Полный текст (9 685 стр.). Показаны 8156–8195 · переход к 8161.
стр. 8156
ثم استحقاق الأجرة على هذا إذا لم يعطل من العمل الموظف عليه شيئاً؛ بأن يقع القتال في فترة أعماله، وكان لا يحتاج إلى العمل فيها، فإن تعطل في مقدار الزمان [عمل]، استحق السهم، وسقط من الأجرة ما قابله من تعطيله، كذا قاله الإمام.
وفي "الحاوي": فيما إذا كان حضوره الوقعة يمنع من استيفاء منافع إجارته، [ينظر:] فإن دعاه المستأجر إلى خدمته، فتأبَّى ويغلبه على منافع نفسه رد ما قابل مدة حضورهن وإن لم يدعه إلى خدمته؛ ففي استحقاق الأجرة وجهان، وجه الاستحقاق: أن الأجرة في مقابلة التمكين من الخدمة، وهو موجود وإن لم يقترن به الاستيفاء، وهذا القول هو الأظهر في "الرافعي" والمختار للنووي، وإذا فرعنا عليه استحق السلب إذا قاتل.
والثاني: يرضخ له؛ لأن منفعته مستحقة لغيره؛ فأشبه العبد.
وفي "تعليق" القاضي الحسين في كتاب "السير" رواية خبر فيه، وعلى هذا يكون الحكم في الأجرة كما تقدم.
وفي "الحاوي": أن هذا [إذا] لم يقاتل، أما إذا قاتل، فإن قتل استحق السلب، وفي استحقاقه السهم-سواء قتل أو لا – وجهان:
أحدهما- وهو قول أكثر البصريين-: أنه يستحقه كالسلب.
والثاني – وهو ظاهر قول أبي إسحاق، والأصح عندي -: أنه لا يسهم له؛ لأن من لا يستحق السهم بالحضور إذا لم يقاتل، لم يستحقه إذا قاتل كأهل الرضخ.
وفي "الرافعي": أنه لا يستحق السهم، وفي السلب وجهان، وحكى عن ابن كج وجهاً: أنه لا يرضخ له؛ لأنه لم يسهم له وهو من أهله، قد حكاه الإمام عن رواية الشيخ أبي علي والعراقيين.
والثالث: يخبر؛ فإن اختار السهم فسخت الإجارة وسقطت الأجرة، وإن اختار الأجرةن سقط السهم، أي: ويرضخ له، كما صرح به القاضي الحسين؛ لأن
стр. 8157
التسليم الواحد لا يوجب بدلين مختلفين، وأيهما اختار سقط الآخر؛ كما في القصاص والدية، وهذا ما اختاره في "المرشد".
ومحل الأقوال عند الماوردي: ما إذا كان الأجير يقدر على فسخ الإجارة، أما إذا لم يقدر فلا يأتي إلا القولان الأولان.
وقال صاحب "الإفصاح": إن محلها إذا استأجره الإمام لسقي الغزاة وحفظ دوابهم من سهم الصدقات، أما إذا استأجره واحد من الرعية فلا يكون فيها إلا القولان [الأولان]؛ لأن الإجارة لازمة في حق الأجير، ولا معنى لتوفير الأجرة على المستأجر ودفع السهم من نصيب الغانمين. وهذا ما اختاره القاضي أبو الطيب، وحكى الرافعي: أن صاحب "الإفصاح" قال: إن السهم يكون للمستأجر.
وفي "تعليق" القاضي الحسين أن من أصحابنا من قال: محل الأقوال إذا كانت الإجارة على طريق الجعالة، بأن يقول: إن عملت لي شهراً فلك كذا، فأما إذا عقد عقد الإجارة على خدمة مدة؛ فلا يسهم له قولاً واحداً، وله الرضخ؛ لأنه يستحق الخدمة بعقد لازم. ثم قال: وعامة أصحابنا على التسوية بين الإجارتين.
وكذا في "الرافعي": أن الأكثرين أجروها فيما إذا كان المستأجر الإمام أو آحاد الرعية؛ كما أطلقه الشافعي، وقالوا: إن لزوم الإجارة لا يختلف في الصورتين.
وعلى هذا فوقت التخيير – كما ذكره ابن الصباغ – قبل القتال وبعده، فيقال له قبل القتال: إن أردت الجهاد فاطرح الأجرة، وإن أردت الأجرة فاطرح الجهاد، ويقال له بعده: إن كنت قصدت الأجرة فخذها ولا سهم لك، وإن كنت قصدت الجهاد فلا أجرة لكن والمراد: أن الغرض يحصل بكل واحد منهما، لا أنه مخير في الحالين.
والمراد على القول الثالث بسقوط الأجرة: أجرة وقت شهود الوقعة، دون ما قبل مدة خروجه من دار الإسلام أو مدة دخوله دار الحرب؛ لأن استحقاق
стр. 8158
الغنيمة يتعلق به؛ فلا تجب معه الأجرة، وقبله لا يجتمع الحقان، وهذا ما جزم به ابن الصباغ، ورجحه الرافعي والقاضي الحسين في هذا الباب، ونسبه في كتاب "السير" إلى القفال، ووراءه وجهان حكاهما الإمام:
أحدهما: أنه تسقط الأجرة من حين دخوله دار الحرب إلى انقضاء القتال، وقال القاضي الحسين في كتاب "السير": إنه الذي قاله الأكثرون، وهو الأصح. وقال الإمام: إنه بعيد عن قواعدنا؛ فإنا لا نعتبر دار الحرب.
والثاني: أنه تسقط الأجرة عنه من ابتداء الإجارة إلى حين انقضاء القتال، وهذا ما حكاه القاضي الحسين في هذا الكتاب عن رواية القفال، معبراً عنه: بأنه يحتاج إلى طرح جميع الأجرة، وأن القفال اختاره.
أما إذا كانت الإجارة على عمل في الذمة فله السهم بلا خلاف، والعمل للمستأجر دين في ذمته.
ولو كانت الإجارة على الجهاد والأجير كافراً، فقد ذكرنا أنه لا يستحق [إلا] الأجرة، ولو كان مسلماً:
فإن صححنا فله الأجرة دون السهم والرضخ، قال الرافعي: وينبغي أن تجيء الأقوال الثلاثة فيه.
وفي "تعليق" القاضي الحسين و"النهاية": أن من أصحابنا من خرجها على الأقوال.
وإن لم نصححها فلا يستحق الأجرة، وفي استحقاق سهم الغنيمة وجهان، المذكور منهما في "التهذيب": المنع، قاتل [أو لم يقاتل]؛ لأنه أعرض عنه بالإجارة ولم يحضر مجاهداً. والوجهان جاريان – كما قال الإمام- فيما إذا كان المستأجر للمسلم آحاد المسلمين ولم نصحح الإجارة، وهما – كما قال الشيخ أبو محمد والقاضي الحسين – مبنيان على القولين فيما إذا أحرم الأجير بالحج عن مستأجره، ثم صرف النية إلى نفسه:
فأحد القولين: أنه يستحق الأجرة في الحج؛ لان الحج حصل عن الغيرز
والثاني: لا؛ لأن كان عنده انه يحج عن نفسه.
стр. 8159
والوجهان – هاهنا – على ضد ذلك.
وقال الإمام: لا شك أن هذا التردد مرتب على أن الإجارة للجهاد إذا صحت، هل يستحق المجاهد السهم والأجرة، أم لا؟ فإن قلنا: إنه يستحقهما؛ فهاهنا يستحق السهم، وإن قلنا: لا يستحق ثم السهم؛ فهاهنا، هل يستحقه؟ فيه الخلاف، والمذهب: أنه يستحقه.
قال: وفي تجار العسكر – [أي]: كالخبازين والبقالين والسراجين والصاغة، ونحو ذلك ممن جرت عادتهم باتباع العساكر – قولان:
أحدهما: يسهم لهم؛ لأنهم شهدوا الوقعة، وهم من أهل القتال؛ فاندرجوا في عموم الخبر، وهذا أصح في "تعليق" القاضي الحسين في كتاب "السير"، وقيل: إنه كذلك في "حلية" القاضي الروياني.
والثاني: يرضخ لهم، أي: ولا يسهم؛ لان السهم إنما يستحقه المجاهدون، وهؤلاء ليس قصدهم الجهاد، وإنما قصدهم التجارة، وهذه طريقة أبي إسحاق وابن القطان، ولم يورد القاضي الروياني في "الحلية" سواها، ولا فرق فيها بين أن يكون ثَمَّ قتال أو لا؛ كما هو ظاهر [لفظ] "المختصر" حيث قال: ولو دخل تجار فقاتلوا أو لم يقاتلوا، لم أر بأساً أن يسهم لهم، وقيل: لا يسهم لهم.
وفي "النهاية" حكاية وجه عن رواية الشيخ أبي علي والعراقيين: أنه لا يرضخ لهم؛ بناء على أنه لا يسهم [لهم].
وقيل: إن قاتلوا أسهم لهم؛ لأن الجهاد – وهو القتال – قد تحقق منهم، وإن لم يقاتلوا، أي: وشهدوا الوقعة، فعلى قولين، ووجههما ما سبق، وهذه طريقة الشيخ أبي حامد، ولم يحك الماوردي في هذا الكتاب سواها، ووراء ذلك طريقان حكاهما القاضي الحسين وغيره، وثالثة حكاها الماوردي في "السير":
أحدها: أنهم إن قاتلوا استحقوا السهم، وإلا فالرضخ، وهذه اختارها في "المرشد".
والثانية- حكاها ابن الصباغ أيضاً -: [أنهم] إن لم يقاتلوا لم يستحقوا، وإن
стр. 8160
قاتلوا فعلى قولين، وهذه أصح في "الرافعي" و [في] "تعليق" القاضي الحسين في هذا الكتاب، وقال الرافعي: إن [هذا] ظاهر لفظ "المختصر".
والثالثة: إن قصد بخروجه الجهاد، وجعل التجارة تبعاً – استحق، قاتل أو لم يقاتل، وإن قصد التجارة وتخلف في المعسكر؛ فلا يستحق – قولاً واحداً، وإن قصد التجارة وحضر الوقعة فإن قاتل استحق، وإلا فقولان.
قال القاضي الحسين هنا وفي "السير": وأصل هذا الخلاف في التجار والإجراء: أن العزم على القتال هل يشترط في استحقاق السهم، أم لا؟ وفيه جوابان: [إن قلنا]: لا يعتبر، أسهم لهم، قاتلوا أو لم يقاتلوا، وإن قلنا: يعتبر، فلا يسهم لهم، [وهذا ما] حكاه الإمام عن الشيخ أبي بكر، يعني به: القفال.
قال: ومن أين يكون الرضخ؟ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: من أصل الغنيمة كالسلب، ولأنه أجرة أعوان؛ فصار كأجرة حافظي الغنيمة وحامليها الذين [يُعْطَوْن] أجورهم من أصل الغنيمة.
والثاني: من أربعة أخماسها؛ لأنهم أضعف [من] الغانمين حكماً؛ فلم يجز أن يكونوا أقوى، ولأنه يستحق بالحضور فأشبه سهم الغزاة، وهذا أصح في "الرافعي" و"النهاية"، قبيل الكلام في استحقاق الأجير السهم.
والثالث: من سهم المصالح؛ لأنه مستحق ليس من أصحاب السهام ولا من أصحاب الخمس، فلم يكن الدفع إليه إلا على وجه المصلحة؛ فكان من سهم المصالح.
قال الماوردي: وهذا أضعفها، ذكره الشافعي – ﵁ – في [بعض] منصوصاته، وهو الذي اختاره في "المرشد"، وهذه طريقة البندنيجي وأبي الطيب والفوراني، [وكذا] الماوردي في هذا الكتاب، وحكى في "السير": اختصاص القول الثالث بالكافر، ولم يحكه في المسلم.
وحكى ابن الصباغ الطريقين، وكذلك الرافعي، وصحح الأولى، وحكى طريقة
стр. 8161
ثالثة جازمة بإجراء الأقوال في رضخ المسلم، والقطع في الذمي بأن رضخه من خمس الخمس.
واعلم أن أمير الجيش إذا أراد قسمة الرضخ، نظر إلى قدر عنائهم وأعمالهم: فيزيد المقاتل ومن قتاله أكثر على غيره، ويفضل المرأة التي تداوي الجرحى وتسقي العطشى، على التي تحفظ الرجال، بخلاف سهم الغنيمة؛ حيث يسوي فيه بين المقاتل وغيره، وفرق الأصحاب بينهما: بأن الغنيمة منصوص عليها، والرضخ مجتهد فيه؛ فجاز أنا يختلف كدية الحر؛ لما كانت منصوصاً عليها، لم تختلف، وقيمة العبد مجتهد فيها، فاختلفت.
ولا يبلغ بالرضخ سهم راجل إن كان مستحقه راجلاً، وإن كان فارساً فوجهان:
أحدهما – وهو قول ابن أبي هريرة -: أن الحكم كذلك.
والثاني- وهو الذي قال الماوردي في كتاب "السير": إنه عندي أظهر، [وبه أجاب الإمام-:] أنه يجوز أن يبلغ به سهم راجل، ولا يبلغ به سهم فارس؛ لأن الرضخ مشترك بينه وبين فرسه، وإن [كان] ملكها فهو [في] رضخ نفسه مقصر عن سهم الراجل.
وقال الرافعي: إن الوجهين ينبنيان على أن تعزير الحر [هل يجوز أن] يبلغ به حد العبد، أم لا؟ وقال: إن الظاهر الأول، [وهو] المفهوم من كلام الأصحاب، وبه أجاب في "الحاوي".
قال: وإن خرجت سريتان، أي: من الجيش، الذي خرج إلى العدو إلى جهة احدة، أي: في طريقين أو طريق واحدة، فغنمت إحداهما شيئاً – [اشتركوا فيه]، أي: السريتان والجيش؛ لأنه جيش واحد، وقد يشهد له ما روي أنه – ﵇ – لما فتح هوازن، بعث سرية من الجيش قبل
стр. 8162
أوطاس، فغنمت، فأشرك – ﵊ – بينها وبين الجيش. كذا قاله القاضي الحسين، وكذا لو غنم الجيش شيئاً شاركه السريتان؛ لأنه – ﵇ – كان في غزوة أوطاس، فبعث سرية إلى حنين، ثم أشركهم فيما أصاب بـ"أوطاس".
و [قد] روى أبو داود عن ابن عمر قال: "بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي جَيْشِ قِبَلَ نَجْدٍ وَابْتَعَثَ سَرَيَّةً مِنَ الْجَيْشِ، فَكَانَ سُهْمَانُ الْجَيْشِ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيراً اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيراً، وَنَفَّلَ أَهْلَ السَّرِيَّةِ بَعِيراً بَعِيراً، وَكَانَ سُهْمَانُهُمْ ثَلاَثَة عَشَرَ [ثَلاَثَةَ عَشَرَ] ".
أما إذا لم يكن الجيش قد خرج إلى العدو، لم يشارك واحدة من السريتين، وإن كان بقربهما بحيث يلحقهما غوثه؛ لأن من فيه غير مجاهد ولا ردء لهم، وقد كانت السرايا تخرج من المدينة على عهد رسول الله ﷺ ، فلا يشركهم المقيمون بها، وأما إحدى السريتين مع الأخرى: فإن كان الأمير عليهما واحداً، أو كانت إحداهما قريبة من الأخرى بحيث تكون عوناً لها اشتركا، وإن لم يكن كذلك فلا شركة.
وفي "الشامل" إشارة إلى خلاف في هذه الحالة؛ فإنه قال: إذا بعث سريتين وهو مقيم، فغنمت أحداهما؛ لم تشركها الأخرى على الصحيح من المذهب.
وفي "الحاوي": [الجزم] بالاشتراك، وقال فيما إذا بعثهما إلى جهتين مختلفتين: إنه لا مشاركة.
نعم، لو انضم من كل سرية طائفة إلى الأخرى، وقصدوا جهة واحدة- اشتركوا فيما أخذوا منها، وهل تشرك بقية كل سرية [الطائفة التي خرجت منها فيما حصل لها؟ فيه وجهان: إن قلنا بالمشاركة شاركتهم الطائفة] – أيضاً – فيما غنموه في حال انفرادهم، وإلا فلا.
стр. 8163
[قال:] وإن بعث أمير الجيش – أي: بعد خروجه كما ذكرنا – سريتين إلى موضعين، فغنمت أحداهما [شيئاً]؛ اشتركوا فيه؛ لأنه جيش واحد، وهذا ما اختاره في "المرشد".
وقال القاضي الحسين: إنه مذهب الشافعي – ﵁ – ولم يحك سواه، وحكى الإمام عن المراوزة القطع به.
وقيل: ما يغنمه الجيش مشترك بينه وبين السريتين؛ لاعتضاده بهما، وما تغنمه كل واحدة من السريتين يكون بين السرية الغانمة وبين الجيش، لاعتضادها به، ولا تشركها فيه السرية الأخرى؛ لأن أحداهما ليست بأصل للأخرى، بخلاف الجيش.
وذكر القاضي ابن كج – وكذا الإمام – أن شرط الشركة – فيما ذكرناه – أن يكونوا بالقرب مرتصدين للنصرة، وحد القرب: أن يبلغهم الغوث والمدد منهم إن احتاجوا.
قال الرافعي: ولم يتعرض أكثرهم لذلك، واكتفوا باجتماعهم في دار الحرب، وهذا حكاه الغزالي عن القفال واستبعده، وهو في "النهاية" معزي إلى رواية بعض المصنفين عنه.
وقال الإمام – أيضاً – فيما إذا كان المقصد قطراً واحداً بنواحيه: إنه لا يعتبر القرب، وهو مسلك المحققين. واستدل له بالخبر الذي ذكرناه في غنيمة أوطاس؛ فإن بينهما وبين حنين ليالي.
فعلى الأول: لو كانت أحداهما قريبة والأخرى بعيدة، اختصت القريبة بالمشاركة.
تنبيه: السرية، قال ابن السكيت: هي ما بين خمسة أنفس إلى ثلاثمائة.
وقال الخليل: هي نحو أربعمائة، ويعضده ما روى أبو داود عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "خَيْرُ الصَّحَابَةِ أَرْبَعَةٌ، وَخَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعُمِائَةٍ، وَخَيْرُ الْجُيُوشِ
стр. 8164
أَرْبَعَةُ آلاَفٍ، وَلَنْ يُغْلَبُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفاً مِنْ قِلَّةٍ".
فرع: الجاسوس إذا بعثه الإمام لينظر عدد المشركين وينقل أخبارهم، فغنم الجيش قبل رجوعه إليهم، ثم رجع – ففيه وجهان في "الشامل" وغيره:
أحدهما: لا يشاركهم؛ [لأنه لم يحضر الوقعة.
والثاني: يشاركهم، وإليه ذهب الداركي؛ لأنه كان في مصلحتهم، وخاطر بنفسه بما هو أكثر من الثبات في الصف؛ فوجب أن يشاركهم]، وهذا ما اختاره في "المرشد".
قال: وأما الفيء فهو كل مال أخذ من الكفار من غير قتال: كالمال الذي تركوه فزعاً من المسلمين، والجزية، والخراج، والأموال التي يموت عنها [صاحبها و] لا وارث له من أهل [الذمة]، أي: وغير ذلك مما في معناه كمال المرتد إذا قتل أو مات كما تقدم في بابه، والعشر المأخوذ من تجارتهم، وقد تقدم بيان [ممَّ اشتُقَّ] ذلك.
قال: وفيها قولان:
أحدهما: أنها تخمس؛ فيصرف خمسها إلى أهل الخمس، أي: الذين تقدم ذكرهم على النعت السابق؛ لأن النبي ﷺ كان له أربعة أخماس الفيء [خاصة] يصرفها في نفقته ومؤنة عياله، وخمسه [يقسمه على ما] يقسم عليه الخمس،
стр. 8165
[وهو الأصناف الخمسة السابق ذكرها، وفيها خمس له ﷺ ؛ فوجب أن يخمس] بعد وفاته أيضاً كما قلنا في الغنيمة. كذا قاله القاضي الحسين، ويشهد له قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر: ٧] الآية، ووجه الدليل منها: أن الله – تعالى- أضاف "الفيء" إلى رسوله ﷺ كما أضاف الغنيمة إلى الغانمين، ثم استثنى من استثناه في سهم الغانمين، فوجب أن يكون إطلاق ما جعل لهم من الفيء محمولاً على المقدار المجعول لهم من الغنيمة، وهو الخمس، ويكون الباقي لمن أضاف المال إليه، وهو الرسول ﷺ ؛ كما كان الباقي من الغنيمة لمن أضافها إليهم وهم الغانمون، وهذا هو الجديد.
والثاني: لا يخمس إلا ما هربوا عنه فزعا من المسلمين؛ أي: وما في معناه، وهو المبذول للكف عن قتالهم دون ما عدا ذلك؛ لأن الآية المذكورة – كما قال القاضي الحسين – نزلت في أموال بني النضير، وكان [النبي] ﷺ قد صالحهم على أن يتركوا الدور والأراضي، ويحملوا كل صفراء وبيضاء، وما تحمله الركائب، فاختص الحكم بها، وهذا ما حكاه القاضي الحسين والعراقيون عن القديم، وعلى هذا يكون جميع ما سوى المذكور كالأخماس الأربعة من المذكور، كما قاله في "التهذيب".
وفي "الحاوي": أنه يكون مصروفاً في المصالح.
وفي "النهاية": أن ظاهر كلام صاحب "التقريب" يقتضي أن يكون مصروفاً إلى ما يصرف إليه خمس الفيء الحاصل بالإرعاب.
وقيل: المحكي في القديم محض إخراج مال المرتد عن أن يكون فيئاً دون إخراج غيره من الأموال المذكورة؛ لأن المرتد يستصحب فيه [حكم] دار الإسلام؛ ولذلك يؤمر بقضاء الصلوات، ومال المسلم إذا مات ولا وارث له لا يخمس.
وفي "النهاية": أنا إذا فرعنا على القديم، ففي الطرق تردد في الجزية؛ من جهة أن الكفار وإن كانوا يبذلونها على طوع، فسبب بذلهم لها استيلاء يد الإسلام عليهم، واستعلاء كلمة الله تعالى، فكانت حرية أن تلحق بالفيء الحاصل بالترعيب.
وفي "الرافعي": أن منهم من أطلق في مال الفيء قولين: الجديد: أنه
стр. 8166
بخمس، والقديم: المنع؛ لأنه لم يقاتل عليه، ونسب هذه الطريقة إلى رواية صاحب "التهذيب"، والجديد هو الصحيح؛ لاستواء جميع الأموال المذكورة في الوصول إلينا بغير قتال وإيجاف خيل وركاب، وعدم اختصاص بعض المسلمين بها.
وقد روى البراء بن عازب، قَالَ: لَقِيتُ خَالِي وَمَعَهُ رَايَةٌ، فَقُلْتُ: إِلَى أَيْنَ؟ فَقَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى رَجُلٍ عَرَّسَ بِامْرَأَةٍ ابنه أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ وَأُخَمِّسَ مَالَهُ.
وما ذكره القاضي [الحسين] [من سبب] النزول فيه نظر؛ لأن الماوردي ادعى أنه – ﵇ – كان له في صدر الإسلام جميع الفيء؛ كما كان له جميع الغنيمة، واستدل له بما روي أنه – ﵇ – ملك أموال بني النضير وكانت مما أفاء الله عليه، ولم يشاركه فيها أحد، ونسب ذلك إلى قول الشافعي – ﵁ – أيضاً، وأنها صارت بعد وفاته من صدقاته التي تصدق بها مع نصف فدك، وثلث وادي القرى والحصون الثلاثة من خيبر: الكتيبة، والوطيح، والسلالم، ولم يزل الأمر كذلك إلى أن أنزل الله في الفيء: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ الآية [الحشر: ٧]، وفي الغنيمة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية [الأنفال: ٤١].
قال: وفي أربعة أخماسها قولان:
أحدهما: أنها لأجناد الإسلام، أي: المقاتلة الخاصة الذين عينهم الإمام لجهاد العدو والذب عن البيضة والمنع من الحريم، وأثبت أسماءهم في الديوان، بعد استجماع البلوغ والعقل والإسلام والحرية والصحة؛ لأنه ﷺ كان يستحقها في حياته لرعب العدو منه، قال – عليه الصلاة والسالم -: "نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ"، ورعب العدو بعده من الجيش للمقاتلة؛ فكانت لهم.
стр. 8167
ولا يشرك من ذكر أنهم أهل السهم من الزكاة، وهم الذين يجاهدون إذا نشطوا، وهم أرباب المعايش والصنائع، والأعراب الذين يتطوعون بالجهاد إن شاءوا، ويقصرون فيه إن أحبوا، ولم يثبتوا في الديوان بسهم ولا رضخٍ كما لا يشركهم أهل الفيء في سهم الزكاة، وقد أشار الشيخ إلى الفريقين بقوله في قسم الصدقات: والسابع: الغزاة الذين لا حق لهم في الديوان، وقد كان أهل الفيء على عهد رسول الله ﷺ بمعزل عن أهل الصدقات، كما حكاه القاضي الحسين عن قول ابن عباس.
وقال الماوردي: إن المطوعة كانوا يسمون أعراباً، ويسمى المقاتلة مهاجرين، وعلى ذلك يدل ما سنذكره من الحديث في أول عقد الذمة.
وهذا القول هو الأصح في "الرافعي" و"النهاية" وعند النواوي.
والثاني: أنها للمصالح؛ لأنها كانت لرسول الله ﷺ في حياته، فصرفت بعده إلى المصالح كخمس الخمس من الفيء والغنيمة، وفي "الحاوي": أنه – ﵇ – كان يصرفها فيها، وكذلك حكاه أبو العباس الروياني، وقال: إن ذلك هل كان واجباً عليه أو تفضلاً منه؟ فيه طريقان. وقد حكينا من قبل: أنها كانت له، وكان ينفق منها على نفسه وعياله، ويلزم من هذا خلاف في أنها كانت له أم لا؟ وكذا في أن نفقته من أي شيء كانت؟ فعلى قول من جعل الأخماس الأربعة ليست له، تنحصر في خمس خمس الفيء والغنيمة، وقد حكاه الروياني [أيضاً].
قال: فيعطون، أي: الأجناد، من ذلك قدر كفايتهم؛ لان إعانتهم من أهم المصالحن والباقي للمصالح، أي: الباقية بعد ذلك، وهذا ما اختاره في "المرشد"، فعلى هذا: ينبغي للإمام أن يثبت المقاتلة في جميع الثغور والبلدان في ديوانه، أي: دفتره؛ كما قاله في "الشامل" و"المرشد"، وما يحتاجون إليه في نفقاتهمومؤناتهم، وذلك يختلف بكثرة العيال وقلتهم، فيتعرفهم، ويقدر لكل منهم ما يكفيه لزوجاته، وإن كن أربعاً على الأصح.
وفي "النهاية" حكاية وجه: أنه لايزيد على كفاية زوجة واحدة.
وكذا نقدر له كفاية عبيد الخدمة الذين يحتاج إليهم في أمر الغزو، وكذا
стр. 8168
من يعزو منهم معه، على الصحيح.
وفي "النهاية": أن بعضهم قال: لا يعطي مؤنة عبيده الذين أعدهم للقتال.
وكذا نقدر له كفاية من تلزمه نفقتهم من الأقارب، وعبداً واحداً للخدمة في حال عدم الغزو، كما قلنا في خادم الزوجة، ولا ندخل في تقديره زائداً على عبد واحد ولا نفقة العبيد الزَّمْنَى.
وعن رواية الحناطي وأبي الفرج الزاز حكاية وجه: أنه لا يقدر للأولاد شيئاً؛ لأنهم لا يقاتلون، وهو غريب.
ويلاحظ مع ذلك كونه من الفرسان أو الرجالة، وقربه من المغزى وبعده عنه؛ لأن البعد يوجب كرة الكلفة والقرب يقللها، وكذا يلاحظ خصب البلد الذي هو فيه وجدبه؛ فإن المؤن في بلاد الخصب أقل منها في بلاد الجدب، وغلاء السعر ورخصه.
وينظر بعد ذلك فيمن يتجدد له من الأولاد أو أكثر ويزيده ما يليق به، وإلى ذلك أشار الشافعي – ﵁ – بقوله: ويعطي المنفوس شيئاً، وكلما كبر زاده.
[وكذا] ينظر فيمن نقص من عياله بطلاق أو موت أو بيع، وينقص مما قرره [له] بقدر كفاية ذلك.
ويلاحظ في الكفاية – أيضاً – ثمن السلاح والمركوب، إن لم يكن هناك سلاح ودواب معدة لها موقوفة أو مشتراة من سهم المصالح.
وقد حكى الإمام عن الأصحاب: إثبات قولين في أن ما يأخذه أحد المرتزقة للذرية الذكور هل يحكم له فيه بالملك أو للذرية؟ فإن قلنا بالثاني، فهل تملك بنات المرتزقة ما يأخذه لكفايتهن، أو يكون ملكاً للمرتزقة؟ فيه وجهان. ووجه الفرق: أن الغلمان يتوقع أن يبلغوا رجالاً للقتال كآبائهم، فإن حكمنا بالملك للبنات، ففي الملك للزوجات خلاف، والذي مال إليه الأكثرون: أنهن لا يملكن، وحكى الفوراني: أن القولين في الجميع من غير ترتيب.
وفي "الرافعي": أن الإمام هل يدفع إلى الواحد من المرتزقة ما يتعهد به
стр. 8169
الأولاد، أو يتولى الإمام تعهدهم بنفسه، أو بمن ينصبه لذلك؟ فيه قولان؛ أشبههما: أولهما.
وفي مسألة الكتاب قول ثالث حكاه المراوزة أن الأخماس الأربعة تقسم على الجهات كما يقسم الخمس؛ فعلى هذا: يقسم جملة الفيء على خمسة أقسام، قالوا: وعليه يدل ظاهر قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ الآية [الحشر: ٧]، ونسب الإمام هذا القول إلى القديم، ولاتفريع عليه.
تنبيه: في قول الشيخ تفريعاً على القول الثاني: فيعطون من ذلك قدر كفايتهم، والباقي للمصالح - ما يفهمك أنا على القول الأول [لا نفعل] كذلك، بل نقسمه بينهم، والأمر كما أفهمه كلامه على الصحيح، وبه جزم الماوردي في أول الكلام، وحكى في أواخر الباب وجهين أوردهما القاضي الحسين وابن الصباغ أيضاً:
أحدهما- وهو الذي صححه الرافعي -: أنه يصرف من الفاضل عن الكفاية ما يرى صرفه في السلاح والكراع وإصلاح ما تشعث من الحصون والثغور، ثم يرد الفاضل بعد ذلك عليهم.
والثاني: أن الفاضل عن الكفاية يصرف عليهم، وبهذا جزم في "الوسيط"؛ حيث قال معبراً عن القول الأول: الأظهر أن الأربعة أخماس للمرتزقة كأربعة أخماس الغنيمة، لكن هذا اللفظ قد يفهم: أنا نسوي بين الرجالة وكذا بين الفرسان، ونفاضل بين الفرسان والرجالة كما نفعل في أربعة أخماس الغنيمة، وليس كذلك؛ بل المراد التشبيه في نفس القسمة لا في صفتها.
وقد اختلف النقلة في كيفية القسمة:
فالذي أورده الإمام: أنَّا نوزع الفاضل بعد كفاية كل منهم على عدد رءوسهم بالسوية، فإن المؤن قد زالت بالكلية وكأنها غير معتبرة، والفيء مضاف إليهم.
والذي أورده ابن الصباغ والماوردي والقاضي الحسين - في باب تفريق أربعة أخماس الفيء -: أن الفاضل يقسم على قدر الكفايات، فإذا كانت كفاية واحد ألفاً مثلاً، وكفاية ثان ألفين، وثالث ثلاثة آلاف، ورابع أربعة آلاف - فمجموع
стр. 8170
كفاياتهم عشرة آلاف، فيفض [جميع] أربعة أخماس الفيء على عشرة أجزاء، ويعطي الأول: عشرها، والثاني: خمسها، والثالث: ثلاثة أعشارها، والرابع: خمسيها، وهكذا يفعل إذا زادوا.
ووراء ما ذكرناه فرعان:
أحدهما: لو عجز مال الفيء عن كفاية الجند، قال الماوردي: فعلى القول الأول: لا شيء لهم غيره في الحال [والمآل]، وعلى الثاني: يبقى ديناً لهم على بيت المال، قال القاضي الحسين: فإن كان فيه شيء من مال المواريث والوصايا التي فاضت على مصرفها، صرفها إليهم.
الثاني: لو فضل بعد الصرف للأجناد قدر كفاياتهم، والصرف في جهات المصالح في ذلك الوقت قدر حاجتها بحيث لم يبق مصرف فضل، وقلنا: إن الأخماس الأربعة للمصالح، فماذا يصنع به؟ فيه وجهان حكاهما ابن الصباغ والقاضي الحسين وكذا الماوردي وغيره:
أحدهما: يستبقي في بيت المال؛ لأنه قد تنفق مصلحة فيكون معداً لها.
والثاني: أن يرده إلى الجيش بقسطه على أرزاقهم.
وعلى هذا قال الماوردي: ففي كيفية الرد إليهم وجهان:
أحدهما: أنه معونة لهم لا تحسب عليهم.
والثاني: يرد إليهم سلفاً معجلا، يحتسب به عليهم من رزق العام الثاني.
وحكى الإمام: أن ظاهر نص الشافعي –﵁ – والمشهور في كتابه: أن الفاضل عن قدر الكفاية ووجوه المصالح يخرج ولا يدخر منه شيء ما وجد مصرفاً [له، فيبدأ ببناء] رابطات ومساجد على حسب الرائي فيها؛ تأسيا بسيرة الشيخين؛ فإنهما ما كانا يدخران مال سنة [قط]، بل كانا يصرفان مال كل سنة إلى مصارفه.
وعلى هذا إن ألمت ملمة – والعياذ بالله تعالى – [وتعين] القيام بها، فإنه يخاطب [بها أهل] الثروة من المسلمين، وقال: إن الإمام إذا رأى أن يصرف من الفاضل عن كفاية المرتزقة شيئاً للمطوعة بالقتال، فلا معترض عليه.
стр. 8171
واعلم أنه لا فرق في إعطاء الأجناد قدر الكفاية بين أن يكون بهم حاجة، أو لا، كما إذا كانوا موسرين من أهل الثروة؛ كما حكاه الإمام على القولين معاً، والله أعلم.
قال: ويبدأ فيه، أي: في العطاء للمرتزقة، بالمهاجرين؛ لأن الله – تعالى- شهد لهم بالصدق، وبنصرة دينه ورسوله ﷺ ، وأثنى عليهم بطلب فضله ورضوانه، وقدمهم في الذكر على غيرهم في قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ ...﴾ [الحشر: ٨]، وقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [التوبة:١٠٠]، فكانوا جديرين بالتقديم فيما نحن فيه.
والمستحق لهذا الاسم – كما حكاه الشيخ زكي الدين في "حواشيه على مختصر السنن" له-: أهل مكة، الذين هاجروا إلى النبي ﷺ [قبل الفتح؛ لوجوب البقاء عليهم مع النبي ﷺ ]، والتحول معه حيث تحول، وادعى بعضهم الإجماع عليه، ولوجوب أصل الهجرة عليهم [والاختلاف في وجوبها على غيرهم، والمراد بالمقدمين هنا: أولادهم كما بينه الأصحاب في] كتاب الصلاة.
قال: ويقدم القرب فالأقرب إلى رسول الله ﷺ ؛ لأنه – ﵊ – سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ؛ كما نطق به الخبر الصحيح، والقرب من الشريف تشريف؛ فاستحق به التقديم، وأيضاً ما سنذكره من فعل عمر، ﵁.
ورسول الله ﷺ هو محمد بن عبدالله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي – وهو الذي جدد بناء الكعبة بعد إبراهيم عليه [الصلاة و] السلام – ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
واختلف النسابون من علماء الشريعة فيمن هو قريش من أجداده ﷺ على أقوال:
أصحها – وهو قول الشعبي -: أنه النضر بن كنانة.
قال الأستاذ أبو منصور: وهو قول أكثر النسابين، وبه قال الشافعي وأصحابه.
стр. 8172
فعلى هذا: من كان من ولد النضر فهو من قريش، ومن جاوز النضر بنسبه فليس من قريش.
والثاني: أنه فهر بن مالك بن النضر؛ لأن اسمه قريش؛ وعلى هذا من يفرق نسبه عن فهر فهو من قريش، ومن جاوز فهراً بنسبه فليس من قريش.
وهذان القولان لم يورد في "المهذب" و"الحاوي" سواهما.
والثالث: أنه إلياس بن مضر.
وذكر القاضي الحسين في "تعليقه" – في باب: قتال البغاة – أن اسم "قريش" يقع على من جمعهم وقرشهم قصي بن كلاب بن مرة بمكة، وسموا قريشاً؛ لأن قصيًّا قرشهم بمكة، أي: جمعهم.
فإذا عرفت ذلك، فهمت أن قريشاً يقدمون على غيرهم، وأن بني هاشم مقدمون على سائر قبائل قريش؛ لان رسول الله ﷺ منهم، فإنهم أولاد جده؛ فكانوا أقرب من غيرهم، ولا يشاركهم في القرب أولاد [بني] عبد شمس ونوفل، وإن كان جد الجميع عبد مناف؛ لأنهم أولاد أخي جد رسول الله ﷺ ، فكان بنو هاشم أقرب منهم بجد، وقضية هذا: ألا يساوي بني هاشم – أيضاً – بنو عبد المطلب؛ لأنهم أولاد أخي جد رسول الله ﷺ كما ذكرناه، لكن النبي ﷺ سوَّى بينهم في سهم ذوي القربى، وعلله بما ذكرناه، ثَمَّ. واتبعه عمر –﵁ – فيما نحن فيه، ولم يخالفه فيه أحد؛ كما أنه لم يخالفه أحد في تقديم القبيلتين على غيرهما.
فلذلك قال الشيخ – ﵁: ويسوي بين بني هاشم وبني المطلب أي: يجعلهم كالقبيلة الواحدة
ثم يقدم بعد بني هاشم وبني المطلب بنو عبد شمس؛ لأن عبد شمس أخو هاشم والمطلب لأمهما أيضاً، كما نقله الإمام وغيره، فكان أقرب من نوفل؛ لأنه أخوهم لأبيهم خاصة، وكذلك فعل عمر، ﵁.
ومن هذا يؤخذ دليل ما جزم به الماوردي فيما إذا أوصى لأقرب الناس إليه،
стр. 8173
وله أخ شقيق، وأخ لأب: أنها للشقيق.
ثم يقدَّم بعد بني عبد شمس بنو نوفل، [وبهم يكمل] أولاد عبد مناف، [ثم يقدم بعدهم بنو قصي، وهم بنو عبد العزي وبنو عبد الدار؛ لأن بعد العزي وعبد الار أخوا عبد مناف]، وهم أولاد كلاب؛ لان كلاباً ليس له عقب من غيرهمز ثم يقدم بنو مرة - وهم بنو تيم - وبنو مخزوم؛ لأن تيماً ومخزوماً أخوا كلاب، وأبو بكر ﵁ من بني تيم. ثم يقدم بنو كعب - وهم بنو عدي وبنو سهم وبنو جمح - لأنهم إخوة مرة، وعمر ﵁ من بني عدي، وهكذا يقدم بنو جد بعد جد؛ اقتداء بعمر ﵁ فإنه كذا فعل لما رتبهم في ديوانه.
قال: فإن استوى بطنان في القرب [إلى رسول الله ﷺ ]، أي: كبني عبد العزى وبني عبد الدار، وكبني تيم وبني مخزوم.
[قال:] قدم من فيه أصهار رسول الله ﷺ ، أي: فيقدم بنو عبد العزى على بني عبد الدار، لأن خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى، ومنهم - أيضاً - الزبير ابن العوام؛ [لأن العوام] أخو خديجة، ويقدم بنو تيم على بني مخزوم؛ لأن عائشة منهم، وهكذا فعل عمر ﵁ وهكذا يقدم بنو
стр. 8174
عدي على بني سهم وبني جمح؛ لأن حفصة منهم، وعمر – ﵁ – لما قسم سامح بحقه، فأخرهم وقدم بني جمح، وسوى بين بني سهم وبني عدي، فلما ولي المهدي أمير المؤمنين قدم بني عدي على بني جمح وبني سهم؛ لما ذكرناه، ولسابقة عمر، ﵁.
قال: ثم بالأنصار، أي: من الأوس والخزرج؛ لقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠]، ولأن لهم من الأثر في الإسلام ما ليس لغيرهم؛ فإنهم آووا ونصروا، وآثروا النبي ﷺ وأصحابه على أنفسهم بالأنفس والأموال، وقد روي أنه – ﵇ – قال لهم حين وجدوا في أنفسهم –لما أعطي غيرهم من مال هوازن ولم يعطهم -: "ألا تجيبوني يا معشر الأنصار، أما والله لو شئتم لقلتم – ولصدقتم -: "أتيتنا مكذباً فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فآمناك، وعائلاً فآسيناك، يا معشر الأنصار، وجدتم في أنفسكم للعاعة من الدنيا، تألفت بها قوماً أسلموا ووكلتكم إلى إيمانكم، أفلا ترضون عنا يا معشر الأنصار أن يرجع الناس بالشاء والبعير وترجعون برسول الله ﷺ إلى رحالكم، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَولاَ الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ رَجُلا مِنَ الأَنْصَارِ؛ شِعَارٌ وَالنَّاسُ دِثَارٌ، وَلَو سَلَكَ النَّاسُ شِعْباً [وَالأَنْصَارُ شِعْباً] لَسَلَكْتُ شِعْبَ الأَنْصَارِ، اللَّهُمَّ ارْحَمِ الأَنْصَارَ وَأَبْنَاءَ الأَنْصَارِ وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الأَنْصَارِ! " فبكى القوم حتى اخضلت لحاهم، وقالوا: رضينا بالله قسماً وحظَّا.
واللعاعة: خسيس الثمر، وقيل: أوائل البقل عند طلوعه.
واعلم أن ظاهر كلام الشيخ دال على أن البدأة بالمهاجرين، ثم يقدم من
стр. 8175
قبائلهم الأقرب فالأقرب إلى رسول الله ﷺ على النحو الذي ذكرناه، ويسوي بين بني هاشم وبني المطلب من المهاجرين، وإذا استووا في القرب مع الهجرة، قدم من فيهم أصهار رسول الله ﷺ ، ثم يبدأ بعد المهاجرين بالأنصار، وهذا إذا تأملته اقتضى أمرين:
أحدهما: أن من هاجر ونسبه بعيد من رسول الله صلى الله عليه وسلمن يقدم على من لم يهاجرن ونسبه قريب منه- ﵇ بل إن من هاجر مقدم على الأنصاري، والأنصاري مقدم على من نسبه أقرب من نسب الأنصاري على رسول الله صلى الله ليه وسلم وابن الصباغ والقاضي الحسين وغيرهم، ودلَّ عليه ظاهر لفظ الشافعي ﵁: أن الذين يبدأ بهم قريش؛ لقوله ﷺ : "قدموا قريشاً [ولا تقدموها"].
ثم يقدم من قريش الأقرب فالأقرب -كما تقدم - إلى أن ينتهوا، فيقدم بعدهم الأنصار. واعتمدوا في ذلك فعل عمر- ﵁ حين رتب الجيش على هذا النحو، وجعل العباس في أولهم، كما نقله الإمام، [مع] أنه لم يكن من المهاجرين، [بل] من المأسورين يوم بدر، ولم يخالفه أحد، وحينئذ فيتعين حمل كلام الشيخ على أحد أمرين:
إما أن يكون قد أطلق لفظ "المهاجرين" وأراد بهم قريشاً؛ لأن أكثر المهاجرين منهم، مع إرادة التنبيه على فضلهم بالهجرة منضمًّا إلى فضلهم بالنسب، كما عدل عن لفظ "الأوس والخزرج" إلى لفظ "الأنصار"، وليتبع في ذلك لفظ الكتاب العزيز.
وإما أن يكون في كلامه تقديم وتأخير، وهو شائع في كلام العرب، بل في الفصيح منه؛ قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ [الكهف: ١] [والتقدير: الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجاً].
وقال تعالى: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [طه:١٢٩]،
стр. 8176
والتقدير: ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاماً، وغير ذلك من الآيات، وإذا كان كذلك، كان تقدير كلامه: ويقدم الأقرب فالأقرب- أي: من القبائل – إلى رسول الله ﷺ ، ويبدأ منهم بالمهاجرين، أي: عند الاستواء في القرب، فإن استووا فيها قدم من فيه أصهار رسول الله ﷺ ، ثم بالأنصار. فتكون الهجرة رجحة عند الاستواء في القرب، فإن عدمت الهجرة كان الترجيح بالنصرة.
وعلى التقديم بالهجرة ينطبق قول الشافعي – ﵁ الذي حكاه أبو الطيب: ومن فرض له الوالي من قبائل العرب، رأيت أن يقدم الأقرب فالأقرب، فإذا استووا قدم أهل السابقة على غير أهل السابقة ممن هو مثلهم في القرابة. وكذا قول الماوردي: أما ترتيب القبيلة الواحدة من قريش أو غيرهم، فينبغي أن [يقدم] منهم ذو السابقة، [ثم ذو السن]، ثم ذو الشجاعة.
وعلى التقديم بالنصرة ينطبق ما حكاه الرافعي عن أبي الفرج السرخسي: أنه حمل ظاهر لفظ الشافعي –﵁ – في تقديم الأنصار على غيرهم من قبائل العرب بعد قريش، على العرب الذين هم أبعد من الأنصار، فأما سائر العرب الذين هم أقرب إلى رسول الله ﷺ من الأنصار فهم مقدمون على الأنصار.
وبهذا يبقى قول الشيخ: ثم بسائر الناس، على عمومه، كما سنذكره.
لكن في "المهذب" و"التهذيب"، و"تعليق" القاضي الحسين و"الرافعي": أنا نقدم عند الاستواء في القرب بالسن؛ كما روي عن عمر – ﵁ – أنه قال: حضرت رسول الله ﷺ يعطي بني هاشم وبني المطلب، فإذا كان السن في الهاشمي قدمه على المطلبي، وإذا كان في المطلبي قدمه على الهاشمي. وكذلك اعتمد عمر – ﵁ – فإن استووا في السن قدم أقدمهما هجرة وأفضلهما سابقة، وأنه إذا فرغت قريش قدمت الأنصار.
[وعلى] كل حال، فما ذكرته أقرب من أن يكون ما قاله مخالفاً فيه كافة الأصحاب، على أن ما دل عليه ظاهر لفظ الشيخ من تقديم المهاجرين على
стр. 8177
من هو أقرب منهم قد يقال: إنه مقتضى كلام الأصحاب، وإن خالفوه؛ لأنهم جزموا بتقديم الأنصار على من هو أقرب منهم، وإذا كان كذلك فالمهاجري مقدم على النصاري بالاتفاق؛ فاقتضى وصفه الذي يقدم به على الأنصاري، أن يتقدم به على من يقدم عليه الأنصاري، وجوابه: أن الأنصار ما قدموا على قريب، بل على قريب ليس [من] قريش، ولا يبعد أن يقولوا: إن المهاجرين من غير قريش مقدمون على من هو أقرب منهم من [غير] قريش، بل يجب القطع به؛ لما ذكرناه، [والله أعلم].
قال: ثم بسائر الناس.
هذا الكلام يجوز أن يكون المراد به سائر الناس من العجم؛ بناء على التقدير الذي سبق؛ لأنه إذا قدم الأقرب فالأقرب إلى رسول الله ﷺ لزم أن يكون العجم بعد جميع العرب؛ لأن العرب أقرب إلى رسول الله ﷺ [من غيرهم]، وعند الانتهاء إلى العجم لا يمكن التقديم بالقرب؛ لأنه لا تنضبط معرفته، بل من بعد عدنان من العرب لا يمكن ضبط قبائلهم؛ للاختلاف في المقدم منها والمؤخر، وإنما قدمناهم على العجم للعلم بأن العرب أقربن وإذا كانوا كذلك كانوا كالقبيلة الواحدة؛ فيقع التقديم فيهم بالسن والفضائل والسابقة إن كانت لهم، كما صرح به الماوردي، وعليه ينطبق قوله في "المهذب" والبغوي: ولا يقدم بعض العجم على بعض بالنسب.
ويحتمل أن يكون المراد بقوله: ثم بسائر الناس، أنه يبدأ بعد الأنصار بسائر الناس؛ بناء على أن مراده بالمهاجرين: قريش، وحينئذ فلا يمكن حمل الكلام على ظاهره؛ لأن الذين يبدأ بهم بعد الأنصار بالاتفاق بقية العرب ثم بالعجم، حتى قال الماوردي: إنه بعد الأنصار يعدل إلى مضر، ثم إلى ربيعة، ثم إلى جميع ولد عدنان، ثم إلى قحطان. فرتبهم على السابقة، [والله أعلم].
стр. 8178
ثم ما ذكرناه من التقديم والترتيب، حكى الرافعي عن الأئمة: أنه مستحب لا مستحق، وعليه ينطبق قوله في "المهذب": ويستحب [أن يبدأ] بقريش.
ولا يظهر للشرف الذي ذكرناه أثر في التفضيل في المقدار، بل يستوي ذو النسب والعلم والورع والسابقة في الإسلام له أو لآبائه، وغيرهم فيه، أعني في قدر الحاجة إذا قلنا: إنهم يعطون من أربعة أخماس الفيء للمصلحة، وكذلك إذا قلنا: إن أربعة أخماس الفيء لهم وفضل شيء عن قدر كفايتهم. هكذا جزم به الماوردي وغيره، وعليه نص الشافعي – ﵁ – اتباعاً لقضاء أبي بكر وعلي – ﵄ ولأنهم يعطون بسبب الجهاد وهم مستوون فيه؛ فلم يفضل بعضهم على بعض كما في الغنيمة.
وأشار القاضي الحسين إلى خلاف في ذلك [بقوله]: ولا يزاد بسبب مما ذكرناه على المذهب.
وحكى الرافعي عن رواية أبي الفرج السرخسي وجهاً: أنه يجوز التفضيل اتباعاً لقضاء عمر، ﵁.
وحكى الإمام عن رواية صاحب "التقريب" أنه قال: إن اتسع المال، ورأى الإمام أن يفعل ذلك كما فعله عمر – ﵁ – كان [ذلك] محتملاً. وأن الشيخ أبا محمد – ﵀ – كان يقول: التصرف في ذلك قريب من التصرف في حدِّ الشرب؛ فإنَّا قد نفوض الرأي إلى الإمام [فيه].
واعلم أن الأصحاب قالوا: الأولى للإمام أن يجعل الجيش كتائب، ويجعل لهم علامات يتعارفون بها فيما بينهم، ويعقد لهم ألوية، ويجعل على كل قبيلة نقيباً، كما فعله – ﵇ – في طائفة الأنصار، ثم النقيب يعرف على كل طائفة من القبيلة عريفاً، روى الزهري: أن رسول الله ﷺ عرف عام خيبر على كل عشرة عريفاً، وجعل يوم فتح مكة للمهاجرين شعاراً، [وللأوس شعاراً]،
стр. 8179
و [للخزرج شعاراً].
والمعنى في ذلك: أن يسهل عليه الأمر إذا أراد أن يَرْزُقهم أو يدعوهم لغزو أو غيره.
والأولى [له]: [أن يرتب أسماءهم] في الديوان على حسب ما ذكرناه في العطاء؛ اقتداء بعمر – ﵁ – فإنه هكذا فعل لما كثر الناس والمال في زمنه.
وينبغي أن يجعل للعطاء وقتاً معلوماً في السنة، والأولى أن يكون مرة واحدة، فإن رأى زيادة مصلحة فعله، ولا يجعله [في] كل أسبوع؛ كي لا يكون طريقاً لتعطيل الجهاد.
وقد ذكرنا أن الديوان: عبارة عن الدفتر الذي يكتب فيه أسماء الجند، وفي كلام الماوردي ما يدل على: أنه الموضع الذي يجلس فيه للكتابة؛ فإنه حكى اختلافاً في [أن] الديوان سمي بذلك لماذا؟.
فحكى عن قوم: أن سببه أن كسرى اطلع يوماً على كتابه وهم يحسبون مع أنفسهم، فقال: ديوانه، أي: مجنون؛ فسمي موضع جلوسهم ديواناً.
وعن آخرين: أنه سمي بذلك؛ لأن الديوان اسم للشيطان؛ فسمي الكتاب باسمهم؛ لوصولهم إلى غوامض الأمور وضبطهم الشاذ وجمعهم المتفرق، ثم سمي موضع جلوسهم باسمهم، فقيل: ديوان.
قال: ومن مات منهم، أي: من أجناد أهل الفيء، دفع إلى ورثته، أي: من الأولاد الذين كانت تلزمه نفقتهم، وزوجته – الكفاية، أي: من أربعة أخماس الفيء؛ اعتباراً بالمصلحة؛ فإنهم إذا علموا انه يفعل مع عيالهم كذلك، وفروا نفوسهم على الجهاد، ولم يتشاغلوا عنه بأسباب التحصيل للأموال ليخلفوها لهم، وقد روي أن عمر –﵁ – كان يفرض لأولاد المرتزقة.
стр. 8180
ولا فرق في ذلك بين أن يكون الأولاد والزوجة فقراء أو أغنياء، كما ذكرنا في الصرف للأجناد. وهذا الذي ذكره الشيخ هو ما جعله الغزالي الأظهر، واختاره في "المرشد".
وانتهاء الدفع للزوجة بتزوجها، وفي الأولاد الذكور ببلوغهم على صفة يقدرون على التكسب والقتال معها، فإن بلغوا عاجزين عن ذلك استمروا على الرزق كما كانوا يرزقون قبل البلوغ، كذا ذكره ابن الصباغ وغيره.
وفي "الحاوي" حكاية وجه آخر: أن بالبلوغ انقطع الاستحقاق، وحكاية الوجهين أيضاً فيما إذا بلغ واحد من أطفال المرتزقة في حياة أبيه كذلك؛ لأنه جمع بين المسألتين، وحكى فيهما ثلاثة أوجه، ثالثها: يدفع للبالغ كذلك من أولاد الأجناد وأولاد الموتى. ثم قال: والأصح عندي أن ينظر:
فإن كان الذي أقعدهم عن القتال موجباً لنفقاتهم على الآباء بعد بلوغهم كوجوبها عليهم في صغرهم، كالجنون والزمانة المانعة من الاكتساب – بقوا على حكم الذراري في مال الفيء.
وإن كان ما أعجزهم عن القتال لا يوجب نفقاتهم بعد البلوغ؛ لقدرتهم على الاكتساب مع العجز عن القتال- خرجوا عن حكم الذرية في مال الفيء.
وإن كان ما أعجزهم عن القتال لا يوجب نفقاتهم بعد البلوغ؛ لقدرتهم على الاكتساب مع العجز عن القتال – خرجوا عن حكم الذرية في مال الفيء.
وأما الإناث، فقضية ما في "الوسيط": أنهن يرزقن إلى أن ينكحن.
ووراء ما ذكره الشيخ أمران:
أحدهما: حكى في "المهذب" وغيره من الكتب المشهورة قولاً آخر جعله الرافعي الأظهر: أن الذرية والزوجة لا يعطون شيئاً؛ لأن ما استحق به العطاء – وهو إرصاد النفس للجهاد – مفقود فيهم.
стр. 8181
والثاني- حكاه الماوردي: أن القولين في الذرية محمولان على حالين:
فالأول: محمول على ما إذا كان في الذرية من يرجى أن يكون من أهل الفيء إذا بلغ فيعطي قدر الكفاية.
والثاني: محمول على ما إذا فقد ذلك.
قال: إن بلغ الصبي، أي: من الذرية، واختار أن يفرض له، أي: يقدر له قدر كفايته من مال الفيء، ويكون من المقاتلة – فرض له؛ كما لو جاء واحد من المتطوعة ورام ذلك، لكن بشرط أن يكون في المال متسع.
[قال: وإن لم يختر ترك، أي: ولا يعطي من مال الفيء ما كان يأخذه؛ لأنه صار من أهل التكسب والاستقلال].
قال: ومن خرج [عن] أن يكون من المقاتلة، أي: بمرض لا يرجى زواله، كالعمى والزمانة، أو بجرح في القتال وغيره – سقط حقه، أي: من مال الفيء في المستقبل؛ لزوال سبب استحقاقه، وهو إرصاد النفس للجهاد.
وفي "الشامل" و"الحاوي" و"تعليق" القاضي الحسين: أن في إعطائه قدر الكفاية من مال الفيء القولين في الذرية وعليهما ما تقدم.
أما إذا كان المرض مرجو الزوال؛ لم يسقط حقه وإن طال، قال الماوردي: وسواء فيه المخوف وغيره.
وأما حقه في الماضي فينبغي أن يكون الحكم فيه كالحكم فيما لو مات إذا قلنا بسقوطه في المستقبل، وقد قال الأصحاب: إنه إن مات بعد جمع المال وانقضاء الحول صرف نصيبه إلى ورثته بلا خلاف؛ لأنه حق لازم ثبت له؛ فانتقل لورثته كالجرة في الإجارة.
ولا يسقط هذا الحق بالإعراض عنه على الظاهر؛ كما قاله الإمام بعد أن حكى تردداً فيه عن الأصحاب.
ولو مات بعد جمع المال وقبل تمام الحول فقولان – ويقال: وجهان:
стр. 8182
أظهرهما: أن قسط ما مضى يصرف إلى ورثته كالأجرة في الإجارة.
والثاني: المنع، كالجعل في الجعالة لا يستحق قبل تمام العمل.
وبنى القاضي الحسين والفوراني الخلاف على الخلاف في الذمي إذا مات في أثناء الحول هل يطلب منه حصة ما مضى، أم لا؟
قال الإمام: وهذا البناء غير مرضٍ عند المحققين؛ من جهة أن [مدة] الجزية لا تنقص عن السنة أصلاً، وهذا توقيف شرعي متفق عليه، ومدة العطاء لا حدَّ لها، ولو أراد صاحب الأمر أن يجعلها ستة أشهر أو أقل جاز، ولا معترض عليه.
قلت: وما قاله القاضي ظاهر في حصته من الجزية وما قاله الإمام ظاهر في حصته من غيرها.
ولو مات قبل جمع المال وبعد تمام الحول، فظاهر النص: أنه لا شيء للوارث، وبه أجاب القاضي أبو الطيب وآخرون، واقتصر في "التهذيب" عليه.
وقال الشيخ أبو حامد: إن عطاءه مصروف إلى ورثته. وادعى ثبوت الحق له بمضي المدة، وهذا ما أورده القاضي الحسين، وقال الماوردي: إنه خطأ.
ولو مات قبل حيازة المال في أثناء الحول، فالذي جزم به الماوردي والفوراني: عدم الاستحقاق، وفي "الرافعي": أنا إن قلنا: إنه لو مات بعد انقضائه لا يستحق، فهاهنا أولى، وإن قلنا: إنه يستحق ثم، ففي قسط ما مضى الخلاف المذكور فيما إذا مات بعد جمع المال وقبل تمام الحول، والمحكي في "الشامل" عن أبي حامد: المنع.
وهذا كله مبني على ما إذا كان الإمام يعطي في السنة مرة واحدة، أما إذا عين له وقتين أو أكثر، فالاعتبار بمضي المدة المضروبة.
فرع: على المرتزق من الفيء إذا أمره الإمام بالخروج إلى الغزو ألا يتخلف، فإن امتنع سقط حقه؛ كالزوجة يسقط حقها من النفقة ونحوها بالنشوز.
قال: وإن كان في مال الفيء أراضٍ، وقلنا: إنها، أي: الأخماس الأربعة، للمصالح- صارت وقفاً تصرف غلتها فيها؛ لما في ذلك من استدامة المصلحة
стр. 8183
واستدراك الغلة في كل عام، وقضية هذا: أن نجزم بمثله في سهم المصالح من خمس الفيء، وكلام الرافعي مصرح بجريان الخلاف الآتي فيه.
قال: وإن قلنا: إنها للمقاتلة، قسمت بينهم؛ لأنها ملك لهم، فوجب قسمتها بينهم - كالمنقول وغيره - كأربعة أخماس الغنيمة. وهذا ما اختاره النواوي.
وقيل: تصير وقفاً وتقسم غلتها بينهم؛ لأن ملك الغلة في كل عام أمر وأنفع، ولأن أهل الفيء قاموا في تملكه مقام النبي ﷺ ، وحقه من أراضي الفيء وقف؛ فكذلك ما ملكه الجيش بعده منها. ويخالف ما ينقل ويحول؛ فإنه لا تتأبد منفعته، ويفارق الغنيمة؛ لأن للاجتهاد مدخلاً هاهنا في التقدير، بخلاف الغنيمة، وهذا ما دل عليه ظاهر [لفظه في] "المختصر"، وقال به كثير من أصحابنا، كما حكاه الماوردي، وهو أصح في "الرافعي".
فعلى هذا: هل تصير وقفاً بنفس حصولها للفيء من غير لفظ؛ كما يصير الذراري والنسوان [بنفس الأسر أرقاء]، أم لا بد [من] أن يتلفظ الإمام بالوقف؟ فيه وجهان في "الشامل" وغيره، والذي رجحه الماوردي: الأول، كما دل عليه كلام الشيخ، ونسب الثاني إلى بعض البصريين، وقال: إنه خطأ، وهو الذي صححه الرافعي والنووي، وقالا: إن رأى الإمام أن يبيعها ويصرف ثمنها لهم، فعل، فإن رأى وقفها، فعل، وهذا وجه ثالث حكاه الإمام.
стр. 8184
وحكى الرافعي وجهاً: أن المراد بالوقف – هاهنا – على التصرف، لا الوقف الذي يمنع البيع وغيره. وظاهر كلام الإمام يقتضي أنه الراجح عند الأصحاب.
وهذا حكم الأخماس الأربعة.
وأما الخميس الباقي، ففي "المهذب": أنه لأهل الخمس، وفي "الشامل" و"الحاوي": أنا إن قلنا: إن الأخماس الأربعة لا تصير وقفاً، فكذلك الخمس، وإن قلنا: إنها تصير وقفاً، فكذلك الخمس إلا سهم ذوي القربى [منه]؛ فإن فيه وجهين:
أحدهما – وهو الأصح في "الحاوي" -: أن الأمر كذلك.
ومقابله هو المختار في "المرشد"؛ لأن تملكهم له على سبيل الميراث، ولا مدخل للاجتهاد فيه.
وفي "الرافعي": أن في سهم ذوي القربى الخلاف المذكور في الأخماس الأربعة، إذا قلنا: إنها للمقاتلة.
وأما سهم اليتامى والمساكين وأبناء السبيل، فمترتب على سهم ذوي القربى، وأولى بكونها وقفاً، والله أعلم.
وقد نجز شرح مسائل الباب، فلنختمه بما تقدم الوعد به من فروع أقوال الملك في الغنيمة:
فمنها: إذا وطئت جارية من الكفار، نظر:
إن كان ذلك قبل الحيازة واستقرار الظفر بهزيمة أهلها- فهي باقية كما كانت؛ فيكون الوطء زنى إن علم بالتحريم؛ فيجب به الحد – قاله الماوردي، وهذا محمول على ما إذا قصد فعل الزنى، أما إذا قصد اختداعها عن نفسها والاستيلاء عليها واسترقاقها، فقد قال القاضي الحسين عند الكلام فيما إذا فعل المسلمون بعضهم ببعض في دار الحرب ما يوجب الحد: إنه لا حد عليه.
ولو لم يقصد ذلك ولكنه جهل التحريم، فهو وطء شبهة يسقط الحد، قال
стр. 8185
المتولي في باب قتل المرتد: ولا يجب المهر؛ لأن مالها غير مضمون بالإتلاف؛ فكذلك منفعة بضعها.
وإن كان الوطء بعد استقرار الظفر والحيازة لها: فإن كان بعد وقوع القسمة فلا يخفى حكم ذلك من القواعد، وإن كان قبلها، نظر:
فإن لم يكن للواطئ في الغنيمة سهم ولا رضخ ولا ولد له ولا والد يستحق ذلك، فحكمه – كما قال القاضي الحسين – حكم من وطئ جارية بيت المال: فإن كان ذميًّا وجب عليه الحد، وإن كان مسلماً فوجهان:
أظهرهما: أنه يحد، وعلى ذلك جرى صاحب "التهذيب" والروياني.
ومقابله هو الأقوى عند ابن كج، وقال الإمام في أواخر باب السرقة: إنه لا يجب أن يعتد به.
وإن كان ممن له في الغنيمة سهم أو رضخ، فلا حد عليه سواء علم بتحريم ذلك أو لا، وسواء قلنا: له ملك أو لا.
قال القاضي الحسين: ويخالف الجارية المشتركة إذا وطئها أحد الشريكين؛ حيث يجب عليه الحد على أحد الوجهين، كالوجهين في وجوبه بوطء الجارية المحرمة عليه برضاع أو نسب؛ لأن ملك الشريك هناك متأكد، بخلاف جارية المغنم.
وقال الإمام: إن القول القديم في إيجاب الحد على الشريك يجري فيه. وحكى في آخر الفصل أن القاضي حكى على قولنا: إن الشريك يجب عليه الحد، وجهين في وجوب الحد على من وطئ جارية من المغنم، وبإيجابه قال أبو ثور.
وإن كان ممن له في الغانمين ابن يستحق السهم أو الرضخ، فهكذا حكمه.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: إلحاق الوالد بالولد في ذلك.
وفي "النهاية": أنه لا أثر لذلك ويجب الحد؛ لأن من وطئ جارية أبيه، وجب عليه الحد، بخلاف من وطئ جارية ابنه. وهذا هو الصحيح.
والمهر واجب على الواطئ وإن كان من الغانمين، ومصرفه مصرف الغنائم، قال الماوردي: سواء حصلت في ملكه بعد ذلك بالقسمة أو لا، وسواء كان عدد الغانمين محصوراً أو لا، يعني: وفي الغنيمة غير الجارية
وحكى عن بعض الأصحاب فيما إذا كان عدد الغانمين محصوراً: أنه يسقط
стр. 8186
من المهر بقدر حصته منها، سواء حصلت في ملكه أو لا؛ لأن ملكه موقوف عليهم، ولاحق لغيرهم فيها، وهذا هو ظاهر النص، وهو الذي أورده القاضي الحسين، والإمام والقاضي ابن كج جعلاه مبنيًّا على أن كل واحد من الغانمين قد ملك حصةً من الغنيمة قبل القسمة، وبنيا الأول على القول بعدم الملك، وهوا لذي جزم به العراقيون؛ بناء على الأصل المذكور، وقال الماوردي: إنه الأشبه. وجعل النص محمولاً على ما إذا كان قد تملكها بالقسمة مع جماعة محصورين قبل الوطء، ولو حمل على حالة كون الجارية كل الغنيمة لكان أولى؛ فإن قياس ما سنذكره عن "الحاوي" في هذه الصورة: الجزم بسقوط حصته من المهر.
وقال الإمام فيما إذا وقعت الجارية في حصة غيره: إن قضية الوجه الذي رواه صاحب "التقريب" – من أن نتبين بالقسمة أن ما حصل في يد كل واحد، قد ملكه بنفس الاغتنام – أن يجب جميع المهر لمن وقعت [في] قسمته، واستضعفه، وروى عن صاحب "التقريب" فيما إذا وقعت الجارية في حصة الواطئ: أنه لا يجب عليه شيء من المهر؛ بناء على الوجه المذكور، وقد حكاه ابن كج قولاً غريباً عن رواية أبي الحسين.
وقد ظهر بما ذكرناه أن محل الخلاف في وجوب جميع المهر أو بعضه فيما إذا كان عدد الغانمين محصوراً، أما إذا كان غير محصور، فيغرم جميع المهر، وتوضع في المغنم وتقسم؛ فإن حصته من المهر ليست نفساً، وبذلك صرح القاضي الحسين وغيره، وجعل الإمام محل الاتفاق على ذلك إذا طابت نفس الواطئ بأداء جميع المهر، وقال فيما إذا قال الواطئ: أسقطه قدر حصتي -: فلابد من إيجاب، فإن تيسر الضبط فذاك، وإلا أخذ المتحقق وحط المتيقن، وتوقف في المشكوك فيه.
وهكذا كله إذا خلا الوطء عن الإحبال، [أما] إذا أحبلها أحد الغانمين، فحكم الحد والمهر كما تقدم، فإذا لم يوجب الحد، فهل يثبت الاستيلاد؟
قال بعضهم: إن قلنا: لا ملك له، لم ينفذ في الحال، وفي نفوذه إذا ملكها يوماً ما القولان المذكوران في باب الاستيلاد، وهذا ما أورده العراقيون، وقال
стр. 8187
القاضي أبو الطيب: إنه لا يختلف المذهب فيه. وإن قلنا: غنه قد ملكن ففي نفوذه في الحال في حصته إذا كان موسراً وجهان؛ كالوجهين في نفوذ الاستيلاد المشترى في زمن الخيار على قولنا: إن الملك له؛ لأنه ملك ضعيف، وهذه الطريقة رواها صاحب "التقريب".
وقيل: إن قلنا: إنه يملك نفذ، وألا فقولان كالقولين في استيلاد الأب جارية ابنه، وضعف الإمام هذه الطريقة.
ويخرجه من الطريقين عند الاختصار قولان أو وجهان:
أحدهما: نفوذه مطلقاً، وهو الذي أورده القاضي الحسين، سواء كان الغانمون محصورين أو لا، قال: لأنا نتيقن أن له شركاً فيها. وهذا بناه على الصحيح في أن السراية تحصل مع اليسار بنفس الاستيلاد لا بدفع القيمة.
وقد نسب المنع إلى ابن أبي هريرة، وهو المذكور في أكثر الكتب، وكذلك في "الحاوي" في حالة عدم انحصار الغنيمة، وقال فيما إذا كانوا محصورين: إنه ينظر: فإن لم يكن في الغنيمة سواها قطعنا بنفوذه، وإن كان ثمة غيرها ففي نفوذه وجهان؛ بناء على الوجهين في سقوط مهرها إذا انحصر عددهم، وفي المغنم غيرها.
وعلى وجه المنع، فالفرق بينه وبين ما إذا لم يكن ثم غيرها: أنه إذا كان ثم غيرها احتمل أن يجعل الإمام الجارية لغيره؛ فإنَّ له أن يقسم الغنيمة قسمةَ تحكمٍ لا قسمة مراضاة، بخلاف ما إذا لم يكن ثم غيرها.
وقد أشرنا إلى أن محل ما ذكرناه إذا كان الواطئ موسراً بقيمة ما يخص الغانمين من الجارية، فلو كان معسراً، فإن كان الجند محصورين فالحكم في نفوذه في حصته كما تقدم، ولا يسري الاستيلاد إن نفذناه إلى باقيها، وهكذا الحكم فيما إذا كانت حصته من باقي الغنيمة تفي بقيمة ما بقي من الجارية، ورُدَّ، قال الإمام: ولا نقول: إن حق السراية يلزمه اختيار التملك؛ فإن الاختيار بمثابة ابتداء الاكتساب.
ولو كان عدد الغانمين غير محصور، ففي "تعليق" القاضي الحسين: أنها لا تصير أم ولد؛ لأن نصيبه منها على قول الملك مجهول، والحكم بانعقاد أمومة غير معلومة لا معنى له.
стр. 8188
وقال الرافعي: إن أفرزها الإمام لطائفة قبل الوطء وهو منهم، فالحكم كما إذا كانوا محصورين، وإلا فلا نحكم بالاستيلاد في الحال، فإن وقعت في الآخرة في حصة الواطئ ثبت الاستيلاد حينئذ، أي: إن أثبتناه في حصة الموسر، وإن صار بعضها له، ثبت في ذلك البعض، ونسبه إلى "التهذيب" وغيره.
التفريع:
إن قلنا بنفوذ استيلاد الموسر في حصته، ففي "الحاوي" أنه هل يسقط خيار الإمام في قسمتها لمن شاء، ويلزمه دفعها إليه، أو يكون على خياره؟ فيه وجهان محتملان. قلت: والثاني لا وجه له أصلاً.
وإن قلنا بعدم النفوذ، فإن تأخرت القسمة حتى وضعت، فعن ابن كج: أن الجارية تجعل في المغنم، وتدخل في القسمة، وإن دخلها نقص بالولادة لزمه الأرش. وقبل الوضع هي حامل بحُرٍّ كما سنذكره، ولا يجوز بيعها على الصحيح، وبه جزم العراقيون، وكذلك قسمتها إن قلنا: [إن] القسمة بيع.
وعلى هذا، فعن صاحب "التقريب": أنه يحتمل أن تسلم له في حصته إن كانت حصته قدر قيمتها أو أكثر، ويأخذ الفاضل، وإن كانت أقلن أخذ منه الفاضل، وهذا ما حكاه البندنيجي عن أبي إسحاق، وضعفه الأصحاب.
وقيل: تؤخذ منه قيمتها، وتلقى في الغنيمة؛ لأنه بالإحبال حال بينها وبين الغانمين.
وفي "الحاوي" حكاية وجهين مع الأول:
أحدهما: أنها لا تقوم عليه.
والثاني: أنها تقوم عليه إن قلنا: إنه إذا ملكها صارت أم ولد لهن وإلا فلا تقوم عليه، وهذا [قد] حكاه أبو الطيب أيضاً، وللإمام احتمالان:
أحدهما: أنها توقف إلى أن تلد، ثم تلقى في الغنيمة.
والثاني: جواز قسمتها في هذه الحالة، وأنه يقوى إذا قلنا: إن القسمة إقرار.
ولا شك في أن الولد ينسب – إذا لم نوجب الحد – وينعقد في حال يسار
стр. 8189
الواطئ حُرًّا إن ثبت الاستيلاد في جميع الجارية؛ لان له شبهة ملك، وهل تجب قيمته؟ فيه وجهان ينبنيان على أن الجارية هل تقوم عليه أم لا؟ فإن [قلنا:] نعم، لم يلزمه؛ لأنها في ملكه حين وضعت الولد، وإن قلنا: لا، لزمته؛ لأنه منع رقه بوطئه، كذا حكاه الرافعي، وظاهره: أن محل الخلاف إذا حكمنا بالاستيلاد، وهو كذلك في "تعليق" القاضي الحسين، لكنه بناه على أن السراية تحصل بنفس الإحبال، أم لابد من دفع القيمة؟ فعلى الأول: لا يجب، وعلى الثاني: يجب عليه [منها قدر] حصة أصحابه، وفي "تعليق" أبي الطيب والبندنيجي الجزم بعدم الاستيلاد.
وحكاية الوجهين في قيمة الولد مبنيان على الخلاف في أنها تقوم عليه، أم لا؟ كما بناهما الرافعي.
وقد شبه مشبهون – ومنهم الإمام – الخلاف بالخلاف في وجوب قيمة الولد إذا وطئ أحد الشريكين الجارية المشتركة وهو موسر، ثم منهم من بنى الخلاف فيهما على أن الملك يحصل للمستولد قبل العلوق أو مع العلوق أو بعده؟
ثم حكم قيمة الولد حكم المهر، وقيمة الجايرة.
ولو كان الواطئ معسراً، وثبت الاستيلاد في حصته من الجارية، أو لم يثبت كما حكاه العراقيون، فيخلق الولد كله حرًّا؟ أو الحر منه قدر حصته والباقي رقيق؟ فيه وجهان – أو قولان – حكاهما الفريقان.
فإن قلنا بالثاني، فلو ملك باقي الجارية أو جميعها [من بعد] بقي الرق في الباقي دون حصته إن حكمنا بنفوذ الاستيلاد [في الحال]؛ لأنها علقت برقيق في غير الملك.
وإن قلنا بالأول، وهو ما دل كلام الإمام على ترجيحه، ففي نفوذ الاستيلاد في الباقي أو في الجميع على قول من [لم] ينفذه ابتداء – القولان.
ومحل الوجهين في انعقاد جميع الولد على الحرية أو بعضه – كما قاله
стр. 8190
القاضي الحسين – إذا انحصر الغانمون، فإن كانوا غير محصورين، ففي "تعليق" القاضي و"التهذيب": أنا إن قلنا عند الانحصار: كل الولد حر؛ فتؤخذ منه قيمته، وتوضع في المغنم، وتقسم على الكل، وإن قلنا: إن هناك الحر قدر حصته، فهاهنا يكون الكل رقيقاً – قالا: ثم الإمام عند القسمة يجتهد حتى تقع الأم والولد في حصة الواطئ، فإن وقعا في حصته، قال القاضي: فتصير أمَّ ولد له، والولد في قول: خلق رقيقاً كله، وهذا – على مذهبنا – غريب.
وقال في "التهذيب": إن الجارية تصير أم ولد، [كما تقدم، والولد حر، وإن وقع البعض في ملكه صار بقدره من الجارية أم ولد]، وعتق من الولد بقدر ما ملك.
ومنها: إذا وقع في الأسر من يعتق على بعض الغانمين، ورق: إما بنفس الأسر، أو بإرقاق الإمام – فالنص: أنه لا يعتق قبل القسمة واختيار التملك، وهوا لذي أورده العراقيون، والنص فيما إذا استولد بعض الغانمين جارية من المغنم: أنه يثبت الاستيلاد كما مر، فمن الأصحاب من جعلهما على قولين؛ بناء على أن الغنيمة تملك بالاستيلاد أم لا. ومنهم من أقر النصين، وهو الذي صححه القاضي الحين، وقالوا: الفرق: أن الاستيلاد أقوى؛ بدليل نفوذ إحبال المجنون دون إعتاقه.
وعن الشيخ أبي محمد في "المنهاج": أنه فرق بان الوطء اختيار التملك، وكذلك جعل وطء البائع في مدة الخيار فسخاً، وليس في مسألة القريب ما يدل على الاختيار، وأنه بنى [على ذلك] ما لو قال مشيراً إلى حريته قبل القسم: قد أعتقت هذه، نحكم بثبوت العتق.
قال الرافعي: والظاهر أنه لا يثبت العتق في الحال وإن قدرنا الخلاف، فإذا استقر ملكه فيه بأن وقع في نصيبه واختار تملكه، أو وقع بعضه في نصيبه واختاره – عتق عليه، وينظر لتقويم الباقي عليه إلى يساره وإعساره.
وفي "الحاوي": أن الغانمين إذا كانوا محصورين ولم يكن في الغنيمة إلا
стр. 8191
قريبه – فيملك حصته، وإن لم يَجْرِ التملك، ويعتق عليه، ولا يقوم عليه الباقي؛ لأنه ملكه بغير اختياره. وإن كان في الغنيمة غيره، ففي نفوذ العتق في حصته وجهان كما قلنا في الاستيلاد، فإن قلنا بالعتق لم يقوم عليه الباقي – أيضاً- بخلاف ما لو وقع قريبه في حصة أقوام هو أحدهم مع كون الغانمين غير محصورين؛ فإن الحصة تعتق عليه إذا اختار التملك، ويقوم الباقي عليه؛ لأنه ملكه باختياره.
ومنها: لو أعتق واحد من الغانمين عبداً من الغنيمة، قال الرافعي: ففي ثبوت العتق في الحال ما ذكرناه في عتق القريب، كذا نقله صاحب "التهذيب" وغيره.
وفي "الحاوي": أنه لا يعتق بحال، والفرق: قوةُ عتق القريب؛ فإنه يثبت بلا اختيار، وضَعْفُ غيره المتوقف على الاختيار.
وكذلك يعتق على المحجور عليه قريبه إذا ملكه، ولو أعتق مملوكه لم ينفذ [عتقه]، والله – – أعلم.
стр. 8192
كفاية النبيه
شرح التنبيه
الجزء السابع عشر
المحتوى:
تتمة كتاب الجنايات - كتاب الحدود
стр. 8193
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
باب عقد الذمة [وضرب الجزية]
الذمة: العهد والالتزام، وضرب الجزية: إثباتها وتقريرها. ويسمى [المأخوذ: ضريبة، "فعيلة"؛ بمعنى "مفعولة"، جمعها ضرائب.
والجزية: عبارة عن المال] المأخوذ بالتراضي من الكفار؛ لإسكاننا إياهم في دار الإسلام، أو لحقن دمائهم وذراريهم وأموالهم، أو لكفنا عن قتالهم، على اختلاف في ذلك.
وهي مأخوذة من "المجازاة" و"الجزاء"؛ لأنها جزاء عن سكني دارنا، أو عن حقن دمائهم، أو عن كفنا عن قتالهم، على حسب الاختلاف السابق.
والأخير مختار القاضي الحسين، وقال: [إن] جعلها في مقابلة مقامهم في دارنا مدخول؛ لأن المرأة تقيم في دار الإسلام كالرجل ولا جزية عليها، وكذلك جعلها في مقابلة حقن الدماء مدخول؛ لأن الجزية تتكرر بتكرر السنين، وبدل حقن الدم لا يتكرر بتكرر الأزمنة، ولأنها لو كانت بدل حقن الدماء لما ارتفع [حقن الدماء] بحال؛ كما لو صالح من دم العمد على مال، وهو يرتفع بنقض العهد.
وقال الإمام: الوجه أن نجمع مقاصد الكفار ونقول: هي مقابلة بالجزية.
وقيل: إن "الجزية": "فعلة"، من: جزي يجزي: إذا قضي؛ قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]، أي: لا تقضي. وتقول
стр. 8194
العرب: جزيت ديني، أي: قضيته، وجمعها: جزى، كقربة وقرب.
والأصل فيها – قبل الإجماع – من الكتاب قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، أي: حتى يلتزموها؛ كما جاء في قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ إلى قوله تعالى ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، والمراد: حتى يلتزموا إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في وقت استحقاقها، بالإتيان بلفظ الشهادتين المتضمن لذلك.
وقد قيل: إن آية الجزية ناسخة لهذه الآية، وقيل: لا، بل هي خاصة بأهل الكتاب وهذه عامة في كل مشرك.
ومن السنة: ما روى سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث أميرا على سرية أو جيش، أوصاه بتقوى الله تعالى في خاصة نفسه وبمن معه من المسلمين خيرا، وقال: "إذا لقيت عدوك من المشركين، فأدعهم إلى إحدى ثلاث خصال – أو خلال – فأيتهن أجابوك إليها فاقبل منهم، وكيف عنهم ثم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فأقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول إلى دار المهاجرين وأعلمهم أنهم إن فعلوا ذلك، أن لهم ما للمهاجرين وأن عليهم ما على المهاجرين، [فإن أبوا واختاروا دارهم، فأعلمهم] أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجرى عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم من الفيء والغنيمة نصيب إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوا فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن الله وقاتلهم". خرجه أبو داود ومسلم وغيرهما.
стр. 8195
وقد أخذ رسول الله ﷺ الجزية من أهل نجران، ومن مجوس هجر، ومن أهل أيلة وهم ثلاثمائة رجل.
ولأن في أخذها معونة للمسلمين وإهانة للمشركين، [وربما بعثهم] على الإسلام.
قال – ﵀ –: ولا يصح عقد الذمة إلا من الإمام أو ممن فوض إليه الإمام؛ لأنه من المصالح العظام؛ فاختص بمن له النظر العام، ولأن الولاية في المال المستفاد بهذا العقد [للإمام ونائبه؛ فوجب أن تكون ولاية العقد لهما كما في العقد] على مال اليتيم.
وعن كتاب ابن كج نقل وجه: أنه يصح من الآحاد، كالأمان.
وعلى الأول: لو عقدها واحد من المسلمين من غير إذن الإمام، فلا يغتال المعقود له بل يلحق بمأمنه.
ولو أقام سنة فصاعدا، فهل يؤخذ منه لكل سنة دينار؟ فيه وجهان، أشبههما: المنع؛ لأن القبول ممن لا يقبل الإيجاب لغو؛ فكأنه لم يقبل شيئا.
وهل يجب هذا العقد عند طلب الكفار له؟ فيه كلام تقدم في باب "قتال المشركين".
قال: ولا يعقد لمن لا كتاب له ولا شبهة كتاب كعبده الأوثان والمرتدة؛ لأن الله – تعالى – أمر بقتل جميع المشركين إلى أن يسلموا، بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا
следующие страницы →