Полный текст (9 685 стр.). Показаны 8681–8720 · переход к 8686.
стр. 8681
من يحل محل المسلمين أجمعين في القيام بمهم من مهمات الدين.
وعكس هذا في التعالي ما حكى ابن كج عن بعض الأصحاب: أن القضاء مكروه؛ احتجاجاً بالأحاديث المحذرة، وعبر عنه الزبيلي بأن تركه أولى، أما إذا عرض عليه ذلك وقلنا بعدم تعينه عليه، فقد قال الغزالي: الأولى القبول.
ويمكن حمل ما حكيناه عن الأصحاب على هذه الحالة، وهو الأشبه، وقال البندنيجي وأبو الطيب في حالة عدم الحاجة والخمول: إنه لا يستحب له الدخول فيه، وفي حالتي [الحاجة أو الخمول: يستحب له الدخول.
وعبارة ابن الصباغ] وصاحب المرشد في حالة عدم الحاجة والخمول: الأولى عدم الدخول؛ ليتفرغ لتعليم العلم والفتوى، وعلى هذه الحالة يحمل امتناع ابن عمر- ﵄ عن القضاء حين دعاه عثمان، وفي حالة الحاجة أو الخمول الأولى الدخول، وحديث عبد الرحمن بن سمرة والذي ذكرناه قبله يدل لما حكاه الغزالي.
وسلك الماوردي في "الحاوي" طريقاً آخر فيما نحن فيه، فقال: للطلب خمسة أحوال: مستحب، ومحذور، ومباح، ومكروه، ومختلف فيه:
فالأول: إذا كانت الحقوق مضاعة بجور أو عجز، والأحكام فاسدة بجهل أو هوى، فيقصد بطلبه حفظ الحقوق وحراسة الأحكام؛ لأن المطلوب به أمر بمعروف ونهي عن منكر، وفي هذه الحالة يستحب له بذل المال؛ لتحصيله أيضاً.
والثاني: إذا قصد بطلبه انتقاماً من أعداء أو مكسباً بارتشاء؛ لأنه قصد به ما يأثم به، وبذل المال في هذه الحالة [لحصوله] محرم أيضاً.
والثالث: إذا قصد به استمداد رزقه من بيت المال، أو استدفاع الضرر به؛ لأن المقصود به مباح، والبذل في هذه الحالة إن كان بعد الولاية لم يحرم على الباذل، وإن كان قبله حرم عليه.
والرابع: إذا طلبه للمباهاة والاستعلاء به؛ لأن المقصود به مكروه؛ قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً﴾ [القصص: ٨٣]،
стр. 8682
وفي هذه الحالة بذل المال مكروه- أيضاً- والآخذ آثم في كل الأحوال.
وقد [حكى] عن ابن خيران [وابن القاص] وآخرين إطلاق القول بأن البذل محظور، وبأن قضاءه إذا ولي مردود، وحكى الماوردي عند الكلام في قبول الهدايا: أن الباذل إن كان مستغنياً عن الولاية حرم عليه البذل، وإن كان محتاجاً إليهالم يحرم.
والخامس: إذا طلبه رغبة في الولاية والنظر، فقد اختلف فيه أصحابنا والسلف قبلهم على ثلاثة مذاهب:
أحدها: يكره أن يكون له طالباً، ويكره أن يجيب إليه مطلوباً.
[والثاني: يستحب له أن يكون طالباً، وأن يجيب إليه مطلوباً].
[والثالث- قال: وهو أعدلها-: يكره أني كون طالباً، ويستحب أن يجيب إليه مطلوباً].
وإذا كان ثمن من هو أفضل منه، فالكلام في ذلك يبنى على صحة تولية القضاء للمفضول مع وجود الفاضل، [وفيه خلاف عند الأصوليين مرتب على الخلاف في انعقاد إمامة المفضول مع وجود الفاضل]، وأولى بالانعقاد، وهو الذي صححه الرافعي والغزالي، وحكاه الإمام عن الأكثرين، وقال: إنه المختار.
والفرق على هذا بين الإمامة، والقضاء: أن ما يحصل من نقض القاضي الإمام من وراء نظره فينجبر بنظر الإمام، وما فات من فضل الإمام لا جابر له.
وفرق الماوردي: بأن القضاء نيابة خاصة؛ فجاز أن يعمل فيها على اختيار المستنيب، والإمامة ولاية عامة؛ فلم يصح فيها تفريط أهل الاختيار؛ لافتياتهم على غيرهم، فإن قلنا بعدم الانعقاد كان طلبه حراماً، وكذلك القبول، ويحرم على الإمام التولية، وإن قلنا بالصحة: فإن امتنع الفاضل من القبول فهو كالمعدوم، وإن لم يمتنع فالقبول جائز إن ولي بغير مسألة، والأولى ألا يقبل.
стр. 8683
قال البغوي والغزالي: والطلب مكروه.
وعن القاضي الحسين: أن الطلب من الطالب حرام، ويكره للإمام أن يوليه القضاء، فإن ولاه انعقد، ويكره له التقليد إن أمكنه أن يتعلل.
قال الإمام: ودعواه تحريم الطلب [مع تصحيح نصب المفضول خطأ، وقد [قال:] يكره للإمام أن ينصبه، وحكم الطلب] يتلقى من حكم النصب، ولو كان الموجود في البلد دونه، فإن قلنا: لا تنعقد ولاية المفضول، فقد تعين، وحكمه سبق، وإن قلنا: تنعقد، كان الأولى له القبول؛ لتحصل بذلك المزية للمسلمين، وقيل: يجب إذا قلد من غير مسألة.
قال الرافعي: وهذا الخلاف قريب من الخلاف المذكور فيما إذا امتنع الكل، هل يجبر الإمام أحدهم؟ والأظهر هنا: عدم الوجوب؛ لأنه قد يقوم به غيره.
قلت: بل هو قريب من الخلاف الذي حكيته عن ابن الصباغ وغيره في أن الإمام إذا عين واحداً ابتداء للقضاء مع مساواته لغيره، هل يجب عليه عيناً؟ ويظهر أن يكون الأظهر ها هنا: الوجوب؛ لامتياز هذا بالفضل الذي [قيل: إنه] سبب التعيين.
وقد قال الماوردي: إذا تكاملت شروط القضاء في جماعة، وكان فيهم طالب للولاية وفيهم ممسك، فالأولى تقليد الممسك، فإن امتنع [لعذر لم يجبر، وإن امتنع] لغير عذر ففي جواز إجباره عليه وجهان، فإذا كان هذا لأجل فضل الامتناع فكيف بك [في] غيره؟!
والطلب جائز بل مستحب، قال الرافعي: [وحيث] استحببنا الطلب والتقليد أو أبحناهما، فذاك عند الوثوق وغلبة الظن بقوة النفس، وأما عند الاستشعار فينبغي أن يحذر؛ فإن أهم الغنائم حفظ السلامة.
وبالجملة: فالذي [كان] عليه الشافعي- ﵁ الامتناع من الدخول فيه، وكذا الصدر الأول من أصحابه، وكذا الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم؛
стр. 8684
[اقتفاء] لأثره، حكى القاضي أبو الطيب: أنه [روي أن] المأمون كتب إلى الشافعي يستدعيه؛ ليولِّيه القضاء في الشرق والغرب؛ فأبى، وجعا المزني في مرض موته، ونهاه عن توليه القضاء، وأظهر له كتاب المأمون، وقال: إني لم أظهره لأحد غيرك.
وحكي- أيضاً-: أن أبا القاسم الصيدلاني المقري حدثه، فقال: كنت أمشي [مع] أبي بباب الشام، فأراني دكاكين [مختمة]، فقال: أبصر هذا؛ حتى تحكي: هذا عقار أبي علي بن خيران، استدعاه ابن الفرات للقضاء؛ فهرب؛ فختم عقاره حتى يظهر.
وروي أن أبا علي بن خيران صاحب أبي العباس ابن سريج كان يعاتب ابن سريج على توليه القضاء، ويقول له: هذا الأمر لم يكن في أصحابنا، إنما كان في أصحاب أبي حنيفة، يعني: أبا يوسف وغيره، وأول من دعي بقاضي القضاة في الإسلام: أبو يوسف، حين ولاه المهدي، ثم أقره الرشيد.
وقد حكي: أن أبا حنيفة- ﵀ ممن امتنع من الدخول فيه، حكى القاضي أبو الطيب: أن المنصور استدعى سفيان الثوري وأبا حنيفة وشريكاً؛ فهرب سفيان من الطريق، فعرض على أبي حنيفة [القضاء] فامتنع، وقال: أنا لا أصلح له، وعرض على شريك فاعتذر بعلل، فأزاحها وقلده القضاء.
وروى أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في "تاريخه الكبير" وغيره: أن المنصور طلب أبا حنيفة- ﵀ للقضاء، فأبى، فحلف المنصور ليفعلن، وحلف أبو حنيفة: إنه لا يفعل، فقال له الربيع: يحلف أمير المؤمنين وتحلف أنت؟! فقال: أمير المؤمنين أقدر على كفارة يمينه منِّي، فحبسه المنصور أياماً، ثم أحضره، فقال [له] أبو حنيفة: يا أمير المؤمنين أنا لا أصلح للقضاء، فإن كنت صادقاً فلا أصلح، وإن كنت كاذباً فلا أصلح؛ للكذب، فرده إلى الحبس، وضربه بالسياط،
стр. 8685
فلم يلِ، فأطلقه.
قال ابن أبي الدم: وهذه الرواية الصحيحة، وغلا فقد روي: أنه لما توعده إن لم يلِ، أجاب؛ فولاه قضاء الرصافة التي بناها المنصور لابنه المهدي، فقعد يومين لم يأته أحد، فلما كان اليوم الثالث حضره رجلان، فادعى أحدهما على الآخر [درهمين] أربعة دوانيق، فأنكره، فطلب يمينه، فقال له: قل: والله، فشرع في اليمين، فلما رأى إقدامه على اليمين دفع إليه ذلك [من ماله،] ثم مرض بعد يومين، ثم مات بعد ستة أيام، ﵀.
وروى الخطيب أبو بكر البغدادي: أن الشافعي- ﵁ ولي القضاء بنجران من بلاد اليمن يومين أو ثلاثة، ثم حمل إلى بغداد، والصحيح: أن أبا حنيفة والشافعي- ﵄ لم يلياه البتة.
فائدة- ضمنها تنبيه:
قال الرافعي: طرق الأصحاب متفقة في تعين الشخص للقضاء، وعدم تعينه [على النظر] إلى البلد والناحية لا غير.
قلت: وعليه ينطبق قول أبي الطيب: الذي يجب عليه أن يتولى القضاء رجل ذو علم وأمانة، وليس في البلد غيره؛ فإنه يجب عليه أن يتولى [قضاء] ذلك البلد.
وقول القاضي الحسين: فإن لم يكن في بلده من يصلح للقضاء، فلا يكره له طلب القضاء، بل يستحب، وإن قيل: يفترض عليه فرض عين، لم يبعد، وقول الإمام: وإن لم يكن في الناحية من يصلح غيره افترض عليه أن يتعرض.
[قال الرافعي]: وقضية ذلك ألا يجب على من يصلح للقضاء طلب القضاء ببلدة [أخرى لا صالح [له] فيها، ولا قبوله إذا ولي، وأنه يجوز أن
стр. 8686
يفرق] بينه وبين سائر فروض الكفايات المحوجة إلى السفر: كالجهاد، وتعلم العلم، ونحوهما؛ فإنه يمكن القيام بتلك الأمور والعود إلى الوطن، وتحمل القضاء لإيجابه له والانتقال إليه هجرة، وترك الوطن بالكلية تغريب.
قلت: وفي هذا نظر؛ لأن ابن الصباغ وغيره قالوا: إذا كان الإمام في بلد، واحتاج بلد آخر إلى قاض- فإنه يلزمه أن يبعث إليهم قاضياً؛ لأنه لا غنى بهم عنه، ولا يكلفون المصير في خصوماتهم إلى بلد الإمام، وقد بعث رسول الله ﷺ عليّاً إلى اليمن قاضياً، وإذا كان بعث القاضي على الإمام متعيناً، فلا بد من مبعوث يجب عليه المضي، وحينئذ فيعود الكلام إلى تعينه؛ لكونه لا صالح له غيره، أو كونه فرض كفاية [لصلاحية جمع] له، وأيضاً فإن الإمام لو ولي البلد لواحد من غيرها مع وجود صالح فيها صح، وهذا يمنع حقيقة التعين لو كان التصوير خاصّاً بما ذكره، والله أعلم.
قال: ويجوز أن يكون في البلد قاضيان فأكثر، [ينظر كل واحد منهم في موضع؛ لأن نيابة القاضي عن الإمام فكانت على] حسب الاستنابة؛ كالوكالة، ولا فرق بين أن يكون ذلك في غير بلد الإمام، أو في بلده؛ كما جرت به العادة ببغداد، وإذا جاز ذلك في البلد الواحد؛ ففي البلاد أولى أن يجعل لكل بلد قاض، وهذا بخلاف الإمامة؛ حيث لا يجوز أن يكون في كل ناحية إمام مع القدرة على شمول نظره الناحيتين اتفاقاً؛ لأن القصد ثم جمع الكلمة، ولا يحصل مع الافتراق.
قال الماوردي: وإذا ولي في بلد قاضيان [كان] كما إذا ولي في جانب
стр. 8687
مُضَر من البصرة واحد، وفي جانب ربيعة منها [آخر]- نظر كل واحد في جانبه بين أهله دون الطارقين إليه، ولا يتعداهم، وفيه نظر إن صحت النسخ. هكذا قال، ولو تحاكم من الجانبين رجلان، فدعا كل واحد منهما إلى قاضي جانبه- نظر: فإن كانا عند التنازع قد اجتمعا في أحد الجانبين أجيب قول من [هو في جانبه]، طالباً كان أو مطلوباً، وإن كان كل واحد منهما في جانبه، فليس لواحد منهما أن يجبر الآخر على المحاكمة إلى قاضيه.
فرع: لو كان بين الجانبين موضع مشترك بينهما، روعي الأغلب عليه في إضافته إلى أحدهما، ويجعل داخلاً فيه، فإن استوى الأمران دخل في ولاية قاضي كل جانب ما كان أقرب إليه من غيره.
وقد احترز الشيخ بقوله: ينظر كل واحد منهما في موضع، عما إذا ولي قاضيان في بلد، لينظر كل واحد منهما فيه بين جميع أهله، إما بشرط عدم الاستقلال دون مراجعة صاحبه، أو مع الاستقلال؛ فإن الأصحاب متفقون على عدم الصحة عند اشتراط اجتماعهما على القضاء؛ لأن اختلاف الاجتهاد غالب والتقليد ممتنع؛ فيؤدي إلى بقاء الخصومات واستمرار المنازعات، واختلفوا في الصحة عند إثبات الاستقلال [لكل واحد] على وجهين:
أصحهما- عند الإمام في "الغياثي": المنع، وعلى ذلك ينطبق قول مجلي: إن الأصحاب صححوه. واختاره في "المرشد"؛ لإفضاء ذلك إلى التشاجر والتنازع عند الترافع؛ لعدم مزية أحدهما على الآخر، وخالف ما إذا كان الإمام في بلد وولى قاضياً فيه، أو استخلف القاضي نائباً؛ فإن المنازعة مرتفعة؛ لترجيح دعوى طالب الأصل؛ كما أشار إليه الإمام في "النهاية"، وسيأتي حكاية مثله عن الماوردي عند الكلام في الاستخلاف.
والثاني- وهو ما ادعى الماوردي أنه قول الأكثرين، وصححه الرافعي وابن أبي الدم، وقال في "البحر": إن الشافعي نص عليه-: الجواز؛ لأنها استنابة كالوكالة.
стр. 8688
وعلى الوجهين فرعان:
أحدهما: إذا قلنا بالمنع، قال الرافعي والماوردي وغيرهما: فلو جمع بينهما في التقليد بطلت ولايتهما، وإلا صحت ولاية الأول، وبطلت ولاية الثاني.
قلت: والأشبه: بناء ذلك على أن الإمام إذا عزل [القاضي] من غير مستند، هل ينعزل؟ وفيه كلام سنذكره عند قول الشيخ: "فإن مات القاضي الكاتب"، فإن قلنا: إنه لا ينعزل، فالأمر كما قالوه؛ لأنه شبيه في هذه الحالة بالإمام، وإن قلنا: إنه ينعزل، وهو ما أورده الماوردي وغيره- كما سنذكره- فينبغي أن تكون ولاية القاضي الثاني صحيحة، متضمنة لعزل الأول، ويشهد لذلك أمران:
أحدهما: ما حكاه الماوردي من أن الإمام إذا ولى شخصاً إقليماً يعجز عن النظر في جميع نواحيه، فإن له أن يقلد فيه من ينظر فيه، وكذلك الإمام، فإذا ولى الإمام فيه شخصاً انعزل الأول عن تلك البقعة.
والثاني: أن البائع إذا باع المبيع في زمن الخيار من آخر صح بيعه للثاني، وكان فسخاً للعقد الأول على الصحيح؛ كما ذكرناه في موضعه؛ لأن العقدين لا يمكن اجتماعهما في الصورتين، بل العزل هنا أولى من الفسخ ثم؛ لأن البيوع [الأصل] فيها اللزوم، فالقدرة فيها على الفسخ على خلاف الأصل، والقضاء على الوجه الذي عليه نفرع عقد جائز؛ كالوكالة، فتطرق الرفع إليه من مقتضاه.
ومما يؤيد صحة البناء الذي ذكرته: أن الرافعي حكى عند الكلام في العزل عن بعض الشروح ذكر وجهين: في أن تولية قاض بعد قاض، هل تكون عزلاً للأول أم لا؟ ثم قال: وليكونا مبنيين على أنه هل يجوز أن يكون في البلد قاضيان؟ وهذا عين المدعي.
الثاني من الفرعين: إذا قلنا بالجواز، فإذا اتفق ذلك، قال الماوردي عند الكلام في العزل: إن اقترن بتقليد الثاني شواهد عزل الأول وانعزل بتولية الثاني، وإلا كانا شريكين في النظر، وفي هذه الحالة إذا استحضر رجلان شخصاً كل منهما إلى قاض أجاب من سبق داعيه، فإن جاءا معاً أقرع بينهما. قاله القاضي الحسين والإمام وغيرهما.
стр. 8689
وقد نسب هذا للشيخ أبي علي، وفي بعض الكتب: أن في "الذخائر": أنهما إذا جاءا معاً قدم بالقرب، فإن استويا في القرب فالقرعة، ولم أره. كذا.
ولو اختلف الخصمان في التجاذب إلى كل واحد من القاضيين، أطلق الغزالي تحكيم القرعة، وفي "الحاوي": أنه يغلب جانب الطالب، فلو كان كل منهما طالباً ومطلوباً رجح جانب الأقرب من القاضيين، فإن استويا في القرب فوجهان:
[أحدهما- وهو الأظهر] في "الرافعي"-: القرعة.
والثاني: يقطع التنازل بينهما حتى يتفقا على الرضا بأحدهما.
فرع: إذا أطلق الإمام نصب اثنين، ولم يشترط عليهما الاجتماع، ولا صرح بالاستقلال- فعن صاحب "التقريب": أنه يحمل على [إثبات] الاستقلال؛ تنزيلاً للمطلق على ما يجوز، وعن غيره: أن التولية فاسدة، ما لم يصرح بالاستقلال.
واعلم أنه كما يجوز [نصب قاضيين في بلد كل [منهما] في جانب، يجوز نصبهما فيه على] أن يحكم كل منهما في أيام معينة من كل أسبوع [أو من أسبوع واحد، وتبقى الولاية في الحالة الأولى مستمرة على النحو المشروط،] وتنقطع بمضي المدة المعينة في الثانية، ولو أطلق الولاية حملت على الأسبوع الأول لا غير، ولا يجوز لواحد منهما أن يحكم في غير نوبته، وعن القاضي ابن كج حكاية وجه فيما إذا قال: قلدتك القضاء سنة، أن التولية تبطل كما في الإمامة، والظاهر: الأول؛ تشبيهاً بالوكالة، ولو كان كالإمامة لما جاز تخصيصه ببعض الأمور.
وقد قال الأصحاب: إنه لو فوض لأحدهما الحكم بين من يرد داره أو مسجده من الخصوم وللآخر مثل ذلك، أو فوض لأحدهما الحكم بالإقرار دون البينة، وللآخر عكس ذلك، أو فوض لأحدهما الحكم بين الرجال، وللآخر الحكم بين النساء، أو لأحدهما الحكم بين العرب، وللآخر الحكم بين العجم- جاز، وفي
стр. 8690
الحالة الأخيرة لو كان [في العجم] موالٍ للعرب، ففي أحق القاضيين بالنظر في أحكامهم وجهان مبنيان على الخلاف في موالي ذوي القربى، هل يحرم عليهم من الصدقات ما يحرم على ذوي القربى أم لا؟
وإذا وقع التنازع بين رجل وامرأة في الصورة السابقة على الأخيرة، أو بين عربي وعجمي في الصورة الأخيرة- فقد أطلق القاضي الحسين والإمام قبيل كتاب القسام: أن واحداً من القاضيين لا يفصل بينهما الخصومة.
وقال [القاضي الماوردي] في "الحاوي": إن لهما حالتين.
إحداهما: أن يتفقا على التحاكم إلى قاضي أحدهما، فإن كان ذلك قاضي المطلوب نفذ حكمه فيهما؛ لأنه مندوب إلى استيفاء الحقوق من أهل نظره، وإن كان قاضي الطالب ففي نفوذ حكمه وجهان مخرجان من قولي التحكيم.
والحالة الثانية: أن يتجاذب المتنازعان ويدعو كل [واحد] منهما إلى قاضيه- ففيه وجهان: أحدهما:
يوقف تنازعهما حتى يتفقا على أحد القاضيين، ويكون الحكم كما تقدم.
والثاني: يجتمع القاضيان على سماع الدعوى، فإن امتنعا أثما وأجبرا عليه، وتفرد بالحكم قاضي المطلوب، فإن اقتضى الحكم سماع البينة تفرد بسماعها قاضي المشهود عليه، وإن وقف الحكم على يمين استوفاها قاضي الحالف؛ ليكون الحكم في الأحوال كلها نافذاً من قاضي المطلوب دون الطالب.
قال: ولا يصح القضاء، أي: وإن تعين على شخص لتفرده في عصره [بشروطه]، إلا بتولية الإمام أو من فوض إليه الإمام، أي: التولية إما بالتصريح، أو لدخولها في عموم ولايته، كما سنذكره، ووجهه: أنه ولاية لحق المسلمين، وهو من الأمور العظام؛ فاحتيج فيه إلى نظر الإمام، ولأن الولاية عقد،
стр. 8691
والعقد يفتقر إلى عاقد، فاختص به الإمام ونائبه؛ لأنه الناظر للمسلمين، وهذا بخلاف من تعينت عليه الإمامة؛ فإن من فقهاء العراق والمتكلمين من [قال] بحصول الإمامة له بالتعين من غير عقد، وفرقوا بأن القضاء نيابة خاصة، يجوز عزل القاضي عنها بعد التولية مع بقائه على صفته بخلاف الإمامة.
قال الماوردي: وقد شذ بعض أهل المذهب، فسوَّى بين الإمامة والقضاء في انعقادهما عند التعين من غير عاقد، والجمع بينهما في الصحة أفسد، وفي البطلان أصح.
قلت: والقائل بالتسوية يجوز أن يكون هو القائل بعدم انعزال القاضي بالعزل مع بقائه على صفة القضاء كما سنذكره؛ لانتفاء الفارق عنده.
ثم لا فرق عند الرافعي والبغوي فيمن فوض إليه تولية القضاء بين أن يكون أهلاً للقضاء أو لا؛ لأنه سفير.
وفي "الحاوي" و"البحر": أنه لو رد إلى امرأة تقليد قاض، لم يجز؛ لأنه لا يجوز أن تكون والية، فلا تكون مولية. وهذا يقتضي أن يكون المولي بصفة من يصلح للقضاء، وقد اتفقوا على أنه لو رد إلى امرأة اختيار قاض، جاز؛ لأن الاختيار اجتهاد، فجاز لها كالفتوى.
وإذا علمت انحصار تولية القضاء فيمن ذكرناه، عرفت أن تولية القضاء فرض على الإمام عيناً في كل ناحية أو بلد عرف أنها خالية عن القاضي: إما بأن يبعث إليهم قاضياً من عنده، أو يختار منهم من يصلح لذلك.
قال الماوردي: ولا يجوز أن يتوقف حتى يسأل؛ لأنها من الحقوق المسترعاة، فإن عرف حال من يوليه علماً وعدالة فذاك، وإلا أحضر أهل العلم، واختار منهم واحداً بعد معرفة علمه بالاختيار، وعدالته بسؤال خلطائه والجيران.
وقال: إنه يكفي [في] معرفة صلاحيته الاستفاضة، وكذا شهادة شاهدين بتكامل شروط القضاء فيه، ويختبره المولي ليتحقق لاختياره صحة معرفته، وهل يكون
стр. 8692
اختياره بعد الشهادة واجباً أو مستحبّاً؟ فيه وجهان، ولو ولاه قبل المعرفة بحاله لم تنعقد، وإن ظهرت أهليته بعد ذلك.
قال الرافعي وغيره: قال الماوردي: وقد تكون التولية في حق غيره فرض عين أيضاً، وهو ما إذا ولى الإمام شخصاً قضاء إقليم، وكان يعجز عن النظر [في جميع النواحي؛ فإنه يجب عليه عيناً تقليد القضاء فيما [إذا عجز] عن مباشرته إذا كان بعيداً عن نظر الإمام، وإن كان قريباً منه كان فرض التقليد مشتركاً بينه وبين الإمام، ومتعيناً عليهما دون غيرهما، فأيهما انفرد بالتقليد سقط فرضه عنهما، ولكن الإمام إذا ولى كان عزلاً للقاضي عن ذلك المحل، إلا أن يصرح في التقليد باستنابته [عنه]، وفي هذه الحالة، هل يجوز [للقاضي] عزله؟ فيه وجهان.
وهذا كله إذا كان للأمة إمام، فلو خلا الزمان عنه وعن سلطان ذي نجدة واستقلال وكفاية ودراية، فقد أطلق الإمام في "الغياثي" القول بأن الأمور موكولة إلى العلماء، وأنه حق على الخلائق على اختلاف طبقاتهم أن يرجعوا إلى علمائهم، ويصدروا في جميع قضاء الولايات عن آرائهم، فإن فعلوا ذلك صار العلماء ولاة العباد، فإن عسر جمعهم على واحد استقل أهل كل صقع وناحية بإتباع علمائهم، وإن كثر العلماء في الناحية فالمتبع أعلمهم، فإن فرض استواء- على نُدُور- فإن اتفقوا على تقديم واحد فذاك، وإن تنازعوا، وأفضى الأمر إلى خصام وشجار- فالوجه عندي: الإقراع؛ فمن خرجت له القرعة قدم.
وفي "الحاوي": أنه إن خلا بلد عن قاض، ولم يمكن أهله أن يتحاكموا إلى حاكم بأقرب البلاد إليهم، وخلا العصر عن إمام، وكان لا يرجى تولية إمام بعد زمان قريب، فقلد جميع أهل الاختيار منهم، أو بعضهم- وقد ظهر رضا الباقين بالسكوت وعدم الاختلاف-[شخصاً] وأمكنهم نصرته وتقوية يده- كان تقليده جائزاً؛ حتى لا يتغالبوا على الحقوق، ولو انتفى شيء من ذلك لم يجز، حتى لو قلد بعض أهل
стр. 8693
الاختيار وأنكر البعض لم يصح، وإن كان لا يضر [مثل] ذلك في عقد الإمامة، والفرق: أن ولاية الإمام عامة في جميع البلاد التي [لا] يمكن اجتماع أهلها على الاختيار؛ فسقط اعتبار الاجتماع لتعذره، وولاية القضاء [على بلد واحد] يمكن اجتماع أهل الاختيار عليه؛ فلزم اعتبار اجتماعهم لأحكامهم، اللهم إلا أن يكون للبلد جانبان، فرضيه أهل أحد الجانبين دون الآخر؛ فإنه يصح ولايته في الجانب الذي رضي أهله قضاءه، ويكونان كالبلدين، وإذا صحت ولايته لزمت أحكامه في الجانب الذي رضي أهله قضاءه، ويكونان كالبلدين، وإذا صحت ولايته لزمت أحكامه طوعاً وكرهاً، فلو تجدد إمام لم ينقض له حكماً، وله عزله، ولم يجز للقاضي أن يستأنف النظر إلا بعد إذن الإمام، بخلاف ما لو كان المولي له إماماً، ثم تولى غيره؛ فإنه لا يلزمه استئذانه.
قال: والفرق: وجود الضرورة في تقليد أهل الاختيار وعدمها في تقليد الإمام، وهذا منه بناءً على أن القاضي لا ينعزل بموت الإمام؛ كما هو الصحيح، وسنذكر خلافاً فيه.
قال: ولو أذن له الإمام جاز نظره، وقام مقام التقليد، وإن لم يجز الاقتصار على الإذن في الولايات المستجدة؛ لما تقدم لهذا القاضي من شروط التقليد؛ فكان أخف.
واعلم أن كلام الشيخ في هذا الفصل يتعلق به أمور لابد من ذكرها:
الأمر الأول- صفة العقد:
وهي بالقول مع الحضور، وبالمكاتبة مع الغيبة للضرورة.
قال في "الحاوي": ولا يجوز أن يقتصر على المكاتبة مع الحضور. وقال في "الأحكام": إن تولية القضاء تنعقد بما تنعقد به الوكالة.
قال الرافعي: ويجيء في المكاتبة والمراسلة خلاف مما مَرَّ في الوكالة.
ثم صريح ما تنعقد به من جهة المولي أربعة ألفاظ: قلدتك القضاء، وليتك القضاء،
стр. 8694
استخلفتك على القضاء، استنبتك على القضاء؛ كذا قاله في "الحاوي".
وألحق الرافعي بذلك التفويض بصيغة الأمر؛ كقوله: اقض بين الناس، أو: احكم ببلدة كذا؛ كما في الوكالة.
والكنايات في ذلك أربعة- أيضاً-: قد اعتمدت عليك في القضاء، عولت عليك في القضاء، عهدت إليك القضاء، وكلت إليك القضاء. فإن اقترن بأحدها ما يزيل الاحتمال؛ كقوله: فاحكم، أو فانظر- انعقد؛ كما في الصريح، وإلا فلا.
وقد اختلف في أربعة ألفاظ، هل هي صريحة أو كناية؟ على وجهين، وهي: قد عرضت عليك القضاء، رددت إليك القضاء، جعلت إليك القضاء، أسندت إليك القضاء. وأصح الوجهين: أنها كناية، وقد عد في "الأحكام" من جملة الكنايات- كما قال الرافعي- ولم أره [كذا]: فوضت إليك القضاء. ثم قال [الرافعي]: ولا يكاد يتضح فرق بين أن يقول: وليتك القضاء، وبين أن يقول: فوضت إليك.
ولابد من قبول المولى بالقول إن كان حاضراً على الفور، فيقول: قبلت، أو: تقلدت، وإن كان غائباً جاز أن يكون قبوله على التراخي، فإن شرع في النظر قبل القبول فهل يكون شروعه فيه قبولاً؟ فيه وجهان.
قال الرافعي: وقد سبق في الوكالة خلاف في أنه هل يشترط القبول؟ وذكرنا أنه إن كان شرطاً، فالأظهر: أنه لا يعتبر الفور، فليكن ها هنا كذلك، وقد اعتبر الماوردي في صحة القبول شرطين:
أحدهما: أن يعلم استحقاق المولي لما استنابه فيه، فإن لم يعلم ذلك لم يصح قبوله.
وفي "الرافعي": أن في بعض الشروح: أن القاضي العادل إذا استقضاه أمير باغ أجابه إليه؛ لأن عائشة- ﵂ سئلت عن ذلك ما استقضى زياد؟ فقالت: إن لم يقض لهم خياركم قضى لهم شراركم.
وحكى الماوردي [في "الأحكام"] فيه مذهبين؛ حيث قال: وقد اختلف في جواز الولاية من قبل الظالم:
стр. 8695
فذهب قوم إلى جوازها؛ لأن يوسف- ﵇ تولى من قبل فرعون؛ ليكون بعدله دافعاً لجوره.
وذهبت طائفة أخرى على حظرها، والمنع من التعرض لها؛ لما فيها من معونة الظالمين، وتزكيتهم بالتقليد، وأجابوا عن ولاية يوسف من قِبَل فرعون بجوابين:
أحدهما: أن فرعون يوسف كان صالحاً، وإنما الطاغي فرعون موسى.
والثاني: أنه نظر له في أملاكه دون أعماله.
والشرط الثاني: أن يعلم المولى من نفسه أنه استكمل الشرائط المعتبرة في القضاء، فإن علم أنه لم يستكملها لم يصح قبوله، وكان بقبوله مجروحاً.
الأمر الثاني- المحل الذي قلد قضاءه:
فلابد من تعيينه، كقوله: قلدتك قضاء البصرة؛ [فلو قال: قلدتك قضاء البصرة] أو الكوفة، أو [قضاء] أي بلد شئت، أو أي بلد رضيك أهله- كان التقليد فاسداً؛ للجهل بالعمل. وإذا قلد [قضاء] بلد، وأمسك عن ذكر نواحيها وأعمالها، فيعتبر في أعمالها العرف: فإن كان جارياً بإفرادها عنه لم تدخل في ولايته؛ كما لو صرح بعدم دخولها، وإن كان العرف جارياً بإضافتها إليه دخلت في ولايته؛ كما لو صرح بذلك، وإن اختلف العرف في إفرادها وإضافتها روعي أكثرهما عرفاً، فإن استويا روعي أقربهما عهداً، قاله الماوردي، ﵀.
الأمر الثالث- تعيين المولى بعد معرفة حاله كما ذكرنا:
فلو قال: وليت أحد هذين، أو من يرغب في القضاء ببلد كذا من علمائها- لم يجز.
وعن القاضي ابن كج حكاية وجهين فيما لو قال لأهل بلدة: اختاروا رجلاً منكم وقلدوه القضاء، و [أن] أشبههما: الجواز، ولو قال: فوضت إلى فلان وفلان، فهذا نصب قاضيين.
قال: وإن تحاكم رجلان إلى رجل يصلح للقضاء، فحكماه في مال- ففيه قولان:
стр. 8696
أحدهما: [أنه] لا يلزم ذلك الحكم إلا أن يتراضيا به بعد الحكم.
هذا الفصل ينظم حكمين:
أحدهما: بطريق التضمن، وهو جواز التحكيم في الأموال جزماً.
والآخر: بالتصريح، وهو بيان وقت لزوم الحكم.
فأما الأول: فوجهه أَنَّ عُمَرَ وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ تَحَاكَمَا إِلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي نَخْلٍ، وَعُثْمَانُ وَطَلْحَةُ تَحَاكَمَا إِلَى جُبَيْرِ بْنِ مُطْعمٍ- ﵃ وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ؛ فَكَان إجماعاً، وهذا ما حكاه الماوردي عند الكلام في هذه المسألة، والعراقيون حتى [قالي البندنيجي في كتاب اللعان: إن المذهب لم يختلف في ذلك.
وسواء كان في البلد حاكم أو لم يكن؛ كما صرح به البندنيجي وابن الصباغ وغيرهما.
وحكى المراوزة والزبيلي عن الشافعي- ﵁ في صحة التحكيم قولين، وقد [أشار غليهما الماوردي عند الكلام في تحاكم عربي وعجمي وقد] نصب للعرب قاضٍ وللعجم قاضٍ كما حكيناه. [ثَمَّ] قال الرافعي: والإمام والغزالي [رأيا] تضعيف الجواز. ووجهوا مقابله بأن في التجويز عزلاً للحاكم وافتياتاً على الإمام، وأجاب القائل به عن فعل عمر وعثمان- ﵄ بأنهما كانا إمامين، فإذا ردا إلى من يحكم بينهما وبين منازعهما صار ذلك حاكماً، وعلى هذا ففي محل القولين طرق:
أحدها: [إن كان في البلد قاض، فإن لم يكن جاز قولاً واحداً.
والثاني]: إذا لم يكن في البلد قاض، فإن كان لم يجز قولاً واحداً.
стр. 8697
والثالث- وهو أظهر في "الرافعي"-: إجراؤهما في الحالين.
والصحيح في "الكافي" وعند الجمهور: ما جزم به العراقيون، وقال الإمام في "الغياثي": إنه متجه في القياس، ومن قال به قال: ما ذكر من الاعتذار من تحكيم عمر وعثمان- ﵄[لا يصح؛ لأنه لم ينقل عنهما] أكثر من الرضا بحكمه خاصة، وذلك لا يصير به حاكماً؛ كذا قاله ابن الصباغ وغيره، وأيضاً: فإن عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب حكما عبد الرحمن بن عوف في الإمامة بعد انحصارها فيهما؛ كما ذكرناه في باب أدب السلطان، فحكم لعثمان، وانعقدت بذلك إمامته، وإذا جاز ذلك في الإمامة ففي الأموال أولى، وقد روي أَنَّ وَفْداً قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَفِيْهِمْ رَجُلٌ يُكَنَّى أَبَا الحَكَمِ، فَقَالَ: "لِمَ كُنيتَ أَبَا الحَكَمِ؟ فَقَالَ: لِأنَّ قَوْمِي يُحَكِّمُونَنِي بَيْنَهُمْ فَأَحْكُمُ. فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ ﷺ وَلَا نَهَاهُ".
وأما الثاني- وهو [وقت] لزوم الحكم- ففيه قولان كما قال:
أحدهما: أنه لا يلزم ذلك الحكم إلا أن يتراضيا به بعد الحكم؛ لأنه لما وقف على اختيارهما في الابتداء؛ وجب أن يقف على اختيارهما في الانتهاء، وهذا ما اختاره المزني.
والثاني: أنه يلزم بنفس الحكم؛ لما روي أنه ﷺ قال: "مَنْ حَكَمَ بَيْنَ اثْنَيْنِ تَرَاضِياً بِهِ، فَلَمْ يَعْدِلْ بَيْنَهُمَا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ"؛ فكان الوعيد دليلاً على لزوم حكمه؛ كما قال في الشهادة: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]؛ فدل الوعيد على لزوم [الحكم] بشهادته، ولأن من جاز حكمه، لزم [حكمه]؛
стр. 8698
كالمولى من جهة الإمام، وهذا ما قاله الكوفيون وأكثر أصحابنا؛ كما حكاه الماوردي هنا، وعَنَى البصريين، وقال في كتاب اللعان: إنه أشبه. وصححه في "الكافي" و"المرشد" والنواوي، وما قاله الأول فقد أبطل [بتصرف] الوكيل والشريك؛ فإنه لازم وإن كان ثبوته بالرضا.
والقولان منصوصان في "اختلاف العراقيين"، وقد حكاهما الإمام [وجهين] عن رواية العراقيين.
قال: فإن رجع فيه أحدهما قبل أن يحكم، [أي:] وبعد الشروع فيه، وقلنا بلزوم الحكم بنفسه، كما قاله البندنيجي وابن الصباغ وغيرهما- فقد قيل: يجوز؛ لأن الحكم إنما يلزم على هذا إذا وجد الرضا حالة الحكم، ولم يوجد؛ فأشبه ما لو رجع فيه قبل الشروع.
وقيل: لا يجوز؛ لأن اشتراط اختيارهما بعد الشروع فيه يفضي إلى ألا يلزم بالتحكيم حكم؛ فإن أحدهما لا يعجز إذا رأى توجه الحق عليه أن يرجع فيصير التحكيم لغوماً، وقد استبعد الإمام هذا، واختاره في "المرشد"، والوجهان في "الشامل" منسوبان إلى تخريج الإصطخري، وفي "الحاوي" نسبة المنع إلى روايته، وفي "تعليق" البندنيجي أنه قال: فيه وجهان.
قال: وإن تحاكما إليه في النكاح، أي: في إثباته وإثبات أحكامه، واللعان، أي: ليلاعن بينهما؛ كما قاله الماوردي [في اللعان]، بسبب الحد كما قاله المتولي ثم، والقصاص وحد القذف، أي: بسبب إثباته- فقد قيل: [يجوز]؛ لأن من صح حكمه في الأموال صح حكمه في جميع الأحكام؛ كالمولى من جهة الإمام، وهذا [ما] حكاه ابن الصباغ وأبو الطيب عن الأكثرين، وهو أصح عند النواوي وصاحب "المرشد"، وبه جزم في "الكافي"، وقال البندنيجي: إنه أقيس.
قال البغوي: وهو جارٍ في كل ما يجوز للحاكم أن يحكم فيه، وعلى هذا يظهر أن
стр. 8699
يقال: لا فرق عند العراقيين بين أن يكون في البلد حاكم أو لا، وإن في وقت لزوم الحكم القولين كما اقتضاهما كلام ابن الصباغ.
وقيل لا يجوز؛ لأن هذه الأحكام غلظ فيها الشرع، فاحتيط لها، وهذا الوجه جريانه في الحدود من طريق الأولى، وقد ادعى البغوي أنه المذهب فيها، ولم يحك في "الكافي" سواه.
والقائل بمنع التحكيم فيما ذكرناه يجوزه فيما عداها؛ كما قاله ابن شداد في "الأحكام"، ومجلي، وعليه ينطبق قول الزبيلي: إنه يجوز التحكيم في سائر الحكومات إلا في النكاح واللعان والحدود.
وفي "التهذيب" أن منهم من قال: لا يجوز إلا في الأموال؛ لأن حكم المال أخف من حكم غيره.
وفي "الحاوي" في كتاب اللعان: أن أبا القاسم الداركي كان يقول: يجوز التحكيم في اللعان عند عدم الحاكم، ولا يجوز [مع] وجوده؛ اعتباراً بالضرورة، وأن الخلاف فيه مبني على أن حكم الحاكم يلزم من غير رضا بعد الحكم، أو لابد من [الرضا؟ فعلى الأول: يجوز، وعلى الثاني: لا؛ لأن حكم اللعان لا يقع إلا لازماً، ولا يقع على] التراضي، ولا يصح فيه العفو والإبراء كالحدود، وفي طريقة المراوزة
стр. 8700
ترتيب الخلاف [في النكاح على الخلاف في الأموال، وأولى بمنع الحكم فيه، وترتيب الخلاف] في العقوبات على الخلاف في النكاح، وأولى بمنعه- أيضاً- وهو عندهم فيما عدا الأموال وجهان.
ولو كان الترافع في النكاح لأجل العقد؛ كما إذا حضرت إليه امرأة لا ولي لها، وخاطبها، ورضي بأن يعقد لهما- ففي "الحاوي": أنهما إن كانا في دار الحرب أو في بادية لا يصلان إلى حاكم، جاز تحكيمهما، وتزويج المحكم لهما، وإن كانا في دار الإسلام، وحيث يقدران فيه على الحاكم- كان في جوازه وجهان على ما ذكرنا. يريد: أنا إن لم نجوز التحكيم في [غير] الأموال أو فيها [مع وجود] الحاكم لم يجز، وإلا جاز عند فقد الولي، وهذا ما حكي عن [القاضي] الروياني أنه صححه، وأنه اختيار الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني وأبي طاهر الزيادي.
قال الرافعي: وليكن الخلاف في اشتراط فقد الحاكم مبنيّاً على الطريقة الفارقة بين أن يكون في البلد حاكم أم لا.
وإذا جوزنا التزويج بالتحكيم، وكانت المرأة بكراً فقال لها المحكم: حكميني لأزوجك من هذا، فسكتت- قال الفراء في "فتاويه": كان سكوتها إذناً؛ كما لو استأذنها الولي [فسكتت]. حكاه الرافعي قبل الباب الثاني في دعوة النسب، وقد ذكرت في كتاب النكاح هذا الفرع، وذكرت فيه شيئاً لم أذكره هنا خشية التكرار، ولو كان الترافع في اللعان بسبب نفي الولد ففي "التتمة": أنه لا يجوز إلا أن يكون الولد كبيراً؛ لأن له فيه حقّاً، أما إذا لم يكن [المتحاكم إليه] يصلح للقضاء لم ينفذ حكمه اتفاقاً، وكذا لو لم يتفقا على الرضا بالترافع إليه.
وعن أبي الفرج السرخسي: أن ذلك مفروض فيما إذا لم يكن أحد الخصمين
стр. 8701
القاضي نفسه، فإن [كان و] هو الراضي، فهل يشترط رضا الآخر؟ فيه اختلاف نص، والظاهر: أنه لا يشترط.
قال الرافعي: وليكن هذا مبنيّاً على جواز الاستخلاف، إن جاز فالرجوع إليه؛ لأنه نائب القاضي.
قلت: قد قدمت عن ابن الصباغ وغيره أن التحاكم إلى الشخص لا يكون تولية [له]؛ فلا يحسن أن يكون هذا مبنيّاً على ذلك.
وقد قال الماوردي قبيل كتاب الشهادات: إذا تحاكم الإمام وخصمه إلى واحد من رعيته جاز، ثم ينظر: فإن قلده خصوص هذا النظر صار قاضياً خاصّاً قبل الترافع إليه، ولم يعتبر فيه رضا التحكيم، وإن لم يقلده النظر قبل الترافع اعتبر فيه رضا الخصم.
فروع:
إذا ثبت عند المحكم الحق وحكم به أو لم يحكم، فله أن يشهد على نفسه بذلك في المجلس الذي حكم بينهما فيه قبل التفرق خاصة؛ لأن قوله بعد الافتراق لا يقبل؛ [كما لا يقبل] قول الحاكم بعد العزل، قاله الماوردي.
وإذا رفع حكمه إلى القاضي لم ينقضه إلا حيث ينقض حكم القاضي المولّى من جهة الإمام. صرح به الماوردي وابن الصباغ والبغوي وغيرهم.
ولا يجوز له أن يحبس [في الدين على المذهب؛ كما لا يجوز له استيفاء العقوبات، وقيل: يحبس]، والفرق: أن استيفاء العقوبات يخرم أبهة الولاية.
وفي "الجيلي": أن الزاني، وشارب الخمر إذا جاء إلى رجل فقال: حكمتك فاستوف حق الله- فإذا جلده على الزنى أو الشرب أو رجمه فهل يقع الحد موقعه؟ فيه وجهان.
وصور كلام الشيخ في القصاص إذا قلنا بجواز التحكيم فيه: بأن يجيء مستحق
стр. 8702
القصاص [فيطلب القصاص]، [فله] أن يبينه بالبينة، ويستوفي في النفس والطرف؟ وكذا في حد القذف.
وإذا تعلق الحكم بثالث؛ لم ينفذ حكم المحكم عليه بدون رضاه على الأصح عند الإمام وغيره، ومثاله: إذا تحاكم إليه اثنان في قتل الخطأ، وقامت البينة على المدعى عليه- فلا تلزم العاقلة الدية، وفيه وجه: أن رضا القاتل كافٍ؛ لأنهم تبع له، كذا قاله الغزالي، وقال: إنه بعيد؛ لأن إقرار القاتل لا يلزمهم؛ فكيف يلزمهم رضاه؟!
وفي قوله: لأنهم تبع له، إشارة إلى أن [هذا] الوجه مبني على قولنا: إن الدية تثبت على [القاتل ابتداء، ثم تنتقل، وقد صرح به الماوردي وغيره حيث قالوا: إن الأول مبني على قولنا: إن الدية تجب على] العاقلة ابتداء، والثاني مبني على [قولنا:] إنها تجب على القاتل ثم تنتقل.
وقضية هذا البناء: أن يكون الصحيح هنا عند الشاشي: اللزوم إن كان يقول بالبناء؛ لأن الصحيح عنده: أنها تجب على القاتل ثم تنتقل.
عن أبي الفرج السرخسي: أن الوجهين مخصوصان بقولنا: إن الدية [تجب] على القاتل ثم تنتقل، أما إذا قلنا: إنها تجب على العاقلة ابتداء، فلا خلاف في أنها لا تضرب عليهم عند عدم الرضا.
قال الرافعي: وهو حسن.
وإذا تحاكم إليه بالتحكيم من لا تقبل شهادته له مع غيره: كابنه [ووالده] مع أجنبي، فعن الشيخ أبي الفرج السرخسي: أن [في جواز] هذا التحكيم وجهين، وفي "الحاوي": أنه إن حكم على ابنه [وأبيه] نفذ، وإن حكم على الأجنبي ففي نفوذه وجهان: وجه المنع: القياس على ما لو كان من جهة الإمام.
стр. 8703
ووجه الجواز: أن ولاية التحكيم منعقدة باختيارهما؛ فصار المحكوم عليه راضياً بحكمه.
قلت: ولو بني الخلاف على أن الحكم يفتقر لزومه إلى الرضا بعده أم لا؟ لم يبعد.
وهكذا الحكم فيما لو تحاكم إليه عدوه وغيره، فحكم له أو عليه، صرح به الماوردي، وحكى وجهاً: أنه ينفذ حكم المولى من جهة الإمام على عدوه- أيضاً- وسنذكره.
قال: وينبغي أن يكون القاضي ذكراً؛ لقوله- تعالى- ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٤]، يعني: في العقل والرأي؛ فلم يجز أن يقمن على الرجال.
وفي "البحر": أن عائشة روت أن النبي ﷺ قال: "لَا تكُونُ المَرْأَةُ حَكَماً تَقْضِي بَيْنَ العَامَّةِ"، ولأن القاضي يحتاج إلى مخالطة الرجال، والمرأة مأمورة بالتخدر؛ ولذلك لم تصح إمامتها بالرجال مع صحتها من الفاسق.
والخنثى المشكل فيما نحن فيه كالمرأة، قال الماوردي: ولو بان أنه رجل، لم يصح تقليده، يعني: أنه لو بان بعد التقليد رجلاً لم تنعقد ولايته، كما صرح به في "البحر"، وقال: إنه المذهب. ثم قال: وقيل: فيه وجهان.
أما إذا بانت رجولته قبل التولية؛ صح تقليده جزماً، قاله في "البحر".
стр. 8704
قال: حرّاً؛ لأن العبد ناقص عن ولاية نفسه؛ فعن ولاية غيره أولى، وبالقياس على الشهادة، ومن لم تكمل فيه الحرية ككامل الرق في هذا المعنى.
قال: بالغاً؛ لأن غير البالغ لا يجري عليه القلم؛ فلا يتعلق بقوله على نفسه حكم؛ فعلى غيره أولى.
قال الماوردي: ويجمع هذا الوصف ووصف الذكورة، قولنا: رجل.
قال: عاقلاً؛ للإجماع، وللمعنى الذي ذكرناه في الصبي.
قال الماوردي في "الحاوي" و"الأحكام": وليس يكتفي فيه بالعقل الذي يتعلق به التكليف من علمه بالمدركات الضرورية؛ حتى يكون صحيح التمييز، جيد الفطنة، بعيداً من السهو والغفلة؛ حتى يتوصل بذكائه إلى وضوح ما أشكل، وفصل ما أعضل؛ وعلى ذلك حوم الإمام، حيث قال: والذي أراه: أن يضم إلى ما ذكرناه الكفاية اللائقة بالقضاء، وهي عبارة عن التشمير والاستقلال بالأمور وموافاة النفس على الحذر فيما إليه، وهذا يضاهي من صفات الإمام النجدة.
وتبعه الغزالي، فقال بعد ذكر الأوصاف المعتبرة: وينبغي أن يعتبر مع هذه الخصال الكفاية اللائقة بالقضاء؛ فمجرد العلم لا يكفي في هذه الأمور.
ولم يفسر معنى الكفاية؛ فاعترض عليه مجلي وقال: إن عنى [بالكفاية استقلاله بالأحكام فقد ذكره بالصفة، وإن عني] كونه ذا مال فذاك لا يشترط وفاقاً، بل يجوز أن يكون فقيراً.
قال ابن شداد: ويمكن أن يقال: عني به ما قاله صاحب "الشامل"، وهو أن يكون متلبثاً ذا فطنة ويقظة لا يؤتى من غفلة ولا يخدع لغرة، لكن المشكل قوله: لابد منه.
стр. 8705
وقد ذكر الأصحاب ما قلناه في فصل الاستحباب.
و [لا فرق] في الجنون المانع للولاية بين أن يكون مطبقاً أو متقطعاً تدوم مدته أو تقصر، وبعضها غفلة أو دهشة، فلو قصرت مدته كالساعة مثلاً، وكان يعود بعد زواله إلى حالة الاستقامة؛ ففي جواز توليته وجهان في "الحاوي"، وجه الجواز: إجراء ذلك مجرى فترات النوم.
قال: عدلاً؛ لأن ضدها- وهو الفسق- لما منع الأب من النظر في مال ولده، إذا اتصف به، مع قوة ولايته وعظم شفقته- فلأن يمنع القضاء وأحد متضمناته حفظ أموال الأيتام كان أولى.
ولا فرق في الفسق بين أن يكون بأمر لا شبهة له فيه أو له فيه شبهة.
وفي "الحاوي" حكاية وجه في صحة تولية من فسقه باعتقاد شبهة وتأويل، وقد بين في "الأحكام" المعبر عنه ها هنا بالعدل، فقال: أن يكون [صادق] اللهجة، ظاهر الأمانة، عفيفاً عن المحارم، متوقياً للمآثم، بعيداً من الريب، مأموناً في الرضا والغضب، مستعملاً لمروءة مثله في دينه ودنياه، فإن انخرم منها شيء منع الولاية؛ كما يمنع قبول الشهادة.
قال: عالماً [بالأحكام] [، أي:] الشرعية [بطريق الاجتهاد] لا بطريق التقليد؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، [والمقلد لو قيل بصحة توليته لكان إذا استُفْتِي وحكم قافياً ما ليس له به علم؛] لأنه لا يدري طريق ذلك الحكم، ولقوله ﷺ في حديث أبي بريدة الذي سبق: "وَرَجُلٌ قَضَى بِالنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ"، والتقليد لا يخرجه عن أن يكون [قضاء على جهل؛ لأنه لا يعرف طريقه، ولأن المقلد لا يجوز أن يكون] مفتياً؛ فأولى ألا يكون قاضياً، ووجه الأولوية: أن الفتوى إخبار لا يلزم الحكم، والقضاء إخبار يلزمه.
стр. 8706
ثم شرائط الاجتهاد [في الأحكام مذكورة في كتب الأصول، وهي على الاختصار:] العلم بالكتاب والسنة والإجماع، والقياس، ولسان العرب:
والمعتبر علمه من الكتاب: علم الآيات التي تتعلق بها الأحكام.
قال البندنيجي: وهي خمسمائة [آية]. وقد حكاه الماوردي عن بعضهم، ولم يحك سواه.
فيعرف الناسخ منها والمنسوخ، والعام والخاص، والعام الذي أريد به الخصوص، والخاص الذي أريد به العموم فيجريه عليه، والمطلق والمقيد، والمحكم والمتشابه، والمجمل والمفصل.
قال الروياني: ولا يشترط حفظه القرآن على ظهر القلب.
قال الرافعي: ومن الأصحاب من ينازع ظاهر كلامه فيه.
والمعتبر علمه من السنة: الأخبار التي تتعلق بها الأحكام، ويعرف ناسخها ومنسوخها، وما خصص منها عام الكتاب أو بينه، وكذا ما ذكرناه في آيات الكتاب، ويعرف المتواتر منها والآحاد والمرسل، والمسند والمنقطع والمتصل، وحال الرواة: جرحهم، وتعديلهم.
والمعتبر علمه من الإجماع وأقاويل الناس: علم ما اتفقوا عليه وما اختلفوا فيه على قولين أو أكثر؛ حتى لا يقع في حكم أجمعت الأمة على خلافه، أو على قولين فاختار ثالثاً؛ فإنه منقوض كما في الحالة الأولى، كذا حكاه أبو الطيب وغيره.
والمعتبر علمه من القياس: علم الجلي منه والواضح، والخفي وهو قياس الشبه، كما قاله ابن الصباغ و [قال] الماوردي: [: إنه غيره كما سنبينه، وأصول القياس وفروعه وشروطه وما يفسده به].
стр. 8707
والمعتبر علمه من كلام العرب: صيغ الأمر والنهي، والخبر والاستخبار، والوعد والوعيد، والنداء، وأقسام الأسماء والأفعال والحروف، وما لابد منه في فهم معاني كلام الله- تعالى- وكلام رسوله محمد ﷺ ؛ لأن ذلك جاء بلغتهم؛ قال ﷺ : "أَحِبُّوا الْعَرَبَ لِثَلاثٍ: لأَنِّي عَرَبِيٌّ، وَالْقُرْآنَ ‘َرَبِيٌّ، وَكَلامَ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَرَبِيٌّ"، وكل [ذلك] محال على كتب الأصول.
قال بعضهم: وإذا تأملت ذلك علمت أن هذه الصفات قد عز وجودها في زمننا هذا في شخص من العلماء، بل وفيما تقدم عليه بكثير، روي أن الشيخ أبا بكر القفال المروزي إمام المراوزة وشيخهم قال: المسئول قسمان:
أحدهما: من جمع شرائط الاجتهاد، فيقضي ويفتي باجتهاده، وهذا لا يوجد.
والثاني: من ينتحل مذهب واحد من الأئمة: إما الشافعي، أو أبي حنيفة، أو غيرهما، [وعرف] مذهب إمامه، وصار حاذقاً فيه، بحيث لا يشذ عنه شيء من أصول مذهبه ومنصوصاته، فإذا سئل عن حادثة: فإن عرف لصاحبه نصّاً أجاب عليه، وإن لم تكن المسألة منصوصة فله أن يجتهد فيها على مذهبه ويخرجها على أصول صاحبه، ويفتي بما أدى إليه اجتهاده، وهذا- أيضاً- أعز من الكبريت الأحمر.
فإذا كان هذا قول القفال في ذلك الزمن، وفيه [تلامذته المشهورون] بصحبته أصحاب الوجوه في المذهب: كالقاضي الحسين، والفوراني، والشيخ أبي محمد والد الإمام، والصيدلاني، والشيخ أبي علي [السنجي]، المسمون بالمراوزة؛ لاشتغالهم عليه، وبالخراسانيين؛ لمقامهم بخراسان، وفيه- أيضاً- تلامذة الشيخ أبي حامد الإسفراييني بالعراق: كالمحاملي، والبندنيجي، وأقضى القضاة الماوردي، والقاضي أبي الطيب، والطبري وغيرهم- فما ظنك بهذا الزمن وقد عدم
стр. 8708
فيه أصحاب الوجوه، بل قد قيل: إنه عدم ذلك من حين وفاة من ذكرناهم؟!
لكن في "تعليق" القاضي أبي الطيب أن الشافعي لم يرد بذلك أن يكون في كل نوع منها مبرزاً حتى يكون في النحو مثل سيبويه، وفي اللغة مثل الخليل، وما أشبه ذلك؛ بل المعتبر من ذلك: ما يوصله إلى معرفة الحكم، وذلك ممكن.
وهذا ما حكاه ابن الصباغ مختصراً عند الكلام في الاستشارة عن الأصحاب، وقال: إن ذلك يسهل على متعلمه الآن؛ فإنه قد جمع ودون. وكلام الروياني قريب منه.
ويعضده قول الغزالي في الأصول: إنه لا حاجة إلى تتبع الأحاديث على تفرقها وانتشارها، ولكن يكفي أن يكون له أصل صحيح وقعت العناية فيه بجميع أحاديث الأحكام كسنن أبو داود. وقد سبقه بذلك البندنيجي.
قال الغزالي: ويكفي معرفة مواضع كل باب فيراجعه إذا احتاج إلى الفتوى في ذلك الباب، وإن كل حديث أجمع السلف على قبوله أو تواترت عدالة رواته لا حاجة إلى البحث عن رواته، وما عدا ذلك فينبغي أن يكتفي في رواته بتعديل إمام مشهور عرف صحة مذهبه في التعديل؛ لأن من درج في الأحوال الماضية لا يخبر ولا يشاهد حاله، وتواتر السيرة لا يكاد يوجد إلا في جماعة معدودين.
ثم زاد في التحقيقات في حق المفتي فقال: [إنه] لا يحتاج إلى ضبط مواضع الإجماع والاختلاف، بل يكفي أن يعرف في المسألة التي [يفتي] فيها أن قوله لا يخالف الإجماع، إما بأن يعلم أنه يوافق قول بعض المتقدمين، أو يغلب على ظنه أن الواقعة متروكة في ذلك العصر لم يخض فيها الأولون.
وعلى قياس هذا معرفة الناسخ والمنسوخ؛ فإنه إنما يشترط معرفة اجتماع هذه العلوم في المجتهد المطلق الذي يفتي في جميع أبواب الشرع، أما الذي ينتصب للاجتهاد في باب دون باب، كالناظر في مسألة المشرَّكة، فيكفيه معرفة أصول
стр. 8709
الفرائض، ولا يضره ألا يعرف الأخبار الواردة في تحريم المسكر مثلاً.
وعلى كل حال؛ فإذا تعذرت شرائط الاجتهاد على العموم، أو في مذهب إمام كزماننا-[فلابد من جزم القول والقطع بصحة تولية من اتصف بصفة العلم] في مذهب إمام من الأئمة إذا كان عارفاً [بغالب مذهبه] ومنصوصاته وأقواله المخرجة وأقاويل أصحابه، صحيح الذهن كما تقدم.
وبالغ في "الوسيط"، فقال عند عدم المجتهد المطلق: الوجه القطع بتنفيذ قضاء من ولاه السلطان ذو الشوكة؛ كي لا تتعطل مصالح الخلق، فإنا ننفذ قضاء أهل البغي للحاجة، فكيف يجوز تعطيل القضاء الآن؟! نعم، يعصي السلطان بتفويضه إلى الفاسق والجاهل، ولكن بعد أن ولاه فلابد من تنفيذ أحكامه للضرورة.
قال الرافعي: وهذا حسن، لكن في بعض "الشروح": أن قاضي أهل البغي إن كان منهم نظر: إن كان بغيهم لا يوجب الفسق كبغي [معاوية جاز أيضاً قضاؤه، وإن أوجب الفسق كبغي] أهل النهروان لم يجز.
وقال ابن شداد وابن أبي الدم: إن ما قاله الغزالي لا نعلم أن أحداً نقله.
قال ابن أبي الدم: مع تصفحي شروح المذهب والمصنفات فيه، بل الذي قطع به العراقيون والمراوزة: أن الفاسق لا تنفذ أحكامه، ونحن إذا نفذنا حكم قاضي البغاة، فلابد أن يكون مع علمه عدلاً متأولاً في خروجه مع البغاة، ولابد من تأويل حمل البغاة على بغيهم، وهذا لا خلاف فيه، فكيف ينفذ أحكام قاضي أهل العدل مع فسقه وعلمه بفسقه الفسق الذي لا تأويل فيه، وقد ذكرت في باب قتال أهل البغي في ذلك ما يغني عن الإعادة.
وفي "الكافي": أن المتغلب على إقليم لو نصب قاضياً غير عالم أو غير عدل، والناس غير قادرين على دفعه، هل تنفذ أحكامه وقضاياه من تزويج الأيامى والتصرف في أموال اليتامى؟ يحتمل وجهين، أحدهما: لا، وطريق المسلمين في مثل هذه الحالة التحاكم إلى من هو من أهل القضاء في حوادثهم، فإن لم يجدوا أهلاً
стр. 8710
للقضاء نفذت أحكامه للضرورة.
قال: وقيل: يجوز أن يكون أميّاً، أي: لا يكتب؛ لأن النبي ﷺ كان أميّاً. وهذا أصح عند الإمام ومجلي والنواوي وغيرهم، وقال الإمام عند الكلام في الكاتب: إنه الذي عليه الأكثرون.
وقيل: لا يجوز؛ لأنه يحتاج أن يكتب إلى غيره، ويكتب إليه، وإذا قرئ عليه شيء فربما حرف القارئ، بخلاف الذين كانوا عند رسول الله ﷺ فإنهم كانوا ثقاة، ولو حرفوا لعلمه من جهة الوحي. وأيضاً: فإن عدم الكتابة في حقه معجزة، و [هي] في حق غيره منقصة، وهذا ما اختاره في المرشد، وقد قيل: إنه ﷺ كان يعرف الكتابة، ولكن منع منها؛ كي لا يتهمه الكفار في الوحي والكتابة، كذا قاله الجيلي، والصحيح أنه لم [يكن] يعرفها.
قال الرافعي في الباب الثاني في جوامع القضاء في فرع منه: وقد قيل: إن الوجهين في أنه [هل يجوز أن يكون القاضي أميّاً؟ يمكن بناؤهما على الوجهين في أنه] هل يجب على القاضي كتابة المحضر والسجل؟ وهذا قد نسبه صاحب "الإشراف" إلى القاضي. وفي "الوسيط" ما يقرب من هذا.
وقد اعتبر الأصحاب في صفات القاضي أموراً أخر سكت عنها الشيخ، [وقد] ظن به لذلك عدم اشتراطها:
فمنها: الإسلام؛ فلا يصح تولية الكافر على المسلمين؛ لقوله- تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٤١]، وأي سبيل أعظم من القضاء؟! وكذا لا يصح توليته على أهل دينه؛ لأن من لا تصح ولايته على العموم لا تصح على الخصوص؛ كالصبي والمجنون طرداً، والمسلم عكساً، وقوله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١]، فالمراد به: الموالاة، [لا الولاية].
стр. 8711
قال الماوردي: وما يفعل في العرف فهو رعاية ورياسة، وليس بتقليد حكم وقضاء، وما يلزم من حكمه أهل دينه فلالتزامهم لا للزومه لهم، ولا يقبل الإمام قوله فيما حكم به، ولو امتنع بعضهم من التحاكم إليه مع بعض لم يجبروا. وقد ذكرت في باب عقد الذمة شيئاً يخالف ذلك، فيطلب منه.
وهذا الوصف قد يوجد [من] قول الشيخ: وأن يكون عالماً بالأحكام؛ لأنا قد ذكرنا أن المراد به المجتهد، والكافر ليس من أهل الاجتهاد؛ لاعتقاده عدم الحجة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، وقد قال الماوردي: إن من لا يعتقد من المسلمين أن خبر الواحد حجة، لا تصح توليته القضاء؛ كمن لم يعتقد أن الإجماع حجة، وكذا من نفي القياس واتبع ظاهر النص، وأخذ بأقاويل سلفهم فيما لم يرد فيه نص، مع حكاية خلاف عن أصحابنا في صحة تقليد أهل الظاهر؛ فالكافر بالمنع أولى، وقد جعل الرافعي الأظهر في أهل الظاهر جواز التقليد، وكلام الإمام يقتضي مقابله؛ لأنه قال في باب قطع اليد في السرقة: وقد ذكرنا مراراً في مواضع من الأصول والفروع أن أصحاب الظواهر ليسوا من علماء الشريعة، وإنما هم [نقلة إن ظهرت الثقة.
ومنها: السمع والبصر والنطق؛ فلا يصح] تقليد الأصم الذي لا يفهم عالي الأصوات؛ لأنه لا يفرق بين إقرار وإنكار. نعم، ثقيل السمع الذي يفهم عالي الأصوات ولا يفهم خافيها تجوز ولايته، قاله الماوردي والبغوي وغيرهما.
قال مجلي: وقد أشار الفوراني إلى جوازه للأصم؛ لأنه قال: هل يشترط العدد في المستمع بأن يكون القاضي أصم؟ فيه وجهان.
قلت: وهذا لا يدل على جوازه للأصم الذي لا يسمع أصلاً، بل المراد [به: الذي يسمع عالي الأصوات؛ لأن المستمع إنما يكون لمن يسمع، والأعمى] لا تصح ولايته؛ لأنه لا يفرق بين الطالب والمطلوب.
وفي "البحر" هنا و"زوائد" العمراني عند الكلام في شروط الإمامة العظمى
стр. 8712
و"تعليق" القاضي الحسين في أواخر [باب] الوصية- حكاية وجه: أنه تصح ولايته، وقد قال ابن أبي الدم: إن [الجرجاني حكاه] قولاً. وقد يستدل له بما روى أبو داود عن أنس أن النبي ﷺ اسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ عَلَى المَدِينَةِ مَرَّتَيْنِ وَهُوَ أَعْمَى، والصحيح: الأول، وبه جزم الماوردي وغيره، وأما الحديث فقد يجاب عنه بما قاله بعضهم: أن في رجاله عمر بن داود القطان، وقد ضعفه ابن معين والنسائي.
ثم على تقدير توثيقه كما صار إليه بعضهم، فهو محمول على ولاية الصلاة [بالمدينة] دون القضاء والأحكام؛ إكراماً له، وأخذاً بالأدب فيما عاتبه الله- تعالى- في أمره في قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ [عبس: ١]، فإنه روي أن الآية نزلت فيه.
وفي معنى الأعمى: من يرى الأشباح ولا يعرف الصور. نعم، لو كان [إذا قربت منه] عرفها، صح كما تصح ولاية مني بصر بالنهار دون الليل وهو الأعشى، والأخرس الذي لا تفهم إشارته، [لا يجوز تقليده؛ لأنه يعجز عن تنفيذ الأحكام وإلزام الحقوق]، فلو كانت له إشارة مفهمة ففي "الإشراف" [حكاية] جوابين [فيه] لابن القاص؛ بناءً على جواز شهادته في وجه، وقد نسب غيره الجواز إلى ابن سريج؛ كما جوز سماع شهادته.
قال الماوردي: وجمهور أصحابنا على منعهما، وبه جزم البغوي، وادعى القاضي الحسين في كتاب الضمان: أنه لا خلاف فيه. نعم، لو كان في لسانه تمتمة أو عقدة أو نحو ذلك جازت توليته؛ لأنه نقص لا يمنع من الكلام وإن غمض.
стр. 8713
ولا يقدح في الولاية كون الشخص مقطوع الأطراف أو مبطولاً أو زَمِناً، وإن كانت السلامة من الآفات أَهْيَبَ لذوي الولايات.
ومنها: معرفة الحساب.
وقد حكى [عن] صاحب "البحر" في صحة تولية من لا يعرفه وجهين، وقال: إن المذهب الصحة.
والمنقول عن الشافعي- ﵁ في صفة القاضي- كما حكاه الماوردي وابن الصباغ والروياني وغيرهم- ثلاث شرائط: أن يكون من أهل الاجتهاد، وأن يكون عدلاً، [وأن يكون] كاملاً. وهي شاملة لجميع ما ذكرناه.
قال: والأفضل أن يكون شديداً من غير عنف؛ لأنه لو كان عنيفاً لمنعت هيبته من استيفاء الحقوق [وقيام الخصوم بالحجج.
قال: ليناً من غير ضعف؛ حتى لا يخترق به الخصوم، ولا تضيع الحقوق]. وهذه عبارة بعض السلف.
قال القاضي أبو الطيب: قال بعض أصحابنا: يكون حسنه بين الشِّيَتَيْنِ.
وفي "التهذيب": أنه يكره أن يكون جباراً يهابه الخصوم، وأن يكون ضعيفاً يطمع كل أحد في جنبته.
قال: وإذا ولى الإمام رجلاً كتب [إليه بالعهد]؛ لأن النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ لِعَمْره بْنِ حَزْمٍ كِتَاباً حِيْنَ بَعَثَهُ إِلَى اليَمَنِ، وَأَبُو بَكْرٍ كَتَبَ لِأَنسٍ حِيْنَ بَعَثَهُ إِلَى البَحْرَيْنِ وَخَتَمَهُ بِخَاتَمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
وَرَوَى حَارِثَةُ بْنُ مُضَرِّبٍ أَنَّ عُمَرَ- ﵁ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الكُوْفَةِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي قَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ عَمَّاراً أَمِيْراً وَعَبْدُ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَاضِياً وَوَزِيْراً، فَاسَمُعوا لَهُمَا وَأَطِيْعُوا؛ فَقَدْ آثَرْتُكُمْ بِهِمَا.
стр. 8714
قال القفال الشاشي- كما حكاه القاضي الحسين-: وينبغي أن يتخذ الإمام لنفسه نسخة من كتابه يمسكه حتى يتذكر به إن نسي أنه ولاه عمل [بلد كذا]، وهذا كله على وجه الاستحباب، فإن ترك الكتابة جاز؛ لأن النبي ﷺ لم يكتب بالعهد لمعاذ.
[قال: ووصاه بتقوى الله- تعالى- والعمل بما في العهد]؛ لأن ذلك مقصود هذه الولاية وواجبها، وكذا يوصيه بالتثبت في القضاء ومشاورة أهل العلم [ونحو ذلك]، روى أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَلِيٌّ- ﵁ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى اليَمَنِ قَاضِياً، فَقُلْتُ: [يَا] رَسُولَ اللهِ، تُرْسِلُنِي وَأَنَا حَدِيْثُ السِّنِّ وَلَا عِلْمَ لِي بِالقَضَاءِ؟ فَقَالَ: "إِنَّ اللهَ سَيَهْدِي قَلْبَكَ وَيُثَبِّتُ لِسَانَكَ، فَإِذَا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْكَ الخَصْمَانِ فَلَا تَقْضِيَنَّ حَتَّى تَسْمَعَ مِنَ الآخَرِ كَمَا سَمِعْتَ مِنَ الأَوَّلِ؛ فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُبَيِّنَ لَكَ القَضَاءَ"، فما زلت قاضياً أو ما شككت في قضاء بعده.
وَرُوِيَ عَنْ إِدْرِيسَ الأودي أَنَّهُ قَالَ: أَخْرَجَ إِلَيْنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ كِتَاباً فقال: هَذَا كِتَابُ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ إِلَى أَبِي مُوْسَى: أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ القَضَاءَ فَرِيْضَةٌ [مُحْكَمَةٌ]، وَسُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ، افْهَمْ إِذَا أُدْلِيَ إِلَيْكَ؛ فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُ تَكَلُّمٌ بِحَقِّ لَا نَفَاذَ لَهُ، وَآسِ بَيْنَ النَّاسِ فِي وَجْهِكَ وَمَجْلِسِكَ وَعَدْلِكَ- أَيْ: اجْعَلْهُمْ أُسْوَةً فِي ذَلِكَ- حَتَّى لَا يَطْمَعَ شَرِيْفٌ فِي حَيْفِكَ، وَلَا يَخَافَ ضَعِيفٌ مِنْ جَوْرِكَ، البَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى وَاليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ، وَالصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ النَّاسِ إِلَّا صُلْحاً أَحَلَّ حَرَاماً أَوْ حَرَّمَ حَلَالاً، فَلَا يَمْنَعْكَ قَضَاءٌ قَضَيْتَهُ بِالْأَمْسِ، فَرَاجَعْتَ فِيهِ اليَوْمَ عَقْلَكَ، وَذَهَبْتَ فِيهِ لِرُشْدِكَ- أَنْ تَرْجِعَ إِلَى الحَقِّ؛ فَإِنَّ الحَقَّ قَدِيمٌ، لَا يُبْطِلُ [الحَقَّ شَيءٌ]، وَمُرَاجَعَةُ الحَقِّ خَيْرٌ مِنَ التَّمَادِي فِي البَاطِلِ، [الفَهْمَ] الفَهْمَ فِيْمَا تَلَجْلَجَ فِي صَدْرِكَ مِمَّا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ وَلَا سُنَّةِ رَسُولِهِ! ثُمَّ اعْرِفِ الأَشْبَاهَ وَالأَمْثَالَ، وَقِسِ الأُمُورَ بِنَظَائِرِهَا، وَاعْمَدْ إِلَى أَحَبِّهَا إِلَى اللهِ وَأَشْبَهِهَا فِيْمَا تَرَى، وَاجْعَلْ لِلمُدَّعِي أَمَداً يَنْتَهِي إِلَيْهِ، فَإِنْ أَحْضَرَ بَيِّنَةً أَخَذْتَ لَهُ
стр. 8715
بِحَقِّهِ، وَإِلَّا وَجَّهْتَ عَلَيْهِ القَضَاءَ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ أَجْلَى لِلْعَمَى وَأَبْلَغُ فِي العُذْرِ، وَالمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا مَجْلُوداً فِي حَدٍ، أَوْ مُجَرَّباً بِشَهَادَةِ الزُّورِ، أَوْ ظنيناً فِي وَلَاءٍ أَوْ قَرَابَةٍ؛ فَإِنَّ اللهَ- تَعَالَى- تَوَلَّى مِنْكُمُ السَّرَائِرَ وَدَرَأَ عَنْكُمُ الشُّبُهَاتِ، ثُمَّ إِيَّاكَ وَالضَّجَرَ وَالْغَلَقَ-[أَيْ: ضِيْقَ الصَّدْرِ وَقِلَّةَ الصَّبْرِ، وَهُوَ بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ]- وَالتَّأَذِّي بِالنَّاسِ وَالتَّنَكُّرَ بِالخُصُوْمِ فِي مَوَاطِنِ الحَقِّ الَّتِي يُوْجِبُ اللهُ بِهَا الأَجْرَ، وَيُكْسِبُ بِهَا الذُّخْرَ، وَإِنَّهُ مَنْ تَصْلُحُ سَرِيْرَتُهُ فِيْمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ أَصْلَحَ اللهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَمَنْ تَزَيَّنَ لِلنَّاسِ بِمَا يَعْلَمُ اللهُ مِنْهُ غَيْرَ ذَلِكَ يَشِنُهُ اللهُ، فَمَا ظَنُّكَ بِثَوَابِ اللهِ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا وَخَزَائِنِ رَحْمَتِهِ؟! وَالسَّلَامُ.
وهذه الوصية مستحبة، وقد يفهم كلام القاضي الحسين أن الوصية واجبة؛ فإنه قال: وعليه أني خلو به فيعظه ويخوفه الله- سبحانه-[ويحذره]، ويقرأ عليه عهد أمير المؤمنين عمر- ﵁ لأنه أبلغ ما يكون في الموعظة.
قال: وأشهد على التولية شاهدين أي: سواء قرب محل الولاية أو بعد؛ لتثبت بهما الولاية، وهذا قول أبي إسحاق، وعلى هذا فلا يحتاجان إلى لفظ الشهادة، بل يكفي إخبار [أهل] [محل الولاية] بها، ولا يحتاج إلى تقدم دعوى.
وفي "الحاوي": أنهما يشهدان عند أهل [عمل الولاية]، [فإذا شهدا، وكانا عدلين، فقد وجب على] أهل العمل طاعته.
ولو وصل القاضي إلى العمل، وأخبر أهله بالولاية من غير إشهاد- لم تلزمهم
стр. 8716
طاعته [إلا أن يصدقوه]، على أحد الوجهين في "الحاوي".
وقيل: إن كان البلد [قريباً] بحيث يتصل الخبر [به] لم يلزمه الإشهاد؛ لاستقلال الاستفاضة بإثباتها، وهذا قول الإصطخري، واختاره في "المرشد"، وفي "النهاية" عوضه: أن من أصحابنا من اكتفى بكتاب، وهو عندي مشروط بظهور مخايل الصدق في خطوط الكتاب؛ ولهذا قال في "الوسيط" في حكايته- إذا وصل بالعهد ولم تستفض ولايته ولا معه شهادة عدلين-: إنه يجب الاعتماد على الكتاب مع مخايل الصدق، وبعد الجرأة على التلبيس في مثل هذا الأمر، مع خوف سطوة السلطان.
وقد كان ولاة رسول الله ﷺ يكتفي في ذلك بمجرد قولهم، وهذا ما صححه صاحب "الإشراف" بعد أن حكى عن الشاشي أنه قال: ظاهر المذهب أن الإشهاد لا يجب.
قال البندنيجي وغيره: وأصل هذا الخلاف المذكور في الكتاب الخلاف في أن النكاح والوقف والعتق [والولاء] هل تثبت بالاستفاضة أم لا؟ وعلى هذا جرى في "التهذيب"، فإن قلنا: تثبت، لزم الرعايا ها هنا الانقياد له، وإلا فلا.
قال الإمام: وإذا استخلف القاضي حاكماً في قرية، فقد لا يستفيض مثل هذا، ولا يشترط فيه الاستفاضة، بل ينقدح فيه الكتاب أو شاهدان.
قال: ويسأل القاضي عن حال البلد ومن فيه من الفقهاء والأمناء، أي: العدول قبل دخوله؛ لأنه يحتاج إليهم؛ فكانت معرفته بهم قبل الدخول ليعاملهم بما يليق بهم أولى، فإن قدر على ذلك في البلد الذي وقعت فيه الولاية فذاك، وإلا يعرفه في طريقه إلى محل ولايته أو في [محل] الولاية.
قال الرافعي: ويستحب [له] أن يدعو أصدقاءه الأمناء، ويلتمس منهم [أن يطلعوه على عيوبه؛ ليسعى في إزالتها.
стр. 8717
قال:] ويستحب أن يدخل صبيحة يوم الاثنين؛ لأن النبي ﷺ دخل [المدينة] يوم الاثنين، فإن فاته دخل [يوم] السبت أو الخميس؛ للخبر المشهور، ولأنه قلما كان رسول الله ﷺ يخرج في سفر إلا يوم الخميس.
قال القاضي أبو الطيب والروياني [وغيرهما]: ويستحب أن يدخل البلد لابس السواد؛ لأن النبي ﷺ دخل مكة وعلى رأسه عمامة سوداء، ولأنه أهيب له.
قال: وينزل في وسط البلد؛ لأنه أقرب إلى التسوية بين أهله في قصده، وهذا ما نص عليه الشافعي- ﵁ في "الأم".
قال: ويجمع الناس، أي: [بأن] يبعث منادياً ينادي في البلد بأن فلاناً القاضي قد حضر فاحضروا لسماع عهده [في] وقت كذا، ويكون ذلك يوماً إن كان البلد صغيراً، وثلاثة ونحوها إن كان كبيراً.
قال: ويقرأ عليهم العهد؛ ليعلموا تفاصيل ولايته فيطيعوه فيها.
قال: ويتسلم المحاضر والسجلات من القاضي الذي كان قبله، لتُحرس على أربابها بيد كل ذي ولاية كما كانت، وكذا يتسلم منه أموال الأيتام والضوال والوقوف وأسماء المحبسين وغيرهم، كما قاله القاضي الحسين.
قال البندنيجي والماوردي وغيرهما: وهذا أول الأمانات التي يفعلها القاضي في ولايته قبل النظر في المحبسين وغيرهم، وعند أخذها إن أمكنه تصفحها ومعرفة ما فيها فعل.
والمحاضر: جمع "محضر" بفتح الميم، وهو الذي يكتب فيه قضية المتحاكمين وما جرى لهما في مجلس الحكم وحجتهما، قال الجيلي: إذا لم يتصل بذلك حكم.
стр. 8718
والسجلات: جمع "سجل" بكسر السين والجيم، وهو الذي يكتب فيه المحضر ويكتب معه تنفيذ الحكم وإمضاؤه.
قال: وإن احتاج أن يستخلف في أعماله لكثرتها استخلف، أي: فيما يعجز عنه من يصلح أن يكون قاضياً، أي: من غير إذن الإمام؛ لأن العرف يقتضيه فحكمت التولية عليه.
قال القاضي أبو الطيب والبغوي وغيرهما: كما إذا دفع ثوباً إلى شخص ليبيعه؛ فإن ذلك يتضمن [الإذن في] التسليم إلى من ينادي عليه.
وبهذه الحالة يلتحق ما إذا مرض أو أراد أن يغيب عن البلد لشغل، كما ذكره في "التهذيب"، أما ما لا يعجز عنه في هذه الحالة هل يجوز أن يستخلف فيه؟ قال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ: فيه الخلاف الآتي. وكلام [القاضي] أبي الطيب في كتاب الوكالة في حكاية الخلاف كما ذكرناه [أصرح منه] هنا، وكلام الشيخ في "المهذب" يقتضي إجراء الخلاف في هذه الحالة، وإن قلنا بمنع الاستخلاف في المسألة الآتية.
قال: وإن لم يحتج فقد قيل: يجوز؛ لأن [الإمام] لما ولاه صار ناظراً للمسلمين على وجه المصلحة، وكان له التولية فيما يقدر على التصرف فيه كالإمام، وهذا قول الإصطخري كما حكاه القاضيان أبو الطيب والحسين، واختاره في "المرشد".
وقيل: لا يجوز إلا أن يؤذن له [في] ذلك؛ لأنه متولِّ بطريق النيابة فلم يملك بمطلق الإنابة الاستنابة كالوكيل، وهذا قول أبي علي بن خيران، قال القاضي أبو الطيب: وهو المشهور من مذهب الشافعي- ﵁ وعلى ذلك جرى في "المهذب" فقال: إنه المذهب، وصححه الرافعي والنواوي.
[و] الناصر للأول قال: ليس القاضي نائباً عن الإمام، بل عن المسلمين؛ فهو
стр. 8719
ولي في نفسه، وحكى في "الحاوي" في هذه الحالة والتي قبلها ثلاثة أوجه حكاها صاحب "الإشراف" أيضاً:
أحدها- وهو قول أبي علي بن خيران-: أنه ليس له أن يستخلف، قل عمله أو كثر، [وقد نسب القاضي الحسين هذا إلى ابن أبي هريرة.
والثاني- وهو قول الإصطخري-: أنه له أن يستخلف، قل عمله أو كثر].
والثالث- وهو قول جمهور البصريين، ونسبه الإمام إلى الإصطخري وكذلك القاضي الحسين، وأنه طرده في الوكيل، وأن الصحيح-: أن استخلافه معتبر بعمله، فإن قل [عمله] وقدر على مباشرته بنفسه [لم يجز أن يستخلف، وإن كثر وعجز عن مباشرته بنفسه] جاز أن يستخلف؛ اعتباراً بالوكيل.
قال الماوردي: وعلى هذا فيما يستخلف عليه وجهان:
أحدهما: ما عجز عنه دون ما قدر عليه.
والثاني: في الجميع؛ لأن العرف فيه كالإذن.
وعلى حكاية الأوجه الثلاثة في الحالتين جرى المراوزة، واستغرب الرافعي جريان الخلاف فيما لا يقدر على مباشرته.
ولا خلاف في أنه إذا صرح له في الولاية بالاستخلاف- في جوازه، قال الأصحاب: والمستحب للإمام التصريح به، ولفظ الشافعي- ﵁ وأحب للإمام إذا ولى القضاء رجلاً أن يجعل له أن يولي القضاء من رأى في الطرف والأطراف، فيجوز حكمه.
وكذا لا خلاف [في] أنه إذا نهاه عن الاستخلاف أنه لا يجوز فيما يقدر على مباشرته، وكذا فيما لا يقدر عليه على المشهور، وبه جزم الماوردي، وعن الشاشي حكاية عن أبي الطيب بن سلمة: أن وجود النهي في هذه الحالة كعدمه، وبه جزم القاضي أبو الطيب.
стр. 8720
قال الرافعي: والأقرب أحد احتمالين: إما بطلان التولية- ويحكى هذا عن ابن القطان-[أو اقتصاره] على ما يقدر عليه وترك الاستخلاف.
قال الماوردي: ويلزمه أن يُعلِم الإمام عند كثرة عمله بعجزه عن النظر في جميعه؛ ليكون الإمام بالخيار بين أن يأذن له في الاستخلاف أو يصرفه عما عدا المقدور عليه ويولي فيه، والثاني هو الأولى؛ ليكون هو المتولي للاختيار، فإن لم يعلم الإمام أو أعلمه ولم يأذن له في أحد الأمرين، نظر: فإن كان ما ولاه مصراً كثير السواد كالبصرة، كان نظره مختصّاً بالبلد اعتباراً بالعرف، فإن استعداه أحد على أهل السواد: فإن كان أقل من مسافة يوم وليلة، لزمه إحضاره، وإن كان على مسافة القصر يوم وليلة فأكثر، ففي وجوب إحضاره وجهان.
وإن كان العمل مشتملاً على مصرين متباعدين كالبصرة وبغداد فهو بالخيار في النظر في أيهما شاء، فإذا نظر في أحدهما ففي انعزاله عن الآخر وجهان محتملان.
فرعان:
أحدهما: إذا قلنا بمنع الاستخلاف، فاستخلف في أمر عام، وحكم الخليفة فهل يلزم حكمه؟
قال القاضي أبو الطيب: إن حكم مجبراً لم ينفذ، وإن لم يجبر عليه [كان كالتحاكم] في لزومه بنفسه أو توقفه على الرضا بعد الحكم، [وكذلك] ذكر الماوردي وابن الصباغ.
قال مجلي: وهذا فيه نظر؛ لأنهما إنما ترافعا إليه لاعتقادهما أنه حاكم منصوب فيلزم حكمه، فإذا لم يكن كذلك فكيف يلزمهما حكمه وهو فاسد كنصبه؟! وهذا بخلاف من تراضيا عليه؛ لأنهما نصباه لأنفسهما. نعم، لو علما فساد توليته وتراضيا بما يحكم به بينهما فإنه يكون على القولين، فأما مع عدم علمهما بذلك فلا وجه له.
قلت: وقد يتخرج على خلاف حكيهت فيما إذا باع بيعتين في بيعة، وباعه الثاني ما
следующие страницы →