← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 8331–8370 · переход к 8336.

стр. 8331

قال: أما والله، لولا أن الرسول لا يقتل لضربت أعناقكما. ولا فرق في قبول قوله بين أن يكون [بين يديه] كتاب أو لا، قال الماوردي: إلا أن يعلم كذبه. وللإمام احتمال فيما إذا لم يكن معه كتاب؛ لأن مخايل الرسالة لا تخفى، ويغلب على الظن – والحالة هذه – كذبه، وقد أقامه في "الوسيط" وجها. والصحيح الأول. نعم، إذا اتهمه الإمام حلفه كما حكاه ابن كج عن النص، وفي "الحاوي": أنه لا يلزمه أحلافه على الرسالة؛ لأنه مبلغ، ومت على الرسول إلا البلاغ، وتبعه في ذلك صاحب "البحر" وقال: إن محل ذلك إذا كان في الرسالة مصلحة للمسلمين من صلح يجدد أو هدنة تعقد أو فداء أسراء، وأما إذا [كان] جاء رسولا بوعيد أو تهديد فلا يكون له أمان، ويتخير للإمام فيه بين الخصال الأربع، [وهذا] أحد الأمرين اللذين وعدت بهما من قبل. وثانيهما" قال القاضي الحسين: إذا قال: دخلت لتأخذ مني المال المضروب، ورضيت به – فإنه يؤخذ منه ولا يغنم. وفي كلام الإمام ما ينازع فيه؛ فإنه قال: ولو زعم الكافر أنه ظن التجارة أمانا لم يبال به، واغتيل [وأخذ] ماله، ولا تعويل على ظنه إذا لم يكن [له] مستند. فروع: هل يتكرر المأخوذ بتكرار الدخول؟ الحكم فيه كما إذا تكرر دخول الحربي وغيره الحجاز، وقد تقدم، وكلام الإمام يفهم أن الخلاف في تكرار

стр. 8332

الأخذ في بلاد الحجاز لعظم شأنها، أما غيرها فلا يتكرر، والذي صرح به البندنيجي والمصنف وغيرهما: [الأول]. إذا دخل أهل الحرب بالتجارة وقد شرط عليهم العشر، فلم يتفق منهم بيع، فهل يؤخذ منهم المشروط؟ قال القاضي أبو الطيب والمصنف وغيرهما: ينظر: فإن [قال]: أعطيكم عشر الثمن، فلا يؤخذ منه شيء، وإن أطلق قوله وقال: لكم العشر، أو: [لكم] العشر من مالي – كان إطلاقه القول ينصرف إلى المقيد، فإن باع أخذ عشر الثمن، [وإن لم يبع [أخذ عشر الثمن المباع إن أراد الرجوع. وفي "الحاوي": أن العشر إن كان مشروطا في عين المال وجب على كل من حمله إلى بلاد الإسلام من حربي أو ذمي أو مسلم، ولا يمنع الإسلام [من أخذه]، بل يكون [ثمنا ينضاف] إلى الثمن الذي ابتاعه من أهل الحرب، ويكون ما أداه إليهم تسعة أعشار ثمنه أو أربعة أخماسه، وما أداه [إلى] الإمام عشر الثمن أو خمسة. وإن كان العشر مشروطا في ذممهم لأجل المال وعينه، أخذ عشره من الحربي إذا حمله، ولا يؤخذ من المسلم، وفي أخذه من الذمي وجهان. ولا خلاف أنه لا يؤخذ من أهل الذمة [عن تجارتهم] شيء وإن ترددوا في بلاد الإسلام كلها، سوى الحجاز كما تقدم ذكره، وحكم المرأة فيهم حكم الرجل. فرع: يصح الأمان العام من صاحب الأمر بأن يقول: أمنت من دخل دار الإسلام تاجرا. قال: وإذا دخل، أي: للغرض المطلوب جاز أن يقيم اليوم والعشرة؛ لأن الحاجة تدعو إلى ذلك، وهي مدة قريبة بالإضافة إلى ما دخل إليه، فإن

стр. 8333

انقضت حاجته في دون ذلك لم يمكن من المقام بمطلق الإذن للغرض السابق. صرح به الفريقان. ولو لم ينقض رسالته إلا في سنة جاز أن يقيم بغير جزية [سنة]، قال الماوردي: لأن حكم الرسالة مخصوص، من [أحكام] جماعتهم. وقال الإمام: إن الداخل لسماع كلام الله تعالى هل يمهل أربعة أشهر؟ أو يقال: إذا لم ينفصل الأمر بمجالس يعرض فيها البيان التام، فيقال له: الحق بمأمنك؟ فيه تردد أخذته من فحوى كلام الأصحاب، [والظاهر: المنع]. قال: فإن طلب أن يقيم مدة، أي من غير حاجة، جاز أن يأذن له، أي: الإمام أو نائبه في المقام أربعة أشهر، ولا يجوز سنة، وفيما بينهما قولان؛ لأنهم في معنى المهادنين. فرع: لو قال الإمام له: إن لم ترجع إلى دار الحرب حكمت عليك بحكم أهل الذمة، قال أبو العباس: إن أقام سنة من حين دخوله إلينا أخذت منه الجزية، وأقل ما يؤخذ منه [دينار]. وإن قاله [له]: اخرج إلى دار الحرب، وإن أقمت عندنا صيرتك ذميا، فأقام سنة، ثم قال: أقمت لحاجة أقضيها، وانصرف – قبل منه، ولم تؤخذ منه الجزية، ورد إلى مأمنه، حكاه البندنيجي. قال: فإن أقام، أي: في دار الإسلام، لزمه التزام أحكام المسلمين، أي: الأحكام المتعلقة بالمسلمين؛ فيضمن المال والنفس، ويجب عليه حد القذف؛ لأن العقد كما اقتضى [أمانهم من المسلمين في ذلك، اقتضى [أمان المسلمين منهم، فإذا دخل على التزامه ترتب عليه مقتضاه. وهكذا الحكم في أتباع المسلمين من أهل الذمة، صرح به أبو الطيب وابن

стр. 8334

الصباغ في باب "الحكم بين المهادنين"، وقالا فيما إذا نقض أهل الهدنة العهد، وامتنعوا على الإمام، وأتلفوا أموال أهل الذمة: في وجوب الضمان عليهم قولان، كما إذا ارتد المسلمون، وامتنعوا، وأتلفوا على المسلمين شيئا، وقد ذكرناهما من قبل. قال: ولا يجب [عليه] حد الزنى والشرب؛ لأنهما من حقوق الله – تعالى – وهو لم يلتزمها. ولا فرق في ذلك بين أن يزني بمن هي مثله، [أو بذمية]، أو بمسلمة؛ كما قاله الماوردي قبيل باب حد القذف. وحكى الإمام في كتاب السرقة طريقة أخرى فيما إذا زني بمسلمة: أن حكمه حكم سرقته مال مسلم؛ فيكون على الخلاف الآتي. قال الماوردي: ولو شرط عليه في الابتداء التزام أحكامنا لزمه ذلك. قال: وفي حد السرقة والمحاربة؛ أي: المتعلقة بالمسلمين [وأهل الذمة] قولان: أحدهما: يجب؛ لأن في إقامته صيانة لحق المسلمين وأتباعهم؛ فأشبه حد القذف، وهذا ما نص عليه في "سير" الواقدي، واختاره في "المرشد". والثاني: لا يجب؛ لأنه محض حق الله – تعالى فأشبه حد الزنى، وهذا أصح في "الجيلي"، وعند النواوي. وقال القاضي أبو الطيب في باب حد السرقة: إنه الذي نص عليه في عامة كتبه. وجميع ما ذكرناه جار في أهل الذمة – أيضا – وحكى الإمام قولا ثالثا: أنه إن شرط عليه القطع إذا سرق، وإن لم يشترط، لم يقطع.

стр. 8335

ولو كان المسروق مال معاهد آخر أو مستأمن [فلا قطع] قولا وحدا، قاله الماوردي في كتاب السرقة. واعلم أن [في] قول الشيخ هنا: "وإذا أقام لزمه التزام أحكام المسلمين"، وقوله في باب عقد الذمة: " [ولا يصح عقد الذمة] إلا بشرطين: التزام أحكام الملة، [وبذل الجزية] [ما] يعرفك أن بينهما فرقا، وقد أوضحه الشيخ بالمثال فتأمله. قال: ويجب دفع الأذية عنه، كما [يجب عن] الذمي؛ لأنه التزم له بالعقد كف المسلمين عنه، وكف أتباعهم وهم أهل الذمة؛ لكونهم في قبضة الإمام؛ فوجب القيام به، وكونه في دار الإسلام يقتضي وجوب دفع أهل الحرب عنه؛ لأجل الدار؛ فإن تسليط الكفار على طروق دار الإسلام ممتنع؛ لهذا قال الأصحاب: إن أهل الذمة المقيمين بدار الإسلام لو شرطوا في العقد ألا يدفع عنهم أهل الحرب كان الشرط باطلا؛ لما ذكرناه. فانتظم من مجموع ذلك وجوب الدفع عنه [كما يجب] عن الذمي، وقد غفل بعض الشارحين لهذا الكتاب عما نبهت عليه، فحمل كلام الشيخ على دفع أذية المسلمين عنه و [من معهم] من أهل الذمة – خاصة – وهو ما ذكره في "الحاوي" في كتاب السرقة. [و] في "فتاوى" القاضي: أن بعض أصحابنا قال: لو قصد المستأمنين الذين دخلوا دار الإسلام للتجارة بأمان أهل الذمة أو أهل الحرب، لا يجب على الإمام الدفع عنهم، بخلاف ما لو قصدهم المسلمون، والمشهور: الأول. نعم، ما ذكره مختص بأهل الهدنة إذا انفردوا ببلد في طرف بلاد الإسلام لا

стр. 8336

يمر أهل الحرب إذا قصدوها على بلد للمسلمين في طريقهم أو مال لهم، أما إذا كانوا في بلد لا يمكن قصدها إلا بالمرور على ذلك فيظهر أن يكون الحكم كما إذا كانوا في بلد المسلمين، ويجب الدفع؛ لما أشرنا إليه من التعليل عملا بما ذكره الأصحاب في عقد الذمة، والله أعلم. قال: فإن رجع إلى دار الحرب بإذن الإمام في تجارة أو رسالة؛ فهو باق على الأمان في نفسه وماله، كالذمي إذا دخل دار الحرب بالتجارة. ثم ظاهر كلام الشيخ يقتضي اشتراط إذن الإمام في [الدخول لدار] الحرب. وفي "المهذب" و"الحاوي" في كتاب السير وغيرهما: السكوت عن إذن الإمام، واعتبار أن يكون الخروج كذلك، وألحق بهما البندنيجي الخروج للزيارة. وأطلق الماوردي في كتاب الجزية القول بأن الحربي إذا دخل بأمان، ثم عاد إلى دار الحرب؛ انقضى حكم أمانه، فإن عاد ثانيا بغير أمان، غنم. نعم، لو عقد له الإمام الأمان على تكرير الدخول اعتبارا بصريح العقد كان في تردده آمنا في كل دفعة ما شرطه من المدة، فلعل الشيخ لاحظ هذا وأراده. قال: وإن رجع للاستيطان، انتقض الأمان في نفسه وما معه من المال؛ لأنه بهذه النية [قد] صار حربا لنا. قال: وإن أودع مالا في دار الإسلام – أي: [و] قد ثبت له الأمان؛ لم ينتقض الأمان فيه، ويجب رده إليه؛ لأنه زال أمانه بانتقاله، وبقي في ماله ببقائه في الدار، ولا يضر كونه غير آمن، وماله في أمان؛ ألا تراه يأخذ الأمان لماله؛ فيكون آمنا فيه دون نفسه، وكذا إذا دخل إليهم مسلم بأمان، فأرسل معه واحد منه ماله؛ فإنه يكون في أمان؛ لقدرة المسلم على أمانه، ولا يكون هو آمنا، كذا صرح أبو الطيب.

стр. 8337

وحكم الذمي إذا أخذ منهم مالا حكم المسلم الداخل لهم على الأصح، لا لصحة أمان الذمي، بل لكونه أمانا فاسدا كأمان الصبي. وفي "تعليق" القاضي أبو الطيب وغيره رواية قول: أن المال لا يكون في أمان؛ لأن الذمي لا يصح. ثم إن الأمان يحصل للمال وكذا للذرية بالتصريح به، وهل [يحصل] لهما عند إطلاق الأمان له؟ فيه وجهان حكاهما القاضي الحسين في باب حكم المرتد. وحكم الذرية المستخلفين في دار الإسلام، حكم الأموال المودعة، قاله الماوردي. ووراء ما ذكره الشيخ في المال خاصة وجهان أوردهما القاضي الحسين هنا وغيره: أحدهما: أنه ينتقض الأمان في ماله كما انتقض في نفسه، وقال: إنه أقيس؛ فعلى هذا يكون فيئا. والثاني: أنه إن لم يتعرض في الأمان للمال، بل حصل الأمان فيه تبعا – فكذلك يجعل تبعا [في الانتقاض]، وإن ذكره في الأمان لم يرتفع عنه بارتفاعه عن النفس، وسيأتي ما يقوي ذلك من كلام الماوردي. ومحل الخلاف إذا اتصل بدار الحرب، أما قبل اتصاله [بها]، قال الإمام: فالوجه بقاء الأمان في الأموال، ويحتمل أن يطرد الخلاف. تنبيه: ظاهر قول الشيخ: "ويجب رده إليه"، أنه لا يمكن من الدخول لأخذه بالأمان الأول، حتى لو دخل كان كالداخل بغير أمان، وهو ما حكاه ابن الصباغ، وأبداه الإمام هنا احتمالا، واختاره الشيخ أبو زيد؛ كما حكاه الإمام في آخر "النهاية"، وتبعه صاحب "المرشد". وقال الإمام ثم: إن الأصحاب وابن الحداد قالوا: إن له أن يدخل من غرير تجديد أمان [لتحصيل تلك الأموال، و] الدخول له يومئذ كالدخول للسفارة

стр. 8338

وسماع كلام الله تعالى، ولكن ينبغي أن يعجل في تحصيل عين حقه، ولا يعرج على أمر آخر، وكذا لا ينبغي أن يكرر العود، ويستصحب في كل مرة بعضه إذا تمكن من أخذه دفعة واحدة، فإن خالف، قال الإمام: تعرض للقتل والأسر. قال: فإن قتل أو مات في دار الحرب ففي ماله قولان، أي: مع الحكم بانتقاله إلى وارثه [كما نقله المصنف وغيره]. [أحدهما]: أنه يرد إلى ورثته؛ لأن الأمان من حقوق المال، ومن ورث مالا ورثه بحقوقه، أصله: خيار الرد بالعيب، والأخذ بالشفعة، وهذا ما نص عليه في المكاتب، واختاره المزني وصاحب "المرشد" والنواوي، وصححه البغوي، وإيراد القاضي أبي الطيب يقتضي ترجيحه، فعلى هذا: لا يكون لأقاربه من أهل الذمة فيه شيء على الأصح، ويصرف لأقاربه الحربيين. قال الماوردي: سواء كانوا في دار الحرب أو في دار الإسلام، [وقال القاضي أبو الطيب: إنه يرد لمن ولد في دار الحرب دون من رزقهم في دار الإسلام]. قال في "المرشد": ويخالف الذمي إذا مات وله قريب في دار الحرب لا يرثه؛ لأن المستأمن ليس من أهل دار الإسلام، فإن لم يكن له وارث كان فيئا بلا خلاف. والثاني: أنه [يغنم و] يصير فيئا؛ لأنه انتقل للوارث ولا أيمان له ولا أمان. وهذا ما نص عليه في "سير" الواقدي، وحكاه المزني هنا، [واختاره أبو [إسحاق، وقد أفهم هذا التعليل أن محل الخلاف إذا لم يكن للوارث أمان على ماله، أما إذا كان فلا يتجه إلا القول الأول، وكذلك جزم به الماوردي صريحا، والقاضي الحسين. وعن ابن خيران نفي الخلاف في المسألة، وتنزيل [النصين] على حالين كما نقله عنه المصنف والبندنيجي وغيرهما، وقال: الأول محمول على ما إذا شرط الأمان لنفسه ولورثته إن مات، والثاني محمول على ما إذا أطلق العقد.

стр. 8339

وحكى الماوردي عنه حمل الأول على ما إذا شرط أمانه مدة حياته [وبعد مماته، والثاني على ما إذا شرط أمانه مدة حياته]. وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنا على القول الثاني نقول: الأمر في ماله على التوقف كما في [مال المرتد]، فإذا مات قبل أن ردت أمواله عليه بان لنا أنا غنمناها بنقض العهد. قال: وإن أسر واسترق صار ماله فيئا، أي: تفريعا على [أنه إذا مات في دار الحرب] كان ماله فيئا؛ لأن ملكه قد زال بالاسترقاق كما زال بالموت. وفي "تعليق" القاضي الحسين حكاية قول آخر على هذا القول أنه يوقف على ما يظهر، فإن عتق رد إليه، وإن مات كان فيئا. وفي "الرافعي": أنه المذكور في "الشامل"، ولم أره. وقد رجع حاصل القولين إلى أنه [يكون فيئا على هذا القول، لكن في الحال أو بعد موته، أما إذا قلنا عند موته: إنه] يرد لورثته، فهاهنا يوقف؛ لأنه لا يمكن نقله للوارث؛ لأنه حي، ولا إلى بيت المال؛ لأنه مال له أمان، وهذا ما اختاره في "المرشد". فعلى هذا إن عتق صرف إليه، وإن مات ففيه قولان حكاهما المصنف عن رواية [ابن] أبي هريرة والقاضي الحسين وغيرهما: أحدهما: أنه يكون للوارث كما لو مات حرا. وأصحهما في "الرافعي" و"المرشد" – وبه جزم القاضي أبو الطيب والبندنيجي -: أنه يكون فيئا؛ لأن العبد لا يورث. وقد ادعى الإمام أن الشافعي – ﵁ – نص على أن أموال من نقض العهد واسترق ومات [رقيقا]، [فيء]، [وأن] مقابله مخرج من نصه في مسألة ذكرتها [أنا] في آخر باب الديات، وعلى هذا فكيف

стр. 8340

السبيل لأخذهم له؟ تردد فيه الإمام وقال: يجوز أن [يقال]: يصرف إليهم إرثا، وامتناع التوريث من الرقيق [حكم شرعي] والكفار لا يتعبدون بتفاصيل الشرع. ويجوز أن يقال: لا يصرف إليهم إرثا، ولكن لأنهم أخص به كما نقول فيمن بعضه حر وبعضه رقيق: يصرف ما اكتسبه ببعضه [الحر] إلى مالك الرقيق منه؛ لأنه أخص به، وإذا قلنا بالتوريث فيورثه إذا مات، أو يسند استحقاق الوراثة إلى ما قبل جريان الرق؟ فيه احتمال. وحكم المال الثابت للحربي في ذمة المسلم ببيع أو قرض قبل استرقاقه حكم ماله المودع عندنا، صرح به الإمام في أثناء كلامه. ولو من الإمام عليه، قال القاضي أبو الطيب: سلم إليه ماله. وكلام البندنيجي قريب منه؛ فإنه قال: بقي ماله على أمانه. قال: وإن قتل أو مات في الأسر، أي: قبل الاسترقاق – ففي ماله قولان؛ كما لو مات في دار الحرب، وقد سبق توجيههما. قال: وإن مات في دار الإسلام قبل أن يرجع إلى دار الحرب [رد إلى مأمنه] على المنصوص، أي: في "سير" الواقدي؛ لأنه مات على أمانه، فبقي ماله على الأمان، بخلاف ما لو مات في دار الحرب، وهذا أصح في "الرافعي"، واختاره في "المرشد". وقيل: هو – أيضا – على قولين؛ نظرا للعلة السابقة. ويجري الطريقان فيما إذا مات في دار الحرب وقد دخلها بإذن الإمام في تجارة أو رسالة. ثم إذا قلنا بالمنصوص جاز لوارثه دخول دار الإسلام لطلب ذلك المال، وإن لم يعقد له أمان، ويظهر الفرق بينه وبين صاحب المال على الوجه الآخر: أن المورث هاهنا لم يصدر منه خيانة، والوارث كذلك؛ فتبعه في الأمان، بخلاف رب المال ثم. فرع: قال الماوردي في "الأحكام" في باب الفيء: يجوز شراء أولاد أهل العهد، منهم ولا يجوز سبيهم.

стр. 8341

آخر: إذا اقترض حربي من حربي مالا، ثم دخلا إلينا بأمان – فهل على المقترض رد ما اقترضه؟ قال البندنيجي: خرجه ابن سريج على وجهين: أحدهما: عليه رده كالمهر. والثاني: لا؛ فإن الشافعي قال: لو تزوج حربي حربية ودخل بها، ثم ماتت، وأسلم زوجها، ودخل إلينا، فدخل وارثها يطالبه بالصداق والميراث – لا شيء له. قال أبو العباس: والأول أصح، ويكون تأويل هذه المسألة: أن الحربي تزوج بها على أن لا مهر، وعلى ذلك جرى في "المهذب". وحكى الرافعي أن الحربي إذا اقترض من حربي شيئا، أو التزم بالشراء ثمنا، ثم أسلما، أو قبلا الجزية أو الأمان معا أو على الترتيب – استمر الاستحقاق إذا كان الثمن المذكور مما يصح طلبه؛ كما إذا أسلم الزوجان ولم تقبض المهر المسمى، ولو أسلم المستحق عليه، أو قبل الجزية دون المستحق – فالنص: أن الجواب كذلك، ويستمر الاستحقاق. وعن نصه: أنه إذا ماتت زوجة الحربي، فجاءنا مسلما أو مستأمنا، فجاء ورثتها يطلبون مهرها – لم يكن لهم شيء، وفيه طريقان عن الأصحاب. أحدهما: أن فيهما قولين بالنقل والتخريج، وهذا كله حكاه الإمام عن العراقيين: وأصحهما: بقاء الاستحقاق، ويستدام [حكم] العقد. والثاني: المنع؛ لأنه يبعد أن يمكن الحربي من مطالبة المسلم أو الذمي في دارنا. والطريق الثاني: القطع بالقول الأول، وبه قال ابن سريج، وحمل النص الثاني على ما إذا سمى خمرا أو خنزيرا وأقبضه في الكفر. انتهى. وما قال الثاني منتقض بما إذا دخل مسلم إلى دار الحرب بأمان، فسرق [لهم] مالا، أو ابتاعه [منهم]، أو استقرضه، [ثم جاء] إلى دار

стр. 8342

الإسلام، [ثم دخل صاحبه إلى دار الإسلام]، بأمان – فإن على المسلم رد ما سرق أو استقرض، كما صرح به المصنف والرافعي وغيرهما. [وإذا] فرعنا على القول الثاني، قال الإمام: فلا خلاف أن العهد يبقى بينهما، حتى لو أسلم المستحق طالبه، وإنما على هذا القول يتوقف في الطلب، فليفهم الناظر ذلك. والخلاف يجري فيما لو أتلف حربي على حربي مالا أو غصبه ثم أسلما، أو أسلم صاحب المال، والأصح: عدم المطالبة، وهو الذي جزم به الإمام. والله – – أعلم. * * *

стр. 8343

باب خراج السواد الخراج: شيء يوظف على الأراضي أو غيرها، وأصله: الغلة، ومنه الحديث: "الخراج بالضمان". والسواد -[كما]- قال النواوي -: سواد العراق، وهو سواد كسرى ملك الفرس - كما قال الماوردي - الذي فتحه المسلمون أيام عمر ﵁[بعد أن فتحت أطرافه في أيام أبي بكر ﵁]- وهو أزيد من العراق؛ لأن مساحة العراق مائة وخمسة وعشرون فرسخا في عرض ثمانين فرسخا، ومساحة السواد - كما قال الماوردي وغيره - مائة وستون فرسخا [في عرض ثمانين فرسخا؛ فيكون أزيد منه بخمسة وثلاثين فرسخا]. وسمي العراق عراقا؛ لاستواء أرضه حيث خلت من جبال تعلو أو أودية تنخفض، والعراق في كلام العرب: الاستواء؛ قال الشاعر: سقتم إلى الحق معا وساقوا ... سياق من ليس له عراق [أي: من ليس له استواء]. قال الماوردي: وفي تسمية السواد سوادا ثلاثة أوجه: أحدها: لكثرته؛ مأخوذ منه سواد القوم: إذا كثروا، قاله الأصمعي. والثاني: لسواده بالزرع والأشجار؛ لأن الخضرة ترى من البعد سوادا، ثم تظهر الخضرة بالقرب منها، فلما أقبل المسلمون من بياض الفلاة، قالوا: ما هذا السواد؛ فسمي سوادا. والثالث: أن العرب تجمع بين الخضرة والسواد في الاسم؛ قال أبو عبيد: ومنه قول الشاعر:

стр. 8344

فراحت رواحا من زرود فنازعت ... زبالة جلباب من الليل أخضرا يعني: أسود. وحكى أبو الطيب: أنها سميت بذلك؛ لأن الشمس ما كانت تطلع على الأرض؛ لالتفاف الأشجار وازدحامها وتسترها؛ فسميت لأجل ذلك سوادا. قال: أرض السواد: ما بين حديثة الموصل إلى عبادان طولا، وما بين القادسية إلى حلوان عرضا. ما ذكره الشيخ هنا هو ما أورده البندنيجي – وكذا أبو الطيب – قبل باب: ما أحرزه المشركون بأوراق، وقال أبو الطيب في هذا الباب بعد ذكر ذلك: إن غربي البصرة – وهو شط عثمان – ليس من جملة السواد؛ لأنه كان في ذلك الوقت أرضا سبخة، فأحياها عثمان بن أبي العاص الثقفي وعتبة بن غزوان. وكلام الماوردي قريب منه، [قال] بعد أن ذكر ما ذكره الشيخ من الحد: وليست البصرة – وإن دخلت في هذا الحد – من أرض السواد؛ لأنها مما أحياها المسلمون من المغارب إلى موضع من شرقي دجلتها يسميه أهل البصرة الفرات، ومن غربي دجلتها النهر المعروف بنهر المراة. وحضرت الشيخ أبا حامد الإسفراييني وهو يدرس في تحديد السواد في كتاب الرهن، وأدخل فيه البصرة، فأقبل علي وقال: هكذا تقول؟ قلت: لا. فقال: ولم؟ قلت: لأنها كانت مواتا فأحياها المسلمون، فأقبل على أصحابه وقال: علقوا ما يقول؛ فإن أهل البصرة أعرف بالبصرة. وعلى ذلك جرى في "المهذب"، فقال بعد ذكر ما حكاه هنا: ولا يدخل من البصرة [فيه] إلا الفرات في شرقي دجلتها ونهر المرأة في غربي دجلتها. وقد أطلق في "التهذيب" خروج البصرة من الحد المذكور، وهو محمول على

стр. 8345

ما ذكرناه، وقد تقدم ذكر ذرعها طولا وعرضا بالفراسخ، فلنذكره بالأجربة؛ لأنه أمس بالمقصود. قال في "الشامل": مسح عثمان بن حنيف أرض الخراج، فكانت ستة وثلاثين ألف [ألف] جريب، ذكره أبو عبيدة والساجي هكذا. وقال في "المهذب": [قال الساجي]: هو – يعني السواد – اثنان وثلاثون ألف ألف جريب، وقال أبو عبيدة: هو ستة وثلاثون ألف ألف جريب. [وفي "الذخائر": أن في كتاب "مختصر الخراج": أن أرض السواد جميعها مائتا ألف [ألف] جريب]، وخمسة وعشرون ألف ألف جريب، ينحط من ذلك ما لا ينتفع به من مواضع الجبال والآكام، وما لا يعلوه الماء، ونحو ذلك: خمسة وسبعون ألف ألف جريب، يبقى مائة ألف ألف وخمسون ألف ألف جريب، يستعمل من ذلك النصف، [ويراح النصف] إلا ما عمل من النخل والشجر، وقال فيه هذا الذي مسح عثمان بن حنيف من السواد. قال الشيخ مجلي: حكي ذلك [كله] عن أبي عبيدة بعد أن ذكر الطول والعرض على ما بيناه؛ وهذا اختلاف كثير [وتباين بين]. قلت: والوجه غير هذا كله؛ لأن الجريب – كما قال النواوي والقلعي وصاحب "الوافي"-: أرض مربعة، كل قائمة منها ستون ذراعا، وأنت إذا ضربت ذلك في مثله بلغ ثلاثة آلاف ذراع وستمائة ذراع. وقال الماوردي [في "الأحكام"]: إنه عشر قبصات في عشر قصبات، وذرع كل قصبة ستة أذرع، وإذا ضربت ذلك بالتكسير بلغ ثلاثة آلاف ذراع وستمائة [ذراع]. وقد قال ابن يونس: إنه سنة آلاف وأربعمائة، وهو غلط. وقد ذكرنا أن [طول] السواد مائة وستون فرسخا وعرضه ثمانون فرسخا،

стр. 8346

وطول الفرسخ – كما قال الماوردي -: اثنا عشر ألف ذراع بالمراسلة، وعرضه كذلك؛ فيكون بذراع المساحة – وهي الهاشمي الكبير، كما قال في "الأحكام" -: تسعة آلاف ذراع [طولا] في عرض مثله، فإذا ضرب فرسخ في فرسخ، بلغ أحدا وثمانين ألف ألف ذراع، وذلك اثنان وعشرون ألف جريب وخمسمائة جريب، كما قال الماوردي – أيضا – وهو صحيح؛ لأنك إذا ضربت [الجريب] وهو ثلاثة آلاف وستمائة في عشرة، بلغ ستة وثلاثين ألفا، وإن ضربته [في مائة] بلغ ثلاثمائة ألف وستة آلاف، وإن ضربته في ألف بلغ ثلاثة آلاف [ألف] وستمائة ألف، وإن ضربته في عشرة آلاف بلغ ستة وثلاثين [ألف ألف]، وإن ضربته في عشرين ألفا بلغ اثنين وسبعين ألف [ألف] [وإن ضربته في اثنين وعشرين ألفا وخمسمائة بلغ أحدا وثمانين ألف ألف] كما ذكرنا. وإذا عرفت أن الفرسخ في الطول والعرض اثنان وعشرون ألف جريب وخمسمائة جريب، فاضربه في اثني عشر ألف فرسخ وثمانمائة فرسخ – وهي جملة أرض السواد – يبلغ مائتي ألف ألف، وثمانية وثمانين ألف ألف جريب؛ لأنك إذا ضربت عشرين ألفا في اثني عشر ألفا، [بلغت مائتي ألف ألف وأربعين ألف ألف، وإذا ضربت ألفين في اثني عشر [ألفا]] بلغ ذلك أربعة وعشرين ألف ألف، وإذا ضربت خمسمائة [في اثني عشر ألفا بلغت ستة آلاف [ألف]، وإذا ضربت ثمانمائة] في اثنين وعشرين ألفا وخمسمائة بلغت ثمانية عشر ألف [ألف] جريب. وجملة [ذلك] إذا جمعته: العدد [الذي ذكرناه]، يسقط منه مجاري

стр. 8347

الماء والقرى والمدن وما لا ينتفع به من مواضع الجبال والآكام، وما لا يعلوه الماء، ونحو ذلك ما زاد على ثمانين ألف جريب، وهو قريب الثلث [أو نحوه]، كما قال الماوردي، وإن الباقي [وهو] مائتا ألف ألف جريب يراح [منه] نصفها، ويزرع نصفها إذا تكاملت مصالحها ومجاريها. قال الماوردي: وقد كانت مساحة [المزدرع] في أيام عمر بن الخطاب – ﵁ – اثنين وثلاثين ألف ألف جريب [إلى ستة وثلاثين ألف ألف جريب]؛ لأن البطائح تعطلت بالماء، ونواح تعطلت بالسوق، ونواح تعطلت بالعمارات، والعوارض والحوادث لا يخلو الزمان منها خصوصا وعموما. وعلى هذا يحمل ما نقله الشيخ في "المهذب" وغيره من الساجي وأبي عبيدة، والله أعلم. وقد اختلف العلماء في كيفية فتح أرض السواد: فعن أبي إسحاق [وجه نقله ابن كج: أنه وقع صلحا. وعن الماسرجسي: أن أبا إسحاق [كان يتصره] في الدرس، وقال] في "الشرح" الذي له: إنه فتح عنوة. كذا حكاه أبو الطيب. [وفي "الحاوي": أن الشافعي – ﵁ – أشار إليه في كتاب قسم الفيء]. وعن أبي الطيب بن سلمة أنه قال: اشتبه الأمر علي؛ [فلا أدري] أفتحت صلحا أو عنوة؟ والذي نص عليه الشافعي – ﵁ – في أكثر كتبه – كما قال الماوردي، وهو المشهور، والصحيح -: أنها فتحت عنوة، وأن عمر – ﵁ – قسم أراضي السواد في جملة الغنائم، وعلى هذا، فكيف قسم؟

стр. 8348

المحكي عن أبي إسحاق: أنه قال: كان في الغنيمة غير الأراضي من المواشي وصنوف الأمتعة، وأن عمر – ﵁ – رأى أنه إن صرف خمسها [إلى أهل] الخمس أنفقوه، فأراد أن يجعل لهم عدة باقية يستظهرون بها؛ [فعوضهم] عن خمسها الأخماس الأربعة [من الأراضي]، وجعل الأرض لأهل الخمس، والمنقولات للغانمين. والصحيح المشهور: أنه قسمها بين الغانمين، ولم يخصصها بأهل الخمس، ثم استطاب قلوبهم عنها، واستردها بعد أن استغلوها [مدة]. وقد اختلف في المعنى الذي لأجله استنزلهم عنها: فقيل: لأنه خشي أن يقل الناس؛ فتحصل جميع الأرض لواحد؛ فتضيق بالناس المنازل؛ فلا يكون لأحد موضع يسكنه، حكاه أبو الطيب. وقيل: فعل ذلك؛ لنظره في المنصب؛ لأنه جعل حصن العراق: البصرة، والكوفة [رباطا للمجاهدين] ليحفظوا [من] بإزائهم [من] المسلمين، ويستمدوا سواد عراقهم في أرزاقهم بسبب جهادهم، وعلم أنه [إن] أقرهم على ملكهم مع سعته وكثرة [ارتفاعه بقي] من بعدهم لا يجدون ما يستمدون به، وقد قاموا مقامهم وسدوا مسدهم، فكان الأصلح ما فعله؛ ليعم [نفعه] في كل عصر. وقيل: لأنه رأى أنهم إن أقاموا فيه [على] عمارته واستغلاله تعطل الجهاد، وإن أنهضهم عنه مع بقائه على ملكهم خرب، مع جلالة قدره وكثرة مستغلة؛ فكان جعله مع الدهاقنة وضرب الخراج عليهم أولى.

стр. 8349

وقد روي أن بعضهم طابت نفسه؛ فرد نصيبه، ومنهم من أبي إلا بعوض عن نصيبه حتى استخلص الكل للمسلمين. قال القاضي الحسين: وهذا بين في رواية [جرير بن عبد الله] البجلي، وهي أصح الروايات عندنا في سواد العراق، روي عن جرير أنه قال: كانت بجيلة ربع الناس، فأصابهم ربع السواد، فاستغلوه [ثلاث سنين] أو أربع شك الشافعي – ﵁ – فقال عمر – ﵁: لولا أني قاسم مسئول لتركتكم وما قسم لكم، لكني أرى أن تردوه للمسلمين، إني أسأل عن إعراضكم عن القتال واشتغالكم بزراعة هذه الأراضي فعاضني عن نصيبي نيفا وثمانين دينارا، وكانت معي امرأة سماها – لم يحضر الشافعي ذكرها، وهي أم كرز – فقالت [إن] أبي شهد القادسية وقد ثبت سهمه، وإني لا أرضى حتى تملأ فمي لآلئ، وكفي دنانير، وتركبني ناقة ذلولا عليها قطيفة حمراء، فأعطاها عمر – ﵁ – ما سألته. وهو في استطابته قلوب الغانمين متبع لرسول الله ﷺ في استطابته قلوبهم عن سبي هوازن، والقصة مشهورة. قال: وهي وقف على المسلمين، [أي]: وقفها عمر – ﵁. [قال]: على المنصوص، أي: في "سير" الواقدي والرهن معا، كما قاله البندنيجي، ووجهة: ما روي أن عتبة بن فرقد اشترى أرضا من أرض السواد، فأتى عمر – ﵁ – فأخبره، فقال: ممن اشتريتها. فقال: من أهلها. فلما حضر المهاجرون والأنصار قال له عمر – ﵁: هؤلاء أربابها، أبعتموه

стр. 8350

شيئا؟ قالوا: لا. قال [له]: ارجع، فرد الأرض على من باعك وخذ الثمن منه. فدل هذا الخبر على أنه كان وقفها، وإلا فما كان يرد شراء من اشترى منها شيئا. وقد روي عن سفيان الثوري: أنه قال: أرض السواد لا يجوز بيعها؛ فدل على أنها كانت وقفا. وروي عنه أنه قال: جعل عمر السواد [وقفا] على المسلمين ما تناسلوا. كذا نقله ابن الصباغ. [وعن] ابن شبرمة [أنه قال]: [إن] أرض السواد لا يصح بيعها ووقفها. وهذا [ما] اختاره فيها الإصطخري والبصريون، وصححه أبو الطيب وغيره. وعلى هذا قال: لا يجوز بيعها ولا رهنها ولا هبتها كغيرها من الأعيان الموقوفة. قال: وما يؤخذ منها باسم الخراج أجرة؛ لأنه قد ثبت أنه كان يؤخذ منها شيء باسم الخراج، ولا سبيل مع ما ذكرناه أن يكون ثمنا؛ فتعين أن يكون أجرة، وجوز ذلك من غير بيان مدة؛ لأنه عقد مع الكفار وهم الفرس، والعقد إذا تعلق بالكفار عفي عن الجهالة في قدر العوض والمدة، أصله: [مسألة] العلج. وقد تقدمت. ومصرف المأخوذ مصرف [خمس] الخمس من الفيء والغنيمة.

стр. 8351

فرع: هل [يجوز] على هذا لمن في يده شيء منها إجارته مدة مؤبدة بمال يتراضون عليه كما فعل عمر، ﵁؟ فيه تردد حكاه الإمام عن الأصحاب، والأصح: المنع، مع القطع بجواز الإجارة فيه مدة مؤقتة. ولا يجوز لمن تلقى شيئا منها عن آبائه وأجداده أن ينتزع منه؛ لأنها [إجارة لازمة صدرت من عمر، ﵁. قال: وقيل: إنها مملوكة] من زمن عمر – ﵁ – إلى وقتنا هذا، [تباع وتوهب وتورث]، وما أنكر ذلك منكر ولا رده راد، فكان إجماعا، ولأنها لو كانت وقفا لما جاز إحداث المساجد [فيها] والمقابر والسقايات كما في غيرها من الأوقاف. قال: وما يؤخذ منها باسم الخراج ثمن؛ لأن المضروب لو كان خراجا لما استباحوا ثمار تلك الأشجار؛ لأن مستأجر الأرض لا يستبيح بالعقد الأعيان [التي في الأرض]، وإنما [يستبيح] المنافع منها؛ فدل على أن المضروب باسم الخراج ثمن. قال البندنيجي: وعلى هذا إذا باع من في يده شيء منها اقتضى العقد ثمنين: أحدهما: المسمى في [هذا] العقد. والثاني: المقدر الشرعي الذي سنذكره. فيكون كأنه باعه بثمن حال ومنجم، وهذا قول ابن سريج وأبي إسحاق المرزوي وبعض البغداديين من أصحابنا، كما حكاه الماوردي في كتاب الرهن. والقائلون بالأول أجابوا عن الأول بما ذكرناه من إنكار عمر – ﵁ – وبأن هذه [المسألة] مسألة خلاف، وهي مجتهد فيها؛ فلا يتوجه فيها الإنكار.

стр. 8352

وعن الثاني: بأن عمر – ﵁ – يحتمل أن يكون وقف المزارع دون المساكن والمنازل؛ فتكون المساجد والسقايات فيما لم يدخل في الوقف، ويحتمل أن يكون [قد] وقف الكل، لكنه على مصالح المسلمين، وهذا من مصالحهم. قال البندنيجي: وصار هذا كما نقول فيمن وقف قرية [على قوم] كان لهم إحداث هذا فيها كذلك هاهنا. وقد حكى الماوردي وجهين في أن المنازل التي كانت موجودة قبل الفتح هل دخلت في الوقف أم لا؟ وعلى ذلك جرى في "المهذب"، واختار في "المرشد" الثاني، وكذلك الرافعي، وهو المحكي عن إيراد الروياني في جمع الجوامع. وعن الثالث: أن الأصحاب اختلفوا في جواز استباحة الثمار الحاصلة من الأشجار، فعلى قول: المنع – وهو الأصح عند الروياني وغيره، [كما حكاه الرافعي] اندفع السؤال، ويجب على الإمام أن يأخذها ويصرف ثمنها في مصالح المسلمين. ومن جوز ذلك – وهو ما اختاره في "المرشد" – تمسك بأمرين: أحدهما: الضرورة الداعية لذلك؛ ألا ترى [أن] في المساقاة نجعل للعامل جزءا من الثمرة وإن كان مجهولا، كذلك هنا [مثله]. والثاني: ما ذكرناه من أن العقد إذا تعلق بالمشركين تسومح فيه. ووراء ما ذكرناه أمران [آخران]: أحدهما: حكى الرافعي عن القاضي أبي حامد أن لابن سريج عبارة أخرى تخرج الخراج [عن] أن يكون ثمنا مع تجويز البيع، فقال: عمر – رضي الله عنه – وقفها [لا وقفا] محرما مؤبدا، ولكن جعلها موقوفة على

стр. 8353

مصالح المسلمين؛ ليؤدي ملاكها على تداول الأيدي وتبدلها بالبيع والشراء خراجا ينتفع به المسلمين. وضعف الأمر الثاني. قال الماوردي: إطلاق المذهبين الأولين عندي معلول؛ لأن ما فعله عمر – ﵁ – فيها لا يثبت بالاجتهاد حتى يكون فعلا مرويا وقولا محكيا عن قول صريح يستوثق فيه بالكتب والشهادات في الأغلب، وهذا معدوم فيه؛ [فلم صح القطع] بوقفها؛ لما عليه الناس من تبايعها، ولا القطع [ببيعها] بالخراج؛ للجهالة بقدرة، وبكونه مقدرا بالزراعة؛ ولأن مشتريها يدفع خراجها جون بائعها؛ فيصير دافعا للثمن، وليس للمبيع إلا ثمن واحد، ويكون ما قيل من وقفها محمولا على أنه وقفها عن قسمة الغانمين، ويكون وقف خراجها على كافة المسلمين، ويكون ملكها طلقا لمن أقرت عليه؛ استصحابا لقديم ملكه؛ لما عرف من عموم المصلحة ودوام الانتفاع. وقال: إن رد عمر – ﵁ – البيع يحتمل أن يكون [لكون] البائع غير مالك؛ فإنه قال: "هؤلاء أصحابها"، أو كان ذلك قبل استنزالهم عنها. قال: والواجب أن يؤخذ ما ضربه أمير المؤمنين [عمر]﵁ – وهو من كل جريب كرم عشرة دراهم، ومن كل جريب نخل ثمانية دراهم، ومن كل جريب [رطبة أو شجرة] ستة دراهم، ومن كل جريب حنطة أربعة دراهم، ومن كل جريب شعير درهمان. أشار الشيخ بهذا إلى ما رواه أبو بكر بن المنذر بإسناده عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن لاحق بن حميد قال: بعث عمر – ﵁ – عثمان بن حنيف، ففرض على جريب الكرم عشرة دراهم، وعلى جريب النخل ثمانية [دراهم]، وعلى جريب القصب والشجر ستة دراهم، وعلى

стр. 8354

جريب البر أربعة دراهم، وعلى جريب الشعير درهمين. قال القاضي أبو الطيب: وهذا الذي وردت به السنة. [و] زاد في "المهذب" تتمة الرواية المذكورة: وكتب عثمان بن حنيف بذلك إلى عمر – ﵁ – فارتضاه. قال: وقيل على الجريب من الكرم والشجر: عشرة دراهم، ومن النخل ثمانية، ومن قصب السكر ستة، ومن الرطبة خمسة، ومن البر أربعة، ومن الشعير درهمان. وهذا ما صدر به الماوردي كلامه، واستدل له بما روى قتادة عن أبي محارب أن عثمان بن حنيف فعل ذلك، ولم يورد في "الأحكام السلطانية" سواه. وحكى القاضي أبو الطيب في "تعليقه" مع الأول: أن الواجب من كل جريب نخل عشرة دراهم، ومن كل جريب [كرم] ثمانية [دراهم [، ومن كل [جريب] قصب وهي الرطبة والشجر ستة، ومن كل جريب حنطة أربعة، ومن [كل جريب شعير] درهمان. وهذا ما أورده البندنيجي وابن الصباغ، واختاره في "المرشد"، واستدل له بأن مجالدا روى عن الشعبي أن عثمان ابن حنيف فعل ذلك، وأنه مسح السواد، فكان قدره سوى المنازل ستة وثلاثين ألف ألف جريب. زاد ابن الصباغ: وأنه كتب إلى عمر – ﵁ – كتابا بما فعله فأمضاه. قال الماوردي: وكان ذراع عثمان في مساحته ذراع اليد وقبضته وإبهامه ممدودة، وكان مبلغ ارتفاع السواد في أيام عمر – ﵁ – مائة

стр. 8355

وستين ألف ألف درهم [، كما قال البندنيجي، وقيل: مائة ألف ألف وسبعة وثلاثون ألف ألف درهم،] [وجباه زياد مائة ألف ألف]، وجباه الحجاج ثمانية عشر ألف ألف. قال الماوردي: وجباه عمر بن عبد العزيز ثمانين ألف ألف [درهم]، ثم بلغ في آخر أيامه [مائة] ألف ألف وعشرين ألفا؛ لعدله وعمارته. وفي "تعليق" البندنيجي: أن أول ما جباه عمر بن عبد العزيز ثلاثون ألف ألف، ثم بلغ في السنة الثانية سبعين ألف ألف، وقال: إن عشت إلى قابل لأردنه إلى ما كان [عليه] في أيام عمر، ورضي الله عنه. فتوفي في تلك السنة، وعلى ذلك جرى صاحب "المرشد" والرافعي. واعلم أن [هذا] المأخوذ عن الخراج أو الثمن لا يدخل فيه الزكاة [إن وجبت]. فرع: إذا رأى الإمام أن يطيب قلوب الغانمين عن أراضي الغنيمة، ويفعل فيها ما فعله عمر، جاز، والله أعلم وأحكم.

стр. 8356

كتاب الحدود الحدود: جمع "الحد"، والحد في اللغة: المنع، ومنه سمي حد الدار؛ لمنعه من مشاركة غيرها فيها، وسمي البواب والسجان: حدادا؛ لمنعه الناس من الدخول والخروج. قال الشاعر: كم دون بابك من قوم نحاذرهم ... يا أم عمرو وحداد وحداد أراد بالأول: البواب، وبالثاني: السجان؛ لما يتعلق بهما من المنع. وسميت الحدود حدودا؛ لكونها موانع وزواجر عن ارتكاب الفواحش وتعاطي المحرمات. وقيل: سميت بذلك؛ لأن الله - تعالى - حدها وقدرها؛ فلا يجوز لأحد أن يتجاوزها، فيزيد عليها أو ينقص منها. قاله ابن قتيبة. وقد كانت الحدود في صدر الإسلام بالغرامات؛ ولذلك قال ﷺ : "من غل الصدقة، [فإنا آخذوها] [منه] وشطر ماله، غرمة من غرامات ربنا، ليس لآل محمد فيها شيء". وهي شريعة من الشرائع المتقدمة، قال الله - تعالى - في قصة يوسف: ﴿فما جزاؤه﴾ [يوسف: ٤٧]، أي: فما عقوبة من سرق عندكم؟ ثم نسخ غرم العقوبات بالحدود، وسنذكر أدلتها، إن شاء الله.

стр. 8357

باب حد الزنى "الزنى" يقصر فيكتب بالياء، وهو الأحسن، ويجوز أن يكتب بالألف عملا بلفظه، ويمد فيكتب بالألف ولا يجوز كتابته بالياء. [و] هو - كما قال الماوردي وغيره - عبارة عن أن يطأ الرجل المرأة بغير عقد ولا شبهة عقد، وملك ولا شبهة ملك، عالما بالتحريم. [و] قال الغزالي: إنه عبارة عن إيلاج فرج في فرج، [أي]: من غير حائل، محرم قطعا، مشتهى طبعا، إذا انتفت عنه الشبهة. قال الرافعي: وفي قوله: "محرم قطعا" غنية عن قوله: "إذا انتفت الشبهة عنه" وفيه نظر؛ لأن المراد بكونه: "محرم قطعا" أن يكون لا خلاف فيه، وذلك قد يوجد مع وجود الشبهة، كما إذا وطئ الجارية المشتركة بينه وبين غيره، وأخته المملوكة وما سنذكره. واحترزنا بقولنا: "من غير حائل" عما إذا لف على ذكره خرقة وأولج. وفيه خلاف حكاه الزبيلي في "أدب القضاء" [له]، واستقصاه في كتاب الظهار.

стр. 8358

والزنى من المحرمات [و] الكبائر؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]. وقد روي عن عبد الله بن مسعود – ﵁[أنه] قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: "أن تجعل له ندا وهو خلقك". قلت: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك؛ خشية أن يأكل معك". قلت: ثم أي؟ قال: "أن تزني بحليلة جارك"، فأنزل الله تصديقها: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ﴾ الآية [الفرقان: ٦٨]. ولا يخفى أن إيلاج الحشفة في الفرج يقوم مقام إيلاج جميع الذكر، [وكذا إيلاج مقدار الحشفة من الذكر] من مقطوع الحشفة على الأصح. قال: إذا زنى البالغ العاقل المختار، وهو مسلم أو ذمي أو مرتد، وجب عليه الحد. أما وجوبه على المسلم المتصف بما ذكره، فوجهه – قبل الإجماع – ما سنذكره. وأما عن وجوبه على الذمي؛ فلأن أهل الملل – كما قال الرافعي -: مجمعون على تحريمه، وقد التزم إجراء الأحكام عليه؛ عليه حده كالمسلم. وقد رجم رسول الله ﷺ يهوديين زنيا، وكانا محصنين. وأما وجوبه على المرتد فمن طريق الأولى تجرى أحكام الإسلام عليه. واحترز الشيخ بذكر البلوغ والعقل عن الصبي والمجنون؛ فإنه لا يجب عليهما الحد للخبر المشهور. وفي "الجيلي": أن الروياني حكى في وجوب حد الزنى على الصبي المراهق وجهين، والأصح: الأول. نعم، يؤدبه الولي بما يزجره عن ذلك.

стр. 8359

والذي رأيته في "البحر" في الفروع المذكورة، بعد كتاب الأقضية: أنه إذا زنى بامرأة وعنده: أنه ليس ببالغ، فبان أنه كان بالغا: هل يلزمه الحد؟ فيه وجهان. واحترز بالاختيار عن [ذكر] المكره؛ فإن لا يجب عليه الحد، فرق بين الرجل والمرأة، وهو بناء على تصور الإكراه في حق الرجل، وهو الصحيح، كما هو متصور في حق المرأة بلا خلاف، بأن تضبط وتجامع. وقيل: [إن] الإكراه لا يتصور في حق الرجل؛ لأن انتشار الذكر متعلق بالاختيار، فعلى هذا: يجب عليه الحد. وقد أفهم عدول الشيخ عن لفظ "الكافر" إلى "الذمي": أن المراد بالذكر: من يجب عليه الحد، ويقام عليه، وإلا فأهل الحرب يجب عليهم حد الزنى؛ لاعتقادهم تحريمه. وقد تقدم في باب عقد الذمة [أن إقامة حد الزنى على أهل الذمة] هل هو مبني على وجوب الحكم بينهم عند الترافع أو غير مبني؟ فليطلب منه. واعلم أن ما ذكره الشيخ قد فهم منه فاهمون إيجاب الحد على من زنى وهو جاهل بتحريم الزنى؛ لقرب عهده بالإسلام، أو لكونه نشأ في بادية بعيدة، لزعمهم أنه ليس في كلام الشيخ ما يخرجه، فقالوا: وهو لا يجب [عليه] الحد؛ لما روى أبو داود عن أبي هريرة، في حديث ماعز: أن النبي ﷺ قال له: "هل تدري ما الزنى؟ " قال: نعم، أتيت منها حراما [ما] يأتي الرجل من أهله حلالا. فلو لم يكن الجهل مانعا من الحد لم يكن للسؤال فائدة، ولأن الحد يتبع الإثم وهو غير آثم. وهذا متفق عليه.

стр. 8360

نعم، اختلف الأصحاب فيما لو وطئ المرتهن الجارية المرهونة بإذن الراهن، وادعى جهله بتحريم [ذلك، في] أنه هل يقبل منه أم لا؟ كما حكاه في "المهذب"، ورجح في "المرشد" القبول؛ لأن معرفة ذلك تحتاج إلى فقه. وقريب منه ما حكاه ابن كج فيما إذا نكح أخته من الرضاع، وادعى أنه يجهل تحريم ذلك؛ فإن في قبول قوله قولين، مع القطع بعدم القبول فيما لو ادعى ذلك في الأخت من النسب. قلت: وليس الأمر كما فهم، بل كلام الشيخ مخرج للصورة المذكورة أيضا؛ لأنه قال: إذا زنى ... إلى آخره. وقد ذكرنا حد الزنى، وبه يظهر أنه وطء من جهل تحريم الزنى وهو قريب عهد الإسلام، ليس بزنى؛ فلا يكون هو زانيا، والله أعلم. قال: فإن كان محصنا، أي: في حالة زناه، فحده الرجم، أي: رجلا كان أو امرأة؛ لما روى أبو داود، عن عبد الله بن عباس: أن عمر – يعني: ابن الخطاب، ﵁ – خطب، فقال: إن الله بعث محمدا ﷺ بالحق، فأنزل عليه الكتاب، وكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فقرأناها ووعيناها، ورجم رسول الله ﷺ ورجمنا من بعده، وإني خشيت إن طال بالناس الزمان أن يقول قائل: ما نجد آية الرجم في كتاب الله تعالى، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله – تعالى – فالرجم حق على من زنى من الرجال والنساء [إذا كان محصنا، إذا قامت البينة، أو كان حمل أو اعتراف]، وأيم الله، لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله – – لكتبتها. وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي مختصرا ومطولا. وقد كان ذلك بمحضر من الصحابة، [ولم ينكره أحد].

стр. 8361

وروى مسلم عن أبي هريرة – ﵁ – وزيد بن خالد الجهني: أن رجلا من الأعراب أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أنشدك الله، إلا قضيت بكتاب الله! [فقال الخصم الآخر – وهو أفقه منه -: نعم فاقض بيننا بكتاب الله] وأذن لي. فقال رسول الله ﷺ : "قل". فقال: إن ابني كان عسيفا عند هذا فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم، فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم. فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله: "الوليدة والغنم رد عليك، و [على ابنك] وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام. واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها". قال: فغدا عليها فاعترفت، فأمر [بها] رسول الله ﷺ فرجمت. وفي رواية أبي داود أنه ﷺ جلد ابنه مائة وغربه عاما. وخرجه البخاري ومسلم أيضا. وظاهر الحال: أن المرأة كانت محصنة دون العسيف، ويدل عليه ما سنذكره. ولا يجب عندنا على المحصن مع الرجم الجلد؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر به في هذا الخبر، وكذا في حديث ماعز. وقد روي عن جابر أنه قال: رجم رسول الله ﷺ ماعزا ولم يجلده. قال أبو الطيب: ولا نقول: ولم يجلده إلا وقد علمه وقطع به. وذهب ابن المنذر من أصحابنا كما حكاه [عنه] ابن الصباغ وغيره إلى

стр. 8362

وجوبه؛ متمسكا بما رواه مسلم عن [عبادة] بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم"، وأراد بالثيب: المحصن، يدل عليه ما روى أبو داود والنسائي عن عائشة – ﵂ – قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله إلا بإحدى ثلاث: رجل زنى بعد إحصان، فإنه يرجم ... "، ورواية البخاري ومسلم، عن عبد الله – وهو ابن مسعود -: لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: [الثيب] الزاني ... ". [والصحيح الأول]، وأجاب أصحابنا عن حديث عبادة بوجهين. أحدهما: أن الجلد [فيه] مع الرجم منسوخ بما ذكرناه من حديث أبي هريرة؛ لأن ما رواه عبادة هو البيان الأول؛ ولهذا قال: "خذوا عني، [خذوا عني] "، وأبو هريرة إسلامه متأخر؛ فكان ما رواه ناسخا للأول. والثاني: أنه محمول على ما إذا زنى وهو بكر، فلم يحد حتى زنى وهو محصن. قال: والمحصن: من وطئ [و] هو في نكاح صحيح. "الإحصان" و"التحصين" في اللغة: المنع؛ قال الله – تعالى: ﴿لتحصنكم من بأسكم﴾ [الأنبياء: ٨٠]، وقال – تعالى –: ﴿في قرى محصنة﴾ [الحشر: ١٤]، ومنه سمي الحان حصانا؛ لامتناع راكبه، ودرع حصينة؛ لامتناع وصول السلام للابسها. و [قد] ورد في الشرع بمعنى "الإسلام"، وبمعنى "البلوغ"، وبمعنى "العقل"، وقد قيل كل منها [في قوله – تعالى]: ﴿فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة﴾ [النساء: ٢٥].

стр. 8363

وبمعنى الحرية، ومنه قوله – تعالى -: ﴿فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات﴾ [النساء: ٢٥] [بمعنى: الحرائر]، [وكذا قوله تعالى: ﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح في المحصنات المؤمنات﴾ [النساء: ٢٥]. وبمعنى العفة]، ومنه قوله – تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ [النور: ٤]. وبمعنى التزويج، [ومنه قوله تعالى: ﴿والمحصنات من النساء﴾ [النساء: ٢٤]. وبمعنى الإصابة في النكاح]، ومنه قوله تعالى: ﴿محصنين غير مسافحين﴾، قيل: مصيبين [في النكاح]، ويدل على تعين هذا فيما نحن فيه ما روى مسلم والبخاري وغيرهما عن عبد الله – وهو ابن مسعود – قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم [يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله] إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة". [وليس المراد بالثيابة: زوال العذرة: لعدم هذه الصفة في الرجال]. فتعين أن المراد بها الوطء. قال القاضي أبو الطيب: وقد أجمعوا على أن المراد بالثيوبة الوطء في النكاح [الصحيح]. [وعبارته في "المهذب": ولا خلاف أن المراد بالثيب: الذي وطئ في نكاح صحيح]. قال المتولي: والمعنى فيه: أن الشهوة [مركبة في النفس]، فإذا أصاب في النكاح فقد نال اللذة، وقضى الشهوة؛ فحقه أن يمتنع عن الحرام. وأيضا: فإنه إذا أصاب امرأته فقد أكد استفراشها، وحينئذ فلو لطخ غيره فراشه عظمت وحشته وأذيته؛ فحقه أن [يمتنع عن تلطيخ فراش الغير]، فإذا لم

стр. 8364

يمتنع فقد عظمت جنايته، وهذا أشبه من الأول. ولا فرق في الإصابة بين أن يقع قي حال الإباحة، [أو حال] الإحرام والحيض وعدة الغير، كما صرح به الرافعي وغيره، وهو مذكور في "الشامل" في باب إتيان النساء في أدبارهن. ولا يقوم مقامه الوطء في النكاح الفاسد ووطء الشبهة؛ لأن ذلك يحصل صفة الكمال، وقد ذكرنا في باب ما يحرم من النكاح: أن الوطء في النكاح الفاسد [و] وطء الشبهة لا يحصل [به] صفة الكمال. وهذا ما أورده المعظم، وحكى الغزالي وإمامه قولا: أنه يحصل بهما. وبعضهم نسبه إلى القديم. ولا يقوم الوطء في الملك مقامه [وفاقا؛ كما قاله الإمام وغيره]. قال: وهو حر بالغ عاقل. هذا الفصل يقتضي أمرين: أحدهما: اعتبار الحرية والبلوغ والعقل في الإحصان. [وجه اعتبار الحرية قوله تعالى: ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات﴾ [النساء: ٢٥]، أي: الحرائر كما ذكرنا، فإذا كانت الحرية شرطا في إكمال [الجلد] فلأن تكون شرطا في الرجم، وهو أكمل من تمام الجلد كان أولى. قال المتولي: والمعنى في ذلك: أن العقوبة [تتغلظ بتغلظ] الجناية، والحرية تغلظ الجناية من وجهين: أحدهما: أنها تمنع من الفواحش، لأنها صفة كمال وشرف، والشريف يصون نفسه مما يدنس عرضه، والرقيق مستذل مهان، لا يتحاشى ما

стр. 8365

يتحاشاه الحر، ولذلك قالت هند [عند] البيعة: "أو تزني الحرة؟! ". والثاني: أنها توسع طريق الحل؛ ألا ترى أن الرقيق يحتاج في النكاح إلى إذن السيد، ولا ينكح إلا امرأتين، ومن ارتكب الحرام مع اتساع [طرق الحل]، كانت جنايته أغلظ. ووجه اعتبار البلوغ والعقل: كون الصبي والمجنون لا يجب عليهما الحد كما تقدم. [و] الأمر الثاني: اعتبار الحرية والبلوغ والعقل في حالة الوطء في النكاح الصحيح، ووجهه قوله ﷺ : "الثيب بالثيب [جلد مائة والرجم"؛ لأن ذلك يقتضي أن الرجم مستحق بالزنى] بعد الثيوية، ولو جاز أن تكون الثيوبة حاصلة [في الوطء] [في النكاح] الصحيح عند انتفاء الحرية والتكليف، لأدى [إلى إيجاب] الرجم على العبد والصبي والمجنون، وهو لا يجب، أو لما كان استحقاق الرجم بالزنى متعقبا للثيوبة؛ كما دل عليه الخبر. وللمعنى الأول أشار في "الوسيط" بقوله: "إذ ليس يحصل التحصين بالمباح به؛ لأن المباح [هو الوطء]. والضمير في قوله "به" عائد إلى النكاح الصحيح، وكأنه قال: إذ ليس يحصل التحصين بالوطء المباح بالعقد الصحيح حالة الوطء]؛ فإنه لو زنى بعد تلك الحالة لم يقم عليه حد المحصن، وكذا فيما بعد الكمال] والله أعلم. ثم ظاهر كلام الشيخ على هذا التقرير يقتضي أن للإحصان شرطا [واحدا]: وهو الوطء في النكاح الصحيح، وأن لهذا الشرط ثلاثة شروط: وقوعه في حالة الحرية والبلوغ والعقل، [وقد عد القاضي أبو الطيب شروط]

стр. 8366

الإحصان أربعة: الحرية، والبلوغ، والعقل، والوطء في النكاح الصحيح، وقال في "الحاوي": إن ذلك مذهب الشافعي، وعليه جمهور أصحابه. وعبارة الشيخ منطبقة على قول البندنيجي: [المذهب]: أن شرائط الإحصان أربعة: أن يطأ في نكاح صحيح، وهو حر، بالغ، عاقل. [لكن يلزم على هذا: أن يقال: إذا وطئ في نكاح صحيح وهو حر بالغ عاقل] وكان ذميا، فالتحق بدار الحرب، ثم استرق، فزنى: إنه يرجم. وقد صرح القاضي الحسين وغيره بأن عليه جلد خمسين والتغريب – إن رأيناه – لا غير؛ لأن الاعتبار في الحدود بحالة الوجوب؛ فيجب أن يقال: المحصن الذي يجب عليه الرجم: من وطئ في نكاح صحيح، وهو حر بالغ عاقل في حال الوطء وحالة الزنى، [و] يدخل في ذلك ما إذا استمر على الحرية والعقل من [حين] الوطء في النكاح الصحيح إلى فراغه من الزنى، وما إذا وطئ في نكاح صحيح وهو كذلك، [ثم نقض العهد، واسترق، ثم عتق فزنى؛ أو وطئ في نكاح صحيح وهو كذلك]، ثم جن، وأفاق، ثم زنى – فإنه يرجم في هذه الأحوال اتفاقا؛ لعود الإحصان واستمراره؛ كما صرح به القاضي [الحسين]. وألحق ابن الصباغ بذلك ما إذا وطئ في نكاح [صحيح] وهو كذلك، ثم ارتد وأسلم، ثم زنى. وقد حكى الماوردي والبندنيجي وابن الصباغ والقاضي الحسين عن بعضه أصحابنا: أن شرط الإحصان واحد، وهو الوطء في النكاح الصحيح، والحرية والبلوغ والعقل شروط في وجوب الرجم دون الإحصان، وفرع عليه القاضي الحسين في باب حد القذف فرعا: وهو ما إذا تزوج العبد، ووطئ في النكاح، ثم عتق في خلال الزنى – فإن نزع في الحال، لا يرجم. وإن نزع، ثم أولج، رجم. وإن لم ينزع [لكن مكث] وداوم عليه، ففي رجمه وجهان؛ بناء على ما لو

стр. 8367

جامع امرأته في [شهر] رمضان، وطلع الفجر، ولم ينزع، هل تجب الكفارة، قال: وقد ذكرنا فيه قولين. وقد ذكر الشيخ ثمرة الخلاف السابق، حيث قال: فإن وطئ وهو عبد ثم عتق، أو صبي ثم بلغ، أو مجنون ثم أفاق – فليس بمحصن؛ لما ذكرناه، وهو ما ادعى القاضي أبو الطيب وابن الصباغ أنه ظاهر المذهب، واختاره في "المرشد" ومعظم الأصحاب؛ لقول الشافعي – ﵁ – في النكاح: ولو أصاب الحر البالغ، أو [أصيبت] الحرة البالغة – فهو إحصان. [قال]: وقيل: هو محصن؛ لأنه وطء يتعلق به الإحلال للزوج الأول؛ فوجب أن يتعلق به الإحصان كما لو وطئ في حال الكمال، وهذا ما صححه في "الوسيط" وقال البندنيجي وغيره: إنه قول [من] جعل شرط الإحصان واحدا: وهو الوطء، [كما أشرت] إليه. وحكى القاضي الحسين وجها ثالثا: أن وطء العبد يحصل الإحصان دون وطء الصبي؛ لأن وطء العبد وطء كامل، ووطء الصبي ليس بكامل؛ لأن القلم لا يجري عليه. ووجها رابعا عن أبي إسحاق على ضد هذا؛ لأن الصبي حر كامل. وفي "الرافعي" حكاية الوجهين – أيضا – عن رواية الشيخ أبي حامد، وأنه وجه الأخير بأن الرق يوجب نقصان النكاح، بخلاف الصغر؛ ألا ترى أن الرقيق لا ينكح سوى امرأتين، وللولي أن يزوج الصغير أربعا؟! تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي أمرين: أحدهما: أن ما ذكره حد لإحصان الرجل، ولا شك في أنه حد لإحصان المرأة – أيضا – وقد يستأنس لهذا الإطلاق بقوله ﷺ : "من أعتق شركا له في عبد ... ". والثاني: أنا حيث نعتبر [صفة] الحرية والبلوغ والعقل في الواطئ حالة وطئه في النكاح الصحيح، لا نعتبر ذلك في الموطوءة في النكاح الصحيح،

стр. 8368

حتى لو وطئ الحر [البالغ] العامل أمة أو صبية أو مجنونة [في نكاح] صحيح، ثبت الإحصان في حقه دونها، وكذلك العكس. وهذا ما حكاه القاضي أبو الطيب في "تعليقه" [عن] رواية القاضي أبي حامد عن الشافعي – ﵁ – في كتاب النكاح من القديم، وأنه حكى عنه في النكاح من "الأمالي": أنه لا يصير واحد منهما محصنا إلا أن يكونا كاملين في حال الوطء؛ لأنه وطء لم يصر به أحدهما محصنا؛ إلا أن يكون كاملين في حال الوطء؛ لأنه وطء لم يصر به أحدهما محصنا؛ [فلا يصير به الآخر محصنا] كوطء الشبهة، وعلى ذلك جرى في "المهذب"، وصحح القول الأول، وتبعه الرافعي. وفي "الحاوي" الجزم بما ذكره الشيخ فيما إذا كانت الموطوءة ناقصة، وكذا فيما إذا كانت كاملة والواطئ ناقصا [بسبب رق] أو جنون، وإن كان بسبب صغر، وكان مما يستمتع بمثله كالمراهق، ففي تحصيل حصانتها قولان: أحدهما – وبه قال في "الإملاء"-: لا يحصنها؛ لضعف إصابته. و [القول] الثاني – نص عليه في "الأم" – أنه قد حصنها وإن لم يتحصن بها؛ لأن المعتبر في الإصابة تغييب الحشفة، ولا يعتبر فيه الضعف؛ كإصابة الشيخ. وفي "الشامل" و"تعليق" البندنيجي والقاضي الحسين حكاية القولين منصوصين؛ كما ذكره الماوردي، وأنهما جاريان فيما إذا وطئ الكامل صغيرة. وفي "الوسيط" حكاية الخلاف المذكور في الصورتين وجهين، وقال: إنما ينقدح هذا في الصغير الذي لا يشتهي، أما المراهق [فلا ينقدح فيه خلاف؛ إذ العاقلة لو مكنت من نفسها مجنونا رجمت، والمراهق] المشتهي كالمجنون، وبهذا جزم القاضي الحسين. وقال في "الوجيز": الأظهر فيما إذا كان الصغير في محل الشهوة – وجوب الرجم، وإن [لم] يكن ففيه تردد. قال: وإن كان في غير محصن، فإن كان حرا فحده جلد مائة؛ لقوله تعالى:

стр. 8369

﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ [النور: ٢٠]. قال الماوردي: وسمي الجلد جلدا؛ لوصوله إلى الجلد. قال: وتغريب عام؛ لقوله ﷺ : "البكر بالبكر: [جلد] مائة وتغريب سنة". قال: إلى مسافة تقصر فيها الصلاة؛ لأن ما دون ذلك في حكم الحضر؛ ولهذا نقول: من سافر دون ذلك، لا يفطر ولا يمسح على الخفين مدة المسافرين، وإذا كان من مكة على دون هذه المسافة، كان من حاضري المسجد الحرام؛ فلا دم عليه إذا تمتع. [و] لأن المقصود بالتغريب إيحاشه [بالبعد] عن الأهل والوطن، وفيما دون مسافة القصر تتواصل الأخبار، ولا تتم الوحشة؛ وهذا ما ذهب إليه الأكثرون. وحكى الماوردي عن ابن أبي هريرة [وجها]: أنه يجوز لما دون مسافة القصر بحيث ينطلق عليه اسم الغربة، وتلحقه مشقة ووحشة [في المقام]؛ لمطلق الخبر، وهو في "المهذب" أيضا. وفي "التتمة" وجه [آخر]: أنه يجوز إلى موضع لو خرج المبكر إليه، لم يرجع [من يومه]. والصحيح الأول: وهو الذي لم يورد أبو الطيب سواه. وهذا بيان لأقل المسافة، فلو رأى الإمام تغريبه إلى [ما] فوق مسافة القصر، فعل. روي أن أبا بكر – ﵁ – غرب إلى فدك، وعمر إلى الشام،

стр. 8370

وعثمان إلى مصر، وعلي إلى البصرة والكوفة، وهذا ما أورده الماوردي والمصنف وغيرهما. وفي "التتمة": أنه إذا وجد على مسافة القصر موضع صالح، لم يجز التغريب إلى البعيد. تنبيهات: أحدها: تعيين جهة التغريب، حكى الإمام فيه وجهين. أحدهما: للزاني، ورأى أنه الأظهر؛ لأن المقصود إيحاشه [بالإبعاد] عن الموضع بقدر مرحلتين، فإذا حصل هذا الغرض، [فليأخذ] في أي صوب شاء، وعلى هذا جرى الغزالي. والثاني: للإمام، قال الرافعي: وهو اللائق بالزجر والتعنيف. وبموافقة ما ذكره صاحب التهذيب: أن الإمام لا يرسله إرسالا، بل [يغربه إلى بلد معين. وفي "الحاوي": أن الإمام مخير في تغريبه] بين أمرين: أن يعين البلد الذي يغرب إليه، ويلزمه المقام فيه، ولا يجوز له الخروج منه، ويصير كالحبس، [ولا يعتقل في ذلك الموضع، فليحفظ بالمراقبة والتوكيل به، فإن احتيج إلى الاعتقال اعتقل، وقال في موضع آخر: إنه لا يعتقل إلا أن به، فإن احتيج إلى الاعتقال اعتقل، وقال في موضع آخر: إنه لا يعتقل إلا أن يتعرض للزنى وإفساد الناس؛ فيحبس كفا عن الناس]. والثاني: ألا يعيد البلد؛ فيجوز له إذا جاوز مسافة التغريب أن يقيم في أي
следующие страницы →