← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

قال القاضي الحسين: معناه: لا تقوموا بعد الإقامة إلى الصلاة حتى تروني قد قمت. وهذا الخبر يدل على أن الإقامة موكولة إلى نظر المؤذن كالأذان. وجواب هذا: أن هذا الخبر إسناده مجهول؛ قال أبو عيسى-: [إلا] قوله: "لا تقوموا حتى تروني" فإنه قد روي بإسناد صحيح. والثاني: أن قولهم: " [إن] الأذان موكول إلى نظر المؤذن" إن عنوان به في دخول الوقت فصحيح، وإن عنوا به في وقته بعد تحقق دخول الوقت، بمعنى أنه إن رأى أن يؤذن في أول الوقت، أو في آخر وقت الاختيار، أو فيما بينهما، فله ذلك- فالمعنى الذي لأجله قالوا: إن أمر الإقامة موكول إلى الإمام موجود فيه؛ لأن الإقامة

стр. 842

تتبع الأذان، وهما يتقدمان الصلاة، وقد يرى الإمام إيقاع الصلاة في أول الوقت، ويرى المؤذن تأخير الأذان، والجمع بين المقصودين متعذر؛ فيتعين أن يكون المرجع إلى رأي الإمام فيه- أيضاً- على هذا التقدير. وقد ذكرنا عن رواية البخاري عن أبي ذر عن النبي ﷺ ما يمكن أن يستدل به لكل من الأمرين؛ فليطلب منه. ثم الخبر الذي ذكرناه يقتضي استحباب الفصل بين الأذان والإقامة بقدر ما يفرغ الآكل من أكله ونحوه، والأصحاب ضبطوه بقدر ما يتأهب الناس، ويحضر الإمام ويتنفل بالقدر المسنون، وهو في غير المغرب، [وأما المغرب]: فإن المؤذن يوالي بين الأذان [لها] والإقامة؛ لأنه لا تنفل قبلها؛ كذا قاله الماوردي. قال: وتقيم المرأة للنساء استحباباً؛ لأن جابراً سئل: أتقيم المرأة؟ فقال: "تقيم"؛ ولأن مقصود الإقامة إعلام الحاضرين أو من قرب، وذلك يحصل من غير محذور، وهو رفع الصوت الذي [يخشى] منه الفتنة؛ وهذا ما نص عليه. نعم: قال في "الأم": لو تركت ذلك، لم أكره لها من تركها ما أكرهه للرجل. قال: ولا تؤذن، أي: لا يستحب لها أن تؤذن لهن؛ لما روي عن أنس وابن عمر أنهما قالا: "ليس على النساء أذان"، ولأن مقصوده إعلام المغيب، وإنما

стр. 843

يتحصل ذلك برفع الصوت، وفي رفعه توقع فتنة لمن سمعه من الرجال وإن قلنا: إنه ليس بعورة. قال القاضي الحسين: ولهذا قلنا: لا يجوز للمرأة أن تجهر في صلاة الجهر، ولا أن ترفع صوتها بالتكبير، فلو خالفت وأذنت، كره وأجزأ؛ كذا قاله في "المهذب"، والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ في باب إقامة المرأة. وقال ابن الصباغ- هنا-: إن الشافعي قال: إنه لا يكون مكروهاً. وقال في رواية البويطي: يكون مجزئاً. وقد حكى الإمام وراء ما ذكره الشيخ قولين: أحدهما: أنها لا تقيم كما لا تؤذن، وهو ما حكاه القاضي الحسين في باب إقامة المرأة. والثاني: أنها تؤذن كما تقيم، و [لكن] لا ترفع به صوتها؛ فإنها ممنوعة من رفع الصوت منع تحريم. وقد حكى عن المتولي: أن رفع صوتها به مكروه، وهو ما صرح به في "الشامل" في باب إقامة المرأة. وقال في موضع آخر: إنه لم يفرق أصحابنا بين سماع الغناء من الرجل والمرأة وإن

стр. 844

كان سماعه من المرأة أشد كراهة. وستكون لنا عودة إلى ذلك في باب ستر العورة. أما الرجال فلا تقيم لهم ولا تؤذن؛ خشية الافتتان بصوتها. وعبارة البندنيجي: أنه [لا] يجوز أن تؤذن للرجال، فلو خالفت وأذنت، قال في "المهذب": لم يعتد به كإقامتها لهم. وفي "التتمة" حكاية وجه: أنه يعتد بأذانها لهم؛ لأنه إعلام بدخول الوقت، وخبرها مقبول. وفي أذان المرأة وإقامتها في حالة الانفراد- إذا قلنا: إن المنفرد يؤذن- الخلاف المذكور في [أذانها و] إقامتها لجماعة النساء. قال: ومن فاتته صلوات، أي: وأراد قضاءها في وقتِ واحدة، وليس بوقت لحاضرة، أو جمع بين صلاتين، أي: في وقت الثانية، وبدأ بالأولى منهما- أذن وأقام للأولى وحدها، وأقام للتي بعدها في أصح الأقوال، ووجهه في الفوائت ما روى الترمذي عن ابن مسعود أن المشركين شغلوا النبي ﷺ عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله، فأمر بلالاً فأذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء. فإن قيل: هذا الحديث مرسل؛ لأن أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود رواه عن أبيه عن النبي ﷺ ، وهو لم يسمع من أبيه، وأنتم لا تقولون بغير مراسيل ابن المسيب. قلنا: سنذكر خبراً مسنداً في معناه من رواية أبي قتادة وعمران بن الحصين يعضده. ووجهه في الجمع ما رواه مسلم عن جابر: أن النبي ﷺ جمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة بأذان وإقامتين. وهذا هو القديم، وقد اختاره ابن المنذر،

стр. 845

وصححه أئمة العراقيين، كما قاله الروياني في "تلخيصه"، والشيخ اتبعهم، وكأنهم أخذوا ذلك من قول الشافعي: "إذا صح الحديث فهو مذهبي"، أو: "فاضربوا بمذهبي عرض الحائط"، وقد صح الخبر كما ذكرنا. والقول الثاني: وهو المعزيُّ إلى الجديد، وعليه نص في "الأم" و"البويطي": أنه لا يستحب أن يؤذن للأولى، [ولا لما بعدها، ويقيم] لكل صلاة؛ لما روى عن أبي سعيد الخدري قال: حبسنا عن الصلاة يوم الخندق حتى كان بعد المغرب بِهَوِيٍّ من الليل، فدعا رسول الله ﷺ بلالاً، فأقام الظهر فصلاها، [ثم أقام العصر فصلاها]، ثم أقام المغرب فصلاها، ثم أقام العشاء فصلاها، ولم يؤذن لها مع الإقامة. وروى ابن عمر أنه- ﵇ جمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة، ولم يناد في واحدة منهما إلا بالإقامة. رواه البخاري.

стр. 846

وهذا ما اختاره في "المرشد"، وقال الروياني: إنه الأظهر. والقول الثالث- وهو ما نص عليه في "الأمالي"-: أنه إن رجا حضور جماعة أذن للأولى، وأقام [لما بعدها فقط]، وإلا أقام للكل من غير أذان؛ لأن مقصود الأذان- كما تقدم- الإعلام بدخول الوقت، والاجتماع للصلاة، ولا وقت يعلم به في الفوائت والجمع، وإذا رجا حضور جمع، أمكن حصول ما بقي من فائدة الأذان فيأتي به دون ما إذا لم يرج ذلك؛ ولهذا لما كان الناس مجتمعين بمزدلفة، لم يأمر- ﵇ بالأذان، وهذا ما اختاره أبو إسحاق المروزي، كما قال أبو الطيب. قال القاضي الحسين والإمام: فالأذان على القول الأول لحق الصلاة، وعلى القول الثاني لحق الوقت، وعلى الثالث لحق الجماعة. وإذا عرفت الأقوال، علمت أنه يقيم لكل صلاة بلا خلاف، وإما الخلاف في الأذان للصلاة الأولى فقط، وأنه [لا خلاف في أنه] لا يؤذن لما عداها إذا كان الأمر كما ذكرناه؛ وبذلك [كله] صرح الأصحاب. وقد يوهم كلام الشيخ أن الخلاف في الإقامة لما عدا الصلاة الأولى، ودفع الوهم سهل على من علم أن قوله: "أذن وأقام للأولى وحدها، وأقام للتي بعدها"- حكاية لقول واحد فيما يفعله لأجل الصلاة الأولى والثانية. ثم كلام الشيخ يقتضي أن الأقوال منصوصة فيما إذا كان عليه فوائت، وأراد فعلها في وقت واحد، وفيما إذا أراد الجمع بين الصلاتين في وقت الثانية كما ذكرناه، ولاشك أنها منصوصة فيما إذا كان عليه فائتة [واحدة]، وألحق الأصحاب بها ما عداها مما ذكرناه؛ ولذلك جعل القاضي أبو الطيب الخلاف في مسألة الجمع أوجهاً: ووجَّهَ الأصحاب منع الأذان للثانية منهما وإن كانت واقعة في وقتها بأنه لو أذن لانقطع الجمع وهو على رأي شرط، وعلى رأي سنة في نفس العبادة؛ فلا يفوت لأجل سنة خارجة عنها، وقال الإمامُ: هذا [عندي] فيه نظر، ويظهر أن يقول: فيؤذن

стр. 847

للصلاة قبل الظهر. ثم ينقدح في ذلك وجهان: أحدهما: أن الصلاة مؤداة، وهذا وقت أدائها في السفر إذا أخرت. والآخر: أنه يبعد أن يدخل وقت العصر ولا يؤذن له، ثم لا يمتنع أن يقال: يقع الأذان لصلاة العصر وتتقدم عليها صلاة الظهر، والإنسان يؤذن لصلاةٍ، ثم يأتي بعد الأذان بنوافل وتطوعات إلى أن تتفق الإقامة. والوجه عندي: القطع بأنه يؤذن مثل صلاة الظهر ويقيم، ثم يقيم بعد الفراغ من صلاة الظهر ويفتتح صلاة العصر [، أي:] وإن قلنا: إنه لا يؤذن للفوائت. قلت: ولأجل هذا قال بعض المتأخرين: وقد قيل: إنه يؤذن للأولى عند الجمع في وقت الثانية إذا بدأ بها كما صورنا، وإن قلنا: لا يؤذن للفائتة؛ لأنها في حكم الحاضرة؛ ولذلك ينوي الأداء، وقد رأيته مصرحاً به هكذا في "تعليق" القاضي الحسين و"التتمة". أما إذا أراد قضاء الفوائت [في أوقات] متفرقة، [أو لم تكن عليه إلا فائتة واحدة كان في كل صلاة في الصورة الأولى] وفي أذانه في الصورة الثانية الأقوال الثلاثة، ويقيم بلا خلاف كما ذكرنا. ويشهد للقول والتأذين في ذلك ما رواه أبو قتادة أنه- ﵇ قال لبلال لما ناموا بالوادي حتى طلعت الشمس: "قُمْ فأذِّنْ" متفق عليه. ورواه عمران بن حصين- أيضاً- وقال فيه: "فأمر بلالاً فأذن، فصلينا ركعتين، ثم أمره فأقام، فصلينا". متفق عليه. ولو أراد قضاء الفائتة في وقت صلاة حاضرة: فإن أراد تقديم الصلاة الحاضرة أذن

стр. 848

لها بلا خلاف، ولا يؤذن للفائتة، قال القاضي الحسين والإمام: لأنها تابعة فعلاً، والوقت لها، ولو تبعت فائتة لم يؤذن لها، فهذه أولى. وكلام الماوردي الذي سنذكره يقتضي أن الأقوال تجري فيه أيضاً. وإن أراد تقديم الفائتة كان في حكم أذانه لها الأقوال، فإن قلنا: يؤذن لها؛ فأذن؛ فلا يؤذن للحاضرة، ولكن يقيم؛ لأنه- ﵇ لم يأمر بلالاً في يوم الخندق بأذان العشاء، وإن كانت مقامة في وقتها، بل بالإقامة. وإن قلنا: لا يؤذن للفائتة، قال القاضي الحسين في "تعليقه": أذن لفرض الوقت، وهو الأصح، ولم يحك الإمام غيره، وفيه وجه: أنَّه لا يؤذن لفرض الوقت، قال الرافعي: وهو الأظهر. ولو كان الجمع في وقت الثانية، وبدأ بالثانية- أذن لها، وأقام للأولى، ولم يؤذن، وقال الماوردي: إنَّه يؤذنُ للثانية ويقيم، وهل يؤذن للأولى؟ فيه الأقوال؛ لأنه قد أبطل الجمع بتقديمها؛ فصارت كالفائتة. قلت: ويشبه أن يكون هذا تفريعاً على أن تقديم الأولى شرط إذا جمع في وقت الثانية؛ وقد حكى الإمام عن بعض المصنفين أنه قال: إذا قلنا: عن تقديم الأولى شرط في الجمع، فقدم الثانية كانت الصلاة الفائتة في حكم صلاة مقضية؛ فإنها أخرت عن وقتها الموظَّف لها شرعاً في ترتيب الجمع المثبت رخصة، قال: وهذا خطأ صريح؛ فإن صلاة العصر مؤداة في وقتها قطعاً، وما جرى من إخلال بالترتيب آيلٌ إلى صلاة الظهر؛ فإنها خرجت عن حكم الرخصة، وقد أساء فاعلها بتأخيرها، وحرم على نفسه رخصة الجمع. ولو كان الجمع في وقت الأولى فإنه يؤذن [ويقيم للأولى،] ويقيم للثانية ولا يؤذن بلا خلاف كما فعله- ﵇ بعرفة على ما رواه مسلم. قال الإمام: ولا يعهد أن يوالي بين أذانين إلا في صورة واحدة على خلاف فيها، وهي ما إذا قضى فائتة قبل الوقت وقلنا: يؤذن لها، فأذن، فلما فرغ منها دخل الوقت، فأراد أن يقيم الحاضرة- فإنه يؤذن لها.

стр. 849

قلت: وعلى طريقة الماوردي لا ينحصر في ذلك، وقد أغرب ابن كج فحكى عن أبي الحسين بن القطان أنه خرَّج وجهاً: أنه يؤذن لكل صلاة من صلاتي الجمع، قدَّمَ أو أخَّرَ. قال: وإذا لم يوجد من يتطوع بالأذان، أي: الذي يحصل به الشعار- كما تقدم- رَزَقَ الإمام من يقوم به، أي: من مال المصالح، وهو خُمس الخمس، وكذا أربعة أخماس الفيء على قولٍ؛ لأن عثمان فعله، وهو من المصالح. قال القاضي الحسين: وهذا لا خلاف فيه، وقد حكاه ابن المنذر عن نص الشافعي، ﵁. والمستحب للمؤذن: ألا يأخذ ذلك؛ لما روي عن عثمان بن أبي العاص قال: آخر ما عهد إليَّ رسول الله ﷺ : "أَنِ اتَّخِذْ مُؤَذِّنَاً لَا يَاخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْراً". قال: فإن استأجر عليه، جاز، لأنه عمل معلوم؛ فجاز الاستئجار عليه [وإن كان قربة] ككتابة المصحف، ولأنه إعلام بدخول الوقت؛ فجاز الاستئجار عليه [كالإعلام بغير الأذان]، وهذا ما حكاه أبو الطيب والمتولي عن أكثر الأصحاب، ولم يحك القاضي الحسين غيره، وكذا أبو علي في "المحرر"؛ على ما قاله أبو الطيب.

стр. 850

وقيل: لا يجوز؛ لأنه قيام بعبادة بدنية؛ فلم يجز بذل الأجرة في مقابله؛ كالاستئجار لقراءة القرآن، وهذا ما اختاره الشيخ أبو حامد والقفال، وحكاه ابن المنذر عن النص؛ على ما حكاه ابن الصَّبَّاغ، وقال أبو الطيب: إنَّه ليس بشيء. أما إذا وجد من يتطوع به؛ فلا يجوز الرزق عليه، والاستئجار أولى. نعم، لو كان المتطوع فاسقاً أو حرش الصوت، جاز أن يرزق أميناً أو حسن الصوت، على وجه حكاه المتولي وغيره. واختار أبو محمد منعه. ومنهم من جزم بجواز الرزق عند تطوع الفاسق، وحكى الخلاف في الصورة الأخرى، وكلام ابن الصباغ يميل إلى ذلك. وقد شبَّه المتولي الخلاف المذكور بالخلاف فيما إذا وجد [الأب] من يرضع ولده بغير أجرة، وامتنعت الأم إلا بأجرة. والقاضي الحُسَيْنُ قال: إنَّ الخلاف المذكور هنا مَبْنِيٌّ على القولين ثَمَّ. ولو كان في البلد مساجد، وأمكن جمع أهله في مسجد واحد، فهل يجوز أن يرزق مؤذن كلِّ مسجد كما لو كان الشعار لا يحصل إلا بذلك ولا يمكن الجمع، أو لا يرزق إلا واحداً؛ كما لو كان في المسجد مؤذنان يمكن إقامة شعاره بأحدهما؟ فيه وجهان في "التهذيب" و"التتمة" وغيرهما. وحكى الإمام عن بعض المصنفين: أنه حكى عن ابن سريج أنه كان يُجَوِّزُ للإمام أن يرزق أكثر من واحد. ثم إذا جوزنا للإمام الاستئجار عليه، فهل يجوز لآحاد الناس ذلك؟ فيه وجهان: ادعى الإمام هنا أن المذهب منهما التصحيح، واختار في "المرشد" مقابله. ويجيء من مجموع ذلك فيهما ثلاثة أوجه، ثالثها: يجوز للإمام دون الآحاد، وبها صرح الإمام في باب الجعالة من كتاب النكاح، وصحح الجواز مطلقاً، والغزالي حكاها في الإجارة.

стр. 851

وإذا جوزنا للإمام وغيره تبعت الإقامة، وفيما مقابله الأجرة أوجه ذكرناها في كتاب الإجارة. قال البغوي وغيره: ولا يحتاج الإمام إذا استأجر من مال بيت المال إلى تعيين المدة، بل يقول: استأجرتك؛ لتؤذن في هذا المسجد كل شهر بكذا. وإن استأجره من مال نفسه أو آحاد الرعية، ففي الاحتياج إلى بيان المدة وجهان في "التهذيب". ***

стр. 852

باب ستر العورة الستر- بفتح السين-: مصدر: ستر يستر، والسترة-[بضم السين]: ما يستتر به، والستر- بكسر السين-: واحد [الستور] والأستار. والعورة في اللغة: النقص والخلل، وكل ما يستحيا منه؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب: ١٣] ومنه سمي الناقص [إحدى] العينين: أعور، والكلمة القبيحة عورة. والمراد بها في الباب: كل ما يجب ستره من البدن في الصلاة، وسنودعه ما يجب ستره عن أعين الناظرين. قال: ويجب ستر العورة، أي: من الذكور والإناث والخَنَاثَى، عن العيون، أي: في الصلاة وغيرها؛ لما روى أبو داود والدارقطني عن علي- كرم الله وجهه- قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا تكْشِفْ فَخِذَكَ، وَلَا تَنْظُرْ إِلَى فَخِدِ حَيٍّ ولَا مَيِّتٍ"، وفي رواية: "لَا تُبْرِزْ فَخِذَكَ". والفخذ من العورة- كما ستعرفه- وإذا وجب ستره،

стр. 853

فغيره أولى؛ لأنه أفحش. وقد روى [مسلم] عن المسور بن مخرمة قال: أقبلت بحجر أحمله ثقيل، وعليَّ إزار خفيف، فانحدر إزاري، ومنعني الحجر، فلم أستطع أن أضعه حتى بلغت به إلى موضعه، فقال رسول الله ﷺ : "ارْجِعْ إِلَى ثَوْبِكَ فَخُذْهُ وَلاَ تَمْشُوا عُرَاةً". والمراد بالعيون: عيون الجنس والإنس والملائكة؛ لقوله من بعدُ: وهو شرط في صحة الصلاة، والشرط فيها الستر عن الكل، حتى لو كان في خلوة لم تصح بدونه اتفاقاً. وقد قيل: لا يجب الستر في الخلوة في غير الصلاة، وبه قال الشيخ أبو محمد؛ إذ يجوز التكشف بسبب استحداد وقضاء حاجة من [غير] إرهاق وضرورة، ومعه لا معنى لإيجاب الستر في الخلوة، وهذا ما حكاه ابن الصباغ والقاضي أبو الطيب عند الكلام في اشتراط ذلك في الصلاة. وقال الجيلي: إنه أصح في بعض الكتب. والأصح في أكثرها- ومنها: "المهذب" و"الرافعي"- الأول، وهو اختيار الشيخ أبي علي، وقال الماوردي والبندنيجي والروياني: إنه مذهب الشافعي؛ لظاهر الخبر، وقد روى الترمذي: أنه- ﵇ سئل عن ذلك فقال: "واللهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيا مِنْهُ".

стр. 854

ثم الستر يجب من الجوانب كلها، وهل يجب من العلو [والسفل؟ فيه كلام يأتي. ولا يجب ستر عورته عن نفسه، بل نظره إليها مكروه]، وإن كان لفظ "العيون" يشمله. قال: بما لا يصف البشرة؛ إذ به يحصل الستر، ويدل عليه من السنة: ما روي عن عائشة- ﵂ أنها قالت: دخلت أختي أسماء على رسول الله ﷺ وعليها ثياب رِقَاقٌ؛ فأعرض عنها، وقال: "يَا أَسْمَاءُ، إِنَّ المَرْأَةَ إِذَا بَلَغَتِ المَحِيضَ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يُرَى مِنْهَا إِلا هَذَا. وَأَشَارَ إِلَى وَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ". وفي "البحر": أن بعض أصحابنا قال: يجوز الصلاة في الثوب الواصف للون. قال: وكذا ذكره القفال زماناً، وألزم عليه فساد صلاة العريان في الماء الصافي؛ فرجع عنه. وقد أفهم قول الشيخ: بما لا يصف البشرة، أموراً: أحدها: أنه لا يتعين للقيام بواجب الستر شيءٌ مخصوص مما يقع به ستر البشرة، بل يكفي فيه الجنس الذي يلبس عادة: كالمتخذ من الكتان، والقطن، والصوف، والشعر، والوبر. أو غير عادة: كالمتخذ من الجلود، والرقوق، والورق المصنوع والمخلوف، والليف، ونحو ذلك. وما لا يلبس أصلاً: كالماء الكدر، والطين،

стр. 855

والتراب، والدِّنان الضيقة الرأس، والحفرة في الأرض؛ لأن ذلك يستر البشرة، وهو كذلك عند الأصحاب إلا الماوردي؛ فإنه قال: إذا قلنا بوجوب الستر في الخلوة، فهل يجوز أن ينزل في ماء النهر والعين بغير مئزر؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأن الماء يقوم مقام التراب في ستر عورته. والثاني: لا؛ لما روي أنه- ﵇ نهى أن ينزل بغير مئزر، وقال: "إنَّ لِلْمَاءِ سُكَّاناً". وتعليل الوجه الأول يُؤْذِن بأن محل الخلاف إذا كان الماءُ كدراً. الثاني: أنه يتعين أيُّ الأنواع قدر عليه عند عجزه عن غيره، ولاشك فيه فيما يعد لبساً معتاداً، أو نادراً، حتى لو لم يقدر إلا على ربط الورق أو الحشيش على عورته، وجب.

стр. 856

أما ما لا يُعَدُّ لبساً: كالتطيين ونحوه، فللإمام فيه كلام ستعرفه. الثالث: أنه يجوز الستر بما يصف تكوين الأعضاء دون البشرة، وبه صرح غيره، وقالوا: الأولى للرجل ألا يقتصر على ذلك، ويكره للمرأة؛ قاله الماوردي. والبشرة: ظاهر الجلد، وعدم وصفها: ألا يرى بعد اللبس بياضها وسوادها. ثم ما ذكره الشيخ وإن كان ظاهره تعميم وجوب الستر في كل حالة، فهو مخصوص بمحل الحاجة: كقضاء الحاجة، ونحوها، وكشف ذلك للختان من طريق الأَوْلى؛ لأنه واجب، وألحق به المداواة. وعبارة الغزالي في ضبط ذلك: ولا يحل كشفها إلا لحاجة مؤكدة: كمعالجة مرض يخاف منه فوات العضو، وطول الضَّنَى. قال: ولتكن الحاجة في السوءتين أشد، وضابطها: ما لا يعد الكشف لأجله في العرف هتكاً للمروءة. [واعلم أنه كما يجب سترها عن العيون يجب على الناظرين كف أبصارهم عنها إلا في حال الحاجة إلى النظر؛ كما سيأتي في باب تحمل الشهادة]. قال: وهو- أي: الستر عن العيون بما لا يصف البشرة- شرط في صحة الصلاة، أي: المفروضة والنافلة؛ لقوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، قال ابن عباس: عني بذلك الثيابَ عند الصلاة. وإذا كان كذلك، فالأمر ظاهره الوجوب، وأفاد التقييد بالصلاة: شرطيته فيها؛ إذ هو واجب في غيرها- كما تقدم- ويشهد له قوله- ﵇: "لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاة حَائِضٍ إِلا بِخِمَارٍ"، وأراد التي: بلغت سن الحيض؛ كما يقال: مُحْرم ومُتْهِمٌ

стр. 857

ومُنْجِدٌ، لمن دخل الحرم وتهامة ونجداً، وإلا فالحائض في زمان حيضها لا تقبل صلاتها بوجه ما. قال الماوردي: وقد روي: " لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاة امْرَأَةٍ تَحِيضُ إِلا بِخِمَارٍ". فإن قيل: الستر لا يختص وجوبه بالصلاة؛ فوجب ألا يكون شرطاً فيها؛ كالنظر إلى المحرمات، والكف عن لصلوات في الدار المغصوبة. فجوابه: أنا لا نسلم أنه لا يختص بالصلاة، أما على قولنا: إنه لا يجب في الخلوة، فظاهر، و [أما] على قولنا: إنه يجب في الخلوة؛ فهو يجوز في حال دخول الخلاء، وحلق العانة، ونحو ذلك، وبه يظهر أنه مختص بالصلاة. ثم لو صح، لكان [منتقضاً] بالإيمان والطهارة عن الحدث؛ فإنها تجب لمس المصحف؛ فثبت ما ذكرناه. والشرط في اللغة: العلامة، يقال: من أشراط الساعة كذا، أي: من علاماتها، والمراد به في اصطلاح الفقهاء فيما نحن فيه ونظائره: ما يلزم من انتفائه انتفاءُ الشيء الذي جعل شرطاً فيه، مع أنه ليس بمفهوم له؛ فعدمه حينئذ علامة على النفي. واحترزوا بقولهم: وليس بمفهوم له، عن الركن؛ فإنه يلزم من نفيه النفيُ لكنه مفهوم له، بمعنى: أنه داخل في مسماه، ولا يتصور ركن إلا لمركب، والشرط يتصور

стр. 858

للمركب والبسيط. تنبيه: قول الشيخ: وهو شرط في صحة الصلاة، يفهم أموراً: أحدها: أنه شرط مطلقاً، وقوله من بعد: فإن لم يجد صلى عرياناً، ولا إعادة عليه- يدل على أنه شرط [مطلقاً] عند القدرة، أما مع العدم فلا. نعم، إذا قلنا: يصلي [عارياً] ويعيد، كان شرطاً مطلقاً. ثم قضية كونه شرطاً مطلقاً أو مع الوجود: أنه لو صلى عارياً ظانّاً للعدم، ثم تبين أنه غير عادم؛ بأن مات له قريب في ملكه سترةٌ حاضرة عنده، أو صلى ظانّاً أنه مستور كل العورة، فظهر أنه مكشوف بعضها؛ بأن ظهر له بعد الصلاة أن في ثوبه على محل عورته قطعاً كان في الصلاة أو بعضها، أو كان المصلِّي أمةً صلة مكشوفة الرأس، ثم ظهر أنها عَتَقَتْ قبل الصلاة- أن تجب الإعادة، وهذا هو الصحيح في الكل. وقيل: لا تجب؛ تخريجاً مما إذا صلى ثم رأى في ثوبه نجاسة كانت عليه في الصلاة لم يعلم بها قبل الدخول؛ حكاه في الأولى المتولي، وفي الثانية والثالثة هو وغيره من العراقيين. وقال الماوردي: إنَّ الأصحاب اختلفوا مِمَّ خُرِّج في الأخيرة؟ فمنهم من قال: إنه خرج من [المتيمم] إذا صلى، ثم علم أن في رَحْلِهِ ماء. ومنهم من قال: إنَّه خرج من قوله في المسافرين: إذا رأوا سواداً فظنوه عدوّاً، فصلوا صلاة شدة الخوف، ثم بان لهم أنه إبل أو وحش. وبعضهم امتنع من تخريج قول فيها، وقطع بوجوب الإعادة، وفرق بينها وبين

стр. 859

مسألة النجاسة بأن الأمة كانت مندوبة للستر؛ فهي مفرِّطة في الترك، ولا تفريط من غيرها. قلت: وهذا الفرق ظاهر إذا تمكنت من ستر الرأس دون ما إذا كانت في حال ظنها الرق غير متمكنة. ثم إذا قلنا بعدم الإعادة تخريجاً على مسألة النجاسة، [فلو] كان قد علم بالسترة ثم نسيها، أو بالقطع في الثوب ثم نسيه، أو علمت [الأمة بالعتق ثم نسيته- فالقياس أن يأتي في الإعادة الطريقان في] نظير المسألة من النجاسة، كما سيأتي. وقد أشار إليه القاضي الحسين في الصورة الثانية منهما بقوله: فالمذهب وجوب الإعادة. الثاني: أن ما ذكرنا أنه واجب في الصلاة وغيرها هو الشرط في صحة الصلاة، وذلك يقتضي جواز الستر في الصلاة بالماء الكدر والطين مع وجود الثياب وغيرها كما قررناه، ووجوب الستر بذلك عند فقد غيره، وهو الظاهر من كلام الأصحاب. وبعضهم جزم بالاكتفاء بالستر بهما، وقال في وجوب ذلك عند التعيُّن وجهين، وهذه [الطريقة] طريقة الإمام؛ فإنَّه قال: لو وقف المصلي في ماء كدر، فهو مستور تصح صلاته، ولو طلى طيناً فهو أستر باتفاق الأصحاب، وهو كافٍ مع القدرة على الستر بالثياب. فلو لم يكن معه ثوب، وكان متمكناً من التسبُّب إلى تحصيل طين ينطلي به، فهل يجب؟ حكى العراقيون فيه وجهين، وهما في "المهذب" وغيره: وادعى البندنيجي: أن المذهب منهما: اللزوم؛ لأنه لو طلى رأسه بطين وهو محرم افتدى. ووجه مقابله- وهو قول أبي إسحاق-: أنَّه تلويث. قال الإمام: ولأنه لو وجب لدام الوجوب في الصلاة وغيرها، وتكليف ذلك عظيم مُنْتَهٍ إلى مشقة ظاهرة. والقاضي الحسين حكى الخلاف في الطين، هل يكفي ساتراً في الصلاة أو لا؟

стр. 860

لأنه يتشقق عند الركوع والسجود، وحكاه في الماء [الكدر]؛ لأنه [لا] يعد ساتراً. وقضية هذا التوجيه: أن يطرد هذا الوجه فيما إذا صلَّى على جنازة في دَنٍّ ضيق الرأس لا تظهر منه عورته. وقد جزم القاضي والمتولي فيه بالصحة، والنواوي حكى الوجه فيه وفيما إذا حفر حفرة ووقف فيها، ولم يَرُدَّ عليه التراب [على قدره]. وقال فيما إذا رد عليه التراب حتى ستره: صحت صلاته. ولم يحك غيره. ومثل هذا مصرَّحٌ به فيما إذا صلى مضطجعاً على جنبه، فاستتر بالتراب. وقد أفهم كلام الشافعي في "الأم" أنه لا يجوز الستر بغير الثياب مع القدرة عليها؛ لأنه قال: "إذا لم يجد ثوباً، ووجد ورق الشجر ستر عورته وصلى". قال ابن الصباغ: لأنَّه أندر ما يقدر عليه من الستر. والماوردي جرى على ذلك في الطين، فقال: إنَّه يكفي عند عدم الثياب ونحوها. فلو لم يجد من الطين ما يستر العورة ووجد ما يغير [به] لونها- لا يجب، ولكن يستحب، قاله الماوردي. الثالث: أن ما كان شرطاً في صحة الصلاة هو الواجب في غيرها؛ وذلك يقتضي أمرين: أحدهما: أنَّ الواجب في السَّتْر على المشهور إنَّما هو من جهة الجوانب والعلو دون السفل، حتى لو وقف على طرف سطح، وكان من تحته يرى عورته من أسفل ثيابه، لا يحرم عليه ذلك؛ لأن المشهور أن صلاته كذلك تصح. وقال المتولي: إنّه لا خلاف فيه. قال القاضي الحسين: وخالف هذا لابس الخف؛ فإنه يعتبر الستر في [حقه] [من] الجوانب والسفل دون العلو؛ لأن الخنف إنما يتخذ للبس الأسفل في العادة؛

стр. 861

فاعتبر ستر الأسفل، والقميص إنما يتخذ [لستر] الأعلى دون الأسفل؛ فاعتبر ستر الأعلى به خاصة. وحكى الروياني في "تلخيصه" وجهاً نسبه في "البحر" إلى رواية والده: أن صلاته لا تصح [كذلك، وقال]: [لأنه كما يلزمه الستر لحق الآدمي من الأعلى والأسفل كذلك يلزمه لحرمة الصلاة. وهذا التعليل مؤذن بأن ذلك يجب في غير الصلاة وجهاً واحداً، وقد توقف الإمام، وتبعه صاحب "المعتمد" في صحة الصلاة كذلك، وقال]: لست أجيز القول بأنه يحل [له] ذلك؛ فإنه [يعرض] نفسه للنظر. وإذا فرض الواقف على شاخص ولا عين تقدر لإدراك السوءة منه، فهذا لا يعد في العرف مستتراً أصلاً إلا أن يكون ملتف الساق. الثاني: إجراء وجهين فيما إذا كان في ثوبه خرق على محل عورته، فوضع يده [عليه] من غير أن يجمع بها الثوب، وفيما إذا لبس ثوباً واسع الطَّوْق، ولم يَزُرّه، ولا شاكه بشوكة، بل كانت لحيته عريضة استترت بسببها عورته، وفيما إذا كان طوق القميص مفتوحاً، لكنه لا يظهر منه [عورة] في حال قيامه، وكانت بحيث تظهر لو ركع أو سجد- فإن الأصحاب حكوا في [كل من] الأولين وجهين في صحة الصلاة، ووجهوا المنع- وهو الذي جزم به ابن كج والماوردي، وصححه الروياني- بأن الساتر ينبغي أن يكون غير المستور، وقال الإمام: المذهب عندي مقابله، وهو الذي صححه الرافعي؛ لأنه لا يعصي بذلك في غير الصلاة، والستر لا يختلف في الصلاة وغيرها. والصورة الثالثة الخلاف فيها من تخريج الإمام؛ فإنه قال: هل نحكم فيها ببطلان الصلاة عند الركوع، أو نحكم بصحتها ابتداء؟ يظهر أن يكون فيها

стр. 862

الخلاف السابق من جهة أن سبب الستر وعدم [التكشيف] التصاق صدره في قيامه بمواضع [أزراره. قال الرافعي: وتظهر فائدة الخلاف فيها فيما لو اقتدى به غيره قبل] الركوع وفيما إذا وضع ثوباً على عاتقه قبل الركوع، أو [زَرَّه] أو شاكه بشوكة- فإنها لا تبطل كما لو فعل ذلك في ابتداء الأمر. قلت: وهذا ظاهر فيما إذا لم يكن عزمه حالة الدخول في الصلاة الاستمرار على تلك الحالة التي شرع فيها، أما إذا كان عزمه الاستمرار عليها فيظهر أن يكون في البطلان من الخلاف ما ستعرفه في باب ما يفسد الصلاة. ولا خلاف في أنه لو جمع الثوب المخرق، وأمسكه بيده- في صحة صلاته، حكاه المتولي والقاضي الحسين لانتفاء علة المنع، وهي إيجاد الساتر [و] المستور، وقضيتها: [الطرد فيما إذا وضع الغير يده على موضع الخرق وإن كان فعل ذلك] محرماً؛ كما لو سترها بقطعة ديباج، وبه صرح القاضي أيضاً. قال: وعورة الرجل- أي: حرّاً كان أو عبداً، مسلماً أو ذميّاً- ما بين سرته وركبته، وهذا لفظ [الخبر]، وهو يقتضي أن الركبة والسرة ليستا من العورة، وما عداهما منها، وهو الصحيح في "المهذب"، والمذهب في "النهاية"، والمنصوص عليه في عامة كتبه- كما قال البندنيجي- ولم يورد القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والفوراني والمتولي غيره، وكذا الماوردي، واستشهد له بقوله- ﵇: "مَا فَوْقَ الرُّكْبَتَيْنِ مِنَ العَوْرَةِ، وَمَا أَسْفَل السُّرَّةِ عَوْرَةٌ"، رواه الدارقطني، وقال: إنه لا يقدر على ستر عورته إلا بستر بعض السرة والركبة؛ كما لا يقدر على غسل الوجه إلا

стр. 863

بالمجاوزة إلى غيره؛ فيجب ذلك وسيلة لتحصيل المقصود. وقد قيل: إن السرة والركبة من العورة- أيضاً- حكاه في "المهذب" وجهاً، وقال الإمام بعد روايته عن العراقيين: إنه غير معدود من المذهب. وقال الروياني: إن أبا جعفر الترمذي حكاه عن الشافعي، ثم قال: وهذا لا يعرف [له]، ولكنه قول بعض أصحابنا. وقيل: إن السرة منها دون الركبة؛ لأنها أفحش، ولا يتأتى ستر ما دونها إلا بسترها؛ حكاه ابن يونس وابن التلمساني والنواوي في "الروضة". وقيل: إن الركبة منها دون السرة؛ حكاه الرافعي عن رواية أبي عاصم العبادي. وقيل: إن العورة القبل والدبر خاصة؛ حكاه الحناطي عن الإصطخري. وهو غلط؛ لما روى ابن المنذر والإمام أحمد عن جرهد- وكان من أصحاب الصُّفَّة- أن رسول الله ﷺ رآه قد كشف عن فخذه فقال: "غَطِّ فَخِذَكَ؛ فَإِنَّ الفَخِذَ مِنَ العَوْرَةِ". ورواية أبي داود عنه قال: جلس رسول الله ﷺ عندنا، وفخذي منْكشفة، فقال: "أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الفَخِذَ عَوْرَةٌ". وجرهد: بفتح الجيم، وسكون الراء، وفتح الهاء، ودال مهملة، ذكره في "الاستيعاب".

стр. 864

فإن قيل: هذا الخبر يعارضه ما روته عائشة- ﵂ أنه- ﵇ كان مضطجعاً في بيتها، كاشفاً عن فخذه، فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على تلك الحالة، ثم استأذن عمر فأذن له كذلك، ثم استأذن عثمان، فجلس رسول الله ﷺ وسوَّى ثيابه، فدخل يحدث، فلما خرج قلت: يا رسول الله، إنه دخل أبو بكر [فلم] تَهَشَّ له ولم تُبَالِهِ، ثم دخل عمر فلم تهش له ولم تباله، ثم دخل عثمان فجلست وسَوَّيْتَ ثيابك، فقال: "أَلا أَسْتَحْيِ مِنْ رَجُلٍ اسْتَحْيَتْ مِنْهُ المَلائِكة"؛ [فإن هذا] يدل على أن الفخذ ليس بعورة. قلنا: هذا الخبر قد [اختلف الرُّواة] فيه: فبعضهم يرويه: "كاشفاً عن فخذه" كما ذكرنا، وعلى رواية: "كاشفاً عن ساقيه"، وليسا بعورة، وإذا اختلفت [الرواية] لم يقع به تعارض، على أنه يحتمل أن يكون الموضع المكشوف ليس في الناحية التي جلس فيها أبو بكر [وعمر]، وعثمان أحب النبي ﷺ أن يقرب مجلسه؛ ليزول حياؤه؛ فيقول حاجته، وكان من جلس ذلك المجلس منه يرى انكشاف فخذه؛ فلذلك غطاه. ويحتمل أن يكون كاشفاً ثوبه عن فخذه مع استتاره بغيره، ولم يغطه لأجل أبي بكر وعمر؛ لما بينهما من الصِّهارة، وعثمان كان حيّاً؛ فغطاه من أجله؛ خشية أن يستحيي فلا يقول حاجته. وقد جاء في رواية قالها أبو الطيب: أنه ﷺ قال حين سألته عائشة: "إنَّ عُثْمَانَ رَجُل حَيِيٌّ خَشِيتُ إنْ أَذِنْتُ لَهُ عَلَى تِلْكَ الحَالِ أَلَّا يُبَالِغَ فِي حَاجَتِهِ". قال: وعورة الحرة جميع بدنها إلا الوجه والكفين؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]. قال ابن عباس: ما ظهر منها: وجهها وكفاها،

стр. 865

وحكاه في "التتمة" عن عائشة- أيضاً- والرافعي عن المفسرين، وخبر عائشة الذي أسلفناه في أول الباب يعضد هذا التفسير. قال بعضهم: وخص الله- تعالى- الزينة بالذِّكْر دون مواضعها؛ مبالغة في التستُّر والتصوُّن. ولأنهما لو كانا من العورة؛ لما وجب كشفهما حال الإحرام، والحاجة تدعو إلى كشفهما في البيع والشراء والأخذ والعطاء. وهذه العلة تفهمك أن المراد بالكف: من مبتدأ رءوس الأصابع إلى الكوعين ظهراً وبطناً، وهو الذي حكاه جمهور الأصحاب هنا. وفي "تعليق" القاضي الحسين: أن من أصحابنا من قال: [ظهرهما] عورة كظهر القدمين، وقد حكاه الرافعي في كتاب النكاح. وقال المزني: ظهر القدمين ليس بعورة كظهر الكفين، ولأنه مكشوف في العادة؛ فلم يلزمها ستره؛ كالوجه والكفين. وبعض الأصحاب ألحق أخمص القدمين ببطن الكفين حكاه الفوراني وغيره من أصحاب القفال عن روايته. قال الروياني: ويقال: إنه حكاه قولاً في المسألة. والمذهب الأول؛ لما ذكرناه؛ فإن من ضرورة ظهور الكف ظهور ظهره، وفي تكليف ستر البطون فقط مشقة أشد من مشقة ستر الجميع، وأما أخمص القدمين فمستوران في الغالب، وكذا ظهر القدمين؛ ولهذا لم يجب على المحرمة كشفهما مع أنه ورد عن أم سلمة أنها قالت: قلت: يا رسول الله، أتصلي المرأة في درع وخمار، وليس عليها إزار؟ فقال: "نَعَمْ، إِذَا كَانَ سَابِغاً يُغَطِّي ظُهُورَ قَدميها". رواه أبو داود.

стр. 866

قال: وقد روي موقوفاً على أم سلمة. وقد أفهم قول الشيخ: "وعورة الحرة كذا"، أنه لا عورة [لها] غير ذلك، ومنه يظهر أن صوتها ليس بعورة، وهو الذي جزم به القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما عند الكلام في التلبية في الحج، والقاضي الحسين قاله ثَمَّ [، و] قال في كتاب الصلاة: إنه هل هو عورة بالنسبة إلى الصلاة وغيرها حتى لو فعلت ذلك تبطل صلاتها أم لا؟ فيه وجهان. قال: وعورة الأمة ما بين السرة والركبة؛ لقوله- ﵇: "إِذَا زَوَّجَ أَحَدُكُمْ [خَادِمَهُ عَبْدَهُ] أَو أَجِيرَهُ فَلا يَنْظُرْ إِلَى مَا دُونَ السُّرَّةِ وَفَوْقَ الرُّكْبَةِ". رواه أبو داود. ولأن الإجماع على رأسها ليس بعورة؛ فإن عمر ضرب أمة لآل أنس رآها مقنعة، وقال: اكشفي رأسك، ولا تتشبَّهي بالحرائر. وفي رواية أخرى: ضربها، وقال: يا لكعاء، لا تتشبهي بالحرائر. ولم ينكر عليه أحد. وما روي عن الحسن [البصري] أنه يوجب عليها لبس الخمار إذا تزوجت أو اتخذها سيدها لنفسه- متأخر عن ذلك. وإذا ثبت ذلك قلنا: من رأسه ليس بعورة لا يكون ما عدا بين سرته وركبته عورة؛ كالرجل. وعلى هذا يجيء في دخول السرة والركبة فيها الخلاف السابق، وما ذكره هو المذهب في "المهذب" و"تعليق" البندنيجي و"تلخيص" الروياني. وقال ابن الصباغ تبعاً لأبي الطيب: إن الشافعي لم يذكر قدر عورة الأمة، ونسب ما ذكرناه إلى اختيار أبي إسحاق، وهو الذي صححه القاضي- أيضاً- ووراءه وجهان: أحدهما: أن عورتهما كعورة الحرة إلا الرأس؛ قاله أبو علي في "الإفصاح"،

стр. 867

واستدل [له] بما روي أنه ﷺ قال: "المَرْأَةُ عَوْرَةٌ". قال بعضهم: وهو حديث حسن صحيح؛ فثبت بهذا [الخبر] أن كلها عورة، وخرجت الرأس بما ذكرناه؛ فبقي باقيها على حكم الخبر. قال الروياني: وقد اختار هذا ابن بنت [أبي] أحمد؛ يعني: صاحب "التلخيص". والثاني: أنها كالحرة إلا مواضع التقليب منها، وهو ما يبدو منها عند العمل. قال في "المهذب": مثل الوجه والكفين والذراعين. وأضاف ابن الصباغ وأبو الطيب والروياني إلى ذلك على [هذا] الوجه: الساق. وأضاف القاضي الحسين إلى ذلك كله على هذا الوجه: العنق. وقال البندنيجي: إنه الوجه والرأس والرجلان، هذه طريقه. وقال في "الحاوي": لا يختلف المذهب أن رأسها وساقها ليس بعورة، وأن ما بين سرتها وركبتها عورة، وفيما بين سرتها ورأسها من صدرها وظهرها وجهان: أحدهما- وهو قول أبي إسحاق، وعليه أصحابنا-: أنه ليس بعورة، ويجوز النظر إليه عند التقليب. والثاني- وهو قول ابن أبي هريرة-: أن ذلك عورة في الصلاة ومع الأجانب، وهذه الطريقة لم يحك الإمام غيرها، غير أنه جعل طرف الساق ملتحقاً بالرأس، وحكى وجهين فيما تحت الركبة مما لا يظهر في المهنة. وقد أدخل الشيخ بلفظ الحرة: المكلفة وغيرها، والمسلمة وضدها، وبلفظ الأمة:

стр. 868

القنة، والمدبرة، والمكاتبة، والمعلق عتقها بصفة، وأم الولد؛ لأنهم- الكل- يُضْمنون بالقيمة. ولاشك فيما أفهمه كلامه إلا ما سنذكره في الصغيرة في بعض الأحوال. قال الروياني: [والمكاتبة] إذا كان معها ما توفيه في النجوم، وقد حَلّت- يُكْره لها أن تصلي مكشوفة الرأس. فلا يدخل في اللفظين مَنْ بعضها حر، وللأصحاب في إلحاقها بالحرة في ذلك أو بالأمة وجهان حكاهما الماوردي، وصحح الأول منهما، وهو ما [أورده البندنيجي] وادعى الشاشي أنه ظاهر المذهب. ومقابله هو المذكور في "الشامل" و"تعليق" أبي الطيب والبندنيجي و"التتمة". ولفظ" الرجل" ينظم: الحر والعبد، [ويخرج الخنثى، والذكر من الأطفال، وهو حسن بالنسبة إلى نظمه الحر والعبد]، وإخراج الخنثى فإن حكمه مغاير؛ لأن الماوردي قال: إن عورته في صلاته ومع الرجال كعورة النساء؛ فإن كان حرّاً فعورته عورة الحرائر. وقال الشافعي: آمره أن يلبس القناع، وأن يقف بين صفوف الرجال والنساء. وإن كان رقيقاً فيستر ما تستره الأمة. فإن قلنا: إنه أزيد مما بين السرة والركبة، فخالف واقتصر على ستر ما بينهما، وصلى، فهل يجزئه؟ فيه وجهان حكاهما الرافعي عن "البيان"، مأخذهما: أن الأصل شَغْل الذمة ولا تبرأ إلا بيقين، وكون الزيادة [عورة] مشكوك فيها، وفي "زوائد" العمراني حكاية الوجهين فيما إذا كان حرّاً فصلى مكشوف الرأس، ونحوها. وأما الذكور من الأطفال فقد قال الماوردي فيهم وفي الأطفال الإناث: إنه لا حكم لعوراتهم فيما دون سبع سنين، فإذا بلغ الغلام عشر سنين والجارية تسع سنين كانا كالبالغين من الفريقين في حكم العورة وتحريم النظر إليها؛ لأن هذا زمان يمكن فيه بلوغهم؛ فجرى حكمه عليهم؛ لتغليظ حكم العورات. وأما الغلام فيما بين العشر والسبع، والجارية فيما بين السبع والتسع فيحرم النظر

стр. 869

إلى فرجهما، ويحل فيما سواه، وسنتمُّ ما قيل في ذلك في آخر الباب، إن شاء الله تعالى. قال: والمستحب أن يصلي الرجل في ثوبين: قميص، ورداء؛ لظاهر قوله تعالى ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، والثوبان أهم الزينة، وقد روي أنه- ﵇ قال: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَلْبَسْ ثَوْبَيْهِ؛ فَإِنَّ اللهَ أَحَقُّ مَنْ تُزُيِّنَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ثَوْبَانِ، فَلْيَاتَزِرْ إِذَا صَلَّى، وَلَا يَشْتَمِلِ اشْتِمَالَ اليَهُودِ". قال الجيلي: أخرجه رزين في صحيحه. ورواية أبي داود، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا كَانَ لأَحَدِكُمْ ثَوْبَانِ، فَلْيُصَلِّ فِيهمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ [لَهُ] إِلَّا ثَوْبٌ فَلْيَتَّزِرْ بِهِ، وَلَا يَشْتَمِلِ اشْتِمَالَ اليَهُودِ". واشتمال اليهود: أن يخلل يديه الثوب ويسبله من غير أن يشد طرفه. وقال بعضهم: إنه اشتمال الصمّاء أو قريباً منه. والصحيح: أنه غيره؛ فإن اشتمال الصماء: أن يلتحف بثوب، ويخرج يديه من قِبَل صدره؛ فيصير كالصخرة الصماء التي ليس فيها فرق ولا صدع؛ فيعسر عليه الركوع والسجود. وقال في "التتمة": إن اشتمال الصماء: أن يلتحف به مثلما تلتحف النساء، وهو- أيضاً- مكروه. وما ذكره الشيخ هو عين ما نص عليه في "المختصر"، والمراد منه: بيان أول درجات المستحب، والأكمل منه لا ينحصر في ذلك، وكذلك قال القاضي الحسين: إن الاستحباب لا [يقتصر على] ذلك، بل المستحب أن يتعمم مع القميص والرداء

стр. 870

ويتَطْيْلس؛ لأنه فيه زيادة الزينة، وفي الآثار: "العمائم تيجان العرب". ويروي أنه ﷺ قال: "صَلاةٌ بعمَامَةٍ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ صَلاةً بغَيْرِ عِمَامَةٍ". والقميص معروف، والرداء قد يخفي، وهو ما يستر العورة والأكتاف. ولاشك أنه مع القميص أكمل من القميص مع الإزار، وهو ما يستر العورة فقط، أو مع السراويل؛ لأن ستره يعم. ولفظ البندنيجي والروياني وكثير من الأصحاب: والمستحب أن يصلي في ثوبين: قميص، ورداء، [أو قميص وإزار]، أو قميص وسراويل. ولعل مرادهم التنويع بحالة الوجود لا التخيير عند وجود الكل؛ لما ذكرناه. ولفظ الماوردي: المستحب أن يصلي في قميص ورداء، أو رداء وسراويل. قال: فإن اقتصر على ستر العورة، أي: [بأي] شيء كان من ثوب أو غيره، جاز؛ لأن الشرط سترها، وقد حصل. وقد يفهم من قول الشيخ: "فإن اقتصر على ستر العورة جاز"- أن مراده: [أنه إذا اقتصر على سترها بثوب واحد جاز، وليس كذلك؛ بل مراده] ما ذكرناه، ولئن كان كذلك فوجهه: ما روى أبو هريرة أن سائلاً سأل رسول الله ﷺ عن الصلاة في ثوب واحد، فقال رسول الله ﷺ : "أَوَ لِكُلِّكُم ثَوْبَانِ؟ " أخرجه الشيخان، وفي رواية: "أَوَ

стр. 871

كُلُّكُم يَجِدُ ثَوْبَيْنِ؟! ". فإن قيل: هذا وإن كان لفظه لفظ استفهام، فمعناه الإخبار ما كان يعلمه من حالهم في العدم وضيق الثياب، فكأنه يقول: وإذا كنت بهذه الصفة، وليس لكل واحد منكم ثوبان، والصلاة واجبة عليكم، فاعلموا أن الصلاة في الثوب الواحد [جائزة]، وإذا كان كذلك فلا يدل أن ذلك يكفي عند القدرة على أكثر منه. وكذلك قوله ﷺ لجابر: "إِذَا كَانَ الثَّوْبُ ضَيِّقَاً؛ فاشْدُدْهُ عَلَى حَقْوَيْكَ"- كما رواه أبو داود- يحتمل أن يحمل على حالة العدم. والحقو- بفتح الحاء المهملة وكسرها-: الإزار، والأصل فيه: معقد الإزار، ثم سُمِّيَ به الإزار؛ للمجاورة، والنبي ﷺ أطلقه باعتبار الأصل. فالجواب: أن فعل جابر يرد ذلك؛ فإنه روي أن جابراً صلى في إزاره، ورداؤه على المِشْجَب، فقال واحد: أنت صاحب رسول الله ﷺ تصلي في إزارٍ ورداؤك على المشجب؟! فقال: عمداً فعلتُ؛ ليراني جاهلٌ مثلُك فيعلم أن ذلك جائز، فأينا كان له على عهد رسول الله ﷺ ثوبان؟! قال: إلا أن المستحب أن يطرح على عاتقه شيئاً؛ لما روى عن عمر بن أبي سلمة "أنه رأى رسول الله ﷺ يصلي في ثوب واحد في بيت أم سلمة، واضعاً طرفيه على عاتقه". أخرجه الشيخان، وفي رواية أخرجها الترمذي: "واضعاً طرفيه على منكبيه". قال البغوي: وهو متفق على صحته.

стр. 872

وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ"، وفي رواية: "لَيْسَ عَلَى مَنْكِبِهِ مِنْهُ شَيء" أخرجه البخاري ومسلم. قال بعضهم: والمعنى فيه: أنه إذا طرح طرفيه على عاتقه، كان بمنزلة الرداء، وقد أوجب الإمام أحمد ذلك؛ عملاً بظاهر الخبر، وقال: إنه يكفيه أن يضع على عاتقه حبلاً. واستحب أصحابنا ذلك؛ للخروج من خلافه، [ولقوله ﷺ : "زُرَّ، وَلَوْ بِشَوْكَةٍ، وارْتَدِ وَلَوْ بِحَبْلٍ"]. [والعاتق:] ما بين العنق والمنكب، وهو مذكر، وقيل: إنه يؤنث، وجمعه: عوانق وعُتَّق. قال الأصحاب: ثم الأفضل في حالة الاقتصار على ما يستر العورة إذا وجد الإزار والسراويل لبس الإزار؛ لأنه لا يلصق بالعورة فيصف تكوينها، بل يجافيها فلا يحاكيها، ولا يصف سمنها وهزالها. وقد قال القاضيان أبو الطيب والحسين، والشيخ في "المهذب"، والمتولي: إنه المنصوص في "الأم". وقال المحاملي، وكذا البندنيجي بعد حكايته عن النص: إن السراويل أولى؛ لأنه

стр. 873

أجمع في الستر. ويحكى عن الشيخ أبي محمد. وقال الروياني في "تلخيصه": إنه الذي قاله أصحابنا. [و] في "زوائد" العمراني: أن الفقيه أبا بكر قال: السراويل الواسع أولى. وعلى الأول: إذا كان معه ثوب واحد ائتزر به إذا كان ضيقاً، وجعل على عاتقه شيئاً، فإن كان واسعاً التحف به، وخالف بين طرفيه [على عاتقه] ما يفعل القَصَّار إذا كان في الماء. واعلم أن بعضهم أورد سؤالاً على كلام الشيخ، وأجاب عنه، فقال: قوله: "والمستحب أن يصلي الرجل في ثوبين" يفهم أنه ليس بشرط؛ فأي فائدة في قوله: "فإن اقتصر على ستر العورة جاز؟! وأجاب بأنه: أراد أن يعرف بأن نهيه- ﵇ أن يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه [شيء]- كما رواه مسلم- ونهيه- ﵇ أن يصلي [الرجل] في السراويل ليس عليه رداء- كما رواه أبو داود- محمولٌ على الاستحباب، لا [على] اشتراط الطرح على العاتق كما قاله الإمام أحمد، كما في غير العاتق مما ليس بعورة. قلت: ولذلك فائدة أخرى، وهي أنه لما قال: المستحب أن يصلي في ثوبين، لم يقتصر على ذلك، بل قال: قميص ورداء، وكل منهما يستر أكثر من العورة؛ فيجوز أن

стр. 874

يعتقد أن الواحد منهما ثوب واحد ساتر للعورة وما فوقها؛ فلذلك قال: فإن اقتصر على ستر العورة جاز؛ تنبيهاً على أنه لا يتعين ذلك ولا جنس الثياب؛ بل الجلد والورق وما تقدم ذكره [يجزئ] إذا حصل به الستر، والله أعلم. قال: والمستحب أن تصلي المرأة [- أي:] حرة كانت أو أمة- في ثلاثة أثواب: درع وهو قميص النساء الذي يغطي البدن والرِّجْل، وخمار: وهو الثوب الذي يستر الرأس والعنق، ويقال له: مِقْنَعة، وسراويل وهو معروف؛ لأن ذلك زينة النساء. وقد روي عن عمر أنه قال: تصلي المرأة في ثلاثة أثواب: درع، وخمار، وإزار. والشيخ أقام السراويل مُقَام الإزار؛ جرياً على ما حكيناه عن البندنيجي والمحاملي من [أن] السراويل في حق الرجل أولى من الإزار؛ لأنه أجمع؛ فهو في المرأة أولى، وهو المعهود عندهن زينة في هذا الزمان. والمحذور من كونه يصف تكوين العودة مفقودٌ في حقها؛ لأن القميص فوقه يستره؛ فإنا ذكرنا أن المستحب في حقها الدرع: وهو القميص الذي يستر البدن والرِّجْل. والأصحاب لم يتعرضوا للسراويل، بل جعلوا عِوَضَهُ الإزار؛ كما جاء في الأثر، وعليه جرى في "المهذب"؛ اتباعاً لظاهر نصه في الرَّجُل، وفسره ابن الصباغ بالجلباب، والمشهور غيره، كما ستعرفه. قال: ويستحب لها أن تكثف جلبابها. هذا الفصل اقتضى أمرين: أحدهما: أنه يستحب لها أن تلبس فوق ذلك جلباباً كما صرح به غيره؛ لأنه يستر تكوين أعضائها وسمنها [وهزالها] وذلك كمالٌ في سترها. والجلباب- على الصحيح-: هو الملاءة التي تلتحف بها فوق ثيابها. قال النووي: وهو مراد الشافعي والمصنف والأصحاب، ونقل عن أبي عبيد: أنه الخمار والإزار. وعن الخليل: أنه أوسع من الخمار وألطف من الإزار.

стр. 875

وقيل: [إنه أقصر من الخمار، وأعرض من المقنعة. وقيل: هو ثوب واسع دون] الرداء يغطي ظهرها وصدرها. الثاني: أنه يستحب لها أن تكثفه؛ لأنه أبلغ في تحصيل المقصود [به]. وتكثفه- بالثاء المثلثة على المشهور- معناه: أن تتخذه صفيقاً، غليظ الغزل، شديد النسج؛ بحيث لا يظهر منه لون بشرتها ولا لون ثيابها، ويجافيها في الركوع والسجود، كذا حكاه القاضي الحسين تفسيراً لقول الشافعي: "وأن تكثف جلبابها". قال أهل اللغة: والكثيف والكثاف- بضم الكاف وتخفيف الثاء-: هو الغليظ المكثف من كل شيء. وقيل: إن قول الشافعي: "وأن تكتف جلبابها" بالتاء ثالثة الحروف، ومعناه: أن المستحب لها أن تعقده؛ كي لا ينحل في ركوعها وسجودها فتنكشف. وقيل: إنه بفتح التاء في أوله وإسكان الكاف وكسر الفاء؛ فيكون معناه: أن المستحب في حقها أن تجمعه؛ فإن الكَفْت: الجمع، وهذا يَنْبُو عنه اللفظ؛ فإنه ضد المقصود- الذي ذكرناه- بالجلباب. قال: ومن لم يجد- أي: من الذكور والإناث- إلا ما يستر به بعض العورة، ستر به السوءتين. هذا الفصل اقتضى [أمرين]: أحدهما: وجوب الستر به، وهو مما لا خلاف فيه؛ لأن الميسور لا يسقط بالمعسور، وقال ﷺ : "إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَاتُوا مِنْهُ ما اسْتَطَعْتُمْ"، وخالف هذا ما لو وجد من الماء ما يكفيه لبعض طهارته، لا يجب عليه استعماله على قول؛ لأن للماء بدلاً يرجع إليه وهو التيمم، ولا كذلك ها هنا؛ قاله الأصحاب. وقد يقال: إنه ينتقض طرداً وعكساً:

стр. 876

أما طرداً ففيمن عدم الماء وقدر على بعض ما يكفيه من التراب؛ فإنه لا يستعمله على رأي وإن كان لا بدل يرجع إليه. وأما عكساً ففيمن قدر على قراءة آية من الفاتحة، فإنه يأتي بها جزماً وإن [كان] للقراءة بدل يرجع إليه. الثاني: أنه يستر بذلك السوأتين، ووجهه: أنهما متَّفَق على أنهما عورة، وهما أفحش من غيرهما، بل ما عداهما كالحريم [لهما]؛ ولذلك خصهما الله- تعالى- بالذكر في قوله: ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ [طه: ١٢١]. والسوأتان: القبل والدبر، وسميت بذلك؛ لأنه يسوء صاحبهما انكشافهما ووقوع الأبصار عليهما. قال: فإن وجد [بعض] ما يكفي أحدهما، ستر به القبل؛ لأنه بارز، وهو يواجه به القبلة؛ [فكان ستره أولى من الدبر؛ لأنه مستور بالأليتين، ولا يستقبل به القبلة]، وهذا أصح في "المهذب"، وهو المنصوص في "الأم"، ولم يذكر الفوراني غيره. ولفظ "القبل" يشمل "الذكر" و"الفرج"؛ ولذلك صرح غيره أنَّا على هذا القول لا نفرق بين الذكر والفرج. وهو مضموم الأول والثاني، وكذا الدبر، ويجوز إسكان الثاني منهما. وقيل: يستر به الدبر؛ لأنه أقبح في حال الركوع والسجود؛ وعلى هذا الخنثى المشكل يتخير. وقد حكى الإمام الوجهين عن العراقيين، ثم قال: وقد يتجه التخيير في ذلك؛ وهذا حكاه القاضي الحسين وجهاً وقال: إنه الصحيح؛ لاستوائهما في وجوب الستر وتغليظ حكمهما. وقيل: إن الستر للقبل في الرجل أولى، والدبر في المرأة أولى؛ حكاه القاضي-

стр. 877

أيضاً- وصاحب "الروضة". ثم هذا الخلاف في الاستحباب، وإلا فلو ستر به الفخذ جاز؛ لأن الكل عورة؛ حكاه ابن الصباغ عن الشيخ أبي حامد، وعبارة أبي الطيب تدل عليه- أيضاً- لأنه قال: إذا وجد ما يستر به بعض العورة فالمستحب أن يستر [به] السوأتين وإن وجد ما يكفي أحدهما أحببنا. وقيل: إنه في الوجوب، وهو ظاهر نصه في "الأم". وقال الإمام: إن في كلام الأصحاب ما يدل على تحتُّمِهِ، وأبدى الأول احتمالاً. قال: وإن بذل له سترة- أي: على وجه العارية- لزمه قبولها؛ لأنه لا مِنَّة عليه في ذلك عادة، فلزمه قبولها؛ كما لو وهب له الماء عند إرادته التيمم لِفَقده. وفي "الروضة" حكاية وجه: أنه لا يلزمه قبولها. قال بعضهم: وهذا بعيد وإن كان له اتجاه من حيث إن العارية مضمونة. قلت: وما جعله متجهاً لأجله فيه نظر؛ لأنه لو وجده بثمن مثله، وجب عليه شراؤه؛ فلا يزيد توقع ضمانه على توقع تلفه في ملكه، ومن هنا يظهر لك أنه لو قدر على استئجاره بثمن مثله؛ وجب أيضاً، ولا يجب عليه الشراء و [لا]

стр. 878

الاستئجار بأكثر من ثمن المثل. ولصاحب "التهذيب" كلام في نظيره من الماء والكفارة، ولا يبعد مجيئه هنا، والخلاف في قبول العارية مثله ما تقدم في إعارة الدلو والرِّشاء لاستقاء الماء. وإذا قبل العارية: إما وجوباً، أو جوازاً، فرجع صاحبها في أثناء الصلاة فيها- أخذها، وأتم المستعير صلاته [عارياً]، قاله الماوردي. أما لو بذلت له على وجه الهبة؛ فلا يلزمه القبول؛ [لما فيه من المنة؛ كما في هبة الرقبة في الكفارة. وقيل: يلزمه؛ كما لو وهب منه الماء. وقيل: يلزمه القبول،] وإذا صلى فيه رده، وحينئذ يكون القبول للمنافع دون العين. وهو بعيد بالاتفاق. والأول أصح بالاتفاق، بل الشيخ في "المهذب" والقاضي الحسين جزماً به. وقد أفهم قول الشيخ: "فإن بذلت له سترة لزمه قبولها": أنه لا يلزمه طلبها على وجه العارية، والظاهر من كلام الأصحاب وجوبه. وعبارة أبي الطيب: [أنه] إذا كان لرجل ما يستره، وليس لزوجته سترة؛ لزمها أن تسأله إعارتها تلك السترة حال الصلاة، ويستحب له أن يعيرها، فإن لم يفعل أساء. وعلى هذا فيمكن أن يؤخذ وجوب الطلب من قوله من بعدُ: "فإن لم يجد"؛ لأنه لا يقال: لم يجد، إلا لمن طلب؛ على ما هو [مقدَّر] في التيمم، ولا يجوز له عند وجود السترة وغَيْبَة مالكها أن يصلي فيها وإن لم يجد غيرها، سواء كانت في يده وديعة أم لا، ومن طريق الأَوْلى إذا منعها منه، وليس له أن يقاتله عليها، بخلاف الطعام في المخمصَة؛ لأنه يمكنه الصلاة عارياً وهي مجزئة. قال: وإن لم يجد، أَي ذلك، صلى عرياناً [ولا إعادة عليه؛ لأنه عذر عام]؛ لقوله ﷺ : "إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَاتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ"، [وهذا حد استطاعته].

стр. 879

وظاهر كلام الشيخ: أن يتم الركوع والسجود، وهو ما حكاه العراقيون والماوردي، وقال الماوردي: إنه لا خلاف فيه. وحكى الغزالي في كتاب التيمم في كيفية صلاته ثلاثة أوجه: أصحها: ما ذكرنا. والثاني: أنه يصلي قاعداً، ولا يتم الركوع والسجود؛ حذاراً من كشف السوأتين، وقد اختاره المزني. والوجهان المذكوران في كتب المراوزة هنا قولان. قال القاضي: إنا إذا قلنا: يصلي قاعداً، فهل يأتي بالسجود أو يومئ به وبالركوع؟ فيه وجهان، وهما في "التتمة". والثالث: [أنه] يتخير بين [موجبي] القول [الأول] والثاني. قال: وكذا الأوجه في المحبوس في موضع نجس إن سجد سجد على النجاسة، وكذا من ليس معه إلا إزار نجس؛ فهو مخير بين أن يصلي عارياً أو مع النجاسة، وسنذكر هذين الفرعين، إن شاء الله تعالى. قال: ولا إعادة عليه؛ لأنه عذر عام ربما اتصل ودام، فلو أوجبنا الإعادة لشق عليه، والله يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] والنبي ﷺ يقول: "بُعِثْتُ بالحَنِيفِيَّةِ السَّهْلَةِ السَّمْحَةِ". وقيل: تلزمه الإعادة إن عدم ذلك في الحضر؛ لأنه لا يدوم.

стр. 880

وقال الفوراني والقاضي الحسين: إن صلى قائماً، فلا يجب عليه الإعادة، وإن صلى قاعداً، فهل يعيد؟ فيه وجهان: المذكور منهما في "التتمة": الإعادة، سواء سجد أو أومأ به. وقال كثير من الأصحاب: إن كان في قوم يَعُمُّ العُرْي فيهم، فلا قضاء، وإن اتفق في ناحية يندر العري فيهم: فإن قلنا: يتم الركوع والسجود، فظاهر المذهب أنه: لا يجب القضاء. ومنهم من أوجبه؛ لندور العذر، وعدم الدوام. وإن قلنا: يومئ، فالأصح وجوب القضاء، وهذه طريقة "الوسيط" في كتاب التيمم. وقد بنى الأصحاب على وجوب القضاء وعدمه جواز [اقتداء] الكاسي بالعاري، فإن قلنا بالأول، جاز، وهو ما نص عليه في "الأم"، وإلا فلا يجوز، وهو وجه حكاه الروياني عن بعض الأصحاب. فرعان: أحدهما: لو أتلف السترة قبل وقت الصلاة أو بعد دخول الوقت، وصلى عارياً- فحُكْمه في القضاء وما يقضيه من الصلوات حكم [من] كان معه ماء فأراقه قبل [دخول] الوقت أو بعده، وقياسه: أن يكون فيما لو وهب الثوب بعد دخول الوقت، أن يكون في صحة هبته وجهان كما في هبة الماء كذلك. الثاني: لو وجد ثوباً يستر عورته، لكنه كان في موضع نجس إن صلى في الثوب صلى على النجاسة، وإن فرشه تحته صلى مكشوف العورة، فهل يصلي فيه أو يفرشه تحته ويصلي عارياً؟ فيه وجهان حكاهما القاضي الحسين: فإن قلنا: يبسطه، ففي كيفية صلاته [والإعادة ما سبق. وإن قلنا: يصلي فيه، ففي كيفية صلاته] خلاف يأتي في الباب بعده. قال: وإن وجد السترة في أثناء الصلاة وهي بقربه، أي: بحيث لا يحتاج في تناولها إلى مشي يبطل الصلاة، ستر؛ لقدرته على الستر.
следующие страницы →