← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 8226–8265 · переход к 8231.

стр. 8226

عندي: أن الضيافة إن رأيناها محسوبة من الدينار الذي هو الأصل، فللإمام ردها إلى الدينار، وإن كانت الضيافة زائدة على الدينار فالوجه: القطع بعدم قدرته على ذلك بدون رضاهم. [ثم] إذا قلنا بجواز رجوعه إلى الدينار فهل يبقى الدينار لعموم المصالح كالضيافة، أم يختص بأهل الفيء؟ فيه وجهان، أظهرهما في "الرافعي": الثاني؛ لأن القياس في الضيافة – أيضا – الاختصاص، إلا أن الحاجة اقتضت التعميم، وإذا ردت إلى الأصل ثبت الاختصاص كما في الدينار المضروب ابتداء. إذا طلب الضيف [ثمن] الطعام لم يلزمهم ذلك، ولو أراد أخذ الطعام ليذهب به ولا يأكله عندهم، فله ذلك، بخلاف طعام الوليمة لا يجوز إخراجه؛ لأن هذه معارضة وتلك مكرمة. ليس للضيف طلب طعام الأيام الثلاثة في اليوم الأول، وإذا امتنعوا من الإتيان بالطعام في وقته فهل للضيف المطالبة به في الغد؟ إن قلنا بأنه زائد على الدنيا فلا يجوز، وإلا فيجوز. [لا يلزم] أهل الذمة أجرة الطبيب والحمام وثمن الدواء. إذا تنازعوا في إنزال الضيف فالخيار إليه، [وإن تزاحم] الضيفان على واحد فالخيار [إليه، وإن لم يزاحم الضيفان على واحد فالخيار] للذمي، وإن كثر عددهم وقل المضيفون فالسابق أحق، وعند التساوي الرجوع إلى القرعة. قال الشافعي:﵁: فإن غلب بعضهم بعضا ودخل المنزل كان أحق [به]، حكاه البندنيجي. قال: ومن بلغ من أولادهم، أي: في دارنا، واختار المقام – واستؤنف له عقد الذمة على ظاهر النص؛ لأن عقد الأب وقع لنفسه دونه، وقد ثبت له حكم الاستقلال؛ فعومل معاملة من لا أب له، وهذا ما أورده القاضي أبو الطيب

стр. 8227

[وابن الصباغ]، واختاره في "المرشد"، وقال الإمام: إنه الأشبه. وقيل: تؤخذ منه جزية أبيه، أي: من غير استئناف عقد؛ لأنه لما تبعه في النسب والأمان تبعه في الذمة. ولا تؤخذ منه على هذا جزية قوم أمه إذا كانت أكثر من جزية أبيه؛ لأن الأم لا جزية عليها، [وهذا بخلاف الدية]، وهذا القول أصح في "تعليق" القاضي الحسين، وبه جزم الفوراني، وقال الإمام: إن ظاهر النص يدل عليه. ولذلك قال الماوردي: إنه ظاهر مذهب الشافعي – ﵁ – ونسب الأول إلى قول الشيخ أبي حامد، [وقال]: إنه فاسد؛ لأن الشافعي – ﵁ – جعل جزية الولد إذا اختلفت جزية أبويه جزية [أبيه دون] أمه ولم يستأنف أحد من الأئمة العقد للأولاد عند بلوغهم. ثم لا فرق في جريان القولين عندنا بين أن يكون الأب قد قال: التزمت في حق ابني إذا بلغ مثل ما التزمت في حق نفسي، أو لا، قاله الإمام وغيره. التفريع: [إن قلنا بالأول:] ضرب عليه من الجزية ما يقع به التراضي، والأولى أن يتلطف به إلى أن يقبل جزية أبيه إذا كانت أكثر من أقل ما رضي به، فإن أبي إلا بذل أقل الجزية – وجب العقد له. وإن قلنا بالثاني: قيل له إن رضيت بجزية أبيك تركناك، وإن أبيت فقد نقضت العهد؛ فنعاملك معاملة ناقض العهد، فإن أبى رد إلى مأمنه كما جزم به أبو الطيب والبندنيجي والقاضي الحسين، فإن عاد وبذل أقل الجزية عقد له. وفي "الرافعي": حكاية طريقين فيه عند الامتناع من بذل [جزية] أبيه: أحدهما: أنه على الخلاف الآتي فيما إذا امتنع المستقل بالعقد من بذل الزيادة. [والثاني: أنا نقبل منه عند الامتناع من بذل الزيادة] على أقل الجزية ما بذله في الحال؛ لأنه لم يقبل بنفسه حتى يجعل بالامتناع ناقضا للعهد.

стр. 8228

تنبيه: ظاهر قول الشيخ يقتضي أنه لا فرق فيما ذكره بين أن يبلغ الولد رشيدا أو سفيها، والأمر كذلك، لكن إذا قلنا: إنه تؤخذ منه جزية أبيه، أخذت من مال السفيه وإن كانت أقل [من] الجزى، وإن قلنا باستئناف عقد الذمة فللسفيه الاستقلال به؛ لحقن دمه بأقل الجزى، وهل يجوز العقد بأكثر منه؟ قال القاضي الحسين في "تعليقه": سئل عن ذلك – يعني القفال- فقال: يلزمه، أذن الولي [أو لم يأذن]؛ كما لو صالح عن دم العمد على أكثر من الدية، وهذا ما أورده في "الوسيط" فقها وتوجيها. [ثم] قال القاضي: وفي لزوم الزيادة دون إذنه نظر؛ لأنه يمكنه حقن دمه دونها؛ إذ الإمام يلزمه حقن الدم بالدينار الواحد، بخلاف ما لو وجب عليه قصاص، فصالح على أكثر من الدية – يلزمه الزيادة؛ لأنه لا يتوصل إلى [حقن دمه] بدونها إذا لم يرض المستحق إلا بها. وفي "النهاية" نسبة التجويز إلى القاضي وتضعيفه بما أبداه القاضي احتمالا، وقد أبدى ابن الصباغ هذا الاحتمال أيضا، وحكى عن الروياني مثله؛ ولأجل ذلك جزم في "التهذيب" بعدم أخذ الزيادة. ولو امتنع السفيه من بذل الجزية، ورام اللحوق بدار الحرب – فليس للولي عقدها، صرح به القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والروياني وغيرهم، وكلام الغزالي في "الوسيط" يفهم خلافه؛ لأنه قال: ولو عقد الولي الزيادة لم يكن للسفيه المنع كما يشتري له الطعام في المخمصة قهرا؛ لصيانة روحه. والأشبه الأول، وكلام الغزالي يمكن عوده إلى مسألة القصاص التي قاس عليها ما نحن فيه، كما صرح به الإمام فيها، لا إلى مسألة الجزية، لكن كلامه في

стр. 8229

"الوجيز" مصرح بالأول؛ فلعله أخذه من ظاهر كلامه في "الوسيط" من غير مراجعة غيره في ذلك الوقت، والله أعلم. قال: وتؤخذ الجزية في آخر الحول؛ لأنه حق مالي يتكرر بتكرر السنين؛ فكان وقت أخذه آخر الحول كالزكاة والدية، وحكى الأصحاب قولين تظهر فائدتهما من بعد في أن الحول هل هو مضروب [للوجوب كالزكاة]، أو يتعلق الوجوب بأول الحول، والمدة مضروبة للأداء. وفي "النهاية": أن عبارات الأصحاب قد اختلفت في إضافة الوجوب إلى أول السنة: فمن قائل: يجب الجميع بأول السنة ثم الاستقرار على التدريج، ومن قائل إنها تجب شيئا فشيئا، وعلى هذا يتخرج أن الإمام هل له أن يطالب بقسط ما مضى أم لا؟ وفيه وجهان حكاهما الإمام أيضا، والظاهر المنع؛ إتباعا لسير الأولين، وأنه هل يجوز للإمام أن يشترط تعجيل الجزية؟ فيه وجهان في "التهذيب"، ووجه الجواز إلحاقها بالأجرة. فرع: إذا بلغ الصبي في أثناء الحول، واختار المقام عندنا – خير بين ثلاثة أشياء: بين أن يدفع عند تمام الحول قسط الماضي؛ ليكون حوله [مع] حول أصحابه، وبين أن يؤخر قسط بعض الحول إلى تمام الحول الثاني فيعطيه معه، وبين أن يصبر إلى أن يتم حول من [حين] بلوغه فيعطي ما عليه. قال: ويؤخذ ذلك منهم برفق، كما تؤخذ سائر الديون [؛ لما روى أبو داود عن عروة بن الزبير: أن هشام بن حكيم بن حزام وجد رجلا – وهو على حمص – يشمس ناسا من النبط في أداء الجزية، فقال: ما هذا؟! سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا"، وأخرجه مسلم.

стр. 8230

و] لأنها عوض عن حقن دمائهم وسكناهم في دار الإسلام فكانت كالأجرة في الإجارة والثمن في البيع، وهذا ما حكاه القاضي أبو الطيب في أواخر كتاب الجزية عن نص الشافعي – ﵁ – في "الأم"، وكذلك البندنيجي حكاه عن النص قبيل باب الهدنة، وذكر أن الشافعي – ﵁ – قال: يكفي في الصغار أن يجري عليهم الحكم، لا أن يضربوا ولا يؤذوا بكلام قبيح. وقد حكى تفسير الصغار في الآية بهذا عنه – أيضا – المراوزة وقالوا هنا: إنها تؤخذ منهم على وجه الإهانة فيطأطئ الذمي رأسه عند التسليم، ويأخذ المستوفي بلحيته ويضرب في لهزمته – وهي من اللحيين مجتمع اللحم بين الماضغ والأذن، فيقول: يا عدو الله، أد حق الله. واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿وهم صاغرون﴾ [التوبة: ٢٩]، لكنهم اختلفوا في أن ذلك واجب أو مستحب، على وجهين، أصحهما في "الوسيط" و"الرافعي": الثاني؛ لأنها تسقط بتضعيف الصدقة، وبنوا على الوجهين جواز توكيل المسلم في أدائها، والحولة عليه بها، وضمان المسلم بها. وقال الإمام: الأصح عندي تصحيح الضمان؛ فإن ذلك لا يقطع إمكان توجيه الطلب على المضمون عنه ونفي الضمان – حتى يقال: لا يلزم الضامن شيء – بعيد. ثم قال: ويتجه عندنا طرد الخلاف فيما إذا وكل الذمي ذميا فإن كل ملتزم للذمة معني بالصغار في نفسه، ولا خلاف في جواز توكيل المسلم [في] عقد الذمة؛ لأنه ليس في صغار. تنبيه: الرفض ضد العنف، وقد رفق به، يرفق – بالضم – وأرفقته، وترفقت به. قال: ولا يؤخذ من امرأة؛ لقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله﴾ الآية [التوبة: ٢٩.] [وهذا خطاب للذكور]. وروي عن عمر – ﵁ – أنه كتب إلى أمراء الأجناد: أن اضربوا

стр. 8231

الجزية، ولا تضربوها على النساء، والصبيان إلا من جرت عليه المواسي. ولأن الجزية تؤخذ في مقابلة حقن الدم وسكني الدار، [والمرأة] محقونة الدم، وهي مال بدليل ملكها بنفس الأسر؛ فلم تجب عليها جزية لسكني الدار كسائر الأموال. والخنثى فيما نحن فيه ملحق بالمرأة. نعم، لو بانت ذكورته فهل تؤخذ منه جزية الأحوال الماضية؟ فيه وجهان عن رواية ابن كج، رحمه الله تعالى. ثم لا فرق في المرأة بين أن تكون زوجة لذمي استتبعها معه في العقد [كما سنذكره] أو لا، وذلك في صورتين: إحداهما: أن تولد في دارنا. والثاني: أن تكون في دار الحرب، وقد طلبت أن يعقد لها الذمة؛ لتخرج إلى دار الإسلام وتقيم، وفي هذه الحالة يجوز أن يأذن لها بشرط أن يجري عليها أحكام [الإسلام] من غير جزية وهذا [مما] لا خلاف فيه وإن كان للشافعي – ﵁ – قولان معزيان [إلى "الأم"] حكاهما أبو حامد الإسفراييني، وأشار إليهما ابن أبي هريرة فيما إذا حاصرنا قلعة لا رجل فيها، وسأل من فيها من النسوان عقد الذمة لهن، فشرط أن يجري عليهن أحكام الإسلام ويبذلن الجزية: أحدهما: لا [يجير] ويتوصل إلى فتح القلعة وسبيهن، وهذا ما نقله أبو بكر الفاسي في "عيون المسائل" عن نصه؛ معللا بأن الجزية تؤخذ لقطع الحرب، ولا حرب في النساء، وهن غنيمة، وصححه الغزالي وإمامه بعد روايته [وجها]، واختاره في "المرشد"، وفرق بينه وبين الصورة قبلها بأنها ثم تصير

стр. 8232

تبعا للمسلمين، وربما حملها ذلك على الإسلام، وهنا بخلاف ذلك [مع أنه] لا مصلحة [في إقرارهن] في قلعة منفردات. والثاني: يلزم عقد الذمة بالشرط المذكور ولا يأخذ منهن شيئا باسم الجزية، فإن أخذ رد عليهن إلا [أن] يعلمن عدم [وجوب ذلك فيكون هبة تملك بالقبض، [ولهن الامتناع قبل القبض]، وكلام الفوراني مصرح بأنا على هذا القول نأخذ منهم الجزية، وقد حكاها الماوردي وجها عن ابن أبي هريرة. وفي "تعليق" القاضي الحسين تفريعا على هذا القول: أنها تؤخذ في سنة واحدة، ولا تتكرر بتكرر السنين، وحكاه الإمام عمن يوثق به، وقال: إنه كلام مضطرب. قال: ولا عبد؛ لأنه روي عن عمر – ﵁ – أنه قال: لا جزية على مملوك. وفي "الحاوي" أنه ﷺ قال: "لا جزية على عبد"؛ ولأنه لا يملك وهو مال، والمال لا جزية عليه. والمدبر والمكاتب [وولد أم الولد] كتابع لها؛ كالقن، وكذا من [بعضه حر وبعضه رقيق على المذهب كما قال الرافعي، وإيراد المصنف والماوردي يقتضي ترجيحه.

стр. 8233

وقيل: إنه يؤدي من الجزية بقدر ما فيه من الحرية؛ لأنه يملك بها، وهذا ما اختاره في "المرشد". وكما لا تجب على العبد لا تجب على سيده. نعم، لو عتق العبد، فإن كان ممن لا يعقد لهم الذمة ألحق بدار الحرب، [وإن كان ممن يعقد لهم الذمة فإن بذل الجزية أقر بدار الإسلام، وإلا ألحق بدار الحرب] وفي قدر جزيته إذا كان سيده ذميا ثلاثة أوجه حكاها الماوردي: أحدها: قدر جزية معتقدة؛ لأنها لزمته بعتقه. والثاني: جزية حر من عصبته؛ لأنه أخص بميراثه ونصرته. والثالث: ما يقع به التراضي لتفرده بها دون غيره، وهذا ما اختاره في "المرشد"، وهو مع الأول، مذكوران في "المهذب". والتفريع على الأوجه كما تقدم في الصغير [إذا بلغ]، ولو كان معتقه مسلما فالاعتبار بما يقع به التراضي، ويتجه أن يجيء الوجه الثاني. قال: ولا صبي ولا مجنون؛ لقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله﴾ الآية [التوبة: ٢٩]. والصبي والمجنون ليسا من أهل القتال قال – ﵇ –: "رفع القلم عن ثلاث"، وروي أنه ﷺ قال لمعاذ بن جبل: "خذ من كل حالم دينارا" أي: محتلم؛ فدل بمفهومه على عدم الوجوب على الصبي ومن طريق الأولى [على] المجنون. وعن "البيان" حكاية وجه: أنها تؤخذ من المجنون؛ تنزيلا للجنون بمنزلة المرض، ونسبه بعض الشارحين إلى بعض الخراسانيين. قال الرافعي: ولا عبرة [به]. فرع لو شرط على الرجال أن يؤدوا عن أبنائهم ونسائهم غير ما يؤدون عن

стр. 8234

أنفسهم، قال الشافعي – ﵁ – في "الأم": جاز ذلك إذا كان من أموالهم، ولزم كما يلزم ما اتفقوا [على زيادته عن] أقل الجزى، ولو كان الملتزم من أموال الصبيان والنسوان، لم يجز. قال: وفي الشيخ الفاني والراهب قولان. القولان في المذكورين ومن [في] معناهما – كما تقدم في باب قتال المشركين – مبنيان كما قال [القاضي أبو الطبيب و [القاضي] الحسين] وابن الصباغ وغيرهم على جواز قتلهم: فإن قلنا بجوازه أخذت منهم [الجزية] إذا بذلوها، وهو ظاهر النص وصححه النووي، واختاره في "المرشد" وغيره، وحكى القاضي الحسين والفوراني وغيرهما طريقة جازمة به؛ لأنهم كانوا من أهل القتال. وإن قلنا بمنع قتلهم جاز إقرارهم في دار الإسلام من غير جزية كالنساء والصبيان، قاله القاضي أبو الطيب وابن الصباغ. وقال القاضي الحسين: إنهم يلحقون بمأمنهم. قال: وفي الفقير الذي لا كسب له قولان: أحدهما: لا تجب عليه؛ لما روي أن عمر – ﵁ – جعل أهل السواد ثلاث طوائف: الغني، والمتوسط، والمعتمل، ولو كانت تجب على من لا صنعة له لكانوا أربع طوائف، [ولأنها حق مالي تجب في كل حول؛ فوجب ألا تجب على الفقير الذي [لا] صنعة له]؛ كالزكاة، والدية على العاقلة، وهذا [ما] نص عليه في "سير" الواقدي. فعلى هذا: تعقد له الذمة على أن يكون في دار الإسلام، فإذا أيسر وقدر على العمل استؤنف له الحول من ذلك الوقت. والثاني: تجب عليه؛ لقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا

стр. 8235

الكتاب حتى يعطوا الجزية﴾ الآية [التوبة: ٢٩]. والقتال يعم الموسر والمعسر [الفقير]؛ فكذلك الجزية، وقوله ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: "خذ من كل حالم دينارا"، مع علمه بأن فيهم الفقراء، ولأن الجزية في مقابلة حقن الدم وسكني الدار، والغني والفقير فيهما سواء؛ فكذلك في وجوبها مع أن ما حقن به الدم لا يسقط بالإعسار [؛ كالدية، وما استحق به المقام في مكان لا يسقط بالإعسار] كالأجرة، وهذا ما نص عليه في سائر كتبه، واختاره [المزني و] النووي. وعلى هذا قال: ويطالب بها إذا أيسر، أي: تعقد له الذمة، ويطالب بالجزية إذا أيسر كما يعامل في حالة الإعسار، ويطالب بالبذل عند يساره. قال البندنيجي: فإذن على القولين تعقد له الذمة. وحكى القاضي أبو الطيب وابن الصباغ عن أبوي علي؛ ابن أبي هريرة وصاحب الإفصاح احتمال وجه آخر على هذا القول: أنه لا يقر إلا بإعطاء الجزية فإن تمحل وحصل قدر الجزية في كل سنة وأداها؛ أقر، وإلا أخرج من دار الإسلام. وحكى [القاضي] الحسين والفوراني أن من أصحابنا من قال: لا يترك في دار الإسلام مجانا قولا واحدا، وإنما القولان في أنه هل يضرب عليه، ثم يمهل إلى أن يوسر أو يلحق بالمأمن، وهذا ما اختاره في "المرشد". قال: وإن كان فيهم من يجن يوما ويفيق يوما، فالمنصوص – أي: في باب "ما يرفع الجزية"-: أنه تؤخذ منه الجزية – أي: كاملة – في آخر الحول، ولا ينظر إلى الجنون المتقطع؛ تغليبا لحكم الأهلية ووجوب الجزية، وهذه طريقة الشيخ أبي حامد كما نقلها العمراني [في "زوائده" عنه]، والقائل بها يوجب

стр. 8236

تمام [الجزية] من طريق الأولى إذا كان زمن الإفاقة أكثر، وأما إذا [كان] أقل فقد حكى الإمام عنه: أنه [لا أثر للإفاقة]؛ فغلب الأكثر. قال: وقيل: يلفق أيام الإفاقة، فإذا بلغ قدرها حولا، أي: مثل أن مضى عليه حولان؛ [وجبت] عليه الجزية؛ لأنه لو كان في جميع الحول مجنونا لم تجب، ولو كان في جميعه مفيقا وجبت؛ فوجب – إذا كان في نصفه مفيقا وفي نصفه مجنونا – أن تسقط بقدر الجنون وتجب بقدر الإفاقة. قال: وهو الأظهر؛ لما ذكرناه، وهو الذي أورده في "المهذب" والماوردي، ونص عليه الشافعي – ﵁ – في موضع آخر والقائلون به حملوا قول الشافعي – ﵁: لا ترفع عنه الجزية بجنونه، على أيام الإفاقة. وعلى هذا جرى القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ. وحكى الإمام عن رواية الشيخ أبي علي: أن من يجن ويفيق لا يجب عليه جزية أصلا، وإن كان زمن الإفاقة أكثر، إلا أن يكون الجنون في حكم العارض كيوم في شهر؛ فيكون الاعتبار بالإفاقة، ولا نظر للجنون في هذه الحالة. وحكى الفوراني وغيره عن القفال: أنه إن كان في آخر الحول مفيقا طولب بالجزية، وإلا فلا. وهذا القائل لا يفصل بين أن يكون من الجنون مساويا لزمن الإفاقة، أو أحدهما أكثر من الآخر؛ كما صرح به الإمام عنه. ولو كان يجن نصف الحول ويفيق نصفه، قال البندنيجي: إن كانت الإفاقة في النصف الأخير واستمرت، فإذا حال الحول وجبت [عليه] لهذه البقية قولا واحدا. وكيف تؤخذ؟ الكلام فيها كما ذكرنا في الصبي إذا بلغ في أثناء الحول، وإن كانت في النصف الأول، فهل عليه جزية ما مضى؟ على قولين؛ كما لو أسلم في أثناء الحول، وهما في "المهذب" أيضا.

стр. 8237

فرع: لو وقع في الأسر من [يجن ويفيق]، قال الإمام: إن غلبنا حكم الجنون فيرق ولا يقتل، وإن غلبنا حكم الإفاقة فلا يرق بالأسر، والظاهر: الحقن. قال: والإشكال فيه أن الجنون والإفاقة لا يجتمعان حتى يقال: اجتمع في الشخص الواحد الحاظر والمبيح؛ فيغلب الحاظر، ويتجه أن يعتبر وقت الأسر، وهو الذي اقتصر عليه الغزالي في ["الوجيز، وقال] في "الوسيط": إنه الصحيح. قال الرافعي: وهو في الحقيقة كوجه التلفيق في مسألة الجزية. قال: ومن مات منهم أو أسلم بعد الحول أخذت منه جزية ما مضى، أي قلت أم كثرت؛ لقوله ﷺ : "الزعيم غارم"، وهو قد ضمنها بالعقد وتمام الحول فوجب عليه الغرم، لعموم الخبر، ولأن الجزية دين يجب استيفاؤه والمطالبة به في حالة الكفر؛ فوجب ألا [يسقط بالإسلام]، أصله: الجراح وسائر الديون. فرع: إذا كان على الميت دين آخر، وضاق المال عن وفاء الجميع – فهل يضارب بقدرها مع الغرماء، أو تقدم الجزية على حقوق الآدميين؟ أو تقدم ديون الآدميين على الجزية؟ فيه الأقوال الثلاثة المذكورة في الزكاة، وهي جارية فيما إذا أفلس بعد الحول؛ كما ذكره البغوي وغيره. والذي أورده البندنيجي وغيره من العراقيين في الأولى: المضاربة، وهو ظاهر النص في المختصر، وبذلك يحصل في المسألة طريقان، وهما مبنيان على اختلاف نقله الإمام عن الأصحاب في أن الجزية ينحى بها نحو حقوق الله تعالى كالزكاة، أو نحو حقوق الآدميين؛ لأنها ليست من القرب، ومصرفها المرتزقة. وفي "الوسيط" حكاية الطريقين على غير هذا النحو: أحدهما: القطع بالتقديم.

стр. 8238

والثاني: إثبات الأقوال. قال الرافعي: وهذا من سبق القلم، ولا صائر إلى القطع بتقديم الجزية. قال: ومن مات أو أسلم في أثناء الحول، فقد قيل: يؤخذ منه لما مضي؛ لأن الجزية في مقابلة حقن الدم والمساكنة، وقد حصل بعض ذلك؛ فوجب أن يجب بقسط ما مضى كما في أجرة الدار، وهذه طريقة أبي إسحاق، ورأي القاضي ابن كج تخصيصها بصورة الموت. قال: وقيل فيه قولان: أحدهما: لا يجب [عليه] شيء؛ لأنه حق مالي يتكرر بتكرر الحول فلم يجب ببعض الحول شيء منه؛ كما في الزكاة؛ لأن المستأمن يقيم بعض الحول بلا جزية، ولو كانت تجب بسقطه لما جاز؛ [كما لا يجوز] أن يقيم حولا بغير جزية، وقد قطع بهذا القول بعض الأصحاب. والثاني: يجب لما مضى بقسطه وهو الأصح؛ [لما ذكرناه]. وقد وافق الشيخ في التصحيح الرافعي والقاضي الحسين وغيرهما. وقيل: الفرق بين الجزية والزكاة: أن الزكاة يتعلق وجوبها بالحول، والجزية تجب بالعقد ويتحتم أداؤها بالحول، والمستأمن لم تجب عليه الجزية بعقده، وهذا قد وجبت عليه الجزية، وإنما تحتمت؛ فافترقا، وقد تبين لك بما ذكرناه أن في المسألة ثلاث طرق، وأظهرها: طريقة القولين، وهي التي اقتصر على إيرادها القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والبندنيجي وكذا الماوردي، وقال: إنهما مأخوذان من اختلاف قول الشافعي – ﵁ – في حول الجزية هل هو مضروب للوجوب، أو للأداء؟ فعلى الأول: لا يجب، وعلى الثاني: يجب. وقال القاضي الحسين: إن الجزية [هل تجب بأول الحول وتستقر جزءا فجزءا

стр. 8239

إلى أن يتم الحول]؛ كالأجرة، أو تجب بآخر الحول؟ فيه جوابان مستنبطان من القولين في مسالة الكتاب. ثم في محل الخلاف طريقان: أحدهما: محله إذا مات وقد مضى أكثر من أربعة أشهر، أما إذا مضت أربعة أشهر أو أقل منها؛ فلا يلزمه شيء. والثاني - وهو الصحيح -: أنه لا فرق في [جريان القولين] بين أن يموت وقد مضت أربعة أشهر أو [أقل منها أو أكثر]. حكاهما الإمام والرافعي في باب عقد الهدنة. فرع: إذا غاب الذمي ثم عاد، وقال: أسلمت من وقت كذا، فلا جزية علي، وأنكر الإمام ذلك – حكى صاحب "الإشراف" فيه قولين: أحدهما: القول قول الإمام؛ لأن الأصل بقاء الكفر. والثاني: القول قول الذمي؛ لأن الأصل عدم [وجوب الجزية]؛ إذ الجزية تجب عند حولان الحول. وحكى في وضع آخر: أنه إذا ادعى ذلك فاتهمه الإمام حلفه؛ واليمين واجبة أو مستحبة؟ فيه وجهان. وإذا نكل على وجه الوجوب حكم القاضي بالجزية؛ للعقد السابق على طريق ابن القاص، بخلاف مذهب ابن سريج، وحكى غيره وجها: أنه يحبس إلى أن يحلف أو يقر. آخر: يهود خيبر كغيرهم في ضرب الجزية عليهم، وسئل ابن سريج عما يدعونه من أن علي بن أبي طالب – ﵁ – كتب [لهم] كتابا بإسقاطها، فقال: لم ينقل أحد من المسلمين ذلك.

стр. 8240

قال ابن الصباغ: وفي زماننا [قد أظهروا] كتابا، وذكروا أنه بخط علي، [وأنه كتبه عن النبي ﷺ وبأن تزويدهم وكذبهم فيه؛ فإن فيه شهادة سعد بن معاذ ومعاوية – ﵄ – وتاريخه بعد موت سع وقبل إسلام معاوية. وعن "البحر": أن ابن أبي هريرة أسقط الجزية عنهم؛ لأنه ﵇ ساقاهم وجعلهم بذلك حولا؛ ولأنه قال: "أقركم ما أقركم الله تعالى" فأبهم. قال الماوردي: وهذا شيء تفرد به ابن أبي هريرة، ولا أعرف له [منه] موافقا، وأحسبه لما رأى الولاة [على] هذا خرج لفعلهم وجها. قال: وإن مات الإمام، أو عزل وولي غيره، ولم يعرف مقدار الجزية؛ أي: لعدم من يخبره بذلك من المسلمين، ولا وجد في الديوان شيئا يدل عليه – رجع [فيه] إلى قولهم؛ لتعذر معرفته من غيرهم، وطريقة – كمال قال الماوردي -: أن يسألهم فرادى فإن توافقوا على قدر يجوز العقد به أقرهم عليه بعد أحلافهم، قال: واليمين واجبة. [وقال] القاضي أبو الطيب و [القاضي] الحسين وابن الصباغ والبندنيجي: إنها مستحبة؛ لأنها لا تخالف الظاهر، بخلاف ما لو اعترفوا بدينارين، وقالوا: الدينار جزية والآخر هدية؛ فإن اليمين هنا واجبة. قال البندنيجي وابن الصباغ: لأنها تخالف الظاهر، وتخالف الزكاة على

стр. 8241

أحد الوجهين؛ فإنها مواساة، وهذه معاوضة، وإن اختلفوا: فذكر بعضهم أنه أقرهم بدينار، وآخرون أنه أقرهم بأكثر منه – ألزم كلا منهم بما أقر به، ولا تقبل شهادة بعضهم على بعض، ويكتب الإمام في ديوان الجزية: أنه رجع فيه إلى قولهم حين أشكل عليه أمرهم فاعترفوا بكذا؛ لجواز أن يجد بينة عادلة تشهد بخلاف ما ذكروه فيرجع عليهم بالتفاوت، أما إذا عرف مقدار الجزية بأن استفاضت بها الأخبار، وانتشر ذكرها في الأمصار، أو شهد بها عدلان من المسلمين – اعتمد على ذلك، وهل يقوم مقام ذلك كونها في ديوان الجزية مكتوبة مع عدم الريبة لكونها تحت ختم؟ فيه وجهان في "الحاوي". قال: ويأخذهم الإمام بأحكام المسلمين من ضمان المال والنفس والعرض، أي: بالنسبة إلى المسلمين؛ لأنهم يعتقدون وجوب ذلك، وقد التزموا إجراء حكم الإسلام عليهم بعقد الذمة؛ كما تقدم. وأما بالنسبة إلى أهل الذمة وغيرهم فسيأتي الكلام فيه، إن شاء الله تعالى. قال: وإن أتوا ما يوجب الحد بما يعتقدون تحريمه: كالزنى والسرقة، أقام عليهم الحد؛ لما روى مسلم عن ابن عمر – ﵄ – أن النبي ﷺ أتي بيهودي ويهودية قد زنيا، فأمر [بهما] رسول الله ﷺ فرجما، قال عبد الله بن عمر: فكنت فيمن رجمهما، فلقد رأيته يقيها الحجارة بنفسه. وفي رواية أبي داود: "يجنأ عليها يقيها الحجارة"، وخرجه البخاري.

стр. 8242

ويجنأ – بفتح الياء آخر الحروف، وسكون الجيم وبعدها نون مفتوحة وهمزة – يقال: جنئ، [يجنأ] على الشيء: إذا أكب عليه. فثبت هذا الحكم على الزنى بالنص، وقيس الباقي عليه. فإن قيل: هذا الفعل من رسول الله ﷺ لا يدل على المدعي؛ لأمرين: أحدهما: أن الكلام في أهل الذمة، واليهوديان لم يكونا من أهل الذمة كما نقله الإمام في نكاح المشركات عند الكلام في وجوب الحكم بين أهل الذمة. الثاني: أن كلام الشيخ يقتضي إقامة الحد، سواء رضوا بحكمنا أو لم يرضوا،

стр. 8243

والحديث يدل على حالة [الرضا] بالحكم. قلت: الجواب على الأول: [أنه إذا] جاز ذلك في غير أهل الذمة وهم أهل العهد ففي أهل الذمة [من طريق] أولى؛ لالتزامهم جريان أحكام الإسلام عليهم مع اعتقادهم الوجوب. وعن الثاني: لا نسلم أن الحديث دال على اعتبار رضاهم، ولئن دل عليه هذا الخبر؛ فقد جاء في "صحيح" مسلم و"سنن" أبي داو عن البراء بن عازب قال: مر على رسول الله ﷺ يهودي يحمم، فدعاهم فقال: "هكذا تجدون حد الزنى [في كتابكم]؟ "، فقالوا: نعم، فدعا رجلا من علمائهم، قال: "نشدتك الله الذي أنزل التوراة على موسى، [أهكذا] تجدون حد الزنى في كتابكم؟ "، فقال: اللهم لا، ولو أنك نشدتني [بهذا] لم أخبرك. حد الزاني في كتابنا الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الرجل الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقالوا: تعالوا فنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فاجتمعنا على التحميم الجلد، وتركنا الرجم، فقال رسول الله ?: "اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه"، فأمر به فرجم. والتحميم كما قال الماوردي في باب حد الزنى: تسويد الوجه، مشتق من "الحممة"، وهي الفحمة. على أن الإمام قال: ما ذكره العراقيون من إقامة حد الزنى والسرقة عليهم حسن، ولم أر في طريق المراوزة ما يخالفه، والذي أراه في ذلك: أن من زنى منهم بمسلمة، أو سرق مال مسلم؛ فالحكم جار عليهم، فأما إذا زنى كافر بكافرة، أو سرق كافر مال كافر، فالذي أراه: يخرج هذا [على] القولين في

стр. 8244

وجوب الحكم بينهم، فإنهم لما حرموا الزنى والسرقة في دينهم كذلك حرموا الغضب وتغييب الودائع، ونحوها، ثم ذلك يخرج على القولين؛ فكذلك الزنى والسرقة. وهذا الاحتمال قد صرح به منقولا الماوردي في كتاب السرقة، [والتفرقة] بين أن يزني بمسلمة، أو يسرق مال مسلم، أو يكون ذلك في أهل الذمة، وقد حكى الرافعي في كتاب النكاح شيئا منه عن صاحب "التهذيب" وغيره؛ حيث قال: إنهم قالوا: إقامة حد الزنى والسرقة عليهم للإمام إذا قلنا: يجب الحكم بينهم، أما إذا قلنا: لا يجب الحكم بينهم؛ فلا يقام الحد عليهم إلا بالرضا. ورأيته في "التهذيب" في هذا الكتاب، وقال: إنه لا فرق في ذلك بين أن يسرق مال مسلم أو ذمي، أو يزني بمسلمة أو ذمية، وقد ذكرت في باب اللعان شيئا يتعلق بهذه المسألة فيطلب منه. وإذا تأملت ما حكيته عن الإمام والماوردي والبغوي ظهر لك [في المسألة] ثلاثة أوجه. قال الماوردي: وإذا لم يحدهم [حد الزنى] على الزنى بذمية فذاك [لا ينقض عهدهم]، لكن لا يقرون على ارتكاب الزنى في دار الإسلام؛ لأنها تمنع من ارتكاب الفواحش فيستتابون [منه]، فإن تابوا، وإلا نبذنا إليهم عهدهم. قال القاضي أبو الطيب: ثم لا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون حكم [أهل] الذمة [فيما اعتقدوا تحريمه] موافقا لحكم الإسلام، أو لا؛ لقوله تعالى: ﴿وإن أحكم بينهم بما أنزل الله﴾ [المائدة: ٤٩]؛ ولأن حكم التوراة والإنجيل [قد نسخ]؛ فوجب أن يحكم بالناسخ دون المنسوخ.

стр. 8245

قال: وإن لم يعتقدوا تحريمه كشرب الخمر، أي: ونكاح ذوات المحارم المجوس بحكم العقد – لم يقم عليهم الحد؛ لأنهم يقرون على الكفر بالجزية لاعتقادهم؛ فكان إقرارهم على ما دونه مما يعتقدون إباحته أولى، ولا فرق في ذلك بين أن يرضوا بحكمنا عند الترافع إلينا أو لا. وحكى الإمام في كتاب الغضب عن أئمة الخلاف وجها في وجوب الحد [على شارب الخمر إذا رضي بحكمنا، وقال: إن في كلام الشيخ أبي علي رمزا] إليه، وتوجيهه هين إن صح النقل، وقد يعتضد [بما نص عليه] الشافعي – ﵁[إذ] قال: "إذا شرب الحنفي النبيذ حددته، وقبلت شهادته؛ فإذا كان اعتقاد الحنفي استحلال النبيذ لا يعصمه من الحد، فعقد الذمي لا يعصمه من الحد إذا رضي بحكمنا، لكن المذهب الأول، والفرق بينه وبين الحنفي على المذهب فيه - أيضا -: أن المعنى الذي لأجله وجب الحد على شارب الخمر موجود في النبيذ، وهو مقطوع به، فاطرح الخلاف، والحنفي مزجور بالحد زجر وغيره، وليس الذمي مزجورا بحد الشرب، مع العلم بأنه يشرب الخمر استحلالا وتدينا، وعلى كل حال: ليس لهم إظهار ذلك، فإن أظهروه عزروا؛ لأنه إظهار منكر في دار الإسلام، وهو لا يجوز. قال: ويلزمهم، أي: بالشرط، أن يتميزا عن المسلمين في اللباس، أي: في دار الإسلام كما قيده في "المهذب"؛ ليعرفوا بما يليق بهم في الحياة والممات، والتمييز يكون بلبس الغيار، والأولى أن تلبس كل طائفة ما اعتادته. قال الأصحاب: وعادة اليهود لبس العسلي وهو: الأصفر، وعادة النصارى لبس الأكهب والأدكن، وهو نوع من [أنواع] الفاختي. قال ابن الصباغ: والدكنة: السواد. وعادة المجوس: لبس الأسود والأحمر. ويكفي ذلك في بعض الثياب الظاهرة من العمامة [أو غيرها] كما قاله

стр. 8246

الماوردي وغيره، وكلام القاضي الحسين [وغيره] يقتضي الاكتفاء بخرقة من الألوان، وأنها تكون مخيطة على أكتافهم دون الذيل، وتبعه البغوي في ذلك. وقال الرافعي: يشبه أن يقال: لا يختص ذلك بالكتف، والشرط: الخياطة [على موضع لا يعتاد، وألحق إلقاء المنديل ونحوه على الكتف بالخياطة]، وهو بعيد. قال الماوردي: ولو لبس اليهود والنصارى لونا واحدا جاز، وإذا تميزوا بلباس وصار مألوفا لهم منعوا من العدول عنه إلى غيره؛ كي لا يقع الاشتباه والإشكال. قال: فإن لبسوا قلانس، لبس المجوس القلانس؛ لأنها عادتهم، ميزوها عن قلانس المسلمين بالخرق، أي: التي ذكرناها؛ ليقع الامتياز بها، وقد أطلق بعضهم تسمية الخرق بالعسلية، ومنهم القاضي الحسين، وتقوم مقام الخرق في تمييز القلانس – كما قال الرافعي – الذؤابة والعلامة في رأسها، وهو في ذلك متبع للبندنيجي حيث قال: وإذا لبسوا القلانس [ميزوها، فيجعلون] في أعلاها عذبة، ولا يعملون في ذلك آذانها، كقلانس القضاة. قال: ويشتدون الزنانير في أوساطهم، أي: فوق الثياب؛ لما روي أن عمر – ﵁ – كتب إلى أمراء الأمصار في أهل الكتاب أن يجزوا نواصيهم، وأن يربطوا الكستيجات في أوساطهم، وتزوي المناطق، ليعرفوا بزيهم من بين أهل الإسلام. والكستيجات: الزنانير، وهي التي عناها بالمناطق في الرواية الأخرى. والزنار: خيط مستغلظ يستوي فيه سائر الألوان، كما قاله [الماوردي، ولا

стр. 8247

يكتفى بشدها باطنة]، قال القاضي الحسين: لأنهم يتدينون بعقدها باطنا. قال الرافعي والماوردي: وليس لهم إبداله بالمنطقة والمنديل ونحوهما، وإنما جمع بين الغيار والزنار – كما قال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ – ليكون أثبت للعلامة؛ فإن المسلم قد يلبس الغيار [الملون] وقد يشد وسطه في حال العمل، فإذا جمع بينهما [زال الشبه]، وهذا يقتضي أن [يكون] الإتيان بهما معتبرا. وفي "ابن يونس": أن التمييز يحصل بأحد الأمرين، ومراده ما ذكره الرافعي وغيره: أنه يجوز الاكتفاء بشرط أحدهما، فلو شرطهما وجب الوفاء بهما. قال: ويكون في رقابهم خاتم، أي: طوق من رصاص أو نحاس، أو جرس يدخل معهم الحمام، أي: التي يدخلها المسلمون كما صرح به الرافعي – رحمه الله تعالى – لأن الغيار بالثياب لا يمكن في جوف الحمام، وقد روى أبو عبيدة في كتاب الأموال عن عمر – ﵁[أنه] كتب إلى الأمراء أن يختموا رقاب أهل الذمة بخاتم رصاص، وهكذا الحكم في الحالة التي يتجردون فيها عن الثياب يكون الخاتم ونحوه في رقابهم. قال الأصحاب: ويمنعون من إرسال الضفائر وفرق الشعر، كما يفعله الأشراف والأجناد؛ قاله الماوردي، وكذا البندنيجي، وقال: إنهم إذا تحذفوا فلا يتحذفون في الشواش التي هي عادة الأشراف، بل يزال الشعر عن موضع التحذيف كله. وفي "الرافعي" و"الحاوي" وغيرهما: أنهم يؤخذون بجز النواصي؛ لأثر عمر، ﵁. قال: ولهم أن يلبسوا العمائم والطيلسان، أي: إذا تميزوا بما ذكرناه؛ لأن التمييز قد حصل. وفي "الحاوي" حكاية وجه: أنه لا يجوز لبس الطيلسان؛ لأنه أجل ملابس

стр. 8248

المسلمين، وقال: إنه ليس بشيء. نعم، هل يمنعون من التظاهر [بلبس الديباج والحرير؟ [حكي فيه وجهين، والظاهر منهما في "الرافعي": الجواز]؛ قياسا على مرتفع الثياب من القطن والكتان. وفي "تعليق" القاضي الحسين الجزم بمقابله؛ فإنه قال: قد ذكرنا أنه يفرق بين المسلمين [وبينهم في الملبس؛ فلا يكون لباسهم فاخرا غاليا في الثمن كلباس المسلمين]. تنبيه: [الطيلسان – بفتح الطاء واللام، وكسرها، وضمها، وهما شاذان، وهو: معرب، وجمعه: طيالسة]. قال: وتشد المرأة الزنار؛ لما روي [أن] عمر – ﵁ – كتب إلى أمراء الآفاق أن يلزموا [نساء] أهل الذمة بعقد الزنانير. قال: تحت الإزار، أي: وفوق الثياب؛ كي لا يصف عجيزتها، وينكشف رأسها؛ فكان ذلك أستر لها، وهذا ما اختاره في "المرشد"، وجزم به البندنيجي والبغوي. وقيل: فوق الإزار؛ ليظهر كالرجل، وإلى هذا صار الشيخ أبو محمد، وحكى الرافعي عن بعضهم: أنه أشار إلى أن يجعل تحت الإزار، لكن بشرط أن تظهر شيئا منه، واعتبر القاضي الحسين: أن تجعل على ثيابها علامة تتميز بها إذا خرجت عن المسلمات، وعليه ينطبق قول الماوردي: وأما نساء أهل الذمة فيؤخذون بلبس الغيار في الخمار الظاهر الذي يشاهد، وحكى الإمام فيه وجهين. قال: ويكون في عنقها خاتم، أي: من رصاص أو نحاس، لا من ذهب وفضة، يدخل معها الحمام؛ لتتميز به، وهذا بناء على جواز دخولها الحمام مع المسلمات، أما إذا منعناهن من [العقد] من ذلك؛ كما هو وجه حكاه القاضي

стр. 8249

الحسين ورجحه البغوي – كن كالرجال إذا دخلوا حماما لا مسلم فيه. قال الماوردي والغزالي: ويمنعن من فرق الشعر والذوائب في الحمامات دون منازلهن، ولا يؤخذن بتحذيف شعرهن. قال: ويكون أحد خفيها أسود والآخر أبيض [أو أحمر] وغير ذلك؛ لتتميز به، وهذا هو الصحيح. وروي الإمام وجها آخر: [أنهن لا يؤخذن] بالغيار؛ لأنهن [لا يخرجن إلا نادرا] فلا يحتاج فيهن إلى التمييز، [وهو جار – كما قال الرافعي – فيما يحصل به التمييز في الحمام، وما ذكرناه من الغيار والتمييز] في الحمام واجب أو مستحب؟ حكى الرافعي والماوردي فيه وجهين، وطردهما الماوردي في المنع من ركوب الخيل، والذي يوافقه إيراد الجمهور منهما: الوجوب، ومنهم الإمام، لكنه حكى الخلاف فيما سنذكره من الدواب والمراكب فقال: قال قائلون: نكلفهم التمييز؛ كما في الغيار، ومنهم من جعل ما عدا الغيار أدبا. قال: ولا يركبون الخيل، أي: من أي نوع كانت؛ لقوله تعالى: ﴿ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم﴾ [الأنفال: ٦٠]، فأمر بإعدادها أولياءه؛ [ليجاهدوا عليها أعداءه] وقال ﷺ "الخيل معقودة في نواصيها الخير إلى يوم القيامة"، وعنى به الغنيمة، وهؤلاء مغنومون؛ [فلم يجز] أن يصيروا غانمين. وروي أنه قال: "الخيل ظهورها" عز، وهم قد ضربت عليهم الذلة، وقد

стр. 8250

تقدمت حكاية وجه: أنهم لا يمنعون، وقد حكاه ابن كج – أيضا – والقاضي الحسين، وتوسط الشيخ أبو محمد، فمنع من [ركوب] الشريفة، وجوز ركوب البراذين الخسيسة، ولا خلاف في منعهم من التقلد بالسيوف وحمل السلاح ولجم الذهب والفضة. قال: ويركبون البغال والحمير؛ لأنه لا شرف فيها، وألحق الغزالي البغال النفسية بالخيل في المنع، وهو في ذلك تبع للإمام، والفوراني جزم به، ولم يقيده بالنفسية، والأظهر: الأول، واقتصر الأكثرون عليه. قال: بالأكف عرضا، أي: من جانب واحد بحيث تبقى رجلاه مدلاة إلى جانب، وظهره إلى جانب آخر. ووجهة: ما روي أبو عبيد: أن عمر – ﵁ – كتب إلى أمراء الأجناد أن يركبوا أهل الذمة على الأكف عرضا – ولا يركبون كما يركب المسلمون. وعن الشيخ أبي حامد: أنهم يركبون مستويا، ولكن يكون الركاب من خشب، وهو الذي أورده الماوردي عن ابن أبي هريرة، كما نقله الرافعي: أنه لا حجر في الركوب، وقال: إنه يحسن أن يتوسط فيفرق بين أن يركب إلى مسافة قريبة من البلد فيركب عرضا، وبين أن يسير [مسافرا إلى] مسافة شاسعة – أي: بعيدة – فلا يكلف ذلك؛ بل يخصص الركوب عرضا بالحضر. قال ابن كج: وهذا كله في الذكور البالغين، فأما النساء والصغار [فلا يلزمون الصغار]؛ كما لا تضرب عليهم الجزية. تنبيه: الأكف: بضم الهمزة والكاف، وتخفيف الفاء، جمع أكاف [بكسر الهمزة]، ويقال - أيضا -: وكاف بكسر الواو، [وتقول: آكفت] الحمار، وأوكفته: شددت عليه الإكاف. قال: ولا يصدرون في المجالس، أي: مجلس المسلمين؛ إهانة لهم، ولا

стр. 8251

يبدءون بالسلام؛ لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا تبدءوهم بالسلام، وإذا لقيتموهم، [في الطريق] فاضطروهم – أو ألجئوهم – إلى أضيق الطرق". خرجه أبو داود، ومسلم، والترمذي. وحكى الماوردي في كتاب السير وجها [آخر]: أنه يجوز أن نبدأهم بالسلام؛ [لأنه لما كان السلام] أدبا وسنة [كان] المسلم بفعله أحق، فعلى هذا يقول له المسلم: السلام عليك، وعلى الأول إذا سلم الكافر ابتداء، قال في "التهذيب": فلا يجيبه. وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنه يرد عليه، وكذلك [قال] في "الحاوي": إنه يرد عليه. وقال: إن في كيفية الرد وجهين حكاهما في كتاب السير: أحدهما: أنه يقول: وعليك السلام، ولا يزيده عليه. والثاني: [أنه] يقول: "وعليك"؛ لأنه ربما نوى شرا بسلامه، ويشهد له ما روى مالك والبخاري عن عبد الله بن دينار أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إن اليهود إذا سلم عليكم أحدهم فإنما يقول: السام عليكم، فقولوا: وعليكم". وفي لفظ "لمسلم" والنسائي: "فقل: عليك" بغير واو. قال الخطابي: وهو الصواب؛ لأنه إذا حذف الواو صار قولهم الذي قالوه

стр. 8252

[بعينه] مردودا عليهم، وبإدخال الواو يقع الاشتراك معهم والدخول فيما قالوه، لكن الذي يرويه [عامة المحدثين] بالواو. والسام عند بعضهم: الموت، وعلى هذا تكون الرواية المشهورة أولى. وفسر بعضهم السام: بالسآمة، وهي: الملالة، أي: تسأمون دينكم، وعلى هذا يظهر ما قاله الخطابي، لكنه لم يذكر سوى التفسير الأول. قال: ويلجئون إلى أضيق الطرق؛ للخبر. قال الأصحاب: وليكن الإلجاء بحيث لا يقع في وهدة، ولا يصدمه جدار، وهذا عن ضيق الطريق، فإن خلت الطريق عن الزحمة فلا حرج. فرع: لا يجوز لمسلم أن يوادهم؛ قال الله تعالى: ﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله ...﴾ الآية [المجادلة: ٢٢] قاله الرافعي والبغوي. قال: ويمنعون أي: بالشرط – كما قاله الماوردي – أن يعلوا على المسلمين في البناء؛ لأن في ذلك استكبارا لهم وتعظيما، ويخشى منه الاطلاع على عورات المسلمين، وقد استأنس الأصحاب [له] بقوله ﷺ : "الإسلام يعلو ولا يعلى عليه". وعن كتاب ابن كج حكاية قول: أنهم لا يمنعون من ذلك، وعن بعضهم: القطع به، وحمل ما نقل من ترك الإطالة على إطالة جدران الكنيسة. وعلى الأول: إذا لم يشترط عليهم ذلك، قال الماوردي في "الأحكام": فالمستحب ألا يعلوا. قال: ولا يمنعون من المساواة؛ نظرا إلى أن المانع في الحالة السابقة خشية الاطلاع على العورات، والحديث قد دل على منع العلو على الإسلام، ولم يوجد. وقيل يمنعون؛ لقوله تعالى: ﴿وضربت عليهم الذلة والمسكنة﴾ [البقرة: ٦١]، فينبغي أن نستحقرهم في جميع الأشياء، ولأن القصد تمييزهم [عن المسلمين في

стр. 8253

المساكن كما تميزوا في اللباس والمركوب، والمساواة] تنفي التمييز، والحديث دال على علو الإسلام ولا علو مع المساواة، وهذا ما رجحه أبو الطيب، وصاحب المرشد، وصححه البندنيجي والرافعي والنووي. فرع: هل يجوز [لهم] إخراج الرواشن إلى طريق المسلمين السابلة؟ فيه وجهان في "الحاوي" وغيره، وجه المنع: إلحاق ذلك بالإحياء، وهكذا الخلاف في آبار حشوشهم إذا أرادوا حفرها في أفنية دورهم. قال: وإن تملكوا دارا عالية [البناء] أقروا عليها. قال الشافعي – ﵁: أنه على هذا ملكه، وهكذا الحكم فيما إذا كانوا قد بنوها عالية قبل الصلح معهم. نعم، يمنعون في الصورتين من الإشراف على المسلمين، وألا يطلعوا سطوحها إلا بعد تحجيرها، وإن لم يؤمر المسلمون بتحجير أسطحتهم، ويمنع صبيانهم من الإشراف [وإن [لم] يمنع صبيان المسلمين من الإشراف] على المسلمين، قاله الماوردي. فرع: لو هدمت الدار العالية وأرادوا إعادتها، فطريقان: إحداهما: أن الحكم كما لو أرادوا إنشاءها ابتداء، وهذه طريقة البندنيجي وأبي الطيب وابن الصباغ. والثانية: أن في جواز إعادتها كما لو كانت وجهين، وهذه طريقة الماوردي والقاضي الحسين. ولا نزاع في أنهم لو استأجروا دارا عالية لم يمنعوا من سكناها، قاله في "المرشد". تنبيه: في قول الشيخ: على المسلمين، ما يفهمك أنهم لو كانوا منفردين في محلة لا يختلط بهم المسلمون، ولا تتصل محلتهم بمحلة المسلمين، بل يفصم بينهما الخراب – أنه لا يكون حكمهم كذلك.

стр. 8254

وفي "الحاوي" في هذه الحالة: أنه لا يمنع بعضهم [من] أن يعلوا على بعض إذا كانوا من أهل ملة واحدة، ولو كانوا من أهل ملتين فهل يمنعون من العلو؟ فيه وجهان، [ونقلهما الجيلي عن "الكافي". وعلى كل حال فهل يمنع الجميع من الإطالة على جميع بناء المسلمين في ذلك المصر؟ فيه وجهان]، المجزوم به منهما [في "تعليق" القاضي الحسين]، والمختار في "المرشد": أنه لا حجر عليهم في هذه الحالة. قلت: ويظهر أن يجيء [في هذه الحالة] وجه آخر: أنهم يمنعون من الإطالة [على أقرب بناء إليهم من بناء المسلمين دون بناء سائر البلد؛ كما أن الأصح فيما] إذا كان بناؤهم بين المسلمين أن يمنعون من الإطالة والمساواة لأقصر بناء جيرانهم، ومن هو أقرب منهم دون من عداهم، سواء كان بماء الجار معتدلا، أو في غاية الانخفاض، ووراء الأصح في هذه الصورة أمران: أحدهما: [فيما] إذا كان بناء الجار في غاية الانخفاض نظر الإمام. والثاني – وجه حكاه الرافعي عن "الكافي" والورياني، وهو مذكور في "الحاوي"-: أنهم يمنعون من إطالة بنائهم على بناء أحد من المسلمين في جميع ذلك المصر. ثم ما ذكرناه من المنع لمحض حق الله تعالى حتى يمنع وإن رضي الجار، قال الرافعي: وأظهر الوجهين أنه محتوم، والثاني: [عن] رواية صاحب "التقريب": أنه محبوب، [قال الإمام]: وهو بعيد غير معتد به. قال: ويمنعون من إظهار المنكر، أي: كالصليب، والأعياد التي لهم، ورفع أصواتهم على أمواتهم، ونكاح المحارم. قال: والخمر والخنزير والناقوس والجهر بالتوراة والإنجيل، أي: وإن كان

стр. 8255

[ذلك] في كنائسهم؛ لما في ذلك من المفاسد، وسواء شرط عليهم ذلك في العقد أو لم يشترط، كما قاله القاضي أبو الطيب وابن الصباغ. وفي "الحاوي": أن ذلك لا يجب إلا بالشرط، وحكى الغزالي وغيره وجها أنهم [لا] يمنعون من الناقوس في الكنيسة – أيضا – تبعا لها. قال: ويمنعون من إحداث بيع وكنائس، أي: للتعبد [فيها] في دار الإسلام، أي: وإن لم يشترط عليهم [ذلك] كما صرح به أبو الطيب. وفي "الحاوي": أنه لا يجب إلا بالشرط. ووجه المنع من ذلك: ما روي أن مسروق بن عبد الرحمن قال: لما صالح عمر – ﵁ – نصارى الشام وكتب إليهم كتابا أنهم لا يبنون في بلادهم ولا فيما حولهم ديرا ولا كنيسة ولا صومعة راهب، ذكره أبو الوليد على كتاب المزني. وروي [عن] ابن عباس أنه قال: أيما مصر مصرته العرب فليس لأحد من أهل الذمة أن يبني فيه بيعة، وما كان قبل ذلك فحق على المسلمين أن يفوا لهم به؛ يعني: لا يخربونه. ولأن ذلك معصية؛ فلم يجز إحداثه في بلاد الإسلام. وهكذا الحكم في إحداث [بيت] نار المجوس، والصوامع، ومجتمع صلواتهم، فلو فعلوا ذلك على غفلة منا نقص عليهم، أما الكنائس التي يراد بناؤها لنزول المارة فيها قال الماوردي: إن شركوا فيها بين المسلمين وبينهم جاز

стр. 8256

لهم إحداثها، وإن جعلوها مقصورة على أهل دينهم دون المسلمين، ففي تمكينهم من بنائها وجهان. ولا فرق فيما ذكرناه بين ما خطه المسلمون كبغداد؛ فإن المستنصر خطها، والبصرة والكوفة؛ فإنهما خطتا في زمن عمر – ﵁ – وكان تخطيط البصرة في سنة سبع عشرة من الهجرة على يد عتبة بن غزوان، وقيل: إنه لم يعبد بها صنم [قط]- وبين ما خطه المشركون وملكه المسلمون: إما عنوة، أو صلحا، ولم يشترطوا فيه إحداث شيء من ذلك، [أو أسلم] أهل تلك البلدة، كالمدينة على ساكنها أفضل – الصلاة والسلام – أما إذا شرط الإمام لهم في الصلح أن يحدثوا ما شاءوا من ذلك؛ نظر: فإن كان في بلد فتحها المسلون عنوة، أو خطوها – فالصلح باطل. قال الأصحاب: وما يوجد في البصرة ونحوها من الكنائس لا ينقض؛ لاحتمال أنها كانت في قرية أو برية، فاتصلت بها عمارات المسلمين، فإن عرف إحداث شيء منها بعد بناء المسلمين وعمارتهم – نقض. وإن كان في بلد فتحت صلحا ففي "الحاوي": أنه لا يجوز أيضا. وعن الروياني في "الكافي" وغيره: أنه يجوز، وعليه ينطبق قول ابن الصباغ حيث قال: فإن صالحهم على أن تكون الدار للمسلمين ويؤدون الجزية إلينا، فيكون الحكم في البيع والكنائس على ما يقع عليه الصلح معهم من إحداث ذلك وعمارته، وهذا [ما] حكاه البندنيجي عن أبي إسحاق. وإذا وجد في البلدة التي فتحت عنوة كنيسة أو بيعة ونحوها، فهل يجب هدم ذلك، أو يجوز مصالحتهم على إقرارها لهم بالجزية؟ فيه وجهان في الطريقين: وجه جواز المصالحة على إبقائها، وهو الصحيح في "الحاوي": أثر ابن

стр. 8257

عباس – ﵄[السابق، وقد روي أن عمر بن عبد العزيز] كتب إلى عماله: لا تهدموا كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار. والأصح في "الوجيز" و"الرافعي": وجوب الهدم؛ لأن المسلمين قد ملكوها بالاستيلاء فيمتنع جعلها كنيسة، وقد حكى الإمام عن طائفة من الأصحاب القطع به. وفي "الحاوي": [أنا إذا قلنا]: لا يجوز مصالحتهم عليها، فهل يجوز بيعها منهم لتكون كنيسة على حالها استحبابا لما كانت، أو لا؟ فيه وجهان. ولا خلاف فيما إذا ملك المسلمون البلدة بالصلح على أن تكون [في أيديهم] بجزية معلومة يؤدونها، وعلى بقاء البيع والكنائس لهم – أنها تبقى؛ لأنه إذا جازت مصالحتهم على أن تكون [جميع] البلدة لهم فجوازها على أن يكون بعضها لهم من طريق الأولى. وعلى هذه الحالة يحمل ما فرعه الشيخ حيث قال: ولا يمنعون من إعادة [ما أستهدم منها، أي: من الكنائس إذا سقط جميعها، ووجهه: أن إعادة] بنائها بمنزلة استدامتها، فإذا جازت الاستدامة جاز البناء، ولأنهم لا يمنعون من عمارتها وتشييدها إذا خيف وقوعها؛ فكذلك لا يمنعون من الإعادة، وهذا هو ما صححه القاضي أبو الطيب، وقال البندنيجي: إنه المذهب، وعلى هذا فهل لهم توسيع خطتها؟ فيه وجهان، أصحهما: المنع؛ لأن الزيادة كنيسة جديدة متصلة بالأولى. [قال] وقيل: يمنعون؛ لأن عمر – ﵁ – شرط على نصارى الشام ألا يجدوا ما خرب منها؛ ولأنه يشبه الاستحداث، وهذا قول الإصطخري واختاره ابن أبي هريرة. وقال الماوردي: الصحيح عندي من إطلاق هذين الوجهين: أن ينظر في خرابها، فإن صارت دراسة مستطرقة كالموات منعوا؛ لأن البناء استئناف إنشاء،

стр. 8258

وإن كانت شعثة باقية الآثار والجدران جاز لهم بناؤها، وإن هدموها لاستئنافها لم يمنعوا؛ لأن [عمارة المستهدم استصلاح، وإنشاء الداثر استئناف. [انتهى]. ولا خلاف في إنهم لا يمنعون] من عمارة بعض جدرانها التي استرمت، لكن هل يجب إخفاء العمارة؟ فيه وجهان، أصحهما – وبه جزم في "الوجيز"-: لا، وعلى هذا يجوز أن يطينها من داخل وخارج، وعلى مقابله: يمنعون من التطيين من خارج. وإذا أشرف الجدار فلا وجه إلا أن يبنوا جدارا داخل الكنيسة. قال الرافعي: ويمكن أن يكتفي من يقول بوجوب الإخفاء بإرخاء ستر تقع العمارة وراءه، أو بإيقاعها في الليل. أما إذا فتحت البلد صلحا، ولم يشترطوا إبقاء الكنائس ونحوها – ففي "الحاوي": أن الحكم في إبقاء الكنائس القديمة كما إذا فتحت عنوة، وفي "الوجيز" وغيره: حكاية وجهين [في وجوب الإبقاء، والأشبه: عدمه، وبذلك يجتمع في المسألة ثلاثة أوجه]: [أحدها]: يجب الإبقاء. والثاني: لا يجوز [الإبقاء]. والثالث: يجوز أن يبقى بالبيع منهم. قال: وإن صولحوا في بلدهم على الجزية لم يمنعوا من إظهار المنكر والخمر، والخنزير، والناقوس، والجهر بالتوراة والإنجيل، وإحداث البيع، والكنائس؛ لأن الدار لهم وليست [بدار إسلام]. وأشار الغزالي [إلى] خلاف في هذه الحالة بقوله: والظاهر: أنهم لا يمنعون من إحداث كنيسة. وكذلك قول القاضي الحسين: ولا يتعرض لهم فيها

стр. 8259

على ظاهر المذهب، يفهم الخلاف. وهل يمنعون من ركوب الخيل؟ أبدى الماوردي فيه لنفسه وجهين، ووجه المنع بأنهم ربما يتقوون بذلك على المسلمين. ولا شك في أنهم يمنعون من إيواء الجواسيس، ونقل الأخبار، وما يتضرر به المسلمون في ديارهم. تنبيه: البيع: بكسر الباء [وفتح الياء]، واحدتها: بيعة: بكسر الباء وإسكان الياء. واستهدم: بفتح التاء. قال: ويمنعون من المقام بالحجاز؛ لما روى أبو داود عن عمر بن الخطاب – ﵁[أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لأخرجن اليهود [والنصارى] من جزيرة العرب؛ فلا أنزل فيها إلا مسلما] وأخرجه مسلم والترمذي. وروى أبو داود عن ابن عباس – ﵃ – أن رسول الله ﷺ :] أوصى بثلاثة، فقال: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم"، قال ابن عباس: وسكت عن الثالثة، أو قالها فنسيتها. وأخرجه البخاري ومسلم مطولا. والثالثة قيل: هي تجهيز أسامة. وقيل: يحتمل أنها قوله ﷺ : "لا تتخذوا قبري وثنا"، وفي "الموطأ": ما يشير إلى ذلك.

стр. 8260

ووجه الدليل مما ذكرناه: أن الحجاز هو نفس الجزيرة عند بعضهم، وهو الذي أورده القاضي الحسين والشيخ أبو محمد، فعلى هذا وجه الدلالة ظاهر. وعند بعضهم: هو بعض الجزيرة، كما سنذكره، وهو الأظهر، وبه جزم أصحابنا العراقيون والماوردي وغيرهم. وقالوا: ما أطلقه ﷺ من الجزيرة، المراد به: الحجاز، ويدل عليه ما روى أبو عبيدة بن الجراح قال: آخر ما تكلم به النبي ﷺ أن [قال]: "أخرجوا اليهود من الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب". فلم يتفرغ أبو بكر – ﵁ لإخراج اليهود والنصارى من الحجاز، وأهل نجران من الجزيرة؛ لقصر مدته واشتغاله بقتال أهل الردة ومانعي الزكاة فأخرجهم عمر – ﵁ – بعده في زمن خلافته؛ كما نقله الإمام مالك وأبو الطيب وغيرهما، ولم ينقل أن أحدا من الخلفاء أجلى من كان باليمن من أهل الذمة، وإن كانت من جزيرة العرب فدل على ما ذكرناه. ويقال: إن عمر – ﵁ – أجلى من اليهود من الجزيرة زهاء أربعين ألفا، وإن بعضهم التحق بأطراف الشام، وبعضهم بسواد الكوفة. وسبب إخراج أهل نجران من الجزيرة – وإن لم تكن من الحجاز – أنه ? كان قد صالحهم على ألا يأكلوا الربا فنقضوا العهد وأكلوه. قال: وهي مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها. هكذا فسر الشافعي – ﵁ – الحجاز في "الأم"؛ كما نقله البندنيجي. قال الأصمعي وغيره: وسمي ذلك حجازا؛ لأنه حجز بين تهامة ونجد. وفي

стр. 8261

"صحاح" الجوهري عن الأصمعي: أنه سمي به؛ [لاحتجازه] بالحرار الخمس، ومنها: حرة بني سليم، وحرة واقم، ويقال: احتجز الرجل بإزاره، إذا شده على وسطه. واليمامة: مدينة بطرف اليمن على أربع مراحل من مكة – شرفها الله تعالى – ومرحلتين من الطائف، وسميت باسم جارية زرقاء كانت تبصر الراكب من مسيرة ثلاثة أيام، يقال: هو أبصر من زرقاء اليمامة. والمخاليف – بفتح الميم وبالخاء المعجمة – جمع "مخلاف" بكسر الميم، وهي قرى مجتمعة. وعلى هذا التفسير الذي ذكره الشافعي – ﵁ – تكون الطائف والوج – وهو وادي الطائف – وخيبر [من الحجاز؛ لأن الطائف والوج من مخاليف مكة]، وخيبر من مخاليف المدينة؛ كذا قاله الغزالي. وفي "النهاية": أن المراوزة قالوا: الذي يحرم إقرار المشركين فيه: [مكة، والمدينة ومخاليفها. وقال العراقيون: إنه] مكة والمدينة واليمن. والمخاليف حكمها حكم البلاد في جميع الطرق، وقد يتجه عد اليمن من الحجاز؛ لأنه مجتمع العرب؛ ولأجل ذلك حي في "الوجيز" في دخول اليمن في الحجاز وجهين، ورد الرافعي الوجهين إلى أن اليمن هل يدخل في [حد] الجزيرة أم لا؟ وهو الأقرب إلى كلامه في "الوسيط"، والأول هو المفهوم من كلامه في "الوجيز"، ووراء ما ذكره الشافعي – ﵁ – من [تفسير "الحجاز"] أقوال: منها – عن الحربي –: أن تبوك وفلسطين من الحجاز. ومنها – عن الكلبي – أن حدود الحجاز: ما بين جبلي طيئ إلى طريق العراق. وقد ذكرنا أن الحجاز على الطريقة المشهورة: بعض الجزيرة، وقد اختلف

стр. 8262

القائلون بهذا الطريق في حد الجزيرة: فعن الإمام مالك: أنها الحجاز واليمن وما لم يبلغه ملك فارس والروم. وعن سعيد بن عبد العزيز: أنها ما بين الوادي إلى أقصى اليمن إلى تخوم العراق إلى البحر. قال الشيخ زكي الدين عبد العظيم: ويشبه أن يريد بالوادي وادي القرن. وحكى البخاري عن المغيرة، قال: هي مكة، والمدينة، واليمامة، واليمن. وقال الأصمعي – وهو المحكي عن الشافعي، كما نقله الماوردي-: هي من أقصى عدن إلى ريف العراق في الطول، وأما في العرض: فمن جدة وما والاها من ساحل البحر، إلى أطراف الشام. وقال أبو عبيد: هي ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن في الطول، وما بين يبرين إلى منقطع السماوة في العرض. والحفر - بفتح الحاء -: هو التراب يستخرج من الحفرة، والحفر هذه ركايا احتفرها أبو موسى الأشعري على جانب الطريق من البصرة إلى مكة، تكون منها على خمسة أميال، وهي مياه عذبة. ويبرين – بفتح الياء آخر الحروف، وسكون الباء الموحدة وكسر الراء -: رمل لا يدرك أطرافه عن يمين مطالع الشمس من حجر اليمامة. والسماوة: موضع بالبادية ناحية العواصم. واختلف الناس في السبب الذي لأجله سميت الجزيرة جزيرة: فقيل: لانحياز الماء عن موضعها بعد أن كان يجري عليها. وقيل: الجزر: القطع؛ ومنه سميت الجزيرة؛ لأنها قطعة منه أو: لأن الماء جزر عنه، أي: انقطع، وجزيرة العرب سميت بها؛ لأنها جزرت عنها المياه التي حولها لبحر البصرة، وعمان، وعدن، والفرات. وقيل: لأن حواليها بحر الحبش وبحر فارس ودجلة والفرات، [فالبحران يحيطان بجانبها الجنوبي]، والدجلة والفرات أحاطا بجانبها الشمالي.

стр. 8263

واعلم أنهم كما يمنعون من المقام بالحجاز يمنعون من المقام بسواحل بحره وجزائره وجباله، كما صرح به البندنيجي وغيره، وحكاه ابن الصباغ عن نصه في "الأم". وفي "النهاية" حكاية وجه: أنهم إذا أقاموا في الطرق المعترضة التي لا تسلك في أوساط البلاد المعدودة، كما بين مكة والمدينة ونحو ذلك، لا يمنعون منه. ولا نزاع في أنهم لا يمنعون من ركوب بحر الحجاز؛ لأنه ليس موضع إقامة، صرح به البندنيجي وغيره. وحكى ابن الصباغ أن الشافعي – ﵁ – قال في "الأم": ولا يبين لي أن أمنعهم من [ركوب بحر الحجاز. وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنهم لا يمكنون من] المقام في المراكب في "البحر" إلا قدر ما ينزلون في البر، وأقصاه ثلاثة أيام مقام المسافر، ولعله أراد: إذا أذن فيه الإمام، [وأقام في موضع واحد كما سنذكره في البلاد. قال: وإن أذن لهم، أي: الإمام] أو نائبه، في الدخول، أي: لغير الحرم من بلاد الحجاز؛ لتجارة أو رسالة – لم يقيموا أكثر من ثلاثة أيام، أي: في موضع واحد غير يوم الدخول ويوم الخروج كما صرح به الإمام وغيره. والأصل فيه: ما روي عن عمر – ﵁ – أنه أجلى أهل الذمة من الحجاز، وضرب لمن قدم منهم تاجرا ثلاثة أيام. وهكذا الحكم في الإذن لأهل الحرب في دخول ما عدا الحرم من الحجاز. ولا فرق في ذلك بين أن يكون له من الشغل ما ينقضي في الأيام الثلاثة، أو لا ينقضي؛ لأنه يمكنه التوكيل فيه. نعم، لو مرض جاز أن يقيم في الموضع الواحد إلى أن يبرأ؛ لما في ذلك من

стр. 8264

المشقة، صرح به القاضي الحسين وغيره من العراقيين. وفي "النهاية": أنه ينظر: إن تمكن من الانتقال من غير أن تعظم المشقة عليه كلف الانتقال، وإن خيف عليه الموت ترك إلى أن يبرأ، وإن لم يخف [عليه] الموت ولكن [كان] ينال مشقة عظيمة – فوجهان، أصحهما: الانتقال. قلت: وقياس ما ذكره: أن يترك في حالة يخشى عليه الموت [فيها من الانتقال، إلى أن ينتهي إلى حالة لا يخشى عليه فيها الموت] وإن لحقه مشقة عظيمة [على أصح الوجهين، أو إلى ألا تلحقه مشقة عظيمة] على مقابله، ولا يترك إلى أن يبرأ. ولا خلاف أن له الانتقال في حالة الصحة من موضع إلى موضع من بلاد الحجاز؛ بشرط ألا يقيم في كل موضع أكثر من ثلاثة أيام، ولا يقوم إذن [غير] الإمام [ونائبه في ذلك مقام إذنهما، صرح به الماوردي وغيره. [نعم]، لو دخل غير تاجر الحجاز بأمان مسلم، فهل يجب عليه شيء؟ فيه وجهان، والمذهب: المنع. قال الإمام: ومن يوجب شيئا فلا متعلق له غير الدينار، وهو أقل الجزية، ولا أحد يصير إلى تعشير ما معه من ثوب ومركوب. ولا يتوقف جواز الإذن منهما على اشتراط [مال] يؤخذ منهم في حالة الدخول للرسالة، بل لا يجوز أن يشترط عليهم في هذه الحالة، وكذلك لا يتوقف الإذن في الدخول [بالتجارة] التي بالمسلمين إليها حاجة على اشتراط مال. نعم، لو لم يكن بالمسلمين إلى ما يحضرونه حاجة كالعطرة ونحوه، ففي "الشامل" و"تعليق" القاضي أبي الطيب: أنه إذا رأى المصلحة في الإذن بغير

стр. 8265

شيء كان له ذلك، وإن رأى المصلحة في الاشتراط لم يجز أن يأذن [الإمام]، إلا أن يشترط عليهم عوضا على حسب ما يراه. وفي "تعليق" البندنيجي، والقاضي الحسين: أنه لا يجوز أن يأذن في حالة عدم المصلحة للمسلمين في الدخول إلا بعوض، وحكى الغزالي وغيره في المسألة وجهين، ورأى الإمام ترجيح الأول، والمعظم على الثاني. قال الأصحاب: والأولى: أن يشترط على أهل الذمة نصف العشر، وعلى أهل الحرب العشر؛ لأن عمر – ﵁ – هكذا شرط على من دخل الحجاز، وفيه وجه: أنه لا يجوز الزيادة على ذلك. ثم إذا أطلق الإذن للكافر الذمي أو الحربي في الدخول بالتجارة، لم يستحق عليه شيء على المذهب في "تعليق" البندنيجي، وهو الصحيح عند الشيخ حيث قال: وقيل: إن كانوا من أهل الذمة، [أي: وقد أطلق الإذن لهم من غير شط]- أخذ منهم لدخول الحجاز [نصف] العشر من تجارتهم، وإن كانوا من أهل الحرب أخذ منهم العشر؛ لتقدير ذلك في الشرع بفعل عمر – ﵁ – فحمل مطلق الإذن عليه. قال: وليس بشيء؛ لأنه أمان من غير شرط؛ فلم يستحق به مال كالهدنة. قال الرافعي: والوجهان قريبان من الخلاف السابق في أنه هل يجوز حط أصله، أو أحد الخلافين مبنى على الآخر؟ وأنت إذا تأملت ما حكيته عن البندنيجي وابن الصباغ – عرفت أنه غير مبني عليه؛ فإنهما حكيا الخلاف المذكور في الكتاب، وجزما في مسألة حط الجميع بأحد الوجهين. ثم حيث وجب أخذ العشر، أو نصف العشر من الحربي أو الذمي – إما بالشرط أو غيره – فهل يتكرر المأخوذ بتكرر الدخول في السنة الواحدة من غير شرط في التكرر؟ قال الأصحاب: أما في الذمي فلا، بل لا يؤخذ منه سوى مرة واحدة في
следующие страницы →