← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 8191–8230 · переход к 8196.

стр. 8191

قريبه – فيملك حصته، وإن لم يَجْرِ التملك، ويعتق عليه، ولا يقوم عليه الباقي؛ لأنه ملكه بغير اختياره. وإن كان في الغنيمة غيره، ففي نفوذ العتق في حصته وجهان كما قلنا في الاستيلاد، فإن قلنا بالعتق لم يقوم عليه الباقي – أيضاً- بخلاف ما لو وقع قريبه في حصة أقوام هو أحدهم مع كون الغانمين غير محصورين؛ فإن الحصة تعتق عليه إذا اختار التملك، ويقوم الباقي عليه؛ لأنه ملكه باختياره. ومنها: لو أعتق واحد من الغانمين عبداً من الغنيمة، قال الرافعي: ففي ثبوت العتق في الحال ما ذكرناه في عتق القريب، كذا نقله صاحب "التهذيب" وغيره. وفي "الحاوي": أنه لا يعتق بحال، والفرق: قوةُ عتق القريب؛ فإنه يثبت بلا اختيار، وضَعْفُ غيره المتوقف على الاختيار. وكذلك يعتق على المحجور عليه قريبه إذا ملكه، ولو أعتق مملوكه لم ينفذ [عتقه]، والله – – أعلم.

стр. 8192

كفاية النبيه شرح التنبيه الجزء السابع عشر المحتوى: تتمة كتاب الجنايات - كتاب الحدود

стр. 8193

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ باب عقد الذمة [وضرب الجزية] الذمة: العهد والالتزام، وضرب الجزية: إثباتها وتقريرها. ويسمى [المأخوذ: ضريبة، "فعيلة"؛ بمعنى "مفعولة"، جمعها ضرائب. والجزية: عبارة عن المال] المأخوذ بالتراضي من الكفار؛ لإسكاننا إياهم في دار الإسلام، أو لحقن دمائهم وذراريهم وأموالهم، أو لكفنا عن قتالهم، على اختلاف في ذلك. وهي مأخوذة من "المجازاة" و"الجزاء"؛ لأنها جزاء عن سكني دارنا، أو عن حقن دمائهم، أو عن كفنا عن قتالهم، على حسب الاختلاف السابق. والأخير مختار القاضي الحسين، وقال: [إن] جعلها في مقابلة مقامهم في دارنا مدخول؛ لأن المرأة تقيم في دار الإسلام كالرجل ولا جزية عليها، وكذلك جعلها في مقابلة حقن الدماء مدخول؛ لأن الجزية تتكرر بتكرر السنين، وبدل حقن الدم لا يتكرر بتكرر الأزمنة، ولأنها لو كانت بدل حقن الدماء لما ارتفع [حقن الدماء] بحال؛ كما لو صالح من دم العمد على مال، وهو يرتفع بنقض العهد. وقال الإمام: الوجه أن نجمع مقاصد الكفار ونقول: هي مقابلة بالجزية. وقيل: إن "الجزية": "فعلة"، من: جزي يجزي: إذا قضي؛ قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]، أي: لا تقضي. وتقول

стр. 8194

العرب: جزيت ديني، أي: قضيته، وجمعها: جزى، كقربة وقرب. والأصل فيها – قبل الإجماع – من الكتاب قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، أي: حتى يلتزموها؛ كما جاء في قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ إلى قوله تعالى ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، والمراد: حتى يلتزموا إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في وقت استحقاقها، بالإتيان بلفظ الشهادتين المتضمن لذلك. وقد قيل: إن آية الجزية ناسخة لهذه الآية، وقيل: لا، بل هي خاصة بأهل الكتاب وهذه عامة في كل مشرك. ومن السنة: ما روى سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث أميرا على سرية أو جيش، أوصاه بتقوى الله تعالى في خاصة نفسه وبمن معه من المسلمين خيرا، وقال: "إذا لقيت عدوك من المشركين، فأدعهم إلى إحدى ثلاث خصال – أو خلال – فأيتهن أجابوك إليها فاقبل منهم، وكيف عنهم ثم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فأقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول إلى دار المهاجرين وأعلمهم أنهم إن فعلوا ذلك، أن لهم ما للمهاجرين وأن عليهم ما على المهاجرين، [فإن أبوا واختاروا دارهم، فأعلمهم] أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجرى عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم من الفيء والغنيمة نصيب إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوا فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن الله وقاتلهم". خرجه أبو داود ومسلم وغيرهما.

стр. 8195

وقد أخذ رسول الله ﷺ الجزية من أهل نجران، ومن مجوس هجر، ومن أهل أيلة وهم ثلاثمائة رجل. ولأن في أخذها معونة للمسلمين وإهانة للمشركين، [وربما بعثهم] على الإسلام. قال – ﵀ –: ولا يصح عقد الذمة إلا من الإمام أو ممن فوض إليه الإمام؛ لأنه من المصالح العظام؛ فاختص بمن له النظر العام، ولأن الولاية في المال المستفاد بهذا العقد [للإمام ونائبه؛ فوجب أن تكون ولاية العقد لهما كما في العقد] على مال اليتيم. وعن كتاب ابن كج نقل وجه: أنه يصح من الآحاد، كالأمان. وعلى الأول: لو عقدها واحد من المسلمين من غير إذن الإمام، فلا يغتال المعقود له بل يلحق بمأمنه. ولو أقام سنة فصاعدا، فهل يؤخذ منه لكل سنة دينار؟ فيه وجهان، أشبههما: المنع؛ لأن القبول ممن لا يقبل الإيجاب لغو؛ فكأنه لم يقبل شيئا. وهل يجب هذا العقد عند طلب الكفار له؟ فيه كلام تقدم في باب "قتال المشركين". قال: ولا يعقد لمن لا كتاب له ولا شبهة كتاب كعبده الأوثان والمرتدة؛ لأن الله – تعالى – أمر بقتل جميع المشركين إلى أن يسلموا، بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا

стр. 8196

الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وخص منهم في كتابه العزيز أهل الكتاب بالآية السالفة، وعلى لسان نبيه ﷺ من له شبهة كتاب – وهم المجوس – بما سنذكره من الخبر، وبفعله؛ فبقي الحكم فيمن عدا المذكورين؛ لعموم الآية. والمرتدة: جمع مرتد. قال: ومن دخل في دين اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل؛ لأنه دخل في دين لا حرمة له؛ فلم يعقد له كعبدة الأوثان. والواو في قول الشيخ: "والنصارى ... والتبديل" يتعين أن تكون بمعني ["أو" إن] استعملت لفظة "من" للإفراد، كما نبهنا على جواز ذلك في الباب [قبله]، ويكون معنى الكلام: ومن دخل في دين اليهود أو النصارى بعد النسخ أو التبديل. ويجوز أن تكون بمعنى: "أو" – أيضا -[إذا استعملت لفظة] "من" للجمع كما هو معناها، والظاهر أنه المراد. [و] يجوز أن تبقى على حالها ويكون قد أثبت هذا الحكم للجمع، وخص كل حالة ببعض الجمع؛ [كما] في قوله تعالى: [﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣]، وفي قوله تعالى: [﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١]، أي: لينفر الخفاف منكم خفافا والثقال ثقالا، ويكون تقدير الكلام: والداخلون في دين اليهود والنصارى، أي: بعضهم في هذا الدين وبعضهم في الآخر بعد النسخ والتبديل، أي: بعضهم بعد النسخ وبعضهم بعد التبديل، أو كلهم كذا أو كذا. والمحوج إلى ذلك: أنه لا يمكن جعل الواو في قوله: "والتبديل" [الواو]

стр. 8197

المشركة؛ لأن المراد [أن] من دخل بعد النسخ فلا تعقد له [الذمة] وإن دخل في دين غير مبدل، وكذا من دخل قبل النسخ وبعد التبديل في الدين [المبدل] [لا تعقد له، كما صرح به أبو الطيب والبندنيجي والمصنف وكثيرون؛ لما ذكرناه من التعليل. وفي "الرافعي" على هذه الطريقة حكاية قولين في جواز العقد لأولاد [من] دخل قبل النسخ وبعد التبديل في الدين المبدل] كأولاد المرتدين، وهذه طريقة الفوراني والطبري في "العدة"، وضعفها الإمام، وحكى طريقة أخرى: أنها تعقد لمن دخل قبل النسخ [وبعد التبديل]، سواء دخل في الدين المبدل أو لا، وقال: المذهب: القطع بها؛ لأنهم وإن بدلوا فمعلوم أنه بقي [منه] ما لم يبدل؛ فلا ينحط التمسك به عن شبهة كتاب المجوس. وحكى الرافعي: أن أبن كج لم يورد سواها، وأن الروياني [اعتمدها] في "البحر". وحكى عن القاضي أبي الطيب أنه قال: لا أحفظ الشرط المذكور عن الشافعي، وإنما فرق في كتبه بين ما قبل نزول القرآن وما بعده، وهذا أولى؛ [تغليبا] لحقن الدم. ثم المراد بالذين دخلوا [بعد النسخ: الداخلون] بعد بعثة النبي ﷺ كما صرح به القاضي أبو الطيب في أوائل الباب. وعن "التحرير": أنهم الداخلون بعد نزول القرآن، وعلى ذلك ينطبق ما عزي لـ "البحر" حكاية عن الشافعي – ﵁ – كما تقدم، وقد أورده القاضي أبو الطيب في [باب] تبديل أهل الذمة من كتاب الجزية.

стр. 8198

وبين العبارتين فرق؛ لأن هذه [العبارة] تقتضي أن من دخل في الدين المذكور بعد أن نزل قوله تعالى: ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥]، لا تعقد له الذمة؛ لأنها أول آية أنزت عليه ﷺ والعبارة الأولى تقتضي أن تعقد له؛ لأنه في هذه الحالة لم يؤمر بإنذار ولا رسالة، ولم يزل كذلك إلى نزل عليه قوله تعالى: ﴿يأيها المدثر*قم فأنذر* ...﴾ إلى قوله: ﴿والزجر فاهجر﴾ [المدثر: ١ - ٥]، ففي هذه الحالة تمت نبوته، وتحققت رسالته. وفي "الحاوي" حكاية وجه آخر مع الأول عن رواية أبي إسحاق المروزي – وقال: إنه الأظهر -: أن شريعة موسى – ﵇ – نسختها [شريعة] عيسى – ﵇ – فمن دخل فيها بعد بعثته لا تعقد لأولاده، وهذا ما حكاه البندنيجي عن الشافعي – ﵁، وجزم به في "المهذب"، وعزا إلى المزني أنها تعقد لمن دخل قبل النسخ أو بعده، وسواء دخل في دين المبدلين أو غيره. قال: ويجوز أن يعقد لليهود والنصارى، أي: من العرب والعجم؛ لعموم الآية؛ فإنها دلت على عقدها لأهل الكتاب، ولم يقع فيها فصل بين عجمي وعربي، واليهود والنصارى أهل كتاب بالاتفاق؛ قال الله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٦]، وقد روى أبو داود عن أنس بن مالك أنه ﷺ أخذ الجزية من أكيدر دومة، بعد أن أسره وحمله إلى المدينة، وكان من غسان أو من كندة على اختلاف فيه، وأخذها من أهل اليمن وأكثرهم عرب. وأكيدر: بضم الهمزة، وفتح الكاف، وسكون الياء آخر الحروف، وبعدها دال مهملة [مكسورة وراء مهملة.

стр. 8199

ودومة:] من بلاد الشام، بينها وبين دمشق خمس ليال، وبينها وبين المدينة خمس عشرة ليلة. وممن تهود من العرب: كنانة وكندة وحمير وبنو الحارث بن كعب، وومن تنصرهم: ربيعة وغسان وبعض قضاعة. ولا فرق في اليهود والنصارى فيما ذكرناه بين أن يكونوا لم يبدلوا أو قد بدلوا؛ لأن لهم في الحالة الأولى شرف دينهم الذي كان حقا، وشرف آبائهم الذين ماتوا على دين حق، وفي الحالة الثانية: شرف آبائهم [فقط]. قال: والمجوس؛ لأنه ﷺ أخذها من مجوس هجر، كما رواه الشافعي – ﵁ – وروي عبد الرحمن بن عوف: أن النبي ﷺ قال: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب"، وقد أخذها منهم أبو بكر – ﵁ – فيما فتحه من أطراف العراق، [وأخذها عمر – ﵁ – ممن كان بالعراق] وفارس منهم، وأخذها عثمان بن عفان – ﵁ – أيضا – فكان أخذها منهم سنة عن رسول الله وأثرا عن الخلفاء الراشدين، وقد ذكرنا في باب قتال المشركين أثرا عن علي – ﵁ – في ذلك. قال: ولمن دخل في دين اليهود والنصارى، ولم يعلم هل دخل قبل النسخ والتبديل أو بعده. هذا الفصل ينظم في هذا الحكم صورتين: إحداهما: يثبت فيها بالمفهوم. والأخرى: يثبت فيها بالمنطوق. فالأولى: إذا دخلوا في دين اليهود والنصارى قبل التبديل والنسخ؛ فيجوز أن يعقد لهم؛ لأنهم دخلوا في دين حق إذ ذاك؛ فكان كما لو دخلوا في عصر موسى وعيسى، على نبينا وعليهم السلام. ولا فرق فيهم – أيضا – بين من بدل بعد ذلك أو لم يبدل.

стр. 8200

ويلتحق بهذه الحالة ما إذا دخل بعد التبديل، لكن [في الدين الذي لم يبدل]، كما صر به البندنيجي. وهذه الصورة ظاهر كلام الشيخ في ابتداء الكلام يأباها؛ فينبغي أن يحمل كلام الشيخ على ما عداها، كما نبهت عليه [من] قبل. والثانية – وهي التي صرح بها -: إذا شككنا هل دخلوا قبل النسخ والتبديل أو بعده، فيعقد لهم – أيضا – كما نص عليه في "الأم"؛ لأنهم دائرون بين أمرين: أحدهما: يقتضي حقن الدم، والآخر: إباحته، فغلب حكم الحقن عملا بالأصل؛ فإن الأصل في الدماء الحقن، ومع هذا لا تحل مناكحتهم ولا ذبائحهم، كما تقدم؛ لأن الأصل في الأبضاع والميتات التحريم، فتمسكنا فيهما عند الشك في المبيح بالأصل؛ كصنعنا في المجوس، وقد حكينا طرفا من ذلك في كتاب النكاح، وممن وقع الشك في أنهم دخلوا بعد التبديل أو قبله: تنوخ، وبنو تغلب، وبهراء. قال: وأما السامرة والصائبة فقد قيل: يجوز أن يعقد لهم، وقيل: لا يجوز هذا الفرع ينبغي على أصل تقدم في باب ما يحرم من النكاح، وهو أن السامرة طائفة من اليهود، والصائبة طائفة من النصارى [أم لا]؟ وقد حكينا فيه أربع طرق: إحداها – وهي التي صار إليها الجمهور، ونص عليها الشافعي – ﵁ – أنهم إن كانوا يخالفون اليهود والنصارى في أصول الأديان فليسوا منهم، وإن وافقوهم في أصول الاعتقادات، وخالفوهم في فروعها – فهم منهم. وعلى هذه الطريق يكون حكم عقد الذم لهم كذلك، وهي التي صححها النووي والفوراني. الثانية: أنهم منهم كما نص عليه الشافعي – ﵁ – في "الأم" على ما نقله البندنيجي.

стр. 8201

والقائلون بها قالوا: ما ذكر من النص الأول كان قبل أن يظهر له حالهم، ثم بأن له أمرهم بعد ذلك، فأجابا بأنهم منهم، وهذا قول أبي إسحاق، ونص الخلاف في المسألة، وقال القاضي أبو الطبيب: إنه المذهب. فعلى هذا: يعقد لهم الذمة، وتحل مناكحتهم وذبائحهم. الثالثة: أنهم ليسوا منهم كما نص عليه الشافعي – ﵁ – في بعض كتبه، كما نقله الإمام، فعلى هذا: لا يعقد لهم الذمة. وهذه والتي قبلها هما ما في الكتاب. الرابعة: أن في كونهم منهم قولين، وكذا هما في عقد الذمة [لهم]. وقال الإمام في كتاب النكاح: لا وجه للخلاف فيمن يكفرهم اليهود والنصارى، ولا يعدونهم منهم، ولا يبعد التردد في الذين يبدعونهم ولا يخرجونهم من زمرتهم في سقوط الجزية بالبدعة، وقال هنا: إنا لو تحققنا تعطيلهم، أي: باعتقادهم أن مدبر العالم الأنجم السبعة، ومدبرها الفلك الأعلى الحي الناطق، أو أنهم يقولون بقدم النور والظلمة وإسناد الحوادث إليهما – فلا شك أنا لا نأخذ الجزية منهم. ولو بقي الأمر مشكلا في حالهم فهل يجوز عقد الذمة لهم [أم لا]؟ فيه احتمالان، والظاهر: الأول، وبه جزم القاضي الحسين والماوردي. قال: ومن تمسك بدين إبراهيم وشيث، أي: وهو ابن ادم لصلبه، وغيرهما من الأنبياء – ﵈ – فقد قيل: يعقد لهم؛ لأن الله – تعالى – أخبرنا أنه أنزل عليهم صفحا، قال الله تعالى ﴿أم لم ينبأ بما في صحف موسى * وإبراهيم الذي وافى﴾ [النجم: ٣٦، ٣٧]، ﴿وإنه لفي زبر الأولين﴾ [الشعراء: ١٩٦]، وهذه تسمى كتبا، وإذا كان كذلك اندرجوا في قوله تعالى: ﴿ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ [التوبة: ٢٩]. وإنما قلنا: [إن] هذه تسمى كتبا؛ لأن الشافعي – ﵁ – لما سأله الرشيد في المحنة، فقال له: كيف معرفتك بكتاب الله؟ قال [له]: عن أي

стр. 8202

كتبه تسألني؛ فإن الله أنزل على آدم ثلاثين صحيفة، [وأنزل على إدريس ست عشرة صحيفة]، وأنزل على إبراهيم ثماني صحف. فدل هذا [على] أن الصحف كتب، ولأن المجوس يقرون بالجزية وليس لهم كتاب؛ بل شبهة [كتاب]؛ فكان هؤلاء بذلك أولى، وهذا قول أبي إسحاق وغيره، كما حكاه الصنف وغيره، وهو الذي صححه النووي والرافعي وصاحب "المرشد"، وكلام الإمام يقتضي ترجيحه. قال: وقيل: لا يعقد لهم؛ لأن هذه الكتب لم ينزل بها جبريل، وإنما أثبتت بما حصل [لهم] من الإلهام، وليس فيها بيان الأحكام من الأمر والنهي، وإنما هي مواعظ وتسبيح وتهليل؛ [فلم تلتحق بالكتابين]، ولأنا لا نثق بأقوالهم، ولا ندري صدقهم من كذبهم. قال القاضي الحسين: وهذا ما صار إليه الأكثرون. وكلامه قد يفهم أن أبا إسحاق منهم؛ فإنه حكى عنه أنه قال: لو تصور لنا ثبوت كتاب [سوى الكتابين، [لأعطينا أهله حكم أهل الكتابين] في حقن الدم، ولكنه لا يثبت؛ إذ لا طريق إلى معرفته إلا من جهة مدعيه، ولا يمكننا معرفته بقولهم؛ إذ لا حكم له، وليس كذلك؛ بل هو مصرح فيما إذا ثبت لهم كتاب]: بأن حكمهم حكم اليهود في حل مناكحتهم وذبائحهم وعقد الذمة معهم، وإن لم يثبت وشككنا فيه: بأن حكمهم حكم المجوس، كذا صرح به ابن الصباغ عنه. [و] في هذه الحالة يجب أن يقال بعد حل المناكحة والذبيحة، وإن جوزنا عقد الذمة لهم كما صرح به بعضهم. وفي "الرافعي": أن منهم من أجرى خلافاً في حل ذلك في هذه الحالة، وجزم بالحل عند تحقيق كتابهم، وكذا عند إسلام اثنين منهم [وشهادتهما بصحة الكتاب.

стр. 8203

والماوردي أبو الطيب حكيا الوجهين في حالة التحقيق، ونسبا الإباحة إلى قول أبي إسحاق كما حكيناه عنه، وقال الماوردي: إنه ظاهر المذهب، [وحكى في موضع آخر بعده أن من] ادعى أن له كتابا غير التوراة والإنجيل فله ثلاثة أحوال: أحدها: [أن يتحقق دينهم ويعلم كتابهم؛ فهم كاليهود والنصارى في كل شيء]. والثاني: أن يتحقق كذب قولهم، وأنه لا كتاب لهم؛ فيكونون كعبدة الأوثان. والثالث: أن يحتمل ما قالوه الصدق والكذب؛ فلا يقبل قول كفارهم، فإن أسلم منهم عدد يكون خبرهم مستفيضا حكم بقولهم في ثبوت كتابهم، وإقرارهم بالجزية، واستباحة مناكحتهم، وحل ذبائحهم. وإن لم يسلم منهم من يكون خبرهم مستفيضا متواترا فهؤلاء لا يعلم خبرهم [إلا] منهم في حال كفرهم، فيقرون بالجزية؛ لأن ما يبذلونه لا يحرم علينا أخذه، وأصل دمائهم محظور؛ فلا يحل لنا قتلهم بالشك، ولا تحل مناكحتهم وذبائحهم. قال: ولا يعقد لمن ولد بين وثني وكتابية؛ لأن الولد من قبل الأب؛ ولهذا يشرف بشرفه، والأب ممن لا يعقد له الجزية؛ فكذلك الولد. [وهذا إذا لم يدن بعد بلوغه بدين أهل الكتاب، فلو كان يدين به فهل يكون حكمه حكم أمه، فيه وجهان في "النهاية" في باب الصيد والذبائح، والأصح: لا]. قال: وفيمن ولد بين كتابي ووثنية قولان: أصحهما: أنه يعقد له؛ تغليبا لجانب الأب. ووجه مقابله: أنه لم يتمحض كتابيا؛ فأشبه المتولد بين الوثني والكتابية، وهذه طريقة أبي إسحاق المروزي وصاحب "التقريب" في الصورتين؛ إلحاقا لعقد الذمة بحل المناكحة وحل الذبيحة. وحكى القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والبندنيجي في الصورة الثانية طريقة

стр. 8204

قاطعة بالقول [الأول؛ لأنا في الذبيحة والمناكحة غلبنا حكم التحريم، عملا بالأصل] فيهما؛ فكذلك ها هنا يجب أن يغلب حكم التحريم في حقن الدم؛ لأنه الأصل. وقضية هذا [التعليل]: أن تطرد هذه الطريقة في الصورة الأولى، وقد حكى ذلك الرافعي عن رواية الشيخ أبي حامد، [وهي المذكورة] في "التهذيب"، و"تعليق" القاضي الحسين و"الإبانة" في الصورتين، وصححها الإمام وقال: الوجه القطع بها. بعد أن حكى طريقة أبي إسحاق. وجمع في "الحاوي" بين الصورتين، وحكى فيهما أربعة أوجه: أحدها: أنه ملحق بأبيه [كيفما كان دون أمه]. والثاني: أنه ملحق بأنه كيفما كانت. والثالث: أنه ملحق بأتمهما دينا؛ كما يلحق به في قدر الدية، ويلحق بالمسلم منهما؛ فعلى هذا: إن كان أبوه وثنيا وأمه كتابية ألحق بها، وإن كان أبوه كتابيا وأمه وثنية ألحق به. والرابع: أنه يلحق بأغلظهما كفرا؛ لأن التخفيف رخصة مستثناة، فعلى هذا: أيهما كان وثنيا ألحق به، ولا يقر بالجزية. ولا يجري هذا الخلاف فيما إذا كان أحدهما مجوسيا والآخر كتابيا لأن الفريقين من أهل عقد الذمة. فرع: إذا حاصرنا قلعة، فبذل أهلها الجزية، وزعموا أنهم أهل كتاب – وجبت إجابتهم على الشرط [الذي ذكرناه] في باب قتال المشركين، ولا نطالبهم بإقامة بينة على دينهم؛ لعدم إمكان ذلك. قال ابن الصباغ: لكن يشترط عليهم أنه متى بان أنهم عبدة أوثان، أو دخل آباؤهم في الدين الذي ادعوه بعد نزول القرآن –نبذ إليهم عهدهم وقاتلهم. وإذا عقد لهم ثم أسلم منهم اثنان، وظهرت عدالتهما، وشهدا بأنهم ليسوا كما زعموا،

стр. 8205

وأنما هم عبدة أوثان – نبذ إليهم عهدهم، قال البندنيجي والمصنف وغيرهما، وقال الإمام إنا نتبين أن الذمة غير منعقدة، ونعاملهم معاملة عبدة الأوثان، لكن هل نغتالهم أو نلحقهم بدار الحرب؟ فيه تردد، والظاهر: الأول، وبه جزم القاضي الحسين في "تعليقه"؛ لأنهم دخلوا على بصيرة بفساد الأمان فلا يعذروا. وهكذا الحكم فيما إذا اعترفوا كلهم بأنهم أهل وثن، ولو اعترفوا بعضهم دون بعض عومل كل منهم بمقتضى قوله. قال: ولا يصح عقد الذمة إلا بشرطين: التزام أحكام الملة، أي: يلزموا أن تجري أحكام ملة الإسلام عليهم من غير تصريح بحكم حكم منها، كما صرح به البندنيجي. قال: [وبذل الجزية]، أي: التزام بذل الجزية في كل سنة. وذلك بأن يقول الإمام أو نائبه. أقررتكم، أو: أذنت لكم في الإقامة في دار الإسلام، على أن تنقادوا لأحكام الإسلام، وتبذلوا في كل سنة كذا وكذا، ويقول الذمي: قبلت، أو: رضيت [بذلك]، أو يبتدئ الكافر فيقول: أقررني بكذا على شرط كذا، فيقول له الإمام أو نائبه: أقررتك. ووجه اعتبار الشرطين قوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية﴾ [التوبة: ٢٩] أي: يلتزموها كما تقدم بيانه، ﴿عن يد﴾ أي: عن قوة وبطش، أو: عن منة لكم عليهم بإبقائهم وحقن دمائهم؛ لأن "اليد" يعبر بها عن القدرة والمنة جميعاً، ﴿وهم صاغرون﴾ أي: بالتزام أحكام الإسلام، كما فسره الشافعي – ﵁ – في "الأم" وغيرها، وقال الأصحاب: أنه أصح الأقوال في التفسير؛ لأن الحكم على الشخص بما لا يعتقده ويضطر إلى احتماله أشد صغارا، وهذا كما يقال: آخذ حقي منك وأنت صاغر. ومن جهة المعنى: أن الجزية مع الانقياد والاستسلام كالعوض عن التقرير، فيجب التعرض له كالثمن في البيع، والأجرة في الإجارة، وهذا هو الصحيح، وقال القاضي الحسين بعد حكاية أنه لا بد من [ذكر] الشرطين كما ذكره

стр. 8206

الشيخ – ﵀: إن فيه إشكالا؛ لأن جريان أحكام الإسلام عليهم من مقتضيات العقد، والتصريح بمقتضى العقد لا يشترط في صحة العقد؛ كما لا يشترك في صحته ألا ينتصب للقتال مع المسلمين وإن كان من جملة الشرائط، فلو قيل: يكتفي بمطلق العقد، لم يبعد؟ وقد أقام بعضهم هذا جها، ووراءه وجوه [أخر]: أحدها: أنه لا يشترط تعيين مقدار الجزية، بل ينزل المطلق من العقد على الأقل، قال الإمام: وهذا غير سديد. الثاني - حكاه الرافعي وغيره عن أبي إسحاق -: أنه يشترط التصريح في العقد بكف اللسان عن الله تعالى وكتابه ورسوله ﷺ ودينه؛ إذ به تحصل المسالمة وترك التعرض من الجانبين. وفي "الإشراف": أن أبا إسحاق طرد مذهبه في اشتراط عدم الزنى بمسلمة وإصابتهم باسم نكاح، وافتتان المسلمين عن دينهم، وقطع الطريق عليهم، والدلالة على عورات المسلمين. والفرق بين هذا وبين الشرط الأول من وجهين: أحدهما: أنا على الأول لا نشترط التصريح، وعلى هذا نشترطه. والثاني: أنه ثم التزم أنا نجري عليه أحكامنا، فالملتزم فعلنا، وهذا من فعله، كذا أشار إليه البندنيجي. واستغنى المراوزة باشتراطهم في العقد الانقياد والاستسلام عن اشتراط [الانكفاف عن هذه الأشياء]، فقالوا: الأصح: أنه لا يشترط؛ لأن في شرط الانقياد والاستسلام غنية عنه. الثالث: حكى الماوردي أن للشافعي – ﵁ – في المراد بالأحكام التي فسر [بها الصغار] قولين:

стр. 8207

أحدهما: التحكم بالقوة والاستطالة. والثاني: [التحكم] بالأحكام الشرعية. فعلى الأول: لا تلزمهم أحكامنا، وعلى الثاني: تلزمهم أحكامنا. فرع: هل يجوز عقد الذمة مؤقتا؟ فيه طريقان: أحداهما: أن فيه قولين، ومنهم من أوردهما وجهين: أصحهما في "تعليق" القاضي الحسين: الجواز، وفي "الرافعي": المنع؛ لأنه [بدل عن] الإسلام، والإسلام لا يصح مؤقتا؛ فكذلك عقد الذمة. والثاني: القطع به. وهذا في التأقيت بوقت معلوم، أما لو قال الإمام أو نائبه: أقركم ما شئت، قال الإمام: فمن لم يمنع التأقيت بالوقت المعلوم لم يمنع هذا، ومن منع ذلك، اختلفوا في هذا، وسبب الاختلاف ما روي أنه – ﵇ – قال لأهل الكتاب في جزيرة العرب: "أقركم ما أقركم الله تعالى"، والوجه: منع هذا منا، وحمل قوله ﷺ على توقع النسخ وانتظار الوحي. وأجاب آخرون عن الخبر بأنه جرى في المهادنة حين وادع يهود خيبر، لا في عقد الذمة، وجزموا بمنع ذلك من غيره ﷺ . ولو قال: أقركم ما شئتم، جاز اتفاقا؛ لأن لهم أن ينبذوا العهد متى شاءوا، فليس فيه إلا التصريح بمقتضى العقد. قال: والأولى أن يقسم الجزية على الطبقات، أي: على القوم المتباينين. و"الطبقات" جمع: طبقة. قال: فيجعل على الفقير المعتمل، أي الكسوب، دينار، وعلى المتوسط ديناران، وعلى الغني أربعة دنانير؛ اقتداء بعمر، ﵁. أشار الشيخ بذلك إلى فعل عمر – ﵁ – بأهل الكوفة لما بعث إليهم عثمان بن حنيف؛ فإنه جعل على الغني ثمانية وأربعين [درهما]، وعلى

стр. 8208

المتوسط أربعة وعشرين [درهما]، وعلى الفقير اثني عشر درهما، والاثنا عشر هي قيمة الدينار كما تقدم في باب الديات. ولأن في ذلك الخروج من الخلاف؛ فإن أبا حنيفة – ﵀ – يرى أن القسمة على هذا النحو واجبة كما حكاه الإمام، وكذا القاضي الحسين عنه، وأنه مخير بين [أن يدفع] الذهب أو الدراهم كما نص عليهما عمر – ﵁ – وإن كان من أصله: أن يقابل الدينار بعشرة دراهم، ودليلنا عليه: ما سنذكره. والاعتبار في [الغني والفقر والتوسط] بوقت الأخذ، لا بوقت العقد. ولو ادعى أحدهم بعد الضرب [عليهم] كما ذكرنا: أنه فقير أو متوسط، قبل قوله، إلا أن تقوم بينة على خلافه. قال: وأقل ما يؤخذ دينار؛ لما روى [أبو داود] عن معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ لما وجهه إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم يعني: محتلما – دينارا أو عدله من المعافر – وهي ثياب تكون باليمن -. وأخرجه

стр. 8209

الترمذي وقال: إنه حسن. وعن بعضهم: أنه روي مرسلا، وأنه أصح. ومعنى "عدله": أي بدله؛ كما في قوله تعالى: ﴿أو عدل ذلك صياما﴾ [المائدة: ٩٥]، وقيل: إن "العدل" و"العدل" لغتان، وهما المثل. والثياب منسوبة إلى قبيلة من اليمن، وقيل: إلى موضع باليمن يقال له: معافر. وروي عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه ﷺ [كتب إلى أهل اليمن: "أن يأخذ من أهل الكتاب من كل محتلم دينارا"، ولم يفرق بين الغني والمتوسط، مع العلم بأن أحوالهم مختلفة في ذلك، وكذا روي أنه ﷺ :] ضرب على أيلة ثلاثمائة [دينار، وكانوا ثلاثمائة] نفر، وهم متفاوتون في اليسار والإعسار لا محالة. ومن جهة المعنى: أن الجزية تؤخذ لحقن الدم وسكنى الدار، وذلك يستوي فيه المكثر والمقل. تنبيه: ظاهر كلام الشيخ – ﵀ – وغيره [يقتضي] أن الواجب هو الذهب، حتى لو أراد أن يأخذ عنه دراهم كان الواجب قدر قيمته كما دل عليه ظاهر الخبر، وهذا ما قال الإمام: إنه رأى في كلام الأصحاب ما يدل عليه، لكنه ذكر ذلك بعد أن جزم بأن الأقل الدينار أو الاثنا عشر درهما مسكوكة من

стр. 8210

النقرة الخالصة، وأن للإمام الخيار في أخذ أيهما شاء. قال: وأكثره ما يقع التراضي عليه؛ لأنه عقد يعتبر فيه التراضي فجاز بما وقع الاتفاق عليه مما لم يرد الشرع بخلافه؛ كالبيع والإجارة. قال الأصحاب: ولا يجوز للعاقد إذا قدر على العقد بمائة دينار أن ينقص منها دانقا، لكنه لا يجبر الكافر على الزيادة عن الدينار، فمتى طلب زائدا عليه، وامتنع الكافر من بذل الزائد – وجب قبول الدينار منه. فرع: إذا بذل الكافر أكثر من دينار وهو جاهل بأن أقل الواجب دينار، لا يجوز للإمام أن يعرفه: إن [أقل] الواجب عليك دينار، وإنك لو امتنعت من بذل الزائد عليه، لم ألزمك سواه. بخلاف ما إذا بذل واحد من المسلمين زائدا عما وجب عليه من الزكاة؛ فإن الإمام يعرفه: إن الواجب عليك كذا، قال القاضي الحسين وغيره: والفرق: أن الزكاة وجبت بالشرع؛ [فروعي فيها إيجاب الشرع]، وأما الجزية فتجب بالمعاقدة والتراضي؛ فروعي فيها ما يقع به التراضي. قال: ويجوز أن يضرب الجزية على الرقاب، أي: بأن يجعل على كل رقبة شيئا معلوما، للخبر المتقدم. قال: ويجوز أن يضرب على الأراضي، أي: على ما يخرج من الأراضي مما تجب فيه الزكاة من [تمر] وزرع، ويجوز أن يضرب على مواشيهم كما فعل عمر – ﵁ – في نصارى العرب. أشار الشيخ بما ذكره إلى أن للإمام أن يضرب [الجزية] على من يعقدها معهم، على ما تجب في جنسه الزكاة من أموال الكفار كالثمار والزروع والمواشي باسم الصدقة، عربا كانوا أو غير عرب؛ اقتداء بعمر – ﵁ –

стр. 8211

فإن من تنصر من الأعراب قبل مبعث النبي ﷺ وهم بهراء وتنوخ وبنو تغلب، لما طلب عمر منهم الجزية أبوا من دفعها؛ أنفة من ذل الجزية، وقالوا: نحن عرب لا نؤدي ما تؤدي العجم! خذ منا كما يأخذ بعضكم من بعض. وعنوا به الصدقة، فقال عمر – ﵁ – لا آخذ من مشرك صدقة فرضها الله – تعالى – على المسلمين طهرة، فقالوا: [خذ] منا ما شئت بهذا الاسم لا باسم الجزية، فأبى؛ فارتحلوا، وأرادوا أن يلتحقوا بالروم؛ فصالحهم عمر – ﵁ – على أن يضعف عليهم الصدقة ويأخذها جزية باسم الصدقة، وكان بمحضر من الصحابة – ﵃ – فلم ينكره منكر. وحكى الإمام والرافعي وجها: أن هذا العقد يختص بالعرب؛ اقتصارا على ما نقل عن عمر – ﵁ – ولا يبعد تخصيص العرب بمزية، وهذا كما أن الرق يجري على العجم بلا خلاف، وفي جريانه على العرب الخلاف السابق. ثم إذا فعل الإمام أو نائبه ذلك لمصلحة اقتضاها رأيه، فقال: ضعفت عليكم الصدقة، أخذ من الداخلين في العقد الملتزمين الجزية من [كل من] ملك خمسا من الإبل شاتين، ومن [كل من] ملك أربعين من الغنم شاتين، ومن كل من ملك من البقر ثلاثين تبيعين، ومن كل من ملك عشرين مثقالا من الذهب دينارا، ومن [كل من] ملك مائتي درهم عشرة دراهم، ومن كل من ملك وسقا من الحبوب أو الثمار الخمس إن كان قد سقاه بماء السماء، والعشر إن كان قد سقاه بنضح أو دالية، ومن كل من ملك ركازا أو استخرج من معدن شيئا الخمس على الشرط المعتبر [فيه]، وهذا مما [لم] يختلف فيه الأصحاب، واقتدوا فيه بفعل عمر – ﵁ – نعم، اختلفوا في أمور: منها: [أنا هل] ننصف النصاب كما ضعفنا المأخوذ؟ فيه قولان في "تعليق" القاضي الحسين وغيره: أحدهما - رواه الربيع -: أن ما كان عفوا في المسلمين من وقص أو دون

стр. 8212

النصاب فهو عفو منهم، [وهذا] أصح في "النهاية" و"الرافعي"، وبه جزم الماوردي. والثاني - رواه البويطي -: أنه يجعل كالنصاب على النصف؛ فيكون في عشرين شاه [شاة]، وفي مائة درهم خمسة دراهم، وكذلك ينصف الوقص، فمتى بلغت مائة شاة ونصف شاة فقد زاد نصف الوقص؛ فتجب ثلاث شياة، وتجب في البعيرين نصف شاة، وفي سبعة أبعرة ونصف ثلاث شياة، وفي الزرع إذا بلغ وسقين ونصفاً العشر أو نصفه. قال الإمام: والقائل بهذا يوجب فيما زاد على النصاب من الوقص ولم يبلغ نصابا بحساب التضعيف. وحكى الإمام في الوقص وجها ثالثا نسبة إلى القفال: أن كل ما يؤدي إلى [التشقيص مع] التضعيف فلا يؤخذ، وإن كان لا يؤدي إليه أخذ من الوقص. فعلى هذا: إذا ملك سبعا ونصفا من الإبل فعليه ثلاث شياة؛ إذ لا تشقيص على حساب التضعيف، ولو ملك من الإبل ثلاثين ونصفا فعليه بنت مخاض وبنت لبون، وفي خمس وثلاثين [من البقر] تبيع ومسنة، وقال: هذا ما يقتضيه حساب التضعيف، مع الأخذ من الوقص واجتناب التشقيص، وبيان ذلك: أنه إذا ملك ثلاثين [ونصفا فيقدر تضعيف ما يزيد على الخمس والعشرين وهو خمس ونصف]، فإذا ضعف الزائد بلغ أحد عشر، وبه يبلغ المال ستا وثلاثين، وواجبها بنت لبون؛ فتؤخذ بنت مخاض في خمس وعشرين، وتؤخذ بنت لبون بتقدير بلوغ المال ستا وثلاثين بتضعيفه. ومن لم يبال بالتشقيص يقول: من ملك ثلاثين ونصفا من الإبل فيجب في الخمس والعشرين بنتا مخاض، ويجب في الخمس والنصف ما يجب في الأحد عشر من أجزاء بنت لبون إذا أضيف إلى ست وثلاثين.

стр. 8213

ومنها: الجبران هل يضاعف؟ فيه وجهان، والصحيح – كما قال الإمام والقاضي الحسين وغيرهما-: لا؛ فلا يجب إلا شاتان وعشرون درهما إذا وجب عليه سن ولم يكن عنده إلا دونه؛ لأنا لو ضعفنا [الجبران لكان ضعف المضعف، والزيادة على المضعف لا وجه بها، مع أنه لا خلاف في أنا لو دفعنا جبرانا] لم ندفع إلا جبرانا واحدا. ومنها: النصاب المعتبر في حقهم هل يشترط وجوده من أول الحول [إلى آخره؛ كالزكاة، أو لا يعتبر وجوده إلا في رأس الحول] [عند الوجوب؟ فيه وجهان في "الحاوي"، وتظهر فائدتهما فيما لو كان موجودا في آخر الحول] دون أوله، فعلى الأول: لا شيء فيها، وعلى الثاني يؤخذ الضعف، ولو كان موجودا في أول الحول دون آخره، قال: ينظر: فإن كان عدمه بالتلف فلا شيء فيه، وإن عدم بنقله إلى مال غير زكائي أخذ منهم؛ لأنهم مهتمون ولا يتدينون بأدائها فأخذت منهم، والمسلمون لا يتهمون؛ لأنهم يتدينون بأدائها. قال: ولا يجوز أن ينقص ما يأخذ من أراضيهم ومواشيهم عن دينار. أراد الشيخ بهذا الكلام بيان أن محل جواز الضرب على الأراضي والمواشي إذا لم ينقص ما يؤخذ من كل [واحد] عن دينار؛ لأن المأخوذ جزية كما ذكرنا، لكن باسم الصدقة؛ لرعونة المأخوذ منه، روي عن عمر – ﵁ – أنه قال: "هؤلاء – يعني: نصارى العرب – قوم حمقى، أبوا الاسم ورضوا بالمعنى"؛ ولهذا يصرف مصارف الجزية، وإذا كان جزية لم يجز أن ينقص عن دينار؛ لما ذكرناه. ثم حالة عدم النقص تتحقق بأن يشترط عليهم أن ما ينقص من المأخوذ من

стр. 8214

كل [واحد] منهم عن الدينار يكمله، وأن من لا مال له مما يجب فيه الزكاة [يعطي الدينار] كما أشار إليه الشافعي – ﵀[في] كتاب الجزية من "الأم" حيث قال: إنما يجوز أن يصالحوا على ذلك بأن يقال [لهم]: من كان منكم له مال [أخذ منه ما شرط على نفسه إذا كانت قيمته ديناراً فأكثر؛ [فأما إذا] لم يكن له مال] يجب فيه ما شرط، [أو كان له مال] يجب فيه إلا أنه [أقل] من قيمة دينار، فعليه تمام دينار. قال [الشافعي – ﵁]، كما حكاه القاضي أبو الطيب -: وعلى هذا يحمل فعل عمر – ﵁ – وإن لم يحك عنه. وقال أبو إسحاق المروزي [في "الشرح"]: الأشبه بفعل عمر – ﵁ – أنه [لم] يشترط ذلك عليهم، وإنما كان كذلك؛ لأن أموالهم كانت الحرث والماشية، وعلم أنها تفي بالجزية أو تزيد عليها؛ فحمل الأمر على الغالب؛ ولأجل ذلك قال أبو إسحاق: إذا كان الغالب يوفيه ما لهم بالدينار جاز العقد من غير شرط، فإن عرض في أموالهم عارض، فنقص ما يؤخذ منها على الدينار من كل شخص – طولبوا [بتكميله، وهذا] ما اختاره [في "المرشد"]، وظاهر النص كما [قال] البندنيجي: الأول. ثم قال: ولو لم يغلب على الظن أن ما لهم من أموال الزكاة لا يفي المأخوذ منه بالدينار، فلا يجوز هذا العقد، ولا يجري الوجهان. وهذا هو الصحيح في "تعليق" القاضي [الحسين]، وظاهر المذهب في "الحاوي"، ووراءه وجوه: أحدها: حكى القاضي الحسين فيما إذا عقد الصلح، ولم يكن يبلغ

стр. 8215

المأخوذ منهم قدر الدينار – أنه يطالبهم بالزيادة؛ حتى يتم ما يكون قدر دينار. والثاني والثالث – حكاهما الماوردي –: أحدهما: أن جواز ذلك لا يتقيد بحالة حصول الدينار من كل واحد؛ بل يجوز وإن نقص عن الدينار، [بل] وإن عدم أخذ شيء من بعضهم كما إذا كان فيهم من لم يبلغ [ماله] نصابا، ومن لم [يملك مالا] يزكى. قال: وهو الظاهر من فعل عمر – ﵁ – ووجهه: أنه يجوز أن يزيد المال في وقت آخر، أو يتجدد فيحصل جبر الفائت بما أخذ منه. والثاني: أن ذلك يجوز إذا علم أن المأخوذ من أرباب الأموال لو وزع على الجميع أن تنقص حصة كل واحد [منهم] عن دينار، ولا يضر كون المأخوذ من بعضهم لا يفي بالدينار، ولا عدم الأخذ من آخر؛ لعدم مال زكائي له. وقال: إن فعل عمر – ﵁ – محمول على ذلك، وفي "تعليق" القاضي الحسين: أن الشافعي – ﵁ – نص على عدم جواز هذا العقد في هذه الحالة، إلا أن يقول في الصلح: إن الأغنياء منهم يؤدون عن الفقراء، أو عن نفر من عشيرته، فأما إذا قال: أنا أعطي كذا على ألا يجب على الفقير منا شيء، [فلا يجوز؛ لأنه] لا يقر أحدا في ديارنا [من غير] جزية، [و] هذا قد قاله البندنيجي أيضا. قال القاضي [الحسين]: وعلى هذا: لو أن حصنا أو بلدة مشتملة على مائة نفر، فقال شخص: أنا أعطي مائة دينار عني وعن أهل البلد – جاز. ولو قال: أنا أؤدي المائة على أن لا جزية عليهم، لم يجز.

стр. 8216

وحكى الماوردي وجها آخر: أنه يجوز؛ بناء على جوازه في المسألة السالفة. واعلم أن ما ذكرناه [من] تضعيف الصدقة ليس بمتعين حتى ولا يجوز غيره، بل قال الأصحاب: إذا رأى الإمام أن يربع ويخمس على وجه المصلحة [فعل]، صرح به القاضي الحسين وغيره، إذا كان المأخوذ من كل [واحد] منهم قدر الدينار، وأوجب الشيخ أبو حامد عقد الذمة [لهم] بهذا الاسم إذا طلبوا في هذه الحالة، ورأى الإمام المنع منه]؛ لما فيه من تشبيههم بالمسلمين في المأخوذ منهم، وحط الصغار من غير عوض [مالي]. ولو نقص المأخوذ من كل منهم عن دينار، لم يجز العقد؛ كما تقدم. نعم، لو كان المأخوذ من بعضهم يوفي بالدينار عن كل واحد منهم مع ما يأخذ منهم، ففيه وجهان في "الحاوي". [فرعان: إذا قال] من بدل اسم الصدقة؛ أنفة من اسم الجزية: قد أسقطت اسم الصدقة عني ورضيت باسم الجزية؛ ففيه وجهان: أحدهما – وهو المشهور، وبه جزم المصنف، وابن الصباغ -: [أنه يسقط] مضاعفة الصدقة عنه؛ لأنها في مقابلة ما أسقطه. والثاني – وهو الأصح في "الحاوي" -: أنها لا تسقط؛ لأن حكم الجزية موجود في الحالين؛ فلم يكن لاختلاف الاسم تأثير، [وهذا يوافق ما] ذهب إليه الشيخ أبو حامد من وجوب العقد بهذا الاسم عند بذل الدينار. [الثاني]: إذا باع صاحب الأرض [الأرض] التي ضربت الجزية عليها

стр. 8217

صح البيع، وتحول المضروب عليها إلى رقبته، قاله في "المهذب" و"المرشد". [وفي "الرافعي"]: أنه إن بقي مع البائع ما يفي الحاصل منه بالمشروط عليه فذاك، وإلا انقلبت الجزية إلى رقبته، ولو أسلم سقط المضروب [عليها]؛ لأنها جزية [فسقطت] بالإسلام. فائدة: إذا لم يصح عقد الذمة من الإمام؛ لفقد شرط مما ذكرناه أو غيره – فلا يثبت القدر المسمى، وإنما الرجوع إلى دينار على كل حالم في السنة، قاله الإمام، وصرح به القاضي الحسين عن نص الشافعي – ﵁ – حيث قال: قال الشافعي – ﵁ –: فإن شرط ألا يجري الحكم عليهم فالصلح فاسد ولهم أخذ ما صولحوا عليه في المدة التي كف عن قتالهم، وعليهم أن ينبذ إليهم؛ حتى يصالحوه على ما يجوز، ومن صالحهم على شيء مما زعم أنه لا يجوز الصلح عليه، وأخذ عليهم جزية أكثر من دينار في السنة – رد الفضل عن الدينار. نعم، لو صالحهم الإمام على المقام بالحجاز فالعقد فاسد. قال المصنف والبندنيجي وابن الصباغ وغيرهم: ويجب عليهم في هذه الحالة المسمى؛ لأنهم إذا أقاموا به مع فساد العقد فلا بد من بدل، ولا شيء مضبوط يرجع إليه. قال: ويجوز أن يشترط عليهم [بعد الدينار] ضيافة من يمر بهم من المسلمين، أي: المجاهدين وغيرهم، كما صرح به البندنيجي وغيره إذا رضوا بذلك؛ لما روي أنه ?: "ضرب على نصارى أيلة ثلاثمائة دينار [في كل سنة]، وكانوا ثلاثمائة نفس، وأن يضيفوا من يمر بهم من المسلمين ثلاثا، ولا يغشوا مسلما". وقد روي أن عمر – ﵁ – "ضرب الجزية على

стр. 8218

[أهل] الشام، على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الورق ثمانية وأربعين درهما، وضيافة ثلاثة أيام". والمعنى [في ذلك: أنه فيه] مصلحة الأغنياء والفقراء من المسلمين: أما الأغنياء فإنهم قد يتأبون من البيع منهم [إذا مروا بهم] فيلحقهم الضرر، فإذا علموا أن ضيافتهم عليهم باعوا منهم، كذا قاله أبو الطيب. وأما الفقراء فإنهم يضطرون إلى المرور بهم لقضاء حوائجهم وإصلاح أشغالهم، وهم لا يتصدقون عليهم؛ فيلحقهم الضرر، فشرعت دفعا [له]، وهذا على وجه الاستحباب كما ذكره الرافعي. وهل يدخل أهل الذمة في استحقاق الضيافة عند الطروق، إذا كان الشرط مطلقا؟ فيه تردد حكاه الإمام. وقد أفهم كلام الشيخ [أنه لا يجوز جعل] الضيافة من الدينار، وهذا ما صار إليه أبو إسحاق وابن أبي هريرة، وجزم به القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ وجمهور البغداديين، وصححه القاضي الحسين والرافعي. وحكى وجه آخر: أنه يجوز [أن يكون] من الدينار؛ لأنه ليس على أهل الذمة إلا الجزية، وهذا ما قال به أكثر البصريين؛ حيث جوزوا [أن يجعل بدلا عن الدينار كله إذا كان مبلغ ما في السنة معلوما يبلغ] قدر الدينار فما زاد، وإيراده في "الوسيط" و"الوجيز" يقتضي ترجيحه، وهو خلاف نص الشافعي – ﵁ – فإن القاضي الحسين قال عند قوله: ولا بأس أن يصالحهم على خراج أراضيهم: قال الشافعي – ﵁ –: لو صالحهم على الضيافة وحدها،

стр. 8219

لم يجز؛ لأن المسلمين ربما لا يدخلون، وربما لا يأكلون من طعامهم؛ فهو مجهول. وعلى القول بالجواز، قال القاضي الحسين والغزالي: يحسب كل منهم [في آخر] الحول ما أنفقه، فإن بلغ دينارا فذاك، وإلا [طولب بإتمام] الدينار، ومفهوم هذا: أنا على القول الأول لا نفعل ذلك. وقد صرح المارودي بما ذكره القاضي تفريعا على القول الثاني، وبما أفمه لفظة تفريعاً على القول الأول، وتبعه فيه الروياني، فيه نظر؛ لأن الضيافة لا تثبت إلا بالشرط، وحينئذ فالإمام إما أن يكون قد صرح في العقد بالدينار و [اشتراط] الضيافة معه [بأن الضيافة هي نفس الجزية، أو بأنها محسوبة من الجزية التي قدرها عليهم، أو ذكر الضيافة وسكت عن الدينار. فإن كان قد صرح بالدينار والضيافة معه] فيجب أن يطلبوا بالباقي من الضيافة عن القدر المشروط؛ لأنها زيادة التزموها على أقل الواجب، فكملت كالزيادة من الذهب. وإن كان قد جعل نفس الضيافة الجزية، أو جعلها بعض الدينار كما يفهمه لفظ الغزالي – ﵀ – فعلى القول الثاني ما ذكروه صحيح، وعلى القول الأول العقد باطل؛ فيكون الواجب كما ذكرنا دينارا والمنفق في الضيافة محسوبا منه إن [كان الطارقون مستحقين للجزية، [و] لا زائد عليه، وتفريعهم يقتضي خلافه. و] إن كان قد ذكر الضيافة وسكت عن الدينار؛ فالتفريع على القول الثاني كما في الحالة قبله، وعلى القول الأول العقد باطل؛ بناء على أن ذكر الجزية في العقد شرط كما هو الصحيح، وحينئذ فيكون الحكم كما تقدم. نعم، قال يقال: إن مراد الماوردي الحالة الأولى، وكلامه يرشد إليها، وإنما لم

стр. 8220

يلزموا على القول الأول بإتمام المشروط من الضيافة؛ لأن عقده [على] هذا القول لا يجب بيان عدد الضيفان، [فإذا لم يعينوا] فلا شيء [عليه] بعد من إضافة [يمكن] المطالبة به. نعم، لو شرط ضيافة قوم محصورين فقد يقول: يلزم الإتمام، والله أعلم. ومما فرعه المارودي على القول الثاني: أنه لا يكون لغير أهل الفيء من الضيافة حظ، وهل يختص بها المجتازون من جيش المجاهدين، أو يكون لهم [ولغيرهم؟] فيه قولان؛ بناء على [أن] [مصروف مال] الفيء هل يختص بالجيش، أو يعم جميع [أهل الفيء، وصرح بأنها على القول الأول، يعم جميع] المجتازين من المسلمين، ولا يختص بها قوم دون قوم، وفي هذا الإطلاق أيضاً نظر؛ فإن المسألة إن كانت مصورة بما إذا شرط كون الضيافة [زائدة على الدينار فينبغي ألا يختلف الحكم فيها على القولين، وإن كانت الضيافة] هي الدينار من غير زيادة فيجب أن يقال على القول الأول بالبطلان وبعدم الصرف إلى جميع المجتازين من المسلمين؛ لما تقدم من التقرير. فإن قلت: نلتزم الصورة الأولى، [ونقول] إذا جوزنا جعل الضيافة بدلا عن الدينار عند الانفراد، فإذا شرطت مع الدينار فكأنا شرطنا عليهم دينارين، وجعلنا الضيافة أصلا؛ كما أن أخذ الدينارين أصل فلا يجوز الصرف لغير مستحقي الفيء، وإذا لم يجعل الضيافة قائمة مقام الدينار فكأنها تابعة له، ويغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع. قلت: إن صح الجواب على هذا التقرير فسد به [ما حصل به] الجواب

стр. 8221

في الصورة السابقة فتأمله، والله أعلم. قال: ويبين أيام الضيافة في كل سنة، أي: بأن يقول: أقررتكم على أن عليكم عن كل مكلف منكم دينارا، وعليكم ضيافة ألف نفس في السنة أو أكثر منها أو أقل، كما حكى عن الروياني، وهو في "الحاوي" ويقتضيه كلام الشيخ والبندنيجي وغيرهما الآتي من بعد، أو يقول: على أن كل [منكم ضيافة] مائة نفس أو أكثر أو أقل، كما ذكره غيرهم. قال: ويذكر قدر من يضاف من الفرسان أو الرجالة، أي: في كل يوم، مثل أن يقول: ويقوموا [بضيافة] عشرة [أنفس] في كل يوم [منهم] فرسان ستة، ورجالة أربعة. قال: ومقدار الضيافة من يوم أو يومين أو ثلاثة، أي: بالنسبة إلى كل شخص؛ لأن ذلك كله أنفى للغرر، وأقطع المنازعة، وهذا البيان صرح [به] البندنيجي وابن الصباغ وغيرهما: بأنه على وجه الوجوب؛ فلا يصح العقد بدونه. وحكى الرافعي [أن] في "البحر": أنه لو لم يذكر عدد أيام الضيافة في الحول، واقتصر على ذكر ثلاثة أيام مثلا عند قدوم كل قوم – كان فيه وجهان: إن جعلناها أصلا كالدينار فلا يجوز، وإلا فيجوز، وهما كذلك في "الحاوي"، والمراد: أن الضيافة إن جعلت [بدلا] عن الدينار وجوزناها فلا يجوز، وإن لم تجعل الضيافة بدلا عن الدينار فيجوز، وهذا يقتضي الجزم بأنه لا يشترط ذكر عدد الضيافة تفريغا على مذهب العراقيين وأكثر البغداديين، وبه يجتمع مع ما ذكرناه عن البندنيجي وغيره في الاشتراط وجهان، وكذا الحكم في اشتراط عدد الضيفان يجتمع فيه وجهان؛ لأن الماوردي قال: إذا شرطت الضيافة وراء أقل الجزية، فلا يشترط التعرض للعدد، وإنما يشترط إذا جعلت من [نفس] الجزية.

стр. 8222

قال: ولا يزاد على ثلاثة أيام؛ لما روى أنه ﷺ قال: "الضيافة ثلاث، وما زاد عنها صدقة"، وفي رواية "مكرمة"، وفي رواية " [لا يحل] لأحد أن يثوي عند صاحبه حتى يجرحه"، وروي أنه قال: "الضيافة ثلاثة [أيام]، والإجازة: يوم وليلة". وأراد بالإجازة: إعطاء الجائزة، من قولهم: أجازه يجيزه، إذا أعطاه الجائزة، ومعناه: أنهم يزودونه ليوم وليلة إذا رحل، وتضيفه في المقام ثلاثة أيام، ولأن الضيافة مختصة بالمسافرين، ومن قصد إقامة أكثر من ثلاثة أيام انقطع سفره. وعن ابن كج: أنه يشترط على المتوسط ثلاثة أيام، وعلى الغني ستة أيام. وقال الإمام: إذا حصل التوافق على الزيادة في الليالي فلا معترض. تنبيه: "الضيافة" من: ضاف، إذا مال؛ لأن الضيف يميل إلى المضيف. قال أهل اللغة: يقال: أضفت الرجل، وضيفته: إذا أنزلته ضيفا، وضفته وتضيفته: إذا نزلت عليه ضيفا. و"الضيف" يكون واحدا وجمعا، ويجمع أيضا على: أضياف، وضيفان، وضيوف، والمرأة ضيف وضيفة. قال: ويبين قدر الطعام والأدم، والعلف وأصنافها؛ نفيا لجهالة العوض، والأعدل في تقدير الطعام ثلاثة أرطال من الخبز في كل يوم، ومن الأدم ما يكفي ذلك، كما ذكرناه في النفقات. وفي علف الدواب يرجع إلى العادة الغالبة، وهي تختلف بالخيل والجمال

стр. 8223

والحمير، وظاهر كلام الشافعي – ﵁ – يدل على أن بيان العلف لا يشترط؛ فإنه قال – كما حكاه ابن الصباغ وأبو الطيب-: إنه لو أطلق ذكر العلف لا يدخل فيه الشعير، وإنما هو التبن والحشيش. ولم يورد الماوردي غير المنصوص عليه، وقال: هو وغيره: إنه عند اشتراط الشعير يجب القيام به، قال: ويكون ذلك من جنس طعامهم وإدامهم؛ نفيا للمشقة عليهم. قال الماوردي: فإن كانوا يقتاتون الحنطة ويتأدمون باللحم، كان عليهم أن يضيفوهم بذلك، وإن كانوا يتاتون الشغير ويتأدمون بالألبان، أضافوهم بذلك [وأما ما سواه] من الثمار والفواكه فإن كانوا يأكلون ذلك غالبا في كل يوم شرط عليهم في زمانها، وليس للأضياف أن يكلفوهم ما ليس بغالب لأقواتهم ودوابهم، ولا ذبح جمالهم ودجاجهم، ولا الفواكه النادرة والحلوى، ولا ما [لا] يتضمنه شرط صلحهم. قال: ويقسم ذلك على عددهم، أي: إن استوت جزاهم وتنازعوا، كما صرح به البندنيجي والماوردي وغيرهما، وعلى قدر جزاهم، أي: إن اختلفت وتنازعوا؛ لأن هذا هو اللائق بالحال. وهذا بناه الماوردي على الصحيح في أن الضيافة تكون وراء الدينار، وحكى وجها آخر: أنهم متساوون في الضيافة، إن تفاضلوا في الجزية إذا جعلت الضيافة أصلا وجوزناه. واعلم أن كلام الشيخ – رحمه الله تعالى – يقتضي أمرين: أحدهما: جواز ضرب الضيافة على عددهم من غير بيان ما على كل واحد منهم في الابتداء كما حكيناه من قبل، وفي كلام القاضي الحسين ما يتنازع في ذلك؛ فإنه قال: وعلى الإمام أن يبين لكل واحد [منهم] عددا معلوما يضيفه في كل شهر أو جميع السنة، وعلى هذا ينبغي أن ينزل كلام الشيخ أيضا بأن يقرأ: ويقسم – بفتح الياء وإسكان القاف – ويكون الضمير عائدا إلى عاقد الذمة لكن الظاهر الأول. الثاني: أنها تضرب على الغني والمتوسط [والفقير] المعتمل الذي تقدم

стр. 8224

ذكره، وهذا هو المحكي عن الشيخ أبي حامد، ولم يورد البندنيجي وابن الصباغ والقاضي الحسين والإمام والغزالي سواه، وهو محكي عن الشيخ أبي محمد. قال القاضي الحسين: فيوظف على الغني عشرة مثلا، وعلى المتوسط خمسة، وعلى الفقير ثلاثة، على ما يؤدي إليه اجتهاده، ولا تفاوت بينهم في صفة الطعام والإدام، كي لا يؤدي إلى إضرار الأغنياء؛ لأن الضيف يميل إليهم [رغبة في] أطعمتهم الناعمة. وتبعه في هذا الإيراد الإمام. وفي "الرافعي": أنه يجعل على الغني عشرين، وعلى المتوسط عشرة، وعلى الفقير خمسة. وفي "المهذب" و"الحاوي": أن الفقير لا يشترط عليه الضيافة؛ لأنها تتكرر فلا يسهل عليه القيام بها. وهذا ظاهر نص الشافعي – ﵁ – كما سنذكره من بعد، واعتبر الماوردي في جواز ضرب الضيافة أن يكون بالمضروب [عليه] قوة بها، إما لخصب بلادهم وإما لكثرة أموالهم، فإن ضعفوا عنها لم يؤخذوا بها. وفي "الرافعي" – بعد نسبة ما حكيناه عن المذهب إلى الروياني وقوله: إنه الأشبه – أن الأحسن ما ذكره صاحب "التهذيب"، وهو الاشتراط على المعتمل دون غير المعتمل. وهذا ما نبهت على أنه ظاهر كلام الشيخ هنا، ويمكن حمل كلامه في "المهذب" على الفقير [غير المعتمل، وإليه يرشد قوله: ولا تجب على الفقير [وإن وجبت عليه الجزية]، يعني]: وإن وجبت عليه الجزية على قول. قال الرافعي: ويمكن أن يبنى الخلاف على أن الضيافة تحسب من الجزية أو وراء الجزية، فإن قلنا بالأول يشترط عليه، ولا يزاد فيما ينفقه على الدينار، وإن قلنا بالثاني فلا.

стр. 8225

[قلت: ولو صح ما ذكره لم يكن ذلك خلافا مبنيا؛ بل هو منزل على حاله، فإن شرطت مع الدينار جازت، وإلا فلا]. قال: وعليهم أن يسكنوهم في فضول مساكنهم وكنائسهم، [أي: في مدة الضيافة؛ لأن الضيافة تستلزمها عادة، وقد روي: "أن عمر – ﵁ كتب إلى الشام: [أن يؤخذ أهل الذمة] بتوسيع أبواب كنائسهم]؛ ليدخلها الراكب إذا نزلها". ثم ظاهر كلام الشيخ يقتضي أن الإسكان يلزمهم من غير تنصيص عليه، وكلام غيره من الأصحاب مصرح باشتراطه كما يشترط غيره، وقالوا: إنه يجوز شرطه على الفقراء الذين لا يضيفون في بيوتهم. تنبيه: "فضول المنازل": [جمع"فضل"، وهو ما زاد على الحاجة؛ فلا يجوز إخراج أرباب المنازل] منها إذا ضاقت ولم يسعهم الفضول، وهذا ما حكاه البندنيجي عن النص؛ حيث قال: قال الشافعي – ﵁ – في "الأم": وإن لم تسعهم فضول منازل الأغنياء نزلوا في فضول منازل الفقراء وذوي الحاجة، ولا ضيافة عليهم، فإن لم يسعهم فضول منازلهم لم يكن لهم إخراج أربابها منها ونزولهم فيها، ويجب أن يكون الفضل الذي ينزل فيه الضيف يقيه من الحر في وقته [والبرد في وقته]. وكذا يجب أن يهيئوا موضعا للدواب. قال الماوردي: ولو شرط عليهم أن انقطع مركوبه حملوه إلى طرف بلاد الضيافة جاز، وإن لم يشترط عليهم لم يلزمهم. فروع: حكاها الماوردي وغيره: إذا ضرب الإمام الضيافة عليهم، ثم أراد نقل المؤن إلى الدينار، وأخذه منهم – ففيه وجهان، أحدهما: لا يجوز ذلك إلا برضاهم، قال الإمام: والصحيح

стр. 8226

عندي: أن الضيافة إن رأيناها محسوبة من الدينار الذي هو الأصل، فللإمام ردها إلى الدينار، وإن كانت الضيافة زائدة على الدينار فالوجه: القطع بعدم قدرته على ذلك بدون رضاهم. [ثم] إذا قلنا بجواز رجوعه إلى الدينار فهل يبقى الدينار لعموم المصالح كالضيافة، أم يختص بأهل الفيء؟ فيه وجهان، أظهرهما في "الرافعي": الثاني؛ لأن القياس في الضيافة – أيضا – الاختصاص، إلا أن الحاجة اقتضت التعميم، وإذا ردت إلى الأصل ثبت الاختصاص كما في الدينار المضروب ابتداء. إذا طلب الضيف [ثمن] الطعام لم يلزمهم ذلك، ولو أراد أخذ الطعام ليذهب به ولا يأكله عندهم، فله ذلك، بخلاف طعام الوليمة لا يجوز إخراجه؛ لأن هذه معارضة وتلك مكرمة. ليس للضيف طلب طعام الأيام الثلاثة في اليوم الأول، وإذا امتنعوا من الإتيان بالطعام في وقته فهل للضيف المطالبة به في الغد؟ إن قلنا بأنه زائد على الدنيا فلا يجوز، وإلا فيجوز. [لا يلزم] أهل الذمة أجرة الطبيب والحمام وثمن الدواء. إذا تنازعوا في إنزال الضيف فالخيار إليه، [وإن تزاحم] الضيفان على واحد فالخيار [إليه، وإن لم يزاحم الضيفان على واحد فالخيار] للذمي، وإن كثر عددهم وقل المضيفون فالسابق أحق، وعند التساوي الرجوع إلى القرعة. قال الشافعي:﵁: فإن غلب بعضهم بعضا ودخل المنزل كان أحق [به]، حكاه البندنيجي. قال: ومن بلغ من أولادهم، أي: في دارنا، واختار المقام – واستؤنف له عقد الذمة على ظاهر النص؛ لأن عقد الأب وقع لنفسه دونه، وقد ثبت له حكم الاستقلال؛ فعومل معاملة من لا أب له، وهذا ما أورده القاضي أبو الطيب

стр. 8227

[وابن الصباغ]، واختاره في "المرشد"، وقال الإمام: إنه الأشبه. وقيل: تؤخذ منه جزية أبيه، أي: من غير استئناف عقد؛ لأنه لما تبعه في النسب والأمان تبعه في الذمة. ولا تؤخذ منه على هذا جزية قوم أمه إذا كانت أكثر من جزية أبيه؛ لأن الأم لا جزية عليها، [وهذا بخلاف الدية]، وهذا القول أصح في "تعليق" القاضي الحسين، وبه جزم الفوراني، وقال الإمام: إن ظاهر النص يدل عليه. ولذلك قال الماوردي: إنه ظاهر مذهب الشافعي – ﵁ – ونسب الأول إلى قول الشيخ أبي حامد، [وقال]: إنه فاسد؛ لأن الشافعي – ﵁ – جعل جزية الولد إذا اختلفت جزية أبويه جزية [أبيه دون] أمه ولم يستأنف أحد من الأئمة العقد للأولاد عند بلوغهم. ثم لا فرق في جريان القولين عندنا بين أن يكون الأب قد قال: التزمت في حق ابني إذا بلغ مثل ما التزمت في حق نفسي، أو لا، قاله الإمام وغيره. التفريع: [إن قلنا بالأول:] ضرب عليه من الجزية ما يقع به التراضي، والأولى أن يتلطف به إلى أن يقبل جزية أبيه إذا كانت أكثر من أقل ما رضي به، فإن أبي إلا بذل أقل الجزية – وجب العقد له. وإن قلنا بالثاني: قيل له إن رضيت بجزية أبيك تركناك، وإن أبيت فقد نقضت العهد؛ فنعاملك معاملة ناقض العهد، فإن أبى رد إلى مأمنه كما جزم به أبو الطيب والبندنيجي والقاضي الحسين، فإن عاد وبذل أقل الجزية عقد له. وفي "الرافعي": حكاية طريقين فيه عند الامتناع من بذل [جزية] أبيه: أحدهما: أنه على الخلاف الآتي فيما إذا امتنع المستقل بالعقد من بذل الزيادة. [والثاني: أنا نقبل منه عند الامتناع من بذل الزيادة] على أقل الجزية ما بذله في الحال؛ لأنه لم يقبل بنفسه حتى يجعل بالامتناع ناقضا للعهد.

стр. 8228

تنبيه: ظاهر قول الشيخ يقتضي أنه لا فرق فيما ذكره بين أن يبلغ الولد رشيدا أو سفيها، والأمر كذلك، لكن إذا قلنا: إنه تؤخذ منه جزية أبيه، أخذت من مال السفيه وإن كانت أقل [من] الجزى، وإن قلنا باستئناف عقد الذمة فللسفيه الاستقلال به؛ لحقن دمه بأقل الجزى، وهل يجوز العقد بأكثر منه؟ قال القاضي الحسين في "تعليقه": سئل عن ذلك – يعني القفال- فقال: يلزمه، أذن الولي [أو لم يأذن]؛ كما لو صالح عن دم العمد على أكثر من الدية، وهذا ما أورده في "الوسيط" فقها وتوجيها. [ثم] قال القاضي: وفي لزوم الزيادة دون إذنه نظر؛ لأنه يمكنه حقن دمه دونها؛ إذ الإمام يلزمه حقن الدم بالدينار الواحد، بخلاف ما لو وجب عليه قصاص، فصالح على أكثر من الدية – يلزمه الزيادة؛ لأنه لا يتوصل إلى [حقن دمه] بدونها إذا لم يرض المستحق إلا بها. وفي "النهاية" نسبة التجويز إلى القاضي وتضعيفه بما أبداه القاضي احتمالا، وقد أبدى ابن الصباغ هذا الاحتمال أيضا، وحكى عن الروياني مثله؛ ولأجل ذلك جزم في "التهذيب" بعدم أخذ الزيادة. ولو امتنع السفيه من بذل الجزية، ورام اللحوق بدار الحرب – فليس للولي عقدها، صرح به القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والروياني وغيرهم، وكلام الغزالي في "الوسيط" يفهم خلافه؛ لأنه قال: ولو عقد الولي الزيادة لم يكن للسفيه المنع كما يشتري له الطعام في المخمصة قهرا؛ لصيانة روحه. والأشبه الأول، وكلام الغزالي يمكن عوده إلى مسألة القصاص التي قاس عليها ما نحن فيه، كما صرح به الإمام فيها، لا إلى مسألة الجزية، لكن كلامه في

стр. 8229

"الوجيز" مصرح بالأول؛ فلعله أخذه من ظاهر كلامه في "الوسيط" من غير مراجعة غيره في ذلك الوقت، والله أعلم. قال: وتؤخذ الجزية في آخر الحول؛ لأنه حق مالي يتكرر بتكرر السنين؛ فكان وقت أخذه آخر الحول كالزكاة والدية، وحكى الأصحاب قولين تظهر فائدتهما من بعد في أن الحول هل هو مضروب [للوجوب كالزكاة]، أو يتعلق الوجوب بأول الحول، والمدة مضروبة للأداء. وفي "النهاية": أن عبارات الأصحاب قد اختلفت في إضافة الوجوب إلى أول السنة: فمن قائل: يجب الجميع بأول السنة ثم الاستقرار على التدريج، ومن قائل إنها تجب شيئا فشيئا، وعلى هذا يتخرج أن الإمام هل له أن يطالب بقسط ما مضى أم لا؟ وفيه وجهان حكاهما الإمام أيضا، والظاهر المنع؛ إتباعا لسير الأولين، وأنه هل يجوز للإمام أن يشترط تعجيل الجزية؟ فيه وجهان في "التهذيب"، ووجه الجواز إلحاقها بالأجرة. فرع: إذا بلغ الصبي في أثناء الحول، واختار المقام عندنا – خير بين ثلاثة أشياء: بين أن يدفع عند تمام الحول قسط الماضي؛ ليكون حوله [مع] حول أصحابه، وبين أن يؤخر قسط بعض الحول إلى تمام الحول الثاني فيعطيه معه، وبين أن يصبر إلى أن يتم حول من [حين] بلوغه فيعطي ما عليه. قال: ويؤخذ ذلك منهم برفق، كما تؤخذ سائر الديون [؛ لما روى أبو داود عن عروة بن الزبير: أن هشام بن حكيم بن حزام وجد رجلا – وهو على حمص – يشمس ناسا من النبط في أداء الجزية، فقال: ما هذا؟! سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا"، وأخرجه مسلم.

стр. 8230

و] لأنها عوض عن حقن دمائهم وسكناهم في دار الإسلام فكانت كالأجرة في الإجارة والثمن في البيع، وهذا ما حكاه القاضي أبو الطيب في أواخر كتاب الجزية عن نص الشافعي – ﵁ – في "الأم"، وكذلك البندنيجي حكاه عن النص قبيل باب الهدنة، وذكر أن الشافعي – ﵁ – قال: يكفي في الصغار أن يجري عليهم الحكم، لا أن يضربوا ولا يؤذوا بكلام قبيح. وقد حكى تفسير الصغار في الآية بهذا عنه – أيضا – المراوزة وقالوا هنا: إنها تؤخذ منهم على وجه الإهانة فيطأطئ الذمي رأسه عند التسليم، ويأخذ المستوفي بلحيته ويضرب في لهزمته – وهي من اللحيين مجتمع اللحم بين الماضغ والأذن، فيقول: يا عدو الله، أد حق الله. واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿وهم صاغرون﴾ [التوبة: ٢٩]، لكنهم اختلفوا في أن ذلك واجب أو مستحب، على وجهين، أصحهما في "الوسيط" و"الرافعي": الثاني؛ لأنها تسقط بتضعيف الصدقة، وبنوا على الوجهين جواز توكيل المسلم في أدائها، والحولة عليه بها، وضمان المسلم بها. وقال الإمام: الأصح عندي تصحيح الضمان؛ فإن ذلك لا يقطع إمكان توجيه الطلب على المضمون عنه ونفي الضمان – حتى يقال: لا يلزم الضامن شيء – بعيد. ثم قال: ويتجه عندنا طرد الخلاف فيما إذا وكل الذمي ذميا فإن كل ملتزم للذمة معني بالصغار في نفسه، ولا خلاف في جواز توكيل المسلم [في] عقد الذمة؛ لأنه ليس في صغار. تنبيه: الرفض ضد العنف، وقد رفق به، يرفق – بالضم – وأرفقته، وترفقت به. قال: ولا يؤخذ من امرأة؛ لقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله﴾ الآية [التوبة: ٢٩.] [وهذا خطاب للذكور]. وروي عن عمر – ﵁ – أنه كتب إلى أمراء الأجناد: أن اضربوا
следующие страницы →