Полный текст (9 685 стр.). Показаны 8366–8405 · переход к 8371.
стр. 8366
الإحصان أربعة: الحرية، والبلوغ، والعقل، والوطء في النكاح الصحيح، وقال في "الحاوي": إن ذلك مذهب الشافعي، وعليه جمهور أصحابه.
وعبارة الشيخ منطبقة على قول البندنيجي: [المذهب]: أن شرائط الإحصان أربعة: أن يطأ في نكاح صحيح، وهو حر، بالغ، عاقل. [لكن يلزم على هذا: أن يقال: إذا وطئ في نكاح صحيح وهو حر بالغ عاقل] وكان ذميا، فالتحق بدار الحرب، ثم استرق، فزنى: إنه يرجم.
وقد صرح القاضي الحسين وغيره بأن عليه جلد خمسين والتغريب – إن رأيناه – لا غير؛ لأن الاعتبار في الحدود بحالة الوجوب؛ فيجب أن يقال: المحصن الذي يجب عليه الرجم: من وطئ في نكاح صحيح، وهو حر بالغ عاقل في حال الوطء وحالة الزنى، [و] يدخل في ذلك ما إذا استمر على الحرية والعقل من [حين] الوطء في النكاح الصحيح إلى فراغه من الزنى، وما إذا وطئ في نكاح صحيح وهو كذلك، [ثم نقض العهد، واسترق، ثم عتق فزنى؛ أو وطئ في نكاح صحيح وهو كذلك]، ثم جن، وأفاق، ثم زنى – فإنه يرجم في هذه الأحوال اتفاقا؛ لعود الإحصان واستمراره؛ كما صرح به القاضي [الحسين].
وألحق ابن الصباغ بذلك ما إذا وطئ في نكاح [صحيح] وهو كذلك، ثم ارتد وأسلم، ثم زنى.
وقد حكى الماوردي والبندنيجي وابن الصباغ والقاضي الحسين عن بعضه أصحابنا: أن شرط الإحصان واحد، وهو الوطء في النكاح الصحيح، والحرية والبلوغ والعقل شروط في وجوب الرجم دون الإحصان، وفرع عليه القاضي الحسين في باب حد القذف فرعا: وهو ما إذا تزوج العبد، ووطئ في النكاح، ثم عتق في خلال الزنى – فإن نزع في الحال، لا يرجم. وإن نزع، ثم أولج، رجم. وإن لم ينزع [لكن مكث] وداوم عليه، ففي رجمه وجهان؛ بناء على ما لو
стр. 8367
جامع امرأته في [شهر] رمضان، وطلع الفجر، ولم ينزع، هل تجب الكفارة، قال: وقد ذكرنا فيه قولين.
وقد ذكر الشيخ ثمرة الخلاف السابق، حيث قال: فإن وطئ وهو عبد ثم عتق، أو صبي ثم بلغ، أو مجنون ثم أفاق – فليس بمحصن؛ لما ذكرناه، وهو ما ادعى القاضي أبو الطيب وابن الصباغ أنه ظاهر المذهب، واختاره في "المرشد" ومعظم الأصحاب؛ لقول الشافعي – ﵁ – في النكاح: ولو أصاب الحر البالغ، أو [أصيبت] الحرة البالغة – فهو إحصان.
[قال]: وقيل: هو محصن؛ لأنه وطء يتعلق به الإحلال للزوج الأول؛ فوجب أن يتعلق به الإحصان كما لو وطئ في حال الكمال، وهذا ما صححه في "الوسيط" وقال البندنيجي وغيره: إنه قول [من] جعل شرط الإحصان واحدا: وهو الوطء، [كما أشرت] إليه.
وحكى القاضي الحسين وجها ثالثا: أن وطء العبد يحصل الإحصان دون وطء الصبي؛ لأن وطء العبد وطء كامل، ووطء الصبي ليس بكامل؛ لأن القلم لا يجري عليه.
ووجها رابعا عن أبي إسحاق على ضد هذا؛ لأن الصبي حر كامل.
وفي "الرافعي" حكاية الوجهين – أيضا – عن رواية الشيخ أبي حامد، وأنه وجه الأخير بأن الرق يوجب نقصان النكاح، بخلاف الصغر؛ ألا ترى أن الرقيق لا ينكح سوى امرأتين، وللولي أن يزوج الصغير أربعا؟!
تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي أمرين:
أحدهما: أن ما ذكره حد لإحصان الرجل، ولا شك في أنه حد لإحصان المرأة – أيضا – وقد يستأنس لهذا الإطلاق بقوله ﷺ : "من أعتق شركا له في عبد ... ".
والثاني: أنا حيث نعتبر [صفة] الحرية والبلوغ والعقل في الواطئ
حالة وطئه في النكاح الصحيح، لا نعتبر ذلك في الموطوءة في النكاح الصحيح،
стр. 8368
حتى لو وطئ الحر [البالغ] العامل أمة أو صبية أو مجنونة [في نكاح] صحيح، ثبت الإحصان في حقه دونها، وكذلك العكس. وهذا ما حكاه القاضي أبو الطيب في "تعليقه" [عن] رواية القاضي أبي حامد عن الشافعي – ﵁ – في كتاب النكاح من القديم، وأنه حكى عنه في النكاح من "الأمالي": أنه لا يصير واحد منهما محصنا إلا أن يكونا كاملين في حال الوطء؛ لأنه وطء لم يصر به أحدهما محصنا؛ إلا أن يكون كاملين في حال الوطء؛ لأنه وطء لم يصر به أحدهما محصنا؛ [فلا يصير به الآخر محصنا] كوطء الشبهة، وعلى ذلك جرى في "المهذب"، وصحح القول الأول، وتبعه الرافعي.
وفي "الحاوي" الجزم بما ذكره الشيخ فيما إذا كانت الموطوءة ناقصة، وكذا فيما إذا كانت كاملة والواطئ ناقصا [بسبب رق] أو جنون، وإن كان بسبب صغر، وكان مما يستمتع بمثله كالمراهق، ففي تحصيل حصانتها قولان:
أحدهما – وبه قال في "الإملاء"-: لا يحصنها؛ لضعف إصابته.
و [القول] الثاني – نص عليه في "الأم" – أنه قد حصنها وإن لم يتحصن بها؛ لأن المعتبر في الإصابة تغييب الحشفة، ولا يعتبر فيه الضعف؛ كإصابة الشيخ.
وفي "الشامل" و"تعليق" البندنيجي والقاضي الحسين حكاية القولين منصوصين؛ كما ذكره الماوردي، وأنهما جاريان فيما إذا وطئ الكامل صغيرة.
وفي "الوسيط" حكاية الخلاف المذكور في الصورتين وجهين، وقال: إنما ينقدح هذا في الصغير الذي لا يشتهي، أما المراهق [فلا ينقدح فيه خلاف؛ إذ العاقلة لو مكنت من نفسها مجنونا رجمت، والمراهق] المشتهي كالمجنون، وبهذا جزم القاضي الحسين. وقال في "الوجيز": الأظهر فيما إذا كان الصغير في محل الشهوة – وجوب الرجم، وإن [لم] يكن ففيه تردد.
قال: وإن كان في غير محصن، فإن كان حرا فحده جلد مائة؛ لقوله تعالى:
стр. 8369
﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ [النور: ٢٠].
قال الماوردي: وسمي الجلد جلدا؛ لوصوله إلى الجلد.
قال: وتغريب عام؛ لقوله ﷺ : "البكر بالبكر: [جلد] مائة وتغريب سنة".
قال: إلى مسافة تقصر فيها الصلاة؛ لأن ما دون ذلك في حكم الحضر؛ ولهذا نقول: من سافر دون ذلك، لا يفطر ولا يمسح على الخفين مدة المسافرين، وإذا كان من مكة على دون هذه المسافة، كان من حاضري المسجد الحرام؛ فلا دم عليه إذا تمتع.
[و] لأن المقصود بالتغريب إيحاشه [بالبعد] عن الأهل والوطن، وفيما دون مسافة القصر تتواصل الأخبار، ولا تتم الوحشة؛ وهذا ما ذهب إليه الأكثرون.
وحكى الماوردي عن ابن أبي هريرة [وجها]: أنه يجوز لما دون مسافة القصر بحيث ينطلق عليه اسم الغربة، وتلحقه مشقة ووحشة [في المقام]؛ لمطلق الخبر، وهو في "المهذب" أيضا.
وفي "التتمة" وجه [آخر]: أنه يجوز إلى موضع لو خرج المبكر إليه، لم يرجع [من يومه].
والصحيح الأول: وهو الذي لم يورد أبو الطيب سواه.
وهذا بيان لأقل المسافة، فلو رأى الإمام تغريبه إلى [ما] فوق مسافة القصر، فعل.
روي أن أبا بكر – ﵁ – غرب إلى فدك، وعمر إلى الشام،
стр. 8370
وعثمان إلى مصر، وعلي إلى البصرة والكوفة، وهذا ما أورده الماوردي والمصنف وغيرهما.
وفي "التتمة": أنه إذا وجد على مسافة القصر موضع صالح، لم يجز التغريب إلى البعيد.
تنبيهات:
أحدها: تعيين جهة التغريب، حكى الإمام فيه وجهين.
أحدهما: للزاني، ورأى أنه الأظهر؛ لأن المقصود إيحاشه [بالإبعاد] عن الموضع بقدر مرحلتين، فإذا حصل هذا الغرض، [فليأخذ] في أي صوب شاء، وعلى هذا جرى الغزالي.
والثاني: للإمام، قال الرافعي: وهو اللائق بالزجر والتعنيف. وبموافقة ما ذكره صاحب التهذيب: أن الإمام لا يرسله إرسالا، بل [يغربه إلى بلد معين. وفي "الحاوي": أن الإمام مخير في تغريبه] بين أمرين:
أن يعين البلد الذي يغرب إليه، ويلزمه المقام فيه، ولا يجوز له الخروج منه، ويصير كالحبس، [ولا يعتقل في ذلك الموضع، فليحفظ بالمراقبة والتوكيل به، فإن احتيج إلى الاعتقال اعتقل، وقال في موضع آخر: إنه لا يعتقل إلا أن به، فإن احتيج إلى الاعتقال اعتقل، وقال في موضع آخر: إنه لا يعتقل إلا أن يتعرض للزنى وإفساد الناس؛ فيحبس كفا عن الناس].
والثاني: ألا يعيد البلد؛ فيجوز له إذا جاوز مسافة التغريب أن يقيم في أي
стр. 8371
البلاد أراد، وينتقل إلى أي البلاد شاء.
وقد حكى الإمام وجها آخر فيما إذا عين الإمام بلد التغريب، فغرب إليه: أنه لا يمنع من الانتقال منه، وهو الذي أورده [أبو سعيد] المتولي، واختاره الإمام بعد نسبة مقابله إلى رأي بعض المصنفين، وأنه لم يذكره أحد من الأئمة، وأنه باطل؛ لأنه جمع بين حبس وتغريب، ولم تشهد له سنة ولا قياس.
وما ضعفه الإمام هو ما صححه [القاضي] الروياني في "الحلية"؛ لأن في تمكينه من السير والضرب في [الأرض] نوع تنزه.
الثاني: ابتداء العام [من أي وقت يحسب؟ فيه وجهان حكاهما الماوردي وغيره.
أحدهما:] من وقت إخراجه من بلد الزنى.
والثاني: من وقت حصوله في الموضع الذي غرب إليه، وهو الذي أورده القاضي أبو الطيب.
الثالث: لا ترتيب في إقامة الجلد والتغريب؛ فيجوز فعل أحدهما قبل الآخر.
الرابع: لا بد في التغريب من أمر الإمام أو نائبه، حتى لو أراد الإمام تغريبه، فخرج بنفسه، وغاب سنة، ثم عاد – لم يحصل؛ لأن المقصود التنكيل، وإنما يحصل بنفي السلطان، وهذا هو الصحيح في "تعليق" القاضي الحسين وغيره.
وعن [كتاب] ابن كج [حكاية] وجه بعض الأصحاب: أنه يكتفي بذلك، وهو في "تعليق" القاضي الحسين أيضا، وبه جزم الماوردي، وفرق بينه وبين الجلد بأنه حق [يستوفى منه]؛ فلم يجز أن يستوفيه، والتغريب [انتقال] إلى مكان وقد وجد.
стр. 8372
الخامس: إذا كان المغرب امرأة، فهل تغرب وحدها؟ [فيه] وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأنه سفر واجب، فأشبه الهجرة؛ فإنها إذا كانت تخاف الفتنة على دينها كان عليها أن تسافر وحدها.
وأصحهما – وبه جزم أبو الطيب -: المنع؛ لقوله ?: "لا تسافر المرأة إلا ومعها زوجها أو محرم لها". ولأنه لا يؤمن عليها.
هكذا أطلق مطلقون الوجهين، ومنهم القاضي الحسين، وخصهما الإمام ومن تبعه بما إذا كان الطريق آمنا، وأشار إلى القطع بالمنع إذا لم يكن الطريق آمنا.
فعلى هذا: إن تطوع محرمها بالخروج معها، غربت.
وإن أبى ورضي الزوج، غربت. فإن لم يكن، أو كان وأبى، ووجدت نسوة ثقات أو امرأة واحدة تخرج في صحبتها – غربت.
وقيل: لا يكتفي بالنسوة.
فإن امتنع [من] يجوز التغريب معه من السفر إلا بالكراء، كان [الكراء] من مال الزانية؛ لأن ذلك من مؤنة هذا السفر، وذلك يجب عليها؛ كما تجب نفقتها وكذا ركوبها؛ قاله القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والبندنيجي.
فإن لم يكن فمن بيت المال.
وعن كتاب ابن كج: أن نفقة المغرب ومؤنته من ماله بقدر ما يشترك فيه السفر والحضر، وما زاد بسبب السفر فهو في بيت المال، وهو ما أورده الماوردي والقاضي الحسين، وقالا: إنه إذا لم يكن فيه شيء كان في كال الزاني.
وقياس هذا: أن تكون أجرة المحرم ومن في معناه من بيت المال مع
القدرة، و [قد] صرح به الغزالي، ورجحه البغوي وابن كج، وصححه القاضي
стр. 8373
الحسين، وقال: إنه إذا لم يكن في بيت المال شيء كان من مالها و [لو] لم يوجد إلا المحرم، وامتنع من الخروج مع بذل الأجرة له – فهل يجبر على الخروج؟ فيه وجهان:
أحدهما – عن ابن سريج – نعم؛ للحاجة إليه في إقامة الواجب.
والمذهب – كما قال البندنيجي -: أنه لا يجبر؛ كما في الحج، ولأنه تغريب من لم يذنب.
وعلى هذا، فالقياس: أن يؤخر التغريب إلى أن يتيسر، وبه جزم ابن الصباغ.
وعن الروياني: أنها تغرب، ويحتاط الإمام في ذلك.
السادس: أنه لا فرق في وجوب التغريب بين أن يكون الزاني من أهل البلد التي زنى فيها، أو غريبا عنها. نعم، لا يغرب الغريب إلى بلده، ولا إلى موضع بينه وبينها دون مسافة القصر.
قال الغزالي: فلو انتقل بعد ذلك إلى بلده، فالظاهر: أنه لا يمنع. وحكى غيره أنه يمنع، وهو الأشبه في "الرافعي".
فروع:
لا يمكن المغرب [من] [أن يستصحب] [معه] أهله وعشيرته؛ لأنه لا يستوحش حينئذ، وله أن يحمل جارية يتسرى بها وما يحتاج إليه [من نفقة] لنفسه ولمن يخدمه. قاله القاضي الحسين، وتبعه البغوي، وفي "التنمية": أنه لو خرج مع عشيرته لم يمنعوا.
إذا زنى المسافر في الطريق، غرب إلى غير مقصده.
وإذا عاد المغرب إلى الموضع [الذي غرب] منه، [رد إلى الموضع الذي غرب فيه]، وهل يستأنف المدة أو يحتسب بما مضى دون مدة الرجوع؟
الذي أورده في "الوجيز": الاستئناف، وقال في "الوسيط": إنه الأظهر.
стр. 8374
وهذا ما أبداه الإمام.
والذي حكاه القاضي الحسين والماوردي والبندنيجي [والمتولي]: مقابله.
قال الرافعي: وقد خرج بعضهم هذا الخلاف من الخلاف في أنه: هل يجوز في اللقطة تغريب سنة للتعريب؟
إذا زنى المغرب في الموضع الذي غرب فيه غرب إلى موضع آخر.
قال ابن كج والماوردي: ويدخل فيه بقية الأول؛ لأن الحدين من جنس واحد فتداخلا.
وفي "تعليق" القاضي الحسين وجه آخر: أنه لا يغرب [منه]؛ لأن تلك البقعة لما صلح أن يكون التغريب بها عقوبة في الزنى الأول؛ فكذا في الثاني.
إذا انقضت مدة التغريب، فهل يجوز للمغرب الرجوع إلى وطنه؟ أطلق الأكثرون: الجواز.
وقال الماوردي: إن عين الإمام موضع التغريب، لم يجز إلا بإذن الإمام، فإن خالف عزر، كما إذا خرج من الحبس بغير إذن، وإن لم يعين له الموضع جاز من غير إذن، قال: والأولى أن يكون بإذن.
إذا ادعى المغرب انقضاء السنة فالقول قوله إذا لم تكن بينه – قاله الماوردي – لأنه من حقوق الله – تعالى، ويحلف استظهارا.
ولا يسقط عن المغرب في زمان التغريب نفقة زوجته، وتنقضي مدة العنة والإيلاء.
قال: وإن كان عبدا فحده جلد خمسين، عدول الشيخ عن لفظ "الرقيق" إلى لفظ "العبد" يجوز أن يكون من باب ذكر أحد الأمرين والمراد هو مقابله كقوله تعالى: ﴿سرابيل تقيكم الحر﴾ [النحل: ٨١]، ويجوز أن يكون للتنبيه على مذهب المخالف – وهو: داود – فإنه رأى أن حد العبد مائة وحد الأمة خمسون؛ تمسكا بقوله تعالى: ﴿الزانية والزاني﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿فإذا أحصن﴾،
стр. 8375
أي: بالإسلام، أو العقل أو البلوغ، كما تقدم ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات﴾، أي: الحرائر، ﴿من العذاب﴾ [النساء: ٢٥]، فأوجب على كل زان جلد مائة، وخص الأمة بالاقتصار على خمسين، فبقينا فيما عداها على [موجب] الأول، وهذا هو الأقرب.
ودليلنا عليه: أن العبد ناقص بالرق؛ فوجب أن يكون [حده على النصف من الحر]؛ كالأمة.
وإنما قلنا: إن العلة في نقصان حد الأمة الرق؛ أنها [إذا] عتقت وزنت، كمل حدها.
فإن قيل: قد قرأ ابن عباس: ﴿فإذا أحصن﴾ بضم الألف، ومعناه: زوجن، ومقتضى ذلك: أنهن إذا لم يزوجن لا يجب [عليهن] حد، وكذلك العبد؛ كما صار إليه ابن عباس.
قيل في جوابه: إن المنع أخذ من دليل الخطاب، [وقد روى] البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني أنه ﷺ سئل عن الأمة إذا زنت [ولم تحصن]، فقال: "إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم [إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت] فبيعوها ولو بضفير" يعني: حبلا، قال القاضي الحسين: [يعني]: حبلا باليا. وهذا منطوق، والمنطوق مقدم على المفهوم.
ولأن من لزمه الحد بعد التزويج، لزمه قبل التزويج؛ كالحر والحرة، [وقد روي عن أبي ثور أنه قال: "يجب عليه جلد مائة"].
قال: وفي تغريبه ثلاثة أقوال:
أحدهما: لا يجب؛ لأنه ﷺ قال: "إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها
стр. 8376
الحد ... " أربع مرات، ولم يذكر النفي.
ولأن النفي إنما أمر به للوحشة في الانقطاع عن الأهل، والعبد لا وحشة عليه [في ذلك؛ لأنه لا أهل له في الغالب، و [لأن] فيه تفويت حق السيد]، وهذا ما اختاره [القاضي] أبو حامد، وهو أحد قولي الجديد، كما قال البندنيجي.
وقال بعض الشارحين: إنه أضعف الأقوال؛ لأن العبد إذا [ألف موضعا شق عليه الانتقال، ويدل عليه وجوب نفي الغريب.
وحق السيد لا يبالي به في عقوبات الجرائم؛ ألا ترى أنه يقتل إذا ارتد، ويحد إذا قذف، وإن تضرر السيد؟! مع إمكان إجارته واستعماله في الغربة.
والثاني: يجب تغريب عام، لأن [أمة لابن] عمر – ﵄ – زنت فجلدها، وغربها إلى فدك، ولا مخالف له؛ فدل على ثبوته.
وأما اعتباره سنة؛ فلأنها مدة مقدرة بالشرع لأمر يتعلق بالطبع؛ فاستوى فيها الحر والعبد؛ كمدة العنة والإيلاء، وهذا ما رواه ابن أبي هريرة مخرجا، قال القاضي أبو الطيب: [ولا يحفظ عن الشافعي.
وفي "تعليق" القاضي الحسين و"الحاوي" والبندنيجي: أنه قوله في القديم، وأشار إلى ذلك ابن الصباغ أيضا.
والثالث: يجب تغريب نصف عام؛ لأنه حد يتبعض فينقص العبد فيه عن الحر؛ كالجلد، وهذا أصح عند الشيخ أبي حامد والماوردي والإمام والقاضي الحسين كما حكاه في كتاب اللعان. وقال هنا: إنه الجديد، وكذلك المزني، وقال
стр. 8377
أبو الطيب]: إن المزني قال: إنه أولى قوليه، وبه قطع في موضع آخر، وعلى هذا جرى أبو إسحاق المروزي، فجرم به، وعلى هذا يجيء في مؤنة التغريب الخلاف السابق.
فإن قلنا ثم: إنها على الحر، كانت هنا على السيد، وإن قلنا ثم: إنها في بيت المال، فكذلك هاهنا، وقد صرح بهما الجيلي، وحكى الماوردي في كتاب اللعان الوجهين في نفقة الأمة في مدة التغريب، وعلل وجه كونها على بيت المال: بأن السيد ممنوع منها، وحكى هنا وجها في أصل التغريب: أن الإمام إن تولى جلد الرقيق غربه، وإن تولاه السيد لم يغربه.
وما ذكرناه في القن يجري في المدبر والمعتق بصفة والمكاتب وأم الولد، وفيمن نصفه رقيق ونصفه حر ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه كالكامل الرق، وبه جزم الماوردي.
والثاني: أنه يجب عليه ثلاثة أرباع الجلد، وقياسه: أن يغرب تسعة أشهر؛ تفريعا على الصحيح؛ لأنه يحتمل التقسيط وألزم قائله [أن يجوز له نكاح ثلاث نسوة.
والثالث: أن يفرق بين] أن يكون بينه وبين سيده مهايأة أو لا، فإن كانت ووقع الزنى في نوبة نفسه، فعليه حد كامل، وإن زنى في نوبة سيدة أو لم يكن بينهما مهايأة، فعليه حد الأرقاء.
قال: ومن لاط وهو من أهل حد الزنى، يعني لكونه بالغا عاقلا مختارا عالما بتحريم اللواط، وهو مسلم أو ذمي أو مرتد – ففيه قولان:
أحدهما: يجب عليه الرجم؛ أي: محصنا كان أو [غير محصن]؛ لما روى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط [فارجموا الأعلى والأسفل].
ورواية أبي داود عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "من
стр. 8378
وجدتموه يعمل عمل قوم لوط] فاقتلوا الفاعل والمفعول به".
وأخرجه الترمذي وابن ماجه، وكذا النسائي ولفظة: "لعن الله من عمل عمل قوم لوط".
وعلى هذه الرواية: فدليل كون القتل بالرجم ما روى أبو داود عن سعيد بن جبير ومجاهد عن ابن عباس في البكر يوجد على اللوطية، قال: يرجم.
ولأنه قتل وجب بالوطء؛ فكان بالرجم كقتل الزاني؛ وهذا ما نص عليه في كتاب "اختلاف علي وعبد الله"، كما نقله البندنيجي وابن الصباغ والقاضي الحسين، واختاره البغداديون.
وقيل على هذا في المسألة قول آخر أو وجه: أنه يقتل بالسيف، ويحكى عن أبي الحسين [ابن] القطان والبصريين؛ لأن إطلاق القتل ينصرف إليه؛ بدليل قتل المرتد.
وقيل يهدم عليه جدار، أو يرمى من شاهق حتى يموت؛ أخذا من عذاب قوم لوط. قال الله تعالى: ﴿فجعلنا عليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة﴾ [الحجر: ٧٤].
والثاني: يجب عليه الرجم إن كان محصنا، والجلد والتغريب إن لم يكن محصنا؛ لأن الله – تعالى – سمى هذا الفعل: فاحشة، بقوله تعالى: ﴿لتأتون
стр. 8379
الفاحشة﴾ [العنكبوت: ٢٨]، و [قد] قال تعالى: ﴿والذان يأتيانها منكم فآذوهما﴾ [النساء: ١٦]، [ثم] قال ﷺ : "خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا ... " الحديث؛ فدل على ذلك حد الفاحشة؛ لأنه بيان للآيتين.
وقد روى أبو موسى الأشعري عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان"، وإذا ثبت أن هذا زنى، دخل تحت قوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا﴾ الآية [النور: ٢].
ولأنه حد يجب بالوطء فاختلف البكر والثيب [فيه] كحد الزنا. وهذا ما حكاه الربيع، وقال: إن الشافعي – ﵁ – رجع فيه عن الأول؛ كما نقله الماوردي والبندنيجي والقاضي الحسين، وهو المشهور من المذهب؛ كما نقله المصنف والقاضي وأبو الطيب، وصححه الرافعي وصاحب "المرشد" والنواوي.
وحكى المراوزة قولا: أن الواجب في اللواط التعزيز؛ لأنه وطء لا يجب المهر [إلا] بالإيلاج فيه، فلا يجب به الحد؛ كإتيان البهيمة، وهو مخرج منه.
قال [الرافعي]: ومنهم من لم يثبت هذا القول.
قلت: وهم العراقيون.
ولا فرق في ذلك بين أن يصدر هذا الفعل في أجنبي أو [في] مملوكة، على الصحيح.
وقيل: إذا جرى في مملوكه، كان في وجوب الحد قولان؛ لقيام الملك؛ كما
стр. 8380
لو وطئ أخته [من الرضاع] المملوكة، وهذا ما نسبه القاضي الحسين إلى الشيخ أبي سهل الأبيوردي، والقائلون بالأول فرقوا بأن الملك [ثم] يبيح الإتيان في القبل على الجملة، فإذا لم يتجه في الأخت انتهض شبهة، ولا يبيح هذا النوع بحال.
وهذا كله بالنسبة إلى الفاعل، أما المفعول به: فإن كان [صغيرا أو مجنونا أو مكرها، فلا حد عليه، ولا يجب [له] المهر؛ لأن منفعة بضع الرجل لا تتقوم. وإن كان ممن يجب عليه الحد، فإن قلنا: يجب عليه القتل كيف كان، فكذلك هو، ويقتل كما يقتل الفاعل. وإن قلنا: إن حده كحد الزنى، فيجلد المفعول به ويغرب، محصنا كان أو غير محصن؛ قاله الرافعي والقاضي الحسين، ووجهه بأنه لا يتصور إدخال الذكر في دبره على وجه مباح حتى يصير محصنا ويقال برجمه إذا مكن من نفسه.
وفي "الحاوي" [أنه يستوي على هذا القول الفاعل والمفعول به فيما ذكرناه].
وفي "الوسيط": أن في اعتبار إصابته زوجته في نكاح صحيح، نظرا وترددا.
تنبيه: اللواط: إتيان الرجل الرجل، وسمي بذلك؛ لأن أول من عمله من الأناسي قوم لوط، وإلا فقد روي أنه – ﵇ – قال: "أول من لاط إبليس لما هبط من الجنة فردا لا زوجة له، فلاط بنفسه، فكانت ذريته منه".
وهل يلتحق بذلك في الحكم إتيان المرأة الأجنبية في دبرها؟ فيه طريقان في "الوسيط":
أظهرهما: نعم؛ لأنه إتيان في غير المأتي فيجيء في الفاعل الأقوال، وتكون عقوبة المرأة الجلد والتغريب على قولنا: إن حده كحد الزنى. وهذا ما
стр. 8381
أورده في "الوجيز"، ويحكى عن الشيخ أبي حامد، وحكى البندنيجي [عن] النص مثله، ورجحه البغوي، وعلى [هذا] إن كانت مكرهة وجب لها [مهر المثل].
والثاني: أنه زنى؛ [لأنه وطء صادف أنثى، فأشبه وطأها في القبل. قال الرافعي: وهذا ما [اختاره ابن كج، وأورده في "المهذب"]، وهو المذكور في "الحاوي"، وفي الشامل – أيضا – في باب إتيان النساء في أدبارهن، وفي "الإبانة" هنا.
فعلى هذا: حده حد الزنى بلا خلاف، وترجم المرأة إن كانت محصنة.
وفي "تعليق" القاضي الحسين في باب الشهادة على الحدود: أن الصحيح على هذا القول: أن المرأة تجلد، سواء كانت بكرا أو ثيبا؛ لأنها لا تصير محصنة بالتمكين من دبرها، بخلاف الرجل؛ فإنه يصير محصنا [بإيلاج الذكر].
قال: وإن أتى بهيمة ففيه قولان كاللواط، أي: كالقولين في اللواط، وهو ما ذكره الشافعي هنا، وقال في "الوسيط": إنه وجه مخرج.
ووجه الأول: ما روى أبو داود عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة [عن ابن عباس] قال: قال رسول الله ﷺ "من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه". قال: قلت [له]: ما شأن البهيمة؟ قال: ما أراه قال ذلك [إلا] أنه كره أن يؤكل لحمها وقد عمل بها ذلك العمل [وأخرجه النسائي]؛ فهذا الحديث دل على القتل.
وأما كونه بالرجم؛ فلأنه قتل وجب بالوطء؛ فكان بالرجم كقتل الزنى، وهذا رأي البغداديين.
وذهب البصريون – تفريعا على وجوب القتل كيف كان – أنه يقتل بالسيف؛
стр. 8382
كما تقدم مثله في مسألة اللواط.
ووجه القول القاني: أنه إيلاج في فرج [يجب به الغسل؛ فوجب به الحد، وفرق فيه بين البكر والثيب] كالإيلاج في فرج المرأة.
[قال]: وقيل فيه قول ثالث: أنه يعزر؛ لما روى [أبو داود] عن عاصم -[وهو] ابن أبي النجود – عن أبي رزين، [وهو] مسعود بن مالك الأسدي، عن ابن عباس قال: "ليس [على الذي يأتي بهيمة حد" وأخرجه النسائي. وهذا لا يقوله إلا توقيفا، وإذا انتفى الحد ثبت التعزيز؛ لأنه أتى معصية لا حد فيها ولا كفارة، ولأنه [أتى فرجا] لا تميل إليه النفس ولا تدعو الشهوة إلى مواقعته، والحدود شرعت زواجر عما تدعو إليه النفوس؛ ألا ترى أنه لو شرب الخمر لوجب الحد، ولو شرب البول لم يجب؛ لما ذكرناه.
وهذا القول ادعى في "الوسيط": أنه المنصوص، وغيره قال: إنه أخذ من قول الشافعي – ﵁ – في الشهادات: "ويكون فيما يسأل الإمام الشهود: أزنى بامرأة؟ [لأنهم قد] يعدون الوقوع على البهيمة زنى، [وقد يعدون] الاستمناء زنى"، وهو الأصح عند البغوي، وصاحب "المرشد"، والرافعي، والنواوي. ويقال: إن عليه أكثر أهل العلم، وكذلك قال الإمام: إنه الأصح عند الأصحاب وعن "البيان" [حكاية] طريقة قاطعة [به.
قال:] فإن كانت [البهيمة تؤكل]، وجب ذبحها؛ للحديث.
قال القاضي الحسين والماوردي: واختلف في المعنى فيه:
فقيل: لأنها ربما تأتي بولد مشوه [الخلق].
стр. 8383
[قال الماوردي: روي أن راعيا أتى بهيمة فولدت خلقا مشوها].
قال القاضي الحسين: وعلى هذا لا تذبح إلا إذا كانت أنثى وقد أتاها في فرجها.
وقيل: لأن في بقائها تذكارا للفاحشة؛ فيعتبر بها.
قال القاضي: وعلى هذا تذبح ذكرا كانت أو أنثى، [أتاها] في فرجها أو في دبرها.
قال: وأكلت؛ لأنها حيوان مأكول ذبحه من هو من أهل الذكاة؛ فحل أكله كغيرها من الحيوانات المأكولة؛ وهذا أصح في "الجيلي" و"المرشد"، واختاره الإمام والبغوي، وعن ابن كج [القطع به].
وقيل: لا تؤكل؛ لأنها مأمور بقتلها لغير قربة، وما أمر بقتله لا يؤكل؛ كالسبع، وقد أشار إلى هذا ابن عباس – ﵁ – حين سأله عكرمة [كما تقدم]، وهذا أصح عند الشيخ أبي حامد؛ كما نقله الرافعي.
قال: وإن كانت لا تؤكل، فقد قيل: تذبح؛ لإطلاق الخبر، وقيل لا تذبح؛ لأن النبي ? نهى عن ذبح الحيوان لغير مأكلة؛ وهذا ما صححه النواوي وصاحب "المرشد"، والحديث الأول راويه عمرو، وهو ضعيف، وقد بين البخاري ضعفه حيث قال: عمرو [صدوق، ولكنه يروي عن عكرمة مناكير.
وقال أيضا: وعمرو يروي] عن عكرمة في قصة البهيمة، فلا أدري أسمع أم لا؟ وهذه الطريقة حكاها القاضي الحسين والشيخ أبو جامد وجماعة، ولم يوردوا سواها، وكذا البندنيجي بعد قوله: إن الشافعي – ﵁ – ما تكلم على البهيمة بشيء، وإنما تكلم فيها أصحابه.
стр. 8384
وحكى القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما وجها فيما إذا كانت البهيمة تؤكل: يمنع الذبح؛ لأنها أسوأ حالا من المجنونة [و] المستكرهة، ثم لا تحدان؛ [فكذا: هذه] وهو مأخوذ من قول الشافعي – ﵁ – في كتاب "اختلاف علي وعبد الله" بعد روايته الخبر السابق عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: إن صح قلت به؛ لأن في روايته ضعفا.
فرع: إذا قلنا بوجوب الذبح، ولم تكن البهيمة له، فإن كانت مما يحل أكلها، وقلنا بحله، وجب [على] الفاعل ما بين قيمتها حية ومذبوحة، [و] إلا وجبت [القيمة كلها]؛ لأنه المتسبب في إتلافها، كذا قاله القاضي أبو الطيب والبندنيجي والمصنف، وهو الأصح في "الرافعي".
وحكى ابن الصباغ عن أبي علي الطبري أنه [قد] قيل: إن قيمتها في بيت المال، وهو الذي صححه القاضي الحسين.
وفي "الوسيط" و"الحاوي": حكاية وجه أنه لا [يغرم لصاحبها شيء]؛ لأن الشرع أوجب قتلها للمصلحة.
وما ذكرناه من وجوب الحد أو التعزيز في إتيان الرجل البهيمة، يجري فيما إذا مكنت [المرأة] قردا أو ذئبا من نفسها؛ ذكره البغوي وغيره.
وقال القاضي الحسين: المذهب: أنه يجب عليها الحد، [ويمكن أن يقال: لا يجب؛ لأنه لا يحصل لها اللذة والشهوة بهما.
وقتل البهيمة في هذه الصورة لا يجيء إلا إذا قلنا: العلة في المسألة السابقة: خشية تذكار الفاحشة، وإن ما لا يؤكل يقتل].
قال: [وإن وطئ أجنبية ميتة، فقد قيل: يحد؛ لأنه إيلاج في فرج لا شبهة [له] فيه، فهو كفرج الحية؛ وهذا ظاهر المذهب في "تعليق" البندنيجي.
وقيل: لا يحد؛ لأنه غير مقصود، ولا يميل الطبع إليه، وعلى هذا يعزر.
стр. 8385
والخلاف جار فيما إذا لاط بميت، وقد رواه [المصنف] في "المهذب" وجهين، وقال القاضي [الحسين]: إنه قولان كالقولين في إتيان البهيمة؛ وقياس هذا: أنه يكون الصحيح الثاني، وبه صرح النواوي وصاحب "المرشد"، وجزم به في "الوسيط".
قال: وإن وطئ أجنبية فيما دون الفرج، عزر، أي: ولا حد عليه؛ لما روى أبو داود، عن عبد الله بن مسعود قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ [فقال]: إني عالجت امرأة في أقصى المدينة؛ فأصبت منها دون أن أمسها، فأما هذا فأقم علي ما شئت. فقال عمر: قد ستر الله عليك لو سترت على نفسك، فلم يرد النبي ﷺ شيئا، فانطلق الرجل، فأتبعه النبي ﷺ رجلا فدعاه، فتلا عليه: ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار ...﴾ الآية [هود: ١١٤]، فقال رجل من القوم: يا رسول الله، أله خاصة أم للناس؟ فقال: "للناس كافة"، وأخرجه مسلم والترمذي.
وهكذا الحكم فيما إذا وطئ رجلا فيما دون الدبر.
قال: وإن استمنى بيده عزر؛ لأنها مباشرة محرمة بغير إيلاج؛ فكان كمباشرة الأجنبية فيما دون الفرج، وإنما قلنا: إنها محرمة؛ لقوله ﷺ : "ملعون من نكح يده".
ولأنها مباشرة تفضي إلى قطع النسل؛ فحرمت كاللواط.
قال المتولي في كتاب النكاح: ويخالف ما إذا استمنى بيد المرأة أو
стр. 8386
الجارية، حيث يجوز له ذلك؛ لأنها محل الاستمتاع، بخلاف يده.
وعلى ذلك جرى الروياني في "التجربة".
وحكى الرافعي عن ابن كج: [أن] في تحريمه توقفا في القديم.
وفي "فتاوى" القاضي: أن امرأته لو غمزت ذكره بإذنه فأمنى، كره ذلك؛ لأن العزل مكروه.
[قال: وإن أتت المرأة المرأة عزرتا؛ لأنه فعل محرم لم يحصل فيه الإيلاج، فلم يوجب إلا التعزيز؛ كالمباشرة فيما دون الفرج.
قال القاضي أبو الطيب: وتحريم ذلك تحريم الزنى، ويأثم كما يأثم الزاني، لرواية أبي موسى عن النبي ﷺ : "إذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان"].
قال: وإن وطئ جارية مشتركة بينه بين غيره، أو جارية ابنه، عزر [، أي:] ولا يحد.
أما في الجارية المشتركة؛ فلأنه اجتمع مع يوجب الحد وما لا يوجبه، والحد مبني على الإسقاط.
وأما في جارية الابن؛ فلما للأب فيها من الشبهة بدليل لحوق نسب الولد.
وفي "الحاوي" وجه: أنه لا يعزر.
قال: وإن وطئ أخته بملك اليمين ففيه قولان:
أحدهما: يحد؛ لأنها محرمة عليه [على] التأبيد، وملكه ليس شبهة فيه؛ كما لو وطئ عبده.
وبقولنا: "على التأبيد" خرجت الجارية المشتركة والمزوجة والمعتدة؛ وهذا ما نص عليه في "الإملاء"، وهو من الكتب الجديدة؛ كما قال الرافعي. وقال الإمام: إنه منصوص عليه في القديم، فعلى هذا: هل يثبت النسب لو أتت منه بولد؟ وهل تصير أم ولد [له]؟ فيه خلاف سبق، وادعى البندنيجي أنه ثابت على القولين معا.
стр. 8387
[و] الثاني: [يعزر،] وهو الأصح؛ لأنه وطئ في ملكه في المحل المستباح على الجملة؛ فلم يجب به الحد؛ كما لو وطئ أمته الحائض.
وفي "تعليق" البندنيجي أن هذا القول مع الأول منصوصان في آخر "الإملاء".
وقد وافق الشيخ على التصحيح القاضي أبو الطيب والحسين والبندنيجي.
وحكى الرافعي طريقة مجربة لهذا الخلاف فيما إذا وطئ الجارية المشتركة، والمزوجة والمعتدة عن الغير والجارية المجوسية والوثنية، ووطئ الكافر الجارية التي أسلمت في ملكه قبل البيع.
وقد حكينا وجه الإيجاب في الجارية المشتركة في باب عتق أم الولد من تخريج الإمام، وأن الإصطخري خرج قولا في وجوب الحد على الأب إذا وطئ جارين الابن، مما إذا وطئ أخته المملوكة؛ لأجل أن الوطء في الصورتين حرام بالاتفاق، ووجوبه فيما إذا كانت الجارية موطوءة الابن أظهر؛ لقوة المشابهة، وهو ما حكاه الإمام فيها نصا عن القديم.
وحكى البندنيجي الخلاف فيما إذا كان الابن قد وطئها: وجهين.
وحكى الروياني في "التجربة" عن الأصحاب: القطع به فيما إذا كان الابن قد استولدها، وخص محل الخلاف بما إذا لم تكن مستولدة؛ وكانت موطوءة الابن.
وفي "الوسيط" الجزم بعدم الوجوب إذا حبلت من الأب، وأن الخلاف فيما إذا لما تحبل. والصحيح: ما أورده الشيخ كما تقدم.
وجارية بيت المال إذا وطئت: هل يجب الحد على واطئها؟ تقدم الكلام فيه في أواخر باب: قسم الفيء والغنيمة.
قال: وإن وطئ امرأة في نكاح مجمع على بطلانه، وهو يعتقد تحريمه: كنكاح ذوات المحارم، أي بالقرابة أو بالرضاع أو النكاح، أو استأجر امرأة للزني، فوطئها – حد، أي: خلافا لأبي حنيفة في الجميع.
أما في الأولى؛ فلقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا﴾ [النساء: ٢٢]، فجعل الله
стр. 8388
- تعالى - وطء امرأة الأب أغلظ من الزنى؛ [لأنه قال فيه: ﴿ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا﴾ [الإسراء: ٣٢]، وزاد [فيه] هاهنا: ﴿مقتا﴾، وإذا كان أغلظ من الزنى،] وجب أن يكون أولى بوجوب حده.
وروى ابن عباس عن النبي ﷺ [أنه] قال: "من وقع على ذات رحم [محرم] فاقتلوه".
قال الماوردي: وهو محمول على مواقعتها بالنكاح؛ لأن غير النكاح يستوي فيه ذات المحرم وغيرها، وإذا كان كذلك فهو عام في المحصن وغير المحصن، إلا أن الدليل قد دل على أن غير المحصن لا يقتل؛ فبقي العموم فيما عداه.
وأما فيما إذا استأجرها على الزنى؛ فلأنه عقد باطل بالإجماع؛ فلم يكن شبهة في درء الحد؛ كنكاح ذوات المحارم.
وهكذا الحكم فيما إذا تزوج بامرأة خامسة، أو بمن طلقها ثلاثا قبل أن تنكح زوجا غيره، أو بمعتدة، أو بأخت زوجته ونحوها، أو بمرتدة، أو بذات زوج، أو نكح الكافر مسلمة ووطئها.
وبمثله أجاب البغوي فيما إذا وطئ وثنية أو مجوسية بنكاح.
وعن "جميع الجوامع" في المجوسية: أنه لا يجب الحد؛ لأن في نكاحها خلافا.
وكما يجب عليه فيما ذكرناه الحد عندنا، [يجب على المرأة – أيضا – خلافا له. ولا خلاف عندنا] وعنده في أنه لو استأجر امرأة لغسل أو خبز أو غير ذلك، فزني بها - وجب [عليه] الحد.
قال: وإن وطئ في نكاح مختلف [في إباحته: كالنكاح] بلا ولي ولا شهود، ونكاح المتعة لم يحد؛ لأنه نكاح مختلف في صحته؛ فإن أبا حنيفة
стр. 8389
– ﵀ – يصحح النكاح بلا ولي، ومالك – ﵀ – يصححه بلا شهود، وابن عباس – ﵁ – يروى عنه إباحة نكاح المتعة؛ وإذا كان كذلك، لم يجب [به] الحد؛ للشبهة كما لو وطئها في عقد وليه فاسق.
وقيل: إن وطئ في نكاح بلا ولي، وهو يعتقد تحريمه – حد؛ لقوله - ?: "لا تنكح المرأة المرأة؛ إنما الزانية [هي التي] تنكح نفسها".
ولأن الاعتبار بما يعتقده؛ ألا ترى أنه لو رأى أمة [في داره] ظنها أمته، فوطئها – لا حد عليه، ولو علم أنها أجنبيه وجب الحد.
وقد روي أن رفقة جمعت ركبا فيهم امرأة، فجعلت أمرها إلى رجل، فزوجها، فجلد عمر – ﵁ – الناكح والمنكح، وهو قول أبي بكر الصيرفي.
وحكى الإمام في آخر [باب] الغصب: أن الصيدلاني قال به.
وفي الرافعي: أنه يحكي عن الإصطخري وأبي بكر الفارسي أيضا.
قال: وليس بشيء؛ لقوله ?: "ادرءوا الحدود بالشبهات"، والاختلاف شبهة.
[وأما قوله: إن الاعتبار بالاعتقاد، فهو إذا اعتقد تحريمه من طريق النظر كانت شبهة] المخالف قائمة فيه، بخلاف أمة الغير.
وأما الخبر فالمراد به تشبيهها بالزانية في تبرجها واستقلالها بضم نفسها؛ ولهذا قال: "الزانية هي التي تنكح نفسها"، ولم يقل: التي تنكح نفسها زانية.
وأما فعل عمر – ﵁ – فإنما فعل ذلك؛ تأديبا لا حدا؛ [لأنه] لا يجب الحد على المنكح ولا على الناكح إلا بعد الوطء، ولم ينقل.
فإن قيل: ما ذكرتموه من المعنى يبطل بالنبيذ؛ فإنكم تحدون فيه، وفيه شبهة المخالف.
стр. 8390
قيل: الجواب عنه من وجوه:
أحدها: أن الغرض من الحد الردع والزجر، والنكاح بلا ولي لا يفتقر إلى ذلك؛ لأنه لا غرض فيه يدعو النفس إليه، وليس كذلك [في] النبيذ؛ [فإنه لا طريق إلى استباحته]، والنفس تدعو إليه؛ فلا يمكن الزجر عنه إلا بالحد؛ ألا ترى أنا نحد من اعتقد إباحته، بخلاف النكاح بلا ولي؛ وهذا ما أورده ابن الصباغ.
والثاني – قاله الإمام – أن كل ما يحذر من الخمر فهو في النبيذ موجود، وليس كذلك الزنى.
والثالث – قاله القاضي أبو الطيب في كتاب السير -: أن الوطء في هذا النكاح لا يئول إلى حالة تحرم بالإجماع، وليس كذلك النبيذ؛ فإن له حالة تئول إلى ما يحرم بالإجماع بمعنى حالة السكر؛ فوجب الحد.
قال الإمام: وكان شيخي يحكي عن الصيرفي في ثبوت الحد على الحنفي في النكاح بلا ولي – طرد قياس النص في شرب النبيذ، وحكاه الرافعي عنه، وعن غيره، وعن الشيخ أبي علي: أنه حكى عنه القطع بأنه لا حد عليه.
وقد ذكرت في كتاب النكاح خلافا في وجوب الحد على من وطئ في نكاح المتعة؛ بناء على القول بأن ابن عباس – ﵁ – رجع عن [القول بإباحته]، وقد نسب الغزالي القول بإيجاب الحد فيه على هذا التقدير إلى القديم، وما أرده الشيخ [فهو] بناء على أنه لم يرجع عنه.
فإن قيل: إذا كان خلاف ابن عباس في حل نكاح المتعة شبهة دارئة للحد مع ثبوت تحريمه بالنص؛ فينبغي أن يجعل عطاء في إباحة الجواري شبهة دارئة للحد عمن وطئ جارية الغير بإذنه.
قيل: قد اختلف الأصحاب في ذلك:
فمنهم من رأى ذلك؛ عملا بالأصل المذكور.
ومنهم من أوجب الحد، وهو الصحيح؛ لأنه لم يصح هذا المذهب عن عطاء،
стр. 8391
وقد أشار إليه [الغزالي] في كتاب الرهن حيث قال: وقيل: [إن] مذهب عطاء إباحة الجواري.
نعم، لو ادعى الواطئ جهله بتحريم ذلك مع الإباحة، فهل يقبل؟ تقدم الكلام [عليه] في أول الباب.
فرع: إذا شهد [شاهدا زور] على نكاح [رجل] لامرأة، فلا تحل له عندنا؛ خلافا لأبي حنيفة.
فإذا وطئها الزوج وهو عالم بالحال، قال الشيخ أبو حامد والقاضي الحسين: عليه الحد دونها إن كانت مكرهة.
قال ابن الصباغ قبيل كتاب الشهادات: وفيه نظر؛ فإن التحريم مختلف فيه؛ ولأجل ذلك قال في "البحر" في باب عدد الشهود: وقال بعض أصحابنا: في وجوب الحد نظر، وأنا أقول: لا يلزم الحد؛ لأنه مختلف في إباحته، وخلاف أبي حنيفة في صحة النكاح أعظم الشبهة؛ فالوطء وطء شبهة، سواء كان عالما أو جاهلا.
قال: وإن وجد امرأة في فراشة، فظنها زوجته، أي أو مملوكته الكاملة له، فوطئها - لم يحد، [أي]: خلافا لأبي حنيفة؛ لقوله ﷺ : "ادرءوا الحدود بالشبهات ما استطعتم؛ فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خير له من أن يخطئ في العقوبة".
ولأن الحد يتبع الإثم، ولا إثم عليه.
ولأنه وطء يتعلق به تحريم المصاهرة؛ فلم يجب به الحد؛ كالوطء في النكاح الفاسد، وقبل [قوله] في دعوى ذلك؛ للاحتمال.
وأما المرأة: فإن اعتقدت ما اعتقده، فلا حد عليها أيضا.
стр. 8392
وإن علمت بالحال، وجب عليها [الحد] دونه.
وهكذا إذا استدخلت ذكر نائم أو مجنون، أو أكرهته على الوطء.
ولو ظن [الواطئ]: أنها جاريته المشتركة بينه وبين غيره، وقلنا: لا يجب الحد بوطئها مع العلم؛ كما هو الصحيح – قال الإمام: ففيه تردد، ويظهر أن يقال: لا حد؛ لأنه ظن ما لو تحققه لاندفع الحد، ويجوز أن يقال: يجب؛ لأنه علم التحريم، [ثم ظن] أنه اقترن به ما يدفع الحد، ولم يكن؛ فكان من حقه إذا علم التحريم أن يمتنع.
فرع: إذا وجدت امرأة جامل ولا زوج لها، قال البندنيجي وابن الصباغ: تسأل، فإن قالت: إنه من زنى، أقيم عليها الحد، وإن قالت: إنه من وطء شبهة، فلا حد عليها. [وقال في "الحاوي": لا يجوز أن تسأل عما يوجب حد الزنى عليها قبل الوضع، وكذا بعده إن [كان] الولد ميتا. وإن وضعته حيا سئلت؛ لما يتعلق به من حق الولد.
ولو سئلت فسكت، قال الأصحاب: لا حد عليها.
وقد ذكرت في باب ما يلحق [من النسب] عن الروياني: أن الحمل إذا كان مجهول الحال حمل على أنه من زنى، وقضية ذلك: إيجاب الحد، وهو الذي يشهد له حديث عمر السابق في أول الباب.
قال: وإن زنى بامرأة، وادعى أنه جهل تحريم الزنى: فإن كان [ممن] يجوز أن يخفى عليه بأن كان قريب العهد بالإسلام، أو نشأ في بادية بعيدة لم يحد؛ لأنه يحتمل ما يدعيه، وقد روي أن رجلا قال: زنيت البارحة، فسئل، [فقال]: ما علمت أن الله حرمه، فكتب [بذلك] إلى عمر بن الخطاب
стр. 8393
– ﵁ – فكتب: إن كان علم أن الله حرمه فحدوه، وإن لم يعلم فأعلموه، فإن عاد فارجموه.
وهكذا الحكم فيما إذا كان مجنونا، فأفاق، ووطئ لوقته، ثم ادعى ذلك – يصدق.
قال الماوردي: ولا يلزم إحلافه؛ استظهارا؛ لأنه الظاهر من حاله.
ولو ادعى من ذكرناه العلم بالتحريم، وأنه لم يعلم تعلق الحد به – فقد جعله الإمام على التردد الذي ذكرناه فيما إذا وطئ امرأة على ظن أنها جاريته المشتركة بينه وبين غيره، وكانت غيرها، أما إذا كان قد نشأ [فيما] بين المسلمين وهو عاقل، حد؛ لأن الظاهر خلاف ما يدعيه، ولو ادعى في هذه الحالة جهله بكون المرأة معتدة حال النكاح والوطء، أو أنها ذات زوج – حلف إن كان ما يدعيه ممكنا، [ودرئ عنه] الحد. نص عليه.
وعن القاضي أبي حامد أنه قد قيل: إن اليمين استظهارا. وهذا يوافق ما حكيناه عن "الحاوي".
تنبيه: نشأ في بادية، مهموز، يقال: نشأ ينشأ [نشئا] ونشوءا -[بالواو]- وأنشأه الله: خلقه، والاسم: النشأة، والنشأة [بالمد]: [الحدث: الذي جاوز الصغر، والجارية ناشئ أيضا، والجمع: النشء].
قال: وإن وطئ امرأته في الموضع المكروه، أي: المحروم وهو الدبر [عزر]، أي: ولا يجب عليه الحد؛ لأنه مختلف في إباحته، ولأنها محل استمتاعه على الجملة؛ وهذا ما أورده القاضي الحسين، ولفظ "المختصر" – كما نقله ابن الصباغ -: أنه ينهاه الإمام، فإن عاد عزره. ولعل محل النهي إذا جهل تحريم ذلك.
стр. 8394
وحكى [الرافعي] طريقة أخرى [قاطعة]: بأن حكمه حكم من وطئ أخته [بملك اليمين]؛ فيكون على القولين.
وعلى [هذا] جرى الغزالي؛ حيث قال: وجب على التعزيز على المذهب، وقال الإمام في باب إتيان النساء في أدبارهن: إن تخريجه على القولين في وطء مملوكته المحرمة عليه لم يشر إليه أحد من الأصحاب، لا تصريحا ولا تعريضا، بل صرحوا بنفي الحد لما فرعوا على القول القديم في وطء مملوكته المحرمة عليه، وقطعوا بأن وطء الزوجة في حال الحيض لا يوجب الحد. ثم قال: والإتيان في غير المأتى بين وطء الحائض وبين وطء المملوكة المزوجة، وتشبيهه بوطء الحائض أقرب.
وحكم وطء أمته في الموضع المكروه بالنسبة إلى الحد وعدمه، حكم وطء الزوجة، وأما لحوق النسب ففيه خلاف سبق، وقد حكاه الإمام في كتاب النكاح، وهذا فيما إذا كانت الأمة حلالا له، فلو كانت أخته أو مجوسية ونحوها، قال في "المحيط": فالمذهب: وجوب الحد.
قال: وإن وطئها [وهي حائض] عزر، أي: ولا يحد.
أما انتفاء الحد؛ فلأن ذلك جرى في محل استمتاعه؛ فكان شبهة.
وأما وجوب التعزيز؛ فلأنه محرم، كما سبق دليله في باب الحيض، ولا حد فيه ولا كفارة.
وعن "حلية" الشاسي: أن الجديد: [أنه] لا شيء عليه سوى التوبة والاستغفار. وكأنه أخذه من ظاهر قوله في "المختصر" فإن وطئ في الدم استغفر الله – تعالى – ولا يعود.
قال [الشيخ- ﵀:] وقال في القديم: [إن كان في] إقبال الدم، وجب عليه دينار، وإن كان في إدباره، وجب عليه نصف دينار؛ لما روى ابن عباس أنه ﵇ قال في الذي أتى امرأته وهي حائض: "يتصدق
стр. 8395
بدينار أو بنصف دينار"، وعلى هذا فما المراد بإقبال الدم وإدباره؟
قيل: إقباله: ما قبل انقطاعه، وإدباره: ما بعد انقطاعه، وهذا منسوب إلى أبي إسحاق. قال الإمام: وهو درئ لا تعويل عليه.
وقيل: إقباله: حالة قوة الدم، كالأسود بالنسبة إلى الأحمر، وإدباره: حالة ضعفه، كالأحمر بالنسبة إلى الأسود.
[ثم يصرف] المأخوذ إلى الفقراء أو المساكين.
وحكى بعض الأصحاب: أنه يجب عليه عتق رقبة كما ذهب إليه عمر – ﵁ – وهو في "الحاوي" معزى إلى قول سعيد بن جبير.
والصحيح الجديد: أنه لا غرم؛ لأنه وطء محرم للأذى، فلم يتعلق به غرم كالوطء في الدبر، وأما الحديث فقد أوقف الشافعي – ﵁ – في القديم العمل به على صحته، فمنهم من قال: لم يصح، ومنهم من قال: إنه صح، لكنه منسوخ؛ فإنه ورد في ابتداء الإسلام، وكانت العقوبات بالأموال، ثم ورد ما نسخه، وهو قوله ﷺ : "إن الله لم يجعل في المال حقا سوى الزكاة".
قال: ولا يقيم الحد [على الحر] إلا الإمام أو من فوض إليه الإمام؛ لأنه لم يقم حد على عهد رسول الله ﷺ إلا بإذنه، ولا في أيام الخلفاء – ﵃ – إلا بإذنهم.
وعن "تتمة التتمة": أن الشيخ أبا سعيد المتولي حكى عن رواية القفال قولا: أنه يجوز [استيفاؤه للآحاد]؛ على سبيل الحسبة؛ كالأمر بالمعروف.
قال الرافعي في قتال أهل البغي: ولا يجوز للإمام أن يتخذ جلادا كافرا لإقامة الحدود.
стр. 8396
قال: ويجوز للولي – أي: المكلف، الرشيد، الحر، العدل، العالم بقدر الحدود وأسبابها – أن يقيم الحد على عبده وأمته؛ لما روى النسائي عن علي – كرم الله وجهه – عن النبي ﷺ أنه قال: ["أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم"، وروى مسلم عن أبي هريرة قال]: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر"، وفي رواية: "ولو بضفير أو بحبل من شعر"، وفي رواية لأبي داود أنه قال: في كل مرة: "فليضربها كتاب الله ولا يثرب عليها". وقال الرابعة: "فإن عادت فليضربها كتاب الله، ثم ليبعها ولو بحبل من شعر"، وأخرجه البخاري ومسلم بنحوه.
والمذكور في كتاب الله – سبحانه – عقوبة للزاني هو الحد، لا التعزيز والتثريب والتعيير والتبكيت.
стр. 8397
قال القاضي الحسين: والبيع المذكور في الحديث منسوخ.
وحكى الطحاوي عن أبي ثور: أنه قال بوجوبه بعد الرابعة، وعن [ابن القاص تخريج قولين في إقامته على العبد، وكأنه ألحق ذلك بالإجبار على النكاح، ولم يساعده الأصحاب على ذلك، وقطعوا بأن له إقامة الحد عليهما.
وقيل: [إن ثبت بالإقرار جاز [له]]، وإن ثبت بالنية لم يجز، والمذهب الأول.
ظاهر كلام الشيخ في [حكاية] هذه الطريقة يقتضي خلاف المراد؛ لأنه [يقتضي أن الحد إذا ثبت بالنية عند الحاكم على عبده وأمته ليس له إقامته، وإن ثبت بإقرارهما [فله]، وليس كذلك، بل المنقول في "تعليق" البندنيجي و"الشامل" وغيرهما: أنه [له] في الحالين.
قال القاضي الحسين: ولا يستأذن الحاكم فيه، وإنما المراد أن السيد هل يسمع البنية على رقيقه بما يوجب الحد عليه أم لا؟
فعلى وجه نسبه القاضي أبو الطيب إلى ابن أبي هريرة: أنه ليس له ذلك؛ لأن ثبوت الشيء بالبنية يتوقف على معرفة عدالتها، وربما أفضى ذلك إلى طلب التزكية، وهذا منصب الحكام.
وعلى وجه – وهو المنصوص [و] الصحيح -: له سماع البنية والبحث عنها، والتجريح والتعديل إذا كان عالما بصفات الشهود، فإذا عرف ذلك حده؛ لأنه سبب يملك به الحاكم إقامة الحد، فملك به السيد ذلك؛ كالإقرار. وعلى هذا: لو علم السيد [سبب وجوب الحد، وقلنا: للقاضي أن يقضي بعلمه في الحد، كان للسيد] أن يقيم الحد، وإلا فلا يجوز.
وفي "الحاوي": أنه إذا جوز ذلك للحاكم ففي جوازه للسيد وجهان؛ لاختلاف الوجهين في جواز حده بالبينة.
стр. 8398
قال القاضي الحسين: والعلم في ذلك يحصل بأن يعترف عنده، ولم تكن بينة؛ أو قال: رأيته يزني. وجعل محل الجلد بالإقرار المتفق عليه ما إذا أقر عبده بين يدي الشهود.
ولا فرق في الحد المفوض إلى السيد بين الجلد والتغريب على المذهب في تعليق القاضي الحسين، والصحيح في غيره، وعن بعض الأصحاب – وربما نسب إلى ابن سريج -: أن التغريب للإمام؛ تمسكا بقوله ﷺ : "إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها"، فاقتصر على الإذن في الجلد.
قال القاضي أبو الطيب: وهو غلط؛ لأن ابن عمر جلد أمة له زنت ونفاها إلى فدك.
وكما يجوز للسيد إقامة الحد على مملوكه يجوز للإمام – أيضا – حتى إذا ابتدر أحدهما فاقامه، وقع الموقع.
وعن رواية الشيخ أبي خلف الطبري وجهان في أن: الأولى للسيد أن يقيم الحد بنفسه؛ ليكون أستر، وكي لا تنقص قيمة العبد بظهور زناه، أو الأولى أن يفوضه الإمام؛ ليخرج من الخلاف؟
وإذا تنازع في إقامته السيد والإمام، فمن الأولى منهما؟ فيه احتمالان للإمام، أظهرهما: أنه للإمام؛ لولايته العامة؛ كما أنه أولى بإمامة الصلاة.
قال: فإن كان المولى فاسقا أو امرأة فقد قيل: لا يقيم؛ لأنها ولاية في إقامة الحد فمنع منها الفاسق والمرأة كولاية النكاح، وهذا ما نسبه القاضي أبو الطيب وغيره في الفاسق إلى أبي إسحاق، وفي المرأة إلى ابن أبي هريرة، وعلى هذا ما يقيمه على رقيق المرأة؟ فيه وجهان:
أحدهما: وليها؛ كما يزوج أمتها.
والثاني – وهو الأظهر في "الرافعي"-: الحاكم.
والوجهان محكيان في الطريقين.
стр. 8399
وقيل: يقيم، وهو الأصح:
أما في الفاسق؛ فلمعلوم الخبر، ولأنها ولاية تستحق بالملك فلم تعتبر فيها العدالة كتزويج أمته، وهذا ما نص عليه في القديم، كما حكاه القاضي أبو الطيب وابن الصباغ.
وأما في المرأة؛ فلما روى الشافعي – ﵁ – بسنده: أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ جلدت أمة لها زنت [الحد]، وأن عائشة – ﵂ – قطعت جارية لها سرقت، وحفصة قتلت جارية لها سحرتها، ولم ينكر عليهن أحد. وقد وافق الشيخ على التصحيح الجمهور، [فعلى هذا: هل تقيم المرأة الحد بنفسها، أو تأمر رجلا يستوفيه؟ فيه وجهان في "تعليق" القاضي الحسين:
أحدهما: تقيمه بنفسها؛ كالتعزيز؛ وهذا ما أورده البندنيجي.
والثاني: توكل رجلا؛ وهو اختيار المزني.
قال القاضي: ونظيره إذا ثبت لها القصاص مع جماعة، وأرادوا الاستيفاء، ففي وجه: لا تدخل [المرأة] في القرعة، وفي وجه: تدخل، ثم إذا خرجت قرعتها أمرت رجلا بالاستيفاء.
وقياس القاضي الوجه الأول على التعزيز يفهم أنها تقيمه وجها واحدا.
وقد حكى الرافعي وجها: أن السيد لا يعزر عبده لحق الله تعالى؛ لأن التعزيز غير مضبوط؛ فيفتقر إلى نظر واجتهاد.
قال: وإن كان مكاتبا [فقد قيل: يقيم؛ لعموم الخبر، ولأنها ولاية مستفادة من الملك فأشبهت سائر تصرفاته؛ وهذا ما اختاره الرافعي والنواوي.
وقيل: لا يقيم، وهو الأصح؛ لأن ملكه غير تام.
وأيضا: فذاك ولاية، والمكاتب ليس من أهل الولايات.
وقد وافق الشيخ على [تصحيح هذا البغوي].
стр. 8400
وعلى هذا: فمن يستوفيه؟
حكى القاضي الحسين عن القفال: أنه سيد المكاتب، وأنه طرد ذلك فيما إذا زنى المكاتب: أن له إقامة الحد عليه؛ لأن ملكه باق عليه، ولا عبرة بجواز التصرف؛ كما يقيم على أم ولده وعلى عبده المرهون وأمته المزوجة، وهذا هو حكاه الرافعي عن تخريج ابن القطان.
والمذهب في كتاب ابن كج: أن السيد لا يقيم الحد على عبد مكاتبه.
وقد بنى القاضي الحسين الخلاف في المكاتب والفاسق والمرأة على أن الرجل الحر استفاد إقامة الحد على رقيقه لماذا؟ وفيه معنيان:
أحدهما: بحكم الولاية؛ فعلى هذا: لا يقيمه المذكورون؛ وكذا إذا كان السيد ذميا، وهو المذهب [فيه].
والثاني: لتحصين الملك، فعلى هذا يملكون إقامة ذلك؛ وكذلك الذمي يملكه على أمته المسلمة؛ كما له [أن يزوجها].
وقضية هذا الأصل المذكور: أن يكون الصحيح في الصور المذكورة واحدا، وهو قضية ما ذكره البندنيجي، فإنه قال: الحكم في الفاسق والمكاتب واحد.
لكن الذي رجحه القاضي الحسين وغيره في المرأة والفاسق والمكاتب – ما رجحه الشيخ.
قال القاضي الحسين: ويخرج على [هذين الوجهين] ولي الطفل في ماله. ثم قال: وفيه نظر؛ لأن الحد إنما يولي بالتولية أو بالملك، وليس له واحد منهما؛ لأنه لا ملك له، والسلطان لم يوله ذلك. وهذا الكلام [قد] يفهم: أن الأب [أو الجد] بقيمه جزما، وإن جرى الخلاف في القيم والوصي، وهذه طريقة صرح بها الرافعي هكذا، وحكى طريقة أخرى طاردة للخلاف في الجميع، قال: وربما بني الخلاف على الخلاف في [أن] ولي الطفل: هي يزوج
стр. 8401
رقيقة أم لا؟ وهو ما صرح به الفوراني في الوصي، ويشبه أن يقال: إن جعلنا [الحد] استصلاحا، فلهم إقامته. وإن قلنا: يقام بطريق الولاية، ففيه الخلاف.
فرع: من بعضه حر وبعضه رقيق لا يملك إقامة الحد على ما ملكه ببعضه الحر، وكذا لا يملك مالك [بعضه] الرقيق إقامة الحد عليه إذا فعل موجبه اتفاقا، قاله الماوردي.
وقال الإمام: رأيت في نسخة من "تعليق" الصيدلاني إلحاقه بالمدبر، وهو خطأ صريح، [ولعله من] علل النسخ.
ولو كان العبد بين شركاء وزعت السياط على قدر أملاكهم، فإن وقع كسر فوضوا المنكسر إلى أحدهم، أما إذا لم يكن السيد عالما بالحدود، قال في "الحاوي": منع من إقامتها؛ لأنه لم يعلم وجوب الحد حتى يرجع فيه إلى غيره، فإن رجع إلى حاكم جاز أن يعمل على قوله فيما حكم به من وجوب وإسقاط، ويقوم باستيفاء ما حكم به الحاكم، وليس للإمام نقصه، وإن رجع فيه إلى استيفائه، نظر: فإن كان الحد متفقا [على وجوبه] [جاز للسيد أن يستوفيه بقول من أفتاه، وإن كان مختلفا في وجوبه] ففي جواز استيفاء الحد بفتياه وجهان.
وفي "الرافعي" [حكاية] عن "البيان" وغيره أنه: هل يجوز أن يكون السيد جاهلا؟ ينبني على أن استصلاح أو ولاية، فعلى الثاني يكفي أن يكون عالما بمقدار الحد وكيفيته.
قال: ولا يقيم الحد في المسجد؛ لما روي أبو داود عن حكم بن حزام [أنه] قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يستفاد في المسجد، وأن تنشد فيه الأشعار، وأن تقام فيه الحدود"، والمعنى فيه خشية تلويث المسجد بما
стр. 8402
يحصل من المحدود من حدث ودم جراحه قد يتفق، وهذا على وجه الكراهة كما صرح به [القاضي] أبو الطيب وابن الصباغ قبيل باب قتال أهل الردة.
وكلام الرافعي يفهم أن ذلك محرم؛ لأنه قال: فلو جلد في المسجد سقط الفرص كما لو صلى أن ذلك محرم؛ لأنه قال: فلو جلد في المسجد سقط الفرص كما لو صلى في [مكان مغصوب].
وكما لا يجلد حدا في المسجد لا يجلد تعزيزا فيه، وهل يجوز إقامة الحدود في دار الحرب؟ قال القاضي الحسين في كتاب السير: الذي نص عليه هنا: أنها تقام، وهو المنصوص في "سير" الأوزاعي كما قاله البندنيجي، ونص في موضع آخر [على] أنها تؤخر إلى أن يخرج من دار الحرب، وهو ما نص عليه في "سير" الواقدي، وقد استدل له بما روى زيد بن ثابت أنه قال: "لا تقام الحدود في دار الحرب؛ مخافة أن يلحق أهلها بالعدو"، وعن عمر – ﵁ – أنه كتب إلى عماله: ألا يقيموا حدا على أحد من المسلمين في دار الحرب.
فمن أصحابنا من جعل في الاستيفاء قولين، ولم يورد الفوراني هنا سواهما.
ومنهم من قال: المسألة على حالين، فحيث قال: لا يستوفي، أراد: إذا كان [في المسلمين] ضعف، وهو بعيد من دار الإسلام؛ مخافة هيجان الفتنة، وحيث قال: يستوفي، أراد: إذا كان [في المسلمين] ضعف، وهو بعيد من دار الإسلام؛ مخافة هيجان الفتنة، وحيث قال: يستوفي، أراد: إذا كان في المسلمين قوة، وكان قريبا من دار الإسلام يأمن هيجان الفتنة.
ومنهم من قال: حيث قال: يستوفى أراد: إذا كان الإمام قد فوض استيفاء الحدود إلى أمير الجيش، وحيث قال: لا يستوفي، أراد إذا لم يكن قد فوض ذلك إليه، وعلى طريقة نفي الخلاف جرى البندنيجي والماوردي والقاضي أبو الطيب، وادعى ابن الصباغ اتفاق أصحابنا عليها، وحمل النص الأول على [حالة] تفرغ الإمام، والثاني على حالة اشتغاله بتدبير الجيش وما هو أهم من ذلك.
قال: ولا يجلد في حر شديد، ولا [في] برد شديد، ولا في مرض
стр. 8403
يرجى برؤه حتى يبرأ؛ لأن المقصود من إقامة الحد الردع والزجر دون القتل، وإقامة الحد في الحر والبرد [والمرض] معين على قتله.
وعن رواية أبي الحسين [بن] القطان وجه: أن المريض لا يؤخر [حده]، بل يضرب بحسب ما يحتمله، كما سنذكره.
[وعلى هذا]: لو ضرب بما يحتمله، ثم برئ، فهل يقام عليه حد الأصحاء؟ فيه وجهان عن رواية ابن كج أيضا.
وعلى الأول: هل يحبس في هذه الحالة إلى أن يستوفي منه الحد؟ قال الإمام: لا سبيل إلى تخليته، وفيه فضل نظر: فإن ثبت بالبنية فيتجه حبسه؛ كما تحبس الزانية الحامل. وإن ثبت بالإقرار، فالحبس محتمل عندي؛ فإنه إن كان لا يستسلم لحق الله – تعالى – فهين عليه الرجوع عن الإقرار، ويشهد لذلك حديث الغامدية؛ فإنها لما أقرت بالزنى، وكانت حاملا – لم يحبسها رسول الله ?، وخلاها حتى تضع.
ويجوز أن يقال: يحبس المقر، فإن رجع عن الإقرار خلي سبيله.
قال: فإن جلد في هذه الأحوال، فمات، فالمنصوص: أنه لا يضمن، وقيل: فيه قولان سبق توجيههما وتقريرهما في باب: ما تجب به الدية من الجنايات. وللخلاف فرع لم يذكره [ثم،] وهو أن الامتناع من إقامة الحد في هذه الأحوال، هل هو على سبيل الاستحباب أو الوجوب؟ قال الإمام: إن قلنا: لا يضمن، كان على سبيل الاستحباب، وإن قلنا: يضمن، فوجهان:
أحدهما: أن التأخير واجب، وإنما ضمناه؛ لتعديه بترك الواجب.
والثاني: أنه يجوز التعجيل، ولكن بشرط سلامة العاقبة؛ كما في التعزير.
стр. 8404
قال الرافعي: وقد يفرق بأن التعزير غير مقدر، فيقال: التعزير المأمور به هو الذي لا يهلك، فإذا أهلك تبين أنه لم يقتصر على المأمور [به]، والحد مأمور به مع كونه مهلكا، فإنه لو والى متعد بضرب مائة سوط وجب القصاص، وأطلق الشيخ في المهذب وغيره القول بأنه لا يجوز التعجيل في هذه الأحوال.
قال الرافعي: ويجوز أن يقال بوجوب التأخير مع الاختلاف في وجوب الضمان لو لم يؤخر؛ كما نقول: يجب على الآحاد تفويض إهلاك [الزاني] المحصن إلى الإمام، [مع الخلاف في وجوب الضمان] لو قتله قاتل بغير إذن الإمام.
قال: ولا تجلد المرأة في حال الحبل حتى تضع وتبرأ من ألم الولادة، أي: وينقطع دم النفاس؛ لأن في استيفائه قبل ذلك إتلافا لولدها، ولم يجن وربما كان فيه معونة على قتلها؛ لأن الحامل الولد تضعف [قوتها]، وقد روى مسلم في "صحيحه" قال: خطب [علي – ﵁ –] فقال: أيها الناس، أقيموا على أقارئكم الحد: من أحصن منهم، ومن لم يحصن؛ فإن أمة لرسول الله ﷺ زنت، فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديثة عهد بنفاس؛ فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "أحسنت"، وفي رواية: "اتركها حتى تتماثل"، ولم يذكر: "من أحصن منهم، ومن لم يحصن".
ولو حدت في حال الحمل، فأجهضت [نظر: فإن لم يعلم بحملها، فإن سقط الجنين ميتا وجبت فيه غرة، وإن وضعته حيا، ثم مات، وجبت ديته، وهل يكون ذلك على عاقلة الإمام أو في بيت المال؟ فيه القولان والكفارة، على التفصيل السابق، وإن كان عالما بحملها، فذلك بمنزلة شبه العمد؛ فيكون في محل الغرة أو الدية القولان.
стр. 8405
قال القاضي أبو الطيب: ومن أصحابنا من قال: تكون على عاقلته قولا واحدا؛ لأن ذلك تعد من جهة الإمام بضرب من العمد، ولا يحمل بيت المال إلا ما كان خطأ، وهذه الطريقة لم يورد الإمام سواها، وقد ذكرنا الطريقين من قبل هذا في بدل الجنين.
وأما الأم [إذا ماتت] فإن قيل: إنها ماتت في إقامة الحد؛ لم يضمن، وإن قيل: إنها ماتت من الإسقاط، وجب الضمان، وإن قيل: إنها ماتت منهما، سقط النصف، ووجب النصف، وهل يكون على عاقلة الإمام أو في بيت المال؟ فيه القولان.
قال القاضي أبو الطيب: سمعت [الشيخ] أبا الحسن الماسرجسي يقول: سمعت أبا علي بن أبي هريرة يقول: فيه قول آخر: أن الأم تضمن كالجنين؛ لأنه متعد بضربها؛ فإنه مأمور بتأخير الضرب حتى تضع.
وقد مضى في باب ما تجب به الدية من الجنايات استقصاء ذلك.
قال: ولا يجلد بسوط جديد، أي: يجرح، ولا ببال، [أي]: لا يؤلم؛ [لما روى الشافعي – ﵁ – عن مالك عن زيد بن أسلم: "أن رجلا اعترف عند رسول الله ﷺ بالزنى، فدعا له رسول الله ﷺ بسوط فأتى بسوط مكسور فقال: فوق [هذا،] فأتي بسوط جديد لم يكسر ثمره، فقال: بين هذين".
قال ابن الصباغ: وقد روي هذا الحديث مسندا [عن أبي هريرة] عن النبي صلى الله عليه وسلم
следующие страницы →