Полный текст (9 685 стр.). Показаны 8506–8545 · переход к 8511.
стр. 8506
الخلاف فيها – أيضا – وعلى هذا يتجه أن يجيء [مثله] [في مسألة] طر الجيب؛ إذ لا فرق يظهر بين المسألتين.
وإن قلنا بطريقة القطع بعدم القطع على الناقب والمخرج، اتجه القطع في مسألة الرامي بعدم القطع على الآخذ وإجراء الخلاف في [الناقب الرامي؛ ولأجل ذلك أعرض الإمام عن الترتيب، وحكى الخلاف في] وجوب القطع على الرامي إذا لم يأخذ، وعليه جرى الغزالي، ويتجه جريان مثل ذلك في مسألة طر الجيب – أيضا – والله أعلم.
وقد بالغ النواوي في ذلك، فجعل أخذه المال بعد طر الجيب من تمام تفسير الطر، قال: يقال: طره يطره طرا، [إذا] شقه وقطعه؛ فهو طرار.
قال: وإن ابتلع جوهرة في الحرز، وخرج من الحرز – فقد قيل: يقطع؛ كما لو تركها في جيبه و [خرج بها]، وهذا أصح عند الإمام والروياني.
وقيل: لا يقطع؛ لأن ما بلعه الإنسان لا يدري إلى ماذا يئول، فلا يتحقق خروجها من الحرز؛ ولهذا المعنى وجب عليه قيمتها، قال أبو الطيب وغيره: ولأنه كالمكره على الخروج بها؛ لأنه يلزمه الخروج ولا يمكنه إخراجها من جوفه. وهذا ما اختاره [في "المرشد" وصححه المحاملي وطائفة، وقال القاضي الحسين:] إنه المذهب.
والوجهان عند الشيخ أبي حامد مخصوصان بما إذا خرجت منه الجوهرة، أما إذا لم تخرج فلا قطع جزما، وعلى هذا جرى البندنيجي وابن الصباغ والقاضي الحسين وصاحب "الكافي"، وأطلق مطلقون – ومنهم القاضي أبو الطيب والمصنف – الوجهين ولم يقيدوهما بحالة.
قال الرافعي: فنزل بعضهم المطلق على المقيد، ورأى الإمام إثبات ذلك وجها فارقا بين أن تخرج [منه بعد خروجه من الحرز فيجعل سارقا، وبين ألا تخرج] فيتبين أنها فسدت وانمحقت فلا يجعل سارقا، وهذا ما اختاره النواوي.
стр. 8507
وروى الماوردي الوجه الثالث على غير هذا النحو عن أبي الفياض: أنها إن خرجت بعلاج ودواء لم يقطع، وإن خرجت بغير علاج ولا دواء قطع، وبه يحصل في المسألة أربعة أوجه.
وأورده الغزالي على غير هذين الوجهين، فقال: والثالث: إن أخذها بعد الانفصال عنه قطع، وإلا فلا. قال الرافعي: ولم أره لغيره.
قلت: ومادة هذا الوجه يمكن أن تكون مأخوذة من الوجه المنقول فيما إذا نقب ورمي المال إلى خارج الحرز، فإن أخذ المال قطع، وإلا فلا، ووجه الشبه: أنه برمي المال إلى خارج الحرز كالمضيع له قبل أن يصل إلى يده، فإذا أخذه تمت السرقة، وإذا لم يأخذه كان إتلافا لا سرقة، كذلك إذا بلع الجوهرة؛ فكأنه عرضها للإتلاف، فإذا خرجت منه ولم يأخذها فهي معرضة للضياع أيضا؛ فكان بلعها وخروجها بمنزلة رمي المتاع، فإن أخذه فقد تحققت السرقة، وإلا فهو إتلاف لا سرقة، والله أعلم.
وبهذا الوجه يحصل في المسألة خمسة أوجه.
فرع: لو تطيب في الحرز [بطيب وخرج]، فإن لم يمكن أن يجمع منه بعد الخروج ما قيمته نصاب كالماورد ونحوه، ولم يقطع، وإن أمكن كالمسك والغالية، فوجهان، أصحهما في "تعليق" القاضي الحسين: الوجوب، وهو المختار في "المرشد"، والأشبه في "الرافعي".
قال: وإن سرق حرا صغيرا وعليه حلي، [أي: يليق به]، يساوي نصابا – قطع؛ لأنه قصد سرقة ما عليه من المال، وهو نصاب؛ فأشبه ما لو أخذه منفردا، وهذا قول ابن أبي هريرة كما حكاه الماوردي وغيره، وأبي علي الطبري كما حكاه القاضي أبو الطيب وكذا ابن الصباغ، ونسبه إلى "التلقين"، وبه جزم القاضي الحسين.
وقيل: لا يقطع؛ لأن يده ثابتة عليه؛ ولهذا لو وجد اللقيط وعليه مال، كان له،
стр. 8508
وإذا كان كذلك لم يقطع؛ كما لو سرق جملا وعليه صاحبه، وهذا هو الصحيح عند الجمهور، وقال أبو الطيب: إنه الذي قال به الباقون، يعني: من الأصحاب غير الطبري.
وخص الزبيلي من أصحابنا في "أدب القضاء" له محل الوجهين بما إذا نزع الحلي من الصبي، وقال إذا لم ينزعه: لا قطع عليه قولا واحدا.
وصور الإمام المسألة بما إذا كان الصغير نائما أو مربوطا عند الحمل، وقال: إن الوجهين يجريان في أن ثيابه في غير صورة السرقة، هل تدخل تحت يد غاصبه وحامله أم لا؟ وهذا يقتضي إجراء الخلاف في القطع وإن لم يقلع الحلي من عليه.
ثم على الثاني منهما، قال الماوردي: لو أخذ الحلي من الصبي أخذ مستخف قطع؛ لأنه أخذه من حرزه، وأشار القاضي الحسين إلى خلاف في هذه الحالة؛ حيث قال: وقيل إن أخرجه من الحرز، ثم سرق الحلي منه – لا قطع عليه على أحد الوجهين، وإن أخذ الحلي منه مجاهرا، فإن [كان] للصبي تمييز يمكن [به] أخذ ذلك منه [لم يقطع؛ لأنه يصير كالغاصب، وإن لم يكن له تمييز يمكن به أخذه منه] قطع.
أما إذا كان الحلي غير لائق بالصبي: فإن أخذ الصبي من حرز الحلي قطع، وإن أخذه من [حرز] الصبي دون [حرز الحلي] لم يقطع، وعلى هذا يحمل جزم القاضي الحسين بأن الحلي إذا كان طوقاً فسرقه لا قطع [عليه].
فرع: لو كان الحر كبيرا عاقلا، فسرقه في حال نومه وعليه ثياب – فحاصل
ما ذكره الإمام: بناء ذلك على أن الحر إذا نام على بعير وعليه أمتعة، فجاء
سارق فأخذ بزمامه، وأخرجه عن القافلة وجعله في مضيعة – فهل يقطع؟
стр. 8509
وفيه ثلاثة أوجه تقدمت، ثالثها: إن كان الراكب قويا لا يقاومه السارق لو انتبه فلا يجب القطع، وإن كان ضعيفا لا يبالي به السارق فعليه القطع، ولا اعتبار بيد الضعيف.
[فإن قلنا: لا يقطع في مسألة البعير ففي مسألتنا أولى؛ لأن الثياب التي على الإنسان أبعد عن يد آخذها من الجمل الذي تحته والبعير؛ فإن ثياب الإنسان في حكم جزء منه].
وإن قلنا بوجوب القطع ثم، انبنى على ما لو حمل حرا أو حبسه، فتلفت عليه ثيابه، والمذهب: أنه لا ضمان.
وأبعد بعض نقلة المذهب، فحكى وجها أن يد الغاصب ثبتت على الثياب، فعلى الأول: لا قطع، وعلى الثاني: إن كان المحمول ضعيفا ثبتت السرقة ووجب القطع، وإن كان قويا ففي السرقة وجهان، والظاهر – وإن ثبت الخلاف – عدم القطع.
آخر: لو سرق عبدا نظر: فإن كان نائما قطع، صغيرا كان أو كبيرا؛ كما قاله القاضيان أبو الطيب والحسين وابن الصباغ.
وأبدى الإمام فيما إذا كان [النائم] قويا بحيث لا يقاومه السارق لو انتبه نظرا في عدم القطع، مع جزمه بدخوله في ضمانه بذلك، ووجهه بأن مثل هذا العبد محرز بيد نفسه، فإذا احتمله ضعيف باحتيال فليس منتهيا من صون إلى ضياع. وعلى ذلك جرى الغزالي في "الوسيط"، وجزم في "الوجيز" بعدم القطع، ثم قال الإمام: وينشأ من هذا أن من جلس ببرية حيث لا مستغاث يجاب إليه، ومتاعه مخلوط، فاستغله ضعيف وأخذ المال، ولو شعر به صاحب المتاع لطره – فهل نقول: يعد هذا المال ضائعا بالنسبة إلى القوي؛ فلا قطع [على آخذه] وإن كان ضعيفا، أم نقول: يختلف الحكم بحسب اختلاف الآخذين؟ والرأي الظاهر عندنا: الثاني؛ كما أن أصل الإحراز يختلف باختلاف أصناف الأموال.
ولو كان العبد مستيقظا، فإن كان صغيرا لا تمييز له قطع، ولا فرق بين أن يحمله أو يدعوه فيتبعه؛ لأنه لا تمييز له فهو كالبهيمة تساق أو تقاد.
стр. 8510
قال الرافعي: ويجيء فيه الخلاف الذي ذكرناه في تسيير البهيمة، وحرزه دار سيده أو فناؤها، سواء كان وحده أو كان يلعب مع الصبيان، ولو بعد عن ذلك ودخل سكة أخرى، فهو مضيع إن لم يكن معه حافظ.
والمجنون والأعجمي الذي لا تمييز له كالصغير الذي لا تمييز له.
وإن كان العبد صغيرا مميزا، فإن سرقه سكران أو مضبوطا محمولا فهو كغير المميز، وإن أكرهه بالسيف حتى خرج من الحرز؛ ففيه وجهان:
أحدهما: لا قطع؛ لأنه فارق الحرز بفعله؛ فأشبه ما لو خدعه حتى فارقه؛ فإنه لا قطع عليه.
والثاني: يجب؛ كما لو ساق البهيمة بالضرب، وهذا ما أورده البغوي.
وإن كان بالغا عاقلا له تمييز فلا قطع إن كان قويا؛ لأن حرزه قوته، وهي معه.
قال: وإن سرق المعير مال المستعير من الحرز المعار، فالمنصوص، أي: في المختصر، أنه يقطع؛ لأنه أحرز ماله بحرز بحق فقطع السارق منه وإن كان الحرز له؛ كما لو سرق الآجر مال المستأجر من الدار المستأجرة؛ فإنه [يجب عليه القطع] وجها واحدا.
وقيل: لا يقطع؛ فإن المستأجر ملك منفعة الدار، والمستعير لم يملكها، بل استباحها، وللمعير حق الرجوع في العارية متى شاء، وكان ذلك شبهة في درء القطع، وقد أطلق البندنيجي حكاية هذا الوجه كما أطلقها الشيخ، وقال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والفوراني وتبعه صاحب "العدة": هذا إذا نوى الرجوع عند النقب، فأما إذا [لم] ينو، قطع وجها واحدا.
قال [ابن الصباغ: وحمل قائله – وهو المروزي كما قال] الماوردي – النص على هذه الحالة.
وفي "تعليق" القاضي الحسين و"النهاية" وما أخذ منهما: حكاية الوجهين مع
المنصوص، فجعلوا في المسألة ثلاثة أوجه، ثالثها: إن قضد الاسترجاع، قال
القاضي: بأن دخل بالنهار – لم يقطع، وإن لم يقصد الاسترجاع بأن دخل بالليل
стр. 8511
ونقب الجدار قطع، ويجوز أن يختلف الحكم بالقصد وعدمه؛ كالمسلم إذا دخل دار الحرب متلصصا، فوطئ حربية: إن قصد به قهرها وتملكها لو يكن زنى، وإن أحبلها صارت أم ولد [له]، ويثبت النسب، وإن لم يقصد به تملكها وقهرها كان زانيا، ولو أحبلها [لا تصير] أم ولد [له]. ونسب الإمام هذا إلى القفال، والصحيح عند الأصحاب – منهم القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وصاحب "الكافي"-: القول المنصوص، وبه قال ابن أبي هريرة.
قال القاضي الحسين: ومن قال به يزيف التفصيل؛ [فإن المستعير] وإن جاز له الرجوع في العارية فبعد الرجوع فيها لا يلزمه أن يمكث ريثما يفرغ المستعير الدار من أمتعته.
ويجري الوجهان الأولان فيما لو سرق الآجر مال المستأجر من الدار المستأجرة بعد انقضاء مدة الإجارة، أو المشتري مال البائع من الدار المبيعة قبل القبض وقبل إمكان تفريغها وبعد توفير الثمن، وأصحهما في هذه الحالة في "التهذيب" و"الكافي": عدم القطع، أما إذا كانت السرقة قبل توفير الثمن، قطع وجها واحدا.
تنبيه: عدول الشيخ عن قوله: وإن سرق المعير مال المستعير المحرز بما استعاره، إلى [ما] ذكر؛ لأن هذا اللفظ يدخل ما إذا أعاره قميصا فلبسه المستعير، فطر المعير جيبه وأخذ المال؛ فإنه يجب القطع.
قال الرافعي: ولا يكاد يجيء فيه الخلاف، وكذا يدخل ما إذا أعاره عبدا للحفظ أو لرعي الغنم، ثم سرق مما يحفظه غلامه نصابا، وللأصحاب في هذه الصورة طريقان حكاهما الإمام:
أحدهما: طرد الخلاف السابق.
والثاني: القطع بوجوب القطع؛ لأن الإحراز هاهنا بملاحظة العبد لا بنفس
стр. 8512
العبد المملوك، فلعل الشيخ رأى هذه الطريقة.
قال: وإن سرق المغصوب منه مال الغاصب من الحرز المغصوب، فقد قيل: يقطع؛ لأنه سرق ما لا شبهة له فيه من حرز مثله.
وقيل: لا يقطع؛ لأن هذا [ليس بحرز] بالنسبة إليه، [فإنه يجوز له دخوله؛ لأنه محض حقه لا حق للغاصب فيه،] وهذا ما أورده الماوردي والقاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ، وكذا الفوراني والإمام وصاحب "الكافي" والرافعي، وادعى الإمام أنه مما لا شك فيه. انتهى.
ولم أر ما يخالفه [في شيء] مما وقفت عليه، بل جزم بعضهم بعدم القطع – أيضا – فيما لو كان السارق من الحرز المغصوب أجنبيا، ومنهم القاضي أبو الطيب والماوردي وابن الصباغ، ووجهوه بأن يد الغاصب ثابتة على هذا الحرز بغير حق؛ فلم يكن لها حكم، فكان وجود هذا الحرز وعدمه سواء، وبعضهم حكى الخلاف في قطع الأجنبي، وجعل القاضي الحسين وجوبه هو الظاهر، وحكى الرافعي عن بعضهم أنه نسبه إلى النص، لكنه صحح المنع لما ذكرناه [أولا].
ولأجل ما ذكرناه صور الجيلي مسألة الكتاب بما إذا غصب إنسان حرزا من شخص ومالا من آخر، ووضعه في الحرز المغصوب [مع مال نفسه، فسرق المغصوب منه المال مال الغاصب من الحرز المغصوب،] ولا شك في جريان الخلاف في هذه الصورة، لكن بطريق البناء على أصلين:
أحدهما: أن الأجنبي إذا سرق مال الغاصب من الحرز المغصوب، هل يقطع أم لا؟
والثاني: أنه إذا غصب من شخص مالا ووضعه مع ماله في حرز نفسه، فنقب
صاحب المال الحرز، وسرق ماله المغصوب منه ومال الغاصب، وهو نصاب –
فهل يقطع؟ وفيه ثلاثة أوجه حكاها في "المهذب"، ثالثها: إن كان ما سرقه من
стр. 8513
مال الغاصب يتميز عن ماله قطع، وإن [كان] مختلطا به لم يقطع.
وفي "تعليق" البندنيجي والقاضيين أبي الطيب والحسين و"الشامل": الجزم بعدم القطع عند الاختلاط، وحكاية وجهين في حالة التمييز:
أحدهما: لا قطع، وهو الأصح في "تعليق" أبي الطيب و"الكافي"، والمختار في "المرشد"؛ لأن له هتك الحرز لأخذ مال نفسه، فلم يجب عليه بما اخذه من مال الغاصب قطع، لكونه أخذه من حرز مهتوك، وهذا قول أبي إسحاق.
والثاني – وهو قول ابن أبي هريرة-: أنه يقطع؛ لأنه لما أخذ مال [الغاصب، علمنا أنه هتك الحرز لذلك، لا لأجل أخذ مال] نفسه؛ فلزمه القطع، كما لو أخذ مال الغاصب دون مال نفسه؛ كذا قاله ابن الصباغ.
وفي "النهاية": أن الوجهين جاريان فيما لو أخذ مال الغاصب، ولم يأخذ مال نفسه.
إذا تقرر ذلك، فإن قلنا: إن الأجنبي إذا سرق مال الغاصب من الحرز المغصوب لا قطع عليه، فهاهنا أولى، وإن قلنا: يقطع، فهاهنا وجهان إن أجرينا الخلاف فيما إذا أخذ مال الغاصب خاصة، وإلا قطع، وعلى كل حال فقد تحقق الخلاف فيها، لكن هذه الصورة ليست بظاهرة من كلام الشيخ.
فروع:
إذا نقب المودع الحرز الذي فيه الوديعة وأخذها فلا قطع عليه، وكذا لو أخذ من مال المودع نصابا وهو مانع للوديعة، وإن كان غير مانع لها فالذي أطلقه الجمهور: وجوب القطع، وفي "الحاوي" حكاية وجهين فيه:
أحدهما – [وهو قياس قول أبي إسحاق، كما قال -: لا يقطع؛ لأن اقترانها بوديعته شبهة.
والثاني] – وهو قياس قول ابن أبي هريرة -: يقطع؛ لأنه متعد بهتك الحرز وأخذه منه ما لا يستحقه.
إذا سرق من له دين على إنسان من مال المديون نصاباً، فظاهر النص في
стр. 8514
"المختصر": أنه لا يقطع، وبهذا الظاهر أخذ بعض الأصحاب كما حكاه ابن كج. والأظهر – وبه قال الجمهور-: أنه ينظر:
فإن لم يكن المديون مماطلا، بل كان باذلا قطع، وإن كان غير باذل لما عليه وعجز [عن] استيفائه وأخذ قدر دينه فلا قطع [عليه] إذا قصد بالأخذ استيفاء دينه؛ كما صرح به في "الكافي" و"الرافعي"، وعليه حمل نص الشافعي ﵁.
ولا فرق بين ان يكون المال من جنس دينه أو لا، كما هو أحد الطريقين، وهو الأظهر في "النهاية". وقيل: إذا أخذ قدر دينه من غير جنسه قطع، بناء على منع أخذه عند الظفر، كما سيأتي.
ولو قصد السرقة دون أخذه في دينه قطع، قاله في "الكافي".
وإن أخذ أكثر من دينه، قال ابن الصباغ: فهو كما ذكرنا في المغصوب منه إذا سرق أكثر من المغصوب.
ولو كان مماطلا، لكن رب الدين يقدر على أخذه بالمطالبة – [ففي القطع وجهان في "الحاوي"]، والمذكور في "تعليق" القاضي الحسين: القطع [بالقطع] إذا سرق مستحق الزكاة [نصابا] من مال من عليه الزكاة، إن قلنا: الزكاة تتعلق بالعين، فلا قطع، وإن قلنا: [تتعلق] بالذمة، فهو كما لو سرق من مال المديون. قاله في "الكافي".
إذا وهب منه شيئا ولم يقبضه له بعد، فنقب وسرقه – لم يقطع على الأصح في "الكافي"، بخلاف ما لو أوصى له بشيء فسرقه قبل موت الموصي، فإنه يقطع، لأن تمام الوصية بالقبول ولو يوجد، وتمام الهبة بالقبول وقد وجد. نعم، لو سرقه بعد موت الموصي وقبل القبول، فالأصح أنه لا يقطع.
قال: وإن سرق الأجنبي المال المغصوب من الغاصب أو المسروق من
السارق، فقد قيل: يقطع؛ لأنه أخذ المال من حرز مثله، وهذا ما أفهم من كلام ابن
стр. 8515
الصباغ ترجيحه، وصححه الجيلي. وعلى هذا فالخصم في قطع هذا السارق: [المالك]، دون الغاصب والسارق الأول. وقال الماوردي: عندي أن كل واحد من المالك والسارق والعاصب حتم.
وقيل: لا يقطع؛ لأنه أخذه من حرز لم يرضه المالك، وهو في يده بغير حق، وهذا أصح في "البيان" وعند النواوي، والظاهر في "تعليق" القاضي الحسين.
والوجهان جاريان – كما قال في "التهذيب" و"الكافي" – سواء علم السارق بأنه مغصوب أو لا، وقد أشار الغزالي وإمامه إلى بناء الخلاف المذكور على أن غير المغصوب منه من الأجانب، هل له انتزاع المال من العاصب بطريق الحسبة [لمالكه] أم لا؟ وفيه خلاف تقدم، فإن قلنا: نعم، لم يقطع، [وإلا قطع.
وفي "الكافي": أنه لو أخذه ليرده إلى مالكه لم يقطع] قولا واحدا.
ويجري الوجهان – أيضا، كما حكاه الزبيلي في "أدب القضاء" له – فيما إذا اشترى طعاما شراء فاسدا وقبضه، فسرقه منه سارق.
قال: وإن سرق ما له فيه شبهة كمال بيت المال، أي: إذا سرقه مسلم قبل إفرازه لطائفة كما سيأتي، سواء كان غنيا أو فقيرا، والعبد إذا سرق من [مال] مولاه، والأب إذا سرق من ابنه، [والابن إذا سرق من أبيه، والغازي، أي: من المسلمين أو الكفار إذا كان له رضخ، أو من الأحرار أو العبيد إذا سرق من الغنيمة قبل القسمة، والشريك إذا سرق من المال المشترك، أي: [المحرز عنه]- لم يقطع.
جمع الشيخ – ﵁ – بين هذه المسائل في الحكم؛ لاشتراكها في علته وهي الشبهة.
روى الترمذي عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان [له] مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام لأن
стр. 8516
يخطئ في [العفو خير من أن يخطئ في] العقوبة، ويروى: "ادرءوا الحدود بالشبهات"، والشبهة في المسألة الأولى وهي سرقة مال بيت المال كونه: مرصدا لحاجات الناس، فالفقير ينفق عليه منه، والغني يعطي منه بسبب ما التزمه بحمالة يحملها لطفء نار الفتنة، وقد احتج لمنع القطع فيها بما روي أن رجلا سرق من [مال] بيت المال، فكتب بعض عمال عمر – ﵁ – إليه بذلك، [فقال]: لا قطع عليه، ما من أحد إلا وله فيه حق. وروى الشعبي أن رجلا سرق من مال بيت المال، فبلغ عليا – كرم الله وجهه – فقال: إن له فيه شيئا: ولم يقطعه، وقد اشتهر ذلك ولم ينكره أحد.
قال الأصحاب: ولا فرق في ذلك بين أن يكون من مال الصدقات، أو من مال المصالح، ووراءه طريقان حكاهما الفوراني والرافعي:
أحدهما – وينسب إلى رواية القفال -: أنه يقطع لكل حال.
والثاني – وهو ما أورده الماوردي صححه الرافعي -: أنه إذا كان السارق
стр. 8517
صاحب حق في المال المسروق [منه] فلا قطع؛ كما إذا سرق الفقير من مال الصدقات أو من مال المصالح، [وإن لم يكن صاحب حق كالغني إذا سرق من مال الصدقات قطع، وإن سرق من مال المصالح] فوجهان:
أحدهما: يقطع؛ كمال الصدقات.
وأصحهما: لا؛ لأنه قد يصرف ذلك المال إلى عمارة المساجد والرباطات والقناطر، فينتفع بها الغني والفقير.
أما إذا كان السارق ذميا فالمشهور، وبه قال صاحب "التقريب" والعراقيون: أنه يقطع؛ لأنه مخصوص بالمسلمين، ولا نظر إل إنفاق الإمام على الذمي عند الحاجة؛ لأنه إنما ينفق للضرورة بشرط الضمان، وذلك لا يسقط القطع، بخلاف المسلم، ولا نظر إلى انتفاعه بالقناطر ونحوها؛ لأنه ينتفع بها تبعا من حيث إنه قاطن في دار الإسلام.
وفيه وجه حكاه المراوزة: أنه لا قطع عليه إذا سرق من مال المصالح، كما لا قطع على الغني المسلم؛ فإنه قد يسلم، وهذا ما ارتضاه صاحب "التهذيب"،] وقد وافق هذا القائل على وجوب القطع عليه إذا سرق [من مال من لم يخلف وارثا من المسلمين؛ لأنه إرث للمسلمين خاصة.
ولو كان المسروق مما أفرد لطائفة: كذوي القربى، واليتامى، والفيء إذا قيل: إن الغانمين تملكوه – قطع، ويلتحق بذلك الكفن إذا أخرج من بيت المال.
والشبهة في المسألة الثانية، وهي سرقة العبد من مولاه: أنه يستحق النفقة عليه،
ويده كيد سيده، بدليل أن ما في يد العبد إذا ادعاه مدع، كان القول قول السيد،
وقد احتج [لذلك] بما روى السائب بن زيد قال: شهدت عمر وقد جاءه عبد
الله بن عمر الحضرمي بغلام له، فقال: إن غلامي هذا سرق، فاقطع يده، فقال
عمر: ما سرق؟ فقال: [سرق] مرآة امرأتي قيمتها ستون. فقال: أرسله، لا قطع
стр. 8518
عليه، خادمكم أخذ متاعكم، ولكنه لو سرق من غيركم قطع. وكان ذلك بمحضر من الصحابة، ومثله ينتشر، ولم ينقل مخالف؛ فكان إجماعا. ومع هذا، فقد خالف [أبو ثور]، ورأى وجوب القطع عليه؛ لظاهر الآية.
وحكم المدبر والمكاتب وأم الولد ومن فيه جزء من رق وإن قل، إذا سرق من [مال] سيده حكم العبد، وكذا عبد مكاتبه؛ لثبوت رقه عليه. قاله الماوردي، وعليه جرى الروياني وصاحب "التخليص" في المكاتب، وحكى الرافعي وغيره فيه وجهين؛ لاستقلاله باليد.
فرع: من له من عبد بعضه، وباقيه حر، إذا سرق مما جمعه العبد بحريته نصابا، وهل يقطع؟
قال القفال: لا؛ لأن المال لجميع البدن، والقطع بماله يتوجه؛ فله في بدن المسروق منه شبهة؛ فهو كسرقة مال الابن أو الأب.
وقال الشيخ أبو علي السنجي: [عندي] أنه يقطع؛ لأنه [لا] شبهة له في ذلك النصف، وهو مالك له ملكا تاما تلزمه الزكاة والتكفين منه؛ كذا قاله القاضي الحسين في "التعليق" وفي "الفتاوى"، وقال: إنه يمكن بناء الخلاف على أنه لو مات، هل يكون ماله لسيدة أم لا؟ فإن قلنا: يكون له، [فلا] قطع، وإلا فيجب.
والشبهة في المسألة الثالثة والرابعة، وهما إذا سرق الأب من ابنه أو الابن من أبيه: ما بين الأصول والفروع من الاتحاد، وكون [مال] كل واحد من النوعين مرصدا لحاجة الآخر، ومن حاجاته: ألا يقطع بسرقته ذلك المال، وبالمعنى الأول حصل الفرق بين [سقوط القطع] عنهما وإن كانا غنيين، وبين الغني إذا سرق مال بيت المال على رأي من أوجب القطع [عليه]؛ لأنه لا اتحاد ثم.
стр. 8519
وحكم الأمهات والبنات مما ذكرناه حكم الأب والابن، وكذا حكم الأجداد والجدات من الطرفين، وأولاد الأولاد إن سفلوا؛ للمعنى الذي ذكرناه.
وقد خالف أبو ثور فأوجب القطع على الجميع؛ لظاهر الآية.
والشبهة في المسألة الخامسة، وهي إذا سرق الغازي من الغنيمة قبل القسمة: أنه إن كان مسلما فله في الأخماس الأربعة حق، وكذا في خمس خمسة، وهو سهم المصالح وهو غير متميز؛ [فأثر ذلك شبهة]؛ كالمال المشترك. وقد روي أن رجلا سرق من خمس الخمس، فلم يقطعه علي – ﵁ – ولا مخالف له، كما قال الماوردي؛ فكان إجماعا.
وإن كان ذميا أو عبدا، فله في كل المال أو في أربعة أخماسه أو في خمسة حق الرضخ.
ولو كان الكافر ممن لا حق له في الرضخ كالمستأجر، قال القاضي الحسين: فإذا سرق قطع؛ كما لو لم يكن غازيا، أما إذا سرق منه بعد القسمة، فإن كانت قسمة الخمس من الأخماس الأربعة لا غير؛ نظر؛ فإن سرق من الخمس لم يقطع؛ لأنه إن كان حرا مسلما فله فيه حق، وإن كان كافرا أو عبدا، وقلنا: الرضخ من خمس الخمس – فكذلك، وإن قلنا: الرضخ من الأخماس الأربعة، فذاك مختلف فيه؛ فكان الاختلاف شبهة، كذا أشار إليه القاضي أبو الطيب، وصرح به البندنيجي.
ويجيء فيما إذا كان حرا مسلما غنيا، ما ذكرناه من قبل.
وإن سرق من الأربعة الأخماس ففي "الإبانة": أن الحكم فيه كما لو سرق الشريك من المال المشترك، وسنذكره. وفي غيرها: أنه ينظر فإن سرق قدر نصيبه أو أقل أو أكثر ولم يتبلغ الزيادة عليه نصابا، لم يقطع؛ لأمرين:
أحدهما: أن له شبهة في هتك الحرز، وعلى هذا: إذا كان الزائد [قدر
النصاب] لا قطع أيضا؛ كما هو الأظهر من الوجهين في "الرافعي"، والمختار
стр. 8520
في "المرشد"، والمذهب في "تعليق" البندنيجي.
والثاني: أن له شبهة في أخذ قدر حقه، فإذا لم يزد عليه أو نقص عنه، فالشبهة موجودة، وإذا زاد ما لم يبلغ نصابا لم يوجد شرط القطع فيما انتفت الشبهة فيه، وعلى هذا إذا بلغت الزيادة نصابا قطع؛ كما قيل بمثله في السرقة من المال المشترك [وقيل: لا قطع وإن قطع في المال المشترك] لأن حق كل واحد من الغانمين متعلق بجميع المغنم؛ لأنه يجوز أن يعرض الباقون فيكون الكل له، أما إذا أفرز لكل شخص حقه وملكه قطع.
ولو سرق غير الغانمين من الغنيمة: فإن كان ممن له في الغانمين ولد أو والد أو مملوك أو زوج، وقلنا: لا يقطع أحد الزوجين بسرقة مال الآخر – كما سيأتي – فهو كسرقة أحد الغانمين على التفصيل السابق، وإن لم يكن له في الغانمين أحد من المذكورين، فإن كان قبل إفراز الخمس فهو كما لو سرق مال بيت المال، وكذا إن كان بعد إفراز الخمس، وسرق من الخمس أو من خمسه، وهو سهم المصالح، وإن سرق من أربعة أخماس الغنيمة قطع، وإن سرق من أربعة أخماس الخمس، فإن كان من أهل استحقاق ما سرق منه، ويتصور بأن يكون من ذوي القربى أو المساكين أو أبناء السبيل – لم يقطع، وإن لم يكن من أهل الاستحقاق؛ فوجهان في "الحاوي" [و"الرافعي"]، وأصحهما: وجوب القطع، وبه جزم القاضي؛ كما إذا سرق من أربعة أخماس الغنيمة، ووجه مقابله – كما قال الماوردي والرافعي -: أنه قد يصير من أهل الاستحقاق، ومن هذا يؤخذ أن مرادهما ما إذا سرق من سهم المساكين أو أبناء السبيل، وأما إذا سرق من سهم ذوي القربى فلا؛ لأنه لا يتصور أن يصير منهم.
والشبهة في المسألة السادسة، وهي إذا سرق الشريك من المال المشترك:
[كون] كل جزء [تجرد النظر] إليه له فيه حق؛ فكان شبهة دافعة للقطع؛
стр. 8521
كما أن وطء الجارية المشتركة لا يوجب الحد.
قال الأصحاب: ولا فرق على هذا بين أن يكون للسارق دينار ولشريكه ألف، وقد سرق الجميع، أو بالعكس، وهذا هو الصحيح، قال الإمام: وميل معظم الأصحاب إليه.
وفي المسألة قول آخر: أنه إذا سرق من نصيب الشريك قدر نصاب، وجب القطع، وكيف يحصل سرقة نصاب من نصيب الشريك؟ الحكاية عن أكثرهم: أنه إن كان المال بينهما [بالسوية]، فإذا سرق نصف دينار فصاعدا فقد سرق من مال الشريك نصابا، [وإن كان ثلثاه للسارق، فإذا سرق ثلاثة أرباع دينار فصاعدا، فقد سرق من مال الشريك منه نصابا].
قال مجلي: وهذا ما نسبه ابن الصباغ إلى رواية القاضي عن بعض الخراسانيين في "المنهاج"، وبهذا تمتاز هذه المسألة عن سرقة الغانم من الأخماس الأربعة، فتأمل ذلك.
وقيل: إنما يجعل سارقا لنصاب من مال الشريك، إذا زاد المأخوذ على قدر [حق] السارق؛ بأن يكون به في المال نصفه، فيسرق النصف وزيادة ربع دينار فصاعدا، وإن اقتصر على أخذ حصته – وهي النصف لا غير في مثالنا فلا قطع؛ لإمكان أن يقع [جميع] المأخوذ في حصته عند القسمة، هكذا حكي عن القفال.
ومنهم من قال بالوجه الأول إذا لم يكن المال المشترك مما يجري فيه الإجبار على القسمة؛ [كالثياب، وبالوجه الثاني إذا كان المال المشترك مما [لا] يجري فيه الإجبار على القسمة] كالحبوب وسائر الأموال المثلية، ويحمل آخذه على أنه استقل بالقسمة، وهي إن كانت فاسدة، فإنها تصير شبهة
стр. 8522
دارئة، هكذا وجهه الرافعي والإمام.
قلت: ويجوز أن يكون قائله [هو الذي] صار إلى جواز أخذ ذلك للشريك بدون إذن شريكه، وصحح القسمة كما حكيناه وجها عن رواية الماوردي في آخر باب الربا، وقد اقتصر الإمام على حكاية هذا الوجه مع الأول من الوجهين، وفي "الإبانة" الجزم بوجوب القطع إذا أخذ من المال المشترك الذي لا يقع فيه الإجبار كالثياب ما قيمته نصاب، وحكاية الوجهين الأول والثاني فيما إذا كان المال يجبر الشريك على قسمته بالقرعة كالدراهم والحنطة والشعير، أما إذا سرق أحد الشريكين من مال شريكه الذي ليس بمشترك، قال القاضي الحسين: إن قلنا: لا يقطع أحد الزوجين إذا سرق مال الآخر، فهل يقطع الشريك والحالة هذه؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يقطع؛ لأن الغالب أنه لا يحوزه عنه؛ لما بينهما من الاشتراك والاختلاط؛ فأشبه أحد الزوجين، وهذا ما أورده الماوردي عند اشتراكهما في الحرز.
وبمقابله إذا كان] في [حرز منفرد يختص به مالكه؛ لعدم الشبهة فيه، وإن وجدت في غيره.
قال: وإن سرق أحد الزوجين من الآخر، أي: مالا محرزا عنه، فقد قيل: يقطع؛ لعموم قوله - تعالى -: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة: ٣٨]، ولأن النكاح عقد على استيفاء منفعة؛ فلا يسقط [للعقد] القطع بالسرقة كالإجارة، وهذا ما نص عليه الشافعي – ﵁ – في حق الزوجة في كتاب اختلاف أبي حنيفة و"الأوزاعي"، وقد يقال له: "سير الأوزاعي"؛ كما عبر به صاحب "الكافي"، ولفظ الشافعي – ﵁ – كما قاله الماوردي والبندنيجي وابن الصباغ: فإن سرقت من مال زوجها الذي لم يأتمنها عليه وفي حرز منها قطعت، [وهو في الزوج] من طريق الأولى.
стр. 8523
وفي "تعليق" القاضي الحسين و"الذخائر": أنه منصوص [عليه فيهما] في هذا الكتاب، واختاره المزني، وصححه البندنيجي والقاضي أبو الطيب وصاحب "الكافي" والرافعي والجمهور.
وقيل: فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: يقطع؛ لما ذكرناه.
والثاني: لا يقطع؛ لأن لكل واحد منهما شبهة في مال الآخر؛ فأشبها الأب والابن، وشبهة الزوجة: أنها تستحق النفقة في مال الزوج، وشبهة الزوج – كما قال البغداديون، وعليه جرى في "المهذب" وأبو الطيب وغيرهم -: أنه يملك الحجر عليها ومنعها من التصرف في مالها [عند بعض أهل العلم، وأرادوا الإمام مالكا – ﵁ – كما صرح به الماوردي. وقال البصريون: إن شبهته: كونه يستحق منعها من الخروج لإحراز مالها؛] فصار الحرز معه واهيا، ولأن كل واحد منهما متبسط في مال الآخر، ويرثه إذا مات، ولا يحجب؛ فلم يقطع بسرقة ماله؛ كالولد والوالد، وهذا ما حكاه المزني في "المختصر" هاهنا.
والثالث: يقطع الزوج دون الزوجة؛ لأنه لا حق له في مالها، ولها في ماله حق بالنفقة والكسوة؛ فكانت كالأب والابن، [بل أولى؛ لأن استحقاقها ناجز، واستحقاق الأب والابن] قد يكون متأخرا لغناه، وهذا ما حكاه الحارث بن سريج النقال عن الشافعي، واختاره في "المرشد"، وحكي الفوراني أن بعض الأصحاب قال به، وحمل النصين السابقين على [الحالين اللذين] ذكرهما، وهذه طريقة [أخرى، وهي] بعيدة؛ لأن لفظ الشافعي – ﵁ – في "سير" الأوزاعي؛ كما حكيته، صريح في قطع الزوجة، ولفظه في "المختصر" صريح في الزوج؛ فإنه قال: ولا قطع على زوج سرق من مال امرأته، ولا [على] امرأة سرقت من متاع زوجها. فيضعف مع ذلك الحمل على ما
стр. 8524
ذكر. نعم، الذي قال به أصحاب الطريق الأول من حمل الموضع الذي نص فيه على عدم القطع، على ما إذا لم يكن محرزا عن السارق، والموضع الذي نص فيه على القطع، [على] ما إذا كان محرزا [عنه]- حسن، وحينئذ فيكون الفرق عندها بين كون أحد الوالدين أو المولودين لا يقطع بسرقة مال من تجب عليه نفقته، وبين الزوجة حيث تقطع بسرقة مال زوجها وإن وجبت نفقتها عليه -: أن نفقة القريب تجب لا في مقابلة عوض، بل للإحياء، فأشبه نفسه؛ لأنه يجب عليه النفقة لها [لتحيا]، وليس كذلك الزوجة؛ فإن نفقتها معاوضة؛ ولذلك لم تتقدر بالكفاية، لم تسقط بمرور الزمان، فأشبهت الأجرة.
والذي أورده الشيخ أبو حامد وتبعه البندنيجي في المسألة طريقان:
إحداهما: الجزم بقطعهما.
والثانية: حكاية القولين الأولين.
[وحينئذ] فينتظم مما ذكرناه في المسألة طرق:
إحداها: القطع بقطعهما.
الثانية: القطع بقطع الزوج دون الزوجة.
الثالثة: حكاية قولين فيهما.
الرابعة: فيهما ثلاثة أقوال، وهي طريقة القاضي أبي حامد؛ كما حكاها القاضي أبو الطيب عنه، وعليها جرى في "المهذب"، وكذا الإمام وصاحب "الكافي"، ورأى الرافعي [نسبتها في "الشامل" إلى القاضي، ورأى في غيره نسبتها إلى القاضي أبي حامد، فظن – والله أعلم – أن ابن الصباغ أراد القاضي أبا الطيب؛ فنسب الطريقة إليهما، ويجوز خلاف ذلك، والله أعلم.
أما إذا لم يكن المال محرزا عن السارق، بل كان في حرزهما – لم يقطع بلا خلاف.
فرع: من لا يقطع من الزوجين إذا سرق من مال الآخر لا يقطع عبده إذا
стр. 8525
سرق منه؛ كما نص عليه الشافعي – ﵁ – [في "المختصر"؛ لأثر عمر] السابق في قصة الحضرمي، والشبهة، وهي أن يد العبد كيد سيدة؛ كما تقدم.
وبهذا النص جزم العراقيون، وكذا الماوردي وطرده فيما إذا سرق والد كل واحد منهما أو ولده من مال صاحبه، وكذلك القاضي الحسين في "تعليقه" جزم بالمنصوص في عبد أحد الزوجين، ثم قال: وقال أصحابنا: وإذا لم يقطع عبد كل واحد منهما بسرقة مال الثاني، [فلا يقطع والد كل واحد منهما وولده بسرقة مال الثاني]، وقد حكاه ابن كج عن ابن القطان، وأنه قال بمثله فيما إذا كان للرجل امرأتان، فسرقت إحداهما من الأخرى.
ثم قال القاضي الحسين: وعلى هذا القياس يجب أن يقال: كل شخصين لا يقطع أحدهما بسرقة [مال] الثاني، فمن لا يقطع بسرقة ماله لا يقطع صاحبه بسرقة ماله أيضا، وحينئذ فيؤدي هذا إلى فسام وإلى ما لا يتناهى.
وأراد بالفساد – والله أعلم -: ألا يقطع الأخ بسرقة مال أخيه؛ كما فسره الصيدلاني؛ لأنه ابن أبيه، وهو لا يقطع في مال أبيه، ومال الولد كمال الوالد على هذا، وهذا مما لا خلاف فيه عندنا، بل الأخ يقطع بمال أخيه.
وأراد بما لا يتناهى أن يقال: إذا سرق أخو الزوجة مال الزوج لا يقطع؛ لأنه لا يقطع إذا سرق مال أبيه، وأبوه لا يقطع إذا سرق مال الزوجة، والزوجة لا تقطع إذا سرقت مال الزوج وهكذا.
ثم قال القاضي: فيجب أن يحذف الكل، ويقتصر على ما نص عليه الشافعي – ﵁ – فأما من عداه فيقطع، والفرق أن العبد يده يد مولاه، بخلاف [يد] الوالد والولد، وعلى هذا: تقطع [يد] مكاتب كل واحد منهما بسرقة مال الآخر؛ لأن يد المكاتب لا تكون كيد سيده. وهذا من القاضي يقتضي الجزم بالمنصوص [عليه] كما ذكرناه في العبد عنه.
стр. 8526
و [قد] حكي الإمام الحكم المنصوص عليه كما ذكرناه في ضمن قاعدة حكاها حيث قال: قال الأصحاب: كل من لا يقطع بالسرقة من مال إنسان فلا يقطع عبده بالسرقة من ماله أيضا؛ فإذا لم يقطع الزوج في مال الزوجة لا يقطع عبده في سرقة مالها.
وكذلك القول في سرقة عبد الإنسان من مال والده أو ولده، حكي الصيدلاني هذا مقطوعا عن القفال، ثم قال من عند نفسه – يعني: الصيدلاني-: والصحيح: أنه يقطع العبد وإن كان لا يقطع سيده؛ فإن للسيد شبهة النفقة إذا وقع الفرض [في الوالد والمولود،]، وليس للعبد شبهة النفقة في مال ولده.
ثم قال: ولو كنا لا نقطع عبد الوالي في مال الولد؛ لأن مال ولده كماله؛ للزم أن نقول: لا قطع على الأخ بسرقة مال أخيه.
قال الإمام: وهذا الذي ذكره متجه لا دفع له إلا بتمويه سنشير إليه، وحكي عن القاضي] الحسين [أنه قال: إذا لم يقطع أحد الزوجين في مال الثاني لم يقطع عبد واحد منهما في مال الثاني، ووجب ألا يقطع ولد أحدهما في مال الثاني وإن كان ربيبا. وهذا قبيح؛ فإن القول به يلزم إسقاط القطع عن الآخر إذا سرق مال أخيه.
ثم قال الإمام: وليس هذا إلزاما؛ بل هو عين ما قال به [لو رد] التفريع إلى الوالد والولد؛ فإن ابن الأب أقرب إلى الولد من ابن الزوج، وهو ربيب إلى الزوجة، فهذا غلط صريح.
قلت: وما حكاه عنه مخالف لما [هو] في "تعليقه"؛ لأن مساق كلام القاضي
الذي حكاه عنه يقتضي مخالفته للنص وإيجاب القطع على عبد أحد الزوجين إذا
سرق من مال الآخر؛ لأنه لما حكي أنه لا قطع على العبد [قال: [إن] مقتضاه
стр. 8527
أن لا قطع على [والد أحد] الزوجين ولا ولده – أيضا – ويتجه؛ لأن مقتضاه أن لا قطع على] الأخ إذا سرق [من] مال أخيه، وهذا مما لا خلاف فيه؛ فليكن حكم عبد أحد الزوجين كذلك، وقد حكيت عنه أنه جزم بالمنصوص، وفرق بين العبد والوالد [والولد] بما ذكرناه. ثم على تقدير تسليم ما ادعاه فالمناقشة التي أبداها الإمام وغلطه لأجلها غير ظاهرة، بل أقول: يظهر أن يكون ما ذكره القاضي هو الصواب؛ لأنه حكي عن الأصحاب – كما نقلناه عنه، وحكاه الماوردي أيضا -: أنهم قالوا: يمنع قطع والد أحد الزوجين أو ولده إذا سرق من مال الآخر، وجزموا بأن الأخ يقطع بسرقة مال أخيه. فأراد بما ذكره إبطال النص في عبد أحد الزوجين، وإبطال قول الأصحاب في والده وولده، وهذا المقصد لا يحصل بما ذكره الإمام، والله أعلم.
قال: وإن سرق رتاج الكعبة قطع؛ لأنه مال يضمن باليد وبالإتلاف، وللإمام المطالب به؛ فقطع سارق كسائر الأموال، ولأن القطع لحق الله تعالى، وإذا وجب في حقوق الآدميين، فأولى أن يجب في حقوق الله – تعالى – لأن تحريمها أغلظ لتحريك ملكه.
والرتاج – براء مكسورة، وتاء ثالثة الحروف، وجيم -: الباب؛ كما قاله النواوي، وكذا الرتج، بفتح الراء والتاء.
وفي "تعليق" القاضي الحسين وغيره: أنه غلق بابها، وهو الأشبه بكلام الشيخ؛ لأنه ذكر باب المسجد بعده، ولا فرق بينه وبينه باب الكعبة، فلو كان الرتاج هو الباب لكان فيه تكرار، وقال القاضي الحسين في باب النذر: [إنه قيل]: إنه الستر.
قال: وإن سرق تأزير المسجد أو بابه قطع؛ لما سبق، وهكذا الحكم فيما إذا
سرق جذعه أو ساريته أو آجره المنضد، وادعى الإمام إطلاق الأصحاب
стр. 8528
الوفاق على ذلك، وأبدى لنفسه تخريج وجه مما سنذكره من عدم القطع في المستولدة؛ لنقص الملك فيها بسبب نقص بعض التصرفات، ومن عدم القطع في سرقة حصر المسجد وقناديله؛ لكونها متعلق حقوق المسلمين، فشابهت مال بيت المال.
وكلام الماوردي يشير إلى حكايته عن ابن أبي هريرة؛ فإنه قال عند الكلام في سرقة الموقوف: ومذهب أبي حنيفة أنه لا قطع فيه، بخلاف آلة المسجد وأستار الكعبة، وإن [كان] ابن أبي هريرة سوى بينهما، والصحيح الأول، وإذا ثبت القطع بسرقة هذه الأشياء من المسجد مع كون السارق له فيه شبهة الانتفاع؛ فثبوته في سرقته من أملاك الآدمي المحضة أولى.
وقد صرح به الأصحاب حتى في حلق الباب؛ كما حكي عن أبي إسحاق وجوب القطع فيها إذا كانت مسمرة؛ لأن ذلك حرز مثلها في العادة.
وحكم أبواب الخزائن عند أبي إسحاق حكم المتاع في الدار؛ فإن كان باب الدار مغلقا، فأبواب الخزائن في حرز، مغلقة كانت أو غير مغلقة. وإن كان باب الدار مفتوحا: فإن كانت أبواب الخزائن مغلقة فهي في حرز، وأن كانت غير مغلقة فليست محرزة، أي: إن لم يكن في الدار أحد؛ كذا حكاه البندنيجي والقاضي الحسين [عنه].
والتأزير – بزاي ثم راء – مشتق من "الإزار"، يقال: أزرته تأزيرا، فتأزر، وهو كما قال النواوي: ما يستر به أسفل جدار المسجد وغيره. من خشب وغيره، وقريب منه ما حكاه ابن يونس أنه: ما عقد من الجريد المطول المعرض بالمسامير، مثلما يعمل بالستور في أركانها، وذلك عند الحجر وما حواليه، وحكي تفسيرين آخرين:
أحدهما: أنه الحلق التي يشد بها أذيال الستور.
والثاني – وهو معزي إلى تفسير المزني -: أنه الشاذؤوان، وصوبه أكثرهم في ذلك.
стр. 8529
وقد أطبق الأكثرون على قطع السارق لأستار الكعبة المحيطة عليها، وحكاه القاضي أبو حامد عن النص في القديم، ورواه البندنيجي وابن الصباغ عن رواية الحارث بن سريج النقال عن الشافعي، ووجهوه بما روي الحسن البصري أن أول من صلب في الإسلام رجل من بني عامر بن لؤي، سرق كسوة الكعبة؛ فصلبه رسول الله ﷺ وروي أن سارقا سرق في عهد عثمان – ﵁ – فبطية منبر رسول الله ﷺ فقطعه، ولم ينكر عليه أحد.
وعن كتاب ابن كج أن قوله الجديد والأصح: أنه لا قطع بسرقته؛ لأنه ليس له مالك معين؛ فأشبه مال بيت المال. وهذا يخالف ما قاله البندنيجي في التصوير، وعدم القطع قد حكاه المارودي عن ابن أبي هريرة أيضا، وبه يقوى الوجه الذي أبداه الإمام.
قال: وإن سرق القناديل [أو الحصر] فقد قيل: يقطع؛ لأنه سرق مالا يضمن باليد والإتلاف لا مالك له [معين]، فقطع كما لو سرق أستار الكعبة وبابها، وهذا ما قاله البصريون، وجزم به الفوراني في القناديل، وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنه اختيار الشيخ في الصورتين.
وقيل: لا يقطع، أي: إذا كان مسلما؛ لأن ذلك وضع لمصلحة المسلمين؛ فكان له فيه حق؛ فلم يقطع به كمال بيت المال، وهذا قول البغداديين من أصحابنا، واختاره في "المرشد"، ولم يورد المصنف وأبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ سواه.
وعن الروياني في "جمع الجوامع": أنه لا خلاف بين الأصحاب [في عدم] القطع بسرقة الحصر والبواري، وادعى القاضي الحسين في موضع آخر من كتاب السرقة الإجماع على أنه لا يقطع فيما يراد للمنفعة، مثل الحصر والبواري والقناديل، ومحل الكلام – كما قال الماوردي -: فيما إذا كانت معدة للاستعمال، وصرح به القاضي الحسين أيضا. أما إذا كانت موضوعة للزينة قطع،
стр. 8530
وبهذا جزم صاحب "الكافي" مع جزمه بعدم القطع في حالة كونها معدة للاستعمال، وحكي الماوردي عن ابن أبي هريرة أنه قال بعدم القطع أيضا، وعليه ينطبق ما ذكره الإمام؛ فإنه حكى في وجوب القطع بسرقة حصر المسجد وجهين.
وعن العراقيين أنهم قالوا: ما يظهر الانتفاع به فالظاهر أنه لا قطع على سارقه للاشتراك، وما أثبت في المسجد للزينة كالقناديل التي يزين بها المسجد ففيها وجهان. فانتظم من ذلك ثلاثة أوجه، ثالثها: الفصل بين ما ينتفع به فلا قطع، وبين آلة الزينة فيقطع.
ولا خلاف [في] أن الذمي يقطع بسرقة ذلك.
قال: وإن سرق الطعام عام السنة، أي: عام القحط، ومنه قوله تعالى: ﴿ولقد أخذنا ءال فرعون بالسنين﴾ [الأعراف: ١٣٠].
قال: والطعام مفقود، لم يقطع؛ لأنه روي عن عمر – ﵁ – أنه قال: "لا قطع في عام المجاعة"، [ولأنه كالمضطر، والمضطر إذا سرق الطعام الممنوع منه لا قطع عليه] كما قال القاضي الحسين وغيره.
قال: وإن كان موجودا أي: يبذله صاحبه وهو قادر على ثمنه، وإن كان بثمن غال – قطع؛ لأن لا يؤخذ من مالكه قهرا، فأشبه غير عام السنة، فأما إذا لم يقدر على شرائه لغلائه وعدم ثمنه، قال مجلي: فهو كعدم الطعام فلا قطع.
قال: وإن سرق شيئا موقوفا، أي: على غيره، مثل أن يكون موقوفا على الفقراء
стр. 8531
وهو غني، أو على بني فلان و [هو] ليس منهم – فقد قيل: يقطع، أي: سواء قلنا إن الملك لله – تعالى – أو لغيره؛ لأنه عين تضمن باليد، فوجب فيها القطع كالأعيان المطلقة، وهذا ما ادعى الماوردي أنه ظاهر المذهب، وهو المختار في "المرشد"، والأصح في "النهاية" و"الكافي" والإبانة.
وقيل: لا يقطع، أي: سواء قلنا: الملك لله – تعالى – أو لغيره، أما إذا قلنا: إنه لله – تعالى – فبالقياس على الصيود. وإن قلنا: إنه لغيره، فملكه ناقص؛ لأنه لا يملك التصريف فيه، ومن شرط القطع تمام الملك، هي طريقة البندنيجي وغيره.
وفي "الحاوي" حكاية وجه ثالث: أنه لا يقطع إن قلنا: إن الملك لله – تعالى – وإن قلنا: [إنه] لغيره، قطع.
وفي "النهاية" حكاية طريقة أخرى لم يورد القاضي الحسين سواها، وهي أن الملك إن قلنا: لغير الله – تعالى – ففي القطع وجهان كالوجهين في القطع بسرقة أم الولد في حال نومها أو جنونها، وأصحهما في أم الولد: القطع، وهو المختار في "المرشد" و"الإبانة"، وإن قلنا: إنه لله – تعالى – قطع وجها واحدا؛ كما [في] رتاج الكعبة وبابها. قال الإمام: وهذا ليس بشيء؛ لأن صاحب الترتيب يشير إلى أن لا يصفو القول بإضافة الملك إلى جهة من الجهات، وهذا يتحقق إذا قلنا: الملك لله – تعالى – أما إذا سرق شيئا موقوفا عليه فلا قطع.
قال الماوردي: وكذا إذا سرق ما وقف على وجوه الخير أو [في] عموم المصالح؛ لأنه في حكم مال بيت المال، وقال: إن [الذمي] إذا سرقه لم يقطع أيضا؛ [لأنه] تبع للمسلمين.
وفي "الإبانة" الجزم بأن المسلم إذا سرق بكرة البئر المسبلة قطع، وكذلك قاله البغوي وقال: الوجه عندي أن تكون كحصر المسجد؛ لأنها لمنفعة الناس.
стр. 8532
ولا خلاف [في] أنه إذا سرق من ريع الوقف، ولم يكن من جملة المستحقين – أنه يقطع، سواء كان جهة المسجد أو غيرها.
قال ابن الصباغ: وهكذا لو كان موقوفا على الفقراء والسارق غني، وليس كما إذا سرق مال بيت المال وهو غني؛ لأنه بصدد أن يصرف إليه مع الغنى بسبب حمالة، ولا كذلك مال الوقف.
فرع: إذا سرق شخصا بعضه حر وبعضه رقيق، قال الزبيلي في "أدب القضاء" له: لا قطع عليه، لأن الحرية فيه صارت شبهة. وكذا حكاه الرافعي، وطرده في المكاتب؛ لكونه في يد نفسه، وفي "تعليق" القاضي الحسين حكاية عن القفال في مسألة من بعضه حر: أنه يقطع، كما إذا سرق ما يقطع فيه وما لا يقطع.
قال: ومن سرق عينا، أي: بقول صاحبها، [وأقام بينة] على ذلك، فادعى أنها له، أو أن مالكها أذن له في أخذها، أي: وديعة أو لنفسه؛ بأن يكون قد وهبها منه ولم يقبضها – فالمنصوص، أي: في "المختصر"، أنه لا يقطع، أي: بعد حلف مدعي السرقة؛ لأن المدعي للسرقة قد صار خصما للسارق، بدليل أنه لو نكل عن اليمين ردت على السارق ولا قطع؛ فكيف يقطع في مال هو خصم فيه؟! ولأن ما يدعيه محتمل، والقطع يسقط بالشبهة، وهذا ما قال به أكثر الأصحاب.
قال القاضيان أبو الطيب والحسين: وهذا السارق يسمى اللص الظريف – أي الفقيه – وقد حكي هذا اللفظ عن [الشافعي والبندنيجي] وابن الصباغ.
وقيل: يقطع، أي: إذا حلف مدعي السرقة أن العين له أو لم يأذن في
أخذها؛ كي لا يتخذ ذلك ذريعة لدفع الحد والتسلط على السرقة، وهذا ما
حكاه أبو إسحاق المروزي عن بعض الأصحاب كما قاله أبو الطيب، [وابن
стр. 8533
الصباغ [واختاره] كما قاله الماوردي، ونسبه القاضي الحسين والبندنيجي إليه، وأنه حمل النص على ما إذا أقام بينة بما ادعاه، قال الروياني في "الحلية": [ولهذا وجه] في زمان الفساد.
قال القاضي أبو الطيب] [والماوردي:] وليس بشيء؛ لأن الحد يسقط بالشبهة، وهذا أثبته بها، ولأنه لو قامت عليه البينة بالزنى بامرأة، فادعى أنها زوجته لم يستوف منه الحد، ولا يقال: إن ذلك ذريعة إلى إسقاط حد الزنى؛ فكذلك هاهنا.
وقد ادعى الماوردي اتفاقهم على مسألة الزنى، وقال في "الشام": إن القائل في مسألة السرقة بالقط ينبغي ألا يسلم ما ذكره، وقد قال البغوي وغيره: إن الخلاف يجري فيها – أيضا – وقال الإمام: إن ظاهر المذهب والنص فيها عدم السقوط، بخلاف القطع؛ بناء على ما سنذكره من أن الظاهر فيما إذا قامت بينة على أن فلانا زنى بجارية فلان الغائب، يحد، ولا ينتظر حضور الغائب، بخلاف [مثله في] السرقة.
أما إذا لم يحلف مدعي السرقة، [وحلف المدعى عليه السرقة]- قال الماوردي والقاضي أبو الطيب وابن كج والإمام: فلا قطع عليه وجها واحدا.
قال القاضي الحسين: وإنما يحتاج إلى يمين المدعى عليه إذا ادعى السارق الملك، أما إذا ادعى الإباحة فلا يحلف، وعلى ذلك جرى الإمام، وادعى: أنه لا يحلف بلا خلاف مع كون القطع ساقطا، ولو نكل مدعي السرقة ولم يحلف السارق، فالذي أورده البغوي والفوراني: مجيء الخلاف، وهو ما أبداه الرافعي احتمالا لنفسه، وقال في "الشامل": ينبغي أن يسقط القطع وجها واحدا؛ لأن دعواه لم تبطل.
وحكم دعوى السارق أن المسروق منه عنده وهو مجهول النسب، أو أن
الحرز ملكه غصب منه المسروق منه – حكم ما ذكرناه، كذا حكاه الشيخ أبو علي
стр. 8534
في "شرح التلخيص" وغيره، وكذا إذا ادعى العبد السارق أن المسروق ملك سيده، سواء صدقة السيد أو كذبه في الدعوى، وبه جزم في "الوجيز"، وهو الذي أجاب به في "التلخيص".
وفي "النهاية" [وغيرها] حكاية وجه فيما إذا كذبه السيد: أنه يقطع؛ [بناء] على المنصوص.
ولو ادعى السارق نقصان قيمة المسروق عن النصاب لم يقطع، فإن قامت البينة على أن قيمته تبلغ تمام النصاب قطع، قاله في "التهذيب".
ثم اعلم أن [محل] الخلاف في [ضبط] مسألة الكتاب إذا لم [يكن] في دعوى السارق تكذيب للبينة التي شهدت بالسرقة، بأن تكون البينة قد شهدت أنه سرق نصابا من الحرز، وهو بما فيه تحت يد إنسان – فإن حكم الظاهر: أن المسروق مردود على صاحب اليد، فإذا قال السارق: ما شهدت به البينة من أني دخلت الحرز، وأخذت [منه] المال صحيح، إلا أنه كان قد وهبه مني قبل السرقة، أو باعه مني، أو أباحه لي؛ فلا قطع علي، والشهود اعتمدوا ظاهر الحال. أما إذا كان في دعواه تكذيب للبينة بأن قال: لم يزل ملكي، وكان قد غصبه مني، أو قال: ما سرقت أصلا – ففي سقوط القطع والحالة هذه تفريعا على المنصوص تردد حكاه الإمام، وقال: في كلام الأصحاب ما يدل عليه.
قال الرافعي: وهذا التردد الذي حكاه قد حكاه ابن كج كذلك، وقال: المذهب: أنه لا يسقط القطع، وعندي أنه يسقط، وإطلاق عامة الناقلين يوافقه.
قلت: والذي جزم به أبو الطيب والماوردي والبندنيجي وابن الصباغ في مسألة دعوة عدم السرقة: وجوب القطع،] و [في مسألة دعوة الغصب والبيع وغيرها بأنه محل الخلاف، وقد [بني] التردد المذكور على أن المدعى عليه بعد قيام البينة بالملك والسرقة لو قال: اعتمد الشهود ظاهر اليد، والمدعى [عليه] يعلم أنه ملكي، فحلفوه على نفيه هل يجاب إليه؟ وفيه خلاف،
стр. 8535
والظاهر – وهو ما ادعى الغزالي في كتاب الأقضية نفي خلافه -: أنه لا يحلف، فعلى هذا لا يندفع القطع، وإن قلنا: إنه يحلف، فيبعد أن يقطع بيمين المدعي ويتوجه دفعه.
فرع: إذا سرق اثنان، فادعى أحدهما أن المسروق ملكه أو أنه لهما، وأنكره الآخر واعترف بالسرقة – فلا قطع [على المدعي] تفريغا على النص، وفي المنكر وجهان:
أحدهما: أن عليه القطع؛ لأنه مقر بأنه سرق نصابا لا شبهة له فيه، وهذا هو المذهب عند الإمام وأصح في "الكافي"، وبه قال ابن القاص، وجزم [به] الماوردي وابن الصباغ.
والثاني – وينسب إلى القفال -: أنه لا يجب؛ لأن المدعي الملك قد ادعى ما لو صدق فيه لسقط القطع عنهما، فصار كما لو قال المسروق منه: إنه ملكه؛ فإنه يسقط القطع.
وإن كان مقرا بأنه سرق نصابا لا شبهة له فيه، ولو لم يكذبه الآخر، لكنه قال: لا أدري – قال في "الكافي": يحتمل وجهين، أصحهما: أنه لا يقطع. ولو ادعى أحدهما: أنه ملك شريكي، وأني أخذت معه بإذنه، وأنكر الشريك ذلك – فالمنقول في "النهاية" وغيرها: أنه يسقط القطع عن المدعي، وفي المنكر وجهان.
وقرب بعضهم ذلك مما إذا شهد اثنان على إنسان بالقصاص، فاقتص منه، ثم رجعا، فقال أحدهما: أخطأنا، وقال الآخر: تعمدنا – لا قصاص على مدعي الخطأ، وفي الآخر وجهان، وقال في "التهذيب" بعد حكاية ذلك: الأولى أن يقال: يجب القطع على المنكر، وفي المدعي وجهان، ووجه القطع: أنه لا يدعي لنفسه ملكا، وإنما يدعيه الشريك وهو منكر، ونظيره من شهود القصاص: أن يقول أحدهما: تعمدنا جميعا، ويقول الآخر: تعمدت] أنا [وأخطأ هو؛ فإنه يجب القصاص على من قال: تعمدنا جميعا وفي الآخر وجهان؛ لأنه يدعي الشبهة لشريكه وهو منكر، وقد حكي الطريقين صاحب "الكافي"، وعلى
стр. 8536
الأخير ينطبق ما ذكرناه من دعوى العبد الملك لسيده وقد كذبه.
قال الرافعي: وعلى رأي الغزالي في مسألة العبد، فالفرق: أن تعلق السيد بالعبد فوق تعلق الشريك بالشريك؛ ألا ترى أن يد العبد يد السيد، [وتمليك العبد تمليك للسيد]؟! فجعل دعوى ملك السيد كدعوى الحر الملك لنفسه.
إذا سكت السارق بعد إقامة البينة عليه بالسرقة، وفرعنا على النص في أنه إذا ادعى الملك ونحوه لا يقطع – فهل يستفصله القاضي تذرعا إلى السقوط؟ أبدى الإمام فيه ترددا مأخوذا مما إذا أقر بموجب حد، فهل يشيب القاضي بالرجوع عن إقراره؟ فيه تردد سيأتي، إن شاء الله.
إذا ادعى السارق أنه ظن أن المال المأخوذ ملكه أو ملك أبيه أو ابنه، أو أن الحرز ملكه، حكي الغزالي وغيره: أنه لا قطع عليه للشبهة، وهو فيما إذا ظن أنه ملكه قياس ما إذا وطئ امرأة [ظن أنها] زوجته أو أمته، وفيما إذا ظن أنه ملك ابنه ونحوه يشابه ما إذا وطئ أجنبية ظنها جاريته المشتركة، وقد حكينا في هذه الصورة في وجوب الحد ترددا للإمام، وقد حكي مجلي ما أورده الغزالي عن بعض الأصحاب عند الكلام في سرقة أحد الزوجين مال الآخر، وقال في فرع قبله: إنه لو سرق نصابا من دار وهو يظن أن الدار داره والمال ماله، يقطع، وألحق به ما إذا سرق شيئا ظن [أن قيمته] دون النصاب، فوجد قيمته دينارا، وهذا ما حكاه [في] "التهذيب" و"العدة".
قال: وإن أقر [له] المسروق منه بالعين [المسروقة] لم يقطع؛ لأنه يحتمل أن يكون صادقا فتكون شبهة، وهكذا الحكم لو أقر أنه كان قد أذن له في أخذها، ولا فرق في ذلك بين أن يصدق السارق أو يكذبه كما ذكرناه من قبل، ولما ستعرفه من كلام الأصحاب.
стр. 8537
ولو أقام المدعى عليه السرقة شاهدا وامرأتين أو شاهدا وحلفه معه، وانتفى القطع، وإن كانت الشهادة بالملك مطلقة، قال القاضي أبو الطيب: لأن الإطلاق يقتضي الملك في الحال، والظاهر مع دعواه أنه ملكه قبل ذلك؛ فكان شبهة في القطع.
وفي "الجيلي" وجه: أنه إذا أقر بالملك المطلق لا يسقط القطع، ويظهر جريانه إن صح في البينة – أيضا – [وقد رأيت ما حكاه الجيلي في كتاب "الأسرار" للقاضي الحسين].
قال: وإن وهب منه، أي: بعد الرفع إلى السلطان، قطع، والأصل [فيه]: "ما روى أبو داود عن صفوان بن أمية، قال: كنت نائما في المسجد على خميصة لي ثمن ثلاثين درهما، فجاء رجل فاختلسها مني، فأخذ الرجل فأتي به رسول الله ﷺ فأمر به ليقطع، قال: فأتيته فقلت: أتقطعه من أجل ثلاثين؟! أنا أبيعه وأنسئه ثمنها، قال فهلا كان هذا قبل أن تأتيني به" وفي رواية أنه كان نائما، فجاء سارق فسرق من تحت رأسه. وأخرجه النسائي وابن ماجه. وفي رواية أخرى: "إني قد وهبتها له". وهي التي أوردها الفقهاء.
قال عبد الحق: ولا أعلمه يتصل من وجه يحتج به.
وعلى هذا فنقول: الهبة معنى يسقط المطالبة بالموهوب، فلم يسقط بها القطع؛
стр. 8538
كما لو رد المال، ولأنه لو زنى بامرأة ثم ملكها أو تزوجها لم يسقط الحد؛ فكذلك هاهنا، أما إذا وهب منه قبل الرفع إلى السلطان فظاهر الخير يدل على عدم القطع لو صح الاحتجاج به، لكنه يعضده قوله ﷺ : "تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد وفقد وجب" كما خرجه أبو داود والنسائي عن عمرو بن شعيب. وعلى هذا جرى القاضي أبو الطيب فقال بعدم القطع، وأنه يسقط، وتبعه ابن الصباغ في عدم القطع؛ لأنه إذا وهبه قبل الرفع لم يكن هناك منازع في المال ولا مخاصم فيه.
والقاضي الحسين جزم بعدم سقوطه] وبعدم القطع لأجل عدم المنازع، وتبعه صاحب "العدة" في القطع بعدم السقوط]، وكلام الماوردي يقتضي إجراء خلاف في القطع؛ فإنه حكي عنه أنه قال: قال أكثر أصحابنا: إن المطالبة شرط في استيفاء القطع، فعلى هذا يسقط بالهبة استيفاؤه كالحقوق التي ليس [لها] مطالب [بها].
قال: ولا قطع على من انتهب أو اختلس [أو خان]؛ لقوله ﷺ : "ليس على خائن، ولا منتهب، ولا مختلس، قطع" خرجه الترمذي وقال: إنه حسن صحيح. ولفظ ابن ماجه في موضع: "من انتهب نهبة مشهورة فليس منا"، وفي موضع [آخر]: "لا يقطع الخائن ولا المنتهب ولا المختلس".
стр. 8539
[وفرق] بينه وبين السارق بأن السارق يأخذ المال [في] خفية؛ فلا يتأتى منعه، فشرع القطع زاجرا، وهؤلاء يقصدون المال عيانا؛ فيمكن دفعهم بالسلطان وغيره.
قال: أو جحد؛ لأنه لا بد وأن يسبق الجحد بزعم المدعي السرقة، إذن في وضع اليد على المال؛ فهو مقصر حيث وضعه] عنده؛ فصار كما لو وضعه [في غير حرز، ولأنه لم يوجد منه أكثر من حبسه عن مالكه، والكذب في جحوده، وليس واحد منهما موجبا للقطع.
وما رواه ابن عمر – ﵁ – أن امرأة مخزومية كانت تستعير المتاع فتجحده؛ فأمر بها رسول الله ﷺ فقطعت يدها – فجوابه – كما قال ابن المنذر -: أنه روي في الحديث: [أنها سرقت] فقطعها رسول الله ﷺ ، ويدل على ذلك ما روى أبو داود عن عائشة: أن قريشا أهمهم شأن المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ ؟ قالوا: ومن يجترئ [عليه] إلا أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ فكلمه أسامة، فقال رسول الله ﷺ : "يا أسامة، أتشفع في حد من حدود الله؟! "، ثم قام واختطب فقال: "إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق [فيهم] الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها". وأخرجه البخاري ومسلم، وغيرهم.
стр. 8540
وذكر العارية في الحديث السابق إنما هو على وجه التعريف بالمرأة؛ لاشتهارها بذلك، [لا أن] القطع بسببها. قال القاضي الحسين: وهذا كما قال: "الجالس وسط الحلقة ملعون"، عرف بالجلوس وسط الحلقة.
تنبيه: المنتهب: من يأخذ المال عيانا معتمدا بقوته وغلبته، والمختلس: من يأخذ المال من غير غلبة ويعتمد الهرب. ثم قيل: يكون ذلك مع غفلة المالك، وقيل: مع معاينته، وهو الصحيح، والسارق: من يأخذ في خفية، والخائن: من يخون في وديعة ونحوها بأخذ بعضها، والجاحد: من ينكرها.
قال: ولا يقطع السارق، أي: الحر، إلا الإمام أو من فوض إليه الإمام؛ لأن القطع في السرقة وإن تعلق به حق الآدمي بسبب حفظ ماله، فالمغلب عليه حق الله – تعالى – والإمام هو النائب فيه، ولأن إعمال السلاح لصاحب الأمر أقرب، وقد ذكرنا أنه لم يقم حد في عهد رسول الله ﷺ إلا بإذنه، وكذلك في عصر الخلفاء من بعده [إلا بإذنهم]، فلو فعله بعض الرعية، قال في "التهذيب": فلا قصاص عليه؛ لأنه قطع يدا مستحقة القطع، غير أنه يعزر؛ لتفويت القطع على الإمام، وزاد الرافعي على ذلك فقال: لو سرى إلى النفس فلا ضمان؛ لتولد السراية عن مستحق. ثم قال: ويشبه أن يجعل وجوب القصاص على الخلاف في قتل الزاني المحصن. وسيكون لنا عودة إلى الكلام في هذا في آخر الباب، إن شاء الله تعالى.
قال: وإن كان السارق عبدا جاز للمولى أن يقطعه؛ لقوله ﷺ : "أقيموا
الحدود على ما ملكت أيمانكم"، وروي أن ابن عمر – ﵄ -
стр. 8541
قطع عبدا له سرق، وأن عائشة – ﵂ – قطعت أمه لها سرقت، ولم ينكر ذلك أحد.
وقيل: لا يقطعه؛ لأن ما يقطع فيه السارق مختلف فيه؛ فيحتاج إلى نظر واجتهاد، وهذا ما يحكي عن ابن سريج، وفرق بينه وبين الجلد بأنه يملك جنس الجلد في التعزيز، بخلاف القطع، وبأن له في إقامة الحد غرضا، وهو أن يخفي الحال فلا تنقص قيمته، والقطع يظهر لا محالة.
قال: والأول أصح؛ لما ذكرناه، وهو ما نسبه القاضي أبو الطيب والحسين والبندنيجي إلى نصه في "البويطي"، ووافق الشيخ على التصحيح أهل الطريقين، وقال الماوردي وغيره: وليس ما ذكر من التوجيه السابق بسالم؛ لأن السيد يملك قطع يد العبد للمصلحة من جهة أكلة تلحقه، وغرض الإخفاء غلط؛ لأنه ﷺ أمر بإظهار العيب ونهى عن كتمانه؛ فقال: "إن كتما محقت بركة بيعهما"، والخلاف المذكور جار في أن السيد هل يقطع عبده في المحاربة وكذا قتله فيها؟ مخرج على أنه هل يقتل العبد إذا ارتد؟
قال: ولا يقطع إلا بمطالبة المسروق منه بالمال؛ لأن المال يدخله الإباحة، فيحتمل أنه أباح له أخذه، وبمطالبته ينتفي ذلك.
ولأن القطع فرع ثبوت المال، وثبوته فرع المطالبة؛ فلذلك توقف القطع عليها، ويقوم مقام مطالبة المالك [مطالبة] وكيله، كما صرح به البندنيجي وغيره.
стр. 8542
وقد يعكر هذا على التوجيه السابق؛ فإن الموكل قد يكون أباح ولم يعلم به الوكيل. نعم، [لو وكله بعد السرقة في الطلب اندفع السؤال، وقد يقال: لا يصح التوكيل] إلا على هذا النحو.
فرع: الخصومة مع النباش لمن إذا قلنا بوجوب القطع عليه؟
قال الأصحاب: ذلك بنبني علي أن الملك [في الكفن] لمن؟ وقد تقدم، فإن قلنا: الملك [فيه] للوارث، فهو المخاصم، وإن قلنا: إنه للميت، فعن ابن أبي هريرة أنها للوارث أيضا؛ لأنه القائم مقامه في حقوقه، وهذا ما أورده البندنيجي، وقال أبو علي الطبري: [إن] للإمام أن يقطعه ولا يحتاج إلى المطالبة؛ لأن القطع حق الله تعالى، وإنما يحتاج إلى مطالبة الحي إذا سرق منه؛ كي لا يكون قد أذن فيه، وذلك مأمون في حق الميت، وإذا قلنا: لا مالك [له]، فالأمر فيه إلى الحاكم.
وهكذا الحكم في سرقة رتاج الكعبة ونحوه، وزاد الإمام فقال: إن كان من يذهب إلى [أن] الملك في الكفن للميت أو لله تعالى،] يقول بتعين رد ما أخذه النباش إلى الميت، ولا يجوز للوارث إبداله بغيره –] فالتفريع [صحيح]، والخلاف في أن الخصم من هو صحيح، لكن هذا قول عري عن التحصيل، والوجه عندي: أن للوارث إبداله بعدما انفصل عن الميت، وحينئذ فيجب القطع بأنه الخصم لا غير.
قال: وإن أقر أن سرق نصابا لا شبهة له فيه من حرز مثله من غائب،
فقد قيل: يقطع؛ لأن القطع لزمه بالإقرار، فاستوفي منه في الحال؛ كما لو أقر
أنه زنى بفلانة؛ [فإنه] لا ينتظر حضورها، وهذا ما حكاه الماوردي عن
стр. 8543
[ابن] أبي هريرة، واختاره، [وفي] الرافعي نسبته إلى أبي إسحاق.
قال: والمذهب: أنه لا يقطع، أي: في الحال؛ لأن من الجائز أن يقول صاحب المال عند حضوره: كنت وهبته منه، أو: أبحته إياه، أو يقر بأنه ملكه، ولو قال ذلك لم يقطع، وإن أصر على الإقرار بالسرقة؛ كما حكاه الإمام والعمراني وغيرهما، جعل ذلك شبهة في تأخير القطع، وقد صحح الرافعي وصاحب ["الكافي" هذا أيضا، ويخالف ما لو اقر باستكراه جارية غائب على الزنى؛ فإن الأشهر والمذكور في] ["الوجيز" و] "النهاية": أنه يقام عليه حد الزنى، ولا ينتظر حضور المالك؛ لأن حد الزنى لا يتوقف على طلب، ولو حضر وقال: كنت أبحتها له لم يسقط [حد] الزنى بذلك.
قال الإمام: وقد ينشأ من هذا أن يقال: لو حضر مالك الجارية، وقال: كنت بعتها منه أو وهبتها، وأنكر المقر، لا يسقط الحد.
قيل: وكذا إذا حضر وأقر بوقف الجارية عليه، وكذبه.
وفي "الكافي" وغيره عن ابن سريج أنه قال: لا يقام عليه الحد، بل ينتظر حضور مالكها؛ لجواز أن يقر بأنه كان قد وقف تلك الجارية عليه؛ فتصير شبهة في سقوط الحد، ولا خلاف في أن الإقرار المطلق [بالسرقة لا يوجب الحد، وإن كان الإقرار المطلق] بشرب المسكر يوجب حده، وفي الإقرار بالزنى وجهان، والفرق أن اسم "السرقة" يتحقق ولا قطع معه؛ كما إذا سرق ما له فيه شبهة وما ليس بنصاب، بخلاف الشرب؛ فإن المتبادر إلى الذهن عند إطلاق شرب المسكر أن شربه حرام، والزنى لا يكاد يقع إلا على ما يتعلق به الحد، وكذلك إذا أطلق القذف به حد القاذف بلا خلاف.
стр. 8544
ثم يتفرع في مسألة الكتاب على المذهب فرعان:
أحدهما: هل يحبس المقر إلى حضور الغائب؟ حاصل ما ذكره العراقيون كأبي الطيب والبندنيجي وابن الصباغ وكذا الإمام والقاضي الحسين أنه ينظر: فإن كانت الغيبة قريبة أو بعيدة، [والمسروق تالف – حبس، وإن كان باقيا والمسافة بعيدة] ففي حبسه وجهان، المذهب منهما في "تعليق" القاضي الحسين: عدم الحبس؛ فتنزع [العين من يده]، وتحفظ للمقر له إلى أن يرجع فيدعيها، فتسلم إليه، وهذا ما اختاره في "المرشد"، وأفهم إيراد المصنف [في "المهذب"] حكاية وجه في منع حبسه عند تلف العين وبعد المسافة؛ لأنه حكى في حبسه وجهين:
أحدهما: نعم؛ كما يحبس من عليه قصاص لصبي أو غائب إلى أن يبلغ [أو يقدم].
والثاني: إن كان السفر قريبا حبس إلى أن يقدم الغائب، وإن كان بعيدا لم يحبس، ولأجل ذلك [حكي] الرافعي في حبسه ثلاثة أوجه:
أحدها: الحبس مطلقا.
والثاني: يحبس إن كانت الغيبة قريبة، وإلا فلا.
[والثالث: يحبس إن كانت العين تالفة، وإلا فلا].
قال الإمام: وعلى هذا إذا بذل قيمة التالف خرج حبسه على الخلاف المذكور في [حالة] بقاء العين.
ثم ليعلم أن الخلاف في الحبس ليس لأجل حق الله تعالى؛ فإن من أقر بمال لرجل في غيبته لا يحبسه السلطان؛ [كما قال الإمام، وكذا [إذا] أقر أنه غصبه من غائب]؛ كما قال الرافعي – بل لأجل القطع.
стр. 8545
قال الإمام: وهو مبني على أن القطع يسقط [بالرجوع عن الإقرار أم لا – كما سنذكره – فإن قلنا: يسقط]، فلا معنى للحبس، وإن قلنا: لا يسقط، فيجوز أن يقال: يحبس؛ لأنه لو خلي يوشك أن يفلت ويفوت الحق.
قلت: وهذا يقوي ما سنذكره عنه من الجزم بحبسه عند شهادة البينة بالسرقة والإصغاء لها، وقد جعل الرافعي عدم الحبس في الغصب ووجوبه في السرقة مسألتي فرق، وحكي عن بعض أنه فرق بأن الحاكم لا مطالبة له بمال الغائب، وليس موجب الغصب إلا ذاك، والسرقة يتعلق بها القطع الذي يملك الحاكم المطالبة به.
الفرع الثاني: إذا حضر الغائب، فإن ذكر أنه أباح المال المسروق للسارق، أو أباعه منه، أو أنه ملكه – لم يقطع؛ لما ذكرناه، وإن ادعى السرقة، فظاهر كلام الأصحاب يقتضي القطع؛ كما سنبينه من بعد، إن شاء الله تعالى.
قال: وإن قامت البينة عليه من غير مطالبة، فقد قيل: يقطع، وهو المنصوص، وقيل: لا يقطع، وقيل: فيه قولان:
اعلم أن الموجود في أكثر النسخ وبعض الشروح حكاية لفظ الشيخ كما ذكرته، والذي أورده الجيلي من لفظ الشيخ: "فقد [قيل]: لا يقطع، وهو المنصوص، وقيل: يقطع، وقيل: فيه قولان"، وهو على كل حال لا يخلو من مناقشة، لكنها على الثاني أسهل، وبيان ذلك أن المنقول في كتب الأصحاب التي وقفت عليها حكاية ثلاثة طرق، ليس المنصوص منها القطع بالقطع، بل المنصوص خلافه؛ كما ستعرفه، وهذا وجه المناقشة على [العبارة الأولى، وليس فيها طريقة قاطعة [بعدم القطع]، وهذا وجه المناقشة على العبارتين] [معا]؛ بل الذي حكاه في "المهذب" والقاضي أبو الطيب شيخه والماوردي وابن الصباغ والبندنيجي والإمام والقاضي الحسين وغيرهم: أن الشافعي – ﵁ – نص في مسألة الكتاب على عدم القطع في الحال، ونص في كتاب الحدود على أنه إذا شهد [عليه] أربعة بالزنة بجارية غائب، يقام عليه
следующие страницы →