحضر الصف، أو أسلم أحد أبويه قبل أن يحضر الصف - لم يغز إلا بإذنهم؛ لأنه عذر يمنع وجوب الجهاد، فطرآنه يمنعه أيضاً كالمرض والعمى. وفي كتاب ابن كج: أنه لا يلزمه الانصراف، ويتخير؛ كما لا يجب الانصراف على المرأة إذا أذن لها في السفر وطلقها بعد مفارقة البلد. والمشهور الأول، وهو – كما قال الماوردي – مصور بما إذا لم يكن الخارج مُسْتَجْعَلا، أما إذا كان مستجعلا من السلطان على غزوة، [فإنه لا يرجع]؛ لما وجب عليه من حق الجعالة المشتركة بين حقوق الله – تعالى- وحقوق الآدميين، فكانت أولى ممن انفرد بحقوق الآدميين. ثم إذا لم يمكَّن من الغزو فهل يجب عليه الانصراف؟ قال الرافعي: نعم، يجب إلا إذا خاف على نفسه أو ماله. وإنه ألحق به ما إذا خاف من انصرافه انكسار المسلمين فيعذر في المضي. ولو لم يمكنه الانصراف، لكنه قدر على الإقامة في قرية في الطريق إلى أن يرجع جنود الإسلام – لزمه، صرح به

стр. 8018

الإمام وغيره، وأوهم الغزالي في "الوسيط" خلافاً في وجوب الإقامة بقوله: فالظاهر أنه يجب عليه الوقوف بقرية إن أمكن؛ إذ غرضهم ترك القتال. قال: وإن كان قد حضر الصف، أي: وتحقق الزحف، وهو اختلاط البعض بالبعض – ففيه قولان: أحدهما: [أنه] لا يغزو؛ لما ذكرناه. والثاني: أنه يلزمه، وهو المختار في "النواوي" و"المرشد"، وبه جزم الفوراني والبغوي، وإليه مال الأكثرون كما قال الرافعي؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: ٤٥]،وقوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمْ الأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: ١٥]، ولأنهما حقان متعبان، وتعين الجهاد سابق؛ فقدم. قال القاضي أبو الطيب: وعلى هذا لا يجوز له أن يقف موقف طالب الشهادة ومن قد استسلم للقتل، ويكون في أواخر الصوف يحرس وما أشبه ذلك، وهذان القولان حكاهما أبو إسحاق في "الشرح"، وحكاهما الماوردي وجهين عن رواية القاضي أبي حامد، وقال: إن محلهما إذا كان متطوعاً بالقتال، أما إذا كان مستجعلاً فلا يرجع إذا كان مقامه أصلح من رجوعه، ولو كان رجوعه أصلح من مقامه لتشاغل المجاهدين به، فيرجع ولا يقيم. وفصل القاضي الحسين تفصيلاً آخر، فقال: إن كان يخاف الفتنة من رجوعه وكَسْرَ قلوب المسلمين لم يجز له أن يرجع، وإن كان لا يخاف الفتنة فهل له أن يرجع؟ فيه وجهان. ثم قال: ومن أصحابنا من قال: في جواز الرجوع وجهان، وفي "الوسيط" وغيره، في حال خوف الفتنة من الرجوع وجه: أنه يجب عليه الرجوع؛ فيكون في المسألة ثلاثة أوجه: أحدها: وجوب المصابرة. والثاني: وجوب الرجوع. والثالث: أنه مخير، وقد نسب الإمام هذا إلى اختيار القاضي الحسين. وفي "الرافعي" وجه رابع: أنه يجب الانصراف إن رجع رب الدين، ولا

стр. 8019

يجب إذا رجع أحد الوالدين، والفرق: عظم شأن الدين. وحكم تجديد الدين حكم إسلام أحد الأبوين، صرح به الغزالي والقاضي الحسين. ورجوع السيد عن الإذن للعبد بعد الخروج يشبه أن يكون كرجوع رب الدين، بل أولى؛ لأن من عليه الدين يصير من أهل الجهاد بالإذن، بخلاف العبد، لكن في كلام الأصحاب ما يقتضي عكسه؛ فإنهم قالوا: لو خرج من عليه الدين بدون إذنٍ، وحضر الصف - ففي [وجوب] رجوعه خلاف مرتب على ما إذا خرج بالإذن ثم رجع في الإذن وهو في الصف، وأولى بوجوب الانصراف؛ لأنه متعدٍّ بالخروج، وقالوا: إذا خرج العبد بغير إذن سيده فيلزمه الانصراف ما لم يحضر الوقعة، فإن حضر فلا، كما صرح به في "التهذيب" وحكيناه عن الإمام من قبل، وعن القاضي الروياني في هذه الحالة في العبد: أنه يستحب له الرجوع. ثم ما ذكرناه من الأعذار بالنسبة إلى حق غيره، وأما الأعذار المختصة بنفسه إذا طرأت، كما إذا حصل له مرض أو عمى أو نحو ذلك، فهو بالخيار بين التوجه والرجوع، ولا فرق فيه بين أن يكون مستجعلاً، وقد حصل العذر بعد استجعاله، أو لا يكون مستجعلا، قال الماوردي: ولا يجوز ما أخذه منه؛ لأنه استحقه من مال الله تعالى وقال القاضي الحسين: إن هذا نص الشافعي، ﵁. وقال أصحابنا: إنه كذلك إن كان من المرتزقة الذين يعطيهم من الفيء، فأما ما يعطيه من سهم سبيل الله - وهو سهم الغزاة في الزكاة - فإذا لم يَغز في تلك السنة يسترجع بما أعطاه إياه، نص عليه، والفرق: أن المرتزقة إنما يعطون من الفيء للاستعداد للقتال، والاستعداد قائم في مستقبل الأيام، فأما الذين لا ديوان لهم من أهل الصدقات فإنما يعطون للغزو، لا للاستعداد؛ فهو كما لو أعطى ابن السبيل فلم يخرج فإنه يسترد منه.

стр. 8020

وقال القاضي أبو الطيب: إن حصل ذلك قبل التقاء الزحفين [فهو مخيّر، إلا أن يخاف التلف من الرجوع؛ فإنه يمضي، وإن حدث بعد التقاء الزحفين] وجب عليه الثبات. ومن أصحابنا من قال: لا يلزمه الثبات، وله الرجوع إن اختار كما لو طرأ في الطريق، وهذا ما نسبه ابن الصباغ إلى الشيخ أبي حامد، والبغوي إلى شيخه بعد تصدير كلامه بالمنع، والأخير أصح عند الفوراني، وكذا عند الإمام، ونسب الأول إلى رواية صاحب "التقريب"، والفوراني قال: إنه مخرج من رجوع الأبوين وصاحب الدين. وخصّا محل الخلاف بما إذا لم يوجب الانصراف انفلالا وانحلالا في الجند، فإن أورثه لم يجز الرجوع. وطرآن العجز عن النفقة كطرآن المرض [ونحوه]، عند الماوردي وغيره من المراوزة، وقال صاحب "التقريب": ليس له أن يرجع. كما نقله القاضي الحسين عنه، ولعل ما قاله الماوردي محمول على ما إذا لم يلتق الزحفان بعدُ، وما قاله صاحب "التقريب" إذا حصل العجز بعد التقاء الزحفين، كما حكينا عن الأصحاب من قبل أنهم قالوا: إذا كان العدو على باب البلد لم يمنع من الجهاد العجز عن النفقة. وطرآن العجز عن المركوب في حال القتال بموته أو بأخذه لا يجوز الرجوع-كما حكاه أبو الطيب وصاحب "المرشد" وكذا البغوي – إن أمكن أن يقاتل راجلاً، وألا فيجوز له الانصراف. ولو انكسر سلاحه أو أُخِذَن قال القاضي أبو الطيب: قاتل بما وجد من السلاح، فإن لم يجد فبالأحجار وما أشبه ذلكن فإن لم يكن هناك ما يقاتل به فله الانصراف ولا إثم عليه، وعلى ذلك جرى ابن الصباغ، وحكى الرافعي فيما إذا لم يقدر إلا على الحجارة، وجها: أنه يجوز [له] الانصراف، ووجها ثالثاً: أنه إن كان معه مقلاع يرمي به، فلا يجوز [له] الانصراف، وإلا فيجوز، وهذا ما
следующие страницы →