← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 8261–8300 · переход к 8266.

стр. 8261

"صحاح" الجوهري عن الأصمعي: أنه سمي به؛ [لاحتجازه] بالحرار الخمس، ومنها: حرة بني سليم، وحرة واقم، ويقال: احتجز الرجل بإزاره، إذا شده على وسطه. واليمامة: مدينة بطرف اليمن على أربع مراحل من مكة – شرفها الله تعالى – ومرحلتين من الطائف، وسميت باسم جارية زرقاء كانت تبصر الراكب من مسيرة ثلاثة أيام، يقال: هو أبصر من زرقاء اليمامة. والمخاليف – بفتح الميم وبالخاء المعجمة – جمع "مخلاف" بكسر الميم، وهي قرى مجتمعة. وعلى هذا التفسير الذي ذكره الشافعي – ﵁ – تكون الطائف والوج – وهو وادي الطائف – وخيبر [من الحجاز؛ لأن الطائف والوج من مخاليف مكة]، وخيبر من مخاليف المدينة؛ كذا قاله الغزالي. وفي "النهاية": أن المراوزة قالوا: الذي يحرم إقرار المشركين فيه: [مكة، والمدينة ومخاليفها. وقال العراقيون: إنه] مكة والمدينة واليمن. والمخاليف حكمها حكم البلاد في جميع الطرق، وقد يتجه عد اليمن من الحجاز؛ لأنه مجتمع العرب؛ ولأجل ذلك حي في "الوجيز" في دخول اليمن في الحجاز وجهين، ورد الرافعي الوجهين إلى أن اليمن هل يدخل في [حد] الجزيرة أم لا؟ وهو الأقرب إلى كلامه في "الوسيط"، والأول هو المفهوم من كلامه في "الوجيز"، ووراء ما ذكره الشافعي – ﵁ – من [تفسير "الحجاز"] أقوال: منها – عن الحربي –: أن تبوك وفلسطين من الحجاز. ومنها – عن الكلبي – أن حدود الحجاز: ما بين جبلي طيئ إلى طريق العراق. وقد ذكرنا أن الحجاز على الطريقة المشهورة: بعض الجزيرة، وقد اختلف

стр. 8262

القائلون بهذا الطريق في حد الجزيرة: فعن الإمام مالك: أنها الحجاز واليمن وما لم يبلغه ملك فارس والروم. وعن سعيد بن عبد العزيز: أنها ما بين الوادي إلى أقصى اليمن إلى تخوم العراق إلى البحر. قال الشيخ زكي الدين عبد العظيم: ويشبه أن يريد بالوادي وادي القرن. وحكى البخاري عن المغيرة، قال: هي مكة، والمدينة، واليمامة، واليمن. وقال الأصمعي – وهو المحكي عن الشافعي، كما نقله الماوردي-: هي من أقصى عدن إلى ريف العراق في الطول، وأما في العرض: فمن جدة وما والاها من ساحل البحر، إلى أطراف الشام. وقال أبو عبيد: هي ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن في الطول، وما بين يبرين إلى منقطع السماوة في العرض. والحفر - بفتح الحاء -: هو التراب يستخرج من الحفرة، والحفر هذه ركايا احتفرها أبو موسى الأشعري على جانب الطريق من البصرة إلى مكة، تكون منها على خمسة أميال، وهي مياه عذبة. ويبرين – بفتح الياء آخر الحروف، وسكون الباء الموحدة وكسر الراء -: رمل لا يدرك أطرافه عن يمين مطالع الشمس من حجر اليمامة. والسماوة: موضع بالبادية ناحية العواصم. واختلف الناس في السبب الذي لأجله سميت الجزيرة جزيرة: فقيل: لانحياز الماء عن موضعها بعد أن كان يجري عليها. وقيل: الجزر: القطع؛ ومنه سميت الجزيرة؛ لأنها قطعة منه أو: لأن الماء جزر عنه، أي: انقطع، وجزيرة العرب سميت بها؛ لأنها جزرت عنها المياه التي حولها لبحر البصرة، وعمان، وعدن، والفرات. وقيل: لأن حواليها بحر الحبش وبحر فارس ودجلة والفرات، [فالبحران يحيطان بجانبها الجنوبي]، والدجلة والفرات أحاطا بجانبها الشمالي.

стр. 8263

واعلم أنهم كما يمنعون من المقام بالحجاز يمنعون من المقام بسواحل بحره وجزائره وجباله، كما صرح به البندنيجي وغيره، وحكاه ابن الصباغ عن نصه في "الأم". وفي "النهاية" حكاية وجه: أنهم إذا أقاموا في الطرق المعترضة التي لا تسلك في أوساط البلاد المعدودة، كما بين مكة والمدينة ونحو ذلك، لا يمنعون منه. ولا نزاع في أنهم لا يمنعون من ركوب بحر الحجاز؛ لأنه ليس موضع إقامة، صرح به البندنيجي وغيره. وحكى ابن الصباغ أن الشافعي – ﵁ – قال في "الأم": ولا يبين لي أن أمنعهم من [ركوب بحر الحجاز. وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنهم لا يمكنون من] المقام في المراكب في "البحر" إلا قدر ما ينزلون في البر، وأقصاه ثلاثة أيام مقام المسافر، ولعله أراد: إذا أذن فيه الإمام، [وأقام في موضع واحد كما سنذكره في البلاد. قال: وإن أذن لهم، أي: الإمام] أو نائبه، في الدخول، أي: لغير الحرم من بلاد الحجاز؛ لتجارة أو رسالة – لم يقيموا أكثر من ثلاثة أيام، أي: في موضع واحد غير يوم الدخول ويوم الخروج كما صرح به الإمام وغيره. والأصل فيه: ما روي عن عمر – ﵁ – أنه أجلى أهل الذمة من الحجاز، وضرب لمن قدم منهم تاجرا ثلاثة أيام. وهكذا الحكم في الإذن لأهل الحرب في دخول ما عدا الحرم من الحجاز. ولا فرق في ذلك بين أن يكون له من الشغل ما ينقضي في الأيام الثلاثة، أو لا ينقضي؛ لأنه يمكنه التوكيل فيه. نعم، لو مرض جاز أن يقيم في الموضع الواحد إلى أن يبرأ؛ لما في ذلك من

стр. 8264

المشقة، صرح به القاضي الحسين وغيره من العراقيين. وفي "النهاية": أنه ينظر: إن تمكن من الانتقال من غير أن تعظم المشقة عليه كلف الانتقال، وإن خيف عليه الموت ترك إلى أن يبرأ، وإن لم يخف [عليه] الموت ولكن [كان] ينال مشقة عظيمة – فوجهان، أصحهما: الانتقال. قلت: وقياس ما ذكره: أن يترك في حالة يخشى عليه الموت [فيها من الانتقال، إلى أن ينتهي إلى حالة لا يخشى عليه فيها الموت] وإن لحقه مشقة عظيمة [على أصح الوجهين، أو إلى ألا تلحقه مشقة عظيمة] على مقابله، ولا يترك إلى أن يبرأ. ولا خلاف أن له الانتقال في حالة الصحة من موضع إلى موضع من بلاد الحجاز؛ بشرط ألا يقيم في كل موضع أكثر من ثلاثة أيام، ولا يقوم إذن [غير] الإمام [ونائبه في ذلك مقام إذنهما، صرح به الماوردي وغيره. [نعم]، لو دخل غير تاجر الحجاز بأمان مسلم، فهل يجب عليه شيء؟ فيه وجهان، والمذهب: المنع. قال الإمام: ومن يوجب شيئا فلا متعلق له غير الدينار، وهو أقل الجزية، ولا أحد يصير إلى تعشير ما معه من ثوب ومركوب. ولا يتوقف جواز الإذن منهما على اشتراط [مال] يؤخذ منهم في حالة الدخول للرسالة، بل لا يجوز أن يشترط عليهم في هذه الحالة، وكذلك لا يتوقف الإذن في الدخول [بالتجارة] التي بالمسلمين إليها حاجة على اشتراط مال. نعم، لو لم يكن بالمسلمين إلى ما يحضرونه حاجة كالعطرة ونحوه، ففي "الشامل" و"تعليق" القاضي أبي الطيب: أنه إذا رأى المصلحة في الإذن بغير

стр. 8265

شيء كان له ذلك، وإن رأى المصلحة في الاشتراط لم يجز أن يأذن [الإمام]، إلا أن يشترط عليهم عوضا على حسب ما يراه. وفي "تعليق" البندنيجي، والقاضي الحسين: أنه لا يجوز أن يأذن في حالة عدم المصلحة للمسلمين في الدخول إلا بعوض، وحكى الغزالي وغيره في المسألة وجهين، ورأى الإمام ترجيح الأول، والمعظم على الثاني. قال الأصحاب: والأولى: أن يشترط على أهل الذمة نصف العشر، وعلى أهل الحرب العشر؛ لأن عمر – ﵁ – هكذا شرط على من دخل الحجاز، وفيه وجه: أنه لا يجوز الزيادة على ذلك. ثم إذا أطلق الإذن للكافر الذمي أو الحربي في الدخول بالتجارة، لم يستحق عليه شيء على المذهب في "تعليق" البندنيجي، وهو الصحيح عند الشيخ حيث قال: وقيل: إن كانوا من أهل الذمة، [أي: وقد أطلق الإذن لهم من غير شط]- أخذ منهم لدخول الحجاز [نصف] العشر من تجارتهم، وإن كانوا من أهل الحرب أخذ منهم العشر؛ لتقدير ذلك في الشرع بفعل عمر – ﵁ – فحمل مطلق الإذن عليه. قال: وليس بشيء؛ لأنه أمان من غير شرط؛ فلم يستحق به مال كالهدنة. قال الرافعي: والوجهان قريبان من الخلاف السابق في أنه هل يجوز حط أصله، أو أحد الخلافين مبنى على الآخر؟ وأنت إذا تأملت ما حكيته عن البندنيجي وابن الصباغ – عرفت أنه غير مبني عليه؛ فإنهما حكيا الخلاف المذكور في الكتاب، وجزما في مسألة حط الجميع بأحد الوجهين. ثم حيث وجب أخذ العشر، أو نصف العشر من الحربي أو الذمي – إما بالشرط أو غيره – فهل يتكرر المأخوذ بتكرر الدخول في السنة الواحدة من غير شرط في التكرر؟ قال الأصحاب: أما في الذمي فلا، بل لا يؤخذ منه سوى مرة واحدة في

стр. 8266

السنة، وأما في الحربي فالمذهب: أن الحكم فيه كالذمي كما حكيناه عن البندنيجي، وهو ظاهر النص في "الشامل". ومن أصحابنا من قال: يؤخذ العشر في كل مرة، وإلا فيفضي إلى فوات ذلك؛ لأنه يتجر طول الحول، فإذا قارب حولان الحول انقطع دخوله؛ فيتعذر الأخذ منه، ويخالف الذمي؛ لأنه تحت قبضة الإمام فيمكنه أن يأخذ منه إذا تأخر عن الدخول رأس الحول. وهذا يفهم أنا على المذهب لا نأخذ العشر أو نصفه إلا بعد مضي حول من حين الدخول كما يفعل [في الجزية]، وفي "تعليق" القاضي الحسين حكاية طريقة طاردة للوجهين في الذمي أيضا. ولا خلاف في عدم تكرر الأخذ بانتقاله من موضع إلى موضع من دار الإسلام. أما إذا شرط في الصلح أن يأخذ في كل سنة مرتين، أو في كل شهر مرة، أو يأخذ في كل دفعة يحملون فيها شيئا – كان ذلك جائزا، حكاه القاضي الحسين عن النص، ومن منع من أخذ الزيادة على ما قرره عمر – ﵁ – ورأى عدم التكرار عند عدم الشرط، لم يجوز ذلك الشرط كما أشار إليه الغزالي؛ لأنه زيادة على ما فعله عمر، ﵁. ولا فرق فيما ذكرناه بين أهل الحرب وأهل الذمة في دخولهم الحجاز بين الرجل والمرأة؛ لأنها ممنوعة من دخول الحجاز [كالرجل، بخلاف ما لو ترددت في غير الحجاز] من بلاد الإسلام، لا يجوز أن يشترط عليها شيء من مالها؛ لأنها غير ممنوعة من المقام فيها، صرح به القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما. قال: ولا يمكن مشرك، أي حربيا كان أو ذميا، من دخول الحرم، أي: حرم مكة شرفها الله تعالى بحال، أي: سواء أراد الدخول لأداء رسالة، أو طلب تجارة بعوض، أو غيره، أو لسماع كلام الله تعالى، أو تعلم شيء من العلوم؛ لقوله

стр. 8267

تعالى: ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ [التوبة: ٢٨]، [وإن] كان نزول هذه الآية في سنة تسع من الهجرة، والمراد بالمسجد [فيها]: جميع الحرم؛ لأنه قد يعبر به عنه؛ قال الله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى ليلا بعبده من المسجد الحرام﴾ [الإسراء: ١]، وكان [من] بيت خديجة كما نقله الماوردي والبغوي، أو من بيت أم هانئ؛ كما قاله القاضي الحسين وغيره، وكلاهما في الحرم؛ ولا قائل بأنه يستعمل في مكة دون بقية الحرم. ويدل على أن المراد ما ذكرناه سياق الآية، وهو قوله تعالى: ﴿وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله﴾ [التوبة: ٢٨]، أي: إن خفتم انقطاع التجارة والميرة عنكم فاعتصموا بفضل الله، ومعلوم أن ما يجلب إلى البلد، لا إلى المسجد نفسه، وقد روى الشافعي – ﵁ – بإسناده: أن النبي ﷺ قال: "لا ينبغي لمسلم أن يؤدي الخراج، ولا لمشرك أن يدخل الحرم"، وروي أنه – ﵇ – قال: "لا يجتمع مسلم ومشرك في الحرم"، وخالف الحرم الحجاز؛ لعظم شأنه: من النسك، وتحريم صيده وشجره؛ فكذلك لم نقس عليه. وعلى هذا: إذا جلبوا تجارة أو حضروا لأداء رسالة أقاموا فيما وراء الحرم على النعت السابق، ويخرج إليهم من يقصد البيع لهم والشراء منهم، ويرسل الإمام من يسمع الرسالة، فإن أبوا إلقاءها إلا للإمام أو نائبه المقيم في الحرم خرج إليهم. ثم حد الحرم من طريق المدينة: مسجد التنعيم، وهو على ثلاثة أميال، ومن طريق العراق: على سبعة أميال عند ثلة جبل بالمقطع، ومن طريق الطائف: على سبعة أميال أيضا عند طرف عرنة، ومن طريق اليمن: على سبعة أميال، ومن طريق الجعرانة: على تسعة أميال [من شعب أبي عبد الله بن خالد بن أسيد، وهو من

стр. 8268

طريق جدة: على عشرة أميال] عند منقطع الأعشاش، ومن بطن عرنة: على أحد عشر ميلاً. كذا جمعته من كلام المصنف والماوردي، والهروي في "الإشراف" وغيرهم، وذلك مضبوط بالأعلام المشهورة. فرع: لو دخل كافر الحرم أخرج، فإن كان جاهلا بالمنع لم يعزر، وإن كان عالما [به] عزر، فلو مرض فيه أخرج ولو خيف موته، ولا يلحق حرم المدينة بحرم مكة؛ لعظم شرفه بتعليق النسك به. قال: فإن دخل ومات ودفن، أي: ولم يتقطع – نبش وأخرج؛ لأن جيفته أعظم من دخوله حيا، أما إذا انقطع فقد نص الشافعي – ﵁ – على أنه لا يخرج، ويجعل كالفائت لتعذره. وعن "البحر" وجه: أنه تجمع عظامه إن أمكن ويخرج، وهو ما أورده الإمام، ثم الإخراج يكون إلى الحل من بلاد الحجاز؛ لأنه يجوز أن يدفن الكافر فيها ابتداء كما يقر فيها مريضا، ويخالف الحرم؛ لعظم شرفه. ورأى الإمام تخصيص جواز الدفن في الحجاز ابتداء بما إذا تعذر نقله إلى غير الحجاز، وأنه يواري مواراة الجيف، وقال فيما إذا كان في طرف الحجاز: لا يدفن فيه؛ [لسهولة النقل. وفي "التهذيب" و"المرشد": أنه إن أمكن نقله قبل أن يتغير، نقل ولم يدفن فيه]، وإن خيف عليه التغير دفن؛ للضرورة. والجمهور على الأول. وحكى الإمام فيما إذا دفن في الحجاز مع إمكان النقل إلى غيره فهل ينبش؟ فيه وجهان، والظاهر منهما: وهذا التفصيل إن أمكن جريانه فيما إذا مات في الحرم بالنسبة إلى الدفن في الحجاز أو غيره لم يبعد المصير إليه. قال: ولا يدخلون سائر المساجد؛ لما [في ذلك] من استذلالهم له؛ فإنهم يتدينون بإذلاله. قال: إلا بإذن؛ لما روي أن النبي ﷺ أستر ثمامة بن أثال وربطة إلى سارية

стр. 8269

من سواري المسجد، وأنه أنزل ثقيف وسبي قريظة و [بني] النضير في المسجد حتى أمر بهم فبيعوا. وجواز الإذن منوط بالحاجة، مثل: أن يدخل ليسلم أو ليسمع كلام الله تعالى، أو ليستفتي كما ذكره الماوردي وصاحب "المرشد" وغيرهما، ولا يدخلون للأكل والشرب، بخلاف المسلمين؛ فإن المسلم وإن دخله لذلك فهو يعظمه، قال ابن الصباغ وغيره. ولا خلاف في جواز الإذن من الإمام ونائبه، وكذا من آحاد المسلمين عند أبي الطيب والقاضي الحسين وابن الصباغ وغيرهم. وفي "الحاوي": أن الدخول إن كان لمقام أكثر من ثلاثة أيام، لم يصح الإذن فيه إلا من الإمام، أو يجتمع عليه أهل تلك الناحية؛ بشرط ألا يستضر به أحد من المسلمين، وإن كان لاجتياز، أو لبث يسير: فإن كان من الجوامع التي ترتب الأئمة فيه إلا بإذن السلطان، لم يصح الإذن في دخوله إلا من السلطان، وإن كان من مساجد القبائل والعشائر التي أئمتها بغير [إذن السلطان، لم يعتبر إذن السلطان في دخوله. وفيمن يصح] إذنه وجهان: أحدهما: كل من صح أمانة لمشرك كما مر في بابه، وهو الأظهر. والثاني: لا يصح إلا ممن كان من أهل الجهاد من الرجال الأحرار. وجلوس الحاكم في المسجد للحكم إذن للكافر في دخوله إذا كانت له خصومة. ولو دخل الكافر من غير إذن نظر: فإن شرط عليهم ألا يدخلوها عزر الداخل، وإلا فوجهان حكاهما القاضي الحسين، والأصح منهما – وبه جزم المصنف وغيره -: وجوب التعزيز، فعلى هذا: لو دخل لسماع القرآن بدون إذن فهل يعزر؟ فيه وجهان حكاهما القاضي أيضا. قال: وإن كان جنبا فقد قيل: لا يمكن من اللبث [في المسجد]؛ لأنه إذا منع منه المسلم فالكافر أولى، وهذا أصح في "الجيلي".

стр. 8270

قال: وقيل: يمكن؛ لأن المسلم يعتقد تعظيمه، والكافر بخلافه، وهذا ما اختاره صاحب "المرشد" والنووي، واستدل له بربط النبي ﷺ ثمامة بن أثال في المسجد؛ فإنه لا يخلو عن احتلام، وغسله إن اتفق في كفره [لم يعتد] به. قال: ويجعل الإمام على كل طائفة منهم رجلا، أي: من المسلمين؛ كما ذكره الرافعي والماوردي، يكتب أسماءهم وحلاهم – أي: بكسر الحاء – فيتعرض [لنسبه] ولونه وسنه وغيرها، ويصف وجهه ولحيته وجبهته وحاجبيه وعينيه [وشفتيه] وأسنانه، وآثار وجهه إن كانت. قال: ويستوفي عليهم ما يؤخذون به، أي: كبلوغ بعض أولادهم، وإفاقة مجنونهم، وعتق عبيدهم، وحضور غائبهم، ويسار فقيرهم. ووجهة ذلك: اعتبار المصلحة الظاهرة، وكذا يستوفي لهم هذا الرجل ما يتعلق بحقوقهم، فيكتب اسم من مات منهم، أو أسلم، أو جن، أو افتقر، أو زمن ونحوه؛ ليسقط عنه الجزية، ولا يجوز أن يكون الرجل ذميا؛ لأنه لا يعتمد خبره. نعم، لو جعل الذمي عريفا عليهم لتجهيزهم لأداء الجزية، وشكوا إليه من يتعدى عليهم من المسلمين، ومن يتعدى منهم – جاز، صرح به الماوردي وغيره. وقال الماوردي في "الأحكام" في باب الفيء: إنه يجوز نصب الذمي لأخذ الجزية منهم والعشر، وهل يجوز نصبه لأخذ الخراج المضروب على رقاب الأرضين إذا صارت في أيدي المسلمين وصارت معاملته معهم؟ فيه وجهان. قال: وعلى الإمام حفظ من كان منهم في دار الإسلام، ودفع من قصدهم بالأذية، أي: من مسلم وكافر، واستنقاذ من أسر منهم، أي: أو أخذ من أموالهم؛ لأنهم بذلوا الجزية لحفظ أنفسهم وأموالهم، والتزمنا ذلك بالعقد معهم؛ فوجب

стр. 8271

الوفاء به، فلو شرط في العهد ألا يدفع عنهم كان [الشرط] باطلا والعقد فاسدا، صرح به أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ؛ لأنه لا يجوز اشتراط تمكين المشركين من استطراق دار الإسلام. ولا يجب رد ما أخذ منهم من الخمور والخنازير؛ لأنها ليست بمال عندنا، كذا صرحوا به، وفيه نظر من جهة أنه قد ذكرنا في الغضب: أن المسلم إذا غصب خمرا من ذمي وجب ردها عليه، وهو المذهب، وكان قياسه أن تنزع لهم، أما إذا لم يكونوا في دار الإسلام، بل كانوا [في وسط الحرب – فلا مطمع في الذب عنهم، ولو كانوا] منفردين ببلدة في جوار دار الإسلام، قال الفوراني: إن كان فيها مسلمون وجب الذب عنهم أيضا، وإن لم يكن فيها مسلم نظر: إن كان بين بلدهم وبلد أهل الحرب بلد للمسلمين أو مال لهم، فالحكم كذلك عند الماوردي، وأطلق غيره – كالفوراني وغيره – حكاية وجهين في وجوب الذب عند انفرادهم ببلدة: وأصحهما في "الرافعي": الوجوب عند الإمكان؛ إلحاقا لهم بأهل الإسلام في العصمة والصيانة. ومقابله: هو الأقيس عند الإمام. ومحلهما: إذا جرى العقد مطلقا، أما إذا جرى بشرط الذب عنهم [وجب الوفاء بالمتلزم، صرح به الفوراني وغيره. وقال الإمام: إذا قلنا: لا يجب الدفع عنهم عند الإطلاق، فالرأي ألا يلزم بالالتزام، ولو شرط ألا يذب عنهم] في هذه الحالة صح الشرط؛ لأنه ليس فيه تمكين أهل الحرب من دخول دار الإسلام، قاله أبو الطيب وغيره. قال الماوردي: ولا يلزمه الذب عنهم؛ إلا أن يخاف عليهم الاصطلام؛ فيجب استنقاذ نفوسهم دون أموالهم. وقال فيما إذا كان بين أهل الحرب وبين أهل الذمة بلد للمسلمين أو مال،

стр. 8272

وشرط عدم الكف عنهم: إن الشرط باطل، ويلزم الذب عنهم. وقياس ما تقدم: فساد العقد، وأطلق الإمام حكاية وجه: أن شرط ترك الذب فاسد، والظاهر الأول. نعم، هل يكره؟ نقل عن نصه في موضع: أنه يكره، وفي موضع آخر: لا [يكره]. قال الأصحاب: وليس ذلك باختلاف قول؛ بل الأول محمول على حالة الابتداء بالشرط منا؛ [لأنه يؤذن بالضعف، والثاني محمول على حالة الابتداء بالشرط منهم]. قال: فإن لم يفعل حتى مضى الحول لم تجب الجزية؛ لأنها في مقابلة الحفظ، ولم يوجد. قال البندنيجي: ويستأنف الحول من حين المعاونة، ولو لم يفعله في بعض الحول سقط ما يقابله، قاله الماوردي. فرع: لو أغار أهل الحرب على أهل الذمة، فقتلوا منهم، وأتلفوا أموالهم، فظفر بهم الإمام – لم يقتص منهم؛ لأنهم لم يلتزموا حكم الإسلام. ولو أغار عليهم أهل الهدنة، فقتلوا منهم، أو أتلفوا – أخذهم بضمان ذلك. نعم، لو كانوا قد نقضوا العهد قبل الغارة على أهل الذمة ففي أخذهم بضمان ما أتلفوه من نفس أو مال القولان في أهل الردة. قال: وإن تحاكموا إلينا مع المسلمين وجب الحكم بينهم، أي: سواء كان المسلم طالبا أو مطلوبا؛ لمنع الظلم عن المسلم، ومنعه عن الظلم، ولأن المسلم لا يمكنه النزول على حكم الكفار؛ فتعين فصل الخصومة بحكمنا. قال: وإن تحاكموا بعضهم في بعض ففيه قولان. أحدهما: يجب الحكم بينهم، أي: بحكمنا؛ لقوله تعالى: ﴿وأن احكم بينهم

стр. 8273

بما أنزل الله﴾ [المائدة: ٤٩]، وهذا أمر، [وظاهر] الأمر يقتضي الوجوب، ولأنه يلزمه أن يدفع عنهم من قصدهم من مسلم أو ذمي أو حربي؛ فلزمه أن يحكم بينهم كالمسلمين، وهذا أصح عند الماوردي والإمام البغوي والروياني وغيرهم، واختاره المزني. والثاني: لا يجب؛ لأنهم كفار فلم يجب الحكم بينهم؛ كما لو كانوا معاهدين، وقد دل الكتاب العزيز على عدم وجوب الحكم بين أهل العهد بقوله تعالى: ﴿فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾ [المائدة: ٤٢]؛ فإنها نزلت في يهود المدينة الذين هادنهم النبي ? وهم قريظة وبنو النضير وبنو المصطلق من غير جزية، قال الشافعي – ﵁ –: ولا أعلم مخالفا بين أهل العلم فيه. وهذا ما [نص عليه في الجديد كما حكاه القاضي الحسين، وهو المذكور في "المختصر"، و] اختاره الشيخ أبو حامد وابن الصباغ، وقد اختلف في محل القولين على طرق حكاها ابن الصباغ وغيره في نكاح المشركات: أحدها: أنهما في حقوق العباد، فأما حقوق الله تعالى فتجب قولا واحدا. والثاني: أنهما [في حقوق الله تعالى، فأما] في حقوق العباد فتجب قولا واحدا. والثالث – وهو أظهرها على ما حكي [عن] الشيخ أبي حامد -: طرد القولين في الحالين. وحكى الماوردي في كتاب السرقة طريقة [أخرى]، وهي أن ما تحاكموا فيه إن ثبت بغير مراضاة [الخصمين]: كالقصاص في الجنايات، والغضب في الأموال – لزمه استيفاؤه؛ لأن دار الإسلام تمنع من التعدي والتغالب، وإن كان عن مراضاة كديون المعاملات؛ ففي وجوب الاستيفاء القولان. وعند الاختصار يجيء في حقوق الله تعالى والعباد خمسة أقوال: منها ثلاثة [أقوال] حكاها الماوردي في باب حد الذميين.

стр. 8274

ثالثها: يجب الحكم في حقوق العباد، ولا يجب في حقوق الله تعالى. [ورابعها: يجب في حقوق الله تعالى] ولا يجب في حقوق الآدميين، وعلى هذا ينطبق إقامة حد الزنى ونحوه عليهم، وإن لم يرضوا بحكمنا كما تقدم. وخامسها: يجب فيما ثبت بغير التراضي، ولا يجب فيما ثبت بالتراضي وهذا كله إذا اتحدت ملمتها، أما لو اختلفت فطريقتان: منهم من قال: في وجوب الحكم القولان – أيضا – وهي طريقة أبي إسحاق. ومنهم من جزم بالوجوب، وهي طريقة ابن أبي هريرة، وقال الإمام في نكاح المشركات. إن عليها معظم الأئمة. وصححها الرافعي، ولم يحك القاضي الحسين في هذا الكتاب سواها، وقال: إنه لا يختلف المذهب في ذلك. قال الإمام: والقائل بهذه عول في الفرق على أن المختلفين قد لا يجتمعان على حاكم؛ فيؤدي إلى أن تبقى الخصومة ناشبة، وهذا يتحقق بين المتفقين، وفي ذلك [فضل] نظر، وهو أنه إذا لم يكن لأهل الذمة في بلد الخصومة حاكم فما قرره الأصحاب من دوام الخصام في المختلفين محقق هاهنا؛ فيلزم على موجب ذلك: أن يجب على حاكمنا الحكم إذا لم يكن لهم حاكم، وكذا إذا كان وامتنع [أحد الخصمين]؛ إذ يبعد أن يلزمهم حكم الكفر، ويكون وزير حاكمهم حتى يعدى من جهتهم. ومن تأمل ما ذكرته علم ضعف القول بعدم الوجوب، والطريقان جاريان فيما إذا ترافع إلينا ذمي ومعاهد، لكن الأظهر هنا طرد القولين، وهي التي أوردها ابن الصباغ في نكاح المشركات، والمذكور في "تعليق" القاضي الحسين: [طريقة] الجزم. وفي "الحاوي" في كتاب الجزية الجزم بعدم الوجوب؛ تغليبا لحكم الإسقاط. ومحله – كما نبه عليه في كتاب السرقة – إذ لم يكن بسبب قصاص وغضب؛ فإن كان وجب قولا واحدا؛ كما ذكره في السرقة.

стр. 8275

التفريع: إن قلنا بالأول، فإذا استعدى خصم على خصم وجب أعداؤه وإحضار الخصم؛ ليحكم بينهما، ووجب على المعدي إليه الحضور، وإن قلنا بالثاني لم يجب الإعداء. قال القاضي الحسين هنا: بل لا يجوز له ذلك. وقال في كتاب اللعان: إنا على هذا نجبرهما على الترافع إلى حاكم أهل دينهما، ولا نمكنهما من التخاصم والتواثب. وهذا ما أشار إليه الإمام واستبعده. ثم إذا أعدى القاضي كان المعدي إليه بالخيار [في الحضور]، ولا يحضر جبرا، قال القاضي الحسين: وإذا حضر فلا يحكم عليه ما لم يرض بحكمنا، فإذا رضي به حكم. قال الإمام: وينفذ حكمه، ولا خيرة له بعد ذلك الحكم. وفي "المهذب": إنه إذا حكم لم يلزم [ذلك] الحكم. قال ابن يونس: إلا إذا التزموه بعد الحكم. وهذا موافق لما سنذكره عن الماوردي في أهل الهدنة. قلت: ويمكن أن يكون مأخذ اختلاف النقلين [اختلاف القولين] في أن حكم المحكم يلزم بنفسه، أو لابد من التراضي عليه بعد الحكم؟ على أنه [لو] رتب ذلك فيل: إن قلنا: إن حكم المحكوم ينفذ بنفسه بعد حكم الحاكم هنا، على القول بعدم وجوب الحكم عليه؛ فرضاهما ابتداء بالحكم من طريق الأولى، وإن قلنا بتوقف نفوذ حكم المحكوم على التراضي به [بعد الحكم]، فهاهنا [أولى، وهو] محل النظر؛ فيجوز أن يقال بالتوقف أيضا، ويجوز أن يقال: لا؛ لأن الحاكم أهل للحكم بالجملة بخلاف المحكم – لم يبعد، والله أعلم.

стр. 8276

ووراء ما ذكرناه أمران غريبان: أحدهما: ما أفهمه كلام الغزالي: أنا على القولين لا نحكم إلا [إذ] رضي الخصمان جميعا؛ حيث قال: ولا نحكم إلا إذا رضي الخصمان جميعا بحكمنا. قال الرافعي: ويمكن حمله على ما قاله الأصحاب بأن يجعل هذا الكلام من تتمة قوله: "ولا يجب الحكم بين المعاهدين". الثاني: قال الماوردي في "باب حد الذميين": [إنا] إذا قلنا بعدم وجوب الحكم وعدم وجوب الحضور فذاك إذا لم يشترط [عليهم] في عقد [الذمة] التزام أحكامنا، [أما إن شرط عليهم في عقد الذمة أن تجري عليهم أحكامنا] فيلزم الحاكم أن يعديهم، ويحكم بينهم، ويلزمهم الحضور إليه والتزام حكمه. وهذا منه نزعة [إلى ما] ذكرناه عن القاضي الحسين: أنه لا يشترط التصريح بالتزام أحكامه الملة، أما إذا قلنا بوجوبه فلا يمكن اجتماع هذين الكلامين. قال: وإن تبايعوا بيوعا فاسدة، أي: كما إذا تبايعوا درهما بدرهمين، أو الخمر والخنزير [ونحو ذلك]. قال: وتقابضوا، ثم [ترافعوا إلينا]، لم ينقض ما فعلوا؛ لانتهاء الأمر ونجازه في الشرك مع أنهم مقرون على ما استقر بينهم. قال: وإن لم يتقابضوا نقض عليهم؛ لأن العقد لم يتأكد بقبض فأجرى عليهم حكم الإسلام، لكن هل يجوز للمسلمين أخذ أثمان ذلك منهم مع العلم بصورة الحال؟ فيه كلام استوفيته في كتاب الرهن، وهذا بخلاف ما لو تناكحوا

стр. 8277

[نكاحا فاسدا] وترافعوا إلينا؛ فإنا ننظر: إن كان في حال الترافع يجوز ابتداء العقد في الإسلام أقررناهم، ولا ننظر إلى شرائط العقود كما نفعل في حالة إسلامهم، وإن كان لا يجوز كما إذا كانت في العدة، أو مطلقة منه ثلاثا ولم يدخل بها زوج بعده، أو محرما له – فإنا لا نمضيه؛ لأن النكاح قد استمر حكمه بعد الترافع. وفي "الحاوي" في كتاب السرقة: أنهم إذا نكحوا ذوات محارمهم، فإن كانوا لا يعتقدون إباحته [في دينهم كاليهود، لم يقروا على عهدهم، وصار منهم كالزنى، [وإن اعتقدوا إباحته] كالمجوس أقروا عليه. وفي غير "الحاوي": أنه] لو كان الترافع من مجوسي ومجوسية في طلب النفقة، أو بين كتابي ومجوسية ففي جواز تقريرهم وإلزامهم النفقة وجهان، والظاهر: التقرير والحكم بالنفقة؛ كما لو أسلما. ومقابله – وهو المنع – ينسب إلى الإصطخري، واختاره القاضي الحسين، ورجحه الإمام؛ لأن المجوسية لا يجوز نكاحها في الإسلام. ولو ترافعوا في نكاح شخص لأختين، [وقد طلبتا] فرض النفقة – قال الإمام ففيه تردد، والذي أرى القطع به: المنع؛ لقيام المانع، وحيث لا يجوز التقرير، قال فالقاضي المرفوع إليه يعرض عنهما، أو يفرق بين الزوجين؟ فيه وجهان. أرجحهما عند الإمام: الإعراض، وإنما يفرق إذا رضوا بحكمنا. ووجه الثاني: أنهم بالرفع أظهر، وأما [ما] خالف الملة فأشبه ما إذا أظهروا خمورهم، وهذا ما حكاه البندنيجي، وأسنده القاضي الحسين في كتاب الجزية في نكاح المحرمة، والمعتدة ونحوهما إلى النص؛ لتعلقه بحق الغير. فرع: لو باع الذمي من ذمي آخر درهمين بأربعة دراهم، وقبض البائع درهمين من الثمن ثم ترافعوا – قال الأصحاب: إن كان المشتري قصد بما دفعه الأصل

стр. 8278

فالقول قوله، وبطل القدر الزائد عنه، وإن كان قد قصد بما دفعه الفائدة – بقي الأصل في ذمته، ولا يسترجع من الآخذ شيء، وإن كان قد قصد الدفع عنهما بقي في ذمته نصف الأصل وهو درهم واحد، وإن لم يكن قد قصد شيئا فوجهان: أحدهما: يكون نصفه للأصل ونصفه للربح، وقد سبق حكمهما. والثاني: له أن يصرفه الآن إلى أيهما شاء من الأصل والربح، صرح به القاضي الحسين، وهو وزان ما ذكرناه فيما إذا كان عليه دين برهن ودين بغير رهن، فدفع للمدين شيئا من جنس دينه. قال: وإن ترافعوا إلى حاكم لهم، فألزمهم التقابض، أي: وتقابضوا، ثم ترافعوا إلى حاكم المسلمين – أمضى ذلك [الحكم] في أحد القولين، كما لو تقابضوا بالتراضي، وكما لو أسلموا بعد التقابض بإلزام قاضيهم، وهذا أصح عند الرافعي والنووي وغيرهما. ولا يمضيه في الآخر؛ لأنه قبضه عن كره؛ فأشبه ما لو لم يقبض، وهذا ما اختاره في "المرشد". وعن الشيخ أبي محمد: إجراء الخلاف – أيضا – فيما لو أسلموا بعد التقابض بإلزام قاضيهم. وقال الإمام: إنه منقاس؛ لأن الالتزام بالترافع أضعف من الالتزام بالإسلام، وإذا ألزمنا المترافعين حكم الإسلام فلأن نلزمه المسلمين أولى، والخلاف يجري فيما إذا أتلف بعضهم لبعض خمرا أو نحوها، فألزمهم [حاكمهم إقباض البدل]، فقبض بالإلزام، ثم طرأ منهم إسلام، أو ترافع [بعضهم]، وضعف الإمام القول برد القيمة. واعلم أن ظاهر كلام الشيخ – رحمه الله تعالى – يقتضي أمرين:

стр. 8279

أحدهما: أن حاكمنا يمضي حكم حاكمهم على القول الأول، كما يمضي حكم أحد حكام المسلمين. وقال البندنيجي: إنا حيث نقرهم على أحد القولين لا نقرهم من حيث إنه إمضاء لقضاء قاضيهم وإنفاذه، ولكن بحكم ما وقع من القبض. ويعضده أن الماوردي حكي أن الإمام إذا قلد على أهل الذمة واحدا منهم حاكما، كان حكمه غير لازم لهم، وكان فيه كالمتوسط بينهم، خلافا لأبي حنيفة. قلت: ويعضد هذا قول [الغزالي: إنه لا يقبل المسلم نكاح كافرة من قاضيهم]، وعلى هذا [يكون معنى] قول الشيخ: "أمضاه": أنه لا يتعرض له. لكن الذي دل عليه كلام الإمام والقاضي الحسين كما سبق [اعتبار أفعال] قاضيهم، ويشهد له الخبر المذكور في أمر اليهود حين مروا على الرسول ﷺ بواحد منهم محمم، ولم ينكر عليهم إقامة الحد، بل سأل: [هو] التحميم أو غيره؟ فلو لم يكن لقاضيهم حكم لأنكر نفس إقامة الحد، والله أعلم. الثاني: أنه على القول الآخر لا يمضيه، وعدم إمضائه تارة يكون بتركه وإهماله كما قال أصحابنا فيما إذا رفع [إلى قاض] من قضاة الإسلام حكم

стр. 8280

آخر، وكان لا يراه: هل يمضيه، أو لا يمضيه، بل يتركه ولا يتعرض له؟ وتارة يكون بأن ينقضه، وهو الأقرب هاهنا، وبه صرح البندنيجي وغيره حيث قالوا: يكون كما لو ترافعوا قبل القبض. وهذا كله عند الترافع، أما إذا لم يترافعوا إلينا فلا يتعرض لهم إلا أن يظهروا [ذلك]، [فإن أظهروه]، قال في "الحاوي": إن لم يتعلق بالمنكرات الظاهرة كالبيوع الباطلة، والمناكح الفاسدة – لم يتعرض لهم، وإن كان من المنكرات الظاهرة كنكاح ذوات المحارم، وبيع الخمور والخنازير – فيمنعون منها، وفي فسخ عقودهم عليها وجهان. وقد حكى المتولي في نكاح المحارم في حالة عدم الإظهار مع العلم بفعلهم لذلك الوجهين، وقال: إن الصحيح عدم التعرض لهم، وبه جزم القاضي الحسين؛ لأن الصحابة عرفوا من حال المجوس: [أنهم ينكحون المحارم]، ولم يتعرضوا لهم. ومقابله – حكاه الزبيري قولا -: إن الإمام يفرق بينهما؛ كما لو عرف أن المجوسي نكح مسلمة أو مرتدة قال: وإن أسلم [منهم] صبي مميز، أي: أتى بالشهادتين – لم يصح إسلامه؛ لأنه غير مكلف بالشرع؛ فلم يصح إسلامه كغير المميز والمجنون؛ فإنه لا يصح إسلامهما إجماعا، وهذا ما نص عليه الشافعي – ﵁ – قديما وجديدا؛ كما نقله الإمام. فعلى هذا [قال الشافعي – ﵁]-: يفرق بينه وبين أبويه؛ كي لا يفتن عن دينه. انتهى. فإذا بلغ ووصف الإسلام يكون مسلما من حين وصفه بعد البلوغ، وإن [وصف الكفر] استحب أن يهدد، فإن أصر على الكفر رد إلى أهله، قاله البغوي وغيره.

стр. 8281

وما ذكرناه من الحيلولة قد ادعى الإمام في أثناء كلامه في مسائل الهدنة أنه مما أجمع عليه [الأصحاب]؛ لأن صدور ذلك منه يغلب على الظن تعلق قلبه بالهدى، وظن توقع الإيمان إذا غلب لم يعطل، وقال في باب اللقيط قبيل فصل أوله: "لا دعوى [للمرأة] ": لم أر أحدا من الأصحاب يشير إلى جواز تركة تحت حضانة الكافر، ولا يبعد في القياس ألا ينتزع من يد الكافر، [ولكن يستحب نزعه مع استرضاء الأب الكافر]؛ فإن نزعه من يده التزام أمر وإبطال حق. وقال في أوائل الباب: إن الشافعي – ﵁ – قال في بعض مجاري كلامه: إذا نطق صبي مميز من صبيان الكفار بالإسلام، وظهر لنا إضماره بالإسلام – نحول بينه وبين الكفار. و [هذا] الذي ذكره الشافعي – ﵁ – مما اختلف أصحابنا فيه تفريغا على مذهبه الصحيح: فقال بعضهم: هذه الحيلولة محتومة. وقال بعض أصحابنا: مما قاله الشافعي – ﵁ – محمول على أنا نتوصل إلى ذلك برفق ونستعطف فيه أبويه، فإن أبيا لم نحل بينه وبينهما؛ فإن لفظ الصبي في ذلك لا حكم له، وهذا ما أورده المتولي حيث قال: يستحب أن يفصل بينه وبين أقاربه الكفار. وقيل: يصح إسلامه في الظاهر دون الباطن. معنى [هذا] الوجه – كما قاله ابن الصباغ في كتاب الظهار -: أن إسلامه يكون مراعى، فيفرق بينه وبين أبويه، فإن بلغ ووصف الإسلام كان مسلما من حين تلفظ بالشهادتين، وإلا فلا، ووجهه: بأنه لا يوثق منه بما كان في الصغر، إلا إذا أنضاف إليه الإتيان بعد البلوغ بالشهادتين، ووراء ذلك وجهان آخران: أحدهما – حكاه ابن الصباغ وغيره عن الإصطخري:- أنه يصح إسلام؛ كما

стр. 8282

تصح صلاته وصيامه، ولأنه يمكنه معرفة التوحيد بالنطق والاستدلال؛ فصح منه كالبالغ، وقد حكاه في "المهذب" في باب قتال المشركين ولم ينسبه لأحد، وادعى الغزالي أن هذا الوجه خرج من قول الشافعي – ﵁: حيل بينه وبين الكفار. وذلك قاله الماوردي في عقد الهدنة ونسبه إلى [ابن] أبي هريرة، وخطأه، وادعى الإمام أنه القوي توجيها. والثاني – حكاه الإمام عن رواية شيخه عن الشيخ أبي إسحاق -: أنه إذا عقل الصبي وعلم الإسلام وعقده فهو من الفائزين إذا مات على عقده هذا صبيا، وإن كان لا يتعلق بإسلامه أحكام الدنيا، وعن هذا عبر المعبرون: بأنه يصح إسلامه في الباطن دون الظاهر. قال الإمام: وما عندي أن هذا الخبر يختلف فيما صار إليه، والفرق على المذهب بينه وبين الصلاة: أن الصلاة حيث صحت منه كانت نفلا، والإسلام لا يتنفل به، بل [الإتيان به] يكون فرضا، وأداء الفرض لا يصح من الصبي. قال: فإن امتنعوا من أداء الجزية والتزام أحكام الملة، انتقض عهدهم؛ لأن الذمة لا تنعقد إلا بهما، فلم تبق دونهما. ولا فرق في امتناعهم بين أداء الجزية، أو القدر الزائد على الدينار إذا التزموه بالعقد، وفي معنى الامتناع من الشرطين: قتال المسلمين؛ فينتقض به العهد، سواء [شرط] عليهم في العقد أو لم يشترط، وسواء انفردوا به أو قاتلوا مع أهل الحرب؛ لأن قتالهم يوجب علينا أن نقاتلهم، وذلك ينافي عقد الذمة؛ فدل على نقض العهد، وقتالهم مع أهل البغي قد ذكرنا حكمه في باب قتال أهل البغي، وهذا هو الصحيح، ووراءه أمور: أحدها: حكى القاضي الحسين في باب حكم المرتد عند امتناعهم من بذل الجزية [بعد أن التزموها وأدوها] عن ابن سريج رواية ثلاثة أوجه:

стр. 8283

أحدها – وهو اختيار المزني -: أنهم يجبرون على أداء الحزية؛ لأنهم التزموا ذلك بعقد [الذمة]؛ فلا حاجة إلى تركه إليهم، ويلحقهم بدار الحرب فيزيدوا في أعدائنا. والثاني: أنه يقال لهم: إما أن تعطلوا، وإلا سبيناكم الآن ونقتلكم، وصار امتناعكم من بذل الجزية نقصا لأمانكم. والثالث – وهو أشبه مذهب الشافعي – ﵁ – وهو المنصوص: أنه لا يجبر على الجزية، ولا يسترق في الحال، ولكن ينبذ إليه عهده، ويلحقه بمأمنه. الثاني: حكى صاحب "التهذيب" وجها: أنه يقنع منهم بالدينار إذا امتنعوا من بذل الزيادة عليه، وكانوا جاهلين بأن الزيادة على الدينار [لا] تلزمهم. الثالث: حكى ابن كج قولين فيما إذا امتنعوا من إجراء الأحكام عليهم في انتقاض العهد. وقال الإمام: إن امتنع هاربا فلا أراه ناقضا، وإن امتنع راكبا في عدة وقوة فينبغي أن يدعى إلى الإسلام، فإن نصب القتال انتقض عهده بالقتال. الرابع: حكى الإمام عن القاضي الحسين حصر الانتقاض في نصب القتال. [ثم] قال الإمام: ولست أبعد أن الأولين ذكروا القتال، وعدوا منع الجزية من أسبابه، وعبروا بالامتناع عن القتال، وإذا كان كذلك آل الأمر إلى أن الناقض بنفسه وذاته القتال؛ فإنه مناف للأمان. قلت: وعلى ذلك ينطبق ما حكاه [القاضي] أبو الطيب وابن الضباغ فيما إذا امتنعوا من الضيافة، وقد التزموا زيادتها فوق الدينار، فإن كان الامتناع من البعض أجبر عليه، وإن [كان من] الجميع قوتلوا، فإذا قاتلوا انتقض

стр. 8284

العهد والذمة، قال ابن الصباغ: ولا يسقط ما مضى. وإذا أردنا أن نجمع بين ذلك وبين ما ذكره الشيخ هنا قلنا بعد قوله: "وإن امتنعوا من بذل الجزية والتزام أحكام الملة": أي بالقتال، [ويؤيده أنه] سكت عن ذكر القتال، وعده من جملة النواقض، والله أعلم. فرع: إذا امتنع الواحد منهم من بذل الجزية، فإن كان مع بقائه على التزامها لم يكن ذلك نقضا لعهده، وأخذت منه جبرا، بخلاف الجماعة؛ لأن إجبار الجماعة [عليها] متعذر، وإجبار الواحد ممكن، وإن امتنع من أدائها لامتناعه من التزامها – كان نقضا للعهد كالجماعة، قاله الماوردي، وما قاله فيما إذا امتنع من الأداء لا غير مع القدرة، هو ما أبداه الإمام احتمالا لنفسه بعد حكايته عن الأصحاب انتقاض العهد – أيضا – واستحسنه. ولو قاتل المسلمين بعضهم، وقعد عنه بعضهم – انتقض عهد المقاتل، قال الماوردي: ونظر في القاعد، فإن ظهر منه الرضا كان نقضا لعهده، وإن لم يظهر منه الرضا كان على عهده، وهذا قد حكاه البندنيجي في المهادنين. وقال في أهل الذمة: إنه إذا انتقض عهد بعضهم لم ينتقض في حق الباقين، سواء سكتوا على فعلهم أو لم يسكتوا؛ لأن عقد الذمة أقوى من عقد الهدنة. قال: وإن زنى أحدهم بمسلمة، أو أصابها [باسم نكاح]، أو آوى عينا للكفار، أي: جاسوسا، أو دل على عورة للمسلمين، أي: على خلل؛ لأن العورة في اللغة: [هي] كل خلل يتخوف منه في ثغر أو حرب، أو فتن مسلما عن دينه، أو قتله، أو قطع عليه الطريق – نظر: فإن لم يكن قد شرط ذلك في عقد الذمة، أي: لفظا –لم ينتقض؛ لأن هذه الأشياء وإن اقتضى العقد المنع منها؛ لأنها محرمة لا تحل بمقصوده؛ فلم يمنع تعاطيها من استمرار حكمه. قال: وإن شرط عليهم، أي: باللفظ – فقد قيل: ينتقض؛ لما روي أنه رفع إلى أبي عبيدة بن الجراح نصراني استكره امرأة مسلمة على الزنى، فقال: ما على هذا

стр. 8285

صالحناكم. وضرب عنقه. ولأنهم خالفوا ما شرط عليهم، وفيه ضرر على المسلمين؛ فانتقض به العهد كقتال المسلمين، وهذا ما قال ابن الصباغ: إنه المنصوص في الأشياء السبعة، وإن الأصحاب ألحقوا القتل بها، وصححه النووي وصاحب "المرشد"، ويحكي عن اختيار القفال، [و] قال القاضي الحسين: إنه المذهب. وقيل: لا ينتقض؛ لأن ما لم ينقض إذا لم يكن مشروطا لا ينقض إذا كان مشروطا. أصله: إظهار الخمر، وترك الغيار، ونحوهما، وهذا ما حكاه ابن الصباغ وجها، وقال الرافعي: إنه ينسب إلى اختيار القاضي أبي الطيب، ورجحه صاحب "التهذيب" وجماعة، وهذه طريقة الصيدلاني – أيضا – وغيره من محققي الأصحاب. وحكى القاضي الحسين والإمام عن العراقيين من أصحابنا: رواية وجه آخر: [أنه] ينتقض العهد بذلك، سواء شرط في العقد أو لم يشرط. وحكى ابن كج عن بعضهم: القطع به، وهو قضية ما أطلقه الماوردي [من الانتقاض] في باب [حد] السرقة، ولم يحك سواه، وبنى هاهنا [الخلاف] المذكور في ذلك على أن ذلك يجب [بالعقد] من غير شرط، أو لا يجب إلا بالشرط؟ وفيه قولان: فإن قلنا بالأول انتقض العهد بها، سواء شرط أو لا. وإن قلنا بالثاني – كان الحكم كما ذكره الشيخ. وعن الشيخ أبي محمد رواية طريقة ثالثة، وهو أنه إن شرط ذلك في العقد

стр. 8286

انتقض وجها واحدا، وإلا فوجهان. وعند الاختصار يجتمع في المسألة ثلاثة أوجه؛ كما أوردها الغزالي وصاحب "التقريب" وصاحب "الإفصاح" والقاضي الحسين، والإمام عن العراقيين، ثالثها: إن شرط انتقض، وإلا فلا، قال الإمام: وكنت أحب لو قال قائل: لا ينتقض العهد [بها] بصدور المضرات، ولكن للإمام أن ينقض العهد بها إن شاء، ولم يصر إلى هذا أحد في هذا الفصل، والقول به ممكن. واحترز بقوله: "في هذا الفصل"، عما حكيناه عن بعض الأصحاب فيما إذا قاتل أهل الذمة أهل العدل مع أهل البغي في حالة ذكرناها ثم: أنه لا ينتقض، ولكن للإمام نقضه، وفي القتل الموجب للقصاص وقطع الطريق طريقة قاطعة بأنه كالقتال؛ لأن شهر السلاح وقصد النفوس والأموال مجاهرة تناقض الأمان. تنبيه: ما المراد بالشرط في العقد؟ الذي دل عليه كلام الأصحاب: الكف عن ذكر ذلك وفعله، وكلام الماوردي مصرح به. وقال الإمام: المراد به شرط الانتقاض إذا فعل ذلك، لا شرط الانكفاف عن هذه الأشياء؛ فإن نفس الذمة مزجرة عن هذه الأمور؛ فلا معنى لذكرها، وقال: إن هذا مما اتفق عليه الأصحاب. فرع: لو أشكال الحال، فلم يعرف هل شرط عليهم في العقد أم لا؟ قال في "المرشد": يجب تنزيله على أنه مشروط؛ لأن مطلق العقد يحمل على ما تقرر في عرف الشرع، وهذا العقد في عرف الشرع كان مشتملا على هذه الشرائط؛ ولهذا قال [ابن] عمر لما وجد من أهل الذمة سب النبي ﷺ : ما على هذا أعطيناكم الأمان.

стр. 8287

قلت: ويظهر أن يقال: الأصل عدم الشرط وعدم إباحة الدم، وبقاء صحة العقد، والله أعلم. قال: وإن ذكر الله ، أو رسوله ﷺ أو دينه بما لا يجوز، أي: مما لا يتدينون [به] ولا يعتقدونه – فقد قيل: ينتقض العهد. وقيل: إن لم يشترط لم ينتقض، وإن شرط فعلى الوجهين. هذان الطريقان مبنيان على أن [من] شرط [صحة] العقد: التعرض فيه لاشتراط عدم ذلك منه، أو ليس [ذلك] بشرط في الصحة، وفيه طريقان للأصحاب: الذي اختاره أبو إسحاق المروزي منهما: الأول. والذي عليه عامة الأصحاب: الثاني. فإن قلنا بالأول انتقض به العهد؛ كما إذا امتنعوا من أداء الجزية والتزامها وإن قلنا بالثاني كان حكمه حكم الأشياء السبعة السابقة التي لا يشترط في صحة العقد اشتراط تجنبها. وهذه الطريقة اختارها في "المرشد". وبني الماوردي الطريقتين على قولين في أن ذلك يلزم بالعقد [أو] بالشرط؟ فإن قلنا بالأول انتقض العهد وإن [لم] يجر [شرط]، وإلا كان كالحالة السابقة. أما ما يتدينون به، وهو [غير] معتقدهم كقولهم في الله – : ثالث وثلاثة، وإن عزيزا والمسيح ابناه – فهو بمثابة إظهار الخمر ونحوه، ومن هذا القبيل قولهم في القرآن: إنه ليس من عند الله، أو: ليس بمعجز، وفي الرسول ﷺ : إنه كاذب، وإنه قتل اليهود بغير حق، وهذه طريقة، وهي

стр. 8288

المحكية عن الصيدلاني، ورجحها الرافعي. ووراءها طريقة أخرى، وهي أن محل الخلاف في ذكر الرسول ﷺ بسوء يعتقدونه ويتدينون به، أما إذا ذكروه ﷺ بما لا يعتقدونه ولا يتدينون [به]، كما إذا نسبوه إلى الزنى أو طعنوا في نسبه، فيلحق ذلك بالقتال، وينتقض به العهد، سواء شرط عليهم ترك ذلك أو لم يشترط. قال الرافعي: وهذه قضية ما في "تعليق" إبراهيم المروزي، وما حكاه الروياني عن بعض الخراسانيين. قلت: وهي التي أوردها القاضي الحسين، لكنه اختار فيما إذا ذكروه بما يعتقدونه فيه: أنه [إن شرط انتقض، وإلا فلا]. وعلى كل قول يستوفي منهم القتل إن كان ما فعلوه يوجبه: كالقتل والزني في حالة الإحصان، وكذا ذكر الله – سبحانه – ورسوله [وكتابة] ودينه [بما لا ينبغي كما قاله البندنيجي، ولعله أراد ذكر الله – سبحانه – ورسوله [وكتابه] ودينه] بما لا يعتقدونه [ولا] يتدينون به، وحينئذ فيكون استحقاق القتل بسب النبي ﷺ منطبقا على قول أبي بكر الفارسي الذي ادعى الإجماع عليه: إن من سب رسول الله ﷺ قتل حدا. لكن قال القاضي أبو الطيب وغيره: إنه ليس بصحيح؛ لأن الله – تعالى – قال: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ [التوبة: ٢٩]. [فإن قلت]: إذا كان في بعض الصور مقتولا لا محالة، فأي فائدة [في الخلاف] في بقاء عهده، أو نقضه؟ قلت: فائدته إذا قلنا ببقاء العهد تظهر في ماله؛ فيصرف لمن كان يصرف إليه

стр. 8289

لو مات على الذمة، وإن قلنا بنقض العهد [فتظهر أن يبنى] على أن من انتقض عهده يرد إلى مأمنه، أم يغتال في الحال؟ فإن قلنا بالثاني كان ماله فيئا، وإن قلنا بالأول ظهر أن يلحق بمن مات من المعاهدين في دار الإسلام، وله مال [فيها]، وفيه قولان يأتيان. [وقد حكى ابن كج في كون ماله فيئا إذا قيل بانتقاض عهده، وقتل – وجهين، من غير بناء على ما ذكرناه، والله أعلم. وكذا يستوفي منهم الحد إن كان ما فعلوه يوجبه، وإن أوجب التعزيز عزروا. وقد ذكرت حكم من ذكر الله أو رسوله ﷺ بما لا يجوز من المسلمين [في باب الردة] فإنه أشبه به. قال: وإن فعل ما منع منه مما لا ضرر فيه كترك الغيار وإظهار الخمر وما أشبههما عزر؛ لإظهار ما منع منه إما بالشرط أو بإطلاق العقد. قال: ولم ينتفض العهد؛ لأنه ليس في منافاة الأمان فلا إضرار [على المسلمين]، أو لأنهم يعتقدونه دينا ومذهبا. ثم إذا أظهروا الخمور والخنازير فهل نتلفها؟ قال القاضي الحسين: إن لم يكن قد شرط عليهم ألا يظهروها [لم يكن له ذلك، وإن كان قد شرط عليهم ألا يظهروها فله] إتلافها بالإراقة والقتل. واعلم أن ذكر الشيخ المثالين المذكورين؛ للتنبيه على انه لا فرق في ذلك بين ترك الغيار وشبهه من ركوب الخيل وغيره كما سنذكره، و [لا] بين إظهار الخمر وشبهه من إظهار صلبانهم، وفعل ما يسنح من صلاتهم، وأصوات نواقيسهم، والعلو على المسلمين في البناء، واتخاذ بيعة أو كنيسة في بلاد الإسلام.

стр. 8290

وقد حكى الماوردي أن ترك إظهار الخمر وشبهه لا يجب بالعقد ويجب بالشرط، ولبس الغيار لا يجب بالعقد، وهل يجب الشرط؟ فيه وجهان: فإن قلنا: إنه يجب، فإذا شرط عليهم وفعلوا خلاف الشرط؛ ففي انتفاء العهد به قولان، وإن قلنا: لا يجب بالشرط، فليس عليهم إلا التعزيز. وهكذا الحكم إذا فعلوا أمرا حراما، وقلنا: لا ينتقض به العهد، كما ذكره القاضي الحسين. وألحق الماوردي بالغيار أن يكون على أبوابهم أثر تتميز به دورهم، وإخفاء دفن موتاهم، وعدم إظهار النواح والندب على موتاهم، وعدم دخولهم مساجدنا، وعدم تملكهم رقيقا مسلما، عبدا كان أو أمة. قال: وإن خيف منهم نقض العهد لم ينبذ [إليهم] عهدهم؛ لأنه عقد لازم من جهتنا لحقهم؛ بدليل وجوبه عند طلبهم؛ فلم يجز إبطاله عليهم بمجرد الخوف مع كونهم في قهر الإمام وقبضته، فإذا تعاطوا شيئا مما يخافه عاملهم بموجبه. وحكى الإمام في أثناء الفصول السابقة: أن من أصحابنا من يجوز نبذ العهد إذا ظهرت تهمة تجر ضررا، والمشهور الأول. نعم، للذمي نبذ العهد بلا سبب، وإذا نبذه بلغ مأمنه على الأصح، وفيه وجه: أنه يكون بعد نبذه كافرا لا أمان له، قال الإمام: [و] لا وجه له. فرع: إذا شرط عليهم في العقد انتقاضه بفعل شيء لا ينتقض به عند عدم الشرط أو معه، فهل ينتقض؟ قال القاضي الحسين: لا؛ لأنه إنما يفعل ذلك تخويفا لهم ومبالغة في الزجر عنه. وقال الإمام بعد حكايته عن الأئمة: وهذا كلام لا أستجيز الاكتفاء به، بل هو مبني على أصل، وهو أن عقد الذمة مؤقتا هل يجوز أم لا؟ فمن جوزه يجب أن يقول: إذا قال عاقد الذمة: إن أظهرتم خموركم فلا عهد [لكم] أو انتقض

стр. 8291

العهد بالإظهار، ومن قال: الذمة المؤقتة فاسدة، فقضيته أن يحكم بفساد هذا العقد من ابتدائه، ولا يجوز للإمام عقد مثله. وفي كلام الصيدلاني والأصحاب ما يشير إلى أن الذمة باقية والشرط فاسد، ثم قال: وهو فقيه؛ لأن الذمة لم تربط بوقت زماني، وإنما أرسلت إرسالا [لا] يتصور أن تتأيد الذمة لو فرض عدم ما شرط انتفاؤه فيئول [الفساد] إلى الشرط، بخلاف التأقيت بالزمان. قال: ومن فعل ما يوجب نق العهد، أي: من غير قتال – رد إلى مأمنه في أحد القولين، أي: بعد استيفاء ما وجب عليه بسبب ما فعله كما ذكرنا؛ لأنه في أحد القولين، أي: بعد استيفاء ما وجب عليه بسبب ما فعله كما ذكرنا؛ لأنه حصل في دار الإسلام بأمان فلم يجز قتله قبل الرد إلى مأمنه؛ كما لو دخل بأمان صبي، وهذا ما نص عليه في كتاب الجزية؛ فعلى هذا قال الماوردي: [و] لا يجوز أن يأووا في دار الإسلام، وبعد بلوغ مأمنهم يكونون حربا. وقال القاضي أبو الطيب في باب تبديل أهل الذمة: إن له الإقامة بعد ذلك؛ ليقضي حوائجه ويجمع ما له مدة الهدنة أربعة أشهر. وعلى كل حال، يظهر أن يلزمهم ضمان ما يتلفونه قبل انتهائهم إلى مأمنهم، كما حكيناه عن الإمام في باب قتال أهل البغي. قال: وقتل في الحال في القول الآخر؛ لأثر أبي عبيدة بن الجراح، وبحالف من أمنه صبي؛ فإنه يعتقد أن له أمانا، وهنا هو مفرط بنقض العهد، وهذا ما نص عيه في كتاب النكاح من "الأم"، وهو الصحيح في "المهذب" وغيره، فعلى هذا قال الماوردي وغيره: يتخير الإمام [فيه] بين الاسترقاق والمن والفداء؛ كما في الأسير. نعم، لو أسلم قبل الاسترقاق، قال البندنيجي وغيره: سقط القتل والاسترقاق، وقال الماوردي: سقطت؛ فلا يجوز القتل والاسترقاق والمفاداة، بخلاف الأسير؛ [لأن له أمامنا متقدما لم يكن للأسير فصار حكمه به أخف من الأسير، وهذا ما حكاه الروياني عن الشيخ أبي حامد، وادعى أن سائر الأصحاب وافقوه.

стр. 8292

ولو لم يسلم، لكنه بذل الجزية فهل يعصم بها دمه؟ يظهر أن يقال: إنه يترتب على الأسير] إذا بذلها وقد ذكرنا فيه خلافا في باب قتال المشركين، فإنا قلنا في الأسير: إنه يعصم بها دمه، فهاهنا أولى، وإلا فوجهان؛ ولهذا الترتيب نظير سأذكره في [باب] عقد الهدنة، إن شاء الله تعالى. فإن قلت: الذي يقتضيه كلام أبي الطيب وابن الصباغ: الجزم بعصمة دمه؛ لأنهما قالا فيما إذا امتنع الكل من بذل ما التزموه زائدا على الدينار من ضيافة: إنهم يقاتلون، فإذا قاتلوا فقد نقضوا العهد، فإن طلبوا بعد ذلك عقد الذمة وبذلوا قدر الدينار وجب قبوله والكف عنهم. ولا يقال: لعل هذا تفريغ على عدم اغتيالهم؛ لأنهم إذا قاتلوا لم يجز قول تبليغ المأمن كما صرح به الأصحاب – ومنهم الماوردي والإمام – وهم فقد قاتلوا. قلت: يمكن حمل ذلك على ما إذا خرجوا عن قبضة الإمام بالقتال وامتازوا عن الأسير، وما ذكرناه مفروض فيما إذا كانوا في قهره وقبضته، على أن ما ذكر من كونهم إذا قاتلوا لا يبلغون المأمن [قد ذكرت في باب قتال أهل البغي عند استغاثتهم بأهل الذمة ما] ينازع في ذلك، فليطلب منه، والله أعلم.

стр. 8293

تنبيه: المأمن – بفتح الميم الثانية: موضع الأمن. قال البندنيجي في باب تبديل أهل الذمة: وكل موضع قلنا: يرد فيه إلى مأمنه، فالمراد [به] أقرب بلاد الحرب من دار الإسلام. وعلى ذلك جرى ابن كج وقال: إنه لا يلزم إلحاقه ببلده الذي يسكنه فوق ذلك إلى أن يكون بين [أول بلاد] الكفر وبلده الذي يسكنه بلد للمسلمين يحتاج إلى المرور عليه، وعن "البحر": أنه لو كان له مأمنان فعلى الإمام إلحاقه بالذي يسكنه منهما، ولو كان يسكن بلدين فالاختيار إلى الإمام. فرع: إذا انتقض عهد أهل الذمة فهل ينتقض عهد ذراريهم ونسائهم؟ فيه وجهان في "الحاوي"، أصحهما – وبه جزم ابن الصباغ والبندنيجي في النسوان، واختاره في "المرشد" -: أنه لا ينتقض؛ لأنه قد ثبت لهم الأمان ولم يوجد [منهم] خيانة، وحكى البندنيجي الخلاف في الأولاد [و] الصغار قولين في باب تبديل أهل الذمة، وخص محلهما بما إذا لم يكن لهم أم، أو كانت [وليست] من أهل الجزية، أما إذا كانت من أهل الجزية أقروا معها في دار الإسلام، وكذلك حكى هذا التفصيل والخلاف الإمام عن العراقيين في كتاب السير، واستحسن الفرق بين الحالين، وقال: إن الأوجه من القولين على قياس المراوزة التقرير، وجزم في هذا الكتاب بأن نقض العهد إن كان بالقتال ونبذ العهد فلا خلاف في الاغتيال والاستئصال في النفس والذرية والمال. [ثم] إذا قلنا بعدم انتقاض العهد فيهم فلا يجوز سبيهم، ويجوز تقريرهم في دار الإسلام، فإن سألوا الرجوع إلى دار الحرب، قال الماوردي: أعدنا النساء دون الصبيان؛ لأنه لا حكم لاختيار من لم يبلغ، فإن طلبهم أهلهم، قال الماوردي: إن كان الطالب هو المستحق لحضانتهم ردوا إليه، وإلا منعوا منه.

стр. 8294

وقال البندنيجي فيما إذا انتقض عهد العاقد بسبب كونه توثن بعد تهوده أو تنصره: فإنا نرده إلى مأمنه وأولاده إذا لم نحكم بانتقاض العهد فيهم على التفصيل الذي ذكرناه، حكمهم حكم زوجته ورقيقه ومدبره وأمهات أولاده ومكاتبه، فإن [اختاروا أن يخرجوا معه فذلك إليهم، وإن] اختاروا المقام في دار الإسلام لم يجبروا على الخروج، ويقال له: وكل في بيع الرقيق. فرع: عكس هذا: وهو إذا عقد البالغ العاقل [لنفسه] الذمة، فهل يتبعه أحد ممن ليس له أهلية الاستقلال بالعقد. قال الأصحاب: لا شك أنه يتبعه مماليكه وأمواله مع الشرط وبدونه، ولا يتبعه الأجانب بدون الشرط ومع الشرط، فإطلاق بعضهم يقتضي التبعية حيث قالوا: لو كان في قلعة رجل واحد ونساء فبذل الجزية جاز، وصار النساء تبعا له في العصمة، ونزل الإمام ومن تبعه هذا على ما إذا كن من أقاربه كما سنذكره، وقالوا: لا يتبع الأجانب بحال وتتبعه كل امرأة بينهما وبينه قرابة وإن لم تكن محرما له، ولا على عمود نسبه بالشرط، ولا يتبعه بدون الشرط، وكذا حكم الصبية والمجانين من أقاربه، وفي تبعية أولاده الأطفال من غير شرط وجهان، وجه التبعية – وهو الأظهر، وبه جزم في "الوجيز" -: قرينة الحال؛ فإن الرجل لا يتوطن بلده إلا مع صغار أولاده [في الغالب]؛ فصار كالتصريح بالشرط، وفي تبعية الزوجات طريقان: أحدهما – وهو الأظهر -: أنهن كالصبيان. والثاني: كالقرابات. وفي اندراج الأصهار والأحماء مع الشرط خلاف [مشهور] والله سبحانه أعلم.

стр. 8295

باب عقد الهدنة الهدنة: مصالحة أهل الحرب على ترك القتال مدة معلومة، بعوض [أو غيره]، سواء فيهم من يقر على دينه ومن لا يقر، كما قاله الماوردي في كتاب السرقة. وهي مشتقة من "الهدون" وهو السكون؛ فإنه إذا صالحهم سكنت ثائرة الفتنة وهدأت، وهذا العقد يسمى: مهادنة، [ومعاهدة]، ومسالمة، وموادعة. قال الشافعي ﵁: "ولم أعلم مخالفا من أهل العلم بالسير أن رسول الله ? لما نزل المدينة وادع يهود كافة على غير جزية"، وأراد: هادن. والأصل فيه [قبل] الإجماع قوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ١، ٢] أي: كونوا آمنين فيها أربعة أشهر، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١]، وكذلك فعله رسول الله ﷺ حين نزل المدينة من يهود، وهم نفر من بني قريظة وبني النضير وبني المصطلق حين وافي ضعفا في [أول] الإسلام، وهو أول عهوده، وهادن قريشا [عام الحديبية] على وضع القتال عشر سنين حين لم يقو الإسلام بعد، وكان ذلك في سنة ست من الهجرة كما تقدم، والعاقد له سهيل ابن عمرو، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [التوبة: ٧]، وكان هذا الصلح عظيم البركة، أسلم بعده أكثر ممن أسلم

стр. 8296

قبله، والمعنى فيه: أنه يرجو إسلامهم؛ فجوز لذلك. قال: لا يجوز عقد الهدنة، أي: لأهل إقليم أو صقع عظيم أو خلق كثير إلا للإمام أو لمن فوض إليه الإمام، أي: عقدها؛ لأنه باطلاعه على جميع الأمور أعرف بمصالح ذلك من آحاد الناس، وعلى التدبير والسياسة أقدر، وبحراسة الملك أخبر؛ فاختص به، ولو فوض إلى آحاد الناس أفضى إلى تعطيل الجهاد، أما عقد الهدنة لآحاد الكفار والنفر اليسير فقد تقدم الكلام فيه في قتال المشركين، فلو عقدها على العموم آحاد المسلمين لم يغتالوا، بل يردون إلى المأمن، وولاة الثغور المفوض إليهم الجهاد وحده لا يجوز إليهم عقد الهدنة إلا قدر الاستراحة وهي أربعة أشهر، ولا يجوز أن يكون سنة؛ لأن عليه أن يجاهد في كل سنة، وفيما بينهما قولان حكاهما الماوردي، وأطلق الرافعي والفوراني وغيرهما أنه يجوز لولي الإقليم المهادنة مع أهل قرية أو بلدة على ذلك الإقليم للحاجة، وكأنه مأذون بتفويض مصلحة الإقليم إليه، قال الفوراني: ولا يجوز أن يعقدها مع إقليم كالهند. قال: وإذا رأى في عقدها مصلحة، أي: مثل أن يرجو إسلامهم، أو بذل الجزية، أو معاونة المسلمين على قتال غيرهم، أو ضعف المسمين وقوتهم – جاز أن يعقد؛ لما ذكرنا. قال: ثم ينظر: فإن كان مستظهرا فله أن يعقد أربعة أشهر؛ للآية. قال الشافعي: وكان ذلك في أقوى ما كان رسول الله ﷺ [حين منصرفه من تبوك، وقد روي أنه ﷺ لما دخل مكة يوم الفتح [فر] صفوان بن أمية إلى الساحل على أن يلقي نفسه في البحر، فأخذ له بعض أهله الأمان، فلما قدم على النبي ﷺ قال له: بلغني أنك وأمنتني فاجعله شهرين، فقال: "وأربعة"، وكان – ﵇ – يرجو [الإسلام منه]، وأسلم قبل مضي المدة، وحسن إسلامه. قال: ولا يجوز سنة؛ لأن الله تعالى قد كان منع منه بعد فرض الجهاد بقوله

стр. 8297

تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، وجعل غاية أمرهم الإسلام بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ [التوبة: ١١] ثم إنه أمر بقتلهم حتى يعطلوا الجزية إن لم يسلموا بقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآية [التوبة: ٢٩]. ثم إن الله أذن في الأشهر الأربعة بغير جزية بقوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ﴾ [التوبة: ٢] بعد قوله ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ١]، ثم استثنى بعده بآيات فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٤]، فاتبع إذنه، وبقينا فيما [زاد على ذلك] على موجب القتال. وحكى الفوراني قولا أنه يجوز سنة فما فوقها إلى ما دون السنتين، ووجهه بأن الكافر قد يكون له أشغال لا تحصل إلا في فصول السنة الأربعة، وما لم تكن المدة سنتين، ولم تدخل في حد التكرار فإنها تكون قصير، قال الإمام: وهو غلط، ولم أره لأحد من الأصحاب. قال: وفيما بينهما قولان: وجه المنع – وهو الذي نص عليه هاهنا وفي الجزية من [كتاب] "الأم"، واختاره الغزالي والرافعي والنواوي وصاحب "المرشد" -: ما تقدم. ووجه الجواز: أنها مدة قاصرة عن مدة الجزية؛ فجاز أن يؤمن فيها بغير عوض، أصله: الأشهر الأربعة، وهذا ما نص عليه في "سير" الواقدي، وحكى صاحب "البحر" عن أبي إسحاق القطع به. وفي "الرافعي": أن بانين بنوا القولين على أنه إذا مات في أثناء السنة هل يجب قسط ما مضى أم لا؟ فإنا قلنا: يجب، لم يجز، وإلا جاز، والصحيح عدم البناء. وهذا كله بالنسبة إلى نفوس المعقود معهم، أما أموالهم فيجوز أن يعقد لها مؤبدا، وهل يجوز كذلك في الذرية؟ فيه وجهان، قاله الماوردي في السير. قال: وإن لم يكن مستظهرا، أو كان [مستظهرا] ولكن يلزمه في غزوهم مشقة لبعدهم – جاز أن يهادنهم عشر سنين، أي: عند الحاجة؛ لما تقدم من

стр. 8298

مهادنة رسول الله ﷺ لقريش عشر سنين، وقد كان بالإسلام ضعف، أما إذا لم تدع الحاجة إلى الغزو لم يجز أن يهادنهم العشر، بل ما تدعو الحاجة إليه، صرح به الماوردي وغيره، ولو دعت الحاجة إلى أكثر من العشر لم يزد على العشر، قال القاضي الحسين: بلا خلاف. وعن رواية صاحب "التقريب" وجه: أنه يجوز بحسب الحاجة. قال الإمام: وهو مزيف لا تعويل عليه ولا اعتداد به. نعم، يجوز في هذه الحالة أن يعقد على عشر سنين، ثم على عشر [سنين] قبل مضي الأولى، جزم به الفوراني وغيره وحكاه القاضي الحسين عن ابن المرزبان،. وما ذكره [الشيخ هو المشهور من الطرق، وعن] الشيخ أبي حامد: أن النبي ﷺ أبطل العهد قبل تمام العشر، وأن الأصحاب اختلفوا في ذلك الإبطال هل هو نسخ للزائد على الأشهر الأربعة، أو لفعل أمر اقتضى [رفع العهد؟] والأصح: الثاني؛ فإنه أقام [على الهدنة] سنتين، [وأبطله لما أعان] قريش بني بكر وهم خلفاؤها، على خزاعة وهم حلفاء النبي ﷺ . [ثم] قال: فإنا قلنا بالأول لم تجز الزيادة على أربعة أشهر لا لحاجة و [لا] ضرورة، وإن قلنا بالثاني. [فإن دعت الحاجة] فيجوز إلى سنة، أو يجب أن تقصر المدة عن السنة؟ فيه وجهان. وإن دعت الضرورة جاز أن تبلغ المدة سنة، ويجب الاقتصار عليها، أم تجوز الزيادة إلى عشر؟ فيه قولان. فرع: إذا عقدت المدة على أكثر من المدة المشروعة بطل القدر الزائد،

стр. 8299

وفي بطلانه في المدة المشروعة طريقان حكاهما الفوراني والبغوي وغيرهما: أحدهما: طرد قولي تفريق الصفقة فيه، ولم يورد البندنيجي وابن الصباغ وكذا الماوردي في هذا الباب سواه، وكذلك الغزالي، وقال الرافعي: إنه الأظهر. والثاني: القطع بالصحة، وعليه – كما قال القاضي الحسين – الأكثرون، وهو الذي رجحه في كتاب السير وضعف الأول، والفرق: أن البيوع تنزه عن الخطر والغرر، ويحتاج فيها عند فساد البيع إلى توزيع [الثمن]، وذلك يجر غررا وجهالة، والعقد مع المشركين لا يبطل بالغرر. وأيضا: فإنه لو دهانهم إلى غير مدة على أنه متى بدا له نقض العهد نقضه جاز، ولو باغ بما شاء لم يجز. تنبيه: [في قول الشيخ]: وإن رأى في عقدها مصلحة [جاز أن يعقد، ما يفهم أمرين: أحدهما: أنه إذا لم يكن في عقدها مصلحة]، بأن كان في المسلمين قوة وبهم ضعف، وإذا هادنهم قويت شوكتهم – أنه لا يجوز، وقد صرح به الماوردي والبندنيجي وغيرهما. الثاني: أن العقد لا يجب وإن طلبوه في حالة المصلحة، وهو الصحيح عند أئمة المذهب، لكن على الإمام أن يجتهد ويحافظ على الأصلح من الإجابة والترك. قال الإمام: وما يتعلق باجتهاد الإمام لا يعد من الواجب، وإن كان يتعين عليه رعاية الأصلح كالخصال المشروعة في حق الأسير، وفيه وجه حكاه الرافعي: أنهم إذا طلبوا وجب إجابتهم إذا لم يكن فيها مضرة كما في عقد الذمة، ونسبه الإمام إلى رواية بعض المصنفين، وقد رأيته في "الإنابة"، لكن بشرط أن يرى الإمام العقد مصلحة بأن رجا إسلام الداخل عند سماع كلام الله تعالى. وبين العبارتين فرق، على أن في عقد الذمة وجها حكاه الفوراني والطبري أيضا: أنه لا يجب عند الطلب والمصلحة، وقد قامت حكايته في قتال المشركين، والوجهان ضعيفان.

стр. 8300

قال وإن هادن، أي: من غير تعيين مدة، على أن [له] الخيار في الفسخ متى شاء – جاز؛ لأن النبي وادع يهود خيبر، وقال: "أقركم [على] ما أقركم الله"، ولو عقد الإمام العهد على النعت الذي عقده رسول الله ﷺ ، أو قال: ما شاء الله – لم يصح؛ لأنه – ﵇ – يعلم ما عند الله بالوحي وغيره بخلاف غيره، ولو قال: هادنتكم ما شاء فلان، وهو مسلم عدل ذو رأي – جاز، فإذا نقضها انتقضت، كذا قاله الرافعي. واشترط في "الحاوي" في المفوض إليه: أن يكو أهلا للاجتهاد في أحكام الدين، فلو فقد [ذلك] لم يصح التفويض، وقال: إن له الاستدامة، وأما النقض فينظر [فيه]: فإن كان المفوض إليه من ولاة الجهاد لم يحتج في النقض إلى إذن الإمام، وإلا فلا ينفذ إلا بإذن الإمام، وحينئذ فإن وافق رأيه رأي الإمام فعل، وإن اختلفا فإن رأي الإمام البقاء اتبع، وإن كان رأيه النقض: فإن كان لعذر غلب نظر الإمام، وإن كان لغير عذر غلب نظر المفوض إليه. فرع: لو أطلق عقد الهدنة كان العقد فاسدا؛ لأن الإطلاق يقتضي التأبيد، جزم به القاضي أبو الطيب والماوردي والبندنيجي وغيرها، وفي "الإبانة" الجزم بأنه يصح عند الضعف وينزل على عشر سنين، وحكى الإمام ذلك عن صاحب "التقريب"، وأن في بعض التصانيف في إطلاق العقد في حال القوة قولين: أحدهما: يحمل على أربعة أشهر؛ تنزيلا على الأقل. والثاني: على سنة؛ تنزيلا على الأكثر. [والحالان مذكوران] في "التهذيب" على هذا النحو، واعترض الإمام فقال: القول بتصحيح الهدنة عند القوة سنة غلط، وإن صح فالعقد لا يختص بأربعة أشهر ولا بالسنة؛ [فإنه قد يعقد] [على عشرة أشهر]؛ معنى لتنزيلها على أربعة أو على سنة، وكذلك القول [في تصحيح] العقد على عشر سنين، فالوجه: القطع بالفساد.
следующие страницы →