Полный текст (9 685 стр.). Показаны 8786–8825 · переход к 8791.
стр. 8786
محبوس منه بعد محبوس، فلو كان بعيداً أخرج بالقرعة جميع من يقدر على النظر بينهم في مجلسه قبل شروعه في النظر.
وفي "تعليق" البندنيجي و"الشامل" و"الرافعي" و"المرشد": أنه إذا أراد أن ينظر، ترك الرقاع التي فيها أسماء المحبوسين بين يديه، ومد يده إليها؛ فما وقع في يده منها نظر فيه.
ولعل هذا إذا كثر المحبوسون، وتعذرت القرعة؛ كما ذكرنا مثله في حضور الخصوم للتحاكم.
قال: فمن حبس بحق رده إلى الحبس؛ لأنه يستحقه لو أنشئت المحاكمة عند هذا القاضي؛ فاستمراره أولى.
وهذه المسألة مصورة في كلام الأصحاب- كما قال الإمام والبغوي- بما إذا أقر المحبوس أنه حبس بحق، وبما إذا أقر أنه حبس [بدين وهو قادر عليه؛ كما قاله في "الشامل" و"المرشد" وغيرهما، أو أن الدين الذي حبس] فيه ثمن مبيع، أو قرض، أو عن غصب، ولم تقم بينة بتلفه، ولم يصدقه الخصم على ذلك، أو أقر بأن الدين صداق أو أرش جناية أو بدل متلف ونحوه، وأنه معسر، فأقام الخصم بينة على أنه كان له مال؛ كما قاله أبو الطيب، [أو] أقر بأن ما حبس عليه ثمن خمر أو خنزير [لذمي] أو قيمته عنهما، والقاضي الأول والثاني يريان ذلك.
وقد يفهم من كلام الشيخ أنه إذا حبس تعزيراً لأجل لَدَدٍ صدر منه ونحوه: أنه يعاد، وقد قال الغزالي: إن من حبس تعزيراً لا يعاد. وقال الرافعي: إن معظم الكتب ساكتة عن ذلك، ولعل وجه ما ذكره: أن التعزير يتعلق بنظر الحاكم الذي بانت عنده الجناية، ولا يدري هل كان الحاكم المصروف يديم حبسه أم لا؟ ولكن لو بانت جنايته عند الثاني ورأى إدامة حبسه، فالقياس جواز العود.
وفي "الحاوي" و"البحر": أن التعزير قد استوفي بعزل الأول، وإن لم يستكمل
стр. 8787
مدة حبسه، مع بقاء نظر الثاني؛ لأن القاضي الثاني لا يعزر لذنب كان مع غيره، لكنه لا يطلقه حتى ينادي عليه- كما سنذكره- لاحتمال أن يكون قد حبس لخصم وأنكره، ويحلفه: إنه ما حبس بحق لخصم؛ كما قاله ابن أبي الدم.
قال: ومن حبس بغير حق خلاه؛ لأن استمراره معصية.
وهذه المسألة مصورة في كلام الأصحاب بما إذا صدق الخصم المحبوس على ما ادعى أنه حبس عليه، وكان ذلك لا يقتضي الحبس، وله صور:
منها: أن يصدقه على [أن] ما ابتاعه منه وحبس فيه قد تلف، أو قامت بينة بذلك ولم يعهد له مال غيره.
ومنها: إذا كان الدين عن صداق أو إتلاف أو ضمان، وقد ادعى المحبوس الإعسار، وصدقه فيه الخصم، أو كذبه في دعوى الإعسار، وحلف المحبوس؛ قال القاضي أبو الطيب: لأن الأصل أن لا مال له. وهذا بناءً على أن من [لم] يعرف له مال إذا لزمه دين لا بمعاوضة محضة، القول في الإعسار قوله، كما حكيناه في باب التفليس عن العراقيين، وقد وافقهم القاضي الحسين هنا، أما إذا قلنا بما نقله المراوزة فلا يخفى تفريعه.
ومنها: إذا ادعى أنه حبس في قيمة خمر أتلفه [على] ذمي أو خنزير ونحوه، وكان الحاكم الأول لا يرى ذلك، [وكذلك الثاني، أو كان الخصم مسلماً. نعم، لو كان الخصم ذميّاً، والحاكم الأول لا يرى ذلك كالشافعي]، [والثاني يراه كالحنفي- كان حكم الأول باطلاً، والثاني إن حكم بمذهبه حبسه. ولو انعكس الحال فكان الأول حنفيّاً، والثاني شافعيّاً- لم ينقضه باتفاق الأصحاب]، ولكن هل يلزمه إمضاؤه أم لا؟ فيه قولان:
فإن قلنا بالأول وهو ما اختاره في "المرشد"، وصححه الرافعي- أعاده إلى الحبس.
стр. 8788
وإن قلنا بالثاني، قال في "الحاوي" و"البحر": فيعيده إلى الحبس من غير أن يلزمه القضاء؛ لأنه [لا] يراه، ولا يطلقه؛ لأنه لا ينقض الحكم به، وأقره حتى يصطلحا.
وفي "الكافي": أنه على هذا القول لا يرده إلى الحبس؛ لأن في اجتهاده أنه لا شيء عليه، ولا يمكنه نقض ما حكم به الحاكم الأول بالاجتهاد؛ فالطريق فيه: أن يوقف الأمر بينه وبين المدعي حتى يصطلحا. وهذا أقرب إلى كلام ابن الصباغ والبندنيجي حيث قالا: [لا] يمضيه، ويتوقف في بابه حتى يصطلحوا.
وأطلق القاضي أبو الطيب القول بأنه إذا حبس في ثمن نخمر أو خنزير: أنه يرده إلى الحبس؛ لأنها مسألة مختلف فيها، فإذا حكم الحاكم فيها لم ينقض حكمه؛ لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد.
ثم إطلاق المحبوس في الصور التي ذكرناها منوط عند الروياني والبندنيجي وابن الصباغ بالنداء عليه ثلاثاً: ألا إن فلان بن فلان قد فرغ من حكومته بينه وبين خصمه، فإن كان لأحد عليه حق فليتقدم فإن القاضي يريد إطلاقه، ووجه ذلك: أنه يحتمل أن يكون له خصم آخر فأنكره.
والقاضي أبو الطيب أطلق القول بالإطلاق من غير تقييد بذلك، وقال في "المرشد": عندي أن النداء الثاني لا يحتاج إليه؛ لأن في النداء الأول غنية عنه، ولأن الخصم الآخر إن لم يكن محبوساً [له] فلا يجوز حبسه انتظاراً لخصم لم يتعين ولم يثبت له حق، وإن [كان] قد حبس له فقد عرف حقه.
فرع: لو أقر المحبوس أن خصمه أقام بينة عليه بحق ولم تُعدَّل، وأنه [قد] حبس لأجل استزكائها- فهل يلحق ذلك بالقسم الأول حتى يعاد إلى الحبس، أو بالثاني حتى يخلى سبيله؟ فيه وجهان مبنيان على أنه يحبس لأجل الاستزكاء أم لا،
стр. 8789
وفيه خلاف بين أبي إسحاق والإصطخري كما حكاه البندنيجي وابن الصباغ وغيرهما.
قال القاضي أبو الطيب: فعلى قول [أبي إسحاق يرده] إلى الحبس؛ لأن الحبس عنده بحق؛ لأن الأصل العدالة، وإنما السؤال عن الجرح الذي يسقط الشهادة، وهذا ما اختاره في "المرشد". وعلى قول الإصطخري يخلى؛ لأن الحبس عنده بغير حق؛ لأن البحث عنده والسؤال عن الشهود إنما هو لإثبات الشهادة.
قال البندنيجي: ومحل التخلية إذا لم يكن المعزول قد حكم بوجوب الحبس عليه.
وقد أوضح ذلك الماوردي، فقال بعد حكاية الوجهين: ثم إن قلنا: إنه لا يجوز حبسه، وكان القاضي قد قال: حكمت بحبسه- لزم حبسه باجتهاده، ولا يجوز إطلاقه، وإن لم يقل: حكمت، وجب إطلاقه، ولكن لا يعجل بإطلاقه حتى ينادى عليه ثلاثة أيام، كما سنذكره.
قال ابن أبي الدم: وفيما قاله نظران:
أحدهما: أنه قال: وإن قلنا: لا يجوز حبسه. وفصَّل كما تراه، وكان من حقه أن يقول: إذا قلنا: لا يجوز حبسه للأول، فهذا إذا لم ير ذلك رأياً ومذهباً، وإلا فلو رأى الأول حبسه، جاز له ذلك قولاً واحداً؛ لأنها مسألة مجتهد فيها. ثم [إذا] رأى القاضي الأول حبسه وحبسه، فالقاضي الثاني إن رأى حبسه سائغاً بذلك فله استدامة حبسه قولاً واحداً، وإن لم ير جواز حبسه، والتفريع على أن القاضي الأول رأى جواز حبسه وحبسه- فهل يديم الثاني حبسه بطلب الخصم؛ [إمضاء لفعل [الحاكم] الأول]، أو يطلقه؟ فيه وجهان.
الثاني: أنه [قال]: [إن] قال الأول: حكمت بحبسه، لزم الثاني حبسه، وإلا أطلقه. وفي هذا إشارة إلى أن فعل الحاكم أو أمره بالفعل ليس بحكم، إنما الحكم قوله لفظاً: حكمت بكذا، أو لفظ آخر يقوم مقامه، وفي هذا تردد ظاهر. ثم إنه قد
стр. 8790
ناقض قوله هذا؛ فإنه قال متصلاً بما ذكره: أما إذا [قال]: حبسني تعدياً بغير حق [ولغير خصم]، فدعواه تخالف الظاهر من أحوال القضاة، وحبسه حكم؛ فلا ينقض إلا بيقين الفساد. فقوله: "وحبسه حكم"، دليل على ما ذكرناه قطعاً.
قلت: وكأن الجواب عما ادعاه من المناقضة: أن الحبس حكم بالحق لا [حكم] بالحبس، والكلام ها هنا في الحبس لا في الحق.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنه إذا قال: حبسني بشهود غير عدول، لم يقبل، ولكن يسأل عن عدالتهم: فإن كانوا عدولاً حبسه، وهل يحبسه في المدة التي يتعرف فيها أحوال الشهود؟ [فيه وجهان].
قال: ومن ادعى أنه حبس بغير خصم، أي: في [غير] حق، نادى عليه، أي: ينادي ثلاثة أيام- كما قال في "البحر"-: ألا من كان له عند فلان [بن فلان] حق فليحضر في يوم كذا؛ فإن القاضي عازم على إطلاقه من السجن.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أن بعضهم قال: ينادي عليه ساعة أو ساعتين، فإن كان له خصم وإلا خلي سبيله، وقال [بعضهم]: ينادى عليه حتى يشتهر في البلد، ووجه النداء [أنه]: يحتمل أن يكون له خصم قد كتمه؛ فيظهر بالنداء.
قال: [ثم يحلفه]، أي: إن لم يحضر خصم، ولا بينة تخالف دعواه [ولا توافقها؛ لأن دعواه] مخالفة للظاهر، فحلف معها، بخلاف المسألة قبلها؛ حيث قلنا: يخلى بغير يمين؛ لأن له خصماً [حاضراً]، وكان الظاهر معه، والأصل عدم خصم آخر.
стр. 8791
وكيفية اليمين: أن يحلف بالله إنه حبس بغير حق؛ كما قاله أبو الطيب، وقد فهمت مما حكاه القاضي عن بعضهم: أنه لا يحتاج في الإطلاق إلى يمين.
قال: ويخليه؛ لأن تخليد الحبس عليه بعد ذلك إضرار به لا إلى غاية، مع أنه لو كان له خصم لظهر بذلك.
قال الإمام- وتبعه الغزالي-: وهو في مدة النداء لا يحبس ولا يخلى، بل ينصب من يراقبه، وهل [يأخذ منه كفيلا] ببدنه [احتياطاً]؟ فيه وجهان ذكرهما صاحب "التقريب":
أحدهما: [نعم؛ فعلى هذا: إذا امتنع من القيام بكفيل رددناه إلى الحبس.
والثاني: ليس على ذلك]، وهو الصحيح الذي قطع به الأئمة، كما قال الإمام.
وفي "الإبانة" إطلاق القول بأن المحبوس إذا قال: حبست بظلم، لا يقبل قوله، واقتصر على ذلك.
وفي "الحاوي": أن دعواه [مخالفة للظاهر] من أحوال القضاة، وحبسه حكم؛ فلا ينقض إلا بيقين الفساد، ويطلب منه البينة: فإن شهدت أنه حبس بحق عزر [في جرحه] لحابسه، وإن شهدت أنه حبس ظلماً نادى عليه ثلاثاً كما ذكرنا، ثم يطلق إن لم يحضر خصم، وإن لم تقم بينة بأحد الأمرين أعاده إلى الحبس، ويكشف عن حاله حتى ييأس بعد الكشف من ظهور حق عليه، ويطالبه بكفيل بنفسه؛ لأن الحبس واجب عليه، فإن عدم كفيلاً استظهر في بقاء حبسه على [طلب الكفيل]، ثم يطلقه عند إعوازه، وهذا غاية ما يقدر عليه القاضي.
وحكى الإمام: أن في كلام القاضي ما يدل على أنه يخلى سبيله بمجرد قوله: حبست ظلماً، ولا يتشبث به، فإن ادعى عليه مدع، استعدى عليه؛ فإنا لا ندري أن
стр. 8792
ذلك القاضي حبسه بحق أم لا، وحبس القضاة منقسم إلى حبس بحق، و [إلى] حبس ظلم وأدب، فيحمل على تأدية حق.
قال الإمام: ولست أنكر اتجاه هذا في القياس؛ فإن التشبث به من حق الحبس.
ولو ظهر بعد النداء خصم، وادعى أنه محبوس في حقه: فإن صدقه بأنه محبوس له لم يخف الحكم مما تقدم، وإن كذبه قيل للحاضر: أنت الآن مدع، فإن ادعيت بحق سمعناه، وإلا فأت ببينة تشهد بأنه كان محبوساً بدينك، وإلا خليناه؛ كذا قاله في "البحر".
وعن "أمالي" أبي الفرج [السرخسي]: أنه [لا] يكفي لاستدامة الحبس قيام البينة على أن [القاضي] المصروف حبسه بحق هذا المدعي إن لم يبين جنس الدين وقدره.
واعلم أنه [قد] وقع في بعض النسخ: "ومن ادعى أنه حبس بغير حق"، وقد يظن أنها المسألة [التي قبلها، وليس كذلك؛ لأن تلك المسألة] المحبوس أقر بما لأجله حبس، وصدقه الخصم؛ فكان الحبس بغير حق، وهذه لم يدع فيها شيئاً حبس بسببه غير الظلم، ولا عين خصماً له، والحكم الذي ذكرناه لا يختلف؛ [لأن اقتصاره] على ذلك مستلزم لعدم الخصم، ولو قال: حبسني فلان غير الحاكم ظلماً، لا يقبل ذلك منه؛ لأنه خلاف الظاهر، ويستكشف [على ما ذكرناه] فيما إذا قال: حبسني ظلماً.
قال في "البحر": وقيل: إن كان فلان حاضراً أحضره حتى يقيم البينة أن [له] عليه حقّاً، وإلا أطلقه، وإن كان غائباً فوجهان:
стр. 8793
أحدهما: يطلق؛ لأن الأصل أن لا حبس.
والثاني: لا يطلق؛ لأن الظاهر أنه حبسه القاضي بحق، [هكذا] ذكره بعض أصحابنا بخراسان.
وكأنه يعني الفوراني؛ لأنه ذكر ذلك في "الإبانة"، والإمام حكى الوجهين في حال الغيبة البعيدة عن بعض المصنفين، وعناه أيضاً، وقال: إنا على القول بعدم الإطلاق نكتب إلى الموضع الذي فيه الخصم حتى يحرص على إظهار حجته، فإن قصر أطلقناه، وعلى مقابله يراقب، فأما الرد إلى الحبس فهو إدامة للعذاب، ولا سبيل إليه قال: وقد يرى الإنسان في مجموعات الأصحاب عبارات موهمة.
تنبيه: كلام الشيخ في هذه المسألة كالمصرح بأن القاضي ينبغي أن يكون له حبس [يعزر] [بالحبس] فيه من يستحق التعزير، وقد صرح به الأصحاب على وجه الاستحباب، واستدلوا لذلك بما روي أن عمر- ﵁ اشترى داراً بمكة واتخذها سجناً [بمكة]، وروي أن عليّاً- كرم الله وجهه- اتخذ سجناً.
قال القاضي أبو الطيب: وإذا لم يتخذ سجناً أمر بملازمة من توجه عليه الحق، فتقوم الملازمة مقام الحبس. ولذلك قال: يستحب أن يتخذ درة يؤدب بها من يستحق التأديب، ويرهب بها السفيه والجاهل، وقد اتخذها عمر، ﵁.
قال: ثم ينظر في أمر الأيتام، أي: الذين في عمله، والأوصياء، أي: عليهم، وكذا [على] المجانين والسفهاء، و [كذا] على تفرقة الصدقات؛ لتوليهم لمال من لا يملك المطالبة ولا يعبر عن نفسه؛ فكان النظر فيهم أولى.
قال الماوردي: ويبدأ بمن يرى من غير قرعة، بخلاف المحبوسين؛ لأن هذا منه نظر اجتهاد، ولأن النظر في المحبوسين لهم، وها هنا عليهم لا لهم. أما إذا كان المال والأوصياء في عمله والمولى عليهم في غير عمله، فنظره في ذلك مبني على أنه هل له نظر في ذلك المال أم لا؟ وفيه تردد جواب القاضي الحسين، والأصح في "أدب
стр. 8794
القضاء" لابن أبي الدم، وإليه مال الإمام: لا؛ بل سبيل تصرفه فيه كتصرفه في أموال الغيب، وسنذكره.
ثم نظره في الأوصياء بعد ثبوت الوصاية لديه بإقامة البينة على الموصي بالوصاية، يكون باختياره في أمانته وقوته، وسنجده لا يخلو فيها من أربع أحوال:
إحداها: أن يكون أميناً قويّاً فيقره، ولا يجوز أن يستبدل به.
الثانية: أن يكون أميناً ضعيفاً لا يقدر على التفرد بتنفيذ الوصية؛ إما لكثرة المال أول ضعفه في نفسه؛ كما حكاه الرافعي، [فعلى القاضي أن يضم إليه من أمنائه من يقوى به] [، ولا يدفع يده].
الثالثة: أن يكون خائناً في الأمانة فاسقاً في الديانة؛ فلا يجوز للقاضي أن يقره عليها، ويجب عليه أن يردها إلى غيره من الأمناء.
الرابعة: أن يكون ثقة في الأمانة فاسقاً في الديانة، فينظر في الوصية: فإن كانت بالولاية على الأطفال ونحوهم أو تفرقة الثلث [في غير] معينين [انتزعها منه، وردها إلى أمين، وإن كانت بالوصية في تفرقة الثلث في معينين] أو قضاء دين لمسميين، قال الماوردي: جاز أن يقرها في يده، والفرق: أن في تلك ولاية واجتهاداً، وليس الفاسق من أهلها، وهذه مقصورة بالتعيين على التنفيذ دون الاجتهاد.
وفي "البحر" وغيره إطلاق القول بنزع المال منه في حال [قوة] أمانته في التصرف وفسقه في الديانة.
وقد تتفق حالة خامسة، وهي أن يشك القاضي في عدالته، وقد حكى ابن الصباغ فيها وجهين:
أحدهما- عن الإصطخري-: أنه يقر المال في يده؛ لأن الظاهر الأمانة.
стр. 8795
والثاني- عن أبي إسحاق، وهو المختار في "المرشد"-: أنه ينتزعه حتى تتحقق عدالته.
قلت: وهذا التوجيه يقتضي أن يكون مذهب كل واحد منهما خلاف ما حكيناه عنه فيما إذا حبس لأجل الاستزكاء.
ولو أقام الوصي بينة بأن القاضي المنصرف نفذ وصيته، وأطلق تصرفه في المال- قال ابن الصباغ والبندنيجي والمصنف: لم يكن [للقاضي الثاني] التعرض له، ويمضيه على ما ثبت عنده من حكم الأول؛ لأن الظاهر: أن الأول لم ينفذه إلا بعد ثبوت أهليته. نعم، يراعيه، فإن تغير حاله [إلى حالة] من الأحوال الثلاثة عامله بما ذكرناه، هكذا أورده صاحب "البحر" وغيره.
[ثم] [في] الحالة التي يقر المال في يده لو كان موجوداً، لو ادعى أنه صرفه في جهاته، قال الرافعي: فإن كان مستحقوه بالوصية معينين، لم يتعرض له؛ لأنهم يطالبون لو لم يصل إليهم، وإن كانوا غير معينين فالقول قوله، ولا يضمنه، ولو كانوا أطفالاً ونحوهم فقد تقدم حكمهم في باب الحجر.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أن الوصي إذا كان قد أنفذ الوصاية وفرغ فالقاضي بالخيار: إن شاء حاسبه، وإن شاء ترك.
وفي الحالة التي ينتزع المال من يده لو كان باقياً، لو كان قد تصرف فيه، قال الماوردي وغيره: فإن [كان] مستحقوه معينين بالوصية تبرعاً أو في وفاء دينه، فلا يتعرض له، والمستحق هو المخاصم. وإن كان غير معين، أو كان طفلاً، قال الماوردي: فإن كان فسقه خفيّاً يفتقر [إلى اجتهاد] نفذ تصرفه، ولم يضمن إلا بالتعدي ما لم يحكم القاضي بفسقه، وإن كان فسقه ظاهراً لا يفتقر إلى اجتهاد
стр. 8796
[رد] تصرفه، وغرمه إذا لم يمكن التدارك كما إذا فرق على المساكين. قال: وليس له أن يرجع على المساكين بما فرقه وإن صدقوه [على الوصية]؛ لأنه يقر بوصوله إليهم [بحق].
[وفي "المهذب" حكاية وجهين في ضمانه في هذه الصورة،] ووجه المنع بأنه دفعه إلى مستحقه فهم كالمعينين، والمختار في "المرشد": الأول.
وأطلق الرافعي القول بالضمان عند وجوده فاسقاً؛ لتصرفه لا عن ولاية من غير تفصيل بين فسق [خفي أو ظاهر. نعم، حكى أنه لو ادعى أنه فرق الثلث الموصي به لغير] معين؛ خوفاً عليه من أن يضيع- وجهين في ضمانه، وأظهرهما: الوجوب، ويظهر أن ينبني الخلاف فيما إذا فرقه الوصي [الفاسق] في حالة الخوف، على ما إذا فرقه من ليس بوصي في هذه الحالة وهو عدل، وفيه وجهان حكاهما ابن الصباغ وأبو الطيب، فإن قلنا: يضمن- وهو الصحيح في "تعليق" أبي الطيب، والمختار في "المرشد"- فالوصي الفاسق أولى، وإلا فوجهان.
وإذا جمعت بين ما حكاه في "المهذب" وغيره واختصرت، قلت: في ضمانه عند تفريقه في غير معين ثلاثة أوجه، ثالثها: إن كان في حال الخوف عليه لم يضمن، وغلا ضمن، وقد اتفق الكل على أن مستحق الثلث لو كان معيناً لم يضمن الوصي ولا الأجنبي وإن لم يكن ثم خوف؛ لأن للمعين الاستقلال بالأخذ.
قال: ثم ينظر في أمر أمناء القاضي- أي: الذي كان قبله- المنصوبين [للنظر] في أموال الأيتام والمحجور عليهم الذين لا وصي عليهم، وكذا في تفرقة الوصية؛ لما ذكرناه، والخيرة في التقديم [إليه] كما حكاه الماوردي، وإذا نظر فيهم:
فإن كانوا باقين على حالهم في العدالة والكفاءة أقرهم.
стр. 8797
قال ابن الصباغ: ولا يحتاج إلى تولية؛ لأن الذي قبله ولاهم.
وإن كان قد تغير [حال] أحدهم بفسق عزله، وإن كان بضعف ضم إليه من يعينه.
وفي "تعليق" القاضي الحسين و"البحر": أنه بالخيار إن شاء [عزله و] انتزع ذلك منه عند بقائه على الاستقامة، وإن [شاء] أقره وحده أو ضم إليه غيره.
والأمر في باقي الأحكام [كما] تقدم في الأوصياء، ولابد من إقامة البينة على أن القاضي المنصرف [قد ولاه، ولا يكفي قول المنصرف: إني وليته،] فلو لم تقم بينة فكل ما أنفق وادعى غرمه على اليتيم وعلى غيره، حكمه فيه كالمستولى عليه من غير تولية أحد، قاله القاضي الحسين.
فروع:
إذا فعل الأمين ما لا يجوز عن جهالة به لم ينعزل، ويرد ما فعل، فإن أمكن استدراكه لم يغرمه، وإلا غرمه.
إذا ادعى الأمين أن القاضي [المنصرف] قطع له أجرة، فإن أقام [على ذلك] بينة، وكان ذلك القدر أجرة المثل- عمل بها، وإن كان أكثر من أجرة المثل رد الزائد عليها، وإن لم تقم بذلك بينة، ففي الأجرة قولان في "تعليق" القاضي الحسين وغيره:
أحدهما: لا شيء له.
والآخر: القول قوله، فيحلف ويستحق أجرة المثل.
وقد حكى الماوردي الخلاف المذكور وجهين، وأنهما مأخوذان من الوجهين فيما إذا ادعى راكب الدابة إعارتها، وادعى المالك [إجارتها]، في أنه هل يستحق
стр. 8798
[عليه] الأجرة أم لا؟ فإن قلنا: لصاحب الدابة الأجرة، استحق الأمين ها هنا، وإلا فلا. وتبعه الروياني في ذلك.
وقال الإمام: إن الخلاف ها هنا مبني على الخلاف، فيما إذا عمل لغيره عملاً، ولم يسم له أجرة، هل يستحقها أم لا؟
على القاضي بعد تصفح أحوال الأمناء والأوصياء أن يثبت [في ديوانه] حال كل أمين ووصي وما في يده من الأموال، ومن [يلي] عليه من الأيتام؛ ليكون حجة في الجهتين، فإن وجد ذكره في ديوان القاضي الأول عارض به وعمل بأحوطهما، قاله في "الحاوي"، ولفظه في "البحر": يجب على القاضي. وسرد ذلك.
قال: ثم في أمر الضوال واللقطة؛ للمعنى الذي ذكرناه.
والضوال: الماشية من الإبل والبقر والغنم، واللقطة: كالمتاع والأعيان؛ كذا قاله ابن الصباغ.
وقال البندنيجي: إن الضوال: ما كان من البهائم التي لا يجوز التقاطها، وهو ما امتنع من صغار السباع؛ كما ذكرناه في بابه.
ونظره في الضوال: إن كان في بقائها ضرر أو تحتاج إلى مؤنة باعها وحفظ ثمنها، وإلا بقاها وتركها في الحمى حفظاً لمالكها.
ونظره في اللقطة: الذي وجدها: إن اختار تملكها فهو أحق بها، وإن لم يختر ذلك أمر أميناً بأخذها وحفظها على صاحبها، وإن رأى أن يخلطها بمال بيت المال، حتى إذا جاء صاحبها أعطاه قيمتها من بيت المال- فعل، كذا حكاه ابن الصباغ.
وقال البندنيجي: إن نظره فيها إذا ردها الملتقط ولم يختر تملكها فيحملها
стр. 8799
[إلى] الحاكم؛ ليحفظها على ربها، [فينظر: إن كانت مما لا مؤنة في حفظها كالجواهر والأثمان، حفظها على ربها،] وإن كانت [مما لاستبقائها] مؤنة: كالأمتعة الجافة، [أو الحيوان] الذي يحتاج في حفظه إلى الإنفاق عليه- باعه وحفظ ثمنه [على صاحبه].
وكذا ينظر في الوقوف العامة والخاصة؛ كما قاله الماوردي:
أما العامة؛ فلأن مستحقيها لا يتعينون، فمل يقف النظر على مطالب.
وأما الخاصة؛ فلأن منتهاها إلى من لا يتعين من الفقراء والمساكين، ويكون نظره هل أفضت إليهم أم لا؟ وهل يستحق الولاية على من تعين منهم لصغر أو جنون أو سفه؟ وليعلم سبلها فتحمل على شرط واقفها. وإن تغير حال الولي عليها فعل ما قدمناه في الأولياء والأمناء؟
ومن تمام نظره فيها: تعاهدها بالإسجال [عند تطاول] المدة؛ لتكون الحجة باقية ومثبتة [في ديوانه، وقد حكيت ذلك في كتاب الوقف عن نص الشافعي- ﵁ كما حكاه [القاضي أبو الطيب في باب عقد الذمة].
تنبيه: كلام] الشيخ في هذا الفصل والذي قبله يعرفك أن ولاية القاضي تتضمن النظر والتصرف فيما ذكره، كما اقتضى كلامه في أثناء هذا الباب وغيره تضمنها التصرف في أمور أخر، وقد تكلم الأصحاب فيما يقتضيه [مطلق] ولاية القضاء، وملخصه: أنه يستفيد به سماع البينة والحكم، والتحليف، وفصل الخصومات، بحكم أو بصلح عن تراض، واستيفاء الحقوق، والحبس عند الحاجة، والتعزير، وتزويج اللواتي ليس لهن ولي خاص، والولاية في مال الصغار والسفهاء والمجانين [عند عدم أولياء النسب والأوصياء]، والنظر في الضوال
стр. 8800
و [اللقط] والوقوف؛ حفظاً للأًول، وإيصالاً للغلات إلى مصارفها بالفحص عن حال المتولي إذا كان [لها] متولٍّ، وبالقيام [به] إذا لم يكن، والنظر في الوصايا، وتعيين المصروف إليه إذا [كانت الوصية لجهة] عامة إذا لم يكن [لها وصي]، والفحص عن حال الوصي إذا كان كما تقدم، وله النظر في الطرق والمنع من التعدي فيها بالأبنية وإشراع ما لا يجوز إشراعه، كذا أطلقه الماوردي في "الأحكام" وغيره.
وفي "الحاوي": إن جاءه متظلم دخل في ولايته، ونظر فيه، وإن لم يأت متظلم دخل ذلك في الحسبة، وكان أحق بالنظر فيه، فإن لم يفتقر إلى اجتهاد تفرد به المحتسب، وإلا كان القاضي بالاجتهاد [فيه] أولى من المحتسب، ويكون المحتسب فيه منفذاً لحكم القاضي.
[وله] نصب المفتين والمحتسبين، وأخذ الزكوات كما قاله في "الإشراف".
وفصَّل الماوردي فيها، فقال: إن أقام الإمام لها ناظراً خرجت من عموم ولاية القاضي، وإلا فوجهان.
قال الرافعي: ويشبه أن يطرد هذا التفصيل في المحتسبين، وكذلك القول في إمامة صلاة الجمعة والعيدين.
قال الماوردي: إن أقام الإمام لها شخصاً، خرجت من عموم ولاية القاضي، وإلا فوجهان.
قال الرافعي: ويقرب من هذه الأمور نصب الأئمة في المساجد.
وله الحكم بنفقات الأقارب والزوجات والرقيق، وتقديرها برأيه واجتهاده، والنظر في التعديل والتجريح والتقليد والعزل.
وله إقامة الحدود على مستحقها فيما يتعلق بحقوق الآدميين: كحد القذف،
стр. 8801
والقصاص على النفوس والأطراف، فأما ما يتعلق بحدود الله- تعالى-[المحضة]: كحد الزنى وشرب الخمر وتارك الصلاة، فقد جزم في "الأحكام" بأن له إقامتها- أيضاً- من غير طلب، وقال في "الحاوي": إن تعلقت باجتهادٍ كان القاضي أحق بها، ويأمر ولاة المعاون باستيفائها وهو أولى من مباشرتها بنفسه، وعليهم أن يعملوا بأمره فيها، وإن لم تتعلق باجتهاد كان الأمير أحق بها؛ لتعلقها بتقويم السلطنة، فإن تعلق بها سماع البينة، سمعها القاضي، واستوفى الأمير.
وأطلق في "الإشراف" القول بأنه لا يقتل مرتد دونه، ولا يستوفى [في] حد دونه، فإن فعله فاعل عزره القاضي.
وله- كما قال في "الإشراف"- إقطاع أراضٍ ورثها المسلمون في ولايته.
وفي جباية الخراج والجزية وحفظ مال بيت المال خلاف بين الأصحاب، والأظهر في "الرافعي" وبه جزم الماوردي: المنع.
والنظر في أموال الغيب، قال الماوردي: إن علموا بها فلا نظر للقاضي فيها؛ لوقوعها على اختيار، وإن لم يعلموا [بها بأن] ورثوها وهم لا يعملون، فهي داخلة في نظر القاضي، وعليه حفظها حتى يقدموا أو يوكلوا؛ فيتخرج حينئذ من نظره.
قال الإمام في أول كتاب قسم الفيء والغنيمة: وحفظها يكون بصيانتها إن لم يخشَ هلاكها، وإن خشي فهو كالبيع عند خوف الفوات بالكلية، وكذا خوفه تلف المعظم، ولا يجوز البيع عند خوف الاختلال الذي لا يتراقى إلى تلف المعظم [ولم يكن سارياً]؛ لأن معظم الأمة لا يعدون ذلك ضياعاً. وهذا إذا امتدت الغيبة، وعسرت المراجعة [قبل وقوع الضياع، ولم يمكن تدارك الضياع بالإجارة؛ فلو أمكنت المراجعة،] أو لم ينقطع الخبر انقطاعاً يغلب على الظن الإياس من
стр. 8802
العود قبل المستدرك- فلا يسوغ التصرف مطلقاً، ولو أمكن التدارك عند عسر المراجعة بالإجارة، اكتفى القاضي بها ولم يبع.
قال الإمام: وإجارة القاضي لأملاك الغُيَّبِ في معنى بيع الأعيان المشرفة على الهلاك؛ فإن المنافع متعرضة للضياع على مر الزمان. قال: وهذا إذا لم يصدر من الغائب نهي عن التصرف في ماله؛ لأن جواز التصرف فيه كان من حيث إن قرائن الأحوال تدل على أن الغيب لا يأبون أن يرعى حقوقهم من يلي أمر المسلمين؛ فلو فرض من المرء عند الغيبة نهي عن البيع، وانتهى الأمر إلى الضياع- فلسنا نرى البيع جائزاً- والحالة هذه- إلا أن يكون حيواناً، فإنه يباع؛ لأجل حرمة الروح؛ كما يباع في حضرته إذا كان لا يستقل بالإنفاق عليه.
قال: وإن كان القاضي قبله لا يصلح للقضاء نقض أحكامه كلها، [أصاب فيها أو أخطأ؛ لأنه حكم من لا يجوز حكمه] فوجب نقضه كما لو صدر عن بعض الرعية من غير تحكيم، وهذا ما أورده البندنيجي [والبغوي والمصنف، قال الرافعي: وغيرهم.
وكلام الغزالي] في "الوسيط" الذي حكيناه من قبل مصرح بأن من ولاه السلطان ذو الشوكة تنفذ أحكامه، و [قد] حكينا عن صاحب "الكافي" إبداءه احتمالاً، وذكرنا ما قيل في ذلك، وفي "البحر": أن امرأة لو قلدت القضاء على مذهب أبي حنيفة، فيما يجوز أن تكون شاهدة فيه، فحكمت- هل للشافعي نقض حكمها؟ قال الإمام: جرى فيه وجهان:
أحدهما: [ينقض]، وهو اختيار الإصطخري.
والثاني: لا ينقض؛ لأنه مجتهد فيه.
قال: وإن استعداه خصم على القاضي قبله [لم يحضره حتى يسأله] عما بينهما؛ لجواز أن يقصد تعييبه وتبذيله وتحليفه بغير حق.
стр. 8803
قال: فإن ادعى عليه مالاً غصبه أو رشوة أخذها على حكم أحضره؛ لأنه ذكر سبباً محتملاً، ويتعذر إثباته قبل إحضاره، وهكذا الحكم فيما إذا ادعى عليه ديناً وغيره.
ثم للمعزول أن يوكل عنه في سماع الدعوى عليه ولا يحضر، وإذا حضر استؤنفت الدعوى عليه، فإن أقر أو قامت عليه بينة بالمدعي، حكم عليه [به]، وإن أنكر ولا بينة فالقول قوله مع اليمين؛ كما صرح به الماوردي، [وقال] القاضي أبو الطيب في دعوى الرشوة: إن في تحليفه ما سيأتي.
قال: وإن قال: حكم عليّ بشهادة فاسقين أو عبدين، أي: وهو يعلم ذلك، وأنه لا يجوز، وأنا أطالبه بالغرم- فقد قيل: يحضره؛ لأن ما ادعاه محتمل، وكان عليه الحضور؛ كما لو ادعى عليه مالاً، وهذا قول الإصطخري وابن القاص كما حكاه أبو الطيب، وهو الأصح عند القاضي الروياني في "البحر"، وعند غيره- أيضاً- كما قاله الرافعي.
وقيل: لا يحضره حتى يقيم المدعي بينة أنه حكم عليه؛ لأن الظاهر من أحكام الحكام [نفوذها على] الصحة؛ فلم يجز أن يعدل بها عن الظاهر إلا ببينة؛ صيانة لولاة المسلمين عن البذلة إلا بما يوجبها.
قال ابن يونس: ولأنه يسهل على المدعي إقامة البينة على الحكم؛ لأنه يقع ظاهراً، بخلاف أخذ المال. وهذا فيه نظر؛ لأن القاضي أبا الطيب قال: [إنما] تسمع البينة على هذا الوجه إذا شهدت على إقراره بأنه حكم [عليه] بشهادة لا يجوز الحكم بها، وإذا كان كذلك فهذا كالمال سواء.
لكن في "الرافعي" أن البينة إن شهدت على إقراره بذلك أحضره، وإن شهدت بما ادعاه المدعي أحضره، وهذا الوجه أصح عند صاحب "التهذيب".
وفي "الحاوي" حكاية [وجه] ثالث [: أنه] إن اقترن بدعواه أمارة تدل
стр. 8804
على صحتها من كتاب أو محضر ظاهر الصحة أحضره، وإن تجردت الدعوى عن أمارة لم يحضره، وفي هذا الوجه يندرج ما حكاه ابن يونس أنه قيل: يكفي في إحضاره أن يقيم بينة أنه حكم عليه بقضايا.
ولو ادعى المدعي أن الحاكم أخذ المال منه بشهادة المذكورين، ودفعه إلى فلان-[أحضره جزماً]؛ لأن هذا [الأخذ كالغصب].
قال [الشيخ]: فإن حضر، أي: تفريعاً على الوجه الأول، أو باختياره تفريعاً على الثاني؛ كما قاله في "البحر"، وقال: حكمت عليه بشهادة عدلين حرين- فالقول قوله مع يمينه، أي: بعد استئناف الدعوى، كما صرح به الماوردي؛ لأنه أمين ادعى عليه خيانة أنكرها؛ فكان القول قوله [مع اليمين] كالمودع.
وقيل: القول قوله من غير يمين؛ لأن في تحليفه امتهاناً له وابتذالاً، وفي خصوم الحاكم كثرة؛ فربما أدى ذلك إلى ألا يتولى أحد القضاء لما يلحقه من عاقبة الابتذال، وهو قول الإصطخري وصاحب "التلخيص" و"التقريب"، وإيراد القاضي أبي الطيب يقتضي ترجيحه، وقد صححه الشيخ أبو عاصم والبغوي والماوردي كما قاله الرافعي.
قال: والأول أصح؛ لما ذكرناه، ولأن حقوق الآدميين يستوي فيها الكافة، وقد حكى الرافعي هذا عن اختيار العراقيين والقاضي والروياني، وهو كذلك في "البحر"، وفي "الحاوي" نسبته إلى أبي إسحاق، أما إذا حضر بعد إقامة البينة عليه بالمدعي فلا بد- أيضاً- من تجديد الدعوى، ولا يتجه الإنكار؛ لوجود البينة. نعم، لا يكتفي بما شهدت به أولاً؛ بل [لا] بد من الأداء في وجهه على المعهود.
ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون المدعي حكماً في مال أو [في] دم، وقد
стр. 8805
نصب الغزالي الخلاف المذكور في الأعداء في سماع أصل الدعوى، وقال: إنه مبني على الخلاف في أن الحكم بشهادة العبدين ومن في معناهما، هل يقتضي غرماً؟ وأشار بهذا إلى [أن] ما يجب بخطأ الإمام، هل يجب في ماله أو على عاقلته إن كانت تتحمله، أم لا يجب إلا في بيت المال؟ فإن قلنا بالثاني لا تسمع الدعوى عليه، وإلا سمعت كما في قتل الخطأ.
وأطلق في "الإشراف": أن محمد بن جرير الطبري وغيره من أصحابنا قالوا: لا ينبغي أن يُفَوَّ سهم هذه الدعوى نحو القاضي؛ لأن فيه تشنيعاً عليه، وهو مستغن عن هذا التشنيع عليه، بأن يقيم بيِّنة على فسق الشهود. وحكى عن بعض الأصحاب أنه قال: دعوى الطعن في الشهود مسموعة على القاضي؛ لأنه ربما يتعذر عليه إقامة البينة.
وقال الرافعي: إن ما ذكره الغزالي من الخلاف غير معروف. نعم، إن كان المحكوم به قطعاً أو قتلاً، فعن الإصطخري: أن القاضي إنما يضمن إذا استوفاه بنفسه، أو أمر من استوفاه، [فأما إذا استوفاه] الولي بإذن القاضي فلا ضمان على القاضي. وخالفه الأكثرون، وقالوا: لا فرق؛ فإن القاضي هو [الذي] سلط الولي؛ فيمكن أن يجري هذا الخلاف في الأموال. انتهى.
قلت: وما أنكره الرافعي على الغزالي غير متجه عليه؛ لأن الإمام حكاه، ولفظه: إذا ادعى على الأول أنه ترك الصواب في حكمه، وقضى بشهادة عبدين أو معلنين بالفسق، فهل يقبل القاضي الجديد هذه الدعوى؟ ذكر العراقيون [فيه] وجهين:
أحدهما: لا يقبلها، ولا يستحضر المعزول لذلك. وهذا ليس بشيء.
والوجه: القطع باستحضاره، والبحث عن حقيقة حاله.
فرع: إذا ادعى على القاضي بعد العزل: أنك قتلت أبي، فقال: قتلته في أيام ولايتي قوداً، وعرف القاضي قاضياً فيما سبق من الزمان- قال صاحب "التقريب": فالقول قوله ولا يمين عليه. وذكر العبادي: أنه الأصح.
стр. 8806
قال في "الإشراف": وعلى طريقة أبي حامد يحلفه. ثم قال: ويمكن بناؤهما- على طريقة أبي حامد- على القولين في تبعيض الإقرار، وهو إذا قال: له عليّ ألف من ثمن خمر [أو خنزير].
وهذا حكم الدعوى على المعزول، أما الدعوى على المتولي: فإن كانت بما لا يتعلق بالحكم حكم بينهما خليفته أو قاضٍ آخر كما سبق، وإن ادعى ظلماً في الحكم وأراد تغريمه؛ لم يمكن، ولم يحلف القاضي، ولا تغني دعواه إلا بالبينة، وكذا لو ادعى على الشاهد أه شهد بالزور وأراد تغريمه؛ لأنهما أمينان شرعاً، ولو فتح باب تحليفهما لانسد الأمر، ورغب القضاة عن القضاء، والشهود عن أداء الشهادات، وهذا ما حكاه الإمام في باب الامتناع عن اليمين، وكذا الحكم لو قال القاضي: قد عزلت، وأنكر، وعن الشيخ أبي حامد: أن قياس المذهب التحليف في جميع ذلك؛ كسائر الأمناء إذا [ادعيت عليهم خيانة]، وهو ما جزم بتخريجه القاضي أبو الطيب في الشهود، وقال: إن الشهادة عليهم بالتزوير إنما يتصور إقامتها على الإقرار.
قال: وإن قال: جار عليّ في الحكم؛ نظر [في الحكم]: فإن كان في أمر لا يسوغ فيه الاجتهاد؛ أي [: بأن] يكون مخالفاً للنص أو الإجماع أو القياس الجلي، [أو ما] في معناه كما سنذكره، وقد ثبت المدعي بالبينة أو بإقرار الخصم-[نقض حكمه؛ كما ينقض] حكم نفسه إذا ظهر له ذلك، وقد روي أن علي بن أبي طالب نقض حكم شريح لما حكم في ميراث امرأة ماتت وخلفت زوجاً وابني عم أحدهما أخ لأم: بأن للزوج النصف، والباقي للأخ من الأم؛ تشبيهاً بالأخ من الأب [والأم مع الأخ من الأب]، وقال له: في أي كتاب وجدت هذا؟! وحكم علي- كرم الله وجهه-[بأن] للأخ من الأم السدس، وقسَّم الثلث الباقي بينهما نصفين؛
стр. 8807
لاعتقاده أن ما قضى به شريح مخالف لنص الكتاب العزيز؛ فإن الله- تعالى- يقول: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً﴾ الآية، وسنذكر في أواخر الباب التالي لهاذ بقية أدلة جواز النقض.
قال: وإن كان [في أمر] يسوغ فيه الاجتهاد كثمن الكلب وضمان خمر الذمي، فإن وافق رأيه لم ينقضه؛ لأن له الحكم به، بل يجب عليه، فكيف ينقضه؟!
قال: وإن خالفه؛ ففيه قولان:
أحدهما: ينقضه، قال ابن الخل: لأنه حكم يتعلق باجتهاده؛ فإذا خالفه لم يعتد به.
والثاني: لا ينقضه؛ [لأن نقضه] يمنع استقرار حق لأحد؛ لأنه يتسلط كل من ولي القضاء على نقض أحكام من قبله، وهذا ما اختاره النواوي.
واعلم أن بعض الشارحين لهذا الكتاب ومن يتبع ألفاظ الشيخ للاعتراض عليها، اعترض على الشيخ- ﵀ فالمتأدب منهم، قال: القول بعدم النقض في هذه الصورة لم يذكر في مشاهير الكتب سواه، وغير المتأدب قال: قول النقض في هذه الصورة [على] خلاف الإجماع؛ لأن ما يسوغ فيه الاجتهاد إذا اتصل به حكم حاكم نفذ، ولا يجوز لأحد بعده نقضه، وعلى هذا مضت العصور، ولو فتح هذا الباب لوقع الناس في حرج عظيم في نقض الأحكام، واسترجاع ما مضى من الأمور بمجرد الوهم والخيال. وأطنب في القول [في ذلك]، ثم قالوا: نعم، حكى المحاملي في "المقنع" قولين فيما إذا خالف رأيه على غير هذا الوجه، وهما متجهان كما قاله بعضهم:
أحدهما: يمضيه.
والثاني: لا يمضيه، بل يمتنع عن الحكم في تلك الواقعة؛ ليرفع إلى غيره، كما يمتنع من القضاء لنفسه ولولده على خصمه.
قلت: وما ادعي من أن نقض الحكم الذي يسوغ فيه الاجتهاد خلاف
стр. 8808
الإجماع، لم أر في كلام الأصحاب ما يخالفه، وقد وافق عليه ابن الصباغ حيث قال: وقد أجمعت الصحابة على ذلك؛ فإن أبا بكر- ﵁ حكم في مسائل باجتهاده، وخالفه عمر- ﵁[فيها] ولم ينقض حكمه. وأما حكاية القولين في أنه إذا خالف [رأيه] هل يمضيه أو يتوقف؟ فهما صحيحان، وقد أوردهما أيضاً البندنيجي وابن الصباغ والماوردي وصاحب "الكافي" وغيرهم عند الكلام في النظر في أمر المحبسين، وتبعهم في ذلك، والرافعي حكاهما وجهين عن رواية أبي الفرج السرخسي، وأن أصحهما: أنه ينفذه، وهو الذي عليه العمل، [وأن] ابن كج حكى مقابله عن نص؛ لأن التنفيذ إعانة على ما هو خطأ عنده.
ومع هذا كله فعمَّا [أورد على] الشيخ- ﵀[أجوبة، ذكر منها الأولين صاحب "التهذيب":
أحدهما: حمل كلام الشيخ] على ما حكاه المحاملي وغيره؛ لأن نقض الشيء يكون حقيقة إذا نقض بجملته، وإذا نقض [بعضه] لم يمتنع إطلاق اسم النقض [عليه] بطريق المجاز، دليله: الحائط إذا نقض بعضه يصح أن يقال: نقض الحائط، وإذا كان كذلك فعدم إمضائه نقض لبعض الحكم؛ فصح هذا الإطلاق عليه.
الثاني: حمل ما قاله الشيخ على بعض الصور التي يسوغ فيها الاجتهاد، لا [على] كلها، وهي:
[ما] إذا حكم حاكم بشفعة الجوار، ثم رفع [الأمر] إلى حاكم شافعي-
стр. 8809
فللشافعي في نقضه قولان؛ بناءً على أن شفعة الجوار هل تثبت عنده أم لا؟ والجديد: النقض؛ لأن الجديد عدم ثبوتها، والقديم: المنع؛ لأن في القديم أنها تثبت، حكاه الغزالي وغيره.
وإذا حكم حاكم بانقطاع زوجية [امرأة] المفقود، ثم جاء حاكم آخر وخالف رأيه رأي الأول- ففي نقضه قولان:
أحدهما: نعم؛ بناءً على الجديد.
والثاني: لا؛ بناءً على القديم.
لكن للمنازع أن يمنع هذا الجواب؛ لأن من نقض الحكم في الصورتين مستنده أن ذلك يخالف النص والقياس الجلي؛ فلم يتواردا على محل واحد، ثم- أيضاً- المراد: أن يجري القولان عند مخالفة رأيه، وعلى هذا التقدير لم يجريا مع المخالفة، بل من اعتقد الجواز لم ينقض، ومن منع الجواز نقض.
الثالث- وهو ما خطر لي-: أن هذا السؤال إنما جاء من إعادة الضمير في [قول الشيخ]: "وافق رأيه أو خالفه"، إلى القاضي الذي ترافعا إليه؛ لأن محل دعوى ابن الصباغ وغيره الإجماع عند المخالفة على عدم النقض، وأنا أقول: عوده إلى القاضي المعزول [ممكن، ويكون تقدير الكلام: نظر في الحكم، فإن وافق رأيه، [أي:] رأي الحاكم المعزول] بأن كان حنفيّاً، وحكم بضمان خمر الذمي وقيمة الكلب المعلم- لم ينقضه، أي: الحاكم [المولَّى]؛ للإجماع، كما ذكرنا من قبل، وقد حكينا عند الكلام في [أمر] المحبسين اتفاق الأصحاب عليه، وإن خالفه، أي: خالف رأي الحاكم المنصرف، بأن كان شافعيّاً وحكم بذلك- ففيه قولان:
أحدهما: ينقضه، وهو ما حكيناه عن الأصحاب من قبل؛ لأنه حكم بخلاف
стр. 8810
مذهبه؛ فهو باطل.
والثاني: لا ينقضه؛ لأن إقدامه على الحكم دليل على أنه نظر في دليله فرآه صواباً، وهو لو صرح بذلك لم ينقضه، وكذلك عند الإطلاق؛ لأن تصرف الحاكم محمول على الصحة ظاهراً؛ ألا ترى أنه إذا ولى شخصاً أمراً حكميّاً تتضمن تلك الولاية [استجماع] جميع الشرائط المعتبرة فيها، وإن لم يصرح بهذا. وهذا القول لم أره منقولاً هكذا، ولكنه الذي تقتضيه قواعدنا وتظهر صحته.
ويمكن أن يكون أصل القولين: أن المجتهد في مذهب إمام إذا قلد القضاء ورأى [غير مذهبه] صواباً في واقعةٍ، هل له الحكم به أم لا؟ وفيه خلاف ذكرته عند الاستخلاف:
فإن قلنا: إنه لا يجوز، نقضه؛ لأنه حكم بما لا يجوز؛ كما نقول بنقض قضاء القاضي بعلمه إذا قلنا: إن القضاء بالعلم لا يجوز.
وإن قلنا: يجوز، لم ينقضه، و [يعضد هذا] أن الغزالي في "المستصفى" قال: إذا حكم مقلد بخلاف مذهب إمامه، هل ينقض؟ إن قضينا بأن المقلد لا يجوز له أن [يتبع أي مفت شاء]، بل عليه إتباع إمامه الذي هو أحق بالصواب في ظنه- فينبغي أن ينقض حكمه، وإن جوزنا ذلك فإذا وافق مذهب [ذي مذهب]، وقع الحكم في محل الاجتهاد؛ [فلا ينقض]، والله أعلم.
أما إذا لم يتظلم في حكم من قبله، فهل له أن ينظر في أحكامه؟ فيه وجهان في "الحاوي":
أحدهما- وهو قول الشيخ أبي حامد-: أنه يجوز وإن لم يجب عليه ذلك إلا بعد الرفع؛ لما فيه من [فضل] الاحتياط.
والثاني- وهو قول جمهور البصريين-: أنه لا يجوز له [أن] يتتبعها من
стр. 8811
غير متظلم؛ لأنه تتبع [يقتضي] قدحاً في الولاية، فيتوجه عليه مثله.
ثم إذا تتبع أحكام من قبله فإن كان فيها ما يتعلق به حق الله- تعالى- مثل: الطلاق والعتاق وغيرهما، قال القاضي أبو الطيب: فسخه إن وجده مخالفاً لما لا يجوز مخالفته، وإن لم يتعلق به حق الله- تعالى- لم يفسخه، ولم يتعرض له؛ لأن له مستحقّاً معيناً. نعم، [هل] على القاضي تعريف الخصمين صورة الحال؛ ليترافعا إليه فينقض الحكم؟ حكى القاضي ابن كج [عن ابن سريج]: أنه لا يجب إذا عرفا أنه بان الخطأ، وعن سائر الأصحاب أنه يجب وإن علما أنه بان الخطأ؛ لأنهما [قد] يتوهمان أنه لا ينقض الحكم، وبتعريفهما يرتفع التوهم.
فرع- نختم به الباب، حكاه الإمام قبيل باب الامتناع من اليمين-: إذا نكح رجل امرأة، ثم استفتيا [مفتيا، فأفتى بفساد النكاح، والمسألة مجتهد فيها- فهل تبين المرأة عن الرجل] بالفتوى؟ ذكر صاحب "التقريب" في تضاعيف كلامه وجهين فيه:
أحدهما: لا، وإن وقع الرضا بالفتوى، وإنما ينقطع النكاح بقضاء القاضي.
والثاني: نعم؛ فإن إتباع الفتوى حتم على المكلف.
وذكر وجهاً ثالثاً مفصلاً، [فقال]: إن صحح النكاح قاض فالفتوى لا ترفعه، وإن لم يتصل تصحيحه بقضاء قاض [فالفتوى ترفعه].
وقال الماوردي عند الكلام في أن الحكم إذا وقع ينفذ ظاهراً وباطناً أم لا؟ قال: إن المناكح المختلف فيها- كالنكاح بلا ولي ونحوه- للزوج فيها حالتان: إحداهما: في عقده، والأخرى في حله.
فأما حال العقد: فإن كانا من أهل الاجتهاد [جاز] لهما أن ينفردا بالعقد
стр. 8812
باجتهادهما من غير [حكم] حاكم واستفتاء [مجتهد، وإن كانا من غير أهل الاجتهاد؛ ففي جواز انفرادهما بالعقد من غير اجتهاد حاكم واستفتاء] مجتهد وجهان:
أحدهما: يجوز ما لم يمنعهما ذو حكم؛ لما في الاجتهاد من إباحته.
والثاني: لا يجوز ما لم يأذن لهما [فيه] ذو حكم؛ لما في الاجتهاد من خطره.
وأما حال الرفع والحل: فإن اختلف الزوجان [فيه فلا يرتفع ولا ينحل] إلا بحكم حاكم، وإن اتفقا عليه من غير طلاق: فإن كانا من غير أهل الاجتهاد فلا يرتفع [بأنفسهما، ونظر]: فإن كان زوَّجهما حاكم- لم يرتفع إلا بحكم حاكم؛ لتجاوزه على من يعقد النكاح من بعده، وإن كان الزوجان من أهل الاجتهاد؛ ففيما يرتفع به العقد وجهان:
أحدهما: يرتفع باجتهادهما؛ اعتباراً بعقده.
والثاني- وهو قول ابن سريج-: لا يرتفع إلا بحكم حاكم؛ لتجاوزهما إلى من يعقد النكاح من بعده.
فرع آخر: إذا تقدم للقاضي خصمان، وقالا: إن بيننا خصومة في كذا، وقد فصلها القاضي فلان بيننا وحكم بكذا، ولكنا نريد أن نستأنف الحكم بيننا باجتهادك، ونرضى بحكمك واجتهادك [فيه]- فعن ابن كج فيه حكاية وجهين، أشبههما في "الرافعي": الثاني. والله أعلم.
стр. 8813
باب صفة القضاء
[قال]: إذا جلس بين يدي القاضي خصمان، فله أن يقول لهما: تكلما؛ لأنهما ربما هاباه في الابتداء بالكلام، وهذا نصه، ومعناه: ليتكلم المدعي منكما، وإلا فكلامهما معاً ممنوع منه.
قال في الحاوي: وإذا كان سكوتهما للتأهب للكلام، أو لهيبة حصرتهما عن الكلام، أمسك عنهما حتى يتحرر للمتكلم ما يذكرهُ، وتسكن نفوسهما، والأولى أن يكون القائل لهما: "تكلما" القائم على رأس القاضي، أو بين يديه.
وله أن يسكت حتى يبتدئا؛ لأنهما حضرا للكلام، كذا نص عليه أيضاً، ولا يقول لأحدهما: تكلم؛ لأنه إذا أفرده بالخطاب كسر قلب الآخر. كذا ذكره القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما، وحكى الرافعي وابن شداد: أنه إذا علم المدعي منهما فله أن يقول له: تكلم.
قال الماوردي: والأولى في آداب الخصمين إذا جلسا للتحاكم أن يستأذنا القاضي في الكلام.
وما ذكره الشيخ متبعاً فيه للنص من السكوت عنهما إلى أن يتكلما، محمول على ما إذا توقع منهما ما ذكرناه، أما إذا كان لغير سبب لم يتركهما على تطاول الإمساك، بل يقول لهما: ما خطبكما؟
وفي "أدب القضاء" لابن أبي الدم أنه قيل: يسكت ولا يقول شيئاً، فإن ادعى واحد منهما، وإلا أقيما من مكانهما.
قال: فإن ادعى كل واحد منهما على الآخر حقّاً قدم السابق منهما بالدعوى؛ لسبقه، ويمنع الآخر من الكلام؛ لأن ذلك يفسد نظام الدعوى، ويمنع كل [واحد] [منهما] من أن ينال عرضه أو يحيف عليه، والقاضي جلس للعدل.
قال: فإذا انقضت خصومته سمع دعوى الآخر، [أي:] إذا لم يعارضها سبق غيره كما ذكرنا من قبل؛ لأنه حينئذ لا مانع منها. ولو لم يسبق أحدهما، بل
стр. 8814
تكلما معاً فالذي حكاه الإمام عن العراقيين، وبه جزم في "الوسيط": الإقراع، وهو المحكي في "الشامل" عن الشيخ أبي حامد.
وحكى الماوردي معه وجهاً آخر: أنه يصرفهما حتى يتفقا [على] من الطالب منهما.
والذي حكاه ابن شداد: أنه يسأل: من العون؟ فمن قال: إنه أحضره، فهو المدعى عليه، وإن كانا قد حضرا بأنفسهما أقرع [بينهما].
قال: فإن قطع أحدهما [الكلام] على صاحبه، أي: في الدعوى، أو ظهر منه لدد، أي: التواء في الخصومة؛ مثل أن قال: استحلف خصمي، فلما شرع في استخلافه، قال: اقطع حتى أقيم البينة، ولم يكن له بينة، أو قال لما أراد الحاكم أن يحكم: لي بينة أقيمها، ثم عاد ورفعه ثانياً ولم يقم بينة، وما أشبه ذلك مما يعلم منه أنه قصد [به] الإضرار والعنت، أو سوء أدب؛ أي: [مثل أن] عرض للحاكم بأنك ظلمتني، أو: حكمت علي بغير حق، كما قاله البندنيجي.
قال: نهاه؛ ليرجع إلى الحق، وصورته، أن يقول: ذلك لا يجوز فلا تبتذل الناس.
قال: فإن عاد زبره، أي: أغلظ له في الكلام، بأن يصيح عليه، أو يتوعده؛ ليقف عند الحد.
قال: فإن عاد، عزره [؛ أي:] إذا رآه؛ لينكف عن مخالفة الشرع.
واللدد- بفتح اللام، كما قاله ابن الصباغ-: ترك الطريق المستقيم؛ ولهذا يسمى الوجور في أحد الشدقين: لدودا، لأنه يميل، ويقال: خصم ألد، وقال النواوي: [إن] أصله: لديدا الوادي، وهما ناحيتاه.
قال: فإن ادعى دعوى غير صحيحة لم يسمعها، أي: لم يرتب عليها أمراً من
стр. 8815
سؤال الخصم وما بعده؛ لعدم استحقاق ذلك.
قال الأصحاب: ويقول له: صحح دعواك، وقد تقدم الكلام في تلقين الدعوى والاستفسار.
قال: وإن ادعى دعوى صحيحة، [أي]: وهي الموصوفة بما سنذكره في باب الدعاوى- إن شاء الله تعالى- قال للآخر: ما تقول فيما ادعاه عليك؟ أي: وإن لم يطالبه المدعي بذلك؛ لأن به تنفصل [الدعوى و] الخصومة؛ فلا معنى للتطويل، ويقوم مقام ذلك قوله: اخرج عن دعواه وشبهه.
وقيل: لا يقول حتى يطالبه المدعي، أي مثل أن يقول: وأنا أسأل سؤاله أو مطالبته بالجواب؛ لأنه حق له، فلا يطالب به خصمه إلا بعد مسألته؛ كما نقول في اليمين: إذا توجهت عليه لا نحلفه إلا بعد مسألة المدعي، وهذا أصح عند القاضي أبي سعد.
قال: وليس بشيء؛ لأن الدعوى تتضمن مسألة الجواب؛ لأنه إنما يدعي عليه حتى يسمع جوابه، والدعوى من غير استدعاء جواب هذيان من المدعي، وتفارق اليمين؛ فإن الدعوى لا تتضمن الاستحلاف، وقد قال في "الإشراف": إن أصل الوجهين الخلاف المذكور فيما إذا جلس بين يدي الحلاق، فحلق رأسه، فهل يستحق الأجرة؟ وأصله مسألة المعاطاة في البيع.
قال الماوردي في باب ما على القاضي في الخصوم: وعلى الوجهين يخرج ما إذا حم بالبينة قبل السؤال، فإن قلنا بالأول نفذ حكمه، وإن قلنا بالثاني، [فلا].
قال: فإن أقر [أي:] بعد سؤال القاضي بالطلب أو بدونه على أصح الوجهين في "تعليق" أبي الطيب و"الشامل" و"النهاية" وغيرها.
стр. 8816
قال: لم يحكم عليه حتى يطالبه المدعي؛ لأن الحكم حقه؛ فتوقف على إذنه.
قال الماوردي: فيقول القاضي للمدعي: قد أقر لك بما ادعيت، فماذا تريد [منه]؟ ولا يقول له: قد سمعت إقراره؛ لأن قوله: قد أقر، حكم بصحة الإقرار، وليس قوله: قد سمعت الإقرار، حكماً بصحة الإقرار، وقيل: الحكم: ليس للمقر له ملازمة المقر، صرح به الماوردي.
قلت: ويجيء وجه أنه لو حكم قبل السؤال في هذه الحالة ينفذ كما قلنا بمثله فيما إذا حكم قبل السؤال وقد قامت البينة، ويعضده: أن الرافعي في كتاب القاضي إلى القاضي، حكى عن "العدة" أنه لا يجوز الحكم على المدعى عليه، إلا بعد سؤال المدعي على أصح الوجهين، ولم يخص ذلك بما إذا كان الحق قد ثبت بالبينة، أما إذا أقر قبل سؤال القاضي أو بعده، وقد صدر بدون إذن المدعي، واعتبرنا إذنه في صحة السؤال- قال في "الحاوي": فإقراره يؤخذ به، لكن في حكم القاضي به الخلاف المذكور في القضاء بالعلم: فإن أجزناه أمسك عن سؤاله؛ لاعترافه بالمراد منه، وإن منعناه صار شاهداً فيه، ولم يجز أن يحكم به إلا أن يعود بعد سؤاله، ويكون وجوب السؤال باقياً، ولو كان المدعي قد تفرد بسؤال المدعى عليه بعد الدعوى دون القاضي، فالخصم لا يلزمه الجواب، لكن هل يقوم بسؤاله مقام سؤال القاضي؟ فيه وجهان ينبنيان على أن للقاضي التفرد بالسؤال من غير طلب أم لا؟ فإن قلنا بالأول لم يقم مقامه، ويكون الحكم كما لو أقر قبل السؤال، وإن قلنا بالثاني قام مقامه، وكان كما لو أقر بعد سؤال القاضي المعتد به.
تنبيه: في قول الشيخ لم يحكم .. إلى آخره، ما يعرفك أن الحق قد ثبت ولزم بالإقرار؛ لأن الحكم لا يكون إلا بعد ذلك، وقد صرح به الماوردي والبندنيجي والقاضي الحسين؛ حيث قالوا: [إنه] لو أقر بالحق فقد لزمه، ولكن الحاكم لا يحكم بذلك إلا بعد أن يطالبه المدعي [بذلك]، وهذا بخلاف ما إذا قامت البينة؛ فإن الحق لا يثبت بمجرد الإقامة؛ لأن وراء التعديل وقفات وتوقع ريب؛
стр. 8817
فلا بد من قطعها بإظهار القضاء.
وحكى الإمام عن بعض الأصحاب أن الإقرار كالبينة المعدلة، [ثم] قال: وليس بشيء؛ لما ذكرنا.
وقد يفهم من لفظ ابن يونس حكاية الخلاف على غير هذا النحو، والرافعي لما حكى الخلاف كما ذكرناه قال: والطبع لا يكاد يقبل الخلاف فيه؛ لأنه إن كان الكلام في ثبوت الحق المدعي في نفسه، فمعلوم أنه لا يتوقف على الإقرار، فكيف على الحكم بعد الإقرار؟ [وإن كان [المراد] المطالبة والإلزام، فلا خلاف في أن للمدعي الطلب بعد الإقرار]، وللقاضي الإلزام، وإن نظر ناظر إلى وجه ذكرناه في الإقرار: أن الإقرار الطلق لا يكفي للمؤاخذة، بل يسأل المقر عن سبب المال الثابت، فقال: إذا كان الإقرار المطلق مختلفاً فيه كان في محل النظر والاجتهاد، فاعتبر قضاء القاضي على رأي- فهذا شيء لا يختص بالإقرار بعد الدعوى في مجلس القاضي؛ بل ينبغي أن يطرد في محل الإقرار.
[قال: وإن أنكر فله أن يقول: "ألك بينة؟ "؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلاً مِنْ حَضْرَمَوْتَ حَاكَمَ رَجُلاً مِنْ كِنْدَةَ إِلَى رَسُوْلِ اللهِ ﷺ فِي أَرْضٍ، فَقَالَ لِلْحَضْرَمِيِّ: "أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ " قَالَ: لَا، قَالَ: "فَيَمِينُهُ"].
قال: وله أن يسكت؛ تحرزاً من اعتقاد ميل إلى المدعي، وهذا ما حكاه الماوردي في أوائل باب ما على القاضي في الخصوم، عن بعض الأصحاب، وحكى عن بعضهم أنه اختار أن يقول للطالب: قد أنكرك ما ادعيته فماذا تريد؟ وقال بعد ذلك: إنه مخير: إن شاء قال: قد أنكرك فهل لك بينة؟ وإن شاء قال: قد أنكرك فما عندك فيه؟
стр. 8818
قال: والأولى الأول مع من جهل، والثاني: [أولى] مع من علم.
وفي كتب المراوزة حكاية وجه أنه لا يقول ذلك؛ [لأنه] كالتلقين لإظهار حجته.
وفي "ابن يونس" أن موضع السكوت إذا كان المدعي يعلم أن ذلك موضع إقامة البينة، أما إذا كان لا يعلم ذلك فإنه يقول: ألك بينة؟ وهذا ما أفهم كلامه في "المهذب": أنه على وجه الوجوب.
[قال: فإن قال: ما لي بينة، فالقول قول المدعى عليه مع يمينه إذا لم تكن الدعوى في دم، كما قيده الشافعي- ﵁ لقوله ﷺ : "البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي وَاليَمِيْنُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ".
قال ابن الصباغ وغيره: ويسأل الحاكم المدعي: هل يختار إحلافه أم لا؟].
قال: ولا يحلفه حتى يطالبه المدعي؛ لأن استيفاء اليمين حق له فتوقف على إذنه كالدين، ولو حلفه قبل الطلب لم يعتد بها.
وفي "البحر": أن بعض أصحابنا بخراسان قال: [إنه] يعتد به، وهو غلط. وكأنه يشير إلى ما حكي عن الشاشي؛ فإن القاضي الحسين حكى أن الشاشي قال: المذهب: أن للقاضي أن يحلفه قبل طلب اليمين.
وفي "الإشراف" نسبة هذا المذهب إلى الشاشي نفسه، وحكاه أبو الفرج الزاز وجهاً، ووجهه بأن للمدعى عليه غرضاً في اليمين وهو سقوط المطالبة والملازمة، وادعى أنه أصح.
قال القاضي الحسين: والذي قاله أكثر أصحابنا الأول [، ولم يورد سواه في باب ما على القاضي في الخصوم].
وعلى هذا قال الإمام في باب امتناع اليمين: وحق [على] القاضي أن يقول للمدعي: أحلف خصمك إن أردت، وإلا فاقطع طلبتك [عنه] وارتك رفعه إلى مجلس الحكم.
стр. 8819
[ثم] كما لا يعتد باستحلاف القاضي قبل الطلب لا يعتد [باليمين أيضاً] بعد الطلب وقبل إحلاف القاضي كما صرح به القاضي الحسين.
وفي "الحاوي": أنه هل يجوز للقاضي أن يعرض عليه اليمين قبل مسألة المدعي إذا لم يعتد باليمين قبل الطلب؟ فيه وجهان:
أحدهما- عن ابن سريج-: أنه يجوز؛ ليعلم إقدامه عليها فيعظه [أو يحذره]، وقال في باب موضع اليمين: لو فوض الحاكم إلى الحالف اليمين، فاستوفاها على نفسه- كان الحاكم مقصراً، وهل يجوز؟ فيه وجهان محتملان:
أحدهما: يحتسب بها؛ لأنها باجتهاد الحاكم وعن أمره.
والثاني: لا؛ لأنها تصير محمولة على نية الحالف، وهي مستحقة على نية المستحلف؛ فكانت غير مستحقة.
فرع: لو قال المدعي للمدعى عليه: قد أبرأتك عن اليمين؛ سقط حقه من اليمين في هذه الدعوى، وله استئناف الدعوى وتحليفه، ذكره في "التهذيب" و"المهذب"، ويظهر أن ذلك مبني على مذهب العراقيين الذي سنذكره.
أما إذا قلنا بمذهب المراوزة فيظهر ألا تسوغ الدعوى عليه ثانياً.
قال: وإن نكل [المدعى عليه] عن اليمين، أي: بأن قال بعد قول القاضي له قل: بالله، [أو: احلف بالله]-: لا أحلف، أو: أنا ناكل، [وهو عارف بمعنى النكول]- رد اليمين على المدعي؛ أي: إذا كان الحق له؛ لأن عمر- ﵁ بدأ باليمين على المدعى عليهم، ولما لم يحلفوا ردها على المدعين، وقد رَوَى ابْنُ عُمَرَ- ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ اليَمِيْنَ عَلَى طَالِبِ الحَقِّ، وسنذكر في باب اليمين في الدعاوى ما يقوي ذلك.
стр. 8820
قال الغزالي: ولا يحتاج في هذه الحالة إلى قضاء القاضي بالنكول حتى لو قال المدعى عليه بعد قوله: لا أحلف، أو: أنا ناكل-: أنا أحلف، لم يجد إليه سبيلاً.
وهذا أبداه الإمام في كتاب الدعاوى احتمالاً لنفسه، وحكاه في كتاب الإقرار عن رواية شيخه عن بعض الأصحاب، ولم يحك الرافعي عن رواية الإمام سواه، وقال: إن غيره وافقه فيه، والذي صدر به الإمام كلامه في كتاب الإقرار أنه [قال]: لو أراد بعد قوله: نكلت عن اليمين، أو: لست أحلف- الحلف؛ كان له ذلك ما لم يجرِ القضاء بالنكول.
وقد حكى الرافعي مثله عن البغوي فيما إذا قال له القاضي: احلف بالله، فقال: لا أحلف.
وقد اتفق الكل على الاحتياج إلى القضاء بالنكول عند عرض اليمين عليه فلم يحلف ولم يلفظ بأنه ناكل أو ممتنع.
قال الإمام: ولا يجوز له في هذه الحالة أن يقضي بالنكول ما [لم] يظهر له ذلك منه، حتى لو جوز أن يكون امتناعه عن دهش، أو كان يقدر أنه [لا] يفهم عَرْض اليمين؛ لغباوة وعدم إلف بمراسم الخصومات- فليس له [أن] يقضي بالنكول.
ويقوم مقام حكم الحاكم- إذا احتجنا إليه، كما ذكرنا- قول القاضي للمدعي: [احلف، أو]: أتحلف؟
[وقال في "البحر": عندي أن قول القاضي للمدعي: أتحلف]؟ لا يمنع المدعى عليه من الحلف، وأنه الأظهر. [و [هو] ما حكاه الإمام عن القاضي الحسين، ورأيته في "تعليقه"، ووجهه بأنه لم يأمره باليمين، بل استشاره فيها مستفهماً].
стр. 8821
وهل يقوم إقبال القاضي على المدعي ليقول له: احلف، مقام الحكم، حتى لو أراد المدعى عليه أن يحلف بعد ذلك لم يجد إليه سبيلاً؟ فيه وجهان عن القاضي الحسين، والذي قطع به جوابه في الكرة الثانية: المنع من العود إلى اليمين.
وفي "الحاوي": أنه لو امتنع عن اليمين، أو قال: قد نكلت عنها، [أو: لست] أحلف- حكاية وجهين:
أحدهما: لا ترد اليمين على المدعي إلا بعد أن يقول للمنكر: قد حكمت عليك بالنكول؛ [لما فيه من الاجتهاد، فإن ردها عليه قبل حكمه لم يصح.
والثاني: يجوز أن يردها على المدعي وإن لم يقل: حكمت عليك بالنكول]؛ لأن ردها [عليه] حكم بالنكول.
قال الأصحاب: ويستحب للحاكم تكرار عرض اليمين على المدعى عليه ثلاثاً قبل القضاء عليه بالنكول.
قال الرافعي والبغوي: واستحبابه في حالة السكوت أكثر من استحبابه فيما إذا صرح بالنكول.
قال الإمام: فلو لم يكرر العرض [عليه] عند السكوت، وقضى عليه [بالنكول]- نفذ إذا ظهر له من العرضة الأولى.
وفي "الحاوي": أن أصحابنا اختلفوا فيما يستقر به نكوله على وجهين:
أحدهما: يستقر بإعلامه ولو مرة واحدة.
[والثاني]- وهو قول أهل العراق-: [أنه لا يستقر حتى يعرض عليه ثلاثاً].
أما إذا كان المدعى عليه لا يعرف معنى النكول بأن كان عاميّاً، قال القاضي الحسين: فيجب على القاضي أن يعلمه بأنك إن نكلت تعرض اليمين على المدعي،
стр. 8822
ويحلف ويستحق عليك الدعوى. ويقرب منه قول الماوردي أنه إذا لم يعرف حكم النكول وجب على القاضي أن يعلمه، وأنه يوجب رد اليمين على المدعي ليحكم له بيمينه.
ولو اشتبه أمره على القاضي، قال القاضي الحسين: فهو كما لو كان عارفاً بحكم النكول؛ فلا يجب ذكره [له]، بل يستحب.
ثم حيث قلنا: يجب الإعلام بحكم القاضي بالنكول، ولم يعلمه- قال الإمام: فهذا فيه احتمال ظاهر، والأوجه: أن قضاءه بالنكول ينفذ.
وقد أقام الغزالي هذا الاحتمال وجهين.
واعلم أن قول القاضي للمدعى [عليه]: احلف بالله، ليس أمراً جازماً، كما قال الإمام، ولكنه إبانة وقت الحلف واليمين المعتد بها إن أرادها المدعى عليه.
فرع: لو لم ينكل المدعى عليه عن اليمين، لكن قال بعد الإنكار وعرض اليمين عليه: قد حلفني مرة على هذا الحق- نظر: فإن ادعى أن هذا القاضي هو الذي حلفه، قال القاضي الحسين: فإن تذكر أنه حلفه لم يحلفه مرة ثانية، وإن لم يتذكر لم يلتفت إلى دعوى المدعى عليه؛ لأن إقامة البينة على ذلك غير ممكنة كما صرح به غيره.
وعن ابن القاص- كما حكاه أبو سعد الهروي-: أنه يجوز سماع البينة على أنه حلفه، ورأيت في "الإشراف" أن ابن القاص عزاه إلى النص، قال الرافعي: وحقه الطرد في كل باب.
قلت: وقد طرده، كما سنذكره عنه.
ولو لم تقم بينة، ورام تحليفه- جزم في "البحر" بأن له ذلك.
وإن ادعى أن الذي حلفه غير هذا القاضي، ففي السماع وجهان لأبي سعيد الإصطخري، وهما في "الوسيط" وغيره، مأخوذان من أن الدعومى بما ليس عين
стр. 8823
الحق ولكنه ينفع في الحق هل تسمع أم لا؟ وفيها خلاف سنذكره، والذي قطع به القاضي الحسين منهما في الكرة الثانية، وبه أجاب في "التهذيب": السماع ها هنا؛ فعلى هذا: إن حلف: إنه ما حلفه، فذاك، وإن نكل حلف هو وتخلص عن الخصومة، وله في هذه الصورة إقامة البينة.
ولو قال المدعي: قد حلفني على ذلك، فحلفه: إنه ما حلفني إني ما حلفته- لم يسمع؛ للتسلسل، وكون المدعي أحق بالحلف؛ لأنه الطالب، كذا حكاه الغزالي وغيره، وفي "البحر" نسبة ذلك إلى تخريج ابن القاص، على أن الرافعي حكى عن ابن القاص أنه قال بعدم سماع [دعوى] المدعى عليه أنه حلفه.
قال: فإن حلف استحق؛ لأنه فائدة الرد.
وحكى في "الإشراف" وجهاً آخر أن الحق لا يجب إلا بحكم الحاكم، وأشار إلى بناء الوجهين على أن يمين الرد كإقرار الخصم أو كالبينة المقامة عليه؛ وفيها قولان مشهوران، وقال الإمام: إنهما مستنبطان من كلام الشافعين ﵁.
قال القاضي الحسين: فكأنا على قولٍ نغلب جانب المدعى [عليه، وننزل النكول من جهته منزلة الإقرار، وعلى قولٍ نغلب جانب المدعي] وننزل ما يأتي به منزلة بينة يقيمها، والصحيح من القولين في "المهذب" في كتاب النكاح وغيره، وفي "الرافعي" وغيرهما، وهو المنصوص في "المختصر"-: أنها كالإقرار؛ لأن النكول صادر من جهة المدعى عليه واليمين مترتبة عليه.
وعلى ذلك ينطبق قول ابن الصباغ في باب دعوى الدم: إن قولنا: إنها كالبينة، قول ضعيف. [واستدل على ضعفه في باب] النكول ورد اليمين بأن القاذف لو ادعى على المقذوف أنه زنى؛ فنكل، وحلف هو- سقط عنه الحد، ولا يجب على المقذوف حد الزنى، وكذا لو ادعى على شخص سرقة نصاب، فنكل، وحلف هو- وجب المال دون القطع، ولو كان كالبينة لوجب الحد في الصورتين؛ فدل على أنه
стр. 8824
كالإقرار، ويجعل إنكاره رجوعاً عنه. وما قاله من عدم إيجاب الحد والقطع هو المذكور [في "تعليق" القاضي أبي الطيب و"الحاوي" وغيرهما في الباب المذكور].
لكن في "النهاية" في كتاب السرقة حكاية عن الأصحاب: أن القطع يجب باليمين المردودة؛ لأنا إن جعلناها كالإقرار، فالقطع يثبت به، وإن جعلناها كالبينة، فهي كبينة كاملة؛ بدليل أن القصاص يثبت بها، ثم قال: وقد يخطر للناظر في هذا أدنى إشكال؛ لأن اليمين لا تتعلق إلا بالمال [فقط]، والقطع لله- سبحانه- ولو قال رجل: استكره فلان جاريتي وزنى بها، فأنكر المدعى عليه، وأفضت الخصومة إلى [يمين الرد]- فالمهر يثبت بها، ويبعد أن يثبت حد الزنى؛ فإذن [يجب] ترديد الرأي في ثبوت حد السرقة لما أشرنا إليه، ويجب القطع بأن حد الزنى لا يثبت، وما قاله العراقيون أظهر، لكن قد يعضد القول بأن النكول مع اليمين كالبينة بنص الشافعي- ﵁ في "الأم"؛ حيث قال- كما حكاه في "البحر" وغيره في كتاب الدعاوى-: لو تعلق رجل برجل، فقال: أنت عبدي، فقال: بل أنا حر الأصل- فالقول قوله، واصل الناس على الحرية حتى تقوم بينة أو يقر برق، ويُكلف المدعي البينة: فإن جاء بها كان العبد رقيقاً [له]، وإن لم يأت بالبينة أحلف له العبد: فإن حلف كان حرّاً، وإن نكل لم يلزمه الرق حتى يحلف المدعي على رقه، فيكون رقيقاً له، وهكذا الأمة مثل العبد سواء.
قلت: فلو كان النكول مع اليمين كالإقرار لم يثبت رقه؛ لأن الإقرار بالرق بعد الاعتراف بالحرية غير مقبول على الأصح، والله أعلم.
وقد بنى القاضي الحسين على القولين ما إذا أراد المدعى عليه إقامة بينة على الإبراء وأداء المال بعد حلف المدعي، فإن جعلناها كالبينة سمعت بينة المدعى عليه، وإن جعلناها كالإقرار فلا تسمع؛ كما لو أقر صرحياً، ثم أقام شاهدين. وهذا البناء مذكور في "الرافعي"- أيضاً- وبنى في "المهذب" عليها ما إذا ادعى [رجل] على
стр. 8825
المفلس بعد الحجر مالا، وأنكره ولم يحلف وحلف المدعي، فقال: إن قلنا: إن يمين الرد كالبينة، شارك الغرماء في المال، وإن قلنا: إنها كالإقرار، فعلى القولين في الإقرار، وكذا بني عليهما ما إذا ادعى إتيان زوجته امرأة، وقد تقدم، وللقولين فوائد مذكورة في الأبواب.
فرع: إذا شرع المدعي في اليمين، فقال المدعى عليه للقاضي: لا تحلفه، فأنا أعطي المدعى به إليه- قال القاضي الحسين في كتاب الدعاوى في موضعين منه: إن له أن يكمل اليمين حتى يأخذه على وجه الاستحقاق، لا على وجه التبرع.
قال: وإن نكل صرفهما؛ لأن الحق لا يثبت إلا بالإقرار أو ببينة، وليس النكول واحداً منهما، ولا معنى لمقامهما.
و [قد] حكى القاضي أبو الطيب وغيره أن الشافعي- ﵁ قال في هذه الصورة: يسأل المدعي عن إبانة، فإن قال: امتنعت لحساب بيني وبينه أريد أن أراجعه، أو: أريد أن أستفتي الفقهاء هل يجوز [لي] أن أحلف أم لا؟ أجله الحاكم ثلاثاً لا يزيد عليها، وهذا بخلاف ما إذا امتنع المدعى عليه من اليمين، لا يسأل عن سبب امتناعه؛ لأنه إذا امتنع من اليمين ظهرت هناك يمين أخرى من جهة المدعي، توجب الحكم بها، فلو سألناه عن سبب امتناعه عن اليمين لم يعقب الحكم لنكوله؛ ولأن هناك ما يرجع إليه ويحكم به، وهو يمين المدعي، وليس كذلك امتناع المدعي عن اليمين.
قلت: وقضية هذا الفرق ألا يشرع عند نكول المدعى عليه تكرار العرض عليه، وقد حُكي [عن] ابن القاص أنه قال: قياس ما ذكره الشافعي في امتناع المدعي: [أن يسأل المدعى] عليه عن سبب الامتناع أيضاً.
وفي "أدب القضاء" للزبيلي أن ابن سريج قال: الاحتياط- أيضاً- أن يقال ذلك للمدعى عليه إذا نكل.
وقد حكى الإمام في كتاب الإقرار أن المدعي لو سكت، وقال: سأفكر وأراجع حسابي- أن بعض الأصحاب قال: يفصل القاضي الخصومة، ويكون امتناعه كامتناع
следующие страницы →