Полный текст (9 685 стр.). Показаны 8716–8755 · переход к 8721.
стр. 8716
طاعته [إلا أن يصدقوه]، على أحد الوجهين في "الحاوي".
وقيل: إن كان البلد [قريباً] بحيث يتصل الخبر [به] لم يلزمه الإشهاد؛ لاستقلال الاستفاضة بإثباتها، وهذا قول الإصطخري، واختاره في "المرشد"، وفي "النهاية" عوضه: أن من أصحابنا من اكتفى بكتاب، وهو عندي مشروط بظهور مخايل الصدق في خطوط الكتاب؛ ولهذا قال في "الوسيط" في حكايته- إذا وصل بالعهد ولم تستفض ولايته ولا معه شهادة عدلين-: إنه يجب الاعتماد على الكتاب مع مخايل الصدق، وبعد الجرأة على التلبيس في مثل هذا الأمر، مع خوف سطوة السلطان.
وقد كان ولاة رسول الله ﷺ يكتفي في ذلك بمجرد قولهم، وهذا ما صححه صاحب "الإشراف" بعد أن حكى عن الشاشي أنه قال: ظاهر المذهب أن الإشهاد لا يجب.
قال البندنيجي وغيره: وأصل هذا الخلاف المذكور في الكتاب الخلاف في أن النكاح والوقف والعتق [والولاء] هل تثبت بالاستفاضة أم لا؟ وعلى هذا جرى في "التهذيب"، فإن قلنا: تثبت، لزم الرعايا ها هنا الانقياد له، وإلا فلا.
قال الإمام: وإذا استخلف القاضي حاكماً في قرية، فقد لا يستفيض مثل هذا، ولا يشترط فيه الاستفاضة، بل ينقدح فيه الكتاب أو شاهدان.
قال: ويسأل القاضي عن حال البلد ومن فيه من الفقهاء والأمناء، أي: العدول قبل دخوله؛ لأنه يحتاج إليهم؛ فكانت معرفته بهم قبل الدخول ليعاملهم بما يليق بهم أولى، فإن قدر على ذلك في البلد الذي وقعت فيه الولاية فذاك، وإلا يعرفه في طريقه إلى محل ولايته أو في [محل] الولاية.
قال الرافعي: ويستحب [له] أن يدعو أصدقاءه الأمناء، ويلتمس منهم [أن يطلعوه على عيوبه؛ ليسعى في إزالتها.
стр. 8717
قال:] ويستحب أن يدخل صبيحة يوم الاثنين؛ لأن النبي ﷺ دخل [المدينة] يوم الاثنين، فإن فاته دخل [يوم] السبت أو الخميس؛ للخبر المشهور، ولأنه قلما كان رسول الله ﷺ يخرج في سفر إلا يوم الخميس.
قال القاضي أبو الطيب والروياني [وغيرهما]: ويستحب أن يدخل البلد لابس السواد؛ لأن النبي ﷺ دخل مكة وعلى رأسه عمامة سوداء، ولأنه أهيب له.
قال: وينزل في وسط البلد؛ لأنه أقرب إلى التسوية بين أهله في قصده، وهذا ما نص عليه الشافعي- ﵁ في "الأم".
قال: ويجمع الناس، أي: [بأن] يبعث منادياً ينادي في البلد بأن فلاناً القاضي قد حضر فاحضروا لسماع عهده [في] وقت كذا، ويكون ذلك يوماً إن كان البلد صغيراً، وثلاثة ونحوها إن كان كبيراً.
قال: ويقرأ عليهم العهد؛ ليعلموا تفاصيل ولايته فيطيعوه فيها.
قال: ويتسلم المحاضر والسجلات من القاضي الذي كان قبله، لتُحرس على أربابها بيد كل ذي ولاية كما كانت، وكذا يتسلم منه أموال الأيتام والضوال والوقوف وأسماء المحبسين وغيرهم، كما قاله القاضي الحسين.
قال البندنيجي والماوردي وغيرهما: وهذا أول الأمانات التي يفعلها القاضي في ولايته قبل النظر في المحبسين وغيرهم، وعند أخذها إن أمكنه تصفحها ومعرفة ما فيها فعل.
والمحاضر: جمع "محضر" بفتح الميم، وهو الذي يكتب فيه قضية المتحاكمين وما جرى لهما في مجلس الحكم وحجتهما، قال الجيلي: إذا لم يتصل بذلك حكم.
стр. 8718
والسجلات: جمع "سجل" بكسر السين والجيم، وهو الذي يكتب فيه المحضر ويكتب معه تنفيذ الحكم وإمضاؤه.
قال: وإن احتاج أن يستخلف في أعماله لكثرتها استخلف، أي: فيما يعجز عنه من يصلح أن يكون قاضياً، أي: من غير إذن الإمام؛ لأن العرف يقتضيه فحكمت التولية عليه.
قال القاضي أبو الطيب والبغوي وغيرهما: كما إذا دفع ثوباً إلى شخص ليبيعه؛ فإن ذلك يتضمن [الإذن في] التسليم إلى من ينادي عليه.
وبهذه الحالة يلتحق ما إذا مرض أو أراد أن يغيب عن البلد لشغل، كما ذكره في "التهذيب"، أما ما لا يعجز عنه في هذه الحالة هل يجوز أن يستخلف فيه؟ قال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ: فيه الخلاف الآتي. وكلام [القاضي] أبي الطيب في كتاب الوكالة في حكاية الخلاف كما ذكرناه [أصرح منه] هنا، وكلام الشيخ في "المهذب" يقتضي إجراء الخلاف في هذه الحالة، وإن قلنا بمنع الاستخلاف في المسألة الآتية.
قال: وإن لم يحتج فقد قيل: يجوز؛ لأن [الإمام] لما ولاه صار ناظراً للمسلمين على وجه المصلحة، وكان له التولية فيما يقدر على التصرف فيه كالإمام، وهذا قول الإصطخري كما حكاه القاضيان أبو الطيب والحسين، واختاره في "المرشد".
وقيل: لا يجوز إلا أن يؤذن له [في] ذلك؛ لأنه متولِّ بطريق النيابة فلم يملك بمطلق الإنابة الاستنابة كالوكيل، وهذا قول أبي علي بن خيران، قال القاضي أبو الطيب: وهو المشهور من مذهب الشافعي- ﵁ وعلى ذلك جرى في "المهذب" فقال: إنه المذهب، وصححه الرافعي والنواوي.
[و] الناصر للأول قال: ليس القاضي نائباً عن الإمام، بل عن المسلمين؛ فهو
стр. 8719
ولي في نفسه، وحكى في "الحاوي" في هذه الحالة والتي قبلها ثلاثة أوجه حكاها صاحب "الإشراف" أيضاً:
أحدها- وهو قول أبي علي بن خيران-: أنه ليس له أن يستخلف، قل عمله أو كثر، [وقد نسب القاضي الحسين هذا إلى ابن أبي هريرة.
والثاني- وهو قول الإصطخري-: أنه له أن يستخلف، قل عمله أو كثر].
والثالث- وهو قول جمهور البصريين، ونسبه الإمام إلى الإصطخري وكذلك القاضي الحسين، وأنه طرده في الوكيل، وأن الصحيح-: أن استخلافه معتبر بعمله، فإن قل [عمله] وقدر على مباشرته بنفسه [لم يجز أن يستخلف، وإن كثر وعجز عن مباشرته بنفسه] جاز أن يستخلف؛ اعتباراً بالوكيل.
قال الماوردي: وعلى هذا فيما يستخلف عليه وجهان:
أحدهما: ما عجز عنه دون ما قدر عليه.
والثاني: في الجميع؛ لأن العرف فيه كالإذن.
وعلى حكاية الأوجه الثلاثة في الحالتين جرى المراوزة، واستغرب الرافعي جريان الخلاف فيما لا يقدر على مباشرته.
ولا خلاف في أنه إذا صرح له في الولاية بالاستخلاف- في جوازه، قال الأصحاب: والمستحب للإمام التصريح به، ولفظ الشافعي- ﵁ وأحب للإمام إذا ولى القضاء رجلاً أن يجعل له أن يولي القضاء من رأى في الطرف والأطراف، فيجوز حكمه.
وكذا لا خلاف [في] أنه إذا نهاه عن الاستخلاف أنه لا يجوز فيما يقدر على مباشرته، وكذا فيما لا يقدر عليه على المشهور، وبه جزم الماوردي، وعن الشاشي حكاية عن أبي الطيب بن سلمة: أن وجود النهي في هذه الحالة كعدمه، وبه جزم القاضي أبو الطيب.
стр. 8720
قال الرافعي: والأقرب أحد احتمالين: إما بطلان التولية- ويحكى هذا عن ابن القطان-[أو اقتصاره] على ما يقدر عليه وترك الاستخلاف.
قال الماوردي: ويلزمه أن يُعلِم الإمام عند كثرة عمله بعجزه عن النظر في جميعه؛ ليكون الإمام بالخيار بين أن يأذن له في الاستخلاف أو يصرفه عما عدا المقدور عليه ويولي فيه، والثاني هو الأولى؛ ليكون هو المتولي للاختيار، فإن لم يعلم الإمام أو أعلمه ولم يأذن له في أحد الأمرين، نظر: فإن كان ما ولاه مصراً كثير السواد كالبصرة، كان نظره مختصّاً بالبلد اعتباراً بالعرف، فإن استعداه أحد على أهل السواد: فإن كان أقل من مسافة يوم وليلة، لزمه إحضاره، وإن كان على مسافة القصر يوم وليلة فأكثر، ففي وجوب إحضاره وجهان.
وإن كان العمل مشتملاً على مصرين متباعدين كالبصرة وبغداد فهو بالخيار في النظر في أيهما شاء، فإذا نظر في أحدهما ففي انعزاله عن الآخر وجهان محتملان.
فرعان:
أحدهما: إذا قلنا بمنع الاستخلاف، فاستخلف في أمر عام، وحكم الخليفة فهل يلزم حكمه؟
قال القاضي أبو الطيب: إن حكم مجبراً لم ينفذ، وإن لم يجبر عليه [كان كالتحاكم] في لزومه بنفسه أو توقفه على الرضا بعد الحكم، [وكذلك] ذكر الماوردي وابن الصباغ.
قال مجلي: وهذا فيه نظر؛ لأنهما إنما ترافعا إليه لاعتقادهما أنه حاكم منصوب فيلزم حكمه، فإذا لم يكن كذلك فكيف يلزمهما حكمه وهو فاسد كنصبه؟! وهذا بخلاف من تراضيا عليه؛ لأنهما نصباه لأنفسهما. نعم، لو علما فساد توليته وتراضيا بما يحكم به بينهما فإنه يكون على القولين، فأما مع عدم علمهما بذلك فلا وجه له.
قلت: وقد يتخرج على خلاف حكيهت فيما إذا باع بيعتين في بيعة، وباعه الثاني ما
стр. 8721
عيَّنه في البيع الأول؛ بناءً على أنه وجب [عليه] الوفاء بالبيع لأجل الشرط في البيع الأول.
وفي "الرافعي": أنه ليس للقاضي إنفاذ حكم الخليفة، بل يستأنف الحكم بين الخصمين. وهو محمول على ما إذا [كان] حكمه جبراً؛ لأنه قد حكى ما حكيناه عن ابن الصباغ وغيره.
ولو استخلف في أمر خاص من سماع بينة أو تحليف، فمنهم من ألحق ذلك بالاستخلاف في الأمر العام، وعن القفال: القطع بالجواز وإن لم يكن مأذوناً له في الاستخلاف، وهو الأصح في "التهذيب"؛ لأن القاضي لا يستغني عن ذلك.
قال الرافعي: والذي اقتضاه إطلاق الأكثرين الأول.
الثاني: إذا قلنا بجواز الاستخلاف فليس من شرطه أن يوافق الخليفة المستخلف في المذهب، بل يجوز أن يولي الشافعي مالكيّاً وحنفيّاً وبالعكس، وهذا ما جزم به الماوردي في "الأحكام" و"الحاوي" ها هنا.
وقال القاضي أبو الطيب عند الكلام في أن كل مجتهد مصيب، أو المصيب واحد-[لا بعينه] أنه المذهب؛ لأنه ليس يعلم حال التقليد أنه يحكم بخلاف ما يعتقده حقّاً؛ لأن على الحاكم أن يجتهد في الحكم عند كل حادثة، وربما تغير اجتهاده واختلف؛ فلما لم يكن [ذلك] معلوماً حال التقليد، جوز له أن يقلده.
وحكى الماوردي في باب قتال أهل البغي- وكذلك القاضي أبو الطيب- في جواز ذلك وجهين حكاهما الزبيلي هنا، وربما نسبا إلى رواية ابن أبي هريرة.
وقال [القاضي] أبو الطيب: [إن] الذي نص عليه الشافعي- ﵁ المنع؛ فإنه قال: وهكذا من ولي شيئاً فينبغي ألا يوليه من يعلم أنه يعمل بخلاف الحق فيه. ونسب الروياني هذا النص إلى "المبسوط".
ثم على الأول: للنائب أن يحكم بما أدى إليه اجتهاده وإن خالف معتقد إمامه؛
стр. 8722
كما إذا كان حنفيّاً فرأى مذهب الشافعي في مسألة، أو بالعكس.
قال الماوردي في "الأحكام": وقد منع بعض الفقهاء من اعتزى إلى مذهب أن يحكم بغيره؛ لتوجه التهمة إليه. وحكاه في "الحاوي" أيضاً، وأن بعض أصحابنا وافقه، ثم قال: وهذا وإن كانت السياسة تقتضيه بعد استقرار المذاهب وتميز أهلها، فحكم الشرع لا يوجبه؛ لما يلزمه من الاجتهاد في كل ما طريقه الاجتهاد.
ولفظ الغزالي في "الوسيط" يوافق هذا الوجه؛ لأنه قال: وليس له أن يشترط على النائب [الحكم] بخلاف اجتهاده، أو بخلاف اعتقاده حيث يجوز تولية المقلد للضرورة، بل اعتقاد المقلد في حقه كالاجتهاد في حق المجتهد.
ثم على الصحيح لو شرط المولِّي على المولَّى في عقد التولية ألا يحكم إلا بمذهب بعينه- كمذهب الشافعي مثلاً- ففي "المهذب" و"التهذيب" وغيرهما: أن التولية باطلة؛ لأنه علقها على شرط، وقد بطل الشرط فبطلت التولية.
وفي "الوسيط": أنه يحكم بما توافق عليه المذهبان لا غير.
وفي "أدب القضاء" لابن أبي الدم: أن القاضي أبا منصور [بن] أبي الشيخ أبي النصر بن الصباغ قال: سألت قاضي القضاة الدامغاني عما إذا ولى القاضي الحنفي نائباً شافعيّاً، وشرط عليه ألا يحكم إلا بمذهب أبي حنيفة، هل يصح؟ فقال: نعم؛ فإن قاضي القضاة أبا حازم ولى أبا العباس بن سريج القضاء ببغداد على ألا يقضي إلا بمذهب أبي حنيفة، فالتزمه. وفي "الإشراف": أن الشرط باطل، ويحكم بما يؤدي إليه اجتهاده.
ويقرب من ذلك ما في "فتاوى" القاضي الحسين: وهو أنه لو ولاه القضاء، واشترط عليه ألا يحكم بالشاهد واليمين، ولا [على] غائب- تصح التولية، ويلغو الشرط حتى يقضي بما يؤدي إليه اجتهاده.
стр. 8723
وفي "الحاوي": أن الشرط إن كان عامّاً بأن قال: لا يحكم في جميع الأحكام إلا بمذهب الشافعي مثلاً، فالشرط باطل؛ لأنه قد منعه من الاجتهاد فيما يجب [عليه فيه] الاجتهاد، ثم ينظر: فإن أخرج ذلك مخرج الأمر بأن قال: احكم بمذهب الشافعي، أو مخرج النهي بأن قال: لا تحكم بمذهب أبي حنيفة- صح التقليد، وإن بطل ما أمره به أو نهاه عنه. وإن جعله بلفظ الشرط في العقد فقال: على أن تحكم بمذهب الشافعي، أو: على ألا تحكم بمذهب أبي حنيفة- بطل التقليد؛ لفساد الشرط؛ لأنه معقود على شرط فاسد.
قال في "الأحكام": فإن [كان] المولِّي عالماً بأنه اشترط ما لا يجوز كان قدحاً فيه، دون ما إذا لم يعلم، وإن كان الشرط خاصّاً في حكم بعينه، فإن كان أمراً فقال: أقد من المسلم بالكافر ومن الحر بالعبد، كان أمره بهذا الشرط فاسداً، فإن تجرد عن لفظ الشرط صح التقليد، وإن قرنه بلفظ الشرط بطل التقليد، وإن كان نهياً فهو على ضربين:
الأول: أن ينهاه عن الحكم في قتل المسلم بالكافر والحر بالعبد، ولا يقضي فيه بموجب قود ولا بإسقاط، فهذا شرط فاسد وتقليد صحيح؛ لأنه اقتصر بولايته على ما عداه، فصار خارجاً عن نظره.
والثاني: أن ينهاه عن القضاء بالقصاص، ولا ينهاه عن الحكم فيه، فقد اختلف أصحابنا فيه، هل [هذا النهي] يوجب صرفه عن النظر فيه؟ [على وجهين:
أحدهما: يكون صرفاً عن النظر فيه]؛ فلا يحكم فيه بإيجاب قود ولا بإسقاطه، فعلى هذا يكون التقليد صحيحاً فيما عداه.
والثاني: [أنه] لا يقتضي الصرف، وليصير النهي عنه أمراً بضده أن يقتص من المسلم بالكافر، ومن الحر بالعبد، وقد تقدم حكم الأمر بذلك، والإمام إذا شرط على القاضي الحكم بمذهب بعينه هذا شأنه.
стр. 8724
فروع:
إذا أطلق الإمام التولية، وقلنا: بجواز الاستخلاف، فإذا نهاه بعد ذلك، هل يجب عليه الانتهاء؟ قال ابن أبي الدم: هذا ينبغي أن يبنى على الخلاف في انعزال القاضي بالعزل، فإن قلنا: [ينعزل، فيجب عليه أن ينتهي، ولا يجوز أن يستخلف، وإن قلنا: لا ينعزل]، فهذا فيه نظر عندي، وقاعدة الإنابة تقتضي أنه متى نهاه ابتداء أو دواماً لا يجوز [له] الاستخلاف.
إذا تنازع خصمان في الحضور إلى الأصل أو [إلى] النائب، [فطلب أحدهما المحاكمة إليه، وطلب الآخر المحاكمة إلى النائب]- قال في "الحاوي": إن كان القاضي في يوم التنازع ناظراً، فالداعي إليه أولى من الداعي إلى خليفته؛ لأنه الأصل، وإن كان الناظر خليفته [كان الداعي إليه أولى؛ لأنه أعجل.
هل يجوز للقاضي عزل خليفته؟] أطلق بعضهم القول بجوازه إن كان هو الذي ولاه، وإن كان الإمام [هو الذي] استنابه [عنه] فوجهان، وهما في "الحاوي" في أوائل الباب، وقال ها هنا: إنا إذا قلنا: يجوز له أن يستخلف فيما يقدر على مباشرته بنفسه مع ما لا يقدر على مباشرته بنفسه، [فإن استخلف فيما يقدر على مباشرته بنفسه] جاز له أن يعزله مع بقائه على سلامته، وإن استخلف فيما لا يقدر على مباشرته، ففي جواز عزله مع بقائه على سلامته وجهان.
وقال القاضي أبو الطيب: جواز عزله مع سلامة الحال ينبني على أنه ينعزل بموته [أم لا]؟ فإن قلنا: [ينعزل بموته، انعزل بعزله، وإلا فلا ينعزل. وهذا منه بناءً على] أن القاضي الأصل لا ينعزل بموت الإمام، كما سنذكره عند الكلام
стр. 8725
في موت القاضي الكاتب؛ لأنه ذكر هذه المسألة ثم.
[أما] إذا استخلف من لا يصلح للقضاء نظر: فإن كان لفسق ونحوه، لم ينفذ شيء من أحكامه، وإن كان لفقد أهلية الاجتهاد، فإن كان مستخلفاً في أحد الأركان، فالمعتبر أن يكون أهلاً للاستقلال بذلك الركن، وإلا فهو كالفسق.
وعن الشيخ أبي محمد: أن نائب القاضي في القرى إذا لم يفوض إليه إمضاء الأحكام، بل سماع البينة ونقلها- فلا يشترط منصب الاجتهاد في حقه، بل العلم اللائق بأحكام البينات.
قال الإمام: وهذا يحوج إلى خطب صالح من الفقه.
تنبيه: إطلاق الشيخ القول بجواز استخلاف من يصلح للقضاء يدل على جواز استخلاف [أبيه أو] ابنه إذا كان يصلح له، وقد صرح به البغوي، وكذا الماوردي، ووجهه بأن [ما بينهما] من البعضية يجري مجرى نفسه، وحكمه بنفسه جائز؛ فجاز بمن هو بعضه، وكذلك جاز للإمام أن يستخلف في أعماله من يرى من أولاده. نعم، لو رد الإمام إلى القاضي اختيار قاض لم يكن له أن يختار ولده ولا والده؛ لأن رد الاختيار إليه يمنعه من اختيار نفسه؛ فمنع اختيار من يجري بالبعضية مجرى نفسه.
قلت: قد حكى البغوي والخوارزمي في "الكافي": أن القاضي هل [يسمع] شهادة ولده ووالده [أم لا]؟ فيه وجهان، وصحح ابن أبي الدم منهما المنع، وكذلك في "البحر" قبل كتاب الشهادات، وكأنَّ وَجْهَهُ تضمُّنُهُ التعديل، وهو متهم فيه، وإذا كان كذلك فهذا المعنى موجود في تفويض الحكم إليه؛ فينبغي أن يمتنع كالشهادة.
فإن قيل: لا نسلم أن مأخذ المنع من قبول الشهادة التهمة في التعديل، بل يجوز أن
стр. 8726
يكون مأخذه أنه منزل منزلة نفسه كما ذكرنا، ونحن فقد نمنع حكم القاضي [بعلمه]، فكذا بقول ولده، ولا كذلك الحكم؛ فإنه يجوز أن يحكم بنفسه؛ فكذلك بعضه.
قلت: بل كلام البغوي كالمصرح بأن المأخذ في المنع التهمة، ألا ترى أنه قال بعد ذلك: وكذا إذا زكى المزكي ولده، هل تقبل شهادته؟ فيه قولان؟! وعلى هذا التقدير كان يلزم الماوردي الجزم بمنع التولية؛ لأنه جزم عند الكلام [في أصحاب المسائل، وكذا الروياني والفوراني بمنع التزكية، لكن قد يقال: إن محل جزمه] بجواز التولية إذا كان ثابت العدالة عند غيره؛ فإن في هذه الحالة رجح الإمام الحكم بشهادته، والله أعلم.
قال: وإن احتاج إلى كاتب استحب أن يكون مسلماً عدلاً عاقلاً فقيهاً.
هذا الفصل [ظاهره] يقتضي أمرين:
أحدهما: جواز اتخاذ الكاتب عند الحاجة، ولاشك فيه، وقد قال القاضي أبو الطيب وغيره: إنه يستحب اتخاذه؛ لأن النبي ﷺ كان له كتاب؛ منهم: علي بن أبي طالب، وهو الذي كتب القضية بين رسول الله ﷺ وبين [قريش يوم] الحديبية، ومنهم- كما قال ابن عباس- رجل يقال له: السجل، ومنهم زيد بن ثابت، وقد رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ قَالَ: [قَالَ] لِيْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَتُحْسِنُ العَبْرَانِيَّةَ؛ فَإِنَّ اليَهُوْدَ يَكْتُبُونَ إِلَيَّ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ يَقِفَ عَلَى كُتُبِي كُلُّ أَحَدٍ؟ " فَقُلْتُ: لَا [، قَالَ]: "فَتَعَلَّمْهَا]، [قَالَ]: فَتَعَلَّمْتُهَا فِي نِصْفِ شَهْرٍ- وَرُوِيَ: فِي بِضْعَةَ عَشَرَ يَوْماً- فَكُنْتُ أَقْرَأُ كُتُبَهُمْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَكْتُبُ لَهُمْ. وقد كان للخلفاء الأربعة كُتَّاب.
стр. 8727
والمعنى فيه: أن الحاكم مشغول بالحكم والاجتهاد، [فاشتغاله] بالكتابة يقطعه عن ذلك.
ومحل الاستحباب: إذا كان الكاتب لا يطلب أجراً، أو طلب وكان له رزق من بيت المال، أما إذا لم يكن في بيت المال ما يرزق منه الكاتب، فقد قال البغوي في كتاب القسمة: إنه لا يتعين في هذه الحالة [له] كاتب.
وقال القاضي الحسين ثم: [إنه] لا يجوز أن يعين له كاتباً.
والفوراني وصاحب "البحر" وغيرهما قالوا: [لا يستحب له] اتخاذ كاتب معلوم؛ لأنه يؤدي إلى التحامل على الناس، ولكنه يخلي بينهم وبين من يستأجرونه.
والأمر الثاني: ما يستحب أن يكون في الكاتب من الصفات، وقد بين منها أربعة:
إحداها: الإسلام، ووجه اعتباره قوله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَالُونَكُمْ خَبَالاً﴾ [آل عمران: ١١٨]، وقوله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١]، وفي اتخاذ الكافر كاتباً اتخاذه بطانة ووليّاً، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أَبَا مُوْسَى الأَشْعَرِيَّ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ وَمَعَهُ كَاتِبٌ نُصْرَانِيٌ، فَأَعْجَبَ عُمَرَ خَطُّهُ وَحِسَابُهُ، فَقَالَ عُمَرُ [لِأَبِي مُوْسَى:] أَحْضِرْ كَاتِبَكَ لِيَقْرَأَهُ، فَقَالَ أَبُو مُوْسَى: إِنَّهُ نَصْرَانِيٌّ لَا يَدْخُلُ المَسْجِدَ؛ فَزَبَرَهُ عُمَرُ وَقَالَ: لَا تَامَنُوْهُمْ وَقَدْ خَوَّنَهُمُ اللهُ، وَلَا تُدْنُوهُمْ وَقَدْ أَبْعَدَهُمُ اللهُ، وَلَا تُعِزُّوهُمْ وَقَدْ أَذَلَّهُمُ اللهُ!
فإن قيل: هذا يقتضي أن تكون صفة الإسلام واجبة.
قلنا: قد قال به بعض الأصحاب، ولم يورد الماوردي وأبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ وغيرهم سواه، وهو الصحيح.
والقائل بالأول قال: ما يكتبه لابد وأن يقف عليه القاضي، ثم يمضيه؛
стр. 8728
فتؤمن فيه الخيانة، وقد حكي عن "البيان" تصحيحه، وكأن قائله- والله أعلم- أخذ ذلك من قول الشافعي- ﵁ في "الأم": ما ينبغي لقاض ولا والٍ أن يتخذ كاتباً ذميّاً، ولا يضع الذمي موضعاً يفضل به مسلماً، ويعز على المسلمين أن يكون لهم حاجة إلى غير أهل دينهم، والقاضي أقل الخلق في هذا عذراً. انتهى. فأجرى اللفظ على ظاهره، وحمل ذلك على الكراهة، والأولون حملوه على المنع.
والثانية: العدالة، ووجه اعتبارها أن القاضي [قد يغفل عن] قراءة [ما يكتبه] الكاتب أو يقرؤه، فإذا كان عدلاً أمن منه الخيانة، بخلاف ما إذا كان فاسقاً.
وقد أطلق الماوردي وأبو الطيب وغيرهما القول باشتراط العدالة فيه، ولفظ صاحب "المرشد": ويجب أن يكون عدلاً. ووجهه الماوردي بأنه مؤتمن على إثبات الإقرار والبينات وتنفيذ الأحكام؛ فافتقر إلى صفة من تثبت به الحقوق كالشهادة.
وهذا أخذ من قول الشافعي- ﵁ في "المختصر": ولا ينبغي [أن يتخذ] كاتباً حتى يجمع أن يكون عدلاً [عاقلاً]، ويحرص أن يكون فقيهاً لا يؤتى من جهالة، نزهاً بعيداً من الطمع.
وقد حكى الوجهين [في "المهذب"] في اعتبار العدالة [كما حكاهما في الإسلام].
وعن صاحب "البيان": أنا إن اعتبرنا الإسلام اشترطنا العدالة.
ثم قد يفهم من توجيه جواز كونه كافراً [و] فاسقاً اختصاص هذا الوجه بما إذا كان القاضي كاتباً، أما إذا كان أميّاً وجوزناه فيجب القطع بالمنع؛ لفوات المعنى المجوز، والله أعلم.
стр. 8729
والثالثة: العقل؛ كما أشار إليه الشافعي- ﵁ قال الأصحاب: وليس يريد به ما يتعلق به التكليف، وإنما يريد به شدة العقل والذكاء والتحصيل حتى لا يخدع أو يدلس عليه. وقد جزم القاضي أبو الطيب والماوردي وغيرهما باشتراط ذلك؛ لظاهر النص، والرافعي وافق الشيخ في استحباب ذلك.
والرابعة: الفقه؛ ليعلم صحة ما يكتبه من فساده، وقد وافق الشيخ على استحباب هذا الوصف القاضي أبو الطيب وصاحب "البحر"، وإليه يرشد قول الشافعي- ﵁: ويحرص أن يكون فقيهاً. والمراد بالفقيه ها هنا- كما أشار إليه أبو الطيب والماوردي-: الفقيه في أحكام الكتابة، وما يتعلق بالشروط من المحاضر والسجلات، واستعمال الألفاظ الموضوعة لها، والتحرز من الألفاظ المجملة، وجودة الخط حتى يرتبها؛ فلا يترك نسخة يمكن إلحاق شيء فيها يفسد به المعنى، ويفصلها فلا يكتب سبعة مثل تسعة، وما أشبه ذلك.
وفي "ابن يونس" أنه قد قيل باشتراط وصف الفقه كما قيل باشتراطه في الأمور السابقة، وكلام الماوردي يشير إليه؛ لأنه قال: وصفة كاتب القاضي ما ذكره الشافعي- ﵁ من أوصافه، وهي أربعة: العدالة، والعقل، والفقه، والنزاهة. فإذا ظفر القاضي بمن فيه هذه الأوصاف الأربعة- وأرجو أن يظفر به- جاز أن يستكتبه. وقضية ذلك:- أيضاً- أن تكون النزاهة شرطاً- أيضاً- وهو ما يفهمه كلام صاحب "البحر" حيث قال: وتعتبر النزاهة؛ كي لا يستمال بالطبع. والقاضي أبو الطيب عطف ذلك على الفقه، فأفهم أن المراد به الاستحباب، وإليه يرشد قول الشافعي، وبه صرح الرافعي، ولما جعل الماوردي العدالة شرطاً قال: لا يجوز أن يستكتب عبداً وإن استكمل الأوصاف الأربعة؛ لأن الحرية شرط في كمال العدالة. وتبعه في ذلك الروياني. و [هو] في "تعليق" البندنيجي أيضاً.
وقضية قول من جوز أن يكون كافراً أو فاسقاً، جواز استكتاب العبد حيث يجوز استخدامه، وقد استحب الأصحاب فيه أن يكون حاسباً؛ لأنه يحتاج إليه
стр. 8730
الحساب في المقاسم والمواريث.
قال ابن القاص- كما قال ابن الصباغ في أوائل الباب-: ويحرص أن يكون فصيحاً عالماً بلغات الخصوم، حافظاً العجمية إلى العربية.
قال: ولا يتخذ حاجباً ولا بواباً؛ لما قدمناه في [باب] أدب السلطان، وقد رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ- ﵁ قَلَّدَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ الكُوْفَةَ، فَقَضَى فِيْهَا زَمَاناً بِغَيْرِ حَاجِبٍ، ثُمَّ اتَّخَذَ حَاجِباً؛ فَعَزَلَ عُمَرُ حَاجِبَهُ، ولأنه ربما أخر المتقدم وقدم المتأخر، ومنع من له ظلامة، فلو خالف واتخذه كره.
قال: فإن احتاج اتخذ حاجباً؛ لأجل الحاجة، عاقلاً [أي] كما وصفنا في الكاتب، أميناً بعيداً من الطمع؛ لأن اتصافه بذلك يمنع ما ذكرناه من المحذور.
ثم هذه الأوصاف يظهر أن تكون واجبة، وإن لم تكن واجبة في الكاتب؛ لأن ما يتفق من خيانة [لو اتفقت من الكاتب، أزاحها القاضي بنظره، وما يتفق من خيانة] تصدر من الحاجب والبواب، لا مستدرك لها، ويقوي ذلك أن الماوردي قال: الشروط المعتبرة في الحاجب نوعان: واجب، ومستحب:
فأما الواجب: فثلاثة: العدالة، والعفة، والأمانة.
وأما المستحب: فخمسة: أن يكون حسن المنظر، جميل المخبر، عارفاً بمقادير الناس، بعيداً من [الطمع] والهوى والعصبية، معتدل الأخلاق بين الشراسة واللين.
وحكى القاضي أبو الطيب عن ابن المنذر: أنه يستحب أن يكون خصيّاً؛ حتى يكون أبلغ في العفة.
стр. 8731
وهذا في وقت انتصابه للأحكام؛ كما نبه عليه كلام الشيخ الآتي من بعد، أما إذا اتخذه في غير وقت انتصابه للحكم لم يكره.
قال الماوردي: بل إذا احتجب عن الناس في ذلك الوقت كان أحفظ لحشمته وأعظم لهيبته، وكان بعض أصحابنا يقول: إنما يكره للقاضي اتخاذ الحاجب في زمان [الاستقامة وسداد أهله، فأما في زمان] الاختلاط والتهارج واستطالة السفهاء والعامة، فالمستحب له أن يتخذ حاجباً؛ لحفظ هيبته، [ومَنْع] استطالة الخصوم. قال في "البحر": وبهذا أقول في زماننا. وقال القاضي أبو الطيب في أوائل الباب: ويستحب [له] أن يتخذ حاجباً يقوم على رأسه إذا قعد، ويقدم الخصوم ويؤخرها، فإذا حكم بين الخصمين وقاما دعا بغيرهما.
وفي "النهاية": أن الصيدلاني ذكر وجهين في أن القاضي هل يتخذ حاجباً؟ ثم ذكر طريقين في محل الوجهين.
إحداهما: أنه إذا لم يجلس للحكم فلم ذلك، وإن جلس له ففيه وجهان.
والثانية: [عكس هذه].
قال الإمام: ولا معنى عندنا للخلاف، ولكن إن كثرت الزحمة وكانت المصلحة في اتخاذ حاجب ليمنع الزحمة اتخذه، وإن كانت المصلحة على خلاف ذلك اتبعها. وهذا منطبق على ما حكاه الشيخ وكذا صاحب "الكافي".
قال: ويأمره ألا يقدم خصماً على خصم، ولا يخص في الإذن قوماً دون قوم، أي عند الاستواء؛ حراسة للقلوب عن التباغض.
قال: ولا يقدم أخيراً على أول؛ لأن تقديم المتقدم واجب، ومخالفة ذلك حرام؛ ففي أمره بذلك تحامٍ عن الظلم.
والخصم- بفتح الخاء- يقع على الرجل والمرأة، والجماعة منهما- بلفظ واحد.
стр. 8732
قال الجوهري: ومن العرب من يثنيه ويجمعه، فيقول: خصمان وخصوم.
والخصيم هو الخصم، وجمعه: خصماء، وخاصمته مخاصمة وخصاماً، فخصمته، أخصمه- بكسر الصاد-[والاسم: الخصومة. [واختصموا] تخاصموا، والخصم- بفتح الخاء وكسر الصاد]-: شديد الخصومة. ويقال للجانب من الغرارة والخرج، وكل شيء: خصم، بضم الخاء.
قال: ويوصي الوكلاء على بابه بتقوى الله- تعالى- ويأمرهم بطلب الحق؛ لأنه الحق، [وخلافه حرام].
قال: ويوصي أعوانه، أي الرسل الذين يحضرون الخصوم [إليه] بتقوى الله- تعالى- والرفق بالخصوم؛ لأن الإجحاف ظلم، والأمر بتركه من جملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقاضي أحق به.
[ثم واحد] "الأعوان": عون، وأصله: الظهير المعاون. وتقوى الله- تعالى-: امتثال أمره واجتناب نهيه، ومعناه: الوقاية من سخطه وعذابه، .
قال: ولا يتخذ شهوداً مرتبين لا يقبل غيرهم؛ لأن ذلك يؤدي إلى إدخال المشقة على عامة الناس؛ لأن من احتاج أن يشهد على حقه احتاج أن يقطع غليهم المسافة، وربما وجب له حق في موضع لم يحضروه؛ فلا يمكنه إثباته بالشهادة فيضيع.
قيل: [وأول] من اتخذ ذلك إسماعيل بن إسحاق المالكي، واتبعه سائر القضاة في بعض البلاد.
وهذا المنع قال في "الحاوي": إنه مكروه؛ لأنه مستحدث خولف فيه الصدر الأول، وتبعه صاحب البحر، والذي جزم به القاضي أبو الطيب وغيره: أن ذلك حرام؛
стр. 8733
لأنه مخالف للكتاب والسنة والإجماع، قال الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، ولم يخص، وقال ﷺ : "شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ"، ولم يفرق، وقد أجمع المسلمون على أن العدل مقبول الشهادة.
أما إذا رتب قوماً للشهادة ولكنه لا يمتنع من قبول [شهادة] غيرهم- قال الماوردي: فذلك جائز من غير كراهة.
قال: ويتخذ قوماً من أصحاب المسائل أمناء ثقات برآء من الشحناء بينهم وبين الناس؛ ليعرف حال من يجهل عدالتهم من الشهود؛ لأنه لا يمكنه البحث بنفسه.
واعتبار الأمانة- وهي العدالة- خشية من الخيانة في المسألة والطمع في الاستمالة بأخذ الرشا.
واعتبار الثقة التي أرادها وهي وفور العقل؛ ليصلوا بوفور عقولهم إلى غوامض الأمور بلطف، ويؤمن أن يتم عليهم خداع أو حيلة، وأيضاً فإن وافري العقل يتجنبون قول المتهم؛ فلا يسألوا عن الشاهد عدوه، فيظهر قبيحاً [ويخفي حسناً، أو صديقه، فيظهر حسناً ويخفي قبيحاً].
واعتبار البراءة من الشحناء- وهي بالمد-: البغض والعداوة بسبب نشب، أو حسد، أو مذهب كأهل الأهواء والعصبية- حتى لا يحملهم ذلك على جرح مخالفيهم وأعدائهم وتعديل موافقيهم وأحبابهم.
قال الماوردي: ولأن مَنْ طباعه العداوة والحسد، من الخير بعيد، ومن الشر قريب، فلم يوثق بخبره.
ومجموع لفظ الشافعي- ﵁ في "الأم" و"المختصر" في صفاتهم: أن يكونوا جامعين للأمانة في أديانهم، وافري العقول لا يغفلون بأن يسألوا الرجل عن
стр. 8734
عدوه فيخفي حسناً ويقول قبيحاً، أو عن صديقه فيخفي قبيحاً ويقول حسناً، برآء من الشحناء بينهم وبين الناس، [أو الحيف عليهم] أو الحيف على أحد، وألا يكونوا من أهل الأهواء والعصبية والمماطلة للناس؛ أي: اللجاج؛ لأن اللجوج ينصر هواه ويرتكب ما يهواه، ولا يرجع عن الخطأ إن ظهر له الصواب.
قال الماوردي: فإذا تكاملت هذه الأوصاف في أصحاب المسائل- وإن كان كمالها متعذراً- صاروا أهلاً أن يعول عليهم في البحث ويرجع إلى أقوالهم في التعديل والجرح. وهذا يقتضي اشتراطها، وفي "النهاية": أن هذه الأوصاف مستحبة.
قال: ويجتهد ألا يعرف بعضهم بعضاً، أي: بالصفة المذكورة؛ خشية أن يجمعهم الهوى على التواطؤ، ومن طريق الأولى: ألا يكونوا معروفين بذلك للناس؛ خشية أن يحتاج عليهم الشهود، أو المشهود له أو عليه، برشوة أو غيرها.
قال الماوردي: وكذا يحرص ألا يعرفوا لمن يسألونه حال الشهود فيأمنوا من احتيال أعداء الشهود في إظهار الجرح، وأصدقائهم في إظهار التعديل.
وأرباب المسائل الذين أرادهم الشافعي- ﵁ هم المذكورون، كما ذكره الماوردي.
وقال [الإمام]: إن من الأصحاب من قال ذلك، ومنهم من قال: إنه أراد بهم الرسل الذين يحملون الرقاع إلى المزكين للبحث عن أحوال الشهود.
وهذا كأنه قول أبي إسحاق الذي سنذكره في [الباب] التالي لهذا.
وحكى ابن أبي الدم أن منهم من قال: أراد: الذين يسألون المذكورين عن أحوال الناس.
قال: ولا يولي ولا يحكم ولا يسمع البينة في غير عمله، فإن فعل ذلك لم يعتد به؛ لأنه لا ولاية له فيه فأشبه سائر الرعية، وهكذا الحكم في الكتابة إلى قاض آخر.
وحكى الرافعي قبيل القسمة أن ابن القاص قال: إنه لا يحكم ولا يشهد في غير محل ولايته، فأما الكتاب فلا بأس به.
стр. 8735
قال الرافعي: وهو الذي يستمر على أصل الشافعي، ﵁.
وظاهر كلام الشيخ [يقتضي] أنه لا فرق في البينة التي سمعها في غير عمله بين أن تكون شاهدة بالحق كالغصب والإقرار ونحوه وهي ثابتة العدالة عنده، أو لا، ولا بين أن تكون شاهدة بالتزكية، وقد وقعت الشهادة بأصل الحق في العمل.
وفي "أدب القضاء" للزبيلي: أنه لو سمع الشهادة في غير عمله، ووقف على عدالتهم في عمله، وحكم بها- ففيه قولان. [قال]: وهذا بناءً على أن القاضي، هل يحكم بعلم نفسه أم لا؟
قلت: وفي هذا كلامان:
أحدهما: منع كون هذه الصورة من صور القضاء بالعلم؛ كما سيأتي.
والثاني: على تقدير التسليم، فأي معنى لفرض سماع عدالتهم في عمله، بل قد يظهر أن يقال: إن مأخذ الخلاف أن الاعتبار في شهادة الشهود إذا زكوا بوقت الأداء أو بوقت التزكية، وفيه كلام يرشد إليه قول الغزالي وإمامه في كتاب صلاة العيدين، فيما إذا شهد شاهدان بعد الغروب في يوم الثلاثين من رمضان رؤية الهلال ليلة الثلاثين-: إنا لا نصغي إليهما، ولو شهدا بعد الزوال يوم الثلاثين [وقبل الغروب عمل بشهادتهما في الفطر، وبان فوات العيد، ولو شهدا بعد الزوال وعدلا بعد الغروب] ففي فوات الصلاة وجهان:
أحدهما: [لا]؛ لأن النظر إلى وقت التعديل [؛ فيصلون من الغد بلا خلاف]، وقد عدلوا في غير وقته.
والثاني: النظر إلى وقت الشهادة، على أن [النظر إلى] هذا أيضاً بعيد.
ولو انعكس الحال، فسمع الشهادة في عمله والتعديل في غير عمله- قال ابن القاص: يحكم به؛ كذا حكاه في "الإشراف"، وزاد الرافعي في الحكاية عنه أن هذا
стр. 8736
بناءً على [أن له أن يقضي بعلمه.
وقال أبو سعد: هذا يخرج على] قول من يقول: إن الشهادة على العدالة تجوز بالاستفاضة. وقال [أبو] عاصم العبادي وغيره: القياس عندي أنه لا يحكم.
قال: ولا يجوز أن يرتشي؛ لما روى أبو بكر بن المنذر عن أبي هريرة قال: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي فِي الْحُكْمِ.
وروى أبو داود عن عبد الله بن عمر- ﵄ قال: لَعَنَ [رَسُولُ اللهِ ﷺ الرَّاشِي وَالمُرْتَشِي. وأخرجه ابن ماجة.
وروى ثوبان عن النبي ﷺ قال: "لَعَنَ] اللهُ الرَّاشِيَ، وَالمُرْتَشِيَ، وَالرَّائِشَ: الَّذِي يَمْشِي بَيْنَهُمَا"، وروى أنس نحوه.
ولأنه [إن أخذ للحكم] بغير حق، فالحكم بغير الحق حرام، والأخذ عليه حرام، وإن أخذ على إيقاف الحكم فهو يلزمه الحكم لمن وجب له؛ فتركه حرام، وإن
стр. 8737
أخذ على أن يحكم بالحق فليس له؛ لأنه يأخذ الرزق [على ذلك] من الإمام، فليس له أن يأخذ عليه عوضاً آخر.
أما دفع الرشا فهل يجوز؟ قال الأصحاب كما حكاه أبو الطيب [والإمام] والماوردي وابن الصباغ: إن كان يطلب بما دفع الحكم بغير الحق [أو إيقاف] الحكم بالحق حرم عليه، وإن كان يطلب به وصوله إلى حقه لم يحرم عليه، وإن كان حراماً على غيره؛ كما لا يحرم عليه أن يفك الأسير بماله.
قال في "المرشد": وتحمل لعنة الراشي والمرتشي على ما إذا قصد بها إيقاف الحكم [بالحق] أو الحكم بالباطل، ولذلك قال الله- تعالى: ﴿لِتَاكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .. [الآية] [البقرة: ١٨٨]، والمتوسط بينهما هو تابع لموكله فيهما، فإن [كان وكيلاً] عنهما كان فعله حراماً.
وهذا الكلام من الأصحاب يدل على أن الرشوة تكون لطلب حق ولطلب باطل، وقد حكي عن ابن كج [أنه] قال: الرشوة عطية بشرط أن يحكم له بغير حق، والهدية عطية مطلقة.
وكلام الماوردي يخالفه؛ فإنه قال: الرشوة: ما تقدمت الحاجة، والهدية ما تأخرت.
والذي حكاه الغزالي في "الإحياء" منطبق على الأول؛ فإنه قال: المال [إن] بذل لغرض آجل فهو قربة وصدقة، وإن بذل لغرض عاجل: فإن كان لغرض مال في مقابلته فهو [هبة] بثواب مشروط أو متوقع، وإن كان لغرض عمل محرم أو واجب متعين فهو رشوة، وإن كان مباحاً فإجارة أو جعالة، وإن كان للتقرب
стр. 8738
والتودد للمبذول له: فإن كان لمجرد نفسه فهدية، وإن كان ليتوسل بجاهه إلى أغراض ومقاصد: فإن كل جاهه بعلم أو نسب أو صلاح فهدية، وإن كان بالقضاء والعمل بولاية فرشوة.
وقد تقدم في هذا الباب حكم البذل في هذه الحالة.
قال القاضي أبو الطيب في "تعليقه"، وكذا الشيخ أبو حامد كما حكي عنه: إن تحريم أخذ الرشوة على الحاكم إذا كان [له رزق] من بيت المال، فأما إذا لم يكن له رزق، [أي]: وكان ممن يجوز أن يفرض له، فقال للمتحاكمين: لست أقضي بينكما حتى تجعلا لي رزقاً [عليه]- فإنه حينئذ يحل له ذلك. [وعلى ذلك] [جرى] الجرجاني في "التحرير".
قال ابن الصباغ: ويجوز مثل ذلك؛ لأنه لم يذكر أنه طلبه من أحدهما، وأما أخذه من أحدهما للحكم بالحق، فإنه يجري مجرى الهدية، وسنذكرها.
واعتبر البندنيجي في جواز ذلك: أن يكون مشغولاً في معاشه بحيث يقطعه النظر عن اكتساب المادة؛ كما [قاله في "الحاوي"]، أما إذا لم يقطعه إما لغنائه بما يستجده، وإما لقلة المحاكمات التي لا تمنعه من الاكتساب- لم يجز أن يرتزق من الخصوم، ثم اعتبر [الماوردي] في حالة الجواز- مع ما ذكرناه- ثمانية شروط:
أحدها: أن يعلم به الخصمان قبل التحاكم إليه، فإن لم يعلما إلا بعد التحاكم لم يجز أن يرتزقهما.
الثاني: أن يكون على الطالب والمطلوب، ولا يأخذ من أحدهما فيصير [به]
стр. 8739
متهماً.
الثالث: أن يكون عن إذن الإمام؛ فإن لم يأذن لم يجز.
الرابع: ألا [يوجد متطوع]؛ فإن وجد لم يجز.
الخامس: [أن يعجز [الإمام] عن دفع رزقه، فإن قدر [على ذلك] لم يجز.
السادس]: أن يكون ما يرتزقه من الخصوم غير مُضِرٍّ بهم، فإن أضَرَّ بهم وأثر عليهم [لم يجز].
السابع: ألا يستزيد على قدر حاجته، فإن زاد عليها لم يجز.
الثامن: أن يكون قدر المأخوذ مشهوداً، يتساوى فيه جمع الخصوم، وإن تفاضلوا في [المطالبات، فإن فاضل بينهم لم يجز إلا أن يتفاضلوا] في الزمان؛ فيجوز.
قال: وفي مثل هذا معرة [تدخل على جميع] المسلمين، وإن جازت في الضرورات فواجب على الإمام وكافة المسلمين أن تزال مع الإمكان؛ إما بأن يتطوع منهم بالقضاء من يكون من أهله، وإما بأن يقام لهذا بالكفاية؛ لأنه لما كانت ولاية القضاء من فروض الكفايات كان رزق القاضي بمثابة ولايته، فلو اجتمع أهل البلد مع أعوان بيت المال على أن جعلوا للقاضي من أموالهم رزقاً دارّاً جاز، وكان أولى أن يؤخذ من أعيان الخصوم.
وفي "الرافعي" أن القاضي أبا سعد الهروي قال: الأكثرون منعوا ما إذا رزقه أهل ولايته [أو واحد من الناس. وقال في موضع آخر- أعني: الرافعي-: لو رزق الإمام القاضي من مال نفسه، أو رزقه أهل ولايته]، أو واحد منهم- فالذي
стр. 8740
خرجه صاحب "التلخيص": أنه لا يجوز له قبوله. لكن قد ذكرنا في باب الأذان: أنه كما يجوز أن يكون رزق المؤذن من بيت المال، يجوز أن يكون من مال الإمام أو واحد من الرعية.
وأطلق الماوردي وصاحب "البحر" في كتاب القسمة القول بأنه لا يجوز للقاضي أن يأخذ [شيئاً] من الرعية إذا لم يكن له رزق من بيت المال، وفرق بينه وبين القسمة بما سنذكره فيها، إن شاء الله تعالى.
وحكي [عن] ابن كج أنه قال: ذكر جماعة من فقهاء أصحاب أبي حنيفة والشافعي: إذا لم يكن للقاضي شيء من بيت المال فله أن يأخذ عشر ما يتولاه من أموال اليتامى والوقوف؛ للضرورة. ثم بالغ [في] الإنكار عليه، وقال: أي ضرورة في هذا؟! [إن لم يتفرغ للقضاء من غير رزق فليمتنع.
ومن ذهب إلى هذا] فكأنه ذكر العشر تمثيلاً وتقريباً، ولابد من النظر إلى كفايته وإلى قدر المال والعمل، والله أعلم.
تنبيه: في الرشوةِ وجَمْعِها أربعُ لغاتِ: رِشْوة ورِشَا- بكسر الراء في المفرد والجمع- ورُشوة ورُشاً- بالضم فيهما- ورِشَوْة- بالكسر، ورُشاً بالضم- وعكسهما، ورشوة- بالفتح- وقد رشاه يرشوه [رَشْواً]، وارتشى: أخذ رشوة، واسترشى: طلبها.
قال: ولا يقبل هدية ممن لم يكن له عادة بالهدية [له] قبل الولاية، أي: وإن لم يكن له حكومة؛ لقوله ﷺ : "هَدَايَا الْعُمَّالِ غُلُولٌ"، وروي "سُحت"، وإذا كان ذلك في العامل، ففي القاضي أولى.
стр. 8741
وفي "الوسيط": أن القبول في حال عدم المحاكمة والحالة هذه جائز، لكن الأولى أن يُثيب أو يضع في بيت المال.
وفي "النهاية" أن القبول مكروه في هذه الحالة، وهو أشد كراهة من القبول فيما إذا [لم تكن] له عادة بالهدية له قبل الولاية [وهو في غير عمله،]، وعلى ذلك جرى في "البسيط".
والذي أورده العراقيون الأول، وكذلك البغوي وصاحب "الكافي"، واستدلوا له بما رواه الشافعي مسنداً عن أبي حميد الساعدي- ﵄ قال: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلاً مِنْ بَنِي الأَوْدِيَةِ، يُقَالُ لَهُ ابْنَ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: "هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ إِلَيَّ؛ فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى المِنْبَرِ [خَطِيْباً]، فَقَالَ: "مَا بَالُ العَامِلِ نَبْعَثُهُ عَلَى بَعْضِ أَعْمَالِنَا، فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ إِلَيَّ؟! أَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ، فَيَنْظُرُ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لَا؟! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَاخُذُ أَحَدٌ مِنْهَا شَيْئَاً إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيْراً لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةٌ لَهَا جُؤَارٌ، أَوْ شَاةٌ تَيْعِرُ"، ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ حَتَّى رَأَيْنَا عَفْرَ إِبْطِهِ، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ"، وقد أخرجه مسلم والبخاري وغيرهم، وإن اختلفت ألفاظهم.
وابن اللتبية: هو عبد الله، وهو بضم اللام وسكون التاء ثالثة الحروف وتحرك أيضاً، وبعدها باء موحدة مكسورة وياء آخر الحروف مشددة، وتاء تأنيث. وقد قيل: ابن الأتيبة، بضم الهمزة وسكون التاء ثالثة الحروف وتحرك أيضاً.
стр. 8742
وتيعر- بفتح التاء ثالثة الحروف، وسكون الياء آخر الحروف، وبعدها عين مهملة تفتح وتكسر، وراء مهملة-: الصياح، وقد قيل الثُّغاء للضأن، واليُعار للمعز، والجؤار- بضم الجيم وبعدها همزة-: الصوت، وحكى الأخفش أن بعضهم قرأ: ﴿عِجْلاً جَسَداً لَهُ جُؤار﴾ [الأعراف: ١٤٨].
قال: ولا ممن كانت له عادة- أي: بسبب رحم أو مودة- ما دامت له خصومة؛ لأن القبول في هذه الحالة بمثابة الرشوة.
قال البندنيجي: وهكذا لو أحس أنها لحكومة حرم القبول.
قال: فإن لم تكن [له] خصومة جاز أن يقبل، أي قدر ما جرت عادته بقبوله منه، ومثله؛ لخروج ذلك عن سبب الولاية، وهذا ما حكاه ابن الصباغ عن النص في "الأم"، ولفظه: وما أهدى له ذو رحم ومودة كان يُهاديه قبل الولاية، فالترك أحب إليّ، ولا بأس أن يقبل ويتمول.
قال ابن الصباغ: ومن أصحابنا من قال: لا يجوز قبولها؛ للحديث السابق. ووجهه في "الحاوي": بأنه يجوز أن تحدث له محاكمة، فيكون قد تسبب بالهدية للممايلة. وقضية كلام هذا القائل: أنه لا يجوز للحاكم قبول الهدية [بحال، وهو ما أورده الفوراني والمسعودي.
وعلى الأول- وهو ما ادعى البندنيجي أنه المذهب]- قال [الشيخ]: والأولى ألا يقبل؛ حسماً لمادة التهمة [بكل حال، وظاهر النص في "الأم" الذي تقدم: أنه يستحب ألا يقبل]، وعلى هذا اللفظ جرى القاضي الحسين والإمام والبندنيجي وأبو الطيب.
أما إذا أهدي إليه أكثر مما جرت به عادته أو أرفع منه، مثل أن كان يهاديه بالطعام، فصار يهاديه بالثياب- لم يجز قبولها؛ كما صرح به الماوردي، وتبعه البغوي وصاحب "الكافي"؛ لأن الزيادة هدية بالولاية- وكان قضية هذا التعليل أن يطرد ذلك في الهدية للإمام، وسنذكر عنه ما يخالفه، وعلى رأي الغزالي وإمامه: لا يحرم القبول.
стр. 8743
وهذا كله إذا كانت الهدية في عمله من أهل عمله.
قال الماوردي: ونزوله على أهل عمله ضيفاً كقبول الهدية منهم، ولو كانت الهدية في غير عمله من غير أهل عمله- لسفره عن عمله- قال الماوردي: فنزاهته عنها أولى به من قبولها، فإن قبلها جاز ولم يمنع منها، وحكى ذلك الفوراني والبغوي أيضاً، ولفظ ابن الصباغ حكاية للفظ الشافعي: فإن أهدي إليه في غير عمله كرهت له ذلك؛ فإن قبل جاز. فأجراه الشافعي مجرى من جرت عادته بالهدية له، ومن أصحابنا من حرمه، وقد حكى هذا الوجه البندنيجي وأبو الطيب أيضاً.
[وعلى الأول] قال في "الحاوي": لو نزل ضيفاً عليهم فلا يكره إن كان عابر سبيل، ويكره إن كان مقيماً.
ولو كانت الهدية في عمله من غير أهل عمله بأن أرسل بها رسول، فإن كان للمهدي حكومة حرم القبول، وكذا لو دخل بها [المهدي] بنفسه ولا حكومة له؛ لأنه صار من عمله بالدخول [فيه]، وإن أرسل بها ولا حكومة له؛ ففي جواز قبولها وجهان في "الحاوي".
فرع: ما حكم المال المأخوذ إذا قلنا: لا يجوز أخذه؟ أطلق ابن الصباغ فيه وجهين إتباعاً للقاضي أبو الطيب:
أحدهما: يرد إلى بيت المال للمصالح؛ لأنه أهدى إليه لمكان ولايته، وهو منتصب لمصلحة المسلمين، وكأن المهدي أهداه للمسلمين يصرف في مصالحهم.
والثاني: يرد إلى صاحبه، ثم قال: وكذلك العامل في الصدقات إذا أهدى له، فيه وجهان:
стр. 8744
أحدهما: يرد إلى الصدقات.
والثاني: يرد إلى مالكه.
والمذهب في "تعليق" البندنيجي في الصورتين: الأول، وفي "الحاوي" تخصيص الوجهين في الهدية للقاضي بالهدية المبتدأة التي لا مقابل لها، وقال فيما إذا وقعت قبل الحكم: فهي رشوة، فترد إلى مالكها وينفذ الحكم على المهدي إذا ردها قبله أو بعده، وكذلك ينفذ له إن ردها قبل الحكم، وإن ردها بعده ففي نفوذه وجهان. وقال فيما إذا وقعت الهدية بعد الحكم جزاء لما جرى: إنها ترد على مهديها، وإن الحكم معها نافذ.
وقد حكى المراوزة فيما يفعل بالمال مع القول بالتحريم- وجهين:
أحدهما: يرد لمالكه، وهو الذي عليه الأكثرون؛ كما حكاه الإمام.
والثاني: أن القاضي يملكه؛ لأن الهبة صدرت من مطلق، وكذلك القبول والتحريم محمول على التعريض للتهمة في الأمر الظاهر، فالملك بالإضافة إلى التحريم كالصلاة في الدار المغصوبة، وهذا ما اختاره صاحب "التقريب"؛ كما حكاه الفوراني.
وأشار الإمام إلى أن هذا الخلاف يقرب من تردد الأصحاب في أن من دخل عليه وقت صلاة في السفر، ومعه ماء يكفيه لوضوئه، فوهبه ممن لا يحتاج إليه لسقيه- فهل يملكه؟ وأن الخلاف في مسألتنا مرتب على الخلاف في مسألة الماء.
وفي "التهذيب" و"الكافي" حكاية الخلاف في ملك القاضي له إذا لم يثبه، أما إذا أثابه ملكه.
وعن القفال أن البذل إن كان ممن له خصومة لم يملكه، وإن كان المهدي من أهل ولايته، ولا خصومة له و [لا] كان يعتاد- الإهداء- فهل يملكه؟ فيه وجهان وهذا قريب من كلام الماوردي.
قال مجلي عقيب هذا الكلام: فإن قلنا: لا يملكه. فما الذي يفعل به؟ فيه وجهان:
стр. 8745
أحدهما: يدفع لبيت المال.
والثاني: يرد [إلى مالكه]. وكأنه أخذ هذا من مجموع الطريقين.
قال الرافعي: والقياس ما ذكره أبو الفرج الزاز، وهو أنه إذا لم يملكها يردها على مالكها، فإن لم يعرفه وضعت في بيت المال.
وهذا حكم الهدايا للقضاة، [وأما الهدايا] للأئمة، فقد قال [في "الحاوي"]: إنها إن كانت من هدايا دار [الإسلام]، فهي على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يهدي إليه من يستعين به على حق يستوفيه، أو على ظلم يدفعه عنه، أو على باطل يعينه عليه- فهذه [رشوة محرمة]، ويجب ردها على باذلها، ولا يجوز أن توضع في بيت المال، ويحرم على المهدي البذل في الصورة الأخيرة دون الأوليين.
الثاني: أن يهدي إليه من كان يهاديه قبل الولاية، فإن كان بقدر ما كان يهاديه قبل الولاية لغير حاجة عرضت [له]، فيجوز له قبولها، وإن اقترن بها حاجة عَرَضَتْ فيمتنع من القبول عند الحاجة، ويجوز أن يقبلها بعد الحاجة، وإن زاد في هديته على قدر العادة لغير حاجة، فإن كانت الزيادة من جنس الهدية جاز قبولها؛ لدخولها في المألوف، وإن كانت من غير جنس الهدية منع [من] القبول.
الثالث: أن يهدي إليه من لم يكن يهاديه قبل الولاية، فإن كان لأجل ولايته فهو رشوة يحرم عليه أخذها وإن كان الباذل مستحقّاً؛ للولاية، ويجب ردها، وهل يحرم البذل؟ فيه كلام ذكرته فيما تقدم في هذا الباب. وإن كان لأجل جميل صدر له منه إما واجباً أو تبرعاً، فلا يجوز قبولها [أيضاً؛ لأنه يصير مكتسباً لمجاملته،
стр. 8746
ويجب ردها، ولا يحرم البذل على المهدي]. وإن كان لا لأجل ولايته ولا مكافأة على جميل فهذه هدية بعث عليها جاهه، فإن [كان] كافأه عليها جاز له قبولها، وإن لم يكافئه عليها فلا يقبلها لنفسه، وهل يقبلها لبيت المال؛ لأن جاه السلطنة لكافة المسلمين، أو يردها ولا يقبلها؛ لأنه المخصوص بها؟ فيه وجهان، ولا خلاف في أن رسول الله ﷺ كان يقبل الهدية؛ لأنه كان يكافئ عليها، ولا يميله عن الحق شيء؛ فذلك جاز له ولم يجز لغيره.
وإن كانت من هدايا دار الحرب جاز له قبول هداياهم، ثم ينظر: فإن كانت لأجل السلطنة كانت الهدية للمسلمين، وإن كانت لأجل مودة سلفت بينه وبينهم قبل السلطنة جاز [له] أن يتملكها، وإن كانت لأجل حاجة عرضت، فإن كان لا يقدر على قضائها إلا بالسلطنة كان بيت المال أحق بها منه، وإن كان يقدر عليها بغير السلطنة كان أحق بها من بيت المال.
والهدية للعمال على جباية الخراج والصدقات إن صدرت من غير أهل عمله، فهي كالمهاداة بين غير الولاة من الرعايا، وسنذكر حكمها.
وإن كان من أهل عمله: فإن كانت قبل استيفاء الحق منه فهي رشوة يحرم عليه أخذها، سواء كان له رزق أو لا، وإن كانت بعد أخذ الحق منه: فإن كانت لأجل جميل صدر منه له كان يجب على العامل فعله، لم يجز أن يقبلها لنفسه إلا أن يعجل المكافأة، وهل يقبلها لبيت المال أو يردها على مالكها؟ فيه وجهان، وإن كانت بعد أخذ الحق منه على غير سبب أسلفه، فإن عجل المكافأة عليها بمثل قيمتها جاز أن يتملكها، وإلا فثلاثة أوجه:
أحدها: أنها تقر على العامل؛ لأن رسول الله ﷺ أَقَرَّ ابْنَ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الهَدِيَّةَ، وَلَمْ يَسْتَرْجِعْهَا مِنْهُ.
والثاني: تسترجع لبيت المال، وتضم [إلى] المال الذي استعمل عليه؛
стр. 8747
لوصولها بسببه، فإن رأى الإمام باجتهاد أن يعطيه إياها جاز إذا كان مثله يجوز أن يبدأ بمثلها، وإن رأى أن يشاطره عليها جاز؛ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ- ﵁ فِي ابْنَيْهِ حِيْنَ أَخَذَا مَالَ الفَيْءِ قَرْضاً، وَاتَّجَرَا فَرَبِحَا.
الثالث: إن كان العامل مرتزقاً قدر كفايته أخذت منه لبيت المال، وإن كان غير مرتزق أقرت عليه، ولو كان مرتزقاً ولم يكتف برزقه عما تدعوه الحاجة إليه استرجع منه ما تجاوز قدر حاجته. كذا قال تخريجاً لنفسه.
ويجوز بعد أخذ الحق منه أن يدخل في ضيافته إن كان مختاراً، ولا يجوز إن كان مستوطناً ولا قبل أخذه الحق منه.
والهدية من الرعايا بعضهم لبعض إن كانت لطلب آجل أو عاجل، هو مال أو مودة- فجائزة، وفي بعض الصور مستحبة؛ كما تقدم في الباب، وفي الهبة.
وإن كانت لأجل شفاعة، فإن [كانت] الشفاعة في محظور: كطلب محظور، أو إسقاط حق، أو معونة في ظلم- فقبولها حرام، وإن كانت الشفاعة في مباح لا يلزمه، فإن شرط [الهدية على المشفوع له فقبولها محظور، [وكذلك إن قال] المهدي: هذه الهدية جزاء شفاعتك، فقبولها محظور] أيضاً. وإن لم يشترطها الشافع، وأمسك المهدي عن ذكر الجزاء: فإن كان مهادياً له قبل الشفاعة لم يكره القبول، وإلا كره له القبول ما لم يكافئه عليها، فإن كافأه لم يكره.
فرع: يكره للحاكم البيع والشراء في نفقة عياله وتدبير ضياعه، وكذا الإتجار بنفسه؛ لقوله- ﵇: "مَا عَدَلَ [وَالٍ] اتَّجَرَ فِي رَعِيَّتِهِ أَبَداً"، ولأنه يشتغل بذلك عن القضاء الذي أخذ الرزق عنه، وربما حوبي، والمحاباة هبة.
قال الشافعي- ﵁ في "الأم": وذلك في مجلس الحكم أكره [له].
стр. 8748
وينبغي أن يكون [له] وكيل يقوم بذلك، ولا يعرف أنه وكيله؛ كي لا يحابي، فإن وكل وكيلاً يعرف بوكالته استبدل به غيره، ولو لم يجد من ينوب عنه تولى ذلك بنفسه؛ لأنه لابد [له] منه.
فإذا وقعت لمن باعه حكومة استخلف من يحكم بينه وبين خصمه؛ لأنه إذا تولى الكم بنفسه لم يأمن أن يميل إليه، قاله في "المهذب"، وهذا التحكيم على وجه الاستحباب، كما أشار إليه في "الحاوي".
قال: ولا يحكم لنفسه ولا لوالده، أي: من ذكر وأنثى وإن علا، ولا لولده أي: من ذكر وأنثى وإن سفل، ولا لعبده أي: القن أو المكاتب الكامل له أو له فيه شقص، وأمته أي: القنة أو المكاتبة أو أم الولد؛ لما يلحقه في ذلك من التهمة، ولأنه إذا لم تجز الشهادة لهم، فالحكم- وهو فوق الشهادة- أولى.
قال: وإن اتفق لواحد منهم خصومة، حكم فيها بعض خلفائه؛ إذ لا تهمة تلحقه، وهذا ما أورده [القاضي] أبو الطيب وابن الصباغ والبغوي وغيرهم، وقالوا: إذا لم يكن [له] خليفة [ثَمَّ]، ترافعا إلى قاضي [بلد] آخر، وإن كانا في بلد الإمام ترافعا إليه، وقيل: إن قلنا: إن الخليفة ينعزل بموته، لم يحكم له؛ كذا قاله الغزالي، وهو مطرد في أبعاضه، كما قاله الرافعي، وجعله ابن يونس الأظهر فيما إذا كانت الخصومة له.
وقد حكى الماوردي هذا الوجه، ولم ينبه على ما ذكر. ومقتضى البناء: أن يقال: إذا ترافع الإمام الأعظم وبعض الرعية إلى أحد القضاة، ألا يحكم له إذا قلنا: إن القاضي ينعزل بموت الإمام- كما سنذكره- وقد جزم الماوردي وغيره بجواز الحكم له؛ لأن القضاة ولاة في حقوق المسلمين، وإن صدرت ولايتهم عن الإمام.
стр. 8749
وقد حاكم علي يهوديّاً إلى شريح في دِرْع وهو قاضيه، وعمر حاكم [أبي ابن] كعب إلى زيد بن ثابت، وعثمان حاكم طلحة إلى جبير بن مطعم، ولم ينكر [ذلك] أحد.
والفرق بين القاضي والإمام على هذا الوجه: أن القاضي يمكنه الترافع إلى قاض آخر [أو إلى] الإمام، وليس كذلك الإمام لو امتنع ذلك.
وقد استدل بعضهم على جواز حكم الخليفة لقاضيه بفعل هؤلاء الصحابة- ﵃ والفرق الذي ذكرناه يمنع الاستدلال، وما ذكره الشيخ من منع الحكم للوالد ونحوه هو المشهود في الطرق.
وقد اختلف كلام الماوردي [فيه]:
فقال قبيل كتاب الشهادات: إن حكمه لهم مردود في قول جميع الفقهاء، وحكي عن أبي ثور جوازه [كالحكم] لغيره. قال: وهو خطأ؛ لأن الحكم أقوى من الشهادة، وهو ممنوع من الشهادة لهم؛ فكان أولى أن يمنع من الحكم [لهم].
وقال [قبل "كتاب] قاض إلى قاض" بأربع أوراق: في جواز حكمه لوالديه ومولوديه ثلاثة أوجه:
أحدها: لا يجوز حكمه لهم كالشهادة.
والثاني: يجوز، وإن لم يجز أن يشهد لهم؛ لأن طريق الحكم ظاهر، وطريق الشهادة باطن؛ فتوجهت إليه التهمة في الشهادة، ولم تتوجه إليه في الحكم.
والثالث: أنه يجوز أن يحكم لهم بالإقرار، ولا يجوز أن يحكم لهم بالبينة؛ لأنه [قد] يتهم بأنه يعدل [منها ما ليس بعدل]، ولا يتهم في الإقرار.
وكلام الإمام يقرب من هذا؛ لأنه قال بعد حكاية ما ذكره الشيخ عن الأصحاب:
стр. 8750
والأصح التفصيل، فنقول: قضاؤه له بعلمه مردود إن جوزنا القضاء بالعلم؛ قياساً على الشهادة، وأما إذا قضى له ببينة، ففيه وجهان:
أصحهما- كما قال عند الكلام في تزكية الوالد للولد-: أنه يقضي.
[وقال] في "الوسيط": الأصح أنه لا يقضي؛ إذ إليه الاستقصاء في دقائق [أداء] الشهادة والرد بالتهمة، وإليه التسامح فيه. وهذا لعله أخذه من كلام الإمام الذي سنذكره من بعد، وقد حكى الفوراني وجهاً: أنه يحكم لهم إذا قبلنا منه الشهادة لهم، وقد حكاه صاحب "التلخيص" أيضاً.
ثم على المذهب: فروع:
أحدها: إذا تحاكم إليه ولده ووالده، ففي الحكم لأحدهما على الآخر وجهان محتملان في "الحاوي"، أشار إليهما في "المهذب" بقوله: فقد قال بعض أصحابنا: إنه يحتمل وجهين.
والظاهر في "الرافعي"، وهو الذي أورده البغوي: المنع، ومقابله هو المختار في "المرشد"؛ لأنهما استويا في القرب، فانتفت تهمة الميل.
الثاني: لو سمع البينة، وفوض القضاء إلى غيره، فهل يجوز؟ فيه وجهان حكاهما الإمام، ثم قال: والوجه عندنا أن يقال: لا يقبل تعديله البينة فيما يتعلق بولده، وكذلك إذا كان هو الناقل. وفي "تعليق" القاضي الحسين أن ظاهر ما ذكره في "المختصر": أنه تسمع منه الدعوى، وتسمع منه البينة، ولا يقضي له؛ لأنه قال: يرد حكمه. فخص الحكم بالرد، ونص عليه؛ فدل على أن ما عدا الحكم غير مردود، وحكى مع ذلك احتمالاً للقفال في المنع.
الثالث: للوالد تحليف الولد عند الدعوى عليه، وإن كان فيه تفريغ ذمته وإسقاط المطالبة عنه؛ كذا قاله القاضي الحسين، وتبعه في الحكم البغوي وصاحب
стр. 8751
"الكافي"، وقالا: لأن التحليف ليس بحكم، بل هو قطع للخصومة. وقالا أيضاً: [إنه] إذا أقام المدعي على الابن بينة، فأراد الابن دفعها ببينة، لم يسمعها، [بل يسمعها] خليفته.
أما الحكم على من امتنع الحكم له، فلا شك في نفوذه في حق الوالد ومن في معناه، والعبد والأمة، وأما في حق نفسه فقد قال في "الحاوي": إنه يؤاخذ به، لكن لكون ذلك إقراراً أو حكماً؟ فيه وجهان، فإن قلنا: يكون إقراراً، صح فيما يصح الإقرار به، ويرد فيما لا يلزم الإقرار به؛ كشفعة الجوار إذا قال: حكمت بها على نفسي للجار. وإن [قلنا]: يكون حكماً على نفسه، فإذا حكم بها على نفسي للجار. وإن [قلنا]: يكون حكماً على نفسه، فإذا حكم [عليها] بشفعة الجوار لزمته، [وإذا حكم [على نفسه] بمقاسمة الإخوة الجد في الميراث، وكان جدّاً لزمه.
وعكس ما نحن فيه [العدو] إذا حكم عليه عدوه لا ينفذ حكمه، وإذا حكم له نفذ [حكمه، كما] حكاه القاضي الحسين والغزالي وغيرهما.
وفي "الحاوي" عند الكلام في التحكيم في نفوذ الحكم عليه ثلاثة أوجه:
أحدها: لا يجوز أن يحكم عليه بولاية القضاء ولا بولاية التحكيم؛ كالشهادة.
والثاني: يجوز بهما، بخلاف الشهادة، [والفرق: أن أسباب الحكم ظاهرة، وأسباب الشهادة] خافية؛ فانتفت التهمة عنه في الحكم، وتوجهت إليه في الشهادة، وهذا ما جزم به في "الأحكام السلطانية"، وقبل كتاب قاض إلى قاض كما ذكرنا.
وقال الرافعي لما وقف من كلامه على هذه الطريقة: وهذا يشكل بالتسوية بينهما في حق الأبعاض.
وفرق الماوردي بينهما بفرقين:
أحدهما: أن أسباب العداوة حادثة تزول بعد وجودها، وتحدث بعد عدمها،
стр. 8752
وأسباب الأنساب لازمة، لا تحول ولا تزول؛ فغلظت هذه، وخففت تلك.
والثاني: أن الأنساب محصورة متعينة، والعداوة منتشرة [مستبهمة] يفضي ترك الحكم معها إلى امتناع كل مطلوب بما يدعيه من العداوة.
والوجه الثالث: يجوز بولاية التحكيم؛ لانعقادها عن اختياره [، ولا يجوز بولاية القضاء؛ لانعقادها بغير اختياره].
تنبيه: مراد الشيخ بالحكم لعبده وأمته فيما ليس بمال إذا كان فيئاً كالقصاص في الأطراف على رأيه الذي حكيناه عنه في باب العفو والقصاص، والتعزير على رأيه ورأي غيره، وكذا [في] المال إذا كان العبد هو المتصرف فيه بأن كان مكاتباً، والكاف في قوله: "حكم فيها بعض خلفائه" مخففة.
فرع: وصي اليتيم إذا ولي القضاء فلا يقضي له؛ لأنه خصم في حقه كما في حق نفسه وولده، وهذا ما اختاره ابن الحداد.
وقال القاضي: يقضي؛ لأن كل قاض فهو ولي الأيتام.
قال [في] "الوسيط"- وتبعه صاحب "الأشراف" والرافعي-: وهو الصحيح.
ولأجل ذلك قال ابن أبي [الدم: إنه] الصحيح عند متأخري الأصحاب، وعليه العمل في الأمصار.
قال: ومن تعين عليه القضاء وهو مستغن [عنه،] لم يجز أن يأخذ [عليه الرزق من بيت المال؛ لأنه فرض تعين عليه؛ فلم يجز أن يأخذ]؛ لإسقاطه بدلاً؛ كما لا يجوز أن تعتق الرقبة الواجبة [في الكفارة بعوض عليها، ولا تخرج الزكاة بعوض يشترطه على المسكين والفقير].
وفي "الرافعي": أن صاحب "التقريب" قال: يجوز أخذ الرزق [في هذه الحالة] كصاحب الطعام في المخمصة، وهذا ما حكاه في "الإشراف" عن أصحابنا بالعراق،
стр. 8753
والأول عن أصحابنا بخراسان؛ ولأجله قال الشيخ أبو علي: المعروف لأصحابنا أنه لا يجوز. كما حكاه عنه ابن أبي الدم.
قال: وإن كان محتاجاً جاز [له]؛ لأنه لا يلزمه تضييع أمر نفسه لمراعاة حق غيره.
قال البندنيجي: ولأنه إذا أخذ الرزق في [هذه] الحالة قام بفريضتين: فريضة القضاء، وفريضة الإنفاق على نفسه وعياله، والحاجة تتحقق بأن يكون لا مال له ولا كسب، أو له كسب لكن يتعطل [عنه] بسبب القضاء.
ثم المأخوذ في هذه الحالة ما يحتاج إليه لنفسه ولخادمه من غير إسراف ولا تقتير؛ كما قاله الماوردي.
قال في "التهذيب" و"الكافي": ويعتبر في الكسوة ما يليق بحاله في زمانه، ولا يستحق ذلك إلا من حين وصوله لعمله ونظره فيه، [أو تصديه] للنظر وإن لم ينظر؛ كالأجير في العمل إذا سلم نفسه لمستأجره فلم يستعمله، ولو لم يتصد للنظر فلا رزق له، قاله الماوردي قبل الكلام في العزل.
قال: ومن لم يتعين عليه جاز أن يأخذ [ما يحتاج إليه] لنفسه وخادمه؛ لما روى أبو داود عن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النبي ﷺ قال: "مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَرَزَقْنَاهُ رِزْقاً، فَمَا أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ غُلُولٌ"، وَلِأَنَّ عُمَرَ- ﵁ اسْتَقْضَى شُرَيْحاً وَجَعَلَ لَهُ فِي كُلِّ شَهْرٍ مِائَةَ دِرْهَمٍ، [فَلَمَّا أَفْضَتِ الخِلَافَةُ إِلَى عَلِيٍّ- ﵁ جَعَلَ لَهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ]، وَقَدْ أَخَذَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ عَلَى القَضَاءِ رِزْقاً، ولأن الله- تعالى- جعل للعاملين على الصدقات جزءاً منها، والقضاة بذلك
стр. 8754
أولى؛ لأن النفع بهم أهم [وأعم]، ولأن ما لا يتعين فرضه يجوز أخذ الرزق عليه؛ كغسل الميت وحمله ودفنه.
قال الماوردي: ويكون هذا الرزق جعالة ولا يكون أجرة؛ لأن الأجرة مستحقة بعقد لازم، والجعالة مستحقة بعقد جائز، والقضاء من العقود الجائزة؛ فلذلك كان الرزق عليه جعلاً، وما ذكره من الحكم ينطبق عليه قول ابن الصباغ: لا يجوز عقد الإجارة على القضاء.
ووجَّهه بأنه عمل غير معلوم، والشيخ أبو حامد وجَّهه بأنه عمل لا يعمل الغير عن الغير، وإنما يقع عن نفسه ويعود نفعه على الغير.
وقال البندنيجي: ومن أصحابنا من سها، فقال: يجوز أخذ الأجرة على القضاء.
وعن "فتاوى" القاضي الحسين إلحاق ذلك بالأذان حتى تجوز الإجارة عليه على رأي؛ لأن كل واحد منهما يعود نفعه إلى عامة المسلمين.
قال: وللقرطاس الذي يكتب فيه المحاضر؛ لأن الحاكم لا يستغني عن إثبات الحجج والمحاكمات وكتب المحاضر والسجلات؛ خشية من النسيان، وذلك من عموم المصالح، فكان بيت المال أحق بها.
وفي معنى [ذلك] أرزاق أعوانه من كاتب وحاجب ونائب وقاسم وسجان، وأجرة سجن أو ثمنه وأجير يحضر الخصوم.
قال البندنيجي: وقد بين الشافعي من يأخذ الجعل على عمل الخير فقال: ولو أن القاضي والقاسم وكاتب القاضي وصاحب الديوان وصاحب بيت المال والمؤذنين لم يأخذوا جعلاً وعملوا محتسبين، كان أحب إليَّ، وإن أخذوا جعلاً لم يحرم عليهم عندي، وبعضهم أعذر في أخذ الجعل من بعض، وما منهم من أحد كان أحب إليَّ أن يترك الجعل من المؤذنين، ولا بأس أن يأخذ الأجرة على الحج إذا كان قد حج عن نفسه، ويأخذ الجعل على أن يكتال [للناس، ويزن لهم ويعلمهم القرآن والنحو، وما يتأدبون به من شعر ليس بمكروه ونحوه].
стр. 8755
قال: وإن احتسب ولم يأخذ، أي: لنفسه وخادمه- فهو أفضل؛ ليقع أجره على الله- تعالى-[مع] أنه أبعد عن التهمة.
وحكى ابن أبي الدم عن الشيخ أبي علي أنه يكره له الأخذ والحالة هذه.
ومحل الجواز إذا لم يجد متطوعاً بالقضاء، فإن وجده وهو صالح، فلا يجوز أن يعطى من بيت المال، صرح به الماوردي وصاحب "البيان"، وأشار إليه البندنيجي وابن الصباغ حيث قالا: ولا يولي من يطلب على القضاء رزقاً، فإن لم يجد كان له أن يولي من يعطيه رزقاً على نظره.
فرع: إذا تعذر الأخذ من بيت المال، فأمر ما يأخذه القاضي من الخصوم وغيرهم قد تقدم، وأما القرطاس ونحوه فقد قال الشافعي- ﵁: إنه يقول للطالب: إن شئت فَاتِ بصحيفة تكتب فيها شهادة شاهديك وكتاب خصومتك، ولا أُكرهك، ولا أقبل أن يشهد لك شاهد بلا كتاب. فأنسأ شهادته، واختلف الأصحاب في مراده بقوله: ولا أقبل أن يشهد لك .. إلى آخره، على وجوه ليس هذا الكتاب موضوعاً لمثلها، وإن كنت قد ذكرتها في المبيضة.
وما ذكره الشيخ [من تحريم أخذ الرزق وجوازه، قال ابن الصباغ والبندنيجي:] وهو جارٍ في تحمل الشهادة وأدائها وإقامة الصلاة والأذان، وكذا العون يكون على من أرسله في طلب خصمه، وكذا كراء السجان على صاحب الحق؛ لأنه كالأجير له يحفظ مديونه، صرح [به] الزبيلي، بخلاف أجرة السجن؛ فإنها على المحبوس.
فرع: إذا جعل الإمام على القضاء رزقاً، فإن سماه للأصل اختص به، وإن سمي القضاء وأطلق شاركه فيه خلفاؤه بحسب كفاياتهم في النظر وكثرة العمل، فإن عزل من استخلفه وقام بعمله، جاز أن يأخذ رزقه، وإن لم يقم به لم يجز أن يأخذه، قاله في "البحر" عند الكلام في الاستخلاف.
следующие страницы →