Полный текст (9 685 стр.). Показаны 8016–8055 · переход к 8021.
стр. 8016
وفي حج التطوع قولان رأيتهما فيما وقفت عليه من "تعليق" البندنيجي هاهنا.
وإن كان سفره لتجارة أو لطلب علم فقد أطلق العراقيون – ومنهم [القاضي] أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ –أن الاستئذان مستحب.
وقال في "الحاوي": إن كان الأبوان أو أحدهما ممن [لا تلزمه نفقته فلا يلزمه أن يستأذنهما في سفره، وإن كان ممن] تلزمه نفقتهما أو نفقة أحدهما، فهما كصاحب الدين؛ لأن وجوب نفقتهما كالدين لهما؛ فيجب استئذانهما [أو من وجبت نفقته منهما، مسلما كان أو كافراً، إلا أن يستنيب في الإنفاق عليهما من ماله الحاضر، فلا يلزمه استئذانهما].
والمراوزة فصلوا قالوا: إن كان لطلب [علم هو] فرض عين كالعلم بالطهارة والصلاة، وقدر ما يبتلى به العامة، إذا لم يكن في بلده من يتعلم ذلك منه – فله ذلك من غير إذن من أحدهما، وإن كان من فروض الكفايات كما إذا خرج طالباً لدرجة الفتوى، وفي البلد من يشتغل بالفتوى – فوجهان، أصحهما: عدم وجوب الاستئذان، فإن [كان] المفتي شيخاً جزم القاضي الحسين بجواز الخروج من غير إذن؛ لأن ذلك الشيخ يعرض أن يموت، وإن لم يكن هناك من يشتغل بالفتوى فطلب العلم واجب على الكل على الكفاية، والكل عصاة [ترك ذلك، ولو] خرج في هذه الحالة واحد لا غير لم يلزمه الاستئذان؛ لأنه بالخروج يدفع الحرج عن نفسه، وادعى الإمام نفي الخلاف فيه، وإن خرج معه جماعة ففي الحاجة إلى الإذن وجهان مرتبان على الخلاف السابق وأولى بعدم الاحتياج، وهو الذي أورده القاضي الحسين، ووجهه: أنه لم يوجد في الحال من يقوم بالمقصود، [والخارجون معه قد لا يظفرون بالمقصود].
وعد الإمام مقابل هذا الوجه بعيداً، وادعى القاضي الحسين أن من تفقه يسيراً وعلم بعض العلوم، وله خاطر بحيث إنه لو تكلف لبلغ درجة المفتين – يتعين عليه التفقُّه، وفي هذه الصورة يجوز له الخروج من غير إذنٍ وجهاً واحدا، وغيره
стр. 8017
قال: أصح الوجهين: أنه لا يتعين عليه النفقة.
وقالوا في سفر التجارة؛: إن كان قصيراً فلا يحتاج فيه إلى الإذن بحال، وإن كان طويلاً نظر: إن كان فيه خوف ظاهر كركوب البحر والبراري المخطرة فهو كسفر الجهاد، ويجيء فيه ما حكيته عن "تتمة التتمة" في باب التفليس، وإن كان الأمن غالباً فوجهان، الأظهر: الجواز بدون الإذن، وهذا ما حكاه الرافعي، وهو مستنبط من احتمال أبداه الإمام لنفسه بعد حكايته عن القاضي إطلاق القول بأن الأسفار المباحة لابد فيها من [إذن الوالدين]، وقد رأيت هذا في "تعليق" القاضي، ورأيت فيه أنه قال في كَرَّة أخرى: فيها وجهان، قال الإمام: والأبوان الكافران لا يبعد عندي إلحاقهما في الأسفار المباحة في الأمور الدنيوية بالأبوين المسلمين.
قال: فإن أذن له الغريم، [أي: أو أحد الأبوين]، ثم بدا له قبل أن يحضر الصف، أو أسلم أحد أبويه قبل أن يحضر الصف - لم يغز إلا بإذنهم؛ لأنه عذر يمنع وجوب الجهاد، فطرآنه يمنعه أيضاً كالمرض والعمى.
وفي كتاب ابن كج: أنه لا يلزمه الانصراف، ويتخير؛ كما لا يجب الانصراف على المرأة إذا أذن لها في السفر وطلقها بعد مفارقة البلد.
والمشهور الأول، وهو – كما قال الماوردي – مصور بما إذا لم يكن الخارج مُسْتَجْعَلا، أما إذا كان مستجعلا من السلطان على غزوة، [فإنه لا يرجع]؛ لما وجب عليه من حق الجعالة المشتركة بين حقوق الله – تعالى- وحقوق الآدميين، فكانت أولى ممن انفرد بحقوق الآدميين.
ثم إذا لم يمكَّن من الغزو فهل يجب عليه الانصراف؟ قال الرافعي: نعم، يجب إلا إذا خاف على نفسه أو ماله. وإنه ألحق به ما إذا خاف من انصرافه انكسار المسلمين فيعذر في المضي. ولو لم يمكنه الانصراف، لكنه قدر على الإقامة في قرية في الطريق إلى أن يرجع جنود الإسلام – لزمه، صرح به
стр. 8018
الإمام وغيره، وأوهم الغزالي في "الوسيط" خلافاً في وجوب الإقامة بقوله: فالظاهر أنه يجب عليه الوقوف بقرية إن أمكن؛ إذ غرضهم ترك القتال.
قال: وإن كان قد حضر الصف، أي: وتحقق الزحف، وهو اختلاط البعض بالبعض – ففيه قولان:
أحدهما: [أنه] لا يغزو؛ لما ذكرناه.
والثاني: أنه يلزمه، وهو المختار في "النواوي" و"المرشد"، وبه جزم الفوراني والبغوي، وإليه مال الأكثرون كما قال الرافعي؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: ٤٥]،وقوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمْ الأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: ١٥]، ولأنهما حقان متعبان، وتعين الجهاد سابق؛ فقدم.
قال القاضي أبو الطيب: وعلى هذا لا يجوز له أن يقف موقف طالب الشهادة ومن قد استسلم للقتل، ويكون في أواخر الصوف يحرس وما أشبه ذلك، وهذان القولان حكاهما أبو إسحاق في "الشرح"، وحكاهما الماوردي وجهين عن رواية القاضي أبي حامد، وقال: إن محلهما إذا كان متطوعاً بالقتال، أما إذا كان مستجعلاً فلا يرجع إذا كان مقامه أصلح من رجوعه، ولو كان رجوعه أصلح من مقامه لتشاغل المجاهدين به، فيرجع ولا يقيم.
وفصل القاضي الحسين تفصيلاً آخر، فقال: إن كان يخاف الفتنة من رجوعه وكَسْرَ قلوب المسلمين لم يجز له أن يرجع، وإن كان لا يخاف الفتنة فهل له أن يرجع؟ فيه وجهان. ثم قال: ومن أصحابنا من قال: في جواز الرجوع وجهان، وفي "الوسيط" وغيره، في حال خوف الفتنة من الرجوع وجه: أنه يجب عليه الرجوع؛ فيكون في المسألة ثلاثة أوجه:
أحدها: وجوب المصابرة.
والثاني: وجوب الرجوع.
والثالث: أنه مخير، وقد نسب الإمام هذا إلى اختيار القاضي الحسين.
وفي "الرافعي" وجه رابع: أنه يجب الانصراف إن رجع رب الدين، ولا
стр. 8019
يجب إذا رجع أحد الوالدين، والفرق: عظم شأن الدين.
وحكم تجديد الدين حكم إسلام أحد الأبوين، صرح به الغزالي والقاضي الحسين.
ورجوع السيد عن الإذن للعبد بعد الخروج يشبه أن يكون كرجوع رب الدين، بل أولى؛ لأن من عليه الدين يصير من أهل الجهاد بالإذن، بخلاف العبد، لكن في كلام الأصحاب ما يقتضي عكسه؛ فإنهم قالوا: لو خرج من عليه الدين بدون إذنٍ، وحضر الصف - ففي [وجوب] رجوعه خلاف مرتب على ما إذا خرج بالإذن ثم رجع في الإذن وهو في الصف، وأولى بوجوب الانصراف؛ لأنه متعدٍّ بالخروج، وقالوا: إذا خرج العبد بغير إذن سيده فيلزمه الانصراف ما لم يحضر الوقعة، فإن حضر فلا، كما صرح به في "التهذيب" وحكيناه عن الإمام من قبل، وعن القاضي الروياني في هذه الحالة في العبد: أنه يستحب له الرجوع.
ثم ما ذكرناه من الأعذار بالنسبة إلى حق غيره، وأما الأعذار المختصة بنفسه إذا طرأت، كما إذا حصل له مرض أو عمى أو نحو ذلك، فهو بالخيار بين التوجه والرجوع، ولا فرق فيه بين أن يكون مستجعلاً، وقد حصل العذر بعد استجعاله، أو لا يكون مستجعلا، قال الماوردي: ولا يجوز ما أخذه منه؛ لأنه استحقه من مال الله تعالى
وقال القاضي الحسين: إن هذا نص الشافعي، ﵁.
وقال أصحابنا: إنه كذلك إن كان من المرتزقة الذين يعطيهم من الفيء، فأما ما يعطيه من سهم سبيل الله - وهو سهم الغزاة في الزكاة - فإذا لم يَغز في تلك السنة يسترجع بما أعطاه إياه، نص عليه، والفرق: أن المرتزقة إنما يعطون من الفيء للاستعداد للقتال، والاستعداد قائم في مستقبل الأيام، فأما الذين لا ديوان لهم من أهل الصدقات فإنما يعطون للغزو، لا للاستعداد؛ فهو كما لو أعطى ابن السبيل فلم يخرج فإنه يسترد منه.
стр. 8020
وقال القاضي أبو الطيب: إن حصل ذلك قبل التقاء الزحفين [فهو مخيّر، إلا أن يخاف التلف من الرجوع؛ فإنه يمضي، وإن حدث بعد التقاء الزحفين] وجب عليه الثبات.
ومن أصحابنا من قال: لا يلزمه الثبات، وله الرجوع إن اختار كما لو طرأ في الطريق، وهذا ما نسبه ابن الصباغ إلى الشيخ أبي حامد، والبغوي إلى شيخه بعد تصدير كلامه بالمنع، والأخير أصح عند الفوراني، وكذا عند الإمام، ونسب الأول إلى رواية صاحب "التقريب"، والفوراني قال: إنه مخرج من رجوع الأبوين وصاحب الدين. وخصّا محل الخلاف بما إذا لم يوجب الانصراف انفلالا وانحلالا في الجند، فإن أورثه لم يجز الرجوع.
وطرآن العجز عن النفقة كطرآن المرض [ونحوه]، عند الماوردي وغيره من المراوزة، وقال صاحب "التقريب": ليس له أن يرجع. كما نقله القاضي الحسين عنه، ولعل ما قاله الماوردي محمول على ما إذا لم يلتق الزحفان بعدُ، وما قاله صاحب "التقريب" إذا حصل العجز بعد التقاء الزحفين، كما حكينا عن الأصحاب من قبل أنهم قالوا: إذا كان العدو على باب البلد لم يمنع من الجهاد العجز عن النفقة.
وطرآن العجز عن المركوب في حال القتال بموته أو بأخذه لا يجوز الرجوع-كما حكاه أبو الطيب وصاحب "المرشد" وكذا البغوي – إن أمكن أن يقاتل راجلاً، وألا فيجوز له الانصراف.
ولو انكسر سلاحه أو أُخِذَن قال القاضي أبو الطيب: قاتل بما وجد من السلاح، فإن لم يجد فبالأحجار وما أشبه ذلكن فإن لم يكن هناك ما يقاتل به فله الانصراف ولا إثم عليه، وعلى ذلك جرى ابن الصباغ، وحكى الرافعي فيما إذا لم يقدر إلا على الحجارة، وجها: أنه يجوز [له] الانصراف، ووجها ثالثاً: أنه إن كان معه مقلاع يرمي به، فلا يجوز [له] الانصراف، وإلا فيجوز، وهذا ما
стр. 8021
حكاه القاضي الحسين مع الذي قبله، وقال: الأصح أن له الرجوع؛ لأنه ليس في الرمي بالحجارة كبير فائدة. وقال في موضع آخر: إن الأظهر المنع؛ لأنه يمكنه المقاتلة بالمقلاع، والله أعلم.
فرع:
إذا ذهبت دابته أو نفقته، فرجع، ثم أفاد ما ذهب منه -نظر: فإن أفاده في أرض العدو وجب عليه العود إلى الجهاد، وإن وجده في بلاد الإسلام فالأفضل له العود ولا يلزمه. ولو أعطاه السلطان بدل ما تلف منه: فإن كان في أرض العدو لزمه قبوله للعود، فإن عاد ولم يقبل لم يجبر على القبول، وإن لم يعد أجبر على القبول والعود، وإن كان في بلاد الإسلام فهو مخير بين قبوله ورده: فإن قبل وجب عليه العود، وإلا فلا يجب.
آخر:
إذا غزا أرباب الأعذار ثم ارتفعت أعذارهم، فأبصر الأعمى، وصح المريض، واستقام الأعرج، وأيسر المعسر قبل التقاء الزحفين ودخول أرض العدو - فإن كان المشركون أظهر منعوا من العود، [وإن كان المسلمون أظهر خيروا بين المقام والعود، ولو كان [ذلك] بعد التقاء الزحفين منعوا من العود] إلى انجلاء الحرب.
قال: وإن أحاط العدو بهم، وتعين الجهاد - جاز من غير إذنهم؛ لأنه قتالُ دفاعٍ عن الدين وليس بقتال غزو؛ فتعين على كل مطيق، وأيضاً: فإن تركه يفضي إلى الهلاك؛ فقدم على حق الأبوين والغريم، وكذا حكم العبد مع سيده.
قال: ولا يجاهد أحد، أي: من المسلمين الأحرار عن أحد؛ لأنه متى حضر الصف تعين عليه، سواء كان قد جاهد ألف مرة أو لا، ومتى تعين الفرض عليه لم يَنُبْ عن غيره فيه كما في الحج، ولا فرق في ذلك بين أن يكون بجُعْلٍ أو بغير جعل، ويجب على كل من أخذ الجعل رده.
وماروي أنه ﵇ قال: "لِلْغَازِي أَجْرُهُ، وَلِلْجَاعِلِ أَجْرُهُ،
стр. 8022
وَأَجْرُ الْغَازِي" – [كما خرجه] أبو داود عن ابن عمر – فهو محمول على الإعانة على الحرب تدفع إليه، ونفقةٍ تصرف إليه.
قال ابن الصباغ: فإن قيل: قد أجزتم أن يدفع السلطان الجعل ليغزو، قلنا: الغزاة علىضربين: منهم من حقه الفيء، وهو من فضل الله-تعالى-[لا أنه] عوض عن جهاده، بل يقع جهاده عنه لا عن غيره، ومنهم [من] حقه في الصدقات يعطي إذا نشط ليغزو معونة له، ويقع غزوه عن نفسه.
وكذا لا يجوز للإمام أن يستأجر للجهاد من ذكرناه من سهم المصالح على الأصح؛ لما ذكرناه، وعن الصيدلاني وطوائف من الأئمة كما حكاه [الإمام] في موضع آخر جوازه.
ولو قهر الإمام جماعة من المسلمين وأكرههم على الخروج والجهاد، لم يستحقوا الأجرة كما أطلقه الأصحاب، [وقد] وافق على هذا الصيدلاني وغيره، كما حكاه الإمام واستعجب منه، وفي "التهذيب": أنه إن تعين الجهاد عليهم فالأمر كذلك، وألا فلهم الأجرة من حين أخرجهم إلى أن يحضروا الوقعة.
قلت: ولهذا الاختلاف شبيه، وهو ما إذا مات الأجير على الحج قبل الإحرام، وبعد قطع المسافة إلى الميقات، فالمنصوص – وهو الصحيح-: أنه لا يستحق شيئاً من الأجرة؛ لأن المقصود لم يحصل منه شيء، وعند الإصطخري حكيناه عن النص في مسالة الحج، مع ملاحظة أن الحر إذا حبسن لا يستحق شيئاً من الأجرة كما هو الأصح، وبه قال الجمهور كما تقدم، وما صار إليه البغوي مأخذه مذهب الصيرفي والإصطخري، أو أن الحر إذا حبس يستحق
стр. 8023
الأجرة، كما هو مذهب ابن أبي هريرة.
وقد قال الرافعي: إن تفصيل صاحب "التهذيب" حسن فليحمل عليه ما أطلقه الجمهور، والله أعلم.
ولو أراد الإمام أن يستأجر كافراً، فسنذكر حكمه، وإن أراد أن يستأجر عبدا مسلماً، وقلنا: لا يجوز إجارة الحر المسلم له – ففي جوازه وجهان، قال الإمام: خرجهما الحذاق على أنه إذا وطئ الكفار طَرَفاً من بلاد الإسلام، هل يتعين الجهاد على العبيد؟ إن قلنا: نعم، فهم من أهل فرض الجهاد، فإذا وقفوا في الصف وقع عنهم؛ فيكون استئجارهم كاستئجار الأحرار، وإلا فيجوز كأهل الذمة، وقد أجراهما البغوي في استئجار غير الإمام لهم.
قلت: وهذا الخلاف يظهر أنه مختص بحالة استقلال الأحرار بدفع من قصدهم من العدو؛ لأن الأصل المبني عليه الخلاف في صحة استئجار العبيد، وهو أن العبيد هل يتعين عليهم الجهاد إذا طرق العدو بلادهم، أم لا؟ محل الخلاف فيه إذا كان في الأحرار كفاية ويحصل بقتال العبيد قوة، كما حكيناه من قبل عن رواية الإمام، أما إذا لم تحصل الكفاية إلا بالعبيد، فقد حكينا عنه الجزم بتعين القتال عليهم، وأن به نتبين أن العبد من أهل القتال، وقضية البناء: ألا يجوز الاستئجار في مثل هذه الحالة جزماً.
ثم من هاهنا يؤخذ الخلاف الذي أشرت [إليه] من قبل في أن من حضر الصف، وكانت الكفاية تحصل بنم تصدى لقتالهم، هل يتعين [عليه] القتال أيضاً أم لا؟ لأن الإمام جعل حضور الصف بمنزلة طروق العدو بلاد الإسلام، وقد تقدم أن العدو إذا طرق بلاد الإسلام وخرج له من تلك الجهة من يقوم بكفايته هل يتعين على الباقين القتال؟ فيه وجهان، أصحهما: نعم، وهو الذي حكينا عن الماوردي الجزم به، وبهذا يستقيم التعليل الذي ذكرناه في امتناع جهاد أحد عن أحد.
стр. 8024
وقد أطلق ابن يونس جواز استنابة المشرك والعبد في القتال؛ لأنه لا يتعين عليهما الجهاد بالحضور، والله أعلم.
قال: ويكره أن يغزو أحد إلا بإذن الإمام، أي: أو الأمير المنصوب من جهته؛ لأنه على حسب الحاجة، والإمام ونائبه أعرف بها، وإنما لم يحرم؛ لأنه ليس فيه أكثر من التغرير بالنفس، وهو جائز في الجهاد.
وفي "المرشد": أنه إذا جاهد بغير إذن الإمام لم يجز.
قال: ويتعاهد الإمام الخيل والرجال، فما لا يصلح منها للحرب، منع من دخول دار الحرب؛ لأنه تغرير من غير فائدة، وقد يكون في ذلك ضرر على المسلمين، واستدل الجيلي على ذلك بأن النبي ﷺ كان يتعاهدهم وينظر في خيولهم وأحوالهم، وكان يستصحب من يصلح، ويترك من لا يصلح.
قال: ولا يأذن لمخذل، ولا لمن يرجف بالمسلمين.
المخذل: هو المفشل عن القتال؛ بأن يقول: فالعدو كثرة ولهم شوكة، ونحن فينا قلة، أو يقول: خيول المشركين فيها قوة، وخيولنا فيها ضعف، وهذا وقت شديد الحر، ونخشى التلف إن خرجنا فيه، ونحو ذلك.
والمُرْجِف: من يشيع أقوالاً تدل على ظهور العدو أو الخوف منهم، مثل أن يقول: السرية التي بعثها الإمام قد أخذت، والجيش الذي بعده قد هلكوا، وللمشركين كمين في مكان كذا وكذا، ونخاف أن يهجم علينا، وما أشبه ذلك.
والأصل في منعهم قوله تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً﴾ أي: بإيقاع الاختلاف بينكم، وبإسراع تفريق جمعكم، ﴿وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمْ الْفِتْنَةَ﴾ أي: الهزيمة أو التكذيب بوعد الرسول ﷺ من قبل، ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ أي: من يستمع كلامهم ويطيعهم، أو: فيكم عيون مثلكم ينقلون أخباركم إليهم، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ٩٥].
ومن جهة المعنى: أن المقصود من الانتفاع بهم معدوم، والمخوف من الضرر بهم موجود.
стр. 8025
وإذا منع هؤلاء؛ فمنع من دل على عورات المسلمين، وإرشاد العدو إلى أسباب الظفر، وتحذيرهم من وقوع الضرر – أولى، كما نص عليه الشافعي، ﵁. ومن هذا حالُه، قال القاضي أبو الطيب والمصنف وغيرهما: إنه يعزر على ذلك إذا لم يكن من ذوي الهيئات، ولا يوجب ذلك قتله، وكذا إن كان يؤوي جواسيسهم، ويشهد لذلك حديث حاطب بن أبي بلتعة الثابت في "الصحيح".
فإن قيل: قد كان يخرج معه – ﵇ –أمثال هؤلاء من المنافقين، روي أن عبد الله بن أبيِّ ابن سلول كان يقول يوم الخندق: "ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا"، ويوم بدر: "لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل"، ويوم أحد: "لو أطاعونا ما قتلوا"، فهلا وجب والاقتداء به؟
قيل: لا لأن الله – تعالى – خص رسول الله ﷺ بأمرين عدما فيمن بعده من الولاة: كون جبريل – ﵇ – كان يخبره بما يقوله المنافقون، فكانوا لا يلتفتون إلى قولهم، ولا يكسر ذلك قلوبهم، ويدل عليه حديث حاطب، وكون أصحابه لا يخذلونه، ويبذلون أنفسهم دونه.
وعلى هذا: من دخل من هؤلاء في الجند أخرج، ولا يسهم له ولا يرضخ، ولو قتل كافراً لم يستحق سلبه.
وعن رواية القاضي الروياني وجهان:
أحدهما: أن ذلك فيما إذا نهاه الإمام ولم ينته، أما إذا لم ينهه فيسهم له [كغيره].
والثاني: أنه يرضخ له.
ولا يلتحق الفاسق بالمخذل، وفي "الرافعي" في قسم الغنائم وجه: أنه لا يسهم له؛ لأنه لا يؤمن منه الغدر والتخذيل.
стр. 8026
قال: ولا يستعين بمشرك؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً﴾ [الكهف: ٥١]، وقوله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٥١]، وما روى جرير بن عبد الله عن أبيه [عن جده]، قال: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ، فَأَتَيْنُهُ [أَنَا] وَرَجُلٌ آخَرُ قَبْلَ أَنْ نسلم، [فَقُلْنَا:] إِنَّا نَسْتَحِي أَنْ [يَشْهَدَ قَومُنَا] مَشْهَداً [لاَ نَشْهَدُهُ]، فَقَالَ: "أَسْلِمَا"، قُلْنَا: لاَ، فَقَالَ: "إِنَّا لا نَسْتَعِينُ بِالْمشْرِكينَ"، فأسلمنا وخرجنا معه، وكنا ذلك في بدر.
قال: إلا أن يكون في المسلمين قلة، أي: بحيث تمس الحاجة إلى الاستعانة بهم؛ كما قاله البندنيجي وغيره، والذي يستعين به حسن الرأي في المسلمين، أي: فيجوز حينئذ؛ لظن تحصيل المقصود منهم، ولأن رسول الله ﷺ استعان بعد بدر بيهود بني قينقاع، فغزوا معه، وشهد معه صفوان بن أمية حنينا بعد الفتح، وهو يومئذ مشرك، وكان حسن الرأي في الإسلام، وقد استعار منه رسول الله ﷺ سبعين درعا عام الفتح، فقال: أغصب يا محمد؟ فقال: "لاَ، بَلْ عَاريةٌ مَضْمُونَةٌ مُؤَدَّاةٌ"، واستصحبه معه في غزوة هوازن، فسمع صفوان رجلا يقول: غلبت
стр. 8027
هوازن وقتل محمد، فقال: بفيك الحجر، لرب من قريش أحب، أو قال: خير من رب من هوازن. وأعطاه النبي ﷺ يومئذ مائة ناقة، فقال: هذا عطاء من لا يخشى الفقر.
وهذان الشرطان اقتصر على اعتبارهما ابن الصباغ والقاضي أبو الطيب – في هذا الباب- والبندنيجي، وزاد في "الحاوي" في هذا الباب عليهما ثالثا، وهو: أن يكون اعتقاده مخالفاً لمعتقد المشركين كاليهود والنصارى وعبدة الأوثان، فإن وافقهم لم يجز.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: اشتراط علم الإمام بأن من يستعين به إذا انضم إلى طائفة الحرب يقوي على دفعهم، فأما إذا علم أنه لا يقاومهم إذا صاروا [حزبا] واحداً، فليس له أن يستعين بهم على قتالهم، ولم يشترط – وراء ذلك – شيئاً آخر، وعلى ذلك جرى الفوراني والإمام، وكذا القاضي أبو الطيب في كتاب أهل البغي؛ تمسكا بقول الشافعي – ﵁: ولا بأس إذا كان حكم الإسلام الظاهر أن يستعان بالمشركين على قتال المشركين. وهذا الشرط منافٍ للشرط الأول؛ لأنهم إذا قلوا حتى احتاجوا لمقاومة إحدى الفئتين إلى الاستعانة بالأخرى؛ فكيف يقدرون على مقاوتمهما إذا التأمتا؟! فلا يظن أنه يجعل شرطا رابعا إذا انضم إلى غيره.
والذي اعتبره البغوي شرطان:
أحدهما: ما ذكرناه عن القاضي.
والثاني: حسن الرأي في المسلمين.
وعليهما اقتصر الماوردي في كتاب قتال أهل البغي.
ثم في هذه الحالة يستحب للإمام أن يستأجرهم مدة معلومة، كما دل [عليه] ظاهر نص الشافعي ﵁ –لأن ذلك أحقر لهم وأصغر، ولا يجعلون كالمسلمين فيرضخ لهم؛ لأن لهم [في ذلك تشريفاً وتعظيماً]، وتنعقد المعاملة إجارة، وإن كانت الأعمال مجهولة والمدة غير مضبوطة؛ لأن
стр. 8028
ذلك من عموم المصالح والمقاصد المرعية، ومقصود هذه الإجارة لا يقع إلا على الجهاد، ولا يتأتى فيها الإعلام، ولأن المعاملات التي تجري بين المسلمين والكفار يحتمل فيها الجهالة، ودليله مسألة العلج- كما سيأتي- وهذا ما مال إليه الجمهور.
وحكى ابن الصباغ في كتاب الفيء أنه: يجوز أن يستأجرهم، ولا يبين المدة.
وحكى الإمام أن آخرين قالوا: هذه جعالة؛ لأجل الجهالة، ثم قال: وهذا لا وجه له؛ لأنها لو كانت جعالة لتمكن المجعول له من الترك بعد الوقوف في الصف، وهذا لو جوزناه لأفضى إلى ضرر عظيم لا سبيل إلى احتماله.
قال الفوراني: ثم المال الذي يستأجر منه مال الرضخ؛ فيكون فيه ثلاثة أقوال، كما سيأتي. وعلى ذلك جرى القاضي أبوا لطيب، إلا أنه جعل بدل القول بأنها من أربعة أخماس الغنيمة: من أربعة أخماس الفيء، وفي "الشامل" في قسم الغنائم: أنها من أصل الغنيمة، كالمؤنة، ونص الشافعي ﵁ دال على أنه من سهم المصالح؛ لأنه قال: يستأجر من مال لا مالك له بعينه، وهو سهم النبي ﷺ . وعلى ذلك اقتصر الماوردي، وقال: إنه يعطي من سهم المصالح الحاصل [قبل القسمة؛ لان الأجرة تستحق بالعقد الواقع] قبلها، وهل يجوز أن يعطي من أربعة أخماس الفيء؟ فيه قولان؛ بناء على الخلاف في مصرفها، فإن قيل: إنه للجيش خاصة، لم يجز دفع الأجرة منه، وإن قيل: إنه للمصالح العامة، دفعت منها.
ويجوز أن تزيد الأجرة على سهم الراجل والفارس على الأصح في "الحاوي"، وقال أبو علي بن أبي هريرة: لا يجوز أن تبلغ سهم الراجل.
قال الماوردي: وهو غلط؛ لأن عقد الإجارة معهم قبل المغنم، وسهام الغانمين تستحق من بعد؛ فهي مجهولة؛ فلم يصح أن تعتبر في عقد تقدمها.
وفي "التهذيب" في قسم الغنائم وجه: أنه يجوز أن تبلغ سهم راجل، ولا يبلغ بها سهم فارس، وفي "الشامل" في قسم الغنائم: أنه يعطي ما يكون رصخا من
стр. 8029
الغنيمة، وما زاد من سهم [المصالح]، يعني: أن الأجرة إذا زادت على سهم الراجل أعطي من الغنيمة ما دون السهم، ويعطي الباقي من سهم المصالح.
ثم إذا صحت الإجارة وشهدوا الوقعة أخذوا بالقتال جبرا، وإن لم يجبر المسلم عليه إلا عند ظهور العدو واستيلائه، قال الماوردي: والفرق أن القتال هو المستأجر عليه، فوجب استيفاؤه جبرا؛ لأنه متعين على الأجر، وقتال المسلم في حق نفسه على وجه الكفاية غير متعين، فلم يجبر عليه، فإن قاتلوا استحقوا الأجرة، وإن لم يقاتلوا، أطلق في "الشامل" في كتاب: قسم الفيء في استحقاقهم الأجرة إذا حضروا الصف وجهين.
وقال في "الحاوي": إن كان عدم قتالهم لانهزام العدو، استحقوا؛ لأنهم [قد] بذلوا أنفسهم، فصاروا كمن أجر نفسه للخدمة فلم يستخدم.
قلت: وقضية التوجيه المذكور: أن يطرد في هذه الصورة الخلاف الذي ذكرته في إجارة الحر للخدمة وغيرها.
وإن لم يقاتلوا مع الحاجة إلى قتالهم، ردوا من الأجرة بالقسط، وفيما تقسط عليه الأجرة وجهان:
أحدهما: على القتال، وعلى المسافة من بلد الإجارة إلى موضع الوقعة من دار الحرب.
والثاني: على القتال ومسافة مسيره في بلاد الحرب إلى موضع الوقعة؛ لأن مسيره في دار الإسلام سبب يتوصل به إلى العمل، ومسيره في دار الحرب شروع في العمل؛ لأن كل موضع من دار الحرب محل لقتال أهله.
قال الماوردي: وهما ينبنيان على الخلاف في مسافة الحج هل تتقسط عليها الأجرة أم لا.
ولو صالح الإمام أهل الثغر الذين استأجر للغزو لأجلهم، فإن [كان] الصلح بعد دخوله بهم [دار الحرب – لم يسترجع منهم شيء من الأجرة، وإن
стр. 8030
كان قبل مسيره بهم من دار الإسلام استرجع جميع الأجرة، وإن كان بعد مسيره بهم] من دار الإسلام وقبل دخوله بهم دار الحرب، ففي استحقاقهم من الأجرة بقدر المسافة وجهان مأخذهما ما تقدم.
ولو لم يستأجرهم لكن جعل لهم جعالة وسماها – صح أيضاً، ودفع القدر المجعول من مال المصالح المأخوذ من هذا المغنم؛ لأن الجعالة تستحق بعد العمل، فوجبت من المال الحاصل بعده.
ولو قال لهم: أنا أرضيكم، أو: أعطيكم ما تستغنون به، قال الرافعي: استحقوا أجرة المثل، وقال القاضي الحسين فيما إذا قال: [أعطيك شيئاً]-: إنه يستحق جعلا، ولو لم يجعل لهم شيئاً بعد الاستعانة بهم استحقوا الرضخ؛ كما سنذكره.
فرع: إذا أكره الإمام أهل الذمة على الخروج، وحملهم على القتال معه –استحقوا أجرة المثل من وقت الخروج إلى وقت التخلية، كذا حكاه القاضي الحسين عن النص، وأنه لا يضمن أجرة مثلهم بعد التخلية إلى العود إلى وطنه، وعلى ذلك جرى الإمام، وهذا بخالف العبد يضمن أجرة مثله إذا أكرهه على الخروج إلى أن يعود إلى يد سيده، وهذا ما أورده في "التهذيب".
وقال الرافعي: يشبه أن ينبني في العبيد على الوجهين السابقين إن جعلناهم من أهل فرض الجهاد، فليكونوا كالأحرار، ولو لم يقاتلوا أهل الذمة مع حضورهم مكرهين ففي استحقاقهم أجرة القتال وجهان، أصحهما في "الرافعي": المنع، وعلى هذا: إن لم يكونوا في حبس لم يستحقوا شيئاً عن الوقوف للقتال، وإن كانوا محبوسين ففي استحقاق أجرة مثل الوقوف وجهان، وأما أجرة مثل الذهاب فقد جزم الإمام بوجوبها.
فرع: هل يجوز للآحاد استئجار الذمي على الجهاد؟ فيه وجهان –حكاهما
стр. 8031
الإمام في كتاب قسم الفيء – مبنيان على جواز استئجارهم على الأذان، والذي حكاه في كتاب الصداق عن الأصحاب: أنه لا يجوز، ثم قال: وهذا فيه احتمال عندنا؛ تخريجاً على استئجار المسلم المسلم على الأذان، [ولا فقه] في انفصال أحد البابين عن الآخر؛ ولأجل [ذلك] حكى الغزالي والوجهين كما في استئجار الأذان، قال الرافعي: وأصحهما: المنع، وإن كان الأصح في الأذان الجواز؛ لأن الجهاد أعظم وقعاً، ويقع بإقامته وتأخيره مصالح يحتاج فيها إلى نظر كامل، مع كون أهل الذمة مخالفين للدين، وقد يخونون في الجيش إذا حضروا؛ ففوض أمرهم إلى الإمام.
قال: ويبدأ بقتال من يليه من الكفار لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة:١٢٣]، ووجه المصلحة في ذلك ظاهر.
قال: ويبدأ بالأهم فالأهم؛ لأنه أصلح للمسلمين والإسلام، وهذا ذكره جريا على المعتاد والغالب، فإن لم يكن ثم خوف مِمَّن يليه من الكفار، واقتضت المصلحة تجهيز الجند إلى الأبعدين؛ ليغتالهم – فعل الإمام ذلك، بعد أني فعل ما يأمن به الأقرب من مهادنة وأن يجعل بإزائه من يرده إن قصد.
وقد غزا رسول الله ﷺ قريشا، وخلف بني قريظة وهم على باب المدينة، بعد أن وادعهم.
ولو استوى الخوف من القربى والبعدي، فإن كانتا في جهة واحدة بدأ بالقربى، [وإن كانتا في جهتين ولم يمكن تفريق الجيش عليهما بدأ بالقربى]، وإن أمكن تفريقه عليهما قاتلهما.
قال: ولا يقاتل من لم تبلغه الدعوى حتى يعرض عليه الدين، أي: دين الإسلام؛ [لأنه لا يلزمه الإسلام] قبل العلم بذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥]، فلا يجز قتالهم على ما لايلزمهم.
قال البندنيجي: وإذا علم الإمام بقوم من هذه الجهلة لم يجز تأخير رسوله عنهم.
стр. 8032
قال: ويقاتل أهل الكتابين والمجوس إلى أن يسلموا؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾، إلى قوله تعالى: ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وقوله ﷺ :"أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ".
وقال القاضي الحسين: إنما يرتفع السيف عنهم بأن يقولوا هذه الكلمة، ويقروا بأحكامها، فأما بمجرد أن يقولوا هذه الكلمة فلا.
قال: أو يبذلوا الجزية.
ووجهه في أهل الكتابين قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، قال القاضي الحسين: والصغار عندنا: التزام أحكام الإسلام.
وأما في المجوس؛ فلأن عمر – ﵁ – امتنع من أخذ الجزية منهم لشكه في أنهم من أهل الكتاب، حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف أن النبي ﷺ أخذها من مجوس هجر أو نجران، وقال: "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الكِتَابِ".
[وقد] روى عن علي – كرم الله وجهه – أنه قال: إنه كان لهم كتاب يدرسونه، فسكر ملكهم فواقع بنته، فأنكر ذلك عليه أصحابه، فقال لهم: ما أرغب بكم عن سنة أبيكم آدم، إنه كان ينكح بنيه بناته، فقبل بعضهم، وأبى بعض أن يقبل، فأصبحوا وقد رفع كتابهم من بين أظهرهم ونسخ من صدورهم.
ولأجل ذلك اختلف أصحابنا في أنهم هل كان لهم كتاب ثم نسخ أم لا؟ وقال الرافعي في باب عقد الذمة: إن الأول أظهر؛ لما ذكره على- ﵁ – وإن منهم من قطع به، وهو المحكي في "الحاوي" عن نصه في "الأم" و"المختصر"، وحكى عن البصريين نفي الخلاف فيهم، وحملوا قوله: إنهم أهل كتاب على أن حكمهم حكم أهل الكتاب، والذي عليه الجمهور: الطريق الأولى.
стр. 8033
ثم كيفية الحال في هؤلاء: أن يدعوهم أولاً إلى الإسلام، وهو على وجه الاستحباب إن كانوا قد علموا بالبعثة، كما قاله في "المهذب"، فإن امتنعوا دعاهم إلى بذل الجزية، فإن امتنعوا قاتلهم إلى أن يفعلوا أحد الأمرين.
فرع:
إذا بذلوا الجزية هل يجب قبولها وعقد الذمة أم لا؟ الذي أفهمه كلام الأصحاب هنا وصرحوا به في باب عقد الذمة الوجوب، وعن "البيان" و"العدة" حكاية وجه: أنه لا تجب الإجابة إلا إذا رأى الإمام المصلحة [في القبول] كما في الهدنة، والظاهر المشهور: الأول. نعم، إن كان يخاف غائلتهم، ويرى أن ذلك مكيدة منهم؛ فلا يجيبهم.
قال: ويقاتل من سواهم، أي: كعبدة الأوثان والنار والشمس، إلى أن يسلموا؛ لأن الآية والخبر عامان في قتال كل كافر، يخرج منهما من ذكرناه؛ لدليل مخصص؛ فبقيا فيما عداه على عمومهما، ولأن في قوله تعالى: ﴿مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ١٠١] ما يفهم خروج غيرهم من هذا الحكم، وكذا فيما رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، أن النبي ﷺ كتب إلى أهل اليمن: "أَنْ يَاخُذُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مِنْ كُلِّ مُحْتَلِمٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ دِيْنَاراً" – دَلِيْلٌ [عَلَى ذَلِكَ].
قال: ويجوز بياتهم، البيات، والتبييت: الإغارة ليلا، ووجه جوازها: ما روى أبو داود عن إياس بن سلمة عن أبيه قال: "أَمَّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ، فَغَزَوْنَا نَاساً مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَبَيَّتْنَاهُمْ فَقَتَلْنَاهُمْ، وَكَانَ شِعَارُنَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ: أَمِتْ أَمِتْ، قَالَ سَلَمَةُ: فَقَتَلْتُ بِيَدِي تِلْكَ اللَّيْلَةَ سَبْعَةٌ أَهْلَ أبْيَاتٍ مِنَ الْمُشْرِكِيْنَ"، وخرجه النسائي وابن ماجه.
стр. 8034
وأيضاً: فإن أكبر ما فيه قتل الكافر بغتة، وقد أَغَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ، وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى الْمَاءَ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَسَبَي سَبْيَهُمْ، وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ، كما خرجه مسلم والبخاري وغيرهما، وبعث نفراً فقتلوا ابن أبي الحقيق اليهودي غيلة.
وقد روى البخاري ومسلم وغيرهما عن جابر، أن النبي ﷺ قال: "مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ، فَإِنَّهُ آذَى اللهَ وَرَسُولَهُ، فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُحِبُّ أَنْ تَقْتُلَهُ؟ قَالَ نَعَمْ، [قَالَ: تَاذَن لِي أَنْ أَقُول شَيْئاً؟ قَالَ: نَعَمْ]، فَأَتَاهُ مَعَ ثَلاَثَةِ نَفَرِ أَوْ أَرْبَعَةٍ - والقصة طويلة -فقتلوه غيلة.
قال: ونصب المنجنيق عليهم، ورميهم بالنار، أي: وما في معنى ذلك من هدم البيوت، وإلقاء الحيات والعقارب عليهم، وإجراء السيل، وقطع الماء عنهم؛ لأنه ﵇ نصب على الطائف حين حاصرها بعد فتح مكة منجنيقا أو عرادة، ولأن أكبرما في ذلك قتلهم غيلة، وقد ذكرنا جوازه.
فإن قيل: فقد نهى رسول الله ﷺ عن قتل النسوان والولدان، وفي ذلك قتلهم.
قيل: إنما كان في السبي المغنوم أن يقتلوا صبر؛ فإنهم غنيمة، فأما وهم في دار الحرب وهي دار إباحة يصيرون فيها تبعا لرجالهم، فلان روى [أبو داود عن الصعب بن جثامة] أنه ﵇ سئل عن الدار من المشركين
стр. 8035
يبيتون، فيصاب من ذراريهم ونسائهم، فقال: "هم منهم"، يعني: في حكمهم.
وفي هذا الجواب نظر؛ لأن تتمة هذا الحديث: "ثُمَّ نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ"، أخرجه البخاري ومسلم.
[ولأجل ذلك] قال القاضي الحسين: يستحب للإمام إذا علم ظاهراً بكثرة المسلمين وقوتهم أنه يقهرهم ألا ينصب المنجنيق، ولا النار، ولا شيئاً يعمهم؛ لأن في ذلك قتل البهائم التي لا ذنب لها، وقتل نسائهم وأطفالهم، فأما إذا خاف منهم، وعلم أنه لو عمهم بشيء من ذلك يكون أقدر عليهم جاز ذلك من غير كراهة، وكذا إذا تحصنوا بحصن، فلم يتوصل إلى قتلهم إلا بما يعمهم.
قال: ويتجنب قتل أبيه وابنه؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان: ١٥]، [فأمر بصحبتهما بالمعروف] في حال دعائهما إلى الشرك.
وقد روي أن أبا حذيفة بن عتبة أراد أن يبارز أباه [يوم بدر]، فقال له النبي ﷺ : "اترُكْهُ يَلِي قَتْلَهُ غَيْرُكَ".
وروي أن عبد الرحمن بن أبي بكر – ﵄ قال يوم أحد: أين ابن أبي قحافة؟ يعني أباه، فاخترط أبو بكر – رضيا لله عنه – السيف، وهم بالخروج إليه، فقال له – ﵇: "شم سيفك"، أي: أغمده، و"متعنا بنفسك"، فرجع.
ولأن هذا يؤدي إلى قطع الأرحام، والله – تعالى –نهى عن قطع الرحم.
стр. 8036
وأيضاً: "فإنه ربما" إذا قاتله، تحمله الشفقة على الترك؛ فيكون ذلك سبباً لرجوعه.
وهذا [التجنب] على وجه الاستحباب، فإن لم يفعله، قال الأصحاب: فقد ارتكب مكروها، [لكن حكى الإمام قبيل كتاب الدعوى والبينات، أن الأصحاب اطردوا في أن الابن الجلاد هل يقتل أباه حدا؟ كما اختلفوا في أن شهادته عليه بما يوجب العقوبة هل تقبل؟ فالأصح: أنه يقتله، ويظهر أن يجيء مثل هذا الخلاف هنا].
قال: إلا أن يسمع منه ما لا يصبر عليه من ذكر الله – تعالى- وذكر رسوله، أي: فلا يكره؛ لما روي أن أبا عبيدة بن الجراح سمع أباه يسب رسول الله [فقتله، وجاء برأسه إلى النبي]، فقال له: "لم قتلته؟ " فقال: لأني سمعته يسبك فلم أصبر. فلم ينكر عليه، وأنزل الله – تعالى- فيه: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية [المجادلة: ٢٢]، فأقره على قتله، وعذره فيه.
واعلم أن اقتصار الشيخ على تجنب قتل الأب والابن في هذا الموضع، وقوله في باب قتال أهل البغي: ويتجنب قتل ذي رحمه؛ كما نص عليه الشافعي – ﵀ – في "المختصر" في الموضعين – يفهم أن بين البابين فرقا، وقد قال لا لأصحاب منهم القاضيان أبو الطيب والحسين وابن الصباغ والماوردي، في باب قتال أهل البغي: إنه لا فرق بينهما، واقتصر القاضي الحسين هاهنا على ذكر تجنب قتل ذي الرحم المحرم، وكذلك الماوردي، وقال: فيمن عداهم من الأقارب والعصبات كبني الأعمام والعمات – وجهان:
أحدهما: لا يكره [له] قتالهم كالأجانب، وهو قول ابن أبي هريرة.
والثاني: يكره.
ثم قال الماوردي: والذي عندي أن ينظر حالهم بعد ذوي الأرحام: فإن كان
стр. 8037
فيهم من يرث منه ويورث كره له قتلهم؛ لقوة النسب والتوريث منهم، وإن كان ممن [لا يرث و] لا يورث لهم يكره.
قال: ولا يقتل النساء و [لا] الصبيان؛ لما ذكرناه من الخبر الذي رواه الصعب ابن جثامة، [والصاد فيه مفتوحة والعين ساكنة]، وجثامة: بفتح الجيم والثاء المثلثة.
[قال]: إلا أن يقاتلوا؛ لما روي أنه ﷺ مَرَّ بِامْرَأَةِ مَقْتُولَةٍ يَومَ خَيبَرَ – وَقِيلَ: يَومَ الْخَنْدَقِ – [فَقَالَ]: "مَا لِهَذِهِ تُقْتَلُ وَلاَ تُقَاتِلُ"، وفي رواية: "مَنْ قَتَلَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ؟! " فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، غَنِمْتُهَا، فَأَرْدَفْتُهَا خَلْفِي، فَلَمَّا رَأَتِ الْهَزِيْمَةَ فِينَا أَهْوَتْ إِلَى قَائِمِ سَيفِي لِتَقْتُلَنِي فَقَتَلْتُهَا، فلم ينكر عليه. وبالقياس على المسلمات.
والخنثى المشكل كالمرأة، والمجنون كالصبي.
стр. 8038
قال: وفي قتل الشيوخ، الذين لا رأي لهم [في القتال] ولا قتال فيهم، وأصحاب الصوامع، أي: شيوخاً كانوا أو شباباً، كما قاله الماوردي وابن الصباغ وغيرهما – قولان:
أصحهما: أنهم يتقلون؛ [لأنهم] حربيون ذكور فاندرجوا في عموم الآية والخبر كالشباب.
وقد روي أبو داود عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ : "اقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْرِكِينَ وَاسْتَبْقُوا شَرْخَهُمْ"، والشرخ: الصغار الذين لم يدركوا، وقيل: الشباب [أهل الجلد] الذين يصلحون للخدمة، ذكرهما أبو عبيد، وقد خرج الحديث الترمذي، وقال: إنه حسن صحيح [غريب].
وهذا القول هو المنصوص عليه في "سير الواقدي"، واختاره المزني وأبو إسحاق.
والثاني: لا يقتلون؛ لما روي أنه – ﵇ – [قال]: "اقْتُلُوا [الشَّرْخَ، وَاتْرُكُوا الشَّيْخَ].
وروى أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: "انْطَلِقُوا باسْمِ اللهِ، عَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ، لاَ تَقْتُلُوا شَيْخاً فَانياً وَلاَ طِفْلاً صَغِيراً وَلاَ امْرَأَةً".
وروي عن أبي بكر – ﵁ – [أنه] قال ليزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وشرحبيل لما بعثهم إلى الشام: لاَ تَقْتُلُوا الوِلْدَانَ وَ [لاَ] النِّسَاءَ وَلاَ الشُّيُوخَ، وَسَتَجِدُونَ أَقْوَاماً [حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى الصَّوَامِعِ فَدَعُوهُمْ وَمَا] حَبَسُوا لَهُ أَنْفُسَهُمْ.
стр. 8039
وهذا ما نص عليه في كتاب: حكم أهل الكتاب، وطرده القاضي أبو الطيب في الزمني والعميان، وغيره في العُسَفَاء – وهم – الأجراء- لأن أبا داود روى عن رباح – أو رباح – أنه – ﵇ – قال لخالد: "لا تَقْتُلْ امْرَأَةً، وَلا عَسِيفاً"، وأخرجه النسائي وابن ماجه.
وطرد أيضاً في المحترفين المشغولين بحرفهم، ومقطوعي الأيدي والأرجل، وحكى الرافعي عن رواية ابن كج والقاضي أبي الطيب طريقة قاطعة بالقول الأول في الأجراء، وربما نسبت إلى ابن أبي هريرة، ثم قال: والحارفون في معناهم لا محالة.
والطريقان جاريان في السوقة، فعند الشيخ أبي محمد يجري فيهم القولان؛ لأنهم لم يمارسوا القتال ولم يتعاطوا الأسلحة، قال الإمام: وهذا لم يتعرض له الأئمة وإن كان متوجهاً، وعند غيره: القطع بأنهم يقتلون؛ لقدرتهم على القتال.
التفريع:
إن قلنا بقتل الشيوخ و [من] في معناهم، فالذي حكاه العراقيون: أن الإمام يتخير فيهم بين أربعة أمور: القتل، والاسترقاق، والمن، والفداء. ويجوز سبي أموالهم، وأولادهم.
وإن قلنا بالقول الثاني، فهل يتعين الرق [فيهم]، أو يتخير الإمام فيهم بين الاسترقاق والمن والفداء؟ فيه قولان، كالأسير إذا أسلم، وهذا ما أورده الماوردي، وحكى أبو الطيب طريقة أخرى: [أنه] لا يتخير قولا واحدا، والفرق: أنه في الأسير قبل أن يسلم كان مخيراً بين أربعة أشياء، فلما أسلم سقط القتل [وبقي الخيار في] الباقي، وليس كذلك هاهنا؛ فإنه لم يثبت له الخيار من
стр. 8040
قبل حتى يستصحب، بل هو ممنوع من قتله ابتداء؛ فصار كالصبيان والنساء.
وعن رواية صاحب "التقريب"، وأبي يعقوب الأبيوردي عن النص: أنه لا يجوز استرقاقهم ولا يتعرض لهم، وهذا ما أورده في "التهذيب" و"الإبانة"، وكذا القاضي الحسين، وهل يجوز سبي نسائهم وذراريهم؟ فيه ثلاثة أوجه، ثالثها: يجوز سبي النساء دون الذراري، [والذي حكاه القاضي الحسين والفوراني: منع سبي الذراري] وحكاية الخلاف في النساء، واختارا منه أيضاً المنع.
والخلاف جارٍ في اغتنام أموالهم، والذي حكاه القاضي والفوراني: الجزم بالمنع، وقال الإمام: القائل بأنه لا يغنم أموال السوقة قارب خرق الإجماع.
أما الشيوخ الذين لهم رأي وتدبير ولا قتال فيهم فيقتلون قولا واحداً؛ لأن دريد ابن الصمة قتله – أو ذبحه – المسلمون يوم حنين، وكان المشركون [جاءوا به] يستنجدون برأيه، وحملوه في شجار وهو الهودج؛ لأنه لم يكن يستطيع الجلوس، لبلوغه مائة وخمساً وخمسين سنة، كما قاله الماوردي، وقيل: بلغ سنة مائة وخمسين سنة، والنبي ﷺ يراه، فلم ينكر قتله، ولا نهي عنه؛ فدل على إباحته.
ولأن التدبير علم بالحرب، والقتل عمل، والعلم أبلغ من العمل، قال الماوردي: وقد أفصح المتنبي [عن ذلك] حيث قال:
الرأي قبل شجاعة الشجعانِ هو أولٌ وهي المحل الثاني
قال القاضي الحسين: ومن أصحابنا من أطلق في الشيوخ قولين.
قال الرافعي: ثم الذي يتقضيه كلام الأصحاب ويفهمه: أنه لا فرق بين أن يحضر ذو الرأي في [الصف للقتال] أو لا يحضر في أنه يجوز قتله، ولا بين أن يقدر على صاحب الحرفة منهم في صف القتال، أو يدخل بعض بلادهم وهم غارون، فيجده هناك في جواز قتله على القولين.
стр. 8041
وفي "الوسيط": أن موضع القولين في الشيخ الذي لا رأي له ما إذا لم يحضر للقتال، فإن حضر فالظاهر أنه يقتل، ويحتمل أن يطرد القولان، وأن ذا الرأي يقتل إذا حضر، وإن لم يحضر فالظاهر أنه يقتل.
فرع: الحربية إذا ترهبت، ففي استرقاقها قولان؛ بناء على قتل الراهب؛ لأن الاسترقاق في النساء بمنزلة القتل في الرجال، والأصح في "تعليق" القاضي الحسين: أنها تسترق؛ لأن الأصل أن الترهب للرجال دونهن.
قال: وإن تترسوا بالنساء والصبيان، أي: في حال القتال ودونه، لم يمتنع من قتالهم؛ كي لا يتخذوا ذلك ذريعة إلى منع الجهاد، ولأنه يؤدي إلى تلف المسلمين؛ لأنهم يكفون عن رميهم، وأولئك لا يكفون، بل يرمون ويقاتلون؛ فيؤدون إلى الهزيمة، وكان الاحتياط لحق المسلمين أولى من الاحتياط لنساء الكافرين وأولادهم.
وقيل: إذا تترسوا بهم لا في حال القتال، لا يجوز رميهم وقتالهم؛ لأنه لا حاجة إلى ذلك [داعية]، مع كونه يؤدي إلى قتل من نهى عن قتله فامتنع؛ كما [لو] تترسوا بأسارى المسلمين في هذه الحالة، وهذا القول أصح عند القفال.
والقول [الأول] مال إليه مائلون، وعضدوه بجواز نصب المنجنيق على القلعة وإن كان يصيبهم، وبعضهم جزم به ورد قول [المنع] إلى الكراهة، وعلى هذا جرى الفوراني، وحكاه ابن الصباغ عن أبي إسحاق، قال الرافعي: وقد نُوزع في حكاية الكراهة عنه، وذكر أن عنده: يستحب التوقي عنهم لا غير، ومن أصحاب هذه الطريقة من قال: في الكراهة قولان.
وأظهر الطرق: أن القولين في الجواز، وهي التي أوردها القاضي أبو الطيب وأكثر الأصحاب، كما قاله ابن الصباغ، وخصهما الماوردي بما إذا قصدوا بذلك الدفع عن أنفسهم، أما إذا فعلوا ذلك نَكْداً منهم فلا يمنع من قتالهم جزما، ولو تترسوا بهم وهم في القلعة، فمنهم من قال برميهم، ومنهم من قال: في جواز
стр. 8042
الرمي إليهم قولان وإن عجزنا عن القلعة إلا به؛ لانا في غنية عن أصل القلعة.
قال: وإن كان معهم قليل من أسارى المسلمين، أي: بالنسبة إلى عددهم، ولم يتترسوا بهم – لم يمنع من رميهم بالمنجنيق وما في معناه؛ لأن الظاهر سلامتهم، وأن الغالب أنه يصيب الكافرين [دونهم، مع أن [في منع] ذلك تعطيلا لأمر الجهاد؛ فإنهم لا يعجزون أن يمسكوا مسلماً عندهم، ولأن الدار دار إباحة؛ فلا يحرم القتال بكون المسلمين فيها، كما أن دارنا لا تحل بكون المشركين فيها، وعلى ذلك ينطبق ما روي أنه ﷺ قال: "منعت دار الإسلام ما فيها، وأباحت دار الشرك ما فيها"، وهذا هو المنصوص في "المختصر" والصحيح، وبه جزم القاضي أبو الطيب والماوردي، لكن يكون الرمي كروهاً، كما قاله الرافعي، وحكى قولاً أنه يحرم؛ لأنه قد يصيب المسلمين، و"زوال الدنيا أهون عند الله من قتل مسلم"، كما ورد [في] الخبر.
قال: وإن كان معهم كثير، أي: مثل أن كانوا مثل عدد المشركين أو أكثر – لم يرمهم؛ لأن الغالب أنه يصيب المسلمين.
قال: إلا إذا خاف شرهم؛ أي: خاف إن لم يقاتلهم انهزم المسلمون وهلكوا؛ لأن سلامة الأكثر مع تلف الأقل أولى، وهذا ما نص عليه في "المختصر"، وبه جزم الماوردي وغيره.
قال الرافعي: وقد ألحق بالضرورة ما إذا لم يحصل فتح القلعة إلا بذلك، وهذه طريقة. ومنهم من لم ينظر إلى الضرورة وعدمها، وقال: إن علم [أن] ما يرمي به من النار والمنجنيق يهلك المسلم، لم يجز [رميهم]، وإن كان ذلك موهوما، ففيه القولان.
وفي "التهذيب": أنه يجوز الرمي بما يعمهم في حال التحام القتال، والخوف على المسلمين أن يظفر بهم، وإن لم يكن ذلك، أو كانوا في حصن، فهل يجوز أن يفعل بهم ذلك؟ فيه قولان، ويجيء من مجموع ذلك في المسألة ثلاثة أقوال:
стр. 8043
أحدها: الجواز مطلقاً في حالة الضرورة [وعدمها.
والثاني: المنع في حالة الضرورة وعدمها].
والثالث: التفرقة.
ثم إذا رمي إلى القلعة أو البلد وقتل مسلما، قال الرافعي: فإن لم يعلم أن في أهلها [مسلماً] لم تجب إلا الكفارة، وإن علم وجبت الدية والكفارة، حكاه الروياني.
قلت: وما حكاه في حالة عدم العلم هو قضية ما في "تعليق" البندنيجي في باب كفارة القتل؛ حيث قال: إذا قتل مسلماً في دار الحرب ولم يقصد عينه، مثل أن بيَّتوهم ليلا [فقتلوهم] وكان فيهم مسلم، أو قتله في غارة -[فلا تجب إلا الكفارة]- وعلى ذلك جرى في "التهذيب" ثم، وزاد فقال: سواء عرف أن في الدار مسلماً أو لم يعرف. وبه جزم القاضي أبو الطيب هاهنا، وعلله بأنه أبيح له الرمي إلى هذه الدار.
قال: وإن تترسوا بهم في حال القتال، أي: وخفنا من ترك قتالهم اصطلام أجناد الإسلام، واختلال ركن عظيم في الإسلام - لم يمتنع من قتالهم؛ كي لا يكون ذلك وسيلة إلى ترك فرض الجهاد والظفر بالمسلمين؛ فكان محظور الترك أعظم من محظور الفعل.
قال: غير أنه يتجنب أن يصيبهم، أي: فيكون القصد بالرمي والضرب المتترس دون الترس؛ قضاء للحقين بقدر الإمكان، وهذا ما نص عليه في "المختصر"، حيث قال: إن تترسوا بمسلم، رأيت أن يكف إلا أن يكونوا ملتحمين، فيصيب المشرك ويتوقى المسلم جهده. وعلى ذلك جرى العراقيون والماوردي، وصدر به القاضي الحسين كلامه، وقيل: لا يجوز الرمي إذا لم يتأت ضرب الكفار إلا
стр. 8044
بضرب المسلم؛ لان غاية ما فيه أنا نخاف على أنفسنا، ودم المسلم لا يباح بالخوف، بدليل صورة الإكراه، وهذا ما أورده في "التهذيب"، وبه أجاب الغزالي فيما إذا تترس كافر بمسلم، وأشعر إيراده بتخصيص الوجهين فيما إذا تترس الكفار بطائفة من المسلمين في صف القتال، وأشار الإمام إلى الفرق بأن الإهلاك في حال تترسهم بطائفة أمر كلي لا يبعد أن يتساهل فيه في أشخاص من الأسارى؛ حفظا على الكليات.
التفريع:
إن قلنا بالمنع، فرمى وقتل مسلما، ففي وجوب القصاص طريقان:
أحدهما: تخريجه على قولي الإكراه.
والثاني: القطع بالوجوب كالمضطر إلى قتل إنسان ليأكله، ويفارق المكره فإن ملجأ إلى القتل، وهاهنا بخلافه، وأيضاً: فإن ثم من يحال عليه، وهو المكره، وليس هاهنا من يحال عليه.
وإن قلنا بظاهر النص، فرمى وقتل مسلما، قال الرافعي: فلا قصاص؛ لأنه مع تجويز الرمي لا يجتمعان. وهذا ما أورده أبو الطب وابن الصباغ والبندنيجي، وقال القاضي الحسين: مع قولنا: إنه يجوز رمي المتترس دون الترس، إذا رمى فأصاب الترس كان في وجوب القود عليه الطريقان:
أحدهما: القطع بالوجوب.
والثاني: تخريجه على القولين في المكره.
ثم قال: وقيل على القول الذي يقول: يلزمه القود: ينبغي ألا يجوز له قصد المتترس؛ لأنه لا يأمن أن يفضي قصده إلى قتل محرم، فوجب للقود.
وفي "الحاوي" ما يقرب من ذلك؛ فإنه جزم بجواز الرمي إلى المتترس في حالة الضرورة، ثم قال: ولو دعته الضرورة إلى قتل الترس ليتوصل به إلى دفع المشرك عن نفسه، ففي وجوب القود عليه وجهان، حكاهما ابن أبي هريرة
стр. 8045
تخريجاً من اختلاف قوليه في المكره، وحكى القاضي الحسين في هذه الصورة في آخر الفصل عن بعض: أنا إن لم نوجب القود على المكره، فهاهنا أولى، وإن أوجبناه على المكره، فهاهنا قولان، والفرق [: أن] المكره قتل لإحياء نفسه [وحده] لا غير؛ فكان كما لو قتله للمجاعة، وأما هاهنا: [فإنما] قتله لإعلاء كلمة الله تعالى، دفعاً عن المسلمين لا عن نفسه وحده، وهذه الطريقة تأتي في الحالة الأولى التي حكينا عنه فيها الطريقين من طريق الأولى، وأما الكفارة، فتجب على كل حال، وفي وجوب الدية خلاف سبق.
أما إذا تترسوا بهم في غير حال القتال، فالذي جزم به القاضيان أبو الطيب والحسين، وابن الصباغ والماوردي وغيرهم: منع الرمي، وأنه إذا رمى فأصاب مسلما قصده، [وجب] القصاص [قولا] واحدا، وكذا الدية عند العفو.
قال ابن يونس: [وقيل بجواز] رميهم بكل حال كما لو تترسوا بالنساء والصبيان، وليس بشيء؛ لأن حرمة المسلم آكد، وحكم المستأمن والذمي في دار الحرب في جميع ما ذكرناه حكم [المسلم] إلا في وجوب القود، قاله الماوردي والرافعي وغيرهما.
فرع: إذا تترس كافر بمال مسلم أو فرسه، فإن كان في غير القتال فلا يجوز أن يقصد المتترس، وفي حال القتال، إذا اضطر إلى قصد المتترس فلا يقصد الترس، فإن بلغ إلى حالة لا يصل إلى [المتترس] إلا بأن يقصد الترس، فله ذلك، وهل يجب عليه الضمان؟ قال القاضي الحسين: إن قلنا في النفس يجب القود قولا واحدا، [فهاهنا يجب الضمان قولا واحدا]، وإن جعلنا في القود قولين، فهاهنا لا يجب ضمان المال، وليس كما إذا أكره على إتلاف مال الغير؛ فإن قرار الضمان على المكره.
стр. 8046
و [هل] يكون المكره طريقاً في الضمان؟ فيه وجهان؛ لأن هاهنا لا يمكن أن يقال: إن الرامي يكون طريقا؛ لأن الحربي ليس عليه قرار الضمان، وعلى ذلك جرى في "التهذيب".
تنبيه: الأسارى: بضم الهمزة وفتحها، قال ابن فارس: وليس المفتوحة بالعالية. ويجمع أيضاً [على]: أٍرى، والواحد: أسير ومأسور، وهو مشتق من "الإسار" وهو القِدُّ، لأنهم كانوا يشدون الأسير بالقِدِّ، فسمي كل أخيذ أسيرا، وإن لم يشد به، ويقال: أسرت الرجل أسرا [وإساراً].
قال: ومن آمنه مسلم – هو بهمزة ممدودة – بالغ عاقل مختار، حرم قتله، أي: ما دام الأمان باقيا، سواء كان المؤمن إماما أو نائبه أو غيرهما، حرا كان أو عبداً، ذكراً أو أنثى، عدلاً كان أو فاسقاً.
والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾، أي: استأمنك فآمِنْه، أو: استعانك فأعنه، وكلام الله، قيل: [أراد به] سورة "براءة" خاصة، وقيل: جميع القرآن، ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَامَنَهُ﴾ [التوبة: ٦]، أي: [بعد] انقضاء مدة الأمان إن أقام على الشرك، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٦]، [أي]: الرشد من الغي، أو استباحة دمائهم عند انقضاء مدة أمانهم. وقوله ﷺ : ["دَمُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدٌ، فَمَنْ خفر مُسْلِماً، فَعَلَيهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ"]، وقوله ﷺ : "الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ"، أي: عبيدهم، كما قاله أبو عبيد؛ لأنهم أدنى من الأحرار.
стр. 8047
وقد روي أن عمر – ﵁ – جهز جيشا، فنزلوا على قرية من قرى رامهرمز، فرأوا أنهم سيفتحونها، فرجعوا حتى يقيلوا ويرجعوا، فبقي عبد منهم فواطأ أهل القرية وواطئه، فكتب لهم كتابا في صحيفة، ونبذها مع سهم رماه إليهم، فأخذوها وخرجوا بأمانه، فكتب بذلك إلى عمر – ﵁ – فقال: "العَبْدُ الْمُسْلِمُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، ذِمَّتُهُ ذِمَّتُهُمْ"، ولم يخالفه فيه أحد؛ فكان إجماعاً.
وروي أن أم هانئ بنت أبي طالب قالت – عام الفتح -: يا رسول الله، إني قد أجرت حَمَويَّ، وزعم ابن أمي أنه قاتلهما – تعني علي بن أبي طالب –فقال رسول الله ﷺ : "قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ، وَأَمَّنَّا مَنْ أَمَّنْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ"، ومعنى هذا الخبر ثابت في "الصحيحين".
وحكى الرافعي عن ابن أبي هريرة: أنه لا يصح أمان الفاسق؛ لأنه ولاية، وليس هو من أهلها، ونسب القاضي الحسين هذا الوجه إلى ابن سريج، وأن غيره قال: إن كان فسقه بسبب معونته لهم على المسلمين فلا يجوز، وإن كان بزنى أو شرب خمر صح.
وظاهر المذهب ما دل عليه كلام الشيخ، ويشهد له قصة العبد السالفة.
تنبيه: ظاهر كلام الشيخ هنا يقتضي أموراً:
أحدها: جواز تأمين بعض الرعية لأهل بلد، وأكثر من ذلك؛ لإتيانه بلفظة "مَنْ" الصالحة لذلك، وأنه لا فرق في المُؤَمَّن الكافر بين أن يكون قد أسر أم لا، وقد قال الأصحاب: إن نفوذ أمان أحد الرعية منوط بشرطين:
стр. 8048
أحدهما: ألا يتعطل الجهاد [به]، وذلك مثل أن يؤمن نفرا يسيراً من الواحد إلى العشرة، وكذا المائة والقافلة، وكذا القلعة الصغيرة، كما حكى عن "البيان"، ويشهد لذلك قصة العبد السابقة.
وفي "الرافعي": أن الأشبه في القلعة المنع، وما جاوز ذلك لا يصح أمانه فيه، بل هو منوط بالإمام ونائبه، والشيخ نبه على ذلك في باب عقد الهدنة.
وألحقوا بذلك ما إذا أمن مائة ألف من المسلمين مائة ألف من الكافرين، فظهر انحسام الجهاد أو نقصانه بذلك، وأبطلوا أمانهم، قال الرافعي: ولك أن تقول: إن أمنوهم [معاً، فردُّ الكل متوجهٌ، وإن أمنوهم] علىلتعاقب، فينبغي أن يجوز أمان الأول فالأول إلى ظهور الخلل.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أن من أصحابنا من قال: إنما يجوز أمانه لواحد واحد، فإذا فعل كذلك جاز، وإن أمن ثلاثمائة أو أكثر، فأما إذا أمن أهل بلدة أو قرية أو قبيلة كلهم لم يجز، قلوا أو كثروا؛ لأن طريق هذا طريق الهدنة. ثم قال: ويحكي هذا عن أبي إسحاق. وهذا قد حكاه الرافعي عن الروياني حيث قال: إذا أمن واحدا واحداً جاز، وإن كثروا حتى زادوا عن عدد أهل البلدة
стр. 8049
الواحدة، أو القرية الواحدة.
والشرط الثاني: ألا يكون الكافر المُؤَمَّن قد أسره المسلمون، سواء في ذلك عدم إشرافه على الأسر أو إشرافه عليه، كما إذا كان في مضيق أو في حصن، أو في جوف بئر أو في القتال وقد انهزموا، فإن كان مأسوراً فقد أطلق معظم الأصحاب القول بأنه لا يصح إلا من الإمام؛ لما فيه من إبطال التخيير الثابت له، وفي "الحاوي" أن الأمر كذلك إذا انتهى إلى يد الإمام، وكذلك إذا انتهى إلى يد نائبه، لا يصح تأمينه من غيرهما، وإن لم يصل إليهما لا يصح من غير [من] أسره من الرعية، ويصح ممن أسره، ومن الإمام، وكذا من نائبه إن كان الأسير من ثغره، وإن كان من غير ثغره فلا يصح منه؛ لخروجه عن ولايته.
الأمر الثاني: اختصاص الأمان بالرجال من الكفار دون النساء؛ لأن المتصف بحل القتل قبل الأمان الرجال دون الذراري والنسوان، وفائدة الأمان- لو صح مع النساء –مَنْعُ الاسترقاق، وما أفهمه كلام الشيخ فيهن صرح به الغزالي، ووجهه بأن أمان المرأة إنما يصح تبعاً للرجال؛ فلا يستقل، والماوردي جزم بصحة أمان المرأة، قوال القاضي الحسين: إنه يتخرج على قولين؛ بناء على أنه إذا صالح أهل حصن ليس فيه إلا نسوة وقد أشرفن على الاسترقاق، على مال حتى لا يسترقهن-فهل يسقط حق الاسترقاق ببذل المال؟ فعلى قولين، فإن قلنا: إنه يسقط به سقط بالأمان، وإلا فلا، وعلى ذلك جرى في "التهذيب".
الأمر الثالث: أن الأمان لا يفيد غير تحريم القتل، وقد قال الأصحاب: إنه يفيد معه منع الاسترقاق والمفاداة، وهل يفيد عصمة ماله وأهله؟. قال الغزالي وإمامه: إن شرط ذلك في الأمان، فنعم، وإلا فلا يدخل الذي في دار الحرب فيه، وفي دخول ما معه من المال فيه، فيه وجهان، المذكور منهما في "تعليق" البندنيجي: الدخول، وكذلك هو في "الشامل" و"تعليق" أبي الطيب في عقد الهدنة، وقال: إنه لا يدخل فيه زوجته، وألحق البندنيجي الذرية بالمال.
وفي "الحاوي": أنه يدخل في الأمان على نفسه ما يباشره من ثيابه التي لا
стр. 8050
يستغني عنها، وما يستعمله من آلته التي لابد له منها، وما ينفقه في مدة أمانه لضرورته إلى ذلك، ولا يدخل فيه ما عداه من أمواله، وكذا ذراريه.
وسواء كان المؤمِّن الإمامَ أو غيره، ولو أمنه على نفسه وماله، فإن كان ماله حاضراً صح أمانه عليه، سواء كان المؤمن إماماً أو غيره، وإن كان غائباً فلا يصح إلا من الإمام، أو من قام مقامه من وُلاة الثغور، وكذا حكم الذرية في حال الحضور والغيبة على ما فصلناه.
الأمر الرابع: أن تحريم قتل المؤمن يعم جميع المسلمين في جميع الأماكن والأزمان، والأمر كذلك عند الماوردي في الأماكن، إذا شمل الأمان بالتصريح جميع بلاد الإسلام، سواء كان المؤمن إماماً أو غيره، أما إذا أطلق الأمان: فإن كان المؤمن إماماً فالحكم كذلك أيضاً، وإن كان نائباً عنه شمل الأمان بالتصريح جميع محل ولايته حالة الأمان، ولا يزول عن بعضها بعزله منه، ولو كان من آحاد الرعية تناول موضع سكن المؤمن من بلد أو قرية، ولا يتعدى ذلك إلى غيره إلا إلى الطريق الموصلة [إليه] من دار الحرب، ويكون أمنه فيه في حالة اجتيازه [فيه] بقدر الحاجة، دون حال الإقامة، وكذا الحكم فيما إذا عين له المؤمن موضعاً بعينه.
وأما الزمان فهو مقدر بما سنذكره في الهدنة، فإن صرح المؤمن بما يجوز منه لم يتعداه، ويجوز له أن يستوي المدة بمقامه في المكان الذي عينه له، وله بعد انقضائها الأمان في مدة عوده إلى بلده، اللهم إلا أن يكون الأمان عاماً في بلاد الإسلام كلها؛ فإن المدة إذا نقضت لا تكون في أمان إلى عوده إلى بلده، وهذا ما حكاه الماوردي هنا، وأفهمه كلام البندنيجي وغيره في كتاب عقد الهدنة، وقال الماوردي ثم: إن أمانه مقصور على حقن دمه وماله دون مقامه، ولم يكن لمن أمنه من المسلمين تقدير مدته، فإذا رأى الإمام من المصلحة إخراجه، [أخرجه] آمنا حتى يصير إلى مأمنه.
стр. 8051
ثم على الأول لو صرح بقدر زائد على ما يجوز عقده من المدة بطل الأمان في القدر الزائد، [وفي] الباقي طريقان حكاهما [الماوردي] وسنذكرهما عن غيره في باب [عقد] الهدنة:
أحدهما: القطع بالصحة فيه.
والثاني: تخريجه على قولي تفريق الصفقة.
وإن أطلق الأمان تناول المدة الثابتة بالنص، وهي أربعة أشهر لا غير، بوعدها يعلم أن أمانه قد انقضى؛ فيرد إلى مأمنه، والله أعلم.
قال: وإن أمنه صبي، لم يقتل.
الصبي لا يصح أمانه؛ لأنه عقد فلم يصح منه كسائر عقودهن ولكن المؤمن لا يقتل، كما قال الشيخ.
غير أنه يعرف أنه لا أمان له ليرجع إلى مأمنه؛ لأنه دخل معتقداً أنه في أمان، فكان شبهة في منع قتله.
وهكذا الحكم فيما إذا أمنه مجنون أو مكره لا يصح، ولا يقبل، ويعرف أنه لا أمان له ليرجع إلى مأمنه؛ لما ذكرناه.
ولو أمن الذمي كافراً لم يصح أمانه؛ لأنه متهم، وليس له العقد علينا، وقد روي أنه ﵇ – قال: "يجبر على المسلمين بعضهم".
تنبيه: في قول الشيخ: "ويعرف أنه لا أمان له:، ما يعرفك أن المسألة مصورة بما إذا لم يكن عالماً بعدم صحة أمان الصبي، أما لو كان عالماً به، حل قتله في الحال؛ لأنه حربي دخل بغير أمان، قاله في "المهذب" والقاضي الحسين وغيرهما.
قال: ومن أمنه أسير قد أطلق، أي: من القيد والحبس، وأمنوه على ألا يخرج من دارهم فبقي فيها غير قادر على الخروج منها.
стр. 8052
قال: باختياره، أي: حصل الأمان باختيار من الأسير؛ فلم يكن مكرهاً فيه.
قال: حرم قتله؛ لعموم الأخبار. ويظهر من هذه الصورة والحكم فيها جواز أمان التاجر في دار الحرب. لكن في "تعليق" القاضي الحسين: أنه إذا أمنهم لا يكون أمانا يلزم إمضاؤه المسلمين، لكنه يكون أماناً لهم منه، حتى لا يجوز له أن يغتالهم، وهذا ما أورده في "التهذيب"، وطرده فيما إذا دخل مسلم لدار الحرب بأمان، فأمن كافراً منهم، وقضية ذلك أن يطرد هذا الحكم بجملته في الأسير في الصورة التي ذكرناها من طريق الأولى؛ ولأجل ذلك أطلق بعضهم في صحة أمان الأسير وجهين، أصحهما: المنع.
ثم في صورة مسألة الكتاب التي ذكرناها لا يكون الكافر المؤمن آمناً من المسلمين، إلا في دار الحرب في الموضع الذي فيه الأسير كما صرح به الماوردي، إلا أن يصرح بأمانه في غيره، فيأمن فيه، ولو لم يؤمنهم، وقد أمنوه، كما ذكرنا، ولا شرطوا عليه أن يكونوا في أمان منه – فهل له أن يغتالهم؟
المذهب: لا؛ كما لو شرطوا عليه عند إطلاقه أن يكونوا في أمان منه، وقد عزاه القاضي الحسين في قتال أهل البغي إلى النص، وغيره نسبه إلى نصه في "أمالي حرملة".
وعن ابن أبي هريرة: أن له أن يغتالهم؛ لأنهم لم يستأمنوهن فأشبه ما لو أطلقوه من غير شرط أصلاً، ولو خرج من ديارهم فاتبعه قوم منهم فله قتلهم في الأحوال الثلاثة.
تنبيه: في قول الشيخ: قد أطلق، ما يفهمك أنه إذا كان في قيد أو حبس لا يصح أمانه، وهو الأصح في "الرافعي" و"التهذيب"؛ لأنه مقهور في أيديهم لا يعرف وجه النظر والمصلحة، ولأن الأمان يقتضي أن يكون المؤمن آمنا، والأسير في أيديهم ليس بآمن.
قلت: ولأن القيد والحبس كالإكراه على الفعل، دليله ما إذا ارتد المسلم وهو [في] قيدهم أو حبسهم لم يحكم بصحة ردته؛ لجعل ذلك كالإكراه عليها، وإن لم يطلب منه، والذي أطلق القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والشيخ أبو
стр. 8053
حامد القول به: أنه يصح أمان الأسير قال البندنيجي: ولو كان محبوساً. ونسبه إلى نصه في "حرملة"، موجِّهاً له بأنه ما حبس ليؤمن، فإذا تبرع به فهو مختار، وهذا ينتقض بمسألة الردة؛ فإنه ما حبس ليرتد، ورأى الإمام تخصيص الوجهين بما إذا أمن من لم يأسره، والقطع بالمنع [إذا] أمن من أسره؛ لأنه كالمكره من جهته، وعلى ذلك جرى الغزالي، ويقرب منه قول الماوردي: عندي أن أمانه يعتبر بحال من أمنه، فإن كان في أمان من المشرك صح أمان لذلك المشرك، وإن لم يكن في أمان منه لم يصح؛ لأن الأمان ما اقتضى التساوي فيه.
ثم إذا قلنا: لا يصح أمانه عموما، فهل يصح بالنسبة إلى الأسير حتى لا يجوز أن يغتال من أمنه كما في التاجر، أم لا يصح؟ فيه وجهان، والذي أورده الغزالي: الأول، والذي مال إليه الأكثرون – ومنهم القفال -: مقابله، وفرق القاضي الحسين بينه وبين التاجر: بأن التاجر في أمان منهم، وليس كذلك الأسير، وقضية الأمان: التساوي.
واعلم أن الأمان يصح بالصريح كقوله: أمنتك، أو: أنت آمن، أو: في أمان، أو: أنت مجار، أو: قد أجرتك، أو: لا بأس عليك، أو: لا خوف عليك، وما شاكله كما حكاه الماوردي.
قال الرافعي: وفي إيراد بعضهم ما يقتضي أن قوله: لا بأس عليك، كناية، وهذا خلاف ما دل عليه قول الصحابة؛ فإنه روى أن عمر –﵁ – قال للهرمزان: "تَكَلَّمْ وَلاَ بَاسَ عَلَيكَ"، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَمَرَ عُمَرُ بِقَتْلِهِ، فَقَالَ لَهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: لَيْسَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ، [قَدْ أَمَّنْتَهُ]، فَقَالَ عُمَرُ: كَلاَّ، فَقَالَ لَهُ الزُّبَيرُ: قَدْ قُلْتَ لَهُ: تَكَلَّمْ، وَلاَ بَاسَ عَلَيكَ؛ فَدَرَأَ عَنْهُ عُمَرُ – ﵁ – القَتْلَ.
ويصح بالكتابة والرسالة مع الكافر والمسلم، وعد ذلك من الصرائح، ويصح أيضاً بالكناية مع النية؛ كقوله: أنت على ما تحب، أو: كن كيف شئت، أو: لا تخف ولا تحزن، [عند الماوردي، وعند الروياني قوله:"لا تخف ولا تحزن"] من الصرائح.
стр. 8054
والإشارة المفهمة عند الماوردي والبندنيجي وأبي الطيب والقاضي الحسين من الكنايات حتى قالوا: إنه لو أشار ثم مات قبل أن يبين مراده، لم ينعقد الأمان، وقد حكاه ابن الصباغ عن نصه في "سير الواقدي". نعم، لا يقتل، ويعرف أنه لا أمان له ليرجع إلى مأمنه.
وفي "المهذب": أنه يحصل الأمان بالإشارة المفهمة من غير تقييد بأن يصرح المشير بالأمان. نعمم، لو قال المشير: ما أردت الأمان، قبل قوله، وعرف أنه لا أمان له. ولا فرق في الإشارة بين أن تصدر من ناطق أو أخرس، كما صرح به الإمام.
وكما يصح الأمان منجزا، يصح معلقا ولو على الأخطار وبالغرر.
ويعتبر من جانب الكافر المؤمن أمران:
أحدهما: أن يبلغه الأمان، فإن لم يبلغه فلا أمان له، حتى لو ابتدر المؤمن فقتله جاز، صرح به القاضي الحسين والرافعي وغيرهما، وبنى القاضي [على ذلك] ما لو أشار المسلم إليه قاصداً الأمان، وقال الكافر: لم أفهم منه الأمان – أنه لا ينعقد له أمان.
والثاني: ألا يرد الأمان، فإن رده ارتد، كالإيجاب في البيع والهبة.
وفي اعتبار النطق بالقبول أو الإشارة به أو الأمارة تردد عند الإمام، وقال: إن الظاهر أنه لابد من ذلك، وهو المذكور في "الوجيز"، ومقابله هو المذكور في "التهذيب"، وقول المؤمن للمؤمن بعد قبول الأمان: لست أؤمنك، فخذ حذرك مني، قائم مقام رد الأمان عند الإمام؛ لأنه لا يثبت في أحد الطرفين دون الآخر.
قال: ومن اسلم منهم في حصار أو مضيق، أي: رجلاً كان أو امرأة، كما صرح به في "التهذيب" وغيره –حقن دمه وماله، أي: صانه ومنعه أن يستباح؛ لما روى أبو داود عن أبي هريرة – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي
стр. 8055
دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ "، وأخرجه مسلم وغيره، وقوله – ﵇: "مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ".
قال: وصان صغار أولاده، أي: الأحرار عن السبي؛ لما روى الشافعي – ﵁ – بإسناده أن النبي ﷺ لَمَّا حَاصَرَ بَنِي قُرَيْظَةَ، أَسْلَمَ ابْنَا سَعْيَةَ، وَهُمَا ثَعْلَبَةُ وَأُسَيدُ، كَمَا قَالَهُ القَلْعِيُّ فِي المستَغرب، فَأَحْرَزَ إسْلامُهُمَا أَمْوَالَهُمَا وَأَوْلادَهُمَا الصِّغَارَ، وفي روايَةِ الشَّعْبِيِّ: وَالدُّور وَالشَّجَرَ.
وفي "التهذيب" و"الإبانة" قول الشافعي –﵁: "إن المرأة لا تصون أولادها الصغار"، قال الرافعي: وإن صح هذا، فيشبه أن يقال: لا يستتبع الولد في الإسلام، والأظهر: الأول.
والمجنون المتصل جنونه بصباه في حكم الصبي، وإن جن بعد البلوغ ففي صيانته بإسلام الأب وجهان في "التهذيب" وغيره؛ بناء على عود ولاية المال إليه، وأصحهما فيما نحن فيه: نعم، وقياس البناء: ألا يتبع الأم إذا أسلمت، وقلنا: لا ولاية لها كما هو المذهب.
وحكم الحمل فيما ذكرناه حكم الولد الصغير؛ لأنه حر مسلم، فوجب أن يتبع أباه كما لو كان منفصلاً. نعم، هل يجوز استرقاق أمه في حال اجتنانه إذا كان المسلم أباه؟ فيه وجهان في "الحاوي"، وجزم الإمام بأنها إذا لم تكن زوجة: أنها تسترق.
وولد الولد هل يلحق بالولد فيما ذكرناه؟ فيه وجهان في "التهذيب"، وأظهرهما في "الرافعي": نعم، وقيل: هما فيما إذا كان أبوه حيا، فإن كان ميتا أحرزه وجها واحدا، وهذا ما صححه الروياني، وفي "الإبانة" أن القفال قال مرة
следующие страницы →