← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 8541–8580 · переход к 8546.

стр. 8541

قطع عبدا له سرق، وأن عائشة – ﵂ – قطعت أمه لها سرقت، ولم ينكر ذلك أحد. وقيل: لا يقطعه؛ لأن ما يقطع فيه السارق مختلف فيه؛ فيحتاج إلى نظر واجتهاد، وهذا ما يحكي عن ابن سريج، وفرق بينه وبين الجلد بأنه يملك جنس الجلد في التعزيز، بخلاف القطع، وبأن له في إقامة الحد غرضا، وهو أن يخفي الحال فلا تنقص قيمته، والقطع يظهر لا محالة. قال: والأول أصح؛ لما ذكرناه، وهو ما نسبه القاضي أبو الطيب والحسين والبندنيجي إلى نصه في "البويطي"، ووافق الشيخ على التصحيح أهل الطريقين، وقال الماوردي وغيره: وليس ما ذكر من التوجيه السابق بسالم؛ لأن السيد يملك قطع يد العبد للمصلحة من جهة أكلة تلحقه، وغرض الإخفاء غلط؛ لأنه ﷺ أمر بإظهار العيب ونهى عن كتمانه؛ فقال: "إن كتما محقت بركة بيعهما"، والخلاف المذكور جار في أن السيد هل يقطع عبده في المحاربة وكذا قتله فيها؟ مخرج على أنه هل يقتل العبد إذا ارتد؟ قال: ولا يقطع إلا بمطالبة المسروق منه بالمال؛ لأن المال يدخله الإباحة، فيحتمل أنه أباح له أخذه، وبمطالبته ينتفي ذلك. ولأن القطع فرع ثبوت المال، وثبوته فرع المطالبة؛ فلذلك توقف القطع عليها، ويقوم مقام مطالبة المالك [مطالبة] وكيله، كما صرح به البندنيجي وغيره.

стр. 8542

وقد يعكر هذا على التوجيه السابق؛ فإن الموكل قد يكون أباح ولم يعلم به الوكيل. نعم، [لو وكله بعد السرقة في الطلب اندفع السؤال، وقد يقال: لا يصح التوكيل] إلا على هذا النحو. فرع: الخصومة مع النباش لمن إذا قلنا بوجوب القطع عليه؟ قال الأصحاب: ذلك بنبني علي أن الملك [في الكفن] لمن؟ وقد تقدم، فإن قلنا: الملك [فيه] للوارث، فهو المخاصم، وإن قلنا: إنه للميت، فعن ابن أبي هريرة أنها للوارث أيضا؛ لأنه القائم مقامه في حقوقه، وهذا ما أورده البندنيجي، وقال أبو علي الطبري: [إن] للإمام أن يقطعه ولا يحتاج إلى المطالبة؛ لأن القطع حق الله تعالى، وإنما يحتاج إلى مطالبة الحي إذا سرق منه؛ كي لا يكون قد أذن فيه، وذلك مأمون في حق الميت، وإذا قلنا: لا مالك [له]، فالأمر فيه إلى الحاكم. وهكذا الحكم في سرقة رتاج الكعبة ونحوه، وزاد الإمام فقال: إن كان من يذهب إلى [أن] الملك في الكفن للميت أو لله تعالى،] يقول بتعين رد ما أخذه النباش إلى الميت، ولا يجوز للوارث إبداله بغيره –] فالتفريع [صحيح]، والخلاف في أن الخصم من هو صحيح، لكن هذا قول عري عن التحصيل، والوجه عندي: أن للوارث إبداله بعدما انفصل عن الميت، وحينئذ فيجب القطع بأنه الخصم لا غير. قال: وإن أقر أن سرق نصابا لا شبهة له فيه من حرز مثله من غائب، فقد قيل: يقطع؛ لأن القطع لزمه بالإقرار، فاستوفي منه في الحال؛ كما لو أقر أنه زنى بفلانة؛ [فإنه] لا ينتظر حضورها، وهذا ما حكاه الماوردي عن

стр. 8543

[ابن] أبي هريرة، واختاره، [وفي] الرافعي نسبته إلى أبي إسحاق. قال: والمذهب: أنه لا يقطع، أي: في الحال؛ لأن من الجائز أن يقول صاحب المال عند حضوره: كنت وهبته منه، أو: أبحته إياه، أو يقر بأنه ملكه، ولو قال ذلك لم يقطع، وإن أصر على الإقرار بالسرقة؛ كما حكاه الإمام والعمراني وغيرهما، جعل ذلك شبهة في تأخير القطع، وقد صحح الرافعي وصاحب ["الكافي" هذا أيضا، ويخالف ما لو اقر باستكراه جارية غائب على الزنى؛ فإن الأشهر والمذكور في] ["الوجيز" و] "النهاية": أنه يقام عليه حد الزنى، ولا ينتظر حضور المالك؛ لأن حد الزنى لا يتوقف على طلب، ولو حضر وقال: كنت أبحتها له لم يسقط [حد] الزنى بذلك. قال الإمام: وقد ينشأ من هذا أن يقال: لو حضر مالك الجارية، وقال: كنت بعتها منه أو وهبتها، وأنكر المقر، لا يسقط الحد. قيل: وكذا إذا حضر وأقر بوقف الجارية عليه، وكذبه. وفي "الكافي" وغيره عن ابن سريج أنه قال: لا يقام عليه الحد، بل ينتظر حضور مالكها؛ لجواز أن يقر بأنه كان قد وقف تلك الجارية عليه؛ فتصير شبهة في سقوط الحد، ولا خلاف في أن الإقرار المطلق [بالسرقة لا يوجب الحد، وإن كان الإقرار المطلق] بشرب المسكر يوجب حده، وفي الإقرار بالزنى وجهان، والفرق أن اسم "السرقة" يتحقق ولا قطع معه؛ كما إذا سرق ما له فيه شبهة وما ليس بنصاب، بخلاف الشرب؛ فإن المتبادر إلى الذهن عند إطلاق شرب المسكر أن شربه حرام، والزنى لا يكاد يقع إلا على ما يتعلق به الحد، وكذلك إذا أطلق القذف به حد القاذف بلا خلاف.

стр. 8544

ثم يتفرع في مسألة الكتاب على المذهب فرعان: أحدهما: هل يحبس المقر إلى حضور الغائب؟ حاصل ما ذكره العراقيون كأبي الطيب والبندنيجي وابن الصباغ وكذا الإمام والقاضي الحسين أنه ينظر: فإن كانت الغيبة قريبة أو بعيدة، [والمسروق تالف – حبس، وإن كان باقيا والمسافة بعيدة] ففي حبسه وجهان، المذهب منهما في "تعليق" القاضي الحسين: عدم الحبس؛ فتنزع [العين من يده]، وتحفظ للمقر له إلى أن يرجع فيدعيها، فتسلم إليه، وهذا ما اختاره في "المرشد"، وأفهم إيراد المصنف [في "المهذب"] حكاية وجه في منع حبسه عند تلف العين وبعد المسافة؛ لأنه حكى في حبسه وجهين: أحدهما: نعم؛ كما يحبس من عليه قصاص لصبي أو غائب إلى أن يبلغ [أو يقدم]. والثاني: إن كان السفر قريبا حبس إلى أن يقدم الغائب، وإن كان بعيدا لم يحبس، ولأجل ذلك [حكي] الرافعي في حبسه ثلاثة أوجه: أحدها: الحبس مطلقا. والثاني: يحبس إن كانت الغيبة قريبة، وإلا فلا. [والثالث: يحبس إن كانت العين تالفة، وإلا فلا]. قال الإمام: وعلى هذا إذا بذل قيمة التالف خرج حبسه على الخلاف المذكور في [حالة] بقاء العين. ثم ليعلم أن الخلاف في الحبس ليس لأجل حق الله تعالى؛ فإن من أقر بمال لرجل في غيبته لا يحبسه السلطان؛ [كما قال الإمام، وكذا [إذا] أقر أنه غصبه من غائب]؛ كما قال الرافعي – بل لأجل القطع.

стр. 8545

قال الإمام: وهو مبني على أن القطع يسقط [بالرجوع عن الإقرار أم لا – كما سنذكره – فإن قلنا: يسقط]، فلا معنى للحبس، وإن قلنا: لا يسقط، فيجوز أن يقال: يحبس؛ لأنه لو خلي يوشك أن يفلت ويفوت الحق. قلت: وهذا يقوي ما سنذكره عنه من الجزم بحبسه عند شهادة البينة بالسرقة والإصغاء لها، وقد جعل الرافعي عدم الحبس في الغصب ووجوبه في السرقة مسألتي فرق، وحكي عن بعض أنه فرق بأن الحاكم لا مطالبة له بمال الغائب، وليس موجب الغصب إلا ذاك، والسرقة يتعلق بها القطع الذي يملك الحاكم المطالبة به. الفرع الثاني: إذا حضر الغائب، فإن ذكر أنه أباح المال المسروق للسارق، أو أباعه منه، أو أنه ملكه – لم يقطع؛ لما ذكرناه، وإن ادعى السرقة، فظاهر كلام الأصحاب يقتضي القطع؛ كما سنبينه من بعد، إن شاء الله تعالى. قال: وإن قامت البينة عليه من غير مطالبة، فقد قيل: يقطع، وهو المنصوص، وقيل: لا يقطع، وقيل: فيه قولان: اعلم أن الموجود في أكثر النسخ وبعض الشروح حكاية لفظ الشيخ كما ذكرته، والذي أورده الجيلي من لفظ الشيخ: "فقد [قيل]: لا يقطع، وهو المنصوص، وقيل: يقطع، وقيل: فيه قولان"، وهو على كل حال لا يخلو من مناقشة، لكنها على الثاني أسهل، وبيان ذلك أن المنقول في كتب الأصحاب التي وقفت عليها حكاية ثلاثة طرق، ليس المنصوص منها القطع بالقطع، بل المنصوص خلافه؛ كما ستعرفه، وهذا وجه المناقشة على [العبارة الأولى، وليس فيها طريقة قاطعة [بعدم القطع]، وهذا وجه المناقشة على العبارتين] [معا]؛ بل الذي حكاه في "المهذب" والقاضي أبو الطيب شيخه والماوردي وابن الصباغ والبندنيجي والإمام والقاضي الحسين وغيرهم: أن الشافعي – ﵁ – نص في مسألة الكتاب على عدم القطع في الحال، ونص في كتاب الحدود على أنه إذا شهد [عليه] أربعة بالزنة بجارية غائب، يقام عليه

стр. 8546

الحد، لكن لفظ الإمام والقاضي الحسين في حكاية هذا النص فيما إذا شهد شاهدان على واحد أنه زنى بجارية فلان الغائب: أنه يحد، ولعل المراد: الشهادة على الإقرار بالزنى، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ثم اختلف الأصحاب في النصين على ثلاث طرق كما ذكرنا: إحداها – وهي طريقة ابن سريج وابن أبي هريرة -: أنه لا قطع في الحال، ولا حد للزنى في الحال – أيضا – لأنه يجوز أن يكون صاحب المال المسروق قد أباحه لكل من دخل الحرز وأخذه، أو وقف الجارية الموطوءة على الواطئ، أو إذا حضر يقر بأنه غصب المال والجارية منه أو: من ابنه؛ فلا يجب القطع والحد؛ فصار ذلك شبهة في التأخير، وقالا: ما حكي عن نصه في مسألة الزنى غلط من الناقل، قال الرافعي: وربما أول على أنه لا حاجة إلى حضوره وقت الإقامة. والثانية – قالها أبو إسحاق المروزي -: جعل المسألتين على قولين بالنقل والتخريج؛ لأنه لا معنى لحمل كلام الشافعي – ﵁ – على أنه خطأ في النقل، والفرق بين المسألتين ليس بشيء، [وتعليل قول التأخير قد سبق]، وتعليل مقابله: أنه قد ثبت القطع والحد في الحال فاستوفي، والأصل عدم ما يسقطه. والثالثة – قالها أبو الطيب بن سلمة وأبو حفص بن الوكيل والقاضي أبو حامد الخراساني، وهي التي صححها الرافعي -: تقرير النصين، وفرقوا من أوجه: أحدها: أن القطع أخف حكما من الزنى؛ لأنه يسقط [بالاعتراف] بالإباحة، [بخلاف حد الزنى؛ فإنه لا يسقط بالإباحة]. الثاني: أن السرقة مخالفة للزنى؛ فإن سرقة مال الأب والأم لا توجب القطع، والزنى بجارية أحدهما [يوجب الحد]؛ فدل على الفرق بينهما.

стр. 8547

الثالث: أن القطع يتعلق بحق الآدمي؛ لأنه شرع صيانة للأموال وحفظا لها؛ فاعتبر حضور الآدمي، وحد الزنى لم يشرع صيانة لجواري الناس وحفظا لحريمهم؛ فهو حد محض لله تعالى، فلم يعتبر حضور الآدمي، والصحيح – وإن ثبت الخلاف – في مسألة الكتاب: عدم القطع. قال الرافعي: وقد يرتب الخلاف في هذه الصورة على الخلاف فيما إذا أقر بالسرقة، وتجعل صورة الإقرار أولى بتعجيل القطع؛ لبعد الإقرار عن التهمة. ثم إذا قلنا: لا يقطع، حبس كما قال الإمام إلى حضور الغائب. وفي "الرافعي": أن في حبسه الخلاف السابق عند الإقرار، ثم إذا حضر المالك: فإن ذكر أنه أباحه وما أشبه ذلك سقط القطع، وإن ادعى المال ولم يظهر شبهة، أطلق الغزالي [القول بالقطع]، وعليه ينطبق ما قاله القاضي الحسين وغيره: أنه لا يحتاج عند الحضور والطلب إلى إعادة الشهادة في القطع، وفي المال وجهان: أحدهما: هكذا لا يحتاج إلى إعادة الشهادة لأجله، وهو أصح في "التهذيب" وغيره، وبه جزم في "الوجيز"، [وهو] في "النهاية" مفرع على القول بأن شهادة الحسبة لا تسمع في حقوق الآدميين؛ كما هو المذهب، أما إذا قلنا بسماعها فلا خلاف في السماع هنا، يعني: وعدم الاحتياج إلى الإعادة. والثاني: يحتاج؛ لأنه حق آدمي، والشهادة قبل الاستشهاد لا تسمع في حقوق الآدميين بحال. وهذا منهم يدل على سماع الشهادة بالسرقة من غير استشهاد، بالنسبة إلى ما تضمنته من حق [الله – تعالى – وفي سماعها بالنسبة إلى ما تضمنته من حق] الآدمي إذا قلنا: لا تسمع فيه شهادة الحسية استقلالا – وجهان. وفي ذلك نظر من حيث [إن] الأصحاب اختلفوا في [تصوير مسألة

стр. 8548

الكتاب؛ كما قاله القاضي الحسين، فقال: إن منهم من رأى] تصويرها بما إذا لم يعلم صاحب المال بالسرقة أو عرف بها ولم يعرف السارق، أما إذا عرف الحال فلا تقبل الشهادة حتى يحضر ويدعي هو أو وكيله؛ كسائر الدعاوى؛ وبهذا ينبغي أن يجمع بين قول الشيخ: "ولا يقطع إلا بمطالبة المسروق منه بالمال"، وبين قوله: "وإن قامت البينة عليه من غير مطالبة ... " إلى آخره، فيحمل الأول على ما إذا علم رب المال بصورة الحال، و [الكلام] الثاني: على ما إذا لم يعلم. قال القاضي: ومنهم من أطلق القول بالسماع، وهو الصحيح؛ لتعلق حق الله – تعالى – فيقبل من غير دعوة كالزنى. وتبعه في التصحيح الرافعي، وإذا كان هذا كلامهم في التصوير، فينبغي أن يحمل ما أطلقوه من عدم الاحتياج إلى إعادة الشهادة لأجل القطع على الحالة التي تسمع فيها الشهادة، دون ما إذا قلنا بعدم سماعها عند علم المالك بالحال، ويؤيد ذلك أن الإمام قال: إن معنى رد الشهادة هنا: أنا لا نصغي إليها، ولا نرتب عليها حبسا. ثم أبدى احتمالا لنفسه في الاحتياج إلى إعادة الشهادة بالنسبة إلى القطع مع القول بالسماع ابتداء، على قولنا: إن المال لا يثبت ما لم تعد الشهادة، ووجهه: أن القطع فرع بثبوت المال، وإذا لم يثبت الأصل كيف [يثبت الفرع]؟! والله أعلم. وقد أشار الرافعي إلى اعتراض على الإمام فيما ذكره، فقال بعد حكايته: إن لك أن تقول: العبارة المنطبقة على اختيار الأئمة أصلا وفرعا في المسألة أن يقال: شهادة الحسبة مقبولة فيما يرجع إلى القطع الذي هو حق الله – تعالى – فيقطع من غير إعادة البينة التي قد سمعناها أولا، وإنما انتظرنا لتوقع ما يسقط، فلم [يظهر شيء]، وفي قبولها فيما يتعلق بالمال الخلاف في أن شهادة الحسبة هل تقبل في حقوق الآدميين؟ إن قلنا: نعم، [فلا حاجة إلى إعادة البينة، وإن قلنا:

стр. 8549

لا، فنحتاج إلى الإعادة. وأنت إذا تأملت ما ذكرته] عرفت [أن كلام] الرافعي غير قويم، والله أعلم. فرع: لو سرق مال صبي أو مجنون، فعن ابن كج أنه [قال]: ينظر: [فإن انتظرنا] حضور الغائب واعتبرنا طلبه؛ انتظر بلوغ الصبي وإفاقة المجنون، وإلا قطعناه في الحال. قال: وإذا وجب القطع قطعت يده اليمنى، أي: من مفصل الكوع: أما وجوب قطع اليد فدليله الآية، وقد ورد في الصحيح أنه ﷺ قطع يد السارق. وروى الشافعي بسنده عن أبي هريرة – ﵁ – أن النبي ﷺ قال في السارق: "إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله، ثم إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله". وأما كونها [اليد] اليمنى، فوجهه ما روى النخعي أن ابن مسعود كان يقرأ: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما". قال الماوردي: وهذه القراءة وإن شذت، فهي جارية مجرى خبر الواحد في وجوب العمل به، أو هي على وجه التفسير للأيدي المذكورة في القراءة

стр. 8550

المشهورة؛ كما قاله أبو الطيب، وقد روي أنه ﷺ قال: "إذا سرق [السارق] فاقطعوا يمينه"، وروي أن الخلفاء الأربعة قطعوا يمين السارق. والمعنى فيه: أن البطش بها أقوى؛ فكانت البدأة بها أوزع وأولى، وقد ادعى القاضي أبو الطيب أن المسلمين أجمعوا عليه. واختصاص القطع بالمفصل وجهه ما روى الدراقطني عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله ﷺ أمر بقطع السارق الذي سرق رداء صفوان من المفصل. وذكر أبو أحمد من [حديث] ليث عن مجاهد، عن عبد الله ابن عمر قال: قطع رسول الله ﷺ سارقا [سرق] من المفصل. وادعى الماوردي أنه فعل مجمع عليه. والمعنى فيه: أن البطش بالكف، وما زاد من الذراع تابع؛ ولهذا يجب في الكف دية اليد، وفيما زاد حكومة. ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون له يسرى أو لا يكون، ولا يضاف إلى القطع التعزيز، وعن الفوراني: أنه يعزر مع القطع. وقال مجلي: إن أراد [بتعزيزه تعليق] يده المقطوعة [في عنقه] فحسن، وإن أراد غيره فهو منفرد به، ولم أره لغيره. قال: فإن عاد قطعت رجله اليسرى، أي: من المفصل بعد اندمال اليد، سواء سرق ثانيا ما سرقه أولا أو غيره. ووجه قطع الرجل بعد اليد: الخبر الذي رواه الشافعي – ﵁ -

стр. 8551

وقد روي أن [نجده] المروزي كتب إلى عبد الله بن عمر يسأله: هل قطع رسول الله ? بعد يد السارق يده أو رجله؟ فقال ابن عمر: قطع رجله بعد اليد. ولأنه فعل أبي بكر وعمر – ﵄ – ولا مخالف لهما من الصحابة. ووجه كونها اليسرى: اتفاق من صار إلى قطع الرجل بعد اليد على [أنها اليسرى]؛ كما قاله القاضي أبو الطيب، ولأن في الحرابة تقطع الرجل اليسرى بعد اليد اليمنى، فوجب أن تقطع في السرقة كذلك؛ لأن السرقة مرتين كقطع الطريق مرة؛ لكونها مجاهرة. والمعنى في ذلك خشية استيفاء [منفعة] أحد الجانبين الذي يضعف معه عن الحركة؛ فيكون في معنى ضم عقوبة على عقوبة؛ ولهذا المعنى قطعت الرجل اليسرى دون اليد اليسرى؛ لأنه لو قطعت اليد اليسرى بعد اليمنى لاستوعبت منفعة الجنس، وذلك في معنى زيادة عقوبة. وإنما قطع من مفصل القدم؛ لأن عمر – ﵁ – كان يقطع القدم من مفصلها؛ كما رواه أبو بكر بن المنذر، ولأن البطش بالقدم، وفيه تجب دية الرجل؛ فوجب قطعه كاليد. وعن أبي ثور، أن الواجب قطعها من معقد الشراك. واعتبار اندمال القطع الأول خشية إفضاء التوالي إلى زهوق الروح، وليس هو المقصود، ويخالف الموالاة بينهما في الحرابة؛ لأن قطعهما ثم حد واحد؛ فلا يفرق. قال: فإن عاد قطعت يده اليسرى، فإن عاد قطعت رجله اليمنى؛ للخبر السابق، والاستيعاب هاهنا للضرورة، وقد روي أن "أقطع اليد والرجل نزل من اليمن على أبي بكر – ﵁ – يشتكي إليه عامله أنه قطع يده ورجله

стр. 8552

ظلما، فأنزله وكتب إلى عامله في أمره، وكان ينفق عليه، فافتقد عقدا لعائشة – ﵂ – وكان ذلك الأقطع يدعو على سارقه، وكان يقول: اللهم عليك بمن فعل هذا بأهل [هذا] البيت، فوجد عند صائغ، فقال: دفعه إلى ذلك الأقطع، فاعترف؛ فقطع يده اليسرى". كذا نقله القاضي الحسين. وفي "تعليق" القاضي أبي الطيب: أن المسروق كان لأسماء بنت عميس زوجة أبي بكر، ﵄. قال: وإذا قطع حسم بالنار، وهكذا لفظ البندنيجي والقاضي الحسين في "التعليق"، وحكاه القاضي أبو الطيب عن النص، ووجهه ما روي عبد الرزاق عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان مرسلا، قال: أتي رسول الله ﷺ برجل سرق شملة، فقال: اقطعوا يده، ثم احسموها". وعن معمر عن [ابن] المنكدر: أن النبي ﷺ قطع رجلا، ثم أمر به فحسم، وقال: "تب إلى الله تعالى"، فقال: أتوب إلى الله – تعالى – فقال النبي ﷺ : "إن السارق إذا قطعت يده وقعت [في النار]، فإن عاد تبعها، وإن تاب استشلاها"، قال عبد الرزاق: يقول: استرجعها. ولأن في حسمها صيانة عن التلف؛ فإنه لو ترك لنزف الدم وهلك به. والمراد بالحسم: كي موضع القطع؛ لينقطع الدم، فإن الحسم: القطع، وصفته – كما قاله البندنيجي والقاضي أبو الطيب والحسين وغيرهم من العراقيين -: أن يغلي الزيت أو ما يقوم مقامه، ويغمس محل القطع فيه. وفي "الحاوي": إن كان السارق بدويا حسم بالنار؛ لأنه عادتهم، وإن كان

стр. 8553

حضريا حسم بالزيت المغلي. وفي "الجيلي" نسبة هذا النقل إلى "الكافي"، وهو غلط من الناسخ؛ بل هو كما ذكرت؛ لأن المذكور في "الكافي" الأول. ثم الحسم من تمام الحد حتى يؤاخذ به بغير رضاه، أو هو لأجل نفسه؛ كالمداواة حتى لا يفعل بدون إذنه؟ فيه وجهان حكاهما الماوردي والقاضي الحسين والإمام، وأصحهما في "الرافعي": الثاني. [ومن أثرهما]: أن ثمن الزيت ومؤنة الحسم على من تكون؟ فعلى الصحيح تكون على السارق، وعلى مقابله تكون كمونة الجلاد؛ كما قاله الإمام والرافعي. والمذكور في "الشامل" و"تعليق" البندنيجي وأبي الطيب و"المهذب" و"الكافي": أن ثمن الزيت يكون من بيت المال، فإن لم يفعل الإمام فلا شيء عليه،] ويستحب للمقطوع أن يفعله، فإن لم يفعله فلا شيء عليه [. وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنه إنما يحسم من [مال] بيت المال، فلو لم يكن فيه مال فمن ماله، فإن لم يعط المال تركه ولم يجبر عليه. وأجره القطع، قال في "المهذب" والبندنيجي وأبي الطيب و"الحاوي" هاهنا: إنها تكون في بيت المال. وقد استقصيت الكلام فيها من باب العفو والقصاص، وحكوا هاهنا أن السارق لو قال: أنا أتولى قطع يدي بنفسي، ففي تمكينه [منه] وجهان: أحدهما: لا؛ كما لا [يتولى ذلك في القصاص]. والثاني: بلى، وهو المختار في "المرشد"؛ لأن قطع السرقة موضوع للزجر، وهو حاصل إذا تولاه بنفسه، وقطع القصاص [موضوع للتشفي، والولي أحق به، وهذا يدل على أن القصاص] مجزوم فيه بعدم تمكينه من الاستيفاء، وقد حكيت فيه خلافا. فائدة ذكرها الأصحاب: وهي أن السارق إذا أريد قطع يده أجلس؛ لأنه أمكن.

стр. 8554

وقد نص عليه في "الأم"، ثم يضبط؛ كي لا يضطرب فيتعدى القطع إلى موضع آخر، ثم تخلع كفة حتى يبين المفصل، وذلك بأن يربط فيه حبل ويجر جرا عنيفا حتى تنخلع، ثم يقطع بحديدة ماضية دفعة واحدة. قال الماوردي: ولا يضرب السكين بحجر. وفي "تعليق" البندنيجي: أنه توضع يده على لوح أو غيره، ويوضع السكين على المفصل، ويدق من فوقه بشيء ثقيل دفعة واحدة، أو يمر السكين عليها مرة واحدة. قال الأصحاب: ويستحب أن تعلق في عنقه؛ للتنكيل والتغليظ. وقد روى أبو داود عن فضالة بن عبيد قال: أتي رسول الله ﷺ بسارق فقطعت يده، ثم أمر بها فعلقت في عنقه، وأخرجه النسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن غريب. وفي "النهاية": أن من الأصحاب من رأى تفويض الأمر [في ذلك] إلى رأي الإمام، ومنهم من لم ير التعليق، ولم يصحح الخبر فيه. قلت: لأن في إسناده حجاج بن أرطاة، وقال [النسائي و] غير واحد من الأئمة: إنه ضعيف لا يحتج بحديثه. وعلى الأول فمدة التعليق ساعة؛ كذا قال الشيخ في "المهذب" والقاضي أبو الطيب والبندنيجي، وحكاه القاضي الحسين عن النص، وحكي الإمام أنها تعلق في رقبته ثلاثة أيام، ولا يقطع السارق في حر [شديد]، ولا برد شديد،

стр. 8555

ولا في مرض يرجى برؤه، وهل يقطع في المرض الذي لا يرجى برؤه؟ فيه وجهان في "الحاوي" و"تعليق" القاضي الحسين في كتاب حد الزنى، وفي "زوائد" العمراني، والمذهب منهما في "الرافعي"، وهو المذكور في "التهذيب": أنه يقطع، وإلا ففيه إهمال للحد، وبالقياس على القصاص. وحكي القاضي الحسين في هذا الباب مقابله [عن النص] حيث قال: [قال] الشافعي – ﵁: ولا تقطع يد السارقة إذا كان بها حبل أو كانت مريضة، والسارق إذا كان مريضا دنفا. ولأجل هذا قال مجلي: المذهب: أنه لا يقطع. وهو الذي قال القاضي الحسين في كتاب [حد] الزنى إنه الأظهر. وقاسه الماوردي على حد الجلد [في الزنى والقذف. وكما لا تقطع الحامل في حال الحبل لا تقطع] في زمن النفاس؛ لأنها في هاتين الحالتين ضعيفة، فإذا انضم إلى ضعفها ألم القطع خشي عليها التلف، قاله أبو الطيب وغيره. قال: فإن عاد بعد قطع اليدين والرجلين وسرق عزر؛ لأن قطع ذلك ثبت بالكتاب والسنة، ولم يذكر بعده شيئا آخر، فلو كان لذكر، والسرقة معصية؛ فتعين فيها التعزيز. قال في "الكافي": ويحبس حتى يموت. وفي "الجيلي": حتى تظهر توبته. وفي "تعليق" القاضي الحسين و"النهاية": أنه [قد] حكي قول قديم: أنه يقتل، وقد يحتج له بما روى أبو داود عن جابر بن عبد الله أنه قال: جيء بسارق إلى النبي ﷺ ، [فقال: "اقتلوه"]، فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق. فقال: "اقطعوه"، [قال: فقطع]، ثم جيء به الثانية، فقال: "اقتلوه"، فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق، فقال: "اقطعوه" [قال: فقطع، ثم جيء به الثالثة فقال: "اقتلوه، فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق، فقال: "اقطعوه"]، ثم أتي به الرابعة،

стр. 8556

فقال: "اقتلوه"، فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق، فقال: ["اقطعوه"، فأتي به الخامسة، فقال:] " اقتلوه. قال جابر: فانطلقنا به فقتلناه، ثم اجتررناه فألقيناه في بئر، ورمينا عليه الحجارة. وأخرجه النسائي. والصحيح الأول؛ لأن هذا الحديث قال النسائي: إنه منكر، وفيه مصعب بن ثابت، وقد ضعفه غير واحد من الأئمة. وروى الزهري أن القتل منسوخ؛ لأنه رفع إليه في الخامسة، فلم يقتله، وكذلك قال الشافعي – ﵁: إنه منسوخ، وإن هذا مما لا اختلاف فيه عند أحد من أهل العلم، ولأن كل معصية أوجبت حدا لم يكن تكرارها موجبا للقتل؛ كالزنى والقذف. قال: ومن سرق ولا يمين له أو كانت وهي شلاء، أي: وقال أهل الخبرة: إنها إذا قطعت [لم] تنسد عروقها – قطعت رجله [اليسرى]؛ قياسا على المرة الثانية، أما إذا قال أهل الخبرة: إن عروقها تنسد قطعت. قاله في "المهذب" والماوردي وغيرهما. قال الإمام: وفيه احتمال؛ لأنه لا منفعة فيها؛ فأشبهت الكف الباقية [بلا أصابع] على ما سنذكره. [ثم] قال: والظاهر الأول؛ فإن [من] قطعت يده السليمة وكانت يد القطاع شلاء، فاكتفى بها مستحق القصاص – وقعت موفع الإجزاء، فإذا لم يبعد اكتفاء [مستحق القصاص بالشلاء لم يبعد اكتفاء الشرع بها في السرقة]. قال: وإن كانت له يمين بلا أصابع قطع الكف؛ لأنه بقي ما يمكن قطعه في السرقة، فلم يعدل إلى ما بعده كما لو بقي على الكف أنملة. وهذا ما اختاره

стр. 8557

الشيخ أبو حامد وجماعة، ومنهم صاحب "المرشد"، وقد رواه الحارث بن سريج النقال عن الشافعي – ﵁ – وبه جزم ابن الصباغ في باب قاطع الطريق. وقيل: تقطع رجله اليسرى؛ لأن المنفعة المقصودة قد ذهبت من اليد؛ ولهذا لا تضمن بالأرش المقدر، فصار كما لو يبق فيها شيء، وهذا ما ادعى القاضي الحسين أنه المذهب، وحكاه القاضي أبو حامد – أيضا – عن النص، واختاره وحكي عنه أنه حكى [مثله وجها فيما] إذا كانت يمناه مقطوعة الإبهام. ويجري الخلاف المذكور في الكتاب فيما إذا كان بعض الكف قد ذهب، ومحل القطع باقيا، كما حكاه البندنيجي وغيره. فرع: اليد المشتملة على أصبع زائدة تقطع، وكذا الكفان على معصم واحد يقطعان إذا لم يتميز الأصلي منهما من الزائد، بخلاف ما إذا تميز؛ فإنه يقطع الأصلي خاصة، ويخالف هذا القصاص؛ لأنه مأخوذ من المساواة، فمنع [من] الزيادة، والقطع في السرقة القصد منه التنكيل والزجر دون المساواة، وهذا ما أورده الإمام والقاضي الحسين. قال الرافعي: ويوافقه [في] مسألة الكفين [ما] في "فتاوى" القفال: أن الكفين الباطشتين تقطعان جميعا؛ لأنهما معا [في حكم يد واحدة؛ ألا ترى أنه لا يفرد كل واحد [منهما] بدية، لكن في "التهذيب": أنه يقطع] أحدهما، فإن سرق ثانيا يقطع الآخر، ولا يقطعان بسرقة واحدة، بخلاف [الأصبع الزائدة]؛ لأنها لا يقع عليها اسم اليد، وحكي وجه آخر: أن [الأصبع الزائدة] تمنع

стр. 8558

القطع؛ كما في القصاص، وعلى هذا يكون كمن لا يمين له. قال: ومن سرق وله يمين فلم تقطع حتى ذهبت، [أي]: بآفة سماوية أو في قصاص أو غيره، سقط القطع؛ لأنها لما سرق عند وجودها صارت مستحقة القطع، فلما زالت فات المستحق ولم يرجع إلى غيره؛ كما لو جنى عبد فتعلق الأرش برقبته ثم مات. قال الماوردي: وإذا كان ذهابها بجناية تستحق بها قودا ودية كان للسارق أن يقتص بها من الجاني، ويأخذ ديتها، وهو أحق بالدية، ولا تؤخذ منه الدية بدلا عن قطعها في السرقة؛ لأن المستحق في السرقة: القطع دون الدية، وقد فات. فإن قلت: قد حكيتم عن البغوي وغيره أن آحاد الرعية إذا قطع اليد في السرقة لم يجب عليه إلا التعزيز، فكيف ينتظم القول بذلك مع إيجاب القصاص أو الدية عليه؟ قلت: يجوز أن يجعل اختلاف النقلين وجهين في المسألة، وتكون مادتمها ما أشار إليه الرافعي من تخريج ذلك على قتل الزاني المحصن، ويجوز أن يجمع بين النقلين من غير خلاف: بأن يحمل ما قاله الماوردي على ما إذا لم يقصد القاطع استيفاء الحد، بل قصد الجناية، وما قاله غيره على ما إذا [لم] يقصد الجناية. ويرشد إليه ما سنذكره عن الماوردي فيما إذا قتل قاطع الطريق مرتدا، ويستأنس لذلك بأن الإمام إذا قتل عبدا اشتراه مرتدا في يد البائع قبل القبض بأن قصد قتله عن الردة وقع عنها، وانفسخ البيع، وإن لم يقصد ذلك جعل قابضا للمبيع، واستقر عليه الثمن؛ كما حكاه الرافعي قبيل باب الديات عن "فتاوى" صاحب "التهذيب"، لكن مساق هذا أن يقال: إذا قتل شخص زانيا محصنا وهو يجهل حاله، ثم ثبت بعد ذلك زناه بالبينة – أن يقتل به، وقد صرح الأصحاب بأن لا ضمان على الصحيح، عند الكلام فيما إذا شهد ستة بالزنى، ثم رجع اثنان.

стр. 8559

ولو قيل: يحمل ما أطلقه الماوردي هنا على ما إذا كان القاطع [ذميا والسارق مسلما، ويحمل ما قاله البغوي وغيره على ما إذا كان القاطع] مسلما – لم يبعد، كما قلنا بمثل ذلك في قتل الزاني المحصن، والله أعلم. وحكم اليد إذا شلت وتعذر قطعها بعد الوجوب، حكم سقوطها، قاله القاضي الحسين، وقد حكي الإمام عن بعض التصانيف – وعنى "الإبانة" – وجها: أنه ينتقل إلى الرجل اليسرى عند سقوط اليمين بعد السرقة، وقال: إنه غلط. واتبعه الغزالي في ذلك، ولم يحك في "الإبانة" سواه. فرع: لو وجب قطع اليمين، فلم تقطع حتى سقطت اليسرى بأكلة – لم يسقط قطع اليمين، وعن أبي إسحاق: أنه يسقط [قطع اليمين] في أحد القولين؛ كما لو قطع الجلاد يساره غلطا. قال الأصحاب: وهو غلط؛ لأنه خلاف النص، وليس كتيك؛ لأن الجلاد ثم قطع اليسار لأجل السرقة، وإذا ذهبت بمرض لم يأخذ بدلا. قال: وإن وجب قطع اليمين، فقطع اليسار [عمدا]- قطعت يمينه، أي: حدا؛ لأنها التي وجب قطعها [وهي باقية]؛ فلم يجز غيرها كما في القصاص. قال: وأقيد من القاطع من يساره؛ [لأنه قطع يساره] عمدا بلا شبهة. قال: وإن قطع سهوا [، أي:] بأن قال: ظننت أنها اليمين، أو أن اليسار تجزئ عن اليمين. قال: غرم الدية، أي: بعد حلفه على ما ادعاه إن كذبه السارق؛ لأن ما يقوله محتمل، فكان شبهة في درء القصاص، ووجبت الدية؛ لقطعه عضوا معصوما. قال: وفي يمين السارق قولان: أحدهما: تقطع؛ لما ذكرناه. والثاني: لا تقطع؛ لأنها لو قطعت لأدى [إلى قطع] يديه لأجل سرقة

стр. 8560

واحدة، ولأن اليسار تقوم مقام اليمين عند عدمها وعدم الرجل؛ فكذلك هاهنا، وهذه طريقة الشيخ أبي حامد التي أوردها البندنيجي. قال ابن الصباغ: إنها لا تستمر إلا أن يكون قطع الإمام صدر من غير بدل من جهة السارق، فإن بدلها يسقط القصاص كما ذكرنا من قبل. وهذا ما أورده الرافعي، وكلام الشيخ لا يأباه. وكلام القاضي الحسين يقتضي إثبات قولي السقوط وعدمه في الحالين؛ لأنه قال: نص الشافعي – ﵁ – في "الأم": على أن الجلاد إذا قال [له:] أخرج يمينك، فأخرج يساره، فقطعها – [على] سقوط قطع السرقة. وحكي الحارث بن سريج البقال أو النقال – كما قال الإمام -: أنه إن علم الجلاد أنها اليسار، وتعمد قطعها فعليه القصاص، وقطع السرقة باق بحاله، [وإن قال: دهشت، فعليه الدية، وقطع السرقة باق بحاله]؛ فحصل قولان: أحدهما: لا يسقط قطع السرقة؛ كما في القصاص. والثاني: يسقط كما نص عليه في "الأم"، والفرق: أن المقصود من القود التساوي، واليسار لا تكافئ اليمين، والقصد في السرقة الزجر والتنكيل، وقد حصل. وتبعه الإمام في أول الكلام، ثم قال: ولعل ما ذكرناه إذا ظن السارق أنها اليمين لدهشة أصابته، أو ظن أن اليسار تجزئ عن اليمين، [فأخذها]، وحينئذ فيكون [كلامه] منطبقا على ما حكاه ابن الصباغ عن القاضي أبي الطيب؛ فإنه حكي عنه في هذه الصورة وجهين في الإجزاء، ورأيتهما في "التعليق" له، وقال: [إن] الثاني هو المنصوص. وتبعه في ذلك المصنف، وصحح القاضي الثاني، وكذلك صاحب "الكافي" و"المرشد" و"الرافعي"، ثم قال الرافعي: إنا على مقابله ننظر: فإن كان القاطع عالما بالحال وتعمد القطع وجب

стр. 8561

عليه القصاص، وإلا فالدية، وهو كذلك في "المهذب"، وقد أحال الإمام [في آخر الأمر] الكلام في هذه المسألة على نظيرها في القصاص؛ فليطلب منه [ثم]، والله أعلم. * * *

стр. 8562

باب حد قاطع الطريق قاطع الطريق سمي بهذا الاسم؛ لأنه يمنع الناس المرور للخوف منه، وجمعه: قطاع [وقطع]؛ كغائب وغيب، وحائض وحيض. والأصل في إثبات هذا الحد قوله - تعالى -: ﴿انما جزؤا الذين يحاربون الله ورسوله﴾ الآية [المائده: ٣٣]؛ فإنها نزلت - كما قال ابن عباس، وعامة الفقهاء - في قطاع الطريق من المسلمين، على ما حكاه ابن الصباغ وصاحب "الكافي". وقد قيل: إنها نزلت في المرتدين من العرنيين حين ارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الرعاه، واستاقوا إبل المسلمين، فأنفذ ﷺ من جاء بهم، وقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم -[وقيل: سمر أعينهم -] وألقاهم بالحرة حتى ماتوا، وهذا قول أنس بن مالك. قال القاضي الحسين: ونزلت ناسخة للمثلة. والسمل: أن تفقأ العين بشوكة أو حديدة، والسمر: كحلها بمسامير محماة. قال القاضي أبو الطيب: وفعله [النبي] ﷺ بهم؛ لأنهم كانوا قد فعلوه بالرعاة؛ كما [حكاه أبو بكر] بن المنذر. وقيل: إنه كان مشروعًا في قطاع الطريق، ثم نسخ بالنهي عن المثلة. وقيل: إنه ﷺ فعله باجتهاده ثم نهي عنه. وقيل: [إنه] أراد ذلك ولم يفعله، وهذا قول السدي [كما] حكاه أبو الطيب.

стр. 8563

وقيل: إنها نزلت في قوم من أهل العهد نقضوا العهد وأخافوا السبيل، وتعلق هذا القائل بأن محاربة الله ورسوله إنما تكون من الكفار. قال الماوردي: وهذا قول ابن عباس. وقد روى أبو داود عنه أنه قال: إنها نزلت في المشركين. لكن في رجاله الحسين بن واقد، وفيه مقال. وطريق الجمع بين ما نقله ابن الصباغ عنه [و [بين ما نقله] الماوردي – أن: عنه] في ذلك روايتين؛ كما حكاهما القاضي الحسين، وقال: إن الأصح: الأولى، ودليلنا عليها قوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم﴾ [المائدة: ٣٤]، ولو كان المراد الكفار لكانت التوبة تسقط عنهم القتل قبل القدرة وبعدها، والمحاربة قد تكون من المسلمين، قال الله تعالى في حق المربين: ﴿فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾ [البقرة: ٢٧٩]، وسماهم: محاربين؛ لتفاحش جنايتهم وعظم جرمهم. قال ﷺ : "من آذى لي وليا [من أوليائي] فقد بارزني بالمحاربة"؛ كذا ذكره القاضي الحسين. قال: من شهر السلاح وأخاف السبيل، أي: من رجل أو امرأة في مصر أو غيره، وجب على الإمام طلبه، [أي:] سواء أخذ شيئا وقتل، أو لا؛ لأنه إذا ترك قويت شوكته، وكثر الفساد به في قتل النفوس وأخذ الأموال.

стр. 8564

والسبيل: الطريق، والمصر: البلد الكبير، وجمعه: أمصار. والمراد بغير المصر: القرى والبوادي، وإخافة السبيل إنما تحصل كما قال الأصحاب بأن يكون للقطاع شوكة يقدموا معها على المجاهرة بالقتال للقتل وأخذ المال، وأكثر ما يقع ذلك في البوادي والمواضع البعيدة عن العمران، فيرتصدون في المكامن الدقاق، فإذا وافوهم برزوا قاصدين الأموال غير مبالين بالأنفس، وقد يتفق ذلك في البلاد لضعف السلطان، أو بعده بحيث لا يلحق من فيها غوثه لو استغاث، ومن صورة: إذا خرج أهل [أحد] طرفي البلد على أهل الطرف الآخر؛ بحيث لا يلحقهم غوث لو استغاثوا، فلو كان يلحقهم فالخارجون منتبهون لا قطاع، قاله الرافعي، وهذا الحكم إذا كانوا بين قريتين يمكن لحوق الغوث من إحداهما؛ كما قاله القاضي الحسين. وفي "الحاوي": أنه [إن] اتفق شهر السلاح في وسط المدن الكبار الذين لا يقاومون جميع أهلها، وأخذ بسبب ذلك المال، ففي جريان الحكم عليهم وجهان: أحدهما – وهو قول أكثر أصحابنا -: أنهم قطاع؛ لأنهم تغلبوا بالسلاح [جهارا] فألحق ذلك بالصحراء؛ لأن حد المحاربة: أن لا يقدر على دفع المحارب، وهو موجود. والثاني – وهو [الأقيس، واختيار] الشيخ أبي حامد -: أنه لا يجري عليهم حكم الحرابة؛ لوجود الغوث فيه؛ فسقط حكم نادره، وهذا ما أورده القاضي الحسين. ويقرب من هذه الصورة: ما لو دخل جماعة دارا بالليل بالمشاعل شاهرين [السلاح] مكاثرين، ومنعوا أصحابها من الاستغاثة في قوة السلطان وحضوره فيهم، فأظهر الوجهين: أنهم قطاع، وبه قال القفال، وهو المذكور في "التهذيب"؛ لأن المنع [من] الاستغاثة كالبعد عن محل الغوث [في التعلق] واعتماد

стр. 8565

القوة، ومقابله: أنهم سراق؛ لأنهم يبادرون خوفا من الشعور بهم، ثم إنهم يعتمدون البوادي [خوفا]؛ لأن [الطلب] يلحقهم. قال الغزالي: ولا يبعد جعلهم مختلسين؛ لمجاهرتهم بفعلهم. قال الرافعي: وهذا ما يشعر به كلام الروياني وغيره، وقد صرح به البندنيجي فيما إذا كان دخولهم بالنهار، ومنعوا المدخول عليهم من الاستغاثة، وكانوا لو استغاثوا للحقهم الغوث. ويقوم مقام الشوكة عند القاضي الحسين والأصحاب – كما حكاه الإمام عنهم – فضل القوة إذا خرج [واحد أو] شرذمة قليلة، وفيهم قوة على جماعة لم يكثر عددهم كانوا قطاعا، [وقد] حكاه البندنيجي فيما إذا خرج الواحد، وقهر أهل قرية واستولى عليها. ويقرب منه – [كما] قال الرافعي – ما أورده ابن كج: أنه إذا أقام خمسة أو عشرة في كهف أو على ساحل جبل، فإن قرب منهم قوم لهم شوكة لم يتعرضوا لهم، وإن مر [بهم] قوم قليلو العدد قصدوهم بالقتل وأخذ المال؛ فحكمهم حكم قطاع الطريق في حق الطائفة اليسيرة، وإن تعرضوا للأقوياء واستلبوا شيئا فهم مختلسون. وعن المسعودي: أنه لو اجتمع جماعة قليلون في المواضع المنقطعة، فأخذوا المال وقتلوا، أو خرج واحد أو اثنان آخر القافلة، [واستلبوا] شيئا، أو اعترضوهم بغير سلاح – لم يكن حكمهم حكم القطاع. ورأى الإمام: أن يفصل القول في الرفقة اليسيرة والواحد والاثنين، فقال: إن كان خروجهم في مثل ذلك الطريق] يعد [تضييعا وتغريرا بالنفس والمال، فالمتعرضون لهم لا يجعلون قطاعا، وينزل خروجهم – والحالة هذه – كترك

стр. 8566

المال في موضع لا يعد حرزا في باب السرقة. وأقام ما رآه وجها. قلت: وما قاله الإمام هو الذي اقتضاه كلام الأصحاب، وإن لم يصرحوا به؛ لأنهم قالوا: لا بد في [قطع] قاطع الطريق من أن يأخذ المال من حرز على الأصح، وبه جزم أكثرهم، وقالوا: اللحاظ حرز في الصحراء في باب السرقة إذا [كان الملاحظ] يقدر على المنع لو اطلع على السارق، فلو كان ضعيفا، والموضع بعيد عن الغوث – فهو ضائع من المال. ولو كانت الرفقة عددا يتأتى منهم دفع القاصدين ومقاومتهم فاستسلموا حتى قتلوا وأخذت أموالهم – فالقاصدون ليسوا بقطاع؛ لأن ما فعلوه لم يصدر عن شوكتهم وقوتهم، بل الرفقة ضيعوا. قال الرافعي: ويجوز أن يقال: ليست الشوكة بمجرد العدد [والعدد]، بل يحتاج مع ذلك إلى اتفاق كلمة وواحد مطاع، وعزيمة على القتال واستعمال السلاح، والقاصدون للرفاق هكذا يكونون في الغالب، والرفقة في الغالب لا يجتمع لهم كلمة، ولا يضبطهم مطاع، ولا يكون لهم عزيمة على القتال، وخلوهم عن هذه الأمور ينجر بهم إلى التخاذل، لا قصدا منهم؛ فما ينبغي أن يجعلوا مضيعين، ولا أن يخرج القاصدون لهم عن كونهم قطاعا. ويستوي في السلاح: الدبوس والسيف والقوس والعصا، قال البندنيجي: وكذا الحجارة. وحكي القاضي الحسين والإمام: أن القاطع إذا كان له فضل قوة كفى اللكم واللطم باليد. واعلم أن الشيخ أراد بذكر المصر التنبيه على مذهب الخصم، وهو [الإمام] مالك – ﵁ – فإنه لا يرى الخارجين [فيه، ولا يقر به ما لم ينتهوا لى ثلاث مراحل قطاعا، وأبو حنيفة – أيضا – لا يرى الخارجين في] المصر قطاعا، والشافعي – ﵁ – يقول: أراهم في المصر إن لم يكونوا أعظم

стр. 8567

ذنبا فجنايتهم واحدة. وأراد أن جناياتهم في المصر أشنع؛ فلا أقل [من أن] تكون مساوية لما في الصحراء. قال: فإن وقع قبل أن يأخذ المال ويقتل عزر؛ لأنه تعرض للدخول في معصية عظيمة فعزر، كما لو تعرض للزنى بالقبلة والملامسة، والسرقة بالنقب. ولا فرق في ذلك بين أن يأخذ أحد من رفقته نصابا ويقتل أو لا، وإن كان ردءا له – كما ذكرنا في السرقة – أنه لا يقطع من لم يأخذ، وإن أخذ رفيقه كان هو رداء له؛ لأنه حد وجب بارتكاب معصية؛ فلا يجب على المعين [دون المباشر] كحد الزنى والقذف، وجنس هذا التعزيز وقدره موكول إلى رأي الإمام عند الجمهور كغيره من التعزيرات. قال ابن الصباغ حكاية عن ابن سريج: وإذا أراد حبسه فالأولى أن يكون في غير بلده؛ ليكون أزجر له وأوحش عليه، وانتهاؤه غير مقدر أيضا، بل يحبس مدة يحصل بها الردع والزجر. وفي "الحاوي": أنه هل يتعين الحبس في هذا التعزير؟ فيه وجهان. فإن قلنا: لا يتعين، جاز للإمام تركه إذا رأى المصلحة فيه. وإن قلنا: يتعين، فلا يجوز تركه [إلا أن تظهر توبته؛ لأنه واجب بسبب قطع الطريق؛ فلم يجز تركه] كالقطع. ثم في أي موضع يحبس؟ فيه وجهان: أحدهما: في بلده. والثاني – وهو قول ابن سريج -: في غير بلده؛ لأن النفي في الحرابة منصوص عليه، وهو زيادة في حد الزنى؛ لما فيه من ذل الغربة والبعد عن الأهل والوطن، وهل تتقدر مدته؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، ويعتبر فيه الإنابة وظهور التوبة. والثاني: تتقدر؛ لأنه قد أقيم في الحرابة مقام الحد، وعلى هذا ففي قدر المدة وجهان:

стр. 8568

أحدهما – وهو قول أبي عبد الله الزبيري -: أنه مقدر بستة أشهر؛ كي لا يزيد على تغريب الزنى في حق العبد. والثاني – وهو الظاهر من قول ابن سريج -: أنه مقدر بسنة. وحكي في "الذخائر" وجها: أنه يعزر] بضرب ثمانين. وسيظهر لك مما سنذكره في باب التعزير أنه يعزر [بما دون المائة، وإن زاد على ثمانين، وطريقة الإمام حكاية وجهين في جنس التعزير: وأصحهما: ما حكيناه عن الجمهور. والثاني: أنه يغربه وينفيه إلى حيث يراه، وليختر جهة يحتف بهم فيها أهل النجدة والناس؛ حتى لا يتأتى منهم الترصد للناس والعود إلى ما كانوا عليه، وإذا عين صوبا منعه من أن يعدل عنه ويسير حيث شاء. وعلى هذا، فهل يعزره في البلد المنفي إليها بضرب وحبس وغيرهما، [أم يكتفي] [بالنفي؟] فيه وجهان. قال: وإن أخذ نصابا لا شبهة له فيه، وهو ممن يقطع في السرقة قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى. قد تقدم الدليل على أن قوله تعالى: ﴿إنما جزاؤ الذين يحاربون الله ورسوله﴾ [المائدة: ٣٣] نزلت في قطاع الطريق، وهي وإن اقتضى ظاهرها التخيير، فالمراد بها عندنا: الترتيب، كما سنذكره، ووجهه ما روى الشافعي – ﵁ – عن ابن عباس – ﵄ – أنه قال في قطاع الطريق: إذا قتلوا [ولم يأخذوا المال، قتلوا، وإن أخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا أخذوا] المال ولم يقتلوا – قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، ونفيهم إذا هربوا: أن يطلبوا حتى يؤخذوا فيقام عليهم الحد. وقد روي مثل ذلك عن قتادة وأبي مخلد. قال الأصحاب: وقول ابن عباس [إما أن يكون توقيفا أو لغة، وأيما كان وجب المصير إليه.

стр. 8569

وقد روى أبو داود في "سننه" – كما قال الماوردي – عن ابن عباس أنه قال]: وادع رسول الله ﷺ أبا بردة الأسلمي، فجاء ناس يريدون الإسلام، فقطع عليهم أصحابه، فنزل جبريل بالحد فيهم: أن من قتل وأخذ المال قتل وصلب، ومن قتل ولم يأخذ المال قتل، ومن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف. قال: وهذا بمنزلة المسند عن رسول الله ﷺ ؛ لأن ما نزل به جبريل – ﵇ – لا يعلم إلا منه ﷺ . ومن جهة المعنى: أنه ساوى السارق في أخذ النصاب على وجه لا يمكن الاحتراز منه، فساواه في قطع اليد اليمنى، وزاد عليه بإخافة السبيل شهر السلاح، فغلظ [عليه] بقطع الرجل، وقد روي ما يدل على هذا المعنى، روي ابن لهيعة عن يزيد بن [أبي] حبيب: أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس بن مالك يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه [أنس] يخبره أن هذه الآية نزلت في العرنيين، فسأل رسول الله ﷺ جبريل عن القصاص [فيمن حارب]، فقال: "من سرق وأخاف السبيل فاقطع يده لسرقته، ورجله لإخافته، ومن قتل فاقتله، ومن قتل وأخاف السبيل واستحل الفرج الحرام فاصلبه"، ولا تنافي بين ذلك وبين الآية؛ لأن كلمة "أو" قد وردت في الكتاب العزيز للترتيب، قال الله تعالى: ﴿وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون﴾ [الصافات: ١٤٧] [معناه: ويزيدون]. والمحوج إلى ذلك – مع ما ذكرناه -: أن اختلاف العقوبات يوجب اختلاف أسبابها في الغلظ والخفة، والتخيير مفض إلى أن يعاقب من قل جرمه بأغلظ العقوبات، ومن كثر جرمه بأخفها، وهو ضد ما ذكرناه، والترتيب يمنع من هذا التناقض، ويستأنس له بأن الله – تعالى – بدأ بالأغلظ؛ فوجب أن يكون على الترتيب؛ لأنه عرف القرآن، دليله كفارة القتل والظهار، ولو كان المراد التخيير لبدأ

стр. 8570

فيها بالأخف مثل كفارة اليمين، والله أعلم. ثم لا فرق [فيما ذكرناه] بين أن يكون النصاب [المأخوذ] لواحد أو لجماعة الرفقة إذا كان في حرز واحد، كما لا فرق بين أن يكون لواحد [أو جماعة] في السرقة. تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي أمورا: أحدها: عدم اعتبار الحرز حيث اعتبر النصاب، وانتفاء الشبهة [في] الآخذ، وكونه ممن يقطع في السرقة، وسكت عن ذكر الحرز، وهو وجه حكاه الماوردي عند انفراد الآخذ عن القتل، ووجهه بأن الإحراز لا يؤثر مع القاهر الغالب، ووجهه القاضي الحسين بأنه في قطع الطريق تفاحشت جنايته فغلظ عليه. والمشهور – وبه جزم البندنيجي وأبو الطيب وابن الصباغ والمصنف في "المهذب"-: اعتباره حتى لو أخذ مال من انفرد عن القافلة، أو أخذ من الجمال المقطرة، وقد ترك صاحبها تعهدها، ونحو ذلك – لا قطع عليه؛ لأنه قطع يتعلق بأخذ المال، فشرط فيه الحرز كقطع السرقة. الثاني: أن الآخذ إذا كان له في المال شبهة لا يقطع. وفي "تعليق" القاضي الحسين أن الابن إذا أخذ مال أبيه هل تقطع يده ورجله؟ فعلى قولين: أحدهما: يرعى [فيه معنى السرقة فلا يقطع، والآخر يقطع؛ لأنه محض حق الله تعالى، وهذا] الخلاف له التفات على ما إذا قتل من لا يقاد به في المحاربة. الثالث: أن الذمي يقطع في المحاربة؛ لأنه يقطع في السرقة، وكذا المعاهد على أحد القولين. وقد صرح الأصحاب بعدم قطعهما، وهو خارج – أيضا – من كلام الشيخ؛ لأن الذمي والمعاهد بالحرابة انتقض عهده وصار من أهل الحرب، والحربي لا يقطع في السرقة، فلا يقطع هاهنا، وحينئذ فيكون المراد بمن يقطع في السرقة المسلم أو المرتد البالغ العاقل المختار، رجلا كان أو امرأة.

стр. 8571

فروع: لو كان قاطع الطريق فقيد اليد اليمنى والرجل اليسرى، قطعت يده اليسرى ورجله اليمنى، ولو كان فقيد [اليد] اليمنى [أو الرجل] اليسرى اكتفي بقطع الموجود؛ كما يكتفي بقطع اليد الناقصة في السرقة، وهذا ما حكاه العراقيون. وقال الإمام: إنه لم يره منصوصا [عليه في طرق المراوزة، ولكنه الذي يقتضيه القياس. وفي "الحاوي" نسبته] إلى الشيخ أبي حامد، وحكي وجها آخر – وقال: إنه عنده أشبه – أن يكون الموجود تبعا للمفقود، ويعدل إلى يده اليسرى ورجله اليمنى؛ لأن قطع كل طرف [منهما مقصود في نفسه، وليس أحدهما في أصل الخلقة من الآخر، بخلاف الأصابع التي هي من خلقة] الكف؛ فافترقا. وقال الإمام: قد يخطر للفقيه أنا إذا وجدنا اليد اليمنى ولم نجد الرجل، أنا نعدل إلى اليد اليسرى بدلا عن الرجل اليسرى؛ فإنا لو لم نجد الرجل اليسرى واليد اليمنى لقطعنا اليد اليسرى والرجل اليمنى. وهذا لا تعويل عليه، ولا وجه إلا ما ذكره العراقيون. ولو عاد بعد قطع اليد والرجل يقطع الطريق، قطعت يده اليسرى ورجله اليمنى. ولو قطع الإمام ذلك ابتداء، قال الماوردي: فقد أساء، ولم يضمن، ووقع ذلك موقع الإجزاء، ويخالف ما لو قطع يده اليمنى ورجله اليمنى؛ فإنه يجب عليه القصاص إن كان عالما، والدية إن كان جاهلا، ولا يجزئ عن قطع الرجل اليسرى؛ لأن الله – تعالى – نص على قطعهما من خلاف؛ فأوجبت مخالفة النص الضمان، وتقديم اليمنى على اليسرى] في الحرابة اجتهاد؛ فسقط] بمخالفته الضمان.

стр. 8572

واعلم أن ما قطع [هنا] أولا من اليد أو الرجل لا يتوقف قطع العضو الآخر على برئه ولا على حسمه بالنار؛ لأنه حد واحد. نعم، لو خاف على نفسه من القطع الأول إن لم يحسم قبل القطع الثاني فيحسم الأول ثم يقطع الثاني. والحسم هل هو حق لله تعالى أو للمقطوع؟ فيه الخلاف السابق في السرقة، صرح به الماوردي [والقاضي الحسين]. قال: وإن أخذ دون النصاب [لم يقطع]؛ لأنه قطع يجب بأخذ المال، فاعتبر فيه النصاب كما في السرقة، وهذا ما نص عليه في "المختصر". فعلى هذا يعزر تعزيز من لم يأخذ كما تقدم. وقيل: فيه قول مخرج: أنه يقطع، أي: مما إذا قتل في المحاربة من لا يكافئه، وهذا قول ابن خيران. قال ابن الصباغ وأيده بأن قال: الحرز غير معتبر في هذا القطع؛ فكذلك النصاب. قال الماوردي: ووجدت لابن أبي هريرة كلاما يدل عليه – أيضا – وأنه يقطع في قليله وكثيره، كما كان [الاستخفاء بأخذه غير معتبر في الحرابة، وإن كان] معتبرا في السرقة. قال: وليس بشيء؛ لقوله ﷺ : "القطع في ربع دينار فصاعدا"، ولم يفصل. وأما الحرز فهو معتبر على الصحيح كما ذكرنا، والفرق بين ما نحن فيه والكفارة من وجهين، كما حكاهما مجلي عن الشيخ أبي حامد: أحدهما: أن القطع المستحق في السرقة والمحاربة جميعا لله – تعالى – فلا يختلف المستحق به، كالزنى لما كان حده لله – تعالى – لم يختلف الأمر فيه بين أن يزني بحرة أو أمة، وفي القتل: المستحق في [المحاربة الله تعالى والولي، وفي] غير المحاربة: الولي؛ فجاز أن يختلف المستحق به كما اختلف المستحق.

стр. 8573

والثاني: [أن النصاب [هو الأصل في الموضعين في وجوب القطع، فإذا لم يوجد النصاب] سقط القطع، وليس كذلك القود؛ لأن الأصل في وجوبه هو القتل، والذي عدم صفة من صفات المقتول؛ فجاز أن يثبت حكم الأصل، وإن كان الوصف معدوما]. وقد وافق الشيخ على تضعيف قول ابن خيران الجمهور. وقال الماوردي عندي أن النصاب في المال معتبر إن انفراد المحارب بأخذه ولم يقتل، [ولا يعتبر] إذا اقترن بأخذه القتل؛ لأن القطع في الحالة الأولى مقصود، وهو مغلظ بقطع الرجل، فلا يغلظ بإسقاط النصاب، وفي حالة اقتران القتل بالأخذ المال تبع، [ولا تغليظ في] القتل؛ فغلظ بإسقاط النصاب. والنصاب هاهنا: ربع دينار، [أو ما قيمته ربع دينار؛] كما في السرقة، ولا يزاد لأجل قطع الرجل، والقيمة تعتبر في زمان الأخذ ومكانه إن كان موضعا جرت العادة فيه ببيع وشراء، ويوجد فيه من يبيع ويشتري، وإن كان لا يوجد ذلك اعتبرت قيمته [في أقرب] المواضع التي يوجد فيها بيع ذلك وشراؤه، ولا يعتبر قيمة ذلك عند استسلام الناس لأخذ أموالهم بالقهر والغلبة. قال الماوردي: وهذه صفة القيمة في اعتبار النصاب في هدم المستهلك. قال: فإن قتل – أي: عمدا عدوانا – من يكافئه؛ لأجل أخذ المال؛ كما قاله البندتيجي – انحتم قتله، لما ذكرناه من الآية مع قول ابن عباس وغيره، ووجه انحتام القتل بالتغليظ عليه؛ لأن كل جرم أوجب عقوبة في غير المحاربة اقتضى تغليظها في المحاربة؛ كأخذ المال. ومنهم من تمسك بقوله تعالى: ﴿أن يقتلوا﴾ [المائدة: ٣٣]، قال: وظاهره

стр. 8574

الإيجاب؛ لأنه أمر مقيد بشرط. وحكم الجرح [في المحاربة] والموت به بعد أيام قبل الظفر والتوبة، حكم القتل صبرا، قاله الإمام، وأبدى احتمالا فيما لو حصل الموت بعد الظفر والتوبة في عدم تحتمه، وقال: لعله الأظهر؛ نظرا [إلى حالة] الجرح، وأنه يلتفت على ما إذا جرح كافر كافرا، ثم أسلم الجارح ومات المجروح؛ [فإن في] وجوب القصاص على الجارح قولين. ومعنى الانحتام: أنه لا يسقط بعفو ولي القصاص ولا بعفو السلطان؛ كما في قتل من لا وارث له، ويستوفيه السلطان دون الولي. وقد قدمت في باب من لا يجب عليه الدية بالجناية، عن الماوردي شيئا في ذلك، وقد وافق الفريقان على ما ذكرناه من الانحتام، لكن اختلفوا في أن هذا القتل لمحض حق الله – تعالى – أو للحقين والمغلب فيه حق الله – تعالى – [أو حق] الآدمي كما ذكرته في باب: من يجب عليه القصاص، مع بعض الفروع المترتبة عليه، وما يرد على الغزالي وإمامه فيه، وبقية الفروع نذكرها هنا، إن شاء الله تعالى. قال الأصحاب حكاية عن النص: وإذا قتل سلم إلى أهله ليغسلوه ويصلوا عليه؛ لأنه مسلم قتل بحق. قال الرافعي: وقد حكينا وجها مطلقا: أنه لا يصلى على قاطع الطريق؛ استهانة له، ولا يبعد أن يجيء في هذه الصورة وكأنه هو. أما إذا كان القتل خطأ؛ بأن قصد شخصا، فأصاب غيره، أو عمد خطأ – فلا يقتل بحال، وحكم الدية حكمها فيما لو صدر ذلك في غير المحاربة، ولو قتل من لا يكافئه مع وجود عصمة المقتول؛ فقد تقدم حكاية قولين فيه، والصحيح: المنع؛ فإنه لو وجب لكان منحتما، وهو تغليظ؛ فلا يغلظ بإيجابه بغير المكافئ حتى لا يجتمع تغليظان.

стр. 8575

والخلاف مبني عند المراوزة على أنه يقتل لمحض حق الله – تعالى – حدا، أو يقتل للمجموع والمغلب شائبة حق الآدمي؟ وأجراهما القاضي الحسين وابن أبي هريرة تخريجا فيما لو قتل عبد نفسه. ورأى [الإمام] اختصاص ذلك [فيما إذا كان العبد] مستأجرا أو مأذونا له في الحفظ – قال الغزالي: وهو لا يشعر بأنه عبده – أو مكاتبا. وعن أبي إسحاق: أنه لا يقتل جزما كما لو أخذ مال نفسه. وهو ما أورده في "التهذيب" وادعى نفي خلافه، واختاره الصيدلاني؛ لأنه لا يفرض انحياز العبد عن المولى بمصيره إلى حرب الرفقة، بل لو فرض فارض المقتول عبدا مستأجرا، فإن له أن يذب سيده عن الرفقة، ولكنه مملوك [قن]، والقتل يقع برقبته، ولو فرض مكاتبا لهذا المحارب القاتل وهو في الرفاق لا يقتل به؛ لأنه بالموت انقلب قنا. قلت: وهذا اللفظ منه قد أطلقه القاضي أبو الطيب وغيره في كتاب القسامة، لكن فيه نظر؛ فإن الغزالي قد ادعى في كفارة اليمين أن القن بالموت يزول عنه الرق، وإذا كان كذلك فكيف يعود بالموت. ولو لم يكن المقتول معصوما كالمرتد، ففي "الحاوي": أن القاتل إن لم يعلم بردته، كان في قتل قاتله الخلاف السابق، وإن علم بردته فلا يقتل جزما؛ لأن قتله مباح، ولو كان القتل العمد المحض العدوان لغير أخذ المال لم ينحتم القتل، قاله البندنيجي، والله أعلم. فرع: لو قتل جماعة على الترتيب، ففيه وجهان [حكاهما القاضي أبو الطيب وغيره في كتاب الجنايات وهاهنا: أحدهما]- عن ابن – سريج -: أنه يقتل بالأول. والثاني: [يقتل] بالجميع؛ [نظرا] لحق الله – تعالى – وهذا ما نسبه الماوردي إلى الجمهور.

стр. 8576

وبنى المراوزة هذا الخلاف على أن القتل يقع قصاصا أو حدا، وأنا على الأول نوجب الدية للباقين، ولا نوجبها على القول الثاني. وكذا إذا مات قبل القتل، أو وقع القتل [دفعة واحدة؛ فإنه يقتل بواحد، وتجب الدية للباقين على القول الأول، ولا تجب] على القول الثاني. ثم قضية ما تقدم في الجنايات أن [ولي الأول] لو عفا عن القصاص يقتل للثاني، ولا ينافيه كونه محتوم القتل، فإن القصد قتله كيف كان، ويؤيد ذلك: أنا قدرنا من قبل أنه [لو] لم يقتل إلا واحدا، وعفا عنه ولي القتيل، وعليه شائبة القصاص – قتلناه لله تعالى؛ كمرتد استوجب القتل قصاصا فعفى عنه. ونحن نقول: لو قتل جماعة على الترتيب، وهو مرتد، فعفا ولي الأول – قتلناه عن الثاني. وفي "التهذيب" [في] مسألتنا: أن الأول لو عفا لم يسقط. آخر: هل يجب على قاطع الطريق بالقتل الكفارة؟ حكي الرافعي عن "الرقم" للعبادي: أنا إن قلنا: قتله يراعى فيه معنى القصاص، وجبت. قال: وإن أخذ المال وقتل، قتل وصلب، أي: على خشبة أو نحوها؛ لما ذكرناه من الآية، وقول ابن عباس وغيره. والصلب منحتم – أيضا – كما صرح به الأصحاب، ودل عليه كلام الشيخ من بعد؛ لأنه محض حق الله – تعالى – وجب بسبب أخذ المال في هذه الحالة؛ فكان كالقطع. وقيل: يصلب حيا، ويمنع [من] الطعام والشراب حتى يموت؛ لأن الصلب إذا كان حدا وجب أن يكون في الحياة؛ لأن الحدود لا تقام على ميت، ولأن ذلك أبلغ الانزجار، وهذا ينسب إلى رواية صاحب "التلخيص" وغيره. [وفي "الكافي" نسبته إلى قول أبي حامد، ولعله أراد أن أبا حامد رواه]، كما هو مذكور في الشامل.

стр. 8577

وفي "تعليق" القاضي الحسين و"النهاية": أن الشافعي – ﵁ – حكي هذا المذهب عن بعض السلف حكاية أشعرت بارتضائه؛ فصار صائرون من الأصحاب إلى أنه قول للشافعي، ﵁. وعلى هذا: [إلى] متى يستدام صلبه بعد موته؟ فيه الخلاف الآتي فيما إذا قتل ثم صلب، حكاه الإمام وكذا الرافعي، وقال: إنا إذا قلنا بالقول الذي رواه صاحب "التلخيص"، فإنه ينزل بعد الثلاث فيغسل ويصلى عليه بعد ذلك، وإن قلنا: لا ينزل، كما هو مذهب] أبي [علي بن أبي هريرة فلا يغسل ولا يصلى عليه [وهو ما حكاه القاضي الحسين في باب الجنائز عن أبي هريرة]. ولفظ الغزالي في كتاب الجنائز يفهم أن إذا قلنا: يقتل مصلوبا، [فلا يغسل ولا يصلى عليه على القولين؛ لأنه قال:] ومن رأى [أن يقتل مصلوبا] فقد قال: لا يصلى عليه. وأشعر ذلك بسؤال أورده الإمام حيث قال: وكان لا يمتنع أن يقتل مصلوبا، وينزل [فيغسل ويصلى] عليه، ثم يرد. ولكن لم يذهب إليه أحد، واستبعد هاهنا تصور غسله والصلاة [عليه] بعد تساقطه، وإنه لو قيل: تجمع عظامه ويصلى عليها؛ لكان على نهاية البعد، ومجلي قال: لا يبعد ذلك؛ لإمكانه مع [أن] القصد بالصلاة عليه الدعاء، وهذا يلحقه، وإن كان قد تهرأ بلي مع البلى، والله أعلم. قال: والأول أصح؛ لقوله ﷺ : "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة"؛ ولأن في ذلك مثله، وقد تقدم أن الآية نزلت ناسخة للمثلة، حتى روي عن عمران بن حصين أنه قال: ما قام رسول الله ﷺ بعد ذلك فينا خطيبا إلا ونهانا عن المثلة، وحثنا على الصدقة.

стр. 8578

والصلب وإن كان حدا فالقصد به ردع غيره؛ لأن المقتول [لا يردع، وإنما يردع به الأحياء]، والردع بالصلب موجود في الأحياء، وإن كان بعد القتل. وقد وافق الشيخ على تصحيح الأول العراقيون والمراوزة، وبعضهم جعله المذهب، ووراء ما ذكرناه أقوال، [ووجوه]: أحدها – حكاه القاضي أبو الطيب، وتبعه في "المهذب" عن رواية ابن القاض في "التلخيص" عن الشافعي – ﵁: أنه يصلب ثلاثا قبل القتل، ثم [قال]: قال أصحابنا: وهو مذهب أبي حنيفة ولا يعرف للشافعي، وإن أثبتناه. قال البغوي والرافعي: وينزل بعد الثلاث ويقتل. وفي "الوسيط" و"التهذيب" وغيرهما: أنه يصلب [حيا]، ويقصد مقتله بحديدة مذففة على وجه، وهو مذهب أبي حنيفة، ولم يقيد ذلك بمدة، وهذا هو الوجه الذي أشرت إليه. والثاني – حكاه الإمام الرافعي وغيرهما عن تخريج أبي الطيب بن سلمة -: أنه تقطع يده ورجله لأجل المال، ويقتله [لأجل القتل]، ويصلبه لجمعه بينهما. ووجه القاضي الحسين بأن كل واحد من القتل وأخذ المال لو انفرد لوجبت فيه العقوبة، فإذا اجتمعا كان [ذلك] زيادة جناية؛ فغلظ وزيد الصلب. وهذا التعليل يقتضي أن محل خلافه إذا كان [المال] المأخوذ نصابا؛ فيكون خلاف المذهب في ضم القطع إلى القتل والصلب [لا غير]. والثالث – حكاه الرافعي والإمام وغيرهما عن رواية صاحب "التقريب" –: أنه إن أخذ نصابا وقتل قطع وقتل ولم يصلب، وإن أخذ أقل منه قتل وصلب، ويكون الصلب [لأجل أخذ] المال، وهذا ما حكاه القاضي الحسين عن أبي الطيب بن سلمة، وهذا فيه مخالفة للمذهب في أمرين:

стр. 8579

أحدهما: في جعل القطع عوضا عن الصلب عند أخذ النصاب. [والثاني: إيجاب الصلب عند أخذ دون النصاب] مع القتل، وهو الذي اختاره الماوردي لنفسه كما حكيناه من قبل، وأن المذهب – كما حكاه الرافعي -: أن المال المأخوذ إذا كان دون النصاب لا يوجب الصلب، وهذا ما أفهمه كلام الماوردي ثم، وعلى رأي ابن خيران: يجب، والله أعلم. قال: ولا يصلب، [أي]: على القول الأول، أكثر من ثلاثة أيام. هذا الفصل يقتضي أمرين: أحدهما: جواز صلبه ثلاثة أيام، وهو الذي نص عليه الشافعي – ﵁ – لأن في ذلك إشهارا لحاله وتتميما للنكال، لكن ظاهر النص أنه لا فرق [في ذلك] بين أن يخشى تغيره فيها أو لا، وقد قال به بعض الأصحاب، وقال القاضي أبو الطيب: إنه سمع الماسرجسي يقول هذا. قاله الشافعي – ﵁ – إذا كان البلد باردا والزمان معتدلا، فأما إذا كان الحر شديدا فإنه يصلب إلى وقت إن ترك بعده تغير، ثم يحط فيغسل، ويكفن ويصلى عليه؛ لأن في إدامة الصلب تفويتا لأمر الغسل وغيره، وهذا ما أورده في "المهذب"، والقاضي الحسين في "تعليقه"، والماوردي، وصححه الرافعي. الثاني: ألا يزاد على الأيام الثلاثة، ووجه اعتبار ذلك: أن للثلاث اعتبارا في الشرع، وليس لما زاد عليها غاية إلا أن يسيل صديده، وذلك يسقط واجبات الغسل والتكفين والصلاة والدفن، وهذا لا يجوز؛ لأن الحدود كفارات لأهلها؛ كذا قاله أبو الطيب والمصنف، ومقتضاه: أنا لا نغسله ولا نكفنه ولا نصلي عليه قبل الصلب، بل نفعله بعد الحط، وقد صرح به الإمام هنا والقاضي الحسين والبغوي وصاحب "المرشد"، وحكاه البندنيجي عن النص، وجزم الغزالي والرافعي في كتاب الجنائز وهاهنا بأنا نغسله ونصلي عليه قبل الصلب، ثم نصلبه مكفنا. وقيل: يصلب حتى يسيل صديده؛ لأن الصليب – وهو الخشبة – إنما

стр. 8580

سمي صليبا؛ لسيلان صليب المصلوب عليها، وهو الودك؛ فيجب أن يترك إلى أن يحصل السيلان، ولأن الصلب شرع في حقه تغليظا عليه، كذلك هذا يكون تغليظا عليه، وهذا قول ابن أبي هريرة. وبعضهم زاد في الحكاية عنه أنه يترك حتى يتهرأ ويسيل صديده. وفي "تعليق" القاضي الحسين نسبة هذا الوجه على هذا النعت إلى صاحب "التخليص"، وحكاه الإمام كذلك، ولم يعزه لأحد. ثم حكي عن الصيدلاني أنه يترك حتى يتساقط، ثم قال: وفي القلب شيء منه؛ فإني لم أره لغيره. والذي ذكره بعض الأصحاب: أنه يترك حتى يسيل صليبه، والتساقط يقع بعد سيلان الصليب بمدة طويلة، ثم على هذا لا يبالي بإنتانه؛ إذ لا بد منه. انتهى. وفي "التهذيب" عن ابن أبي هريرة أنه يترك حتى يسيل صديده، إلا أن تتأذى به الأحياء. وقد حكي القاضي الحسين ذلك وجهين في المسألة من غير أن ينسبهما لأحد. ثم ما ذكرناه عن الأصحاب من قبل يقتضي أن ابن أبي هريرة لا يرى إيجاب غسله والصلاة عليه، وقد صرح به البغوي عنه، وحكاه الإمام في الجنائز ولم يعزه إليه، وحكي هاهنا عن الصيدلاني – تفريعا على أنه] يصلب حتى يسيل صديده: أنه [يقتل ويغسل ويصلى عليه، ثم يصلب، وأن الأصحاب اتفقوا على أن الغسل والصلاة لا يتركان، وهذا ذكره القاضي الحسين. وقد حكي الإمام في الجنائز وجها مطلقا: أن قاطع الطريق لا يغسل ولا يصلى عليه؛ استهانة له وتحقيرا لشأنه. قال: وليس بشيء؛ لفوات ما ذكرناه، مع تأذي الناس بريحه. وقد وافق الشيخ في هذا اللفظ القاضي أبو الطيب. وما ذكرناه من الصلب هو المشهور [من المذهب]، وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنه قيل: معنى الصلب: أنه يطرح في الشمس حتى يسيل صليبه، لا أنه
следующие страницы →