Полный текст (9 685 стр.). Показаны 8401–8440 · переход к 8406.
стр. 8401
رقيقة أم لا؟ وهو ما صرح به الفوراني في الوصي، ويشبه أن يقال: إن جعلنا [الحد] استصلاحا، فلهم إقامته. وإن قلنا: يقام بطريق الولاية، ففيه الخلاف.
فرع: من بعضه حر وبعضه رقيق لا يملك إقامة الحد على ما ملكه ببعضه الحر، وكذا لا يملك مالك [بعضه] الرقيق إقامة الحد عليه إذا فعل موجبه اتفاقا، قاله الماوردي.
وقال الإمام: رأيت في نسخة من "تعليق" الصيدلاني إلحاقه بالمدبر، وهو خطأ صريح، [ولعله من] علل النسخ.
ولو كان العبد بين شركاء وزعت السياط على قدر أملاكهم، فإن وقع كسر فوضوا المنكسر إلى أحدهم، أما إذا لم يكن السيد عالما بالحدود، قال في "الحاوي": منع من إقامتها؛ لأنه لم يعلم وجوب الحد حتى يرجع فيه إلى غيره، فإن رجع إلى حاكم جاز أن يعمل على قوله فيما حكم به من وجوب وإسقاط، ويقوم باستيفاء ما حكم به الحاكم، وليس للإمام نقصه، وإن رجع فيه إلى استيفائه، نظر: فإن كان الحد متفقا [على وجوبه] [جاز للسيد أن يستوفيه بقول من أفتاه، وإن كان مختلفا في وجوبه] ففي جواز استيفاء الحد بفتياه وجهان.
وفي "الرافعي" [حكاية] عن "البيان" وغيره أنه: هل يجوز أن يكون السيد جاهلا؟ ينبني على أن استصلاح أو ولاية، فعلى الثاني يكفي أن يكون عالما بمقدار الحد وكيفيته.
قال: ولا يقيم الحد في المسجد؛ لما روي أبو داود عن حكم بن حزام [أنه] قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يستفاد في المسجد، وأن تنشد فيه الأشعار، وأن تقام فيه الحدود"، والمعنى فيه خشية تلويث المسجد بما
стр. 8402
يحصل من المحدود من حدث ودم جراحه قد يتفق، وهذا على وجه الكراهة كما صرح به [القاضي] أبو الطيب وابن الصباغ قبيل باب قتال أهل الردة.
وكلام الرافعي يفهم أن ذلك محرم؛ لأنه قال: فلو جلد في المسجد سقط الفرص كما لو صلى أن ذلك محرم؛ لأنه قال: فلو جلد في المسجد سقط الفرص كما لو صلى في [مكان مغصوب].
وكما لا يجلد حدا في المسجد لا يجلد تعزيزا فيه، وهل يجوز إقامة الحدود في دار الحرب؟ قال القاضي الحسين في كتاب السير: الذي نص عليه هنا: أنها تقام، وهو المنصوص في "سير" الأوزاعي كما قاله البندنيجي، ونص في موضع آخر [على] أنها تؤخر إلى أن يخرج من دار الحرب، وهو ما نص عليه في "سير" الواقدي، وقد استدل له بما روى زيد بن ثابت أنه قال: "لا تقام الحدود في دار الحرب؛ مخافة أن يلحق أهلها بالعدو"، وعن عمر – ﵁ – أنه كتب إلى عماله: ألا يقيموا حدا على أحد من المسلمين في دار الحرب.
فمن أصحابنا من جعل في الاستيفاء قولين، ولم يورد الفوراني هنا سواهما.
ومنهم من قال: المسألة على حالين، فحيث قال: لا يستوفي، أراد: إذا كان [في المسلمين] ضعف، وهو بعيد من دار الإسلام؛ مخافة هيجان الفتنة، وحيث قال: يستوفي، أراد: إذا كان [في المسلمين] ضعف، وهو بعيد من دار الإسلام؛ مخافة هيجان الفتنة، وحيث قال: يستوفي، أراد: إذا كان في المسلمين قوة، وكان قريبا من دار الإسلام يأمن هيجان الفتنة.
ومنهم من قال: حيث قال: يستوفى أراد: إذا كان الإمام قد فوض استيفاء الحدود إلى أمير الجيش، وحيث قال: لا يستوفي، أراد إذا لم يكن قد فوض ذلك إليه، وعلى طريقة نفي الخلاف جرى البندنيجي والماوردي والقاضي أبو الطيب، وادعى ابن الصباغ اتفاق أصحابنا عليها، وحمل النص الأول على [حالة] تفرغ الإمام، والثاني على حالة اشتغاله بتدبير الجيش وما هو أهم من ذلك.
قال: ولا يجلد في حر شديد، ولا [في] برد شديد، ولا في مرض
стр. 8403
يرجى برؤه حتى يبرأ؛ لأن المقصود من إقامة الحد الردع والزجر دون القتل، وإقامة الحد في الحر والبرد [والمرض] معين على قتله.
وعن رواية أبي الحسين [بن] القطان وجه: أن المريض لا يؤخر [حده]، بل يضرب بحسب ما يحتمله، كما سنذكره.
[وعلى هذا]: لو ضرب بما يحتمله، ثم برئ، فهل يقام عليه حد الأصحاء؟ فيه وجهان عن رواية ابن كج أيضا.
وعلى الأول: هل يحبس في هذه الحالة إلى أن يستوفي منه الحد؟ قال الإمام: لا سبيل إلى تخليته، وفيه فضل نظر: فإن ثبت بالبنية فيتجه حبسه؛ كما تحبس الزانية الحامل. وإن ثبت بالإقرار، فالحبس محتمل عندي؛ فإنه إن كان لا يستسلم لحق الله – تعالى – فهين عليه الرجوع عن الإقرار، ويشهد لذلك حديث الغامدية؛ فإنها لما أقرت بالزنى، وكانت حاملا – لم يحبسها رسول الله ?، وخلاها حتى تضع.
ويجوز أن يقال: يحبس المقر، فإن رجع عن الإقرار خلي سبيله.
قال: فإن جلد في هذه الأحوال، فمات، فالمنصوص: أنه لا يضمن، وقيل: فيه قولان سبق توجيههما وتقريرهما في باب: ما تجب به الدية من الجنايات. وللخلاف فرع لم يذكره [ثم،] وهو أن الامتناع من إقامة الحد في هذه الأحوال، هل هو على سبيل الاستحباب أو الوجوب؟ قال الإمام: إن قلنا: لا يضمن، كان على سبيل الاستحباب، وإن قلنا: يضمن، فوجهان:
أحدهما: أن التأخير واجب، وإنما ضمناه؛ لتعديه بترك الواجب.
والثاني: أنه يجوز التعجيل، ولكن بشرط سلامة العاقبة؛ كما في التعزير.
стр. 8404
قال الرافعي: وقد يفرق بأن التعزير غير مقدر، فيقال: التعزير المأمور به هو الذي لا يهلك، فإذا أهلك تبين أنه لم يقتصر على المأمور [به]، والحد مأمور به مع كونه مهلكا، فإنه لو والى متعد بضرب مائة سوط وجب القصاص، وأطلق الشيخ في المهذب وغيره القول بأنه لا يجوز التعجيل في هذه الأحوال.
قال الرافعي: ويجوز أن يقال بوجوب التأخير مع الاختلاف في وجوب الضمان لو لم يؤخر؛ كما نقول: يجب على الآحاد تفويض إهلاك [الزاني] المحصن إلى الإمام، [مع الخلاف في وجوب الضمان] لو قتله قاتل بغير إذن الإمام.
قال: ولا تجلد المرأة في حال الحبل حتى تضع وتبرأ من ألم الولادة، أي: وينقطع دم النفاس؛ لأن في استيفائه قبل ذلك إتلافا لولدها، ولم يجن وربما كان فيه معونة على قتلها؛ لأن الحامل الولد تضعف [قوتها]، وقد روى مسلم في "صحيحه" قال: خطب [علي – ﵁ –] فقال: أيها الناس، أقيموا على أقارئكم الحد: من أحصن منهم، ومن لم يحصن؛ فإن أمة لرسول الله ﷺ زنت، فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديثة عهد بنفاس؛ فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "أحسنت"، وفي رواية: "اتركها حتى تتماثل"، ولم يذكر: "من أحصن منهم، ومن لم يحصن".
ولو حدت في حال الحمل، فأجهضت [نظر: فإن لم يعلم بحملها، فإن سقط الجنين ميتا وجبت فيه غرة، وإن وضعته حيا، ثم مات، وجبت ديته، وهل يكون ذلك على عاقلة الإمام أو في بيت المال؟ فيه القولان والكفارة، على التفصيل السابق، وإن كان عالما بحملها، فذلك بمنزلة شبه العمد؛ فيكون في محل الغرة أو الدية القولان.
стр. 8405
قال القاضي أبو الطيب: ومن أصحابنا من قال: تكون على عاقلته قولا واحدا؛ لأن ذلك تعد من جهة الإمام بضرب من العمد، ولا يحمل بيت المال إلا ما كان خطأ، وهذه الطريقة لم يورد الإمام سواها، وقد ذكرنا الطريقين من قبل هذا في بدل الجنين.
وأما الأم [إذا ماتت] فإن قيل: إنها ماتت في إقامة الحد؛ لم يضمن، وإن قيل: إنها ماتت من الإسقاط، وجب الضمان، وإن قيل: إنها ماتت منهما، سقط النصف، ووجب النصف، وهل يكون على عاقلة الإمام أو في بيت المال؟ فيه القولان.
قال القاضي أبو الطيب: سمعت [الشيخ] أبا الحسن الماسرجسي يقول: سمعت أبا علي بن أبي هريرة يقول: فيه قول آخر: أن الأم تضمن كالجنين؛ لأنه متعد بضربها؛ فإنه مأمور بتأخير الضرب حتى تضع.
وقد مضى في باب ما تجب به الدية من الجنايات استقصاء ذلك.
قال: ولا يجلد بسوط جديد، أي: يجرح، ولا ببال، [أي]: لا يؤلم؛ [لما روى الشافعي – ﵁ – عن مالك عن زيد بن أسلم: "أن رجلا اعترف عند رسول الله ﷺ بالزنى، فدعا له رسول الله ﷺ بسوط فأتى بسوط مكسور فقال: فوق [هذا،] فأتي بسوط جديد لم يكسر ثمره، فقال: بين هذين".
قال ابن الصباغ: وقد روي هذا الحديث مسندا [عن أبي هريرة] عن النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 8406
والمذكور في "الموطأ" أنه أتي بسوط لم يقطع ثمره، فقال: "دون هذا، فأتي بسوط قد ركب به ولان، فأمر به رسول الله ﷺ فجلد، ثم قال: "أيها الناس، قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله، من أصاب من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله؛ فإنه من يبين لنا صفحته نقم عليه كتاب الله".
ولأن في الضرب بالجديد زيادة ألم، وبالتالي فوات المقصود، وهكذا الحكم فيما إذا [أراد الضرب] بقضيب فليكن متوسطا: لا رطبا [طريا]؛ لأنه بثقله يشق الجلد ويغوص في البدن، ولا في غاية اليبوسة فلا يؤلم ويتشظى.
قال: ولا يمد ولا يشد يديه، ولا يجرد، بل يكون عليه قميص؛ لما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: لا يحل في هذه الأمة تجريد ولا مد ولا صفد، والصفد: القيد والشد، وروي أن رجلا أتى أبا عبيدة بن الجراح فأقر عنده بالزنى، فقال [أبو عبيدة: اضربوه وعليه قميص. وأيضا: فإنه لم ينقل أن النبي ﷺ أمر بالمد والشد والتجريد، ولو كان لنقل، كما نقل الحد.
وحكمه عدم الشد: أن يتقي بيديه ما يخاف من تكرر الضرب عليه شدة الألم؛ فيضعهما عليه.
قال: ولا يبالغ في الضرب، أي: يرفع يده فوق رأسه، فينهر الدم؛ لما روي عن علي – كرم الله وجهه – عن النبي ﷺ أنه قال: "سوط بين سوطين، وضرب بين ضربين". كذا قاله ابن الصباغ وغيره ولم يسنده للرسول ﷺ .
وروى أبو بكر بن المنذر أن عمر بن الخطاب أتى برجل يريد أن يضربه فدعا بسوط، فقال: ائتوني بألين منه، فأتي بألين منه، فقال: ائتوني بأشد منه، فأتي بسوط
стр. 8407
بين السوطين، فقال: اضربه ولا ترين إبطك، وأعط كل عضو حقه. كذا ذكره أبو الطيب، وروي أن عمر ﵁ – أتي بامرأة راعية أتاها راع، فقال: ويح المرية، أفسدت حسبها، اذهبا بالمرية فاضرباها ولا تخرقوا جلدها.
ولأن القصد من إقامة الحدود الردع والزجر دون الإتلاف؛ وذلك يحصل بالضرب بين الضربين.
ومعنى "ينهر الدم"، أي: يسيل، مشبه بجري الماء في النهر، ويقال: نهر وأنهرته، أي: سال وأسلته، وهو – بفتح الياء والهاء – ولو قرئ: فينهر الدم – بضم الياء وكسر الهاء ونصب "الدم" – لكان صحيحا.
فرع: إذا ضربه، فأنهر الدم وتلف، فإن لم يضربه بعد إنهار الدم [لاستكمال حده فلا ضمان، وإن ضربه بعد إنهار الدم؛ فإن كان في غير ذلك الموضع فلا ضمان [فيه] وإن كان فيه] فوجهان، فإن قلنا به؛ ففي قدره وجهان:
أحدهما: جميع الدية.
والثاني: نصفها، قاله الماوردي.
ولو كان المضروب رقيق الجلد يدمى بالضرب الخفيف فلا يبالي به.
قال: ويفرق الضرب على أعضائه؛ لأثر عمر – ﵁ – السابق حيث قال: "وأعط كل عضو حقه"، وبعضهم يروي هذا اللفظ عن علي – ﵁ – ومنهم المصنف في "المهذب"، والمعنى فيه: أن في موالاة الضرب على موضع واحد تسببا إلى التلف؛ لعظم الألم.
قال: ويتوقى الوجه؛ لما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه".
стр. 8408
قال القاضي أبو الطيب: وهذا حديث صحيح. وكأنه يشير إلى رواية مسلم [عنه] أن رسول الله ﷺ قال: "إذا ضرب أحدكم أخاه فليتجنب الوجه؛ فإن الله خلق آدم على صورته"، وفي رواية: "إذا قاتل".
ولأن الوجه مجمع المحاسن، وأثر الشين فيه يعظم.
[ومعنى قوله ﵇: "خلق آدم على صورته"، يفسره ما رواه عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن قتادة عن النبي ﷺ : "إن الله خلق وجه آدم على صورته"].
قال: و [الرأس والخاصرة [والفرج] وسائر المواضع المخوقة، [أي]: كثغرة النحر، ونحوها؛ لأن القصد هو الردع والزجر دون القتل، والضرب في هذه المواضع يؤدي إلى التلف، قال القاضي أبو الطيب [في باب حد الخمر]: سمعت الماسرجسي يقول: غلط بعض أصحابنا فقال: يضرب على رأسه؛ لأن المزني قال: ويتقى الوجه والفرج. وهذا ما حكاه بعض الشارحين والرافعي عن أكثر الأصحاب، ومنهم: القاضي الحسين والغزالي والفوراني، ويحكى عن الشيخ أبي حامد – أيضا – لأن الرأس مغطى؛ فلا يخاف تشويهه، بخلاف الوجه، وقد روي أن أبا بكر – ﵁ – قال للجلاد: "أضرب الرأس؛ فإن الشيطان فيه".
وفي "الكافي": أنه يضرب الرأس أحيانا.
قال الماسرجسي: ووجه الغلط: أن الوجه عبارة عما علاه، ولأنا إذا
اتقينا الفرج؛ لأنه مقتل، فالرأس أولى بذلك؛ لأنه موضع شريف، وفيه مقتل،
ويخاف من ضربه نزول الماء في العين وزوال العقل، وأمر أبي بكر – رضي الله
стр. 8409
عنه – معارض بقول علي – ﵁: "اضرب وأوجع، واتق الرأس والفرج".
قال: وعلى أني وجدت ذلك للشافعي [﵁ – نصا في "المختصر" للبويطي في باب إملاء الشافعي]، فقال: ويضرب الرجال في الحدود قياما والنساء قعودا ما خلا الوجه، والرأس، والمذاكير، والبطن. وهذا ما صححه أبو الطيب في هذا الباب، وبه جزم الماوردي في باب صفة السوط، وكذا ابن [الصباغ والروياني].
قال: وإن وضع يده على موضع ضرب غيره؛ لأنه يدل على شدة ألمه فلا يؤمن هلاكه لو والى الضرب عليه.
قال: ويضرب الرجل قائما والمرأة جالسة في شيء يستر عليها؛ لأن أبا بكر بن المنذر روى عن علي – كرم الله وجهه – أنه قال: يضرب الرجل قائما والمرأة جالسة، والمعنى في الرجل: أنه يتمكن من تفريق الضرب على جميع بدنه؛ فكان أولى؛ لقول عمر: "أعط كل عضو حقه"، ولا يجوز قياس المرأة على الرجل؛ لأنها عورة، وقيامها يؤدي إلى كشفها.
قال: وتمسك عليها امرأة ثيابها؛ كي لا تنكشف، كذا قاله الشافعي – ﵁ – وقال: إن الثياب تربط.
قال: فإن كان نضو الخلق، أي: مهزولا هزالا شديدا لا يطيق الضرب، وهو بكسر النون.
قال: أو مريضا لا يرجى برؤه، أي: كمن به السل والزمانة والجذام.
[قال]: [ضرب] بأطراف الثياب وإثكال النخل؛ لما روى أبو داود عن
أبي أمامة أنه أخبره بعض أصحاب رسول الله ﷺ من الأنصار أنه اشتكى رجل
منهم حتى أضنى، فعاد جلده [على عظمه]، فدخلت عليه جارية لبعضهم؛
فهش لها فوقع عليها، فلما دخل عليه رجال قومه يعودونه أخبرهم بذلك، وقال:
стр. 8410
استفتوا لي رسول الله ﷺ فإني قد وقعت على جارية دخلت علي. فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ وقالوا: ما رأينا بأحد من الناس من الضر مثل الذي هو به، لو حملناه إليه لتفسخت عظامه، ما هو إلا جلد على عظم؛ فأمر رسول الله ﷺ أن يأخذوا له مائة شمراخ، [فيضرب بها] ضربة واحدة وهذا نص في الباب.
قال الشافعي – ﵁: وإذا كانت الصلاة تختلف على حسب اختلاف حال المصلي فالجلد بذلك [أولى].
ويفارق هذا من يرجى زوال مرضه والحامل؛ لأن لزوال ذلك أمدا ينتظر، وهنا لو أخر الحد لأدى إلى تفويته بالكلية؛ لأن شفاءه لا أمد له. نعم، حكى الماوردي وجهين فيما إذا سرق من ذا حاله، وعلم أن القطع قاتله – هل يقطع أم لا؟ وقياس ما ذكرناه أن يقطع خشية من فواته، وهو الصحيح في "تعليق" القاضي أبو الطيب في حالة ثبوت القطع بإقراره، وجزم به في حالة [ثبوته بالبينة].
فرع: إذا أقمنا الحد كما ذكرنا، فبرئ المحدود على ندور – قال الإمام: فالذي قطع به الأصحاب أن ما مضى كاف، ولا نعيد الحد بعد البرء [والاستقلال، وإن أوجبنا على من حج عنه لعضبه [الحج عند البرء]؛] لأن مبنى الحد على الاندفاع بالشبهة، ولو برئ قبل الضرب بالإثكال أقيم عليه حد الأصحاء.
تنبيه: إثكال النخل – بكسرة الهمزة وإسكان المثلثة – والأثكول – بضم الهمزة –
والعثكال – بكسر العين – والعثكول – بضمها – هو العرجون الذي فيه أغصان
الشماريخ التي عليها البسر والرطب، قال أهل اللغة: وهي بمنزلة العنقود
في العنب. و"العثكال" أفصح من "الإثكال"، وجمع "الإثكال" أثاكيل، ويقال: شمراخ
стр. 8411
وشمروخ، وعثكال وعثكول، وإثكال وأثكول.
ومراد الشيخ بالإثكال: أن يكون فيه مائة شمروخ، إن كان الزاني حرا، فيضرب بها ضربة واحدة على النحو الذي تقدم فيه الأيمان، أو يكون فيه خمسون شمروخا، فيضرب به دفعتين ونحو ذلك.
وما ذكره من الضرب بأطراف الثياب، قد قال بعض الشارحين: إنه لم [يرد له ذكر] في الكتب المشهورة إلا في "المستظهري"، وهو مذكور في "الشامل" و"تعليق" البندنيحي والقاضي الحسين هنا، وفي "الحاوي" في كتاب اللعان، وحكاه الرافعي عن الروياني أيضا.
ثم في قوله: ضرب بكذا، ما يعرفك أنه لا يكفي وضع ذلك عليه؛ كما حكى الإمام اتفاق الطرق عليه، وأنه يكفي ما يسمى ضربا، وأن بعض المصنفين قال: إنه لا يؤلم بالضرب، وأبدى لنفسه احتمالا، وقال: إذا كان هذا الشخص لا يمكن ضربه بسياط الحد المذكورة و [كان قد] يستقل بأسواط خفيفة [دون سياط الحد – فالذي أراه أنه يجب الضرب بالأسواط الخفيفة].
وفي كلام الأصحاب ما يدل على أنه إذا ضعف عن احتمال سياط الحد فليس [يجب] عليه إلا الضرب بالعثكال، وما ذكروه من الضرب بالعثكال لا أراه زاجرا إذا لم يكن فيه إيلام يتوقع مثله من بدن الصحيح، وهذا ما لا بد منه، وإلا بطل حكم الحد.
[واعلم أن ما ذكرناه في صفة سوط الحد]، وكيفية الضرب فيه، وهيئة المضروب – يعتبر [مثله] في الضرب في التعزير.
وحكى الماوردي، عن أبي عبد الله الزبيري من أصحابنا أنه قال: يجوز أن
يضرب في التعزير بسوط لم يكسر ثمره، فوق سوط الحد، وتكون صفة الضرب
стр. 8412
فيه أعلى من صفته في الحد؛ لأن ذنوب التعزير مختلفة؛ فجاز أن يكون الضرب [فيها] مختلفا، وأنه يجوز أن يوالي الضرب [فيها على] موضع واحد من الجسد لا كالحد؛ [لأن الحد لما لم يجز العفو عنه، لم يجز العفو عن بعض الحد]، ولما جاز العفو عن التعزير جاز عن [ضرب [بعض الجسد.
قال الماوردي: وهو غلط؛ لأن ما يوجب الحد أعظم جريمة مما يوجب التعزير؛ فاقتضى أن يكون التعزير دونه، وجمع الضرب في موضع واحد مفض إلى التلف؛ فكان المنع منه في التعزير المباح أولى، والله أعلم.
قال: وإن كان حده الرجم، فإن كان قد ثبت بالإقرار، فالمستحب: أن يبدأ الإمام، وإن ثبت بالنية، فالمستحب أن يبدأ الشهود؛ لما روي عن علي – كرم الله وجهه – أنه قال: أيها الناس، إنما الرجم رجمان: رجم سر، ورجم علانية، فرجم السر: أن يشهد [عليه الشهود، فيبدأ الشهود فيرجموا، ثم الإمام ثم الناس، ورجم العلانية: أن يشهد] على المرأة بأني وطئتها، فيبدأ الإمام فيرجم، ثم يرجم الناس، ألا وإني راجم فلانة فارجموا. ثم تقدم فرماها بحجر، ثم خلى بينهم وبينها.
ولأن في ذلك امتحان الإمام والشهود؛ فإن من لم يكن منهم محققا لذلك، لم يفعله، فيرجع عما شهد به؛ فيؤدي إلى إسقاط ما لم يجب من الحد؛ ولأجل ما ذكرناه صار أبو حنيفة – ﵀ – إلى وجوب ذلك، ودليلنا على عدم الوجوب: ما سنذكره من الأخبار الواردة، فيمن أقر عند النبي ? بالزنى؛ [فأمر برجمه، ولم يرجمه بنفسه.
ولأنه أحد حدي الزنى]؛ فلا يجب على الإمام والشهود أن يحضروه، ولا أن يتولوا بأنفسهم شيئا منه كالجلد.
قال: وإن وجب الرجم في الحر أو البرد أو المرض، [أي:] الذي
يرجى برؤه، فإن كان قد ثبت بالبينة رجم؛ لأن المقصود قتله؛ فلا يعتبر حال
стр. 8413
الزمان وحاله مع أنه معين على المقصود.
قال: وإن ثبت بالإقرار، فالمنصوص، أي: في "الأم"؛ كما نقله القاضي الحسين هنا، وإن لم يعزه [إليها] في كتاب اللعان – أن يؤخر إلى أن يبرأ، ويعتدل الهواء؛ لأنه ربما تمسه الحجارة فيرجع، فيعين الزمان والضعف على قتله، وهذا ما جزم به الفوراني، واختاره في "المرشد"، وصححه القاضي الحسين في كتاب اللعان، [ونسبه الإمام إلى الأئمة هنا وإلى النص في اللعان] في حالة شدة الحر والبرد. ومن هذه العلة؛ يظهر أنه إذا جن بعد الإقرار بالزنى، لا يحد؛ لأنه قد يرجع عن الإقرار؛ كما صرح به الرافعي في باب الردة، لكن قال البغوي: إن هذا على سبيل الاحتياط؛ فلو قتله لا يجب عليه شيء.
و"الهواء" في لفظ الشيخ [هنا] ممدود، ويكتب بالألف.
وقيل: يقام؛ لأن المقصود قتله، والزمان والمرض يعين [عليه]؛ فكان كما لو ثبت بالبنية، واحتمال رجوعه عن الإقرار معارض باحتمال رجوع الشهود عن الشهادة، وهذا ما صححه النووي، و] قال] القاضي [أبو الطيب] والبندنيجي: إنه المذهب. ونسبا الأول إلى قول [بعض] الأصحاب، وقال الإمام والقاضي في كتاب اللعان: إنه مخرج من نص الشافعي فيما إذا لاعن الزوج بعد قذف زوجته، وكانت محصنة: أنها ترجم في شدة الحر والبرد، قال القاضي: والمرض.
وحكى الإمام عن صاحب "التقريب" رواية طريقين:
أحدهما: طرد [القولين] فيما إذا ثبت الزنى بالبينة.
وإذا جمعت بين هذه الطريقة وبين ما في الكتاب، جاء في الصورتين ثلاثة
стр. 8414
أوجه، وقد حكاها الماوردي في كتاب اللعان، عن رواية ابن أبي هريرة.
أحدها – قال: وهو الظاهر من مذهب الشافعي – ﵁ – والمنصوص عليه في هذا الموضع -: أنه يجعل الرجم، سواء ثبت بإقراره أو بشهادة.
والثاني: يؤخر الرجم ولا يجعل حتى يعتدل الحر والبرد، ويبرأ من مرضه، سواء [ثبت بالإقرار] أو بالبينة؛ لأنه يجوز أن يرجع عن إقراره، ويرجع الشهود عن الشهادة؛ [فلا يعجل عن زمان الترجية حتى يمكن استدراك ما يقع].
والثالث: أنه يؤخر إن ثبت بالإقرار، ولا يؤخر إن ثبت بالشهادة؛ لأن الظاهر من المقر رجوعه؛ لأنه مندوب إلى الرجوع، والظاهر من الشهود: أنهم لا يرجعون؛ لأنهم غير مندوبين إليه.
والطريق الثاني -[وهو] الذي رواه صاحب "التقريب"، وحكاه القاضي الحسين عن بعض أصحابنا: القطع بالرجم في شدة الحر والبرد عند ثبوت الزنى بالإقرار، وحكاية القولين في حالة الثبوت بالبينة؛ فإن الإنسان لا يقر بما يوجب هلاكه إلا عن ثبت وتوطين نفس على ما يلقاه؛ فالرجوع بعيد وإن كان مقبولا، والشهادة في معرض الريب.
وإذا جمعت بين هذه الطريقة وما في الكتاب، جاء في المسألة ثلاثة أوجه في إقامة [الحد في شدة] الحر والبرد، وقد حكاها ابن يونس عن رواية الشيخ أبي حامد:
أحدها: يرجم في الحال.
والثاني: إن ثبت بالإقرار لم يرجم، وإن ثبت بالبينة رجم.
والثالث: عكس هذا.
وحكى ابن يونس عن الشيخ أبي حامد الجزم في حالة المرض بأنه يؤخر الرجم، سواء كان يرجى برؤه أو لا.
وجزم القاضي أبو الطيب بالرجم في حالة عدم رجاء البرء وثبوته بالبينة،
стр. 8415
وتخريجه على الوجهين فيما إذا ثبت بالإقرار، وصحح التعجيل؛ لأنه [لا] غاية تنتظر، الله أعلم.
والزنى لثابت بلعان الزوج في حالة إحصانها، نص الشافعي – ﵁ – على أنه لا يؤخر لأجل الحر والبرد، وخرج بعض الأصحاب فيه قولا من نصه في الزنى الثابت بالإقرار: أنه يؤخر.
ومنهم من أقر النصين، وفرق بأن المقر يغلب على الظن رجوعه؛ لحث الطبيعة والشرع عليه، وليس كذلك الملاعن وتكذيبه؛ فإنه غير مستحب له ولا مأمور به، كذا قاله الإمام في كتاب اللعان.
قال: وإن وجب الرجم وهي حامل، لم ترجم حتى تضع؛ لأن في رجمها حال حملها قتل ولدها؛ فلم يجز.
قال: ويستعين الولد بلبن غيرها؛ لأنه إذا حفظ [حال كونه جنينا]، [فبعد] استهلاله أولى. وهذه طريقة الشيخ أبي حامد ولم يورد الماوردي سواها. نعم، حكي فيما إذا كان في البلد مرضعة، ولم تكفله بعد – وجهين في جواز رجمها.
وقد حكيت في باب العفو والقصاص عن النص، وبه قال المراوزة: أنها لا ترجم حتى تفطم الولد، وإن وجدت مرضعة غيرها.
ولناصر طريقة الشيخ أبي حامد أن يستدل لها بما روى أبو داود عن عمران بن حصين أن امرأة من جهينة أتت النبي ﷺ فقالت: "إني [قد] زنيت، وأنا حبلى، فدعا ﷺ وليا لها فقال [له]: أحسن إليها، فإذا وضعت فجئ بها، فلما [أن] وضعت جاء بها، فأمر بها النبي ﷺ فشكت ثيابها، أي: شدت، ثم أمر بها فرجمت، ثم أمرهم فصلوا عليها، فقال عمر – رضي الله
стр. 8416
عنه-: [يا رسول الله]، تصلي عليها وقد زنت؟! قال: "والذي نفسه بيده لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها"، وخرجه مسلم وغيره.
ولا يمكن حمل هذا الفعل من رسول الله ﷺ على حالة عدم مرضعة؛ فتعين حمله على حالة وجودها؛ ويدل على ذلك أنه جاء في "مسلم" في قصة الغامدية حين أخبر رسول الله ﷺ بوضعها، قال: "لا، إذن ألا نرجمها وندع ولدها صغيرا ليس له من يرضعه"، فقام رجل من الأنصار فقال: إلي رضاعه يا رسول الله، قال: فرجمها.
لكن للقائلين بالنص في تأخير رجمها إلى الفطام التمسك بما ذكرناه وهو ما روى أبو داود عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أن امرأة – يعني من غامد – أتت النبي ﷺ فقالت: إني قد فجرت، فقال: "ارجعي" فرجعت، فلما كان الغد أتت، فقالت: لعلك أن ترددني كما رددت ماعز بن مالك، فوالله إني لحبلي، فقال لها: "ارجعي"، فرجعت، فلما ولدت أتته بالصبي فقالت: قد ولدت، فقال: "ارجعي [فأرضعيه حتى تفطميه] "، فجاءته وقد فطمته وفي يده شيء يؤكل؛ فأمر بالصبي فدفع إلى رجل من المسلمين، وأمر بها فحفر لها، وأمر بها فرجمت، وكان خالد فيمن يرجمها، فرجمها بحجر، فوقعت قطرة من دمها على وجنته فسبها؛ فقال له النبي ﷺ : "مهلا يا خالد! فوالذي نفسي بيده، لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس، لغفر له"، وأمر بها فصلى عليها ودفنت. وأخرجه أيضا أتم من هذا.
ولا خلاف أنه إذا لم توجد مرضعة غيرها: أنها لا ترجم؛ بل تمهل إلى الفطام، أو وجود غيرها؛ على الخلاف السابق.
стр. 8417
واعلم أن ما ذكرناه من الحديث مصرح بجواز الصلاة على المقتول في الحد، وهو الذي نص عليه الشافعي – ﵁ – لكن قد يفهم من قول عمر – ﵁ – وجواب الرسول ?: [أنه لا] يصلى على الزاني إذا لم يقم عليه الحد، ولم يتب؛ لأن عمر – ﵁ – قال: "كيف نصلي عليها، وقد زنت" فجعل العلة الزنى، وما ورد من الرسول ﷺ في جوابه لا ينفي ذلك، بل أقره، وعلل الجواز بتوبتها، وكونها جادت بنفسها، ولم يوجد واحد منهما، والله أعلم.
قال: وإن ثبت الرجم بالبينة، استحب أن تحفر لها حفرة، أي: إلى الصدر؛ لما روى أبو داود عن خالد بن اللجلاج في حديث طويل أن فتى اعترف بالزنى، فقال له النبي ?: "أحصنت؟ قال: نعم، فأمر به فرجم"، قال اللجلاج: فخرجنا به، فحفرنا له حفرة حتى أمكنا، ثم رميناه بالحجارة، حتى هدأ – أي: مات – وأخرجه النسائي.
واللجلاج – بفتح اللام وإسكان الجيم، وآخره جيم – أيضا.
ولأن الظاهر من الشهود: أنهم لا يرجعون؛ فيكون الرجم في الحفرة أسهل.
قال: وإن ثبت بالإقرار، لم تحفر؛ لأنه ربما عن له [أن يرجع ويهرب]، فإذا كان في الحفرة لم يتمكن من ذلك.
وما ذكره الشيخ من الحفر وعدمه هو المذكور في "الأحكام السلطانية"؛ حيث قال: وإذا رجم الزاني بالبينة، حفرت له بئر عند رجمه، ينزل فيها إلى وسطه [تمنعه] من الهرب، وإن رجم بإقراره لم يحفر له.
وقال ابن يونس: [إن] في بعض النسخ: استحب أن يحفر لها [حفيرة].
стр. 8418
وهو الصحيح؛ لأن المنقول أن الرجل لا يحفر له، وأما المرأة: فعند الشيخ أبي حامد يحفر لها إن ثبت زناها بالبنية، ولا يحفر لها إن ثبت بالإقرار؛ لاحتمال هربها. وما ذكره من تصحيح هذه النسخة يظهر صحته؛ لأن الشيخ محيي الدين النووي لم ينبه في [هذا الموضع] على شيء، فلو كان لفظ الشيخ: "استحب أن يحفر له"، لنبه على ذلك؛ كما [هي] عادته؛ لأن ما ذكره ابن يونس من الجزم في الرجل بعدم الحفر والتفصيل في المرأة هو الذي نقله البندنيجي وابن الصباغ والقاضي الحسين وصاحب "الكافي"، ويحكى عن "جمع الجوامع" أيضا، ووافقهم الماوردي على ذلك في "الحاوي"، وزاد حكاية وجه في حالة ثبوته بالإقرار: أنه يحفر لها؛ تغليبا لحق صيانتها وسترها، وقد روي أن النبي ? أمر بأن يحفر للغامدية إلى الصدر، وكانت مقرة.
قلت: وقائل هذا الوجه لا يفصل بين أن يكون قد ثبت زناها بالبينة أو بالإقرار، وهو ما أورده في "المهذب"، ويحكى عن الشيخ الفراء، واختاره في "المرشد".
وفي "تعليق" القاضي أبي الطيب: أن القاضي أبا حامد ذكر في "الجامع" أن المرأة إذا ثبت زناها بالإقرار يحفر لها، وإن ثبت بالبينة: فإن شاء حفر، وإن شاء ترك.
قال [القاضي] أبو الطيب: ولا نعلم من أين نقله، والذي تقتضيه السنة: أن يحفر لها إذا ثبت بالبنية، ويتخير إذا ثبت بالإقرار؛ لأنه ﷺ حفر للغامدية، ولم يحفر للجهنية، وزناهما ثبت بالإقرار؛ فدل على التخيير [في] حالة الإقرار.
قال: وإن رجم – أي: المقر – فهرب، لم يتبع؛ لما روى النسائي عن أبي هريرة، وذكر قصة ماعز، قال: فذكر لرسول الله ﷺ فراره حين مسته الحجارة، قال: "فهلا تركتموه".
وقال أبو داود: "لعله أن يتوب؛ فيتوب الله عليه".
وروى أبو داود في حديث طويل أن جابر بن عبد الله، قال: "كنت فيمن رجم
стр. 8419
[الرجل]- يعني: ماعز بن مالك – وأنا لما خرجنا به، فرجمناه فوجد مس الحجارة، صرخ بنا: يا قوم، ردوني إلى رسول الله ﷺ فإن قومي قتلوني وغروني [من نفسي] وأخبروني: أن رسول الله ﷺ [غير قاتلي]. فلم ننزع عنه حتى قتلناه، فلما رجعنا إلى رسول الله ﷺ ، وأخبرناه، قال: "هلا تركتموه، وجئتموني به"؛ ليستثبت منه رسول الله ﷺ ، فأما لترك حد فلا. وأخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر طرفا منه بنحوه.
لكن هل [يجعل هربه بمنزلة صريح رجوعه؛ حتى يسقط عنه الحد إذا قدرنا عليه مرة أخرى وهو ساكت؛ فلا يرجم؛ أو لا يسقط حتى إذا قدرنا عليه نستفسره، فإن إصر على الإقرار يرجم؟ فيه وجهان حكاهما الماوردي و] كذا] القاضي الحسين والإمام، وقال: إن بعض الأئمة ذكر مسلكا حسنا في ذلك، فقال: الخلاف في أن الهارب هل يتبع؟ فأما المصير إلى أن الحد يسقط به، فلا. وقال: إن الامتناع من الاستسلام لإقامة الحد عليه ملحق عند الأصحاب بالهرب.
وقياس من جعل الهرب بمنزلة الرجوع عن الإقرار أن يقول إذا هرب، فاتبع، وقتل: إنه يضمن، وإن لم يصرح بالرجوع.
وفي "تعليق" أبي الطيب و"الرافعي" و"المرشد": أنه لا يضمن إذا لم يسمع منه التصريح بالرجوع، وهو الذي اقتضاه ظاهر الخبر.
ولا خلاف في أنع إذا ثبت زناه بالبينة، فهرب: أنه يتبع، ولا فرق فيه بين الرجل والمرأة؛ صرح به البندنيجي وغيره.
وفي "الوسيط": أن الهرب لا بد وأن يؤثر على رأي، وإن ثبت بالشهادة.
وحكى الرافعي: أن في "النهاية" خلافا في أن طلب ترك الحد والهرب هل
يسقط الحد؟ قال: وكأن المقصود منه أنا إذا فرعنا على أن الحد يسقط بالتوبة،
стр. 8420
فينزل ذلك منزلة التوبة – على رأي – كما ينزل منزلة الرجوع عن الإقرار على رأي].
وقد نجز شرح [ما في] الباب فلنختمه بفروع:
إذا فرق الإمام الجلد، فجلد في يوم خمسين [ولاء]، وفي يوم بعده خمسين ولاء – أجزأ.
ولو جلد المائة في عشرة أيام، لم يعتد بما تقدم من الجلدات؛ فإن الإيلام الحاصل بالمائة المتواترة لا يحصل إذا فرقت الجلدات، وتخللت الفترات المريحة، كذا قاله الإمام في أوائل هذا الباب عند الكلام في التغريب.
وعلى هذا: فبم يضبط ما يجوز من التفريق؟ قال الرافعي حكاية عن الإمام: إن [كان] التفريق بحيث لا يحصل من كل دفعة ألم له وقع: كسوط، وسوطين في كل يوم – فهذا ليس بحد؛ وإن كان يؤلم، [يؤثر] بمألمه وقع، فإن لم يتخلل من الزمان ما يزول فيه الألم الأول، اعتد به، وإن تخلل ففيه تردد:
ظاهر كلام القاضي الاعتداد به.
والأوجه: المنع؛ لأن الموالاة لو عدلت بالأسواط، [البلغ] أثرها عددا منها صالحا؛ ففي ترك الموالاة إسقاط جزء من الحد.
إذا شهدوا بالزنى، ولم يثبت إحصانه، فجلد، ثم ثبت إحصانه رجم، ولو ثبت الزنى والإخصان، فأخذوا في الرجم، فرجع شهود الإحصان [عن الشهادة] ترك الرجم، وجلد، ولا يقوم ما رمى به مقام الجلد.
وفي "فتاوى" القاضي: أن بعض أصحابنا قال: [رمي] بعض الأحجار يقوم مقام الجلد. وهو غير صحيح.
المحصن لا يقتل بالسيف؛ لأن المقصود أن يمثل به وينكل بالرجم.
وليس ما يرمى به جنس ولا عدد، وقد تصيب الأحجار مقاتله فيموت
стр. 8421
سريعا، وقد يتباطأ موته، ولا يرمى بصخرة تذفف، ولا بالحصيات الخفيفة فيطول تعذيبه، بل يطوف [الناس] به ويرمى بحجارة معتدلة، قال الماوردي: قدر الكف إلى أن يموت، وفي معناها قطع الآخر والخزف والمدر ونحوها، وإن كان الخبر قد ورد بالحجارة.
قال القاضي الحسين: لأن القصد منه القتل، وذلك يحصل بالجميع، كما ذكرنا في الاستنجاء.
قال الماوردي: ويكون موقف الرامي منه، بحيث لا يبعد [عليه] فيخطئه، ولا يدنو منه فيؤلمه.
والأولى لمن حضر رجمه: أن يكون عونا فيه إن رجم بالبينة، وممسكا عنه إن رجم بالإقرار.
وجميع بدنه محل الرجم في المقاتل وغير المقاتل، لكن يتوقى الوجه وحده؛ لأمره ﷺ باتقاء الوجه.
يستحب أن يحضر الرجم جماعة من المسلمين؛ قال الله تعالى: ﴿وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾ [النور: ٢].
قال الشافعي – ﵁: وأقلهم أربعة؛ لأنه لا يثبت بأقل منهم.
قال الماوردي: وكذا يستحب أن يعرض عليه التوبة قبل رجمه؛ لتكون خاتمة أمره، وإن حضر وقت الصلاة أمر بها، وإن تطوع بصلاة صلى ركعتين، وإن استسقى ماء أسقي، وإن استطعم [لم] يطعم، والفرق: أن الماء لعطش سابق، والأكل لشبع مستقبل، ولا يربط ولا يقيد [ويخلى] والاتقاء بيديه، والله أعلم.
стр. 8422
باب حد القذف
القذف: الرمي، تقول: قذفت الشيء، إذا رميته، والمراد به هنا: الرمي بالزنى في معرض التعيير.
واحترز بذلك عما إذا ذكر [عند القاضي] بلفظ الشهادة مع تمام العدد، [وبدونه] على رأي.
وعما إذا شهد بجرحه، فاستفسره القاضي، فأخبره بزناه، فإنه لا حد عليه، كما ذكره ابن الصباغ [حكاية] عن الشيخ أبي حامد، سواء كان بلفظ الشهادة أو بدونه.
وهو حرام؛ لقوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون﴾ الآية [النور: ٤].
وهو من الكبائر السبع التي عدها رسول الله ﷺ كما رواه ان عمر، وعن رواية حذيفة بن اليمان أن النبي ﷺ قال: "من قذف محصنة يحبط عمله مائة سنة" نقله البندنيجي.
قال: إذا قذف بالغ عاقل مختار، وهو مسلم أو ذمي أو مستأمن أو مرتد، محصنا، ليس بولد له - وجب عليه الحد؛ للإجماع كما قاله الرافعي.
واشتراط البلوغ والعقل في القاذف احترز به عن الصبي والمجنون، فإنه لا
стр. 8423
حد عليهما؛ لحديث: "رفع القلم ... "، [و] لأنه حد؛ فلا يجب عليهما كحد الزنى، والسرقة، وقطع الطريق.
نعم: هل يعزران؟
قال: في "التهذيب": الصبي يعزر، وكذلك المجنون إذا كان له تمييز.
وأطلق البندنيجي القول بأنه لا شيء عليهما.
وفي "الحاوي": أن الصبي إذا كان مراهقا يؤذي قذف مثله؛ عزر أدبا، كما يؤدب في مصالحه، وإن كان لا يؤذي قذفه لم يعزر.
واشترط الطواعية؛ ليخرج المكره، فإنه لا حد عليه ولا تعزير، للخبر المشهور.
وكذا لا يجب على المكره، بخلاف المكره على القتل؛ لأنه يمكنه أن يجعل المكره كالآلة له بأن يأخذ يده، فيقتل بها شخصا، ولا يتصور ذلك في القذف بأن يأخذ لسان شخص فيقذف به.
وفي "فتاوى" القاضي الحسين: أن الأستاذ أبا طاهر الزيادي، قال: كما يجب القتل على المكره يجب حد القذف على المكره – أيضا - وهو اختيار العبادي.
واعتبار الإسلام والذمة والأمان؛ ليخرج الحربي، فإنه لا حد عليه؛ لعدم التزامه، وإن كان مخاطبا به.
وذكر المرتد؛ ليعلم أن الردة لا تقطع عنه ما التزمه بالإسلام من الأحكام.
واعتبار إحصان المقذوف دل عليه قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾، فشرط الإحصان، كما سنذكره.
واحترز بقوله: "ليس بولد له" عن ولده [وولد ولده]؛ لأنه إذا لم يقتل به، فلألا يحد بقذفه [كان] أولى.
ووجه الأولوية: أن القصاص آكد وجوبا من حد القذف؛ ألا ترى أنه يجب
стр. 8424
للزاني على العفيف، وللعبد على العبد، وللكافر على الكافر، ولا كذلك حد القذف.
قال: فإن كان حرا، جلد ثمانين؛ لقوله تعالى: "والذين يرمون المحصنات" – أي: بالزنى – ﴿ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾.
وروى أبو داود عن عائشة ﵂ – قالت: "لما نزل عذري، قام النبي ﷺ [فذكر ذلك]، وتلا – تعني: القرآن - فلما نزل من المنبر أمر بالرجلين والمرأة، فضربوا حدهم"، وسماهم: مسطح بن أثاثة، وحسان بن ثابت، ويقولون المرأة: حمنة بنت جحش.
وقال الطحاوي: ثمانين ثمانين، وهم الذين تولوا كبر ذلك وقالوا بالفاحشة، حسان ومسطح [وحمنة].
قال الماوردي: وإنما جعل حد القذف ثمانين؛ لأن القذف بالزنى أقل من فعل الزنى؛ فكانت أقل حدا منه.
قال: وإن كان مملوكا جلد أربعين؛ لما روى عبد الله بن عامر بن ربيعة: أنه قال: أدركت أبا بكر وعمر ومن بعدهما من الخلفاء، فلم أرهم يضربون المملوك في القذف إلا أربعين.
وأشار بذلك إلى أنه مجمع عليه.
وقد روى جعفر بن محمد عن أبيه: أن علي بن أبي طالب كان لا يضرب المملوك [في القذف] إلا أربعين.
ولأنه حد يتبعض، فكان المملوك فيه على النصف [من الحر] [كحد] الزنى.
стр. 8425
والآية المراد بها: الأحرار؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا﴾ [النور: ٤] والعبد لا تقبل شهادته قاذفا كان أو غير قاذف، وأم الولد والمكاتب والمدير ومن بعضه حر كالرقيق في الحد.
وقد تقدم حكاية وجهين في كيفية إقامة حد الزنى على من نصفه حر ونصفه رقيق، ولا يبعد مجيء مثلهما هاهنا.
قال: والمحصن هو: البالغ العاقل الحر المسلم العفيف، أي: عن الزنى.
قال ابن الصباغ: وهذا اتفاق.
ولأن الله تعالى شرط في حد القذف إحصان المقذوف، وهو الكمال؛ فاعتبر البلوغ فيه؛ لنقص الصغر، والعقل، لنقص الجنون، والحرية؛ لنقص الرق، والإسلام؛ لنقص الكفر، ولقوله ﷺ : "من أشرك بالله فليس بمحصن".
واعتبرت العفة؛ لنقص الزنى، ولقوله : ﴿ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾؛ فدل على أنهم إذا أتوا بشهداء لم يحدوا، ولقوله تعالى: ﴿إن الذين يرمون المحصنات الغافلات﴾ [النور: ٢٣].
قيل: أراد: الغافلات عن الفواحش بتركها، والعفة تحصل باشتهار الخير والعفاف.
وهل يحكم بحصولها من غير بحث عنها؟ فيه وجهان في "الحاوي" وغيره في كتاب اللعان.
مختار أبي إسحاق المروزي منهما: المنع، وهو ما اقتضى إيراد المصنف في "المهذب" ترجيحه، واختاره في "المرشد"؛ فلا بد من البحث عنها؛ كما في العدالة.
стр. 8426
قال الرافعي: والذي رجحه الأكثرون: عدم الوجوب، وفرقوا بين ذلك وبين العدالة، بأن البحث في الإحصان يؤدي إلى هتك الستر، وإظهار الزنى المأمور بستره، والبحث عن العدالة بخلافه.
ولأن القاذف عصى بالقذف؛ فغلظ عليه بإقامة الحد بظاهر الإحصان، والمشهود عليه لم يصدر منه ما يقتضي التغليظ عليه.
قال الإمام: ولا يقدح في الحصانة مراودته على الزنى، وتحومه على طلبه، وصدور مقدماته، وهذا ما وجدت الطرق متفقة عليه.
ثم حكى عن شيخه احتمالا في قدح ذلك في العفة؛ خرجه من نص الشافعي ﵁ على أنه إذا زنى بعد القذف [تسقط العفة].
ووجه التخريج: أن الزنى اللاحق لا يدل على زنى سابق، وإنما يدل على سبق مقدماته.
قال الإمام: وهذا ليس بشيء.
قال: فإن قذف صغيرا أو مجنونا أو عبدا أو كافرا أو فاجرا – أي: زانيا - أو من وطئ وطئا حراما لا شبهة [له] فيه - أي كوطء جارية والده أو أمه، أو المرهونة عنده، أو ذات محرم له بعقد نكاح مع علمه بالتحريم – عزر، أي: ولا يحد
أما عدم وجوب الحد، فلانتفاء الإحصان الدالة عليه الآية السابقة.
وأما وجوب التعزير، فلما حصل للمقذوف من الأذى بقذفه.
تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي أن الصبي والمجنون والعبد والكافر والمسلم
الكامل إذا وطئ وطئا حراما لا شبهة له فيه، ثم بلغ، وعقل، وعتق، وأسلم،
وتاب، وحسنت توبته، فقذفه قاذف - لا حد عليه. والأمر كذلك في العبد،
стр. 8427
والكافر، والمسلم الكامل وإن ظهر صلاحه وزهده بعد مائة سنة من زناه، دون الصبي والمجنون؛ صرح بذلك القاضي الحسين في موضعين، وفرق بأن زنى العبد والكافر والمسلم الكامل يكون حقيقة؛ فأسقط حصانتهم، بخلاف الصبي والمجنون.
وقال: الإمام بعد ذكر ما حكيته عنه في المسلم الكامل: وهذه دعوى عريضة، وما أراها تسلم عن الخلاف؛ فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، والتوبة تمحو الذنب، وترد العدالة، وما يحرم المروءة إذا ترك عادت المروءة، ولم [أر] هذا التصريح على هذا الوجه في شيء من كتبنا.
قال: وإن وطئ بشبهة، فقد قيل: يحد؛ لأنه وطء لا يوجب الحد؛ فلم تسقط به العفة، كوطء الزوجة والأمة حائضا وصائمة ومعتكفة ومحرمة، وبعد الظهار، وقبل إخراج الكفارة، أو جاريته المجوسية.
وقيل: يعزر، أي: ولا يحد؛ لأنه وطء محرم في غير ملك؛ فأسقط العفة، كالزنى.
تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي إجراء الوجهين في حد من قذف واطئ جارية ابنه، والجارية المشتركة بينه وبين غيره، وجاريته المحرمة عليه برضاع [ونحوه ومجوسية] ونحوها، [وجاريته] المباحة له في دبرها، أو وطئ في نكاح بلا ولي ولا شهود، وفي نكاح المتعة والشغار وهو يعتقد تحريمه، أو وطئ امرأة زفت إليه، أو وجدها على فراشه فظنها زوجته أو أمته المباحة له، ولا شك في جريان الخلاف في الكل، لكنه في بعض الصور أظهر من بعض، ويظهر لك [ذلك] بما سنذكره من الطرق.
قال ابن الصباغ: إذا وطئ الجارية المشتركة أو المجوسية؛ لا تسقط عفته،
стр. 8428
وفي سقوطها بوطء جارية ابنه، أو مكاتبته، أو مطلقته الرجعية في [زمن] عدتها، أو أن يطأ بشبهة أو عقد فاسد - ثلاثة أوجه:
أصحها - كما حكاه الرافعي عن الشيخ أبي حامد -: بقاء العفة.
ومقابله محكي عن اختيار أبي اسحاق، وذكر الروياني أنه أقرب.
وثالثها: أن ما كان زنى لولا [ما ذكره من] الشبهة فإنه يسقط إحصانه، فأما وطء الرجعية في النكاح الفاسد، ووطء المكاتبة، فلا يسقط الإحصان؛ لأنه ليس بزنى لا ظاهرا ولا باطنا.
وما جزم به في الجارية المشتركة، قال الرافعي: إن جماعة أشاروا إلى القطع به.
ومراده بوطء الشبهة: ما إذا وطئ من اعتقدها زوجته أو أمته المباحة له، يدل عليه: أن البندنيجي حكى الوجهين في هذه الصورة، وفي النكاح الفاسد، ووطء [جارية الولد]، وسكت عن الوجه الثالث.
وحكى هو وابن الصباغ فيما إذا وطئ أمه أو أخته من الرضاع أو النسب بملك اليمين، وجهين [في] أن قاذفه: هل يحد أم لا؛ بناء على أنه هل يحد بهذا الوطء أم لا؟ فإن قلنا: يحد، لم يحد قاذفه، وإن قلنا: لا يحد، حد قاذفه.
وقياس ما ذكرا من الوجهين في وطء الشبهة ونحوه: أن يجريا على قولنا: إنه لا يحد الواطئ، وعلى ذلك جرى الرافعي وغيره، فحكموا الوجهين كذلك.
ونظم صاحب التهذيب يقتضي ترجيح عدم حد القاذف – أيضا - وهو الأشبه، وبه جزم الماوردي؛ لدلالة هذا الفعل على قلة محاشاته الزنى؛ فإن غشيان المحارم أفحش من الزنى بالأجنبيات.
وخص الماوردي [محل] الخلاف بالوطء في النكاح بلا ولي ولا شهود ونكاح المتعة والشغار؛ كما صرح به في هذا الباب وفي اللعان، وجزم بأن وطء الجارية المشتركة وجارية الولد يسقط الحصانة وإن كان لا يوجب الحد.
стр. 8429
وجزم الماوردي والبندنيجي وابن الصباغ بأن وطء الزوجة والأمة في الحيض والإحرام والاعتكاف والصيام وقبل إخراج الكفارة بعد الظهار لا يسقط العفة.
وحكى القاضي الحسين وجها آخر فيه؛ لأنه قال: من أصحابنا من حد الوطء الذي يسقط العفة بأنه: كل وطء يعصي به.
قال الإمام: وهذا بعيد لا احتفال به، وليس معدودا من المذهب.
و [قد] حكى الإمام طريقا جمع فيها ما حكاه القاضي الحسين [من الطرق] وما حكيناه، وأورده على أحسن وجه، فقال: إذا وطئ أخته بملك اليمين، ولم نوجب الحد، فهل تسقط عفته؟ فيه وجهان: فإن قلنا: تسقط، فلو وطئ جارية ولده أو الجارية المشتركة، وقلنا: لا حد - ففي بطلان عفته وجهان، ووجه الفرق: أن أحد الشريكين يتوصل إلى نقل ملك شريكه لنفسه بطريق الاستيلاد، وكذلك الولد، وإذ ذاك يثبت الحل، وذوات المحارم لا تستحل بحال، فإن قلنا: تسقط [عفته]، فلو نكح الشافعي بغير ولي، وألم بالمنكوحة - ففي سقوط عفته وجهان؛ للاختلاف في الحد: فإن قلنا: تسقط عفته، فلو وطئ بشبهة في نكاح فاسد أو على ظن زوجية؛ ففي سقوط العفة وجهان:
وجه [البقاء]: القياس على العدالة.
ووجه مقابله: دلالة ذلك على ترك التحفظ؛ فألحق بحرمان القاتل خطأ الميراث.
قال: وألحق أئمتنا بهذه الصورة ما إذا جرت الفاحشة في حال الصبا، وهذا أبعد الصور، وإن لم يكن بد من الخلاف، فليرتب على وطء الشبهة من المكلف. والفارق: سقوط التكليف عن الصبيان بالكلية؛ فلا لوم ولا توبيخ.
وإذا فهمت ما ذكر: انتظم منه عند الاختصار في المسألة أوجه:
أحدها: لا تسقط العفة إلا بما يوجب الحد.
والثاني: يسقطها ذلك ووطء المحرم بملك اليمين.
стр. 8430
والثالث: يسقطها ذلك ووطء الأب والشريك.
والرابع: يسقطها ذلك والوطء في النكاح بلا ولي ونحوه على خلاف المعتقد.
والخامس: يسقطها ذلك ووطء الشبهة من المكلف.
والسادس: يسقطها ذلك ووطء الصبي.
والسابع: يسقطها ذلك ووطء زوجته، أو أمته الحائض وما في معناها.
فرع: قال في "التهذيب": إذا وطئ قريب العهد بالإسلام امرأة غصبها على ظن الحل، لا تبطل حصانته.
قال الرافعي: ويشبه أن يجيء فيه الخلاف المذكور في وطء الشبهة.
قلت: قد ذكرنا في باب ما يحرم من النكاح عن صاحب "التهذيب": أن الزنى على صورة الجهل ممن هو قريب عهد بالإسلام، هل يثبت النسب، ويوجب المهر، ويكون الولد به حرا إن كان الفعل بأمة؟ فيه وجهان، أصحهما: الثبوت فإن قلنا به التحق بوطء الشبهة، وإن قلنا بمقابله، فقد جعلنا حكمه حكم الزنى فيما عدا الحد؛ فينبغي أن تسقط الحصانة جزما.
ومثل الخلاف المذكور قد حكاه الرافعي قولين أو وجهين، فيما إذا كان القاتل جاهلا بتحريم القتل: هل يجعل جهله كقتل الخطأ [حتى] تكون الدية على العاقلة، أو تجب في ماله؟ حكاه عند الكلام في عفو أحد الاثنين، وذكرتهما مع وجه ثالث في باب: من لا تجب عليه الدية بالجناية.
هذا حكم الرجل، وأما المرأة المغصوبة، فهل تسقط حصانتها [بذلك؟ قال القاضي الحسين في هذا الباب من أكرهت على الزنى، هل تسقط حصانتها؟] فيه وجهان. ومنهم من قال: إن أولج فيها مقهورة، لم تسقط. وإن أكرهها بالقتل [وغيره] حتى مكنت [من نفسها]، فعلى وجهين، والله أعلم.
قال: وإن قذف ولده أو ولد ولده عزر، بسبب ما حصل للمقذوف من
стр. 8431
الأذى، ولا يحد لما ذكرناه من قبل، وهذا ما نص عليه في "الأم". وقضية ما ذكرناه من التوجيه ألا يجب له التعزير – أيضا - لأن الحد أشد ثبوتا [من التعزير]، وقد سقط. وقد سمعت بعض مشايخي يحكيه وجها، لما [طلبت منه] الفرق بينه وبين ما إذا وطئ جارية ابنه، فإنه لا يجب عليه الحد على الصحيح، وكذا التعزير على وجه، وعن أبي ثور وابن المنذر من أصحابنا: أنه يجب عليه الحد؛ لظاهر القرآن، لكنه يكره له إقامته، والصحيح: الأول. والأم في معنى الأب.
قال القاضيان أبو الطيب والحسين وغيرهما: وإذا قذف رجل امرأة محصنة له منها ولد، وماتت - لم يكن للولد المطالبة بالحد، وسقط كما في القصاص، وإن كان لها ابن من غيره، كان له المطالبة، وبكم يطالب؟ يظهر لك من بعد، والذي أورده ابن الصباغ: المطالبة بالجميع.
قال: وإن قذف مجهولا، فقال: هو عبد، وقال المقذوف: [بل] أنا حر - فالقول قول القاذف؛ لأنه يحتمل أن يكون عبدا، والأصل براءة الذمة من الحد مع أنه يسقط بالشبهة، وهذا ما نص عليه هاهنا. فعلى هذا: يعزر.
وقيل فيه قولان، الصحيح منهما: [قبول] قول القاذف، ووجه مقابله - وهو الأصح في "الجيلي" -: أن الأصل في الدار الحرية، وقد تقدم في باب اللقيط في هذه المسألة من الكلام ما يغني عن الإعادة.
فرع: لو اعترف المقذوف والقاذف بأنه كان عبدا، فعتق، وادعى المقذوف أنه أراد نسبته إلى [الزنى] بعد الحرية، وقال القاذف: إنما أردت أنك زنيت في حال الرق - فالحكم كما سنذكره فيما إذا اختلفا في مثل هذه الصورة [في الفصل بعده]، قاله الماوردي.
قال: وإن [قال]: زنيت وأنت نصراني، فقال: لم أزن [ولا كنت]
стр. 8432
نصرانيا، ولم يعرف حاله - ففيه قولان:
أحدهما: يحد؛ لأن ظاهر الدار الإسلام، فرجح قول المقذوف به؛ وهذا ما صححه النواوي.
والثاني: يعزر، أي: بعد حلف القاذف؛ لأن ما يقوله محتمل، والأصل براءة الذمة من الحد.
وإذا انتفى الحد، ثبت التعزير باعترافه، وهذا ما أجاب به هنا، أما إذا عرف له حال نصرانية، فلا حد عليه. نعم، لو قال: أردت قذفي بعد إسلامي؛ فعليك الحد، وقال: بل أردت [قذفك] قبل إسلامك؛ فلا حد علي - فالذي حكاه الداركي والشيخ أبو حامد فيما إذا كان المخاطب امرأة: أن القول قول المقذوفة، وعلى القاذف الحد؛ لأن قوله: "زنيت" يقتضي القذف [في الحال]، وقوله: "وأنت نصرانية"، يقتضي الإخبار عن تقدم حالها؛ فصار الظاهر مع المقذوفة.
قال الماوردي: والذي أراه: أن القول قول القاذف مع يمينه، ولا حد عليه؛ لأنه لما وصل قوله "زنيت"، بقوله: "وأنت نصرانية" - كان أظهر احتمالية إضافة الزنى إلى النصرانية؛ لكون أحدهما تعلق بالآخر، ولو استوى الاحتمالان لوجب أن يدرأ بالشبهة، وقد وافق ابن الصباغ في الاحتمال المذكور، واستشهد له بأنه لو قال لزوجته: أنت طالق إن دخلت الدار وأنت مسلمة، تعلق الطلاق بدخول الدار في الإسلام. ومثل هذا يظهر جريانه في مسألتنا. ولو علم أنه لم يزل مسلما، وجب على القاذف الحد للقذف، والتعزير؛ لنسبته إلى الكفر.
قال: [وإن قذفه، وقال: قذفته وهو مجنون، فقال: بل قذفني وأنا عاقل، وعرف له حال جنون - فالقول قول القاذف في أظهر القولين؛ لأنه قد ثبت حال جنون، وما يدعيه كل واحد منهما ممكن، والأصل براءة الذمة.
стр. 8433
فعلى هذا: إذا حلف القاذف، عزر إن طلبه المقذوف.
والقول قول المقذوف في الآخر؛ لأن صحته موجودة في الحال، والأصل عدم الجنون في الحالة التي يدعي وجود القذف فيها.
فعلى هذا: [إذا] حلف المقذوف، حد القاذف.
ولا نزاع في أنه إذا لم يعرف له حال جنون، أن القول قول المقذوف؛ كما لو ادعى القاذف أنه قذفه في حال ردته، ولم يعلم له حال ردة؛ فإن القول قول المقذوف. نعم، لو عرفت [له ردة]، وادعى القاف صدور القذف في حال ردته، وقال المقذوف: بل بعد زوالها - فالقول قول القاذف؛ لأن الأصل بقاؤها. صرح به القاضي الحسين، وقياسه: أن يطرد مثله في الجنون. ولو ادعى القاذف صدور القذف في حال الردة المعلومة للمقذوف، وقال المقذوف: بل في الإسلام - فهو نظير مسألة الكتاب، وقد حكى الماوردي فيها وجهين، وبناهما على أنه إذا لم تعرف ردته، فأراد القاذف أن يقيم بينة على ردته، ففي كيفية سماعها قولان:
أحدهما: تشهد بردته، ثم يكون القول قوله مع يمينه.
والثاني: تشهد بأنه قذفه في حال الردة.
ولو ادعى القاذف أن القذف جرى منه وهو مجنون، فقد تقدم الكلام فيه في باب اللعان.
قال: وإن قذف عفيفا، فلم يحد حتى زنى أو وطئ وطئا حراما، أي يزول به إحصانه - لم يحد؛ لأن حد القذف موضوع لإسقاط المعرة عن المقذوف، والمعرة لا تسقط إذا زنى أو وطئ وطئا حراما، فلم يجب في قذفه حد؛ [و] لأن عادة من لا يدين بإجهار المعاصي أن يستر بإخفائها؛ فظهورها منه لا يكون إلا بعد كثرتها وتكررها. [روي أنه] حمل إلى عمر ﵁ رجل زنى،
стр. 8434
فقال: [والله] ما زنيت قبل هذه، فقال عمر: كذبت؛ إن الله – تعالى - لا يفضح عبده بأول معصية. فكان فيما ظهر من وطئه دليل على تقدمه منه؛ فلم يحد قاذفه، وهذا هو المذهب. وعن المزني: أنه يحد؛ كما لو ارتد المقذوف بعد القذف.
قال الإمام هنا: وكنا نعد هذا تخريجا في المذهب، فرأيت [للشيخ أبي] علي في "شرح التلخيص" أن هذا قول للشافعي في القديم. وقال في باب الشهادة [على الشهادة]: إنه الذي صار إليه طوائف من أصحابنا، وقد خرج ابن أبي هريرة وجها في طرآن الردة، وقال: إنها تسقط الحصانة أيضا. وحكاه في "المهذب"، وأبداه القاضي أبو الطيب احتمالا لنفسه، و [قد] استشكل الإمام الفرق بين طرآن الزنى وطرآن الردة مع تقرير الصحيح في الصورتين، وقد فرق بينهما بوجوه:
أحدها، علة الحكم السابقة.
والثاني: - قاله الماوردي -: أن حد القذف موضوع لحراسة العفة من الزنى [دون الردة]؛ فجاز أن يسقط بحدوث الزنى وإن لم يسقط بحدوث الردة.
والثالث: - قاله القاضي الحسين -: أن الردة السابقة لا تسقط الإحصان إذا طرأ الإسلام، بخلاف الزنى السابق؛ فكما افترق الكفر والزنى إذا تقدما، فلا يمتنع [أن يفترقا] إذا تأخرا. ولا يقوم مقام الزنى الطارئ في إسقاط العفة والحد، صدور السرقة أو القتل من المقذوف.
وعن كتاب ابن كج: أن أبا الحسين حكى فيه وجهين.
وهل يقوم تمكينه من نفسه حتى وطئ في دبره مقام زناه؟ فيه وجهان حكاهما القاضي الحسين في باب الشهادة على الحدود؛ بناء على أن اللواط حكمه حكم الزنى أو لا؟
وهذا كله فيما إذا ثبت زنى المقذوف أو وطؤه وطئا حراما عند الحاكم
стр. 8435
بإقراره، أو بينة تشهد بمشاهدته، أو على إقراره بذلك، وفي هذه الحالة الأخيرة هل يكفي [في الشهادة بها] شاهدان، أم لابد من أربعة؟
قال الإمام: [إن قلنا: يثبت الإقرار بالزنى بشاهدين كفيا هاهنا أيضا، و] إن قلنا: لا يثبت إلا بأربعة، فهل يكفي في إسقاط الحد شاهدان يشهدان بإقراره بالزنى أم لابد من أربعة؟ فيه وجهان حكاهما القاضي الحسين - أيضا - في آخر الفصل، والذي أورده الغزالي منهما: الاكتفاء؛ حيث قال: ويكفي في ذلك شاهدان. وأراد ما ذكرناه، وهو ظاهر النص؛ فإنه قال: "ولو جاء الزوج بشاهدين على إقرارها بالزنى لم يلاعن، ولم يحد، ولا حد عليها.
قال القاضي الحسين: واختلف الأصحاب في ذلك:
فمنهم من قال: أجاب على قوله: يثبت الإقرار بالزنى بشاهدين؛ فلم يحد القاذف؛ لثبوت زناها، ولم يحدها؛ لأن صورة الأمر: أنها أنكرت الزنى، أو رجعت؛ فسقط بذلك الحد عنها.
ومنهم من قال: أجاب على أنه لا يثبت الإقرار بالزنى بأقل من أربعة؛ لأنه لم يحدها، وإنما لم يحد القاذف؛ لأنه يجوز أن يسقط الحد عن القاذف، ولا تحد هي حد الزنى؛ كما لو أقام أربعة من العدول على زناها، وأقامت [هي] أربع نسوة على أنها عذراء - سقط الحد [عن القاذف، ولا تحد هي حد الزنى.
وهذان الوجهان متفقان على سقوط الحد] عنه بشهادة الشاهدين بالإقرار.
ولو لم يكن للقاذف بينة، فأراد إحلاف المقذوف على زناه، فهل له ذلك؟ قال الإمام: وكذا القاضي الحسين: فيه قولان، أظهرهما: لا، وعلى تصحيحه جرى البغوي والمتولي، وهو ما ينسب إلى النص في "الإملاء"، ووجهه: أن شريك بن السحماء الذي رميت به الملاعنة على عهد رسول الله ﷺ سئل، فأنكر، فلم يحلفه رسول الله ﷺ .
стр. 8436
ومقابله منسوب إلى رواية الشيخ أبي زيد؛ لما فيه من سقوط الحد عن القاذف.
قال الرافعي: وهذا هو الموافق لجواب الأكثرين.
قلت: ويعضده قول القاضي الحسين في باب النكول ورد اليمين: لو قذف رجل شخصا ميتا، وله ورثة، وأرادوا أن يحدوه، فقال: أنا أحلفكم: إنكم لا تعلمون أن مورثكم كان زانيا - فإن له استحلافهم على الصحيح من المذهب.
قال البندنيجي: وهذه اليمين ليست على حد الزنى، لأن اليمين لا مدخل لها فيه، وإنما حلف على ما ادعاه؛ ليسقط حد [القذف الذي هو حق آدمي.
فعلى هذا: إن نكل حلف] القاذف، وسقط حد القذف، ولا يحد المقذوف؛ لأن الزنى لا يثبت بعدلين، فكيف بالنكول ورد اليمين؟! وأشار الإمام إلى حكاية وجه عن رواية الشيخ أبي علي، والصحيح: الأول.
قال: القاضي: وهذا الحكم فيما إذا ادعى سرقة وحلف المدعى عليه، فنكل، وحلف المدعي - لا يقطع المدعى عليه، ويضمن المال؛ لأن القطع لا يثبت [إلا] بعدلين.
وحكى الإمام في كتاب السرقة عن الأصحاب: وجوب القطع في السرقة إذا ثبت المال المسروق باليمين المردودة، وأن من الأصحاب من خرج من مسألة الزنى إلى مسألة السرقة، ومن مسألة السرقة إلى مسألة الزنى، وأثبت فيهما جميعا خلافا.
وستكون لنا عودة إلى ذلك، إن شاء الله تعالى.
قال: ولا يجب الحد إلا أن يقذفه بصريح الزنى أو اللواط أو بالكناية مع النية، أي: ولا يجب بالقذف بغير ذلك.
ووجه وجوبه عند القذف بصريح الزنى: الآية. واللواط في معناه إذا وجب فيه الحد؛ كما هو الصحيح، أما إذا لم يوجب فيه [إلا التعزير، فلا يجب بالقذف [به] إلا التعزير.
стр. 8437
ووجه وجوبه عند الإتيان بالكناية مع النية: أن ما لا يعتبر فيه] الشهادة ولا قبول مخاطب، كانت الكناية فيه مع النية كالصريح، أصله الطلاق والعتاق.
ودليل اعتبار النية مع الكناية سيأتي.
ووجه انتفائه عند القذف بغير ذلك فيما هو أعظم من الزنى، وهو الكفر بالله تعالى: أن القذف بالزنى أعير، وبالنسل أضر، والمقذوف بالكفر يقدر على نفيه عن نفسه بإظهار الشهادتين، ولا يقدر المقذوف بالزنى عن نفيه عن نفسه، وما عدا الكفر دون الكفر؛ فمن طريق الأولى ألا يوجبه.
قال: والصريح أن يقول: زنيت، أو: يا زان، أو: لطت، أو: يا لوطي، أو: زنا فرجك، وما أشبهه، أي كقوله: أتيت بهيمة؛ إن جعلنا إتيان البهيمة يوجب الحد، أو: نكت فلانة، أو: أولجت حشفتك في فرجها - لكن مع الوصف بالتحريم وانتفاء الشبهة، أو: زنا قبلك أو دبرك.
قال الرافعي: والخلاف المذكور في باب الإيلاء في الجماع وسائر الألفاظ [هل] هي صريحة، يعود هاهنا: فما كان صريحا وانضم إليه الوصف بالتحريم كان قاذفا.
وهكذا الحكم فيما لو قال: [لامرأة]: زنيت، أو: يا زانية، أو: يا زان، كما نص عليه الشافعي ﵁ في "المختصر"، أو: يا زاني، كما نص عليه في حرملة، وقال: إنه يرجم، وابن الصباغ قال: إن هذا غير جائز ولا يضر ذلك، ألا ترى أنه لو قال للرجل: يا زانية، كان قذفا، أو قال له: زنيت، وللمرأة: زنيت - كان قذفا.
وفي "الرافعي": أن الداركي قال: سمعت أبا محمد الفارسي يحكي عن نص الشافعي ﵁ في الدعاوى والبينات: أن قوله للمرأة: يا زان، أو يا زاني - لا يكون قذفا. وربما نسب ذلك إلى القديم.
[قال الداركي: وطلبت ما نقله في الموضع، فلم أجده.
وعن صاحب "التقريب" حكاية قول عن القديم] فيما إذا قال [للرجل: يا
стр. 8438
زانية، أنه ليس بقذف، والمشهور الأول.
ولو قال:] علوت على رجل حتى دخل ذكره في فرجك، أو: لاط بك فلان - كان قذفا، سواء خوطب بذلك رجل أو امرأة.
وعن المزني: أنه قال في "المختصر الكبير" - كالمنكر لذلك: "لا أدري على ماذا أقيسه؟! "، فقال الأصحاب: قسه على القبل؛ بجامع أنه وطء يتعلق به الحد.
وألحق القاضي الحسين في "فتاويه" بذلك قوله للرجل: يا مؤاجر للعادة، قال مؤلفها: والأصح أنه كناية.
والخنثى المشكل إذا قيل له: زنيت، أو: يا زانية - كان حكمه حكم الرجل، ولو قال له: زنا قبلك، أو: فرجك، قال في "البيان": الذي يقتضيه المذهب أن فيه وجهين:
أحدهما: أنه صريح.
والثاني: أنه كناية كما لو أضاف الزنى إلى اليد؛ لأن كلاهما يحتمل أن يكون عضوا زائدا.
واعلم أن الرافعي عد قوله: يا لوطي، من كنيات القذف، وهو منطبق على ما حكاه القاضي أبو الطيب في "تعليقه": أنه يرجع إليه إذا قال: [أردت بذلك] [أنه على دين] قوم لوط، [لم يجب] عليه الحد، وإن قال: [أردت] أنه يعمل عمل قوم لوط، وجب عليه الحد، وعليه جرى في "المهذب".
وقال ابن الصباغ: هذا فيه نظر؛ لأنه مستعمل في الرمي بالفاحشة؛ فلا ينبغي أن يقبل قوله: إني أردت به أنه على دينهم، بل يكون قذفا.
وقد حكاه [صاحب] "الكافي" وجها، مع جزمه بأنه عند الإطلاق [يكون
كقوله]: "يا زاني"، كما حكاه الشيخ، على أن في بعض النسخ بدل قوله: "يا
لوطي"، "يا لائط"، والظاهر: أنها الصحيحة؛ ولذلك لم يتعرض النواوي لكلام عليها.
стр. 8439
[وفي "الجيلي": أن في "البحر" أن قوله: "لطت"، أو: "يا لوطي"، ليس بصريح، وقيل: صريح].
قال: والكناية أن يقول: "يا فاجر"، [أو:] "يا خبيث"، أو: ["يا] حلال ابن الحلال" [وهما في الخصومة.
أراد الشيخ بقوله: "وهما في الخصومة"، أن هذه الحالة لا تجعل قوله: "يا حلال ابن الحلال" وشبهها صريحا، كما صار إليه الإمام مالك وأحمد - رحمهما الله - لأن الخصومة شرط كونه كناية، لأن هذا اللفظ يحتمل القذف وغيره فكان كناية].
قال: فإن نوى به القذف، وجب الحد، لوجود شرط العمل بالكناية، وإن لم ينو، لم يجب؛ لأنه قد ثبت أن [في] ذلك كناية، والكناية لا تعمل بدون نية، وإلا كانت صريحا، ولأن الخصم قد وافقنا على اعتبار النية في قوله: "يا حلال ابن الحلال" في حالة الرضا كما نقله الماوردي، فنقول: ما كانت النية شرطا فيه في حالة الرضا كانت شرطا فيه في حالة الغضب كالكنايات في الطلاق،
стр. 8440
ولأن كل ما نسبه إلى نفسه لم يكن إقرارا بالزنى، وجب إذا نسبه إلى غيره ألا يكون قذفا بالزنى؛ قياسا على حالة الرضا.
وقد عد من جملة الكنايات قول الشخص للشخص: "يا قواد"؛ فإنه كناية عن قذف زوجته، وعن الشيخ إبراهيم المروزي: أنه حكى عن أستاذه: أنه قال: هو صريح؛ لاعتياد الناس القذف به.
ومنهم من يجعله صريحا في العامي خاصة، قاله الرافعي في هذا الباب.
واعلم أن عد لفظ الشيخ: "يا حلال ابن الحلال"، من الكنايات حتى يقع بها القذف إذا نواه هو وجه لبعض الأصحاب، ولم يورد الشيخ أبو حامد وجماعة - كما قال الرافعي – سواه.
قال: والصحيح: أنه وما شابهه: [كقوله]: أما أنا فلست بزان، وأمي ليست بزانية، وما أحسن اسمك في الجيران، وما أنا بابن خباز ولا إسكاف، وما أشبهه - ليس بكناية؛ لأن الكناية هي [التي] تنبئ على المعنى وعلى غيره ولو على بعد، وهذه الألفاظ لا دلالة فيها على القذف، بل هي من المعاريض، وما يتخيل ويفهم منها، فمستنده قرائن الأحوال، وإذا لم تكن كناية، لم يحصل بها قذف وإن أريد، لأن الكناية إنما تؤثر النية فيها.
[قال]: وظاهر النص الأول؛ لأنه [قال] كما حكاه القاضي الحسين في أواخر الباب -: ولا حد في التعريض ولا في الكناية ما لم يرد به القذف.
وقد استدل الأصحاب على أن التعريض في حالة الغضب لا يكون قذفا بما
رواه الشافعي مسندا عن أبي هريرة: أن رجلا من فزارة أتى النبي ﷺ فقال: يا
رسول الله، إن امرأتي ولدت غلاما أسود؟! فقال: له النبي ﷺ : "ألك
إبل؟ "، قال: نعم، [قال: "ما ألوانها؟ " قال: حمر كلها، قال: "هل فيها من أورق] "؟ قال: نعم،
قال: أنى ذلك"؟ قال: لعل عرقا نزع، قال: "كذلك هذا، لعل عرقا
следующие страницы →