Полный текст (9 685 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
أما طرداً ففيمن عدم الماء وقدر على بعض ما يكفيه من التراب؛ فإنه لا يستعمله على رأي وإن كان لا بدل يرجع إليه.
وأما عكساً ففيمن قدر على قراءة آية من الفاتحة، فإنه يأتي بها جزماً وإن [كان] للقراءة بدل يرجع إليه.
الثاني: أنه يستر بذلك السوأتين، ووجهه: أنهما متَّفَق على أنهما عورة، وهما أفحش من غيرهما، بل ما عداهما كالحريم [لهما]؛ ولذلك خصهما الله- تعالى- بالذكر في قوله: ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ [طه: ١٢١].
والسوأتان: القبل والدبر، وسميت بذلك؛ لأنه يسوء صاحبهما انكشافهما ووقوع الأبصار عليهما.
قال: فإن وجد [بعض] ما يكفي أحدهما، ستر به القبل؛ لأنه بارز، وهو يواجه به القبلة؛ [فكان ستره أولى من الدبر؛ لأنه مستور بالأليتين، ولا يستقبل به القبلة]، وهذا أصح في "المهذب"، وهو المنصوص في "الأم"، ولم يذكر الفوراني غيره.
ولفظ "القبل" يشمل "الذكر" و"الفرج"؛ ولذلك صرح غيره أنَّا على هذا القول لا نفرق بين الذكر والفرج.
وهو مضموم الأول والثاني، وكذا الدبر، ويجوز إسكان الثاني منهما.
وقيل: يستر به الدبر؛ لأنه أقبح في حال الركوع والسجود؛ وعلى هذا الخنثى المشكل يتخير.
وقد حكى الإمام الوجهين عن العراقيين، ثم قال: وقد يتجه التخيير في ذلك؛ وهذا حكاه القاضي الحسين وجهاً وقال: إنه الصحيح؛ لاستوائهما في وجوب الستر وتغليظ حكمهما.
وقيل: إن الستر للقبل في الرجل أولى، والدبر في المرأة أولى؛ حكاه القاضي-
стр. 877
أيضاً- وصاحب "الروضة".
ثم هذا الخلاف في الاستحباب، وإلا فلو ستر به الفخذ جاز؛ لأن الكل عورة؛ حكاه ابن الصباغ عن الشيخ أبي حامد، وعبارة أبي الطيب تدل عليه- أيضاً- لأنه قال: إذا وجد ما يستر به بعض العورة فالمستحب أن يستر [به] السوأتين وإن وجد ما يكفي أحدهما أحببنا.
وقيل: إنه في الوجوب، وهو ظاهر نصه في "الأم".
وقال الإمام: إن في كلام الأصحاب ما يدل على تحتُّمِهِ، وأبدى الأول احتمالاً.
قال: وإن بذل له سترة- أي: على وجه العارية- لزمه قبولها؛ لأنه لا مِنَّة عليه في ذلك عادة، فلزمه قبولها؛ كما لو وهب له الماء عند إرادته التيمم لِفَقده.
وفي "الروضة" حكاية وجه: أنه لا يلزمه قبولها.
قال بعضهم: وهذا بعيد وإن كان له اتجاه من حيث إن العارية مضمونة.
قلت: وما جعله متجهاً لأجله فيه نظر؛ لأنه لو وجده بثمن مثله، وجب عليه شراؤه؛ فلا يزيد توقع ضمانه على توقع تلفه في ملكه، ومن هنا يظهر لك أنه لو قدر على استئجاره بثمن مثله؛ وجب أيضاً، ولا يجب عليه الشراء و [لا]
стр. 878
الاستئجار بأكثر من ثمن المثل.
ولصاحب "التهذيب" كلام في نظيره من الماء والكفارة، ولا يبعد مجيئه هنا، والخلاف في قبول العارية مثله ما تقدم في إعارة الدلو والرِّشاء لاستقاء الماء.
وإذا قبل العارية: إما وجوباً، أو جوازاً، فرجع صاحبها في أثناء الصلاة فيها- أخذها، وأتم المستعير صلاته [عارياً]، قاله الماوردي.
أما لو بذلت له على وجه الهبة؛ فلا يلزمه القبول؛ [لما فيه من المنة؛ كما في هبة الرقبة في الكفارة.
وقيل: يلزمه؛ كما لو وهب منه الماء.
وقيل: يلزمه القبول،] وإذا صلى فيه رده، وحينئذ يكون القبول للمنافع دون العين. وهو بعيد بالاتفاق.
والأول أصح بالاتفاق، بل الشيخ في "المهذب" والقاضي الحسين جزماً به.
وقد أفهم قول الشيخ: "فإن بذلت له سترة لزمه قبولها": أنه لا يلزمه طلبها على وجه العارية، والظاهر من كلام الأصحاب وجوبه.
وعبارة أبي الطيب: [أنه] إذا كان لرجل ما يستره، وليس لزوجته سترة؛ لزمها أن تسأله إعارتها تلك السترة حال الصلاة، ويستحب له أن يعيرها، فإن لم يفعل أساء.
وعلى هذا فيمكن أن يؤخذ وجوب الطلب من قوله من بعدُ: "فإن لم يجد"؛ لأنه لا يقال: لم يجد، إلا لمن طلب؛ على ما هو [مقدَّر] في التيمم، ولا يجوز له عند وجود السترة وغَيْبَة مالكها أن يصلي فيها وإن لم يجد غيرها، سواء كانت في يده وديعة أم لا، ومن طريق الأَوْلى إذا منعها منه، وليس له أن يقاتله عليها، بخلاف الطعام في المخمصَة؛ لأنه يمكنه الصلاة عارياً وهي مجزئة.
قال: وإن لم يجد، أَي ذلك، صلى عرياناً [ولا إعادة عليه؛ لأنه عذر عام]؛ لقوله ﷺ : "إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَاتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ"، [وهذا حد استطاعته].
стр. 879
وظاهر كلام الشيخ: أن يتم الركوع والسجود، وهو ما حكاه العراقيون والماوردي، وقال الماوردي: إنه لا خلاف فيه.
وحكى الغزالي في كتاب التيمم في كيفية صلاته ثلاثة أوجه:
أصحها: ما ذكرنا.
والثاني: أنه يصلي قاعداً، ولا يتم الركوع والسجود؛ حذاراً من كشف السوأتين، وقد اختاره المزني.
والوجهان المذكوران في كتب المراوزة هنا قولان.
قال القاضي: إنا إذا قلنا: يصلي قاعداً، فهل يأتي بالسجود أو يومئ به وبالركوع؟ فيه وجهان، وهما في "التتمة".
والثالث: [أنه] يتخير بين [موجبي] القول [الأول] والثاني.
قال: وكذا الأوجه في المحبوس في موضع نجس إن سجد سجد على النجاسة، وكذا من ليس معه إلا إزار نجس؛ فهو مخير بين أن يصلي عارياً أو مع النجاسة، وسنذكر هذين الفرعين، إن شاء الله تعالى.
قال: ولا إعادة عليه؛ لأنه عذر عام ربما اتصل ودام، فلو أوجبنا الإعادة لشق عليه، والله يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] والنبي ﷺ يقول: "بُعِثْتُ بالحَنِيفِيَّةِ السَّهْلَةِ السَّمْحَةِ".
وقيل: تلزمه الإعادة إن عدم ذلك في الحضر؛ لأنه لا يدوم.
стр. 880
وقال الفوراني والقاضي الحسين: إن صلى قائماً، فلا يجب عليه الإعادة، وإن صلى قاعداً، فهل يعيد؟ فيه وجهان: المذكور منهما في "التتمة": الإعادة، سواء سجد أو أومأ به.
وقال كثير من الأصحاب: إن كان في قوم يَعُمُّ العُرْي فيهم، فلا قضاء، وإن اتفق في ناحية يندر العري فيهم:
فإن قلنا: يتم الركوع والسجود، فظاهر المذهب أنه: لا يجب القضاء. ومنهم من أوجبه؛ لندور العذر، وعدم الدوام.
وإن قلنا: يومئ، فالأصح وجوب القضاء، وهذه طريقة "الوسيط" في كتاب التيمم.
وقد بنى الأصحاب على وجوب القضاء وعدمه جواز [اقتداء] الكاسي بالعاري، فإن قلنا بالأول، جاز، وهو ما نص عليه في "الأم"، وإلا فلا يجوز، وهو وجه حكاه الروياني عن بعض الأصحاب.
فرعان: أحدهما: لو أتلف السترة قبل وقت الصلاة أو بعد دخول الوقت، وصلى عارياً- فحُكْمه في القضاء وما يقضيه من الصلوات حكم [من] كان معه ماء فأراقه قبل [دخول] الوقت أو بعده، وقياسه: أن يكون فيما لو وهب الثوب بعد دخول الوقت، أن يكون في صحة هبته وجهان كما في هبة الماء كذلك.
الثاني: لو وجد ثوباً يستر عورته، لكنه كان في موضع نجس إن صلى في الثوب صلى على النجاسة، وإن فرشه تحته صلى مكشوف العورة، فهل يصلي فيه أو يفرشه تحته ويصلي عارياً؟ فيه وجهان حكاهما القاضي الحسين:
فإن قلنا: يبسطه، ففي كيفية صلاته [والإعادة ما سبق.
وإن قلنا: يصلي فيه، ففي كيفية صلاته] خلاف يأتي في الباب بعده.
قال: وإن وجد السترة في أثناء الصلاة وهي بقربه، أي: بحيث لا يحتاج في تناولها إلى مشي يبطل الصلاة، ستر؛ لقدرته على الستر.
стр. 881
قال: وبنى؛ لأن زمن التكشف قبل القدرة معفو عنه، وبعد الرؤية وقبل الستر هو مضطر إليه مع أن زمنه يسير، وفعل الستر قليل؛ فلم يقدح في الصحة، كما لو كشف الريح عورته، فرد السترة على قُرْبٍ.
قال القاضي أبو الطيب والماوردي وابن الصباغ: وهذا إذا لم يستدبر القبلة، فإن استدبرها، بَطَلَتْ.
وابن يونس ومن تبعه حكى في البطلان عند الاستدبار وجهين، وظاهر كلام الشيخ عدم البطلان.
قلت: والاختلاف في المسألة يظهر أنه جاء من جهة واحدة، وهو أن احتياجه إلى أخذ السترة في أثناء الصلاة [هل ينزل منزلة سبق الحدث حتى يجري في بطلان الصلاة] عند كثرة الأفعال- الخلاف الذي سنذكره، أو لا يجري؟
فإن قلنا: لا يجري- وهي طريقة العراقيين- بطلت عند الاستدبار كما تبطل بالمشي.
وإن قلنا: يجري، جرى الخلاف في البطلان [عند الاستدبار مع قلة الفعل؛ كما يجري في البطلان] عند الكثرة مع الاستقبال وعدمه، والله أعلم.
وهذا من الشيخ تفريع على أنه إذا لم يجد وصلى عرياناً، فلا إعادة [عليه]، أما حيث تجب الإعادة فلا يبني، وهو ظاهر.
وما ذكرناه من ضبط القرب هو المنقول، ولو ضبط بما لا يحتاج الستر فيه إلى لبث محسوس- كما قاله الإمام فيما إذا كشف الريح عورته وردَّها- لم يبعد.
قال: فإن كانت بالبعد [منه]، أي: بحيث يحتاج في الستر إلى مشي يبطل الصلاة، أو إلى مكث محسوس- على ما أبديناه- ستر؛ لما ذكرناه، واستأنف؛ لأجل ما صدر منه من الفعل المبطل.
стр. 882
وقال الإمام: إن المحققين قالوا: إن الكلام في هذه المسألة كما في سَبْقِ الحدث؛ لأن ذلك حصل من غير تقصير منه.
وللعراقيين أن يفرقوا بأن سَبْقَ الحدث لا يُؤْمن في القضاء، ولا كذلك ها هنا.
فإن قيل: لو رأى المتيمم [الماء] في أثناء الصلاة التي يسقط فرضها بالتيمم، لا يجب عليه استعماله، وَوِزَانه: أنه لا يجب عليه- إذا قدر على السترة في أثناء الصلاة- السترة؛ لأن الصلاة عارياً تُسْقط الفرض.
قيل: الفرق بينهما من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن فعل الطهارة يجب قبل الصلاة، وإذا أحرم بها، ووجد الماء، كان وجوده بعد فوات وقته؛ فلم يجب استعماله، وستر العورة يجب في جميع الصلاة، فإذا قدر عليه في أثنائها قدر عليه ووقتُه باقٍ؛ فوجب فعله فيه.
فإن قيل: لا فرق بينهما؛ لأنه يلزمه استصحاب [الطهارة في جميع أجزاء الصلاة، كما يلزمه ستر العورة في جميع الصلاة.
قيل: الواجب في الطهارة إنما هو استصحاب] حكمها مع أفعال الصلاة، لا الطهارة، وهو في الثوب يستعمل الستر مع أفعالها لا حكم الستر؛ فافترقا.
والثاني: أن استدامة اللبس كابتدائه؛ بدليل أنه لو حلف لا يلبس ثوباً، فاستدام لبسه، حنث، بخلاف الطهارة.
والثالث: أن المتيمم أتى ببدل الماء؛ فجاز ألا يستعمله، والعريان لم يأتِ عن السترة ببدل، فأتى بها كما قلنا في المستحاضة: [لما] لم تأت عن طهارة الخبث ببدل، لزمها عند انقطاع الدم الاستئناف، وهذا الفرق يرد عليه ما إذا قدر على قراءة الفاتحة بعد الإتيان ببدلها في القيام.
وما ذكرناه من التفصيل والخلاف في وجود الستر في أثناء الصلاة جارٍ في الأمة إذا عَتَقَتْ في أثناء الصلاة وهي مكشوفة الرأس، ونحوها، بل الأصحاب جعلوها أصلاً فيما ذكرناه، وألحقوا بها غيرها؛ لأن الخصم وافق فيها وخالف في غيرها. ولو كان السيد قد قال لها: إن صليت مكشوفة الرأس، فأنت حرة قبلها، فصلت مكشوفة
стр. 883
الرأس- صحت صلاتها، ولم تَعْتِقْ؛ لأجل الدَّوْر؛ قاله الأصحاب في باب صلاة القاعد بقيام.
فرع: إذا كانت السترة بالبعد من المصلِّي، وقلنا: لو مشى إليها بطلت صلاته، فلو وقف حتى أُتِيَ بها، فهل تبطل؟
حكى القاضي أبو الطيب وابن الصباغ في باب صلاة القاعد بقيام: أن أبا إسحاق قال: لا تبطل؛ لأن ذلك يجري مجرى العمل [القليل]، وهو ما ادعى بعضهم أنه الأصح، واختاره في "المرشد".
ومن أصحابنا من قال: تبطل؛ لأن عورته كانت مكشوفة في بعض الصلاة؛ فلم تجز.
وقال الماوردي: إن الخلاف في البطلان ينبني على أن السترة إذا كانت بالبعد منه هل تبطل الصلاة بمجرد رؤيتها أو بالمشي إليها؟ وفيه خلاف:
فإن قلنا بالأول، بطلت وإن ناولها إياه كمن انتظره ولم يوجد منه فعل.
وإن قلنا بالثاني، فلا تبطل إذا انتظر من يناوله، ولم يوجد منه فعل، أي: كثير.
وقال: إن الأول بعيد؛ فإنه يلزمه عليه أن تبطل برؤية السترة القريبة.
قلت: وفي هذا نظر، والقاضي الحسين جعل الخلاف في البطلان بالانتظار- على القول الذي عليه تفريع- مشبَّهاً بالخلاف فيما إذا زاد انتظارين في صلاة الخوف.
وإذا قلنا: إنها إذا كانت بالبعد منه، ومشى إليها، لا تبطل؛ [بناء] على القول بأن سبق الحدث لا يبطل- فلو ثبت قائماً حتى أتي له بها، قال القاضي الحسين: فلا تبطل من طريق الأولى. وهو القياس.
وحكى الإمام عن بعض التصانيف: أن ذلك بمثابة ما لو أطال السكوت في صلاته، فهل تبطل أم لا؟ [فيه] وجهان. ثم قال: وهذا كلام ملبس، والوجه أن يقول: إن أتاه بالسترة في مدة لو مشى لنالها فيها، فلا تبطل؛ فإن السكوت أولى في الصلاة من المشي والعمل الكثير.
وإن زادت مدة سكوته على مدة مشيه إلى السترة لو مشى، فإن [لم] يبن أمره
стр. 884
على أن يُؤْتَى بالسترة، بطلت، وإن بنى أمره على ذلك وأُتِيَ له بها، فهذا سكوت طويل وتَرْكٌ للساتر، وفي معارضته أنه ترك عملاً كثيراً، وهو يجري احتمالاً ظاهراً في المسألة، ولعل الظاهر الحكم بالبطلان؛ فإنا إذا ألحقنا هذه الصورة بسبق الحدث، وقد ثبت أنه شرع المشي في تدارك ما وقع في القول الذي عليه التفريع- فوجود المشي وعدمه بمثابةٍ، فالوجه: النظر إلى الشرع إلى التدارك من غير مبالاة بالأفعال، وهذا التفصيل قال الرافعي: ينبغي أن يطرد هو والخلاف في طلب الماء عند سبق الحدث.
وقد نَجَزَ شرح مسائل الباب، ولنختمه بفروع تتعلق به وما تقدم الوعد بذكره:
إذا كان معه ثوب يستر عورته، وثم جماعة عُراة، لا يجوز له أن يؤثر غيره من العُرَاة [به] ويصلي عارياً، بل يصلي فيه، ويستحب له إذا صلى أن يعيره، فإذا أعاره لواحد تعين [عليه، ولو] أعاره لجميعهم، صلى [فيه] واحد بعد واحد بالقرعة، وهل يجوز لمن علم أن النوبة لا تنتهي إليه إلا بعد خروج الوقت أن يصلي عارياً في الوقت أَوْ لَا؟ فيه قولان حكاهما القاضي أبو الطيب [وغيره] عن رواية أبي علي الطبري عن نصه في "الإملاء"، والمشهور أن الذي نص عليه منهما في "الأم": أنه لا يصلي عارياً.
قال الشيخ أبو حامد: ويشهد له أنه لا خلاف في المذهب [في] أن من كان معه ثوب نجس يشغله غسل النجاسة إلى أن يخرج الوقت: أنه لا يجوز له أن يصلي عرياناً، ويغسله وإن خرج الوقت، وأنه نص في المتضايقين في سفينة في البحر إذا لم يمكنهم أن يصلوا [جميعاً] قياماً: أن كل واحد يصلي بعد الآخر بالقرعة قائماً، إلا أن يخافوا فوت الوقت؛ فإنهم يصلون قعوداً.
وإن من الأصحاب من خرج من كل صورة إلى الأخرى قولاً وأثبت فيهما قولين،
стр. 885
ومنهم من أقر النصين، وفرق بأن القيام أخف حالاً من السترة؛ لأنه يجوز تركه في النافلة مع القدرة دون السترة، والقيام إذا تركه أتى عنه بالقعود بدلاً، والسترة إذا تركها لم يأت عنها ببدل.
ولو كان في العراة رجل وامرأة، فالأولى أن يؤثر به المرأة؛ لأن عورتها أفحش.
ولو كان ثَمَّ رجلان، ومعه ثوب فاضل عن حاجته، [وهو يكفي واحداً منهما]، ولو قسم بينهما لحصل [لكل] منهما بعض سترة- فما الأولى فيه؟
قال الإمام: هو محتمل، ولعل الأظهر أن يستر به أحدهما، وإن أراد الإنصاف؛ أقرع.
و [هذا تمام] الفروع.
أما ما تقدم الوعد به من بيان العورة بالنسبة إلى أعين الناظرين، فهو يختلف فيه بالنسبة إلى الذكور والإناث، والأحرار والأرقاء، والمحارم وغيرهم، فلنرتبهم على ترتيب الكتاب، ونقول:
عورة الرجل في الصلاة عورة بالنسبة إلى النظر إليه، رجلاً كان الناظر أو امرأة كيف كانا، اللهم إلا أن تكون المرأة زوجاً يحل له الاستمتاع بها بألا تكون [في عدة شبهة من غيره، أو أن يحل له الاستمتاع بها بألا تكون] زوجة لأحد، ولا في عدته، ولا محرمة عليه بسبب نسب وولاء سبب؛ فإنه يحل له التكشف عليها، ويحل لها النظر إلى ما عدا السوءتين، وفي حِل نظرها إلى فرجه كلام سبق في النكاح.
وما عدا عورة الصلاة منه، فليس بعورة بالنسبة إلى الرجل، وكذا لو كان مراهقاً أو أمرد، فيحل لهم النظر إلى ذلك منه، اللهم إلا أن يكون حسن الوجه، نقي البدن،
стр. 886
يخشى منه الافتتان؛ فحينئذ يحرم النظر إليه؛ كما قاله القاضي الحسين.
وعبارة المتولي: أنه إذا خشي من النظر إليه الفتنة؛ حرم، وإلا جاز، والأولى ألا ينظر.
وقال في "المهذب": إنه لا يجوز النظر إلى الأمرد من غير حاجة.
وقال الغزالي: إن النظر إلى الأمرد بشهوة حرام، وبغير شهوة عند الأمن من الفتنة [يجوز، ومع الخوف من الفتنة] فيه وجهان:
وجه التحريم: أنه في معنى النساء.
ووجه الحل- وهو المحكي عن صاحب "التقريب"، واختاره الإمام-: ما روي أن قوماً قدموا على رسول الله ﷺ [وفيهم] غلام حسن الوجه، فأجلسه وراءه، وقال: "أَلا أَخَافُ عَلَى نَفْسِي مَا أَصَابَ أَخِي دَاوُدَ؟! "، ولم يأمره بالاحتجاب عن الناس، بخلاف النساء، ولم يزل الصبيان بين الناس مكشوفين، فالوجه الإباحة إلا في حق من أحس من نفسه بالفتنة؛ فعند ذلك يحرم فيما بينه وبين الله- تعالى- إعادة النظر.
قال القاضي الحسين: وما قاله ﷺ أراد به تعليم أمته؛ لأنه كان معصوماً من الزلات.
وأما النساء الأجانب، فهل ذلك مستحب في حقهن كما هو في حق الرجال الأجانب؟ فيه وجهان:
أصحهما في "الوسيط" و"الرافعي": نعم. وعلى هذا يكره النظر إليه عند الأمن من الفتنة من غير حاجة؛ لما روي عن أم سلمة قالت: كنت عند رسول الله ﷺ وعنده
стр. 887
ميمونة، فأقبل ابن أم مكتوم وذلك بعد أن أمرنا بالحجاب، فقال ﷺ : "احْتَجِبَا" فقلنا: يا رسول الله، [أليس] أعمى لا يبصر؟! قال: "أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا؟! ".
والثاني: لا. وعلى هذا فيما هو عورة منه بالنسبة إليهن وجهان:
أحدهما: ما عدا الوجه والكفين.
والثاني: ما هو عورة من المرأة بالنسبة إلى محارمها.
فإذا جمعت ذلك واختصرت، قلت: في المسألة ثلاثة أوجه كما هي في "الوسيط"، والذي جزم به القاضي الحسين: أن العورة منه بالنسبة إليهن كالعورة منهن بالنسبة إليه، واستدل بالخبر السالف، وحكى الأوجه السالفة في عورته بالنسبة إلى محارمه النساء.
والقائلون بالطريقة الأولى قالوا: عورته بالنسبة إلى محارمه النساء كعورتهن بالنسبة إلى محارمهن الرجال، وسنذكرها.
وقال الإمام: إن المحققين على أن ما فوق السرة وتحت الركبة من الرجل كما يبدو في حال المهنة من النساء.
وعورة الحرة بالنسبة إلى النسوة الأجنبيات وغيرهن كعورة الرجل بالنسبة إلى الرجل
стр. 888
والمرأة التي تميل إلى النساء إن خافت الفتنة من النظر إلى وجهها أو بدنها؛ حرم عليها ذلك.
وهل المسلمات وغيرهن فيما ذكرناه عند الأمن [سواء]، أو يختص ذلك بالمسلمات مع المسلمات؟ فيه وجهان:
أصحهما: نعم، وهو ما يدل عليه قول الشيخ في باب عقد الذمة: "ويكون في عنقها خاتم يدخل معها الحمام"؛ إذ من يقول بعدم التسوية لا يجوِّز للمسلمة دخول الحمام مع الكتابيات.
والثاني: أن ذلك يختص بالمسلمات؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]. وروي عن عمر أنه كتب كتاباً إلى أبي عبيدة بن الجراح: أما بعد: فإنه بلغني أن نساء [من المسلمات] يدخلن الحمامات ومعهن نساء [من] أهل الذمة؛ فامنع ذلك.
وفي رواية: فإنه لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل ملتها.
وعلى هذا في عورتها بالنسبة إليهن وجهان:
أحدهما: كعورتها بالنسبة على الرجال.
والثاني: أنها كل البدن إلا ما يبدو حال المهنة. قال الرافعي: وهو أشبه.
وأما عورتها بالنسبة إلى الرجال غير المحارم والزوج، فجميع بدنها، وهو [محكي] عن الإصطخري وأبي علي [الطبري]، واختاره الشيخ أبو محمد والمتولي والإمام، وقال: إن العراقيين مالوا إليه؛ لاتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات وجوهُهُنَّ، ولو حل النظر إليه لنزلناهن منزلة الْمُرْدِ.
قال الرافعي: وهذا ما أجاب به البغوي والروياني.
ومن الأصحاب من استثنى من كل البدن الوجه والكفين، وجوز النظر غليهما حيث تؤمن الفتنة، وقال في أخمص القدمين وجهين، كما في الصلاة. وما المراد بالكف:
стр. 889
هل الظهر والبطن، أو البطن فقط؟ فيه ما سبق.
وهذا الوجه هو الذي مال إليه أكثر الأصحاب، لاسيما المتقدمون [؛ للآية،] والإمام حكاه عن الجمهور.
وقال الشيخ أبو حامد: إنا على القول به نكره ذلك.
والغزالي استبعده؛ لأنه يؤدي إلى التسوية بين النساء والمرد، والشهوة وخوف الفتنة أمر باطن؛ فكان [الضبط] بالأنوثة التي هي من الأسباب الظاهرة أقرب إلى المصلحة.
وقال في "الحاوي" في كتاب الشهادات: إن الخلاف ينبني على اختلاف العلماء في قوله ﷺ لعلي- كرم الله وجهه-: "لَا تُتْبعِ النَّظْرةَ النَّظْرَةَ" وسنبين [وجه البناء] في باب تحمل الشهادة.
وهل صوتها عورة حتى لا يجوز استماعه من غير حاجة، أو ليس بعورة حتى يجوز استماعه عند الأمن من الفتنة؟ فيه وجهان [حكاهما المتولي في كتاب النكاح، والقاضي الحسين في كتاب الصلاة، والذي جزم به الماوردي في كتاب الصلاة الأول]، وأصحهما: الثاني، وهو ما أورده الجمهور في كتاب الحج كما أشرنا إليه.
قال القاضي الحسين: ولا خلاف في أنه إذا كانت لها نغمة حسنة أنه عورة يحرم على الرجال استماعه.
стр. 890
وأما عورتها بالنسبة إلى الرجال المحارم بالنسب أو الرضاع أو المصاهرة، ففيها وجهان:
أحدهما: ما بين السرة والركبة فقط كالرجال مع الرجال؛ لأنها ليست محلاً للشهوة.
قال القاضي الحسين: وهذا يدل عليه نص الشافعي حيث قال في كتاب الرضاع: وشهادة النساء جائزة فيما لا يحل للرجال غير ذوي المحارم أن يتعمد النظر إليه. فإن هذا يدل على أن لذوي المحارم النظر إلى بدنها، وهذا ما حكاه الماوردي، وكذا الأكثرون على ما قاله الرافعي؛ للآية.
والثاني: أن عورتها ما لا يظهر في العادة مثل الظهر والبطن، فأما ما يظهر في العادة: كالأطراف، وأطراف الشعر، والرقبة، وبعض الساعد، والقدم [فلا]؛ لأن في تكليفهن ستر ذلك مع كثرة الخلوة بهن والدخول عليهن في أحوال الغفلة- مشقة عظيمة.
وعلى هذا هل يلحق الثدي في زمن الرضاع بما يبدو في حال المهنة أوْ لا؟ فيه وجهان في "البسيط"، وفي "الوسيط" لم يخص الخلاف بحالة الرضاع.
وعن شرح الجويني حكاية وجه: أن المحرم بالمصاهرة والرضاع لا ينظر إلا إلى ما يبدو في حال المهنة.
والصحيح أنه لا فرق.
ولا عورة لها بالنسبة على الزوج إلا الفرج على خلاف فيه.
وأما عورتها بالنسبة إلى مملوكها؛ ففيه وجهان:
أصحهما عند الأكثرين- ومنهم المتولي-: أنها كعورتها بالنسبة إلى محارمها؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١].
وروي أن فاطمة سترت رأسها عند دخول غلام لها [عليها]، فقال لها
стр. 891
رسول الله ﷺ : "إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكِ بَاسٌ إِنَّما هُو أَبُوكِ وَغُلامُكِ".
وعلى هذا يأتي الوجهان في أن ذلك هل يختص بما تحت السرة وفوق الركبة أو بما لا يبدو في حال المهنة؟
فالأول منهما منسوب إلى ابن سريج وابن أبي هريرة.
والثاني- وهو الذي صححه الشيخ أبو حامد-: أن عورتها بالنسبة إليه كعورتها بالنسبة إلى الأجانب، [وهو المحكي في "الحاوي" عن أبي إسحاق المروزي وأبي سعيد الإصطخري، وقال: إنه لا يختلف المذهب أنه لا يلزمه الاستئذان إلا في الأوقات الثلاثة المذكورة في الكتاب العزيز.
وأما عورتها بالنسبة إلى الممسوح من الرجال الأجانب] إذا لم تكن له شهوة، قال القاضي الحسين: فيه وجهان:
أحدهما: أنها كالعورة بالنسبة إلى غير الممسوح؛ فلا يجوز له النظر.
والثاني: أنها كعورتها بالنسبة إلى المحارم، وهذا ما حكاه المتولي حيث قال: إن عورتها بالنسبة [إليه كعورتها بالنسبة] إلى الشيخ الفاني، ومن لم تتكامل القوة في أعضائهم ولا تكاملت عقولهم، وعورتها بالنسبة إلى هؤلاء كعورتها بالنسبة إلى المحارم؛ لقوله تعالى: ﴿غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ﴾ الآية [النور: ٣١].
وحُكِي [عن] ابن عباس أن "غير أولي الإربة": هو المغفل الذي لا يكترث بالنساء، ولا يشتهيهن.
وقال الحسن: هو الذي لا عقل له، ولا يشتهي النساء.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: [قيل: إنهم الشيوخ].
стр. 892
وقيل: أراد بهم الصبيان. وهو بعيد؛ لأنهم مذكورون من بعد.
وقيل: أراد بهم الخِصْيان.
وقيل: أراد بهم المخنثين.
ولأجل هذا الاختلاف، أطلق أبو مجالد البصري- وهو من متأخري الأصحاب- أن في [حل نظر] الخصي والمخنث [إليها] وجهين.
وابن الصباغ قال: لا يحل لهما النظر إليها إلا عند الكبر وذهاب الشهوة.
وغيره أطلق القول بأن الخصي- وهو الذي ذكرُهُ باقٍ وقطعت خُصيتاه- والمخنث لا يحل لهما النظر كالرجال؛ لأنه- ﵇ نفي المخنثين عن المدينة.
وقيل بطرده في الممسوح والمجبوب الذكر، الباقي الخصيتين.
والعِنِّين كالخصي.
ومنهم من ألحق المجبوب بالممسوح.
قال الرافعي: وهم الأكثرون.
وأما عورتها بالنسبة على الصبيان الذين قاربوا مبادئ الشهوة، فكعورتها بالنسبة إلى البالغين.
وقال القفال: ثبت الحِلُّ؛ فلا يرتفع إلا بسبب ظاهر، وهو البلوغ.
وحكى ابن الصباغ الوجهين في المراهق والصبيان الذين بلغوا مبلغ الحكاية، ولم ينتهوا إلى حد تتحرك فيه الشهوة: يجب الستر عنهم، وألحقهم الماوردي بالمحارم، ومذهبه فيهم الجزم بأن العورة في حقهم ما بين السرة والركبة.
ومن لم يبلغ مبلغ الحكاية كالمعدوم.
وأما الأمة فعورتها بالنسبة على سيدها الذي تحرم عليه بسبب [مؤبد] أو غيره،
стр. 893
كعورتها بالنسبة إلى الأجنبي، وفي عورتها بالنسبة إلى الأجنبي ثلاثة أوجه:
أظهرها: أنها كعورة الحرة، وفي حالة الحاجة إلى تقليبها لأجل الشراء، ينظر إلى ما يبدو في حال المهنة. قال الغزالي: وهو القياس. وقال الرافعي: إنه لا يكاد يوجد هكذا إلا الغزالي.
والثاني: أنها كالرجل.
والثالث: أنها كعورة الحرة إلى ما يبدو في حال المهنة.
وقال في "التتمة": لا خلاف أن وجهها ورأسها وبدنها وأطراف ساعديها وقدميها ليس بعورة، وفيما عدا ذلك وجهان. وهذه طريقة القاضي الحسين.
والمدبرة، والمكاتبة، والمعلَّق عتقها بصفة، وأم الولد كالقِنِّة.
والمعتق بعضها كالحرة.
وأما الخنثى المشكل، فقد قال في "التتمة": لا [يحرم عليه] النظر إلى بدن المرأة، ولا إلى بدن الرجل، ولا [يحرم] على الرجال و [لا على النساء] النظر إلى بدنه؛ كما لا يبطل وضوءه بلمس النساء ولا بلمس الرجال، ولا يبطل بلمسه طهر الرجال ولا طهر النساء، وهذا ما حكاه الرافعي عن القفال.
وحكى وجهاً آخر: أنه يجعل بالنسبة إلى الرجال امرأة، وبالنسبة إلى النساء رجلاً؛ احتياطاً، وهذا ما حكاه الماوردي [هنا.
وأما الأطفال فقد ذكرنا عن الماوردي] في حكم عوراتهم تفصيلاً سلف.
وقال في "الوسيط": إنه لا يجوز النظر إلى فرج الصَّبِيَّة، وفي النظر إلى وجهها وجهان:
أحدهما: المنع؛ لأنها من جنس النساء.
[وأصحهما] في "الرافعي": الجواز؛ لأنها ليست في مظنة الشهوة.
قال الرافعي: فعلى هذا لا فرق بين حد العورة وغيره. نعم: لا ينظر إلى الفرج.
стр. 894
وقال في "التتمة" في كتاب النكاح: هل يحرم النظر إلى فرج الأطفال؟ فيه وجهان.
ثم اعلم أن ما أبحنا النظر إليه من بدن النساء الأجانب [لا يحل لمسه، وكذا ما أبحنا للنسوة النظر إليه من الرجال الأجانب] لا يحل [لهن] لمسه بغير زوجية، ولا ملك، ولا حاجة.
قال في "التتمة": لأن اللمس أغلظ حكماً من النظر إليه؛ بدليل أنه لو لمس فأنزل؛ بطل صومه، ولو نظر فأنزل؛ لا يبطل.
وطرد القاضي الحسين ذلك في المحارم، وهو المحكي في "الرافعي".
وقال القاضي في "تعليقه": إنه إذا كان للرجل ابنة، وبلغت [عشر سنين]، لا يجوز له أن يضاجعها، وليس لها أن تغمز [يديه ورجليه]؛ كي لا يقعا في الفتنة، وكذا الابن الكبير مع الأم، وقد نسب ذلك إلى القفال، وأنه منع من تقبيل وجهها.
وحكى عن القاضي أنه كان يقول: العجائز اللاتي يكحلن الرجال يوم عاشوراء مرتكبات للمحظور، والناس يحسبون أنهن مقيمات للسنة.
ولا يجوز للرجلين أو المرأتين أن يتجردا في ثوب واحد وإن كان كل منهما في جانب، وعليه دل الخبر في صحيح مسلم.
وما ذكرناه من تحريم اللمس إذا لم [يكن] تدعو إليه حاجة، فإن دعت لعلة ونحوها: كالفصد، والحجامة، ونحو ذلك- جاز، وكذا لو احتيج إليه في المواضع التي لم يبح النظر إليها، لكن يشترط أن يكون ثَمَّ محرم.
ويشترط في جواز النظر إلى من المرأة: ألا يكون هناك امرأة تعالج، وفي جواز النظر إليه من الرجل: ألا يكون هناك رجل يعالج؛ كما قال أبو عبد الله الزبيري
стр. 895
والقاضي الروياني، وعن ابن القاص خلافه.
قال الأصحاب: ثم أصل الحاجة كاف في جواز النظر إلى الوجه واليدين إن جعلناه عورة، وفي النظر إلى سائر الأعضاء يعتبر التأكد، وضبطه الإمام بما يجوز الانتقال بسببه من الماء إلى التراب، ولو على رأي.
وفي النظر إلى السوأتين [يعتبر] مزيدُ تأكُّدٍ، وهو مما لا يعد الكشف بسببهما هتكاً للمروءة.
فرع: الجزء المبان هل يجوز النظر إليه؟ قال في "الوسيط": إن لم يتميز المبان بصورته: كالقلامة، وما ينتف من الشعر، والجلدة المنكشطة- فلا يحرم. وإن تميز بصورته: كالعضو، والعِقْصَة فلا يحل.
وهذا التفصيل رَايٌ رآه الإمام، والذي حكاه المتولي: أنه لا يجوز النظر إلى الجزء المبان مطلقاً.
ومعلوم أنه إذا كان من محل لا يجوز النظر إليه عند الاتصال، ومنه: شعر [رأس] الحرة، وشعر العانة، وقلامة الأظفار من الرِّجْلين.
وألحق القاضي الحسين بذلك دم الفصد والحجامة.
وفي "الرافعي" حكاية [وجه في العضو] المتميز بصورته: أنه يجوز النظر إليه، وقد أشار إليه الغزالي والإمام عند الكلام في وصل الشعر.
والأصح الأول، والله أعلم.
стр. 896
باب طهارة البدن والثوب وموضع الصلاة
الأصل في اعتبارها في البدن قوله- ﵇: "اسْتَنْزِهُوا مِنَ البَوْلِ؛ فَإِنَّ عامَّةَ عَذَابِ القَبْرِ مِنْهُ" رواه الدارقطني.
وقال- ﵇ وقد مَرَّ بقبرين: "إِنَّهُمَا يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كبيرٍ: أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لا يَسْتتِرُ مِنَ البَوْلِ، أَوْ عَنِ البَوْلِ"- وفي رواية: "من بوله"- وأما الآخَرُ فكانَ يَمْشِي بالنَّميمة" رواه مسلم.
وفي الثوب قوله- تعالى-: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) ..﴾ [المدثر: ٤، ٥] [قال الماوردي: والرجز: النجس.
والظاهر من قوله: ﴿فَطَهِّرْ﴾] إرادة الحقيقة فيهما، وبه قال ابن سيرين والفقهاء.
وما رواه أبو داود عن أسماء بنت أبي بكر قالت: سمعت امرأة سألت رسول الله ﷺ : كيف تصنع إحدانا بثوبها إذا رأت الطهر، أتصلي فيه؟ قال: "تَنْظُر فيهِ، فَإِنْ رَأَتْ فِيهِ دَماً فَلْتَقْرصْهُ بِشَيءٍ مِنْ مَاءٍ، وَلْتَنْضَحْ مَا لَمْ تَرَ، وَلْتُصَلِّ فِيهِ".
وفي موضع الصلاة: نهيه- ﵇ عن الصلاة في المقبرة، والمجزرة، والمزبلة، ولا علة للمنع إلا النجاسة.
على أن قوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ بالتفسير الذي ذكرناه، وقوله- ﵇: "تَنَزَّهُوا مِنَ البَوْلِ؛ فَإِنَّ [عَامَّةَ عَذَابِ القَبْرِ مِنْهُ] " يجوز أن يستدل بهما للجميع.
قال: واجتناب النجاسة-[أي: في ذلك]- شرط في صحة الصلاة؛ لأنه قد ثبت الأمر باجتنابها، ولا يجب في غير الصلاة- كما سنذكره- فتعين أن يكون في
стр. 897
الصلاة شرطاً كما في طهارة الحدث.
قال بعضهم: بل أولى؛ لأنه إذا اشترط رفع الحدث فيها مع أنه ليس بعين، فأولى أن يشترط إزالة النجاسة مع كونها [عيناً] [من باب] أولى، وما قاله في النجاسة العينية ظاهر دون الحكمية.
وعلى هذا قال الشيخ: فإن حمل نجاسة في صلاته [أو لاقاها ببدنه أو ثيابه]] وهي غير معفو عنها- أي: سهواً وعمداً- لم تصح صلاته؛ لأن ما كان شرطاً في الصلاة لا يسقط بما ذكرناه [كالطهارة من الحدث].
قال: وقال في القديم: إن صلى، ثم رأى في ثوبه نجاسة كانت [عليه] في الصلاة، لم يعلم بها قبل الدخول [فيها]- أجزأته صلاته؛ لما روى أبو داود أنه- ﵇ خلع نعليه في الصلاة، فخلع الناس نعالهم، فقال: "مَا بَالُكُمْ خَلَعْتُم نِعَالَكُمْ؟ " فقالوا: رأيناك خلعت فخلعنا، فقال: "أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأخْبَرَنِي أَنَّ فِيهما قَذَراً". أو قال: "دم حلمة".
وجه الدلالة منه: أنه لم يستأنف الصلاة، ولو كان ذلك يبطل الصلاة، لاستأنفها.
والفرق بين ما نحن فيه وطهارة الحدث: أن الحدث في ذاته يخصه، فانتسب في الجهل به إلى التفريط؛ لأن الإنسان يحيط علماً بما يقع في ذاته ويخصه حسب ما لا يحيط بما هو أجنبي منه، فنظير الحدث: أن يعلم النجاسة، ثم ينساها، وهو مما [لا] تصح معه الصلاة قولاً واحداً كما قاله القاضي أبو الطيب، وإليه أشار الشيخ
стр. 898
بقوله: لم يعلم بها قبل الدخول.
لكن قد حكى الماوردي وغيره عن القاضي أبي حامد أنه قال بجريان القول القديم في هذه الصورة أيضاً.
قال بعضهم: وكأن هذا القائل يقول: اجتناب [النجاسات] من قبيل المأمورات؛ فلا يكلف به في حالتي الجهل والنسيان.
والصحيح الأول، والخبر محمول على أن الذي كان بالخفين من المستقذرات الطاهرات أو من النجاسة المعفو عنها؛ لقلتها، وتنزيهه- ﵇ منها؛ محافظة على التصون استحباباً.
[على أنها] قضية حال، وقضايا الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال كساها الإجمال، ويسقط بها الاستدلال، ومن جمل ما تطرق إليها: أنه يحتمل أن يكون ذلك قبل استقرار حكم النجاسات، وتحريم فعل الصلاة معها، ثم نسخ ذلك، ولعل النسخ ورد في خلال تلك الصلاة، فخلعهما- ﵇ قاله القاضي الحسين، وقال: إن القولين هنا كالقولين فيما لو ترك قراءة الفاتحة ناسياً في الصلاة، وفيما لو ترك الترتيب ناسياً في الوضوء، وفيما لو نسي الماء في رحله.
وما قاله في الأخير مشابه لطريقة أبي حامد، وإلا فلا مشابه له هنا على طريقة أبي الطيب التي أفهمها كلام الشيخ.
تنبيه: كلام الشيخ يفهم أموراً:
أحدها: [أنه لا يجب اجتناب النجاسة في غير الصلاة؛ إذ لو كان كذلك، لنبه عليه كما فعل في باب ستر العورة.
نعم: هل يجوز أن ينتفع بالنجاسات في بدنه من غير حاجة؟ فيه كلام يأتي في باب ما يكره لبسه؛ لأن له تعلقاً به.
الثاني:] أن القول القديم لا يجري فيما لو علم بعد الصلاة بنجاسة كانت على بدنه [أو] في موضع صلاته. وقد صرح في "المهذب" وغيره بأنه جارٍ فيهما، وهو
стр. 899
قضية طريقة القاضي أبي حامد في إجرائه فيما إذا علم بها ونسيها، وقضية طريقة من قال إذا علم بها ثم نسيها: إنه لا يجري فيها القول القديم؛ لما ذكرناه من الفرق- ألا يجري فيها إذا كانت على بدنه، ولم أره.
الثالث: أنه لا فرق في اشتراط اجتنابها في موضع الصلاة بين أن يكون يصلي لابثاً أو ماشياً، ولاشك في ذلك فيما إذا صلى لابثاً في مكان واحد.
وعبارة الإمام فيما إذا صلى ماشياً: أنه إذا مشى في نجاسة قصداً، وكان له مندوحة عنه- فالذي أراه: الحكم ببطلان الصلاة، ولست أرى عليه أن يتصون ويتحفظ من ذلك ويرعاه؛ فإن كل رخصة متعلقة بما يليق بها من الحاجة، والطريق يغلب فيها النجاسة، والتصون فيها عسر، ورعاية هذا الأمر يلهي المسافر عن جميع أغراضه في السفر ليلاً ونهاراً، وإذا انتهى في ممره إلى نجاسة ولا يجد عنها معدلاً، فهذا فيه احتمال، ولاشك أنها إذا كانت رطبة فالمشي فيها يبطل الصلاة وإن كان من غير قصد؛ فإن المصلي يصير بالمشي فيها حاملاً للنجاسة. انتهى.
والراكب المصلي: الشرطُ في حقه طهارة ما يلاقيه بدنه وثيابه مما هو عليه ولو كانت الحَكَمَةُ نجسة، وبها شيءٌ هو بيده؛ ففيه الخلاف الذي سنذكره.
ولو أوطأ الدابة النجاسة عمداً، لم يضره؛ كما صرح [به] الإمام، وهو عند المتولي مُبْطِلٌ.
الرابع: أنه لا فرق في اشتراط اجتنابها مع العلم بين أن يكون قادراً عليه مع إتمام الركوع والسجود، أم لا كما إذا كان محبوساً في حُشٍّ وهو مذهب العراقيين؛ فإنهم قالوا: إذا كان [محبوساً في حش] لا يتمكن معه من الركوع والسجود، يصلي، ويتجافى عنها بحسب الطاقة، ويومئ إلى القدر الذي لو زاد عليه لاقى النجاسة، ولا يسجد عليها.
وحكى المراوزة مع هذا وجهين:
أحدهما: أنه يكمل الركوع والسجود.
стр. 900
والثاني: أنه يتخير.
واختلفوا في محل الخلاف:
فقيل: مع مطلق النجاسة: رطبها، ويابسها.
وقيل: مع اليابسة، أما مع رطبها؛ فلا يباشرها قولاً واحداً؛ لأنه يستصحب النجاسة في جميع الصلاة. وهذه طريقة القاضي الحسين و [والد] الإمام.
وإذا صلى بالإيماء فهل يعيد؟ فيه قولان:
القديم: لا؛ لأنه صلى على حسب حاله؛ كالمريض.
والجديد- وهو المختار في "المرشد"-: أنه يعيد؛ لأنه عذر نادر غير متصل.
وعلى هذا فما فرضه [من الصلاتين؟] فيه خلاف سبق في التيمم.
الخامس- وهو المفهوم من قوله: "فإن حمل نجاسة في صلاته أو لاقاها ببدنه أو ثيابه، لم تصح صلاته"-: صحتها إذا فقد ذلك، وهو يفرض في [صور نذكر] منها [ما] وقع اختلاف الأئمة فيه:
فمن ذلك: إذا كانت النجاسة تحت صدره في حال سجوده، ولم يلقها ثوبه ولا بدنه: هل تصح؟ فيه وجهان، المنصوص منهما في القديم- كما قال في "الحاوي"-: الصحة، وهو ما ادعى الروياني أنه المذهب، ولم يحك في "التتمة" سواه.
قال القاضي الحسين: والوجهان جاريان فيما لو كان [يصلي ماشياً، فكان بين خطوتيه نجاسة، لم يصبها شيء من بدنه.
ومنها: إذا كان] على النجاسة ثوب شفاف ترى من تحته النجاسة، ولا تلقى شيئاً من بدن المصلي ولا ثيابه، هل تصح صلاته أم لا؟ فيه وجهان حكاهما القاضي الحسين، وهما جاريان- كما قال الروياني وغيره- فيما لو كان الثوب [الذي] على النجاسة خفيفاً بحيث تقابل النجاسة بدنه في السجود، ولا يلقى النجاسة.
وجزم في "التتمة" فيها بالصحة.
стр. 901
وكلام الإمام يشير إلى أن الخلاف جارٍ إن لاقت ثيابه النجاسة من خَلَلِ النسج؛ لأنه قال: [إذا صلى] على بساط نجس، وكان قد بسط إزاراً سخيفاً مهلهل النسج؛ فقد ذكر الأئمة فيه خلافاً من حيث إنه يعد حائلاً. والظاهر: المنع؛ لأن بدن المصلي وثوبه الذي هو لابسه يلقى البساط النجس من خلال الفُرَج في أثناء النسج السخيف. قال: والمسألة مصورة في البساط النجس الجاف. قال: وإذا منعنا الرجل من الجلوس على الحرير، فبسط فوقه إزاراً صفيقاً، وجلس عليه- جاز، ولو بسط إزاراً سخيفاً- كما ذكرناه- ففي جواز الجلوس التردد الذي ذكرناه في البساط النجس في حق المصلي.
وقد احترز الشيخ بقوله: "أو لاقاها ببدنه أو ثيابه"، عما إذا وقعت نجاسة يابسة، فنحَّاها في الحال؛ فإن الملاقاة لم توجد منه.
وفي معناها ما لو ألصق إليه شخص- وهو في الصلاة- ثوباً نجساً، فإنه لا تبطل صلاته إن نحاه في الحال؛ كما قال القاضي الحسين.
وإن كان هو الذي [قد] مس بثوبه الثوب النجس، بطلت صلاته.
وكذا لو كان الماسُّ غيره ولم ينحِّها في الحال.
واحتكاكه بالجدار النجس كملاقاته الثوب النجس؛ قاله الإمام وغيره.
[ثم وراء] ما ذكرناه في كلام الشيخ بحثان:
أحدهما: أن قوله: "وهي غير معفو عنها"، احتراز عن النجاسة المعفو عنها، لكن هل ذلك عائد إلى الحمل والملاقاة، أو إلى الملاقاة [فقط؟ يحتمل وجهين]:
فإن قلنا: إنه يعود إلى الكل- وهو الظاهر- أفادنا ذلك أن اختياره: [أنه لو حمل مستجمراً [في صلاته] أو ثوباً به دم براغيث معفو عن مثله لو كان لابسه، ونحو ذلك- أن صلاته تصح.
وإن قلنا: إنه يعود إلى الملاقاة فقط، لا يكون في كلام الشيخ تعرض لذلك.
стр. 902
وقد قال الأصحاب:] إنه لو حمل مُسْتَجْمِراً في صلاته أو ثوباً به دم براغيث يعفى عن مثله حالة لبسه، هل تصح صلاته أم لا؟ فيه وجهان مأخذهما: النظر إلى أن ذلك معفو عنه في الجملة، أو إلى أنه لا يشق الاحتراز عن ذلك.
والخلاف في حمل المستجمر مفرع- كما قال الإمام- على قولنا: إنه لو حمل طائراً لم يغسل محل النجو منه، ولا نجاسة عليه بادية: أنه لا تصح صلاته. أما إذا قلنا: تصح، فها هنا أولى.
والخلاف جارٍ فيما لو حمل من على ثوبه نجاسة معفو عنها بالنسبة إليه.
الثاني: أن الحمل ظاهر في بعض الصور وقد يخفى في بعض؛ فنذكره للتنبيه:
فمن ذلك: إذا كان على رأسه طرف عمامة طاهر، وطرفها الآخر متنجس، فإن صلاته لا تصح؛ لأنه حامل للنجاسة.
قال الأصحاب: سواء تحرك الطرف النجس بحركته أو لا؛ لأنه لو مشى لانجر معه، وهذا بخلاف قولهم فيما لو كان الطرفان طاهرين، فسجد على الخارج عنه حيث لا يتحرك بحركته؛ فإنه تصح صلاته خلافاً للقاضي الحسين- كما ستعرفه- وبخلاف ما لو صلى على طرف بساط طاهر، والآخر نجس؛ فإنه تصح صلاته وإن تحرك الطرف النجس بحركته؛ لأنه ليس بحامل.
ولو كان بعض العمامة على رأسه، والبعض الآخر على نجاسة يابسة، فهو كما لو كان الطرف نفسه نجساً فطرحه على نجاسة رطبة.
ومنها: إذا ابتلع طرف خيط، فاتصل بمعدته، وباقيه طاهر- لا تصح صلاته كما قال المتولي؛ لاتصال طرفه بالنجاسة.
ومنها: إذا شد كلباً بحبل، وطرف الحبل بيده- فقد أطلق ابن الصباغ في صحة صلاته وجهين خصهما القاضي أبو الطيب بما إذا كان الكلب كبيراً حيّاً، وجزم بالبطلان [فيما] إذا كان ميتاً أو صغيراً حيّاً.
стр. 903
وصرح الماوردي والقاضي الحسين بالخلاف في الصغير الحي والكبير؛ من جهة أن للكلب اختياراً.
وخصه الإمام بما إذا كان لا يتحرك بحركة المصلِّي، ولم يتعرض غيره لذلك.
وحكى المراوزة وجهاً آخر: أن الحبل إن كان مربوطاً في ساجور، والساجور في عنق الكلب- لم تبطل، وإن كان الحبل مربوطاً في عنق الكلب بطلت.
وقالوا: إن الخلاف يجري فيما لو أمسك حبلاً مربوطاً في عنق حمار وعلى الحمار نجاسة، لكن بالترتيب، وأولى هنا بالصحة.
و [ربط الحبل] في يده أو وسطه فيما ذكرناه كالمسك باليد، والبغوي جزم في الشد بالبطلان، وحكى الخلاف في المسك باليد.
ولا خلاف في أنه لو وضع الحبل تحت رجله [وصلى]: أن صلاته صحيحة؛ لفقد الحمل.
ومنها: لو شد حبلاً في سفينة فيها نجاسة، وكانت السفينة في الماء- فقد أطلق ابن الصباغ فيما إذا أمسك الحبل بيده في البطلان وجهين، وخصهما القاضي أبو الطيب بما إذا كانت السفينة كبيرة، ولا يلقى شيءٌ من الحبل النجاسة، وقال: إن الأصح الصحة، وجزم [القول] بالبطلان فيما إذا كانت السفينة صغيرة بحيث تنجز بجره لها، أو كبيرة وطرف الحبل يلاقي النجاسة.
وما أطلقه ابن الصباغ إليه يميل كلام العراقيين [الذي] حكاه الإمام عنهم؛ فإنه حكى الخلاف فيما لو أمسك بيده حبلاً وطرفه نجس، لكنه لا يتحرك بحركته.
والقاضي الحسين حكى الخلاف فيما لو أمسك طرف عمامة طاهرة وطرفها الآخر نجس، ولم [يقيده بعدم] التحرك بحركته.
ولو كانت السفينة في البر، أو كان قد وضع الحبل تحت رجله وهي في البحر- لم تبطل قولاً واحداً، صغيرة كانت أو كبيرة.
стр. 904
ومنها: إذا حمل حيواناً مذبوحاً يحل أكله، وقد غسل موضع الذبح؛ لأنه حامل لما في جوفه من النجاسة، وهذا بخلاف ما لو حمل حيّاً؛ فإن صلاته تصح؛ لأن النجاسة التي في جوف الحي يعفى عنها [كما يعفى] عن النجاسة التي في جوف المصلِّي، وقد حمل ﷺ أمامة بنت أبي العاص في الصلاة، وهذا إذا لم يكن على منفذ الحيوان نجاسة بأن طهر بالماء، فلو لم يطهر ولا شيء عليه بادٍ، قال الإمام: فمن أئمتنا من جرى على القياس، ومنع صحة الصلاة، والوجه القطع به، وهو الذي أورده في "التتمة". ومنهم من قال: يعفى عن ذلك.
قال الرافعي: والخلاف جارٍ فيما لو وقع هذا الحيوان في ماء قليل، وخرج حيّاً.
قال: والظاهر عدم التنجس، والفرق: أن حمله نادر، ووقوعه في الماء ليس بنادر، وصيانة الماء عن ذلك مما يشق.
والطفل الميت في هذا- إن قلنا: لا ينجس بالموت- كالحيوان المأكول بعد الذبح؛ كذا قاله أبو الطيب.
والبيضة المذرة، هل تلحق بالطائر؛ لأن باطنها نجس، أو بالنجاسة البادية؛ لأن البيضة لا حياة فيها؟ فيه خلاف جارٍ فيما لو حمل عنقوداً قد استحال باطن حباته خمراً، ولكنه مستور بالقشور من غير رشح، والأصح: المنع.
والقارورة المتضمنة للنجاسة إن لم تكن مصممة الرأس برصاص ونحوه كالحيوان المذبوح؛ فتمنع الصحة، والمصممة بذلك كذلك على المذهب في "تعليق" القاضيين أبي الطيب والحسين وغيرهما.
وقال ابن أبي هريرة: تصح؛ كالحيوان الحي؛ لأن كلاًّ منهما في جوفه نجاسة.
والإمام قال: إنه ألحق ذلك بالبيضة المذرة، وقد طرد مذهبه- كما قال أبو الطيب والفوراني- في الآخر إذا قلنا: ظاهره طاهر وباطنه نجس.
стр. 905
وعن ابن كج إلحاق سد القارورة بالشمع ونحوه بتصميمها بالرصاص ونحوه، والمشهور تشبهي ذلك بلفها في خرقة ونحوها، وهو يمنع صحة الصلاة بلا خلاف، بل ما ادعاه ابن أبي هريرة في المصممة بالرصاص ونحوه غلط فيه؛ فالفرق بينها وبين الحيوان: أن نجاستها مستودعة فيها، ونجاسة الحيوان في محلها؛ فجرت مجرى النجاسة في جوف المصلِّي.
ومنها: إذا صلى على جنازة، وأصابع رجليه في مداسه النجس- لا تصح صلاته؛ لأنه حامل له وهو نجس، نعم: لو جعله تحت قدميه جاز.
ولو نزع أصابع الرجلين عنه، قال القاضي الحسين: ينظر: فإن كان شيءٌ من رجله بحذاء ظهر المداس [فلا يجوز؛] لأنه يصير حاملاً له، وإلا فيجوز. وفي "الجيلي": أنه لو أخرج أصابعه من المداس، وبقَّى إصبعاً واحداً وتحاذيها النجاسة، ففيه وجهان.
فائدة: داخل الفم ملحق في اعتبار الطهارة بظاهر البدن، حتى لو تناول شيئاً نجساً من نخمر، أو ميتة، ونحوهما- لا تصح صلاته ما لم يغسله.
وللأصحاب خلاف في وجوب إيصال الماء إليه في الغسل من الجنابة، و [من] لم يُوجب غسله يجعله في حكم الباطن، والفرق بين الغسلين غامض.
قال: وإن أصاب أسفل الخف نجاسة، فمسحه على الأرض، أي: بحيث أزال عين النجاسة، وصلى فيه- ففيه قولان:
أحدهما: يجزئه؛ لقوله ﷺ : "إِذَا جَاءَ أَحدُكُمُ المَسْجِدَ، فَلْينظُرْ نَعْلَيْهِ: فإنْ كَانَ بهمَا خَبَثٌ فَلْيَمْسَحْهُ عَلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ لْيُصَلِّ فِيِهمَا"، ولأنها نجاسة تلحقه المشقة في إزالتها بالماء، فأجزأ فيها المسح؛ ما في الاستنجاء، وهذا ما نص عليه في
стр. 906
الأمالي القديمة؛ كما قال البندنيجي، وهو الأصح في "الجيلي".
والثاني: لا يجزئه؛ لأنها نجاسة مقدور على إزالتها بالماء من غير مشقة؛ فلم يجز الاقتصار فيها على المسح على الأرض؛ كما لو كانت على ثوبه.
قال البندنيجي: وهذا ما نص عليه في القديم والجديد، وهو الأصح عند المعتبرين، والخبر مختلف في رجاله.
ثم إن صح كان محمولاً على الخبث من المستقذرات الطاهرات.
والفرق بين الاستنجاء وما نحن فيه: أن ذلك يتكرر، ولا كذلك ما نحن فيه.
والنعل والمداس فيما نحن فيه كالخف سواء، ولا خلاف في أن مسح ذلك [على الأرض] يجوِّز دخول المسجد به، وعليه حمل أصحابنا قوله ﷺ : "إِذَا وَطِئ أَحَدُكُم بِخُفَّيْهِ الأَذَى فطَهُورُهُمَا التُّرابُ"، وفي لفظ: "إِذَا وَطِئَ بِنَعْلِهِ أَحَدُكُمُ الأَذَى
стр. 907
فَإِنَّ التُّرابَ لَهُ طَهُورٌ" أخرجه أبو داود.
ثم ظاهر كلام الشيخ يقتضي أموراً:
أحدها: أنه لا فرق على الأول في النجاسة حالة المسح بين أن تكون رطبة أو جافة.
ويقال: إنه ظاهر ما نقله الشيخ أبو حامد، وكذا أكثر الأصحاب كما قال العمراني في "الزوائد".
قال الجيلي: وعلى هذا: فينبغي أن يكون المسح على وجه لا يتعدى محل النجاسة كما في الاستنجاء؛ فإن بعض الناس ذهب إلى أنه لابد أن يكون على وجه لا تبقى مع الرائحة. وهو بعيد؛ إذ زوال الرائحة ليس بشرط في الاستنجاء وجهاً واحداً.
والقاضي أبو الطيب فرض الخلاف فيما إذا كانت النجاسة قد جفت؛ [فأفهم] كلامه: أنها لو كانت رطبة لم يجزئ فيها المسح قولاً واحداً، وهو ما حكاه في "المهذب" و"الشامل"، والبندنيجي في "تعليقه"، والرافعي، وهو عكس ما تقدم في الاستنجاء بالأحجار.
الثاني: [أنه] لا فرق في النجاسة بين أن يكون لها جِرْم أو لا: كالبول ونحوه، والمحكي في "الرافعي" عن الأصحاب: أن محله إذا كان لها جِرْم، أما إذا لم يكن فلا يكفي فيها الدلك بحال.
الثالث: أنه لا فرق على الثاني بين قليل النجاسة وكيرها، سواء كانت من طين الشوارع المتحقق نجاسته أو من غيره، وكذا أطلقه [غيره، وأبدى] الرافعي احتمالين لنفسه في أن ذلك هل يختص بما لا يعفى عنه أو يكون عاماً فيه وفي غيره.
وقد أفهم كلام الشيخ أموراً:
أحدها: أن الخف لا يطهر على القول الأول، والأصحاب مُطْبِقون عليه، وهو
стр. 908
نظير قولهم: إن المحل بعد الاستنجاء بالحجر نجس وإن جازت الصلاة قبل غسله، حتى لو انغمس في ماء قليل نجَّسه.
والثاني- وهو مفهوم قوله: أسفل الخف-: أنها لو أصابت القدم والساق لم يكف فيها المسح بلا خلاف، وهو كذلك؛ لأنه لا مشقة في غسله.
والثالث: أن النجاسة لو وقعت على أسفل الخف وهو ملقى، كان الحكم كما لو حصل ذلك بسبب مشيه [عليها].
والشيخ أبو محمد قال: إن [محل] الخلاف إذا كان يمشي في الطريق، فأصابته النجاسة من غير تعمد منه، فأما إذا تعمد تلطيخ الخف بها، وجب غسله لا محالة.
وكلامه يفهم أن الصورة التي ذكرناها كذلك؛ لأنها نادرة، ولا جرم قال بعضهم: إنه الذي ينبغي القطع به؛ لأنه لا مشقة في غسله.
قال: وإن أصاب الأرض نجاسة، فذهب أثرها بالشمس والريح، [فصلى عليها- ففيه قولان:
أحدهما: يجزئه؛ لأن الشمس والريح] من شأنهما أن يحيلا الشيء عن طبعه؛ فتأثيرهما آكد من تأثير الماء، وهذا ما نص عليه في القديم، ولفظه فيه- كما قال
стр. 909
القاضي الحسين-: ولو شك في أرض، فأشرقت عليها الشمس، ومضى عليها أزمانٌ- جاز أن يصلي عليها، ولا يتيمم بترابها.
والثاني: لا يجزئه؛ كما لو صلى في ثوب وقع عليه بول وجفَّ أثره بالشمس والريح، وهذا هو الجديد.
قال بعضهم: وهو الجاري على أصل الشافعي- ﵁ إذ ليس المقصود من طهارة الحدث: الإزالة فحسب، وأنه لو وقعت قطرة من الدم على شيء صقيل منحدر، ووالى عليها بدفع ماء الورد، لم يحكم بطهارته ما لم يستعمل الماء، مع القطع بزوال عين النجاسة وأثرها، ولا يسمع أحد بطهارتها ممن ينتحل مذهب الشافعي- ﵁ وفارق طهارة الخمر بالاستحالة؛ فإنها تنجست بالاستحالة، وطهرت بها، وهذه نجاسة بالملاقاة؛ فلا تطهر بالاستحالة؛ كما لو فضخ الدِّبْس النجس ناطفاً أو جعل منه خلا، وهذا القول هو الصحيح بالاتفاق، ولم يحك الجمهور غيره، بل قال الماوردي: إن الأول حكاه ابن جرير الطبري عن نص الشافعي في القديم، ولا يعرف له.
وقال البندنيجي في كتاب التيمم: إن من الأصحاب من نفاه، وقال: ما قاله في القديم من الحكم بطهارته، فإنما هو إذا مضت عليه السنون.
وإذا كان كذلك، فمياه الأمطار تطهره، والرياح تسفي عليه التراب، فتغطيه، فكيف يحكم بطهارته بالشمس؟! ولا يختلف مذهبه أن النار لا تطهر شيئاً.
والقولان جاريان- كما قال القاضي الحسين- فيما لو استنجى بحجر، وزالت النجاسة عنه بالشمس والريح، فإنه قال في "الإملاء": لو استنجى بالحجر، وألقاه في مَضْحَاة حتى جف وتناثرت منه النجاسة، جاز أن يستنجي به. وقال في الاستنجاء: ولا يمسح بحجر قد مسح به مرة، إلا أن يكون قد طهر بالماء. فحصل فيه قولان.
وقال الإمام- حكاية عن الأصحاب-: إنهما يجريان في الثوب أيضاً. وهو بعيد؛ لأن للتراب قوة محيلة تحيل الأشياء إلى صفته، بخلاف الثوب.
стр. 910
وهل يقوم التراب مقام الشمس؟ المشهور: لا. وقيل: نعم، وحكاه الفوراني.
ورأيت فيما وقفت عليه من "النهاية" حكايته عنه في الثوب إذا قلنا: إن الشمس والريح تؤثر في الصلاة فيه، وقال: إنه في نهاية البعد.
وقد أفهم قول الشيخ: "وذهب أثرها"، أن المسألة مصورة بما إذا كان للنجاسة أثر، مثل: أن تكون مائعة، أو جامدة وهي رطبة، فأزال عينها، وذهب أثرها بالشمس والريح، وكذلك صوَّرها البندنيجي في باب التيمم وغيره، وقال: إن النجاسة لو كانت جامدة واستهلكت في الأرض: كعظام الموتى، وجلودهم، والسرجين، والعذرة- فلا تطهر بالشمس والريح قولاً واحداً، بل لا تطهر بصب الماء عليها وإن كوثر، وطريق تطهيرها قلع التراب حتى يتحقق أنه لم يبق من النجاسة شيءٌ بحال، أو يطيّن المكان بطين طاهر؛ فيكون حائلاً دون النجاسة.
والمراوزة حكوا فيما إذا قلبت الأرض الأعيان إلى طبعها في الطهارة وجهين.
والأثر الذي تجوز الصلاة عند زواله على القديم هو الطعم، واللون، والرائحة؛ كما قاله البندنيجي وغيره.
وعلى القولين معاً: الأرض محكوم بنجاستها كما تقدم في الخف، ولا يجوز التيمم بترابها، والقاضي الحسين قال: إنَّا هل نحكم بطهارتها أم لا؟ فيه قولان، فإذا قلنا: تطهر، فهل تطهر ظاهراً وباطناً، أو ظاهراً فقط؟ فيه قولان.
وقضية ذلك: أن يجوز التيمم بترابها، وقد حكاه الجيلي وجهاً في المسألة، والمشهور الأول، وهو المنصوص في "الإملاء"، وقد وافق عليه الخصم، وهو أبو حنيفة.
فرع: إذا قلنا: إن الشمس والريح تطهران فالنار بذلك أولى، وإلا فوجهان؛ لأن النار أقوى.
قال القاضي الحسين: وعلى هذين الوجهين السماد وعظام الميتات، هل نحكم بطهارته أم لا؟ الذي ذهب [إليه أبو] زيد المروزي والخضري: طهارته.
والصحيح: أنا لا نحكم بالطهارة؛ لأن عين النجاسة قائمة.
стр. 911
والخلاف في الدخان مفرع على ذلك، فإن قلنا: إن الرماد يطهر؛ فكذلك الدخان، وإلا فوجهان.
قال القاضي الحسين: فإن قلنا بنجاسته، فإن أصاب ثوباً رطباً نجَّسه، وإن كان الثوب يابساً، فوجهان.
قال: ومثل ذلك ما إذا دخل الإسطبل، وراثت الدواب، وخرج منه دخان، أو دخل المستحَمَّ، وبال، وتغوَّط، وخرج منه دخان في الحال، فأصاب ثوبه- فإن كان رطباً ينجس، وإن كان يابساً ففيه وجهان.
وأصل هذا ما حكيناه عن الحليمي في كتاب الطهارة: أن الإنسان إذا خرج منه ريح، وكانت ثيابه رطبة، تنجست، وإن كانت يابسة فلا.
والآجر المعجون بالماء النجس، قضية ما حكيناه عن القاضي: أن يطهر ظاهره وباطنه على وجه، وقد أشار إليه الإمام حيث قال: إن قلنا: إن الشمس تطهِّر، فالنار أقوى أثراً وأبلغ؛ فينبغي أن تطهر الآجر.
وعلى وجه يطهر ظاهره فقط، وهو ما حكاه في "الوسيط" تفريعاً على القديم، وإن كان قد قال عند حكاية القديم: إنه لا تفريع عليه.
وأجاب بعضهم عن ذلك بأن اللَّبِنَ في معنى قطعة من الأرض؛ فيكون مِن صُوَر المسألة، لا فرعاً لها.
وطريق تطهير باطنه: أن يدق حتى يصير تراباً، ثم نفيض عليه الماء؛ قال الروياني: وقال بعض أصحابنا: إذا صب الماء عليه، وكاثره حتى خلص الماء إلى الوجه الآخر وتقطر بالرشح، طهر كما يطهر بالأرض.
قال: وهذا أصح. نعم: لو كان عجن بالسرجين، فلا يطهر باطنه ولا ظاهره على الجديد، وعلى القديم يطهر ظاهره فقط؛ لأن النار تأكل السرجين الظاهر؛ فيطهر محله، وهو ما حكاه في "الإبانة" عن تخريج الخضري.
وإذا قلنا بالجديد، فإذا صب عليه الماء بعد ذلك، فهل يطهر ظاهره حتى تجوز الصلاة عليه، ولا تجوز مع حمله إلا على رأي ابن أبي هريرة- كما أسلفناه- أو لا يطهر باطنه ولا ظاهره؟ فيه وجهان في "الإبانة":
المنسوب منهما إلى القفال: الأول، وهو ما أورده ابن الصباغ وغيره.
ونسب إلى الشيخ أبي حامد الثاني، موجهاً له بأن النجاسة صارت جامدة، وقد
стр. 912
صار اللَّبِنُ حجراً لا ينشِّف الماء، وهذا ما حكاه الروياني في تلخيصه عن "الأم".
والإمام حكى خلاف القفال والشيخ أبي حامد فيما إذا كان الآجر معجوناً بالماء النجس، وقلنا: لا تطهره النار، وغسل ظاهره بالماء، فالباطن لا يطهر، وفي الظاهر الوجهان. ثم قال: والأمر في ذلك مفصل عندي: فإن كانت نجاسة الآجر بسبب أنه عجن ببول أو ماء نجس، فالوجه القطع بأنه يطهر ظاهره؛ فإن النار قد نشفت الماء قطعاً، ولكنا في التفريع على الجديد لا نحكم بطهارته تعبداً حتى يتفق استعمال الماء على ظاهره، ولا يبقى بعد ذلك قذر، فأما إن كان سبب نجاسة الآجر خلط ترابه بالزبل أو الرماد النجس فلا يطهر ظاهره بصب الماء عليه؛ فإن تلك الأعيان مُسْتَحْجِرة، لا يزيلها الماء من ظاهر الآجر، ولا وجه لخلاف ذلك.
وإن كان القفال يقول في الآجر الذي سبب نجاسته الزبل والرماد النجس: إنه يطهر- فلا وجه لقوله، وإن كانا يفصِّلان، فلا خلاف بينهما إذن.
قلت: فقول الإمام فيما إذا كان مختلطاً بالرماد ظاهر، وأما إذا كان مختلطاً بالزبل، فهو يذهب بمبادئ النار كما حكيناه من قبل؛ فتبقى نجاسة الآجر حكمية؛ فيصير كما لو كانت نجاسته بالماء النجس أو البول.
نعم: إن كانت النار قد قلبت الزبل رماداً، ولم تزله عن المحل فالأمران واحد، ولعل هذا مراد الإمام، والله أعلم.
قال: وإن صلى في مقبرة منبوشة، أي: بحيث صار أسفلها أعلاها، وذلك يكون في المقابر القديمة التي تكرر الدفن فيها- لم تصح صلاته؛ لقوله ﷺ : "الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجدٌ إِلا المَقْبَرَةَ والحمَّامَ" رواه الترمذي.
стр. 913
ولأنها اختلطت بأجزاء الموتى إن قلنا: إنها نجسة، وبما في أجوافهم؛ فتنجست؛ فلم تصح الصلاة عليها، وهذا فيما لم يجعل بينه وبين المقبرة شيئاً ظاهراً، فإن جعله، صحت، لكن مع الكراهة، كما سنذكره في المسألة التي تليها.
قال: وإن كانت غير منبوشة، أي: بأن كانت مقبرة جديدة، كرهت، وأجزأته صلاته:
أما إجزاؤها؛ فلأن المحل الذي صلى عليه طاهر، وقد صلى النبي ﷺ على مسكينة وقد ماتت ليلاً.
وأما كراهتها؛ فلقوله ﷺ في مرضه الذي مات فيه كلما أفاق من غَشْيته: "لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبيائِهِم مَسَاجِدَ"، قالت عائشة: وإنما كان يقصد به تحذيراً من اتخاذ قبره مسجداً.
ويروى أن النبي ﷺ قال: "اجْعَلُوا شَيْئاً مِنْ صَلَاتِكُمْ فِي بُيُوتِكم وَلَا تَتخذُوهَا
стр. 914
مَقَابِرَ"؛ فدل على أن المقابل لا يصلَّى فيها.
ولأي معنى كرهت؟
كلام العراقيين مشير إلى أن الكراهية لأجل ما تحت مصلاه من النجاسة؛ فإنه تكره الصلاة على شيءٌ طاهر تحته نجاسة لا يلقاها شيء من ثيابه ولا بدنه، وقد حكاه الروياني عن الشافعي- ﵁ ولفظه: قال الشافعي: وتكره الصلاة في المقبرة؛ لأنها مدفن النجاسات.
والذي دل عليه كلام القاضي الحسين: لحرمة الموتى؛ ولهذا قال: إنه لو بسط ثوباً طاهراً على المزبلة والمجزرة، وصلى عليه، أجزأته صلاته، ولم تكره، والأولون يخالفون في ذلك، وهو ما حكاه الرافعي.
ولا فرق في الكراهة بين أن يصلي على القبر أو بجانبه أو إليه، ومنه يؤخذ: أنه تكره الصلاة بجانب النجاسة أو خلفها.
قال: وإن شك في نبشها، أو شك في أنها من المقابر القديمة أو المستجدة- صحت صلاته؛ لأن الأصل عدم النبش، وهذا ما نص عليه في "الإملاء"؛ حيث قال: إن صلى فيها لم أَرَ عليه الإعادة. وقد اختاره ابن أبي هريرة، وصاحب "المرشد"، وهو الأظهر في "الرافعي".
وقيل: لا تصح؛ لعموم الخبر، ولأن الظاهر والغالب من المقابر النبش، وهذا ما نص عليه في "الأم"، واختاره أبو إسحاق.
قال البندنيجي في كتاب التيمم: والقولان جاريان في جواز التيمم بترابها.
قال القاضي الحسين وغيره: والقولان كالقولين في وحل الطريق إذا أصاب الماشي منه شيئاً زائداً على القدر الذي يعفى عنه من الطين الذي تحققت نجاسته: هل تصح صلاته أم لا؟ لأن الأصل طهارته، والغالب نجاسته، والقدر الذي لا يعفى عنه [من الطين المتحقق النجاسة- كما حكاه الإمام عن شيخه في باب الآنية- ما ينسب من أصابه إلى سقطة أو نكبة أو قلة تحفُّظٍ عن الطين، وما دون ذلك مما يلحق
стр. 915
ثياب الطارقين هو القدر الذي يعفى عنه].
وما ذكره في الحقيقة يرجع إلى أن ما يشق الاحتراز عنه لا يعفى عنه مع تحقق النجاسة، ومع الشك فيه القولان في الصحة، لا في العفو.
وما ذكره الشيخ من محل القولين هو الذي ذكره الجمهور، وقال القفال: إنه إن شك في النبش، فالأصل الطهارة، وإن كان الغالب النبش ولم يتيقن، فقولان.
قال الروياني في "تلخيصه": وهو حسن، لكنه خلاف النص.
والمقبرة: بضم الباء وفتحها وكسرها، والجمع: مقابر، والقبر: المدفن، وجمعه: قبور.
قال: وإن جبر عظمه بعظم نجس، أي: بعظم كلب أو خنزير أو غيرهما- إذا قلنا: إنه نجس، وكذا ما خرج منه أيضاً إذا قلنا: إنه نجس- كما قاله الماوردي- وخاف التلف من نزعه، أي: خاف تلف النفس أو العضو- كما قاله البندنيجي والماوردي، وأبداه الإمام احتمالاً لنفسه- فصلى فيه، أجزأته صلاته، أي: وإن كان متعدياً بوضعه، مثل: أن كان لا يخاف التلف لو لم يجبره، أو يخاف التلف لكنه قادر على دفعه بجبره بعظم طاهر.
ووجهه: أن خوف التلف يسقط حكم النجاسة، بدليل حل أكل الميتة عند خوف التلف، وإذا سقط حكم النجاسة، صحت الصلاة؛ كما في حال المسايفة. نعم: في هذه الحالة هل يجوز أن يكون لغيره؟ فيه وجهان.
وظاهر كلام الشيخ: أنه لا يلزمه قلعه؛ إذ لو لزمه، لم تصح معه صلاته؛ كما لو حمل نجاسة؛ وهذا حكاه القاضي أبو الطيب والبندنيجي والرافعي عن المذهب، وهو الصحيح بالاتفاق.
وحكوا وجهاً آخر: أنه يجب عليه نزعه؛ لأنه يقتل بترك الصلاة الواحدة عامداً؛ فجاز أن يؤمر بصحتها وإن خشي التلف؛ لأن الجاني بفعل المعاصي مؤاخذ بها وإن تلف؛ كالقاتل والزاني.
وعلى هذا: إذا لم يقلعه، وصلى فيه، وجب عليه الإعادة، وقد ادعى الغزالي أن هذا القول ظاهر نص الشافعي، أي: في "المختصر" و"الأم"؛ كما قاله غيره.
следующие страницы →