Полный текст (9 685 стр.). Показаны 8821–8860 · переход к 8826.
стр. 8821
وهل يقوم إقبال القاضي على المدعي ليقول له: احلف، مقام الحكم، حتى لو أراد المدعى عليه أن يحلف بعد ذلك لم يجد إليه سبيلاً؟ فيه وجهان عن القاضي الحسين، والذي قطع به جوابه في الكرة الثانية: المنع من العود إلى اليمين.
وفي "الحاوي": أنه لو امتنع عن اليمين، أو قال: قد نكلت عنها، [أو: لست] أحلف- حكاية وجهين:
أحدهما: لا ترد اليمين على المدعي إلا بعد أن يقول للمنكر: قد حكمت عليك بالنكول؛ [لما فيه من الاجتهاد، فإن ردها عليه قبل حكمه لم يصح.
والثاني: يجوز أن يردها على المدعي وإن لم يقل: حكمت عليك بالنكول]؛ لأن ردها [عليه] حكم بالنكول.
قال الأصحاب: ويستحب للحاكم تكرار عرض اليمين على المدعى عليه ثلاثاً قبل القضاء عليه بالنكول.
قال الرافعي والبغوي: واستحبابه في حالة السكوت أكثر من استحبابه فيما إذا صرح بالنكول.
قال الإمام: فلو لم يكرر العرض [عليه] عند السكوت، وقضى عليه [بالنكول]- نفذ إذا ظهر له من العرضة الأولى.
وفي "الحاوي": أن أصحابنا اختلفوا فيما يستقر به نكوله على وجهين:
أحدهما: يستقر بإعلامه ولو مرة واحدة.
[والثاني]- وهو قول أهل العراق-: [أنه لا يستقر حتى يعرض عليه ثلاثاً].
أما إذا كان المدعى عليه لا يعرف معنى النكول بأن كان عاميّاً، قال القاضي الحسين: فيجب على القاضي أن يعلمه بأنك إن نكلت تعرض اليمين على المدعي،
стр. 8822
ويحلف ويستحق عليك الدعوى. ويقرب منه قول الماوردي أنه إذا لم يعرف حكم النكول وجب على القاضي أن يعلمه، وأنه يوجب رد اليمين على المدعي ليحكم له بيمينه.
ولو اشتبه أمره على القاضي، قال القاضي الحسين: فهو كما لو كان عارفاً بحكم النكول؛ فلا يجب ذكره [له]، بل يستحب.
ثم حيث قلنا: يجب الإعلام بحكم القاضي بالنكول، ولم يعلمه- قال الإمام: فهذا فيه احتمال ظاهر، والأوجه: أن قضاءه بالنكول ينفذ.
وقد أقام الغزالي هذا الاحتمال وجهين.
واعلم أن قول القاضي للمدعى [عليه]: احلف بالله، ليس أمراً جازماً، كما قال الإمام، ولكنه إبانة وقت الحلف واليمين المعتد بها إن أرادها المدعى عليه.
فرع: لو لم ينكل المدعى عليه عن اليمين، لكن قال بعد الإنكار وعرض اليمين عليه: قد حلفني مرة على هذا الحق- نظر: فإن ادعى أن هذا القاضي هو الذي حلفه، قال القاضي الحسين: فإن تذكر أنه حلفه لم يحلفه مرة ثانية، وإن لم يتذكر لم يلتفت إلى دعوى المدعى عليه؛ لأن إقامة البينة على ذلك غير ممكنة كما صرح به غيره.
وعن ابن القاص- كما حكاه أبو سعد الهروي-: أنه يجوز سماع البينة على أنه حلفه، ورأيت في "الإشراف" أن ابن القاص عزاه إلى النص، قال الرافعي: وحقه الطرد في كل باب.
قلت: وقد طرده، كما سنذكره عنه.
ولو لم تقم بينة، ورام تحليفه- جزم في "البحر" بأن له ذلك.
وإن ادعى أن الذي حلفه غير هذا القاضي، ففي السماع وجهان لأبي سعيد الإصطخري، وهما في "الوسيط" وغيره، مأخوذان من أن الدعومى بما ليس عين
стр. 8823
الحق ولكنه ينفع في الحق هل تسمع أم لا؟ وفيها خلاف سنذكره، والذي قطع به القاضي الحسين منهما في الكرة الثانية، وبه أجاب في "التهذيب": السماع ها هنا؛ فعلى هذا: إن حلف: إنه ما حلفه، فذاك، وإن نكل حلف هو وتخلص عن الخصومة، وله في هذه الصورة إقامة البينة.
ولو قال المدعي: قد حلفني على ذلك، فحلفه: إنه ما حلفني إني ما حلفته- لم يسمع؛ للتسلسل، وكون المدعي أحق بالحلف؛ لأنه الطالب، كذا حكاه الغزالي وغيره، وفي "البحر" نسبة ذلك إلى تخريج ابن القاص، على أن الرافعي حكى عن ابن القاص أنه قال بعدم سماع [دعوى] المدعى عليه أنه حلفه.
قال: فإن حلف استحق؛ لأنه فائدة الرد.
وحكى في "الإشراف" وجهاً آخر أن الحق لا يجب إلا بحكم الحاكم، وأشار إلى بناء الوجهين على أن يمين الرد كإقرار الخصم أو كالبينة المقامة عليه؛ وفيها قولان مشهوران، وقال الإمام: إنهما مستنبطان من كلام الشافعين ﵁.
قال القاضي الحسين: فكأنا على قولٍ نغلب جانب المدعى [عليه، وننزل النكول من جهته منزلة الإقرار، وعلى قولٍ نغلب جانب المدعي] وننزل ما يأتي به منزلة بينة يقيمها، والصحيح من القولين في "المهذب" في كتاب النكاح وغيره، وفي "الرافعي" وغيرهما، وهو المنصوص في "المختصر"-: أنها كالإقرار؛ لأن النكول صادر من جهة المدعى عليه واليمين مترتبة عليه.
وعلى ذلك ينطبق قول ابن الصباغ في باب دعوى الدم: إن قولنا: إنها كالبينة، قول ضعيف. [واستدل على ضعفه في باب] النكول ورد اليمين بأن القاذف لو ادعى على المقذوف أنه زنى؛ فنكل، وحلف هو- سقط عنه الحد، ولا يجب على المقذوف حد الزنى، وكذا لو ادعى على شخص سرقة نصاب، فنكل، وحلف هو- وجب المال دون القطع، ولو كان كالبينة لوجب الحد في الصورتين؛ فدل على أنه
стр. 8824
كالإقرار، ويجعل إنكاره رجوعاً عنه. وما قاله من عدم إيجاب الحد والقطع هو المذكور [في "تعليق" القاضي أبي الطيب و"الحاوي" وغيرهما في الباب المذكور].
لكن في "النهاية" في كتاب السرقة حكاية عن الأصحاب: أن القطع يجب باليمين المردودة؛ لأنا إن جعلناها كالإقرار، فالقطع يثبت به، وإن جعلناها كالبينة، فهي كبينة كاملة؛ بدليل أن القصاص يثبت بها، ثم قال: وقد يخطر للناظر في هذا أدنى إشكال؛ لأن اليمين لا تتعلق إلا بالمال [فقط]، والقطع لله- سبحانه- ولو قال رجل: استكره فلان جاريتي وزنى بها، فأنكر المدعى عليه، وأفضت الخصومة إلى [يمين الرد]- فالمهر يثبت بها، ويبعد أن يثبت حد الزنى؛ فإذن [يجب] ترديد الرأي في ثبوت حد السرقة لما أشرنا إليه، ويجب القطع بأن حد الزنى لا يثبت، وما قاله العراقيون أظهر، لكن قد يعضد القول بأن النكول مع اليمين كالبينة بنص الشافعي- ﵁ في "الأم"؛ حيث قال- كما حكاه في "البحر" وغيره في كتاب الدعاوى-: لو تعلق رجل برجل، فقال: أنت عبدي، فقال: بل أنا حر الأصل- فالقول قوله، واصل الناس على الحرية حتى تقوم بينة أو يقر برق، ويُكلف المدعي البينة: فإن جاء بها كان العبد رقيقاً [له]، وإن لم يأت بالبينة أحلف له العبد: فإن حلف كان حرّاً، وإن نكل لم يلزمه الرق حتى يحلف المدعي على رقه، فيكون رقيقاً له، وهكذا الأمة مثل العبد سواء.
قلت: فلو كان النكول مع اليمين كالإقرار لم يثبت رقه؛ لأن الإقرار بالرق بعد الاعتراف بالحرية غير مقبول على الأصح، والله أعلم.
وقد بنى القاضي الحسين على القولين ما إذا أراد المدعى عليه إقامة بينة على الإبراء وأداء المال بعد حلف المدعي، فإن جعلناها كالبينة سمعت بينة المدعى عليه، وإن جعلناها كالإقرار فلا تسمع؛ كما لو أقر صرحياً، ثم أقام شاهدين. وهذا البناء مذكور في "الرافعي"- أيضاً- وبنى في "المهذب" عليها ما إذا ادعى [رجل] على
стр. 8825
المفلس بعد الحجر مالا، وأنكره ولم يحلف وحلف المدعي، فقال: إن قلنا: إن يمين الرد كالبينة، شارك الغرماء في المال، وإن قلنا: إنها كالإقرار، فعلى القولين في الإقرار، وكذا بني عليهما ما إذا ادعى إتيان زوجته امرأة، وقد تقدم، وللقولين فوائد مذكورة في الأبواب.
فرع: إذا شرع المدعي في اليمين، فقال المدعى عليه للقاضي: لا تحلفه، فأنا أعطي المدعى به إليه- قال القاضي الحسين في كتاب الدعاوى في موضعين منه: إن له أن يكمل اليمين حتى يأخذه على وجه الاستحقاق، لا على وجه التبرع.
قال: وإن نكل صرفهما؛ لأن الحق لا يثبت إلا بالإقرار أو ببينة، وليس النكول واحداً منهما، ولا معنى لمقامهما.
و [قد] حكى القاضي أبو الطيب وغيره أن الشافعي- ﵁ قال في هذه الصورة: يسأل المدعي عن إبانة، فإن قال: امتنعت لحساب بيني وبينه أريد أن أراجعه، أو: أريد أن أستفتي الفقهاء هل يجوز [لي] أن أحلف أم لا؟ أجله الحاكم ثلاثاً لا يزيد عليها، وهذا بخلاف ما إذا امتنع المدعى عليه من اليمين، لا يسأل عن سبب امتناعه؛ لأنه إذا امتنع من اليمين ظهرت هناك يمين أخرى من جهة المدعي، توجب الحكم بها، فلو سألناه عن سبب امتناعه عن اليمين لم يعقب الحكم لنكوله؛ ولأن هناك ما يرجع إليه ويحكم به، وهو يمين المدعي، وليس كذلك امتناع المدعي عن اليمين.
قلت: وقضية هذا الفرق ألا يشرع عند نكول المدعى عليه تكرار العرض عليه، وقد حُكي [عن] ابن القاص أنه قال: قياس ما ذكره الشافعي في امتناع المدعي: [أن يسأل المدعى] عليه عن سبب الامتناع أيضاً.
وفي "أدب القضاء" للزبيلي أن ابن سريج قال: الاحتياط- أيضاً- أن يقال ذلك للمدعى عليه إذا نكل.
وقد حكى الإمام في كتاب الإقرار أن المدعي لو سكت، وقال: سأفكر وأراجع حسابي- أن بعض الأصحاب قال: يفصل القاضي الخصومة، ويكون امتناعه كامتناع
стр. 8826
المدعى عليه، ويقول للمدعي: استمهالك بعد الخوض بالاختيار لا معنى له، وإذا كنت لا أعذر المدعى عليه في استمهاله، فأنت أولى بذلك من جهة أن المدعى عليه مرفوع [إلى] مجلس القاضي قهراً، وأنت تحضره مختاراً، فهلا كان فكرك قبل الحضور؟
وهذا متجه حسن، والذي عليه عامة الأصحاب المنع من الإلحاق؛ لما ذكرناه.
وفي "المهذب": أنه لا يسأل المدعى عليه عند الامتناع، لكنه لو ابتدأ فقال: امتنعت لأنظر في الحساب؛ أُمهل ثلاثة أيام، [وقد حكاه في "التهذيب" وجهاً.
وفي "الحاوي" في باب الامتناع عن اليمين: أن المدعى عليه لا يسأل عن سبب النكول إلا أن يبتدئ فيقول: أنا متوقف عن اليمين؛ لأنظر في حسابي، فينظر ما قل من الزمان، ولا يبلغ إنظاره ثلاثة أيام].
أما إذا [كان] الحق لصبي أو مجنون أو سفيه، بأن كان المدعي وليّاً أو وصيّاً أو قيماً، فهل له أن يحلف؟ فيه ثلاثة أوجه حكاها القاضي الحسين والبغوي في باب الامتناع عن اليمين، والإمام في كتاب الصداق، ثالثها: إن باشر سبب ذلك بنفسه [فله الحلف]، وإلا فلا.
قال الرافعي: وهذا ما رجحه أبو الحسن العبادي، وبه أجاب السرخسي في "الأمالي"، وهي تجري فيما إذا أقام شاهداً وأراد أن يحلف معه، صرح بذلك البغوي والرافعي.
وإذا قلنا: لا يحلف، وهو الذي ذكره العراقيون وصاحب "الحاوي" في باب النكول ورد اليمين- قال القاضي والبغوي: فتوقف اليمين حتى يبلغ [الصبي]، والسفيه يحلف: إنه يستحق عليه تسليم المال، ولا يقول: إليّ، ولا: إلى قيِّمي.
قال القاضي: وفي حال وقف اليمين إلى البلوغ ينزع المدعي به من يد المدعى عليه إن كان عيناً، وإن كان في الذمة؛ فوجهان في نزعه.
стр. 8827
والحكم في قيم المسجد والوقف، كالحكم في قيم الصبي، [وسنذكره في باب اليمين في الدعاوى بزيادة ذكرت ثم].
قال: وإن قال المدعى عليه بعد النكول، أي: وما في معناه كما ذكرناه: أنا أحلف- لم يسمع؛ لأنه أسقط حقه [منها] بالنكول.
وفي "التهذيب" حكاية وجه آخر صدر به كلامه: أن له أن يحلف بعد النكول ما لم يعرض القاضي اليمين على المدعي أو يحكم بالنكول، وقال فيما إذا هرب المدعى عليه قبل ذلك وبعد النكول: لم يكن للمدعى عليه الحلف إذا عاد. وقد حكاه الرافعي عن غيره، ثم قال: وقضية ذلك التسوية بين التصريح بالنكول و [بين] السكوت؛ حتى لا يمنع من العود إلى اليمين في الحالين إلا بعد الحكم بأنه ناكل، أو بعد عرض اليمين على المدعي.
قلت: وهو قضية ما حكيته عن الماوردي من قبل، وقد صرح به الإمام في كتاب الإقرار، [ولم يحك سواه].
قال الرافعي: وقد يفهم من قول من قال: إنه لا حاجة عند التصريح بالنكول إلى حكم الحاكم- امتناع العود إلى الحلف عند التصريح بالنكول، و [إن] لم يوجد حكم بالنكول ولا عرض يمين.
ثم حيث منعنا المدعى عليه من العود إلى اليمين؛ فذاك إذا لم يرض المدعي بيمينه، فلو رضي فوجهان، أظهرهما في "النهاية" و"الرافعي": الجواز، وهو ما ادعى الإمام في كتاب الإقرار أنه قول الأصحاب عن آخرهم.
وعلى هذا: فعن "الرقم"- وهو في "تعليق" القاضي الحسين [أيضاً-: أنه] لو لم يحلف المدعى عليه لم يكن للمدعي أن يعود إلى يمين الرد؛ لأنه أبطل حقه [حيث رضي] بيمين المدعى عليه.
стр. 8828
قال: وإن قال المدعي بعد النكول: أنا أحلف، لم يسمع؛ لما بيناه، إلا أن [يعود] في مجلس آخر ويدعي، وينكل المدعى عليه؛ لتجدد الحق بتجدد الدعوى؛ فإن النكول الثاني سبب لرد اليمين كالنكول الأول، وهذا ما حكاه البندنيجي وابن الصباغ وكذا الماوردي في باب الامتناع عن اليمين، لكنهم لم يشترطوا العود في مجلس آخر، وصاحب "البحر" والقاضي أبو سعد الهروي قالا: ما ذكره الشيخ هنا وفي "المهذب" وحكاه أيضاً الرافعي عن المحاملي في "التجريد"، وفي "الحاوي" في باب ما على القاضي في الخصوم: أن أظهر الوجهين: أنه لا يحكم على المدعي بالنكول، والثاني: يحكم عليه، وهو قول الإصطخري.
والذي حكاه المراوزة: أنه إذا نكل عن اليمين [كان كحِلف] المدعى عليه، أي: فلا يتمكن من الدعوى عليه بذلك مرة أخرى؛ كما صرح به البغوي والإمام، وهو الذي يقتضيه كلام القاضي أبي الطيب؛ حيث قال في "تعليقه": فإذا امتنع المدعي من اليمين سقط حقه، ويفرق الحاكم بينهما، ولا يكون له مطالبته بشيء من ذلك.
وفي "النهاية" في كتاب القسامة بعد ستة أوراق منه حكاية خلاف في أن المدعي إذا أظهر النكول عن يمين الرد، ثم رغب فيها، هل يحلفه أم لا؟ وقال: إن الضابط الذي تمس الحاجة إليه: أن كل نكول يتعلق به حق حالف بعد النكول، فذاك النكول إذا ظهر فلا عود من الناكل، وكل يمين لا يمين بعدها، فالنكول عنها هل يبطل حق الناكل؟ فيه خلاف، ونكوله يتحقق بأن يقول بعد عرض اليمين عليه: لا أحلف، [أو: أنا] ناكل، أما إذا سكت فلم يحلف كان للقاضي أن يقضي عليه بالنكول إذا لم يستمهل، ويكون حكمه كما تقدم.
قلت: واستحباب تكرار العرض ها هنا يظهر تأكده على استحبابه في جانب المدعى عليه.
стр. 8829
وعن بعض المراوزة: أنه لا يصير ناكلاً عن يمين الرد ما لم يصرح بالنكول، والمشهور: الأول، وعلى هذا فلو استمهل بأن قال لما عرضت عليه اليمين: أمهلوني ريثما أطالع حسابي، أو: أستفتي، أو: أتثبت في أمري- أمهل، نص عليه، بخلاف ما لو عرضت اليمين على المدعى عليه؛ فإنه لا يمهل إذا استمهل على المذهب، كما تقدم، والفرق: أن المدعى عليه مطالب [محمول] على الإقرار أو اليمين، وأما المدعي فليس محمولاً من جهة أحد، بل هو صاحب الحق: إن أراد أجَّله، وإن أراد قدمه.
ثم قال المراوزة: لا تزيد مدة إمهال المدعي على ثلاثة أيام، وهو ظاهر النص الذي حكيناه من قبل.
وعن بعضهم: أنه لا ضبط لإمهاله بمدة، وسبيله في يمين الرد كسبيله في بيِّنة يقيمها متى وجدها، وهذا ما اقتضاه كلام البندنيجي وابن الصباغ؛ حيث قالا: إذا استمهل لم يسقط حقه من اليمين، ومتى اختار اليمين حلف.
ولفظ البندنيجي: فأي وقت اختار حلف. وهو الذي يقتضيه إيراد البغوي والمصنف وصاحب "الإشراف"، وقال الإمام: هذا يظهر على قولنا يمين الرد تنزل منزلة البينة.
وفي "البحر" في باب ما على القاضي في الخصوم في أواخره: أنا إذا عرضنا اليمين على المدعي [و] استمهل؛ لينظر في الحساب، فعاد في مجلس آخر فقال المدعى عليه: أنا أحلف الآن- فيه وجهان:
أحدهما: له ذلك؛ لأن المجلس الثاني لا ينبني على الأول في الأقوال وغيرها.
والثاني: ليس له ذلك، وعلى هذا: يجب ألا يلزم استئناف الدعوى والرد في المجلس الثاني، وهذا ما أورده البغوي.
قال: وكذلك لو ثبت عند قاض آخر نكول خصمه، له أن يحلف المدعي، وكذا إذا
стр. 8830
كان المدعي وكيلاً، وقد نكل الخصم، فحضر الموكل- له أن يحلف، ولا يحتاج إلى استئناف الدعوى.
ثم إذا منعنا المدعي من اليمين عند النكول ونحوه، أو مجاوزة مدة الإمهال، فذاك إذا أراد أن يحلف يمين الرد، أما إذا أراد أن يحلف يميناً مع شاهد أقامه، فهل له ذلك؟ فيه قولان حكاهما الماوردي وغيره:
أصحهما في "التهذيب": الجواز؛ لما سنذكره، وهو [ما حكاه في] "المختصر" كما قال الماوردي.
وعند الغزالي: الأصح المنع، وهو ما حكاه في "الجامع الكبير" للمزني. كما قاله الماوردي، وادعى البندنيجي أنه الذي قاله الشافعي ها هنا؛ لأن اليمين في جنبته قد بطلت، وأن الشيخ أبا حامد قال: هي على قولني؛ لأن الشافعي- ﵁[قال]: إذا قتل له ولي، وهناك لوث معه، فإن لم يحلف حلف المدعى عليه، فلو نكل فهل ترد على المدعي أم لا؟ على قولين:
أحدهما: [ترد]؛ لأنها غير التي نكل عنها.
والثاني: لا ترد؛ لأن اليمين كانت في جنبته، ولا فصل بين الصورتين.
ولأجل ما حكاه الشيخ أبو حامد من القولين في هذه الصورة حكى الإمام القولين- أيضاً- فيما إذا أقام المدعي شاهداً، ونكل عن الحلف معه، وطلب يمين المدعى عليه، فإنه يحلف، فلو نكل اليمين فهل ترد على المدعي أم لا؟ وقد حكاهما المحاملي في باب الخيار في القصاص، والماوردي في باب الامتناع عن اليمين، فإن قلنا: لا يحلف، قال أبو حامد- وكذا ابن الصباغ والقاضي أبو الطيب والقاضي الحسين في باب اليمين مع الشاهد-: يحبس المنكر بالشاهد حتى يحلف أو يعترف؛ لأنه قد تعين عليه ذلك؛ فلا يكون له إسقاطها، ويخالف هذا إذا امتنع المدعي من يمين الرد، وطلب حبس المدعى عليه حتى يحلف، لم يكن له؛ لأن الامتناع من جهته.
стр. 8831
قال صاحب "الحاوي" في باب ما على القاضي في الخصوم: وهذا خطأ؛ لأن الحبس على الحقوق يكون بعد [ثبوت استحقاقها]، ولم يثبت الحق بالشاهد. وهذا ما أبداه ابن الصباغ احتمالاً [لنفسه] من وجه آخر، وهو أنا إذا جعلنا امتناعه عن يمينه مع شاهده كالممتنع عن اليمين المردودة، فينبغي ألا يحبس المدعى عليه ويطالب باليمين.
وحكى القاضي الحسين عن القفال أن له الحلف فيما نحن فيه قولاً واحداً؛ لأن هذه اليمين بخلاف تلك اليمين؛ فإن هناك يحتاج [إلى] أن يقول: بالله، إن شاهدي لصادق فيما يقول، وهنا لا يحتاج لذلك. وهذا ما صححه في "البحر" و"الحاوي"، ويشهد لكون هذه اليمين غير الأولى: أن تلك لا تجري في كل حق، وهذه تجري في كل حق تسمع فيه الدعوى.
وقد تكلم الإمام في باب الامتناع من اليمين، في تصوير النكول عن اليمين مع الشاهد، فقال: إذا أقام الشاهد قال له القاضي: إن حلفت معه ثبت حقك، وإن لم تحلف ولم يحلف المدعى عليه؛ منعتك من إعادته إلى مجلس الحكم. ثم قال: وللمدعى عليه بعد إقامة [المدعي] الشاهد أن يقول [للمدعي]: حلفني، أو احلف وخلصني.
فرع: لو قال المدعي بعد إنكار المدعى عليه وقوله: "مالك عندي شيء": نعم- بطلت دعواه إن كان عالماً بالعربية، وإن كان جاهلاً بها فوجهان، قال الماوردي: [كما ذكرنا] في الإقرار.
قال: وإن قال المدعي بعد العجز عن إقامة البينة: لي بينة، [سمعت بينته]، أي: وإن حلف المدعى عليه أو نكل هو والمدعي عن اليمين؛ لقوله ﷺ :
стр. 8832
"البَيِّنَةُ العَادِلَةُ خَيْرٌ مِنَ اليَمِيْنِ"، ولأن البينة حجة كالإقرار، ولو أقر بعد حلفه أو نكول المدعي حكم عليه؛ فكذلك يكون حكم البينة، ولو كان المدعي قد قال: لا بينة لي، [فقد] [قال] القاضي أبو الطيب: ظاهر مذهب الشافعي السماع، واختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال به، وهو الأصح، وبه جزم القاضي الحسين [والإمام] وصاحب "التهذيب"، وقال الماوردي في باب الامتناع من اليمين: إنه قول جمهور أصحاب الشافعي؛ كما لو قال: لا بينة لي حاضرة، ولأنه ربما [لم] يعلم [بعد] أن له بينة، وأيضاً فقوله: لا بينة لي، يحتمل أنه أراد: حاضرة.
ومنهم من قال: إن كان قد تولى هذه الشهادة بنفسه [لأنه تولى العقد بنفسه]، ثم أنكرها وأقامها بعد ذلك- لم يسمع. وإن لم يكن تولاها، وتولاها وكيله ولم يعلم هو بها، أو كان وارثاً لم يعلم بالشهادة، ثم أقامها- سمعت.
و [قد] حكى الرافعي أن البغوي حكى الوجهين- أيضاً- وهما جاريان- كما حكاهما المراوزة- فيما إذا قال: لا بينة لي حاضرة ولا غائبة، وادعى الغزالي والرافعي أن الأظهر منهما السماع أيضاً، وبه جزم في "الإشراف"، ونسبه الماوردي في باب ما على القاضي في الخصوم- إلى الإصطخري، وقال: إن الأكثرين على مقابله. وتبعه في "البحر" وقال: إنه قيل: [إن] ما قاله الإصطخري ظاهر المذهب.
وبهذا يحصل في المسألة ثلاثة أوجه؛ كما حكاها في "المهذب"، وطردها فيما إذا قال: كل بينة تشهد لي فهي كاذبة، وصحح القبول مطلقاً، وهو ما اختاره في "المرشد".
стр. 8833
وفي "الحاوي" في باب الامتناع من اليمين حكاية وجه آخر في أصل المسألة: أنها لا تسمع مطلقاً، وقال: [إنه لا وجه] [له]؛ للفرق الذي ذكره صاحب الوجه الثاني؛ لأنه إن لم يجهل فعله في وقته فقد ينساه. ولا خلاف أنه لو قال بعد شهادة الشهود: بينتي كاذبة، أو: شهدوا بالزور- لا تقبل بينته، وهل تبطل دعواه؟ فيه وجهان، أصحهما: لا. ولو قال: بينتي فسقة أو عبيد، ثم أتى ببينة بعد ذلك في مدة يحصل في مثلها الاستبراء والعتق- قبلت، قاله البغوي وشيخه.
وفي "الإشراف" أنه لو قال: كل بينة لي بعد اليمين أو قبلها هي بينة زور أو كاذبة، ثم أقامها- قبلت على النص؛ لأنه يجوز ألا يعرفها أصلاً، وقال بعض أصحابنا: لا تقبل؛ لأنه سبق منه تكذيبها.
قال: ونظيرها ما لو قال المشتري للبائع: بع دارك هذه مني بكذا فإنها ملكك، فاشتراها، [ثم] قامت بينة على الاستحقاق- لم يرجع على البائع بالثمن على رأي ابن سريج، وفيه وجه: أنه يرجع؛ كما لو اشترى شراء مطلقاً، ونظيرها أيضاً ما إذا قال: أودعتني، وأقام بينة أنها هلكت قبل الجحود، وقد حكيناهما في باب المرابحة.
قال: فإن حضرت بينة لم يطالب بإقامتها؛ أي: وله طلب يمين الخصم؛ لأن له في ذلك غرضين:
[أحدهما: أنه] ربما ينزجر عن الحلف؛ فيقر بالحق، ويستغني عن إقامة البينة.
والثاني: أنه إذا حلفه وأقام [عليه] البينة تبين كذبه.
стр. 8834
وفي "الحاوي" وجه آخر: أنه ليس له إحلافه؛ لأن مقصود المدعي إثبات الحق دون إسقاطه، ويمكن إثباته بالبينة، وقد نسبه الرافعي في كتاب الدعاوى إلى "فتاوى" القفال.
قال: فإن شهدوا؛ أي: بطلب المدعي، فإن كانوا فساقاً؛ أي: عند القاضي إما لعلمه بذلك أول قيام البينة به- قال للمدعي: زدني في الشهود؛ تحسباً للرد.
ثم ظاهر كلام الشيخ يدل على أنه يصغي لسماع شهادتهم وإن علم فسقهم قبل الأداء، وقد يوجه بأنه لو منعهم من إقامة الشهادة لكان ذلك هتكاً للستر، وإذا تحملنا في الرد لأجل ذلك، فكذلك نتحمل في الإصغاء [لأجله].
وقد جزم القاضي الحسين بأنه لا يصغي إليهم إذا تحقق فسقهم؛ لأنه إذا اشتغل بما لا يعنيه شغله عما يعنيه.
وقال الإمام في باب علم الحاكم بحال من قضى بشهادته بعد حكاية ذلك أيضاً: وقد قدمت من قبل تردداً في ذلك، والقياس أنه لا يصغي إلى من يعلم أنه مردود؛ فالوجه أن يقدم النذير إلى من يريد الإقدام على الشهادة من هؤلاء؛ حتى لا يتعرضوا، فإن فعلوا فهم الذين هتكوا أستار أنفسهم.
ثم المسألة مصورة بما إذا كان الفاسق متكاتماً، والقاضي لا يرى قبول شهادته، أما المعلن بالفسق فلا ينبغي أن يصغي إلى شهادته كالعبد، إلا أن يصح مذهب في قبول شهادة المعلن، ويرى القاضي أن يصغي ليقبل؛ فلا معترض عليه في مجتهد فيه. كذا قاله الإمام، وقال قبل باب الشهادة على الشهادة: إن الشيخ أبا محمد قطع بأنه لا يصغي إلى شهادة المعلن بالفسق، وإن بعض أصحابنا ذهب إلى أنه يصغي إليها، ثم يردها، قال: وهذا بعيد عن قياسنا. وهذا هو التردد الذي أشار إليه، وأصل هذا: أنه لا يصغي إلى شهادة الكافر والصبي والعبد إذا عرف حالهم جزماً؛ كما ذكره القاضي الحسين وغيره، ويرشد إليه قول الشافعي- ﵁ في "المختصر": وإذا شهد صبي أو نصراني أو عبد فلا يسمعها، واستماعه لها تكلف.
стр. 8835
قال: وإن كانوا عدولاً، وارتاب بهم؛ أي: لكونهم غير وافري العقول؛ كما قاله أبو الطيب والبندنيجي [وغيرهما]، أو لنظر له في الواقعة وخبال قد يدركه الفطن؛ كما قاله الإمام.
قال: استحب أن يفرقهم فيسألهم؛ أي: على الانفراد، كيف تحملوا؟ أي: [فيقول لهم: من تحمل منكم أولاً؟ وثانياً؟ ومتى تحملوا أي]: فيقول: في أي شهر تحملتم؟ [وفي أي يوم؟ وفي أي ساعة؟ وفي أي موضع تحملوا؟ أي: فيقول: في أي بلد تحملتم؟] وفي أي دار، وفي أي مكان [منها]؟ لأن مع قصور العقل وخبال النفس لا تطيب النفس بقولهم؛ فاستحب الاحتياط بالتفريق على هذا النحو؛ ليقوى به ظهور الحق عند التوافق.
قال الماوردي وابن الصباغ: وقد قيل: إن أول من فعل هذا دانيال النبي ﵇.
وقال القاضي أبو الطيب: إن الأصل فيه أن حاجب داود راود امرأة عن نفسها، فأبت عليه؛ فواطأ أربعة من الشهود أن يشهدوا عليها بأن كلباً أتاها، فشهدوا عند داود- ﵇ فأمر بإقامة الحد عليها، وبلغ ذلك سليمان- ﵇ قال الماوردي والروياني: وكان إذ ذاك يلعب مع الصبيان، فقال: لو كنت أنا لفرقتهم، وقال لأربعة من الصبيان: اشهدوا عندي على امرأة بأن كلباً أتاها، فشهدوا عنده بذلك، ففرقهم، فسأل كل واحد عن لون الكلب، فاختلفوا؛ فأسقط الشهادة، فبلغ ذلك داود، فاستدعى الشهود، وفرقهم، فاختلفوا؛ فأسقط شهادتهم.
وقد اقتفى علي- كرم الله وجهه- هذا الأثر لما بلغه أن سبعة خرجوا، ففقد واحد منهم، فأتت زوجته إليه، فاستدعى الستة فسألهم عنه، فأنكروا، ففرقهم، وأقام كل واحد منهم عند سارية، ووكل به من يحفظه، واستدعى واحداً منهم، فسأله، فأنكر، فقال: الله أكبر! فظن الباقون أنه قد اعترف، فاستدعاهم، فاعترفوا بقتله، فقال
стр. 8836
للأول: قد شهدوا عليك وأنا قاتلك؛ فاعترف؛ فقتلهم.
قال الأصحاب: ولا يدع من سأله منهم أن يرجع إلى أصحابه قبل أن يسألهم؛ لاحتمال أن يعيد عليهم ما قاله فيوافقوه فيه.
قال: فإن اتفقوا وعظهم وخوفهم بالله- تعالى-[أي]: فيقولك شهادة الزور من أكبر الكبائر، وقد توعد الله- تعالى- عليها، [وروي] أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ الطَّيْرَ لَتَخْفِقُ بِأَجْنِحَتِهَا بِمَا فِي حَوَاصِلِهَا مِنْ هَوْلِ [ذَلِكَ] اليَوْمِ، وَإِنَّ شَاهِدَ الزُّوْرِ لَا تَزُولُ قَدَمَاهُ حَتَّى يَتَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ"، وَرُوِيَ: "حَتَّى يُوْجِبَ النَّارَ"، ويقول لهم بعد ذلك: فإن صدقتم فاثبتوا، وإن كذبتم فغطوا رءوسكم وانصرفوا.
قال: فإن ثبتوا، استحب أن يقول للمدعى عليه: شهد عليك فلان وفلان، وقد قبلت شهادتهما، وقد مكنتك من جرحهما، أي: إن كان لا يعلم أن له الجرح؛ لأن في ذلك تنبيهاً له على حفظ حقه وانتفاء التهمة عنه، أما إذا علم أن له ذلك، قال في "المهذب" و"التهذيب" قبيل كتاب الدعاوى: فله أن يقول ذلك، وله أن يسكت.
قلت: ويظهر أن يجيء فيه ما حكيناه في قول القاضي للمدعي بعد إنكار الخصم: ألك بينة؟
قال: فإن قال: لي بينة بالجرح، أمهل؛ لأن عمر- ﵁ كتب إلى [أبي] موسى: اجعل لمن ادعى حقّاً غائباً- أمداً ينتهي إليه.
قال: ثلاثة أيام، أي: فما دونها على حسب ما يراه؛ لأنها مدة قريبة.
قال: وللمدعي ملازمته إلى أن يثبت الجرح؛ لثبوت حقه في الظاهر.
стр. 8837
قال: فإن لم يأت بالجرح، أي: في المدة المضروبة له- كان للمدعي أن يطالب بالحق؛ لتعين حقه وعدم المانع منه، قال ابن يونس: ويجب على القاضي الحكم.
وإن بقيت الريبة، وكذا لو روجعوا في بيان مكان التحمل وزمانه، فقالوا: لا يذكر المكان والزمان، ولكنا نتحقق ما شهدنا به- فليس للقاضي- والحالة هذه- أن يجبرهم على التعرض لذلك. ولكن لو بقيت ريبة القاضي وازداد ارتياباً من إصرار الشهود على ما يراجعون فيه- قال الإمام: فللقاضي أن يبحث عن جهات أخر؛ فعساه أني طلع على مطعن، فإن لم يمكن، تحتم عليه إمضاء القضاء، مع انطوائه على الريبة لقيام البينة العادلة.
وفي "تعليق" القاضي الحسين في باب الشهادة على الشهادة: أن الأولى أن يبين المدعي والشهود السبب في الدعوى والشهادة، فإن ارتاب القاضي بحال الشهود طلب منهم أن يبينوا السبب، فإن امتنعوا عنه فوقعت له ريبة بهم رد شهادتهم، وإن لم يقع له ريبة بامتناعهم عن ذكر السبب لم يجز له أن يرد شهادتهم.
أما إذا كان الشهود وافري العقول، فقهاء، حسناً ظاهرهم، فلا يفرقهم؛ لأن في ذلك تهمة لهم وطعناً فيهم، وعليه يدل ما سنذكره من النص.
قال القاضي أبو الطيب: حكي أن رجلاً شهد عند أبي عمر القاضي ببيع بستان، فقال له: كم نخلة في البستان؟ فقال: لا أشك في أن القاضي أعلم بداره مني بالبستان، فقال: [له]: نعم، فقال: [له]: كم جذعاً في دارك؟! فسكت عنه وحكم بشهادته؛ لما ظهر له من وفور عقله وشدة تحصيله.
وروي أن رجلاً شهد عند علي بن عيسى، فقال له: أين شهدت؟ فقال [له]: في فضاء وسعني ووسع المشهود له والمشهود عليه، فقبل شهادته.
стр. 8838
وروي أن أم أبي عمرو بن العلاء شهدت عند القاضي سوار مع امرأة أخرى، فجعلت أم أبي عمرو تلقنها وتذكرها؛ فزجرها سوار، فقالت: ألم تسمع قول الله- تعالى-: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]؟! فخجل سوار.
ولو سألهم فلهم ألا يجيبوه ولا يزيدوا على أداء الشهادة، قاله الإمام.
تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي أموراً:
أحدها: استحباب التفريق- كما ذكر- لمن هو ثابت العدالة عنده؛ كما ذكره في "المهذب" أيضاً، والأصحاب من العراقيين لما حكوا قول الشافعي- ﵁ وأحب إذا لم يكن لهم شدة عقول أن يفرقهم، ثم يسأل كل واحد منهم على حدته عن شهادته، واليوم الذي شهد فيه، والموضع ومن فيه؛ ليستدل على عورة إن كانت في شهادتهم، فإن جمعوا الحال الحسنة والعقل لم يفعل ذلك بهم. انتهى.
قالوا: هذا التفريق في حالة الجهل بعدالتهم قبل أن يبحث عنها؛ لأنهم إذا اختلفوا رد شهادتهم، واستغنى عن البحث، وإن ثبتوا بعد التفريق والوعظ حينئذ يسأل.
وأطلقوا القول بأنهم إذا كانوا عدولاً أمضى شهادتهم، لكن ما ذكره الشيخ من التفريق ليس بعيداً عن القياس، وعليه ينطبق إيراد الإمام [هنا]، وكذا في كتاب الإقرار؛ حيث قال: وليس ما ذكرناه من جواز الاستفصال [من القاضي] مردوداً إلى خيرته، ولكنه ينظر إلى حال الشاهدين: فإن رآهما على عدالتهما خبيرين بشرائط الشهادة [فطنين مستقلين]، فله ترك الاستفصال [حتماً، وإن تمارى في أمرهما، فلابد من الاستفصال].
وقد تقع حالة تجب المباحثة فيها حتماً، والاحتياط يقتضيها، ومن هذا القبيل- كما قال في كتاب الشهادات-: سماع شهادة العوام وإن كانوا عدولاً، يتعين الاستفصال
стр. 8839
فيها، وليس الاستفصال مقصوداً في نفسه، وإنما الغرض [تبين] تثَبُّتهم في الشهادة. وكذا قول صاحب "البحر" و"الحاوي": إذا استقرت العدالة بالبحث، فإن تجددت فيها استرابة، أعاد البحث والكشف، وإلا فلا يعيده.
وقال القاضي الحسين: إن محل البحث إذا عرف القاضي عدالة الشهود، ثم طالت المدة واحتمل التغير. وعلى هذا يمكن حمل كلام الشيخ، [على أن لمنازع أن ينازع في إمكان حمل كلام الشيخ] على ذلك.
الثاني: أنه يجوز أن يترك التفريق، ويحكم بشهادتهم؛ لأنه لما قال: إن التفريق مستحب، فهم منه أنه [لو تركه جاز].
وقال الإمام في [كتاب] "الإقرار" ما ذكرناه [أولاً]، وقال هنا: إن هذا التفريق حتم، فلو ابتدر القضاء والإمضاء، [لم] يمض قضاؤه؛ فإن حقه ألا يقضي إلا بعد بذل المجهود في [التبين وطلب] غلبة الظن. وعليه ينطبق ما حكاه الجيلي: أن من أصحابنا من قال: يجب [عليه] البحث في أحوالهم؛ ليحصل [به] غلبة الظن، سواء طلب الخصم ذلك منه أو لم يطلبه، وسواء كان ذلك في الحدود والقصاص أو الأموال.
الثالث: جواز إقامة الشهادة في حال غيبة المدعى عليه مع إمكان حضوره؛ لأنه قال: استحب أن يقول للمدعى عليه: شهد عليك فلان [وفلان]، فلو كان المشهود عليه حاضراً لم يكن لقوله ذلك معنى، وقد أشار إلى ذلك الشافعي- ﵁ بقوله في "المختصر": فإن قَبِلَ الشهادة من غير محضر خصم فلا بأس.
وقال في "البحر": إن الشافعي- ﵁ ذكر في "الأم" أن القاضي لا يقبل شهادة الشاهد إلا بمحضر من الخصم المشهود عليه، فإن قبلها بغير محضره فلا بأس، ولا يختلف أصحابنا فيه.
стр. 8840
نعم، اختلفوا في أنه إذا سمعها، هل يحكم عليه بها قبل حضوره أم لا؟ وسنذكره.
وفي "تعليق" القاضي أبي الطيب: أن الشهادة هل تسمع في حال غيبة المشهود عليه، أم يحتاج [أن يحضره] ولا يسمعها إلا بحضرته؟ فيه وجهان يأتيان في الكتاب:
أحدهما: يسمعها؛ لأنه غائب عن مجلس الحكم؛ فهو كما لو كان غائباً عن البلد، وهذا ما نقله الربيع.
قال في "الإشراف"- وهو في كتاب العيون-: فإنه قال: وأحب أن يحضره [، فإن [لم] يحضره] وسمع البينة جاز سماعها، ولا يحكم حتى يحضره.
والثاني: لا يسمعها؛ لأنه لا مشقة في إحضاره؛ فلا معنى لسماع البينة في غيبته.
قال في "الذخائر": وهذا هو المذهب. وسنذكره عن غيره من بعد.
قلت: وعلى هذا فيمكن حمل النص على حالة الغيبة عن البلد، وكلام الشيخ على ما إذا كان من شهد عليه لا يعرف أن له جرح البينة، وقد حكى الوجهين الروياني- أيضاً- عن القفال.
[ثم] قال: والصحيح ما ذكرناه، وهو أنه لا خلاف [في جواز سماع البينة.
فرع: إذا استفصل القاضي، هل يتعين على الشاهد التفصيل؟ فيه وجهان في "النهاية" في كتاب الإقرار، ولا خلاف] أنه لا يجب على الشاهد تفصيل الزمان والمكان، وإن استفصل القاضي، والفرق: أن الجهل بالشرائط يقدح، والجهل بالزمان والمكان لا يقدح.
قال: وإن كان الشهود مجاهيل، أي: للقاضي، فإن جهل إسلامهم رجع فيه إلى قولهم؛ لأن الكافر يملك إنشاء الإسلام؛ فكذلك الإقرار به، كذا قاله في "التهذيب".
стр. 8841
وحكى صاحب "الحاوي" في كتاب الشهادات وجهاً: أنه لا يقنع بقوله: إني مسلم، حتى يختبر بالإتيان بالشهادتين. وهذا قد يشهد له ما رُوِيَ أَنَّ أَعْرَابِيّاً شَهِدَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ، فَقَالَ: أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ [اللهِ؟ قَالَ]: نَعَمْ. فَأَمَرَ النَّاسَ بِالصِّيَامِ".
قال الأصحاب: ولا يعمل في الإسلام بظاهر الدار من غير سؤال، بخلاف اللقيط؛ لأن هذا يتعلق به إيجاب حق على غيره؛ فاحتيط فيه.
وفي "الحاوي" في [كتاب] الشهادات حكاية وجه آخر: أنه إذا شوهد في دار الإسلام على قديم العهد وحديثه، يحكم بإسلامه في الظاهر والباطن، ولا يسأل.
قال: وإن جهل حريتهم، أي: وادعوها، لم تقبل إلا ببينة؛ لأن العبد لا يملك الحرية فلا يقبل قوله فيها. وقيل: يرجع فيها إليهم أيضاً؛ كالإسلام.
قال في "المهذب": وهو ظاهر النص، أي: المنقول في كتاب الشهادات؛ فإنه قال [فيه]: ولا يقبل الشاهد حتى يثبت عنده بخبر منه أو ببينة أنه حر، ووجهه: أن الظاهر من الدار حرية أهلها؛ كما أن الظاهر من الدار [إسلام أهلها].
والأول أظهر في "المهذب" و"الحاوي" وغيرهما.
قال في "الحاوي": وقد اختلف أصحابنا في مراد الشافعي بقوله: ولا يقبل الشاهد .. إلى آخره، على وجهين:
أحدهما: لا يسمع الشهادة حتى يعلم حرية الشاهد وإسلامه فيسمعها، ثم يسأل عن العدالة؛ لظهور الحرية والإسلام وخفاء العدالة.
والثاني: لا يحكم بها حتى يعلم حريته وإسلامه، [ويجوز أن يسمع قبل العلم بحريته وإسلامه].
قال: وإن جهل عدالتهم، أي: وكانوا وافري العقول، سأل، أي: على وجه
стр. 8842
الوجوب- كما قاله الماوردي والإمام- عن اسم كل واحد منهم، وعن كنيته وعن صنعته وسوقه ومصلاه؛ حتى لا يشتبه بغيره على من يذكر له.
قال الأصحاب: ويرفع في نسبه إن لم يكف ذكر الاسم والكنية في تعريفه، ويستقصي حِلاه؛ كما قال الشافعي، ﵁.
قال: واسم المشهود له، أي: وحليته وصنعته، ونحو ذلك كما تقدم؛ كما صرح به القاضي الحسين، ووجهه: الاحتراز عن أن يكون ممن لا تقبل شهادة [الشاهد] له؛ لقرابة أو غيرها.
قال: والمشهود عليه، أي: بالصفات السابقة تحرزاً من أن يكون الشهود أعداءه.
[قال]: وقدر الدين؛ لأن من الشهود من يقبل قوله في القليل دون الكثير، وهذا نصه في "المختصر"، وحكاه الإمام عن بعض الأصحاب، وبه جزم في "الإبانة"، وقال الإمام: إنه غير سديد، وإن الذي ذهب إليه معظم الأئمة أن ذكر المال احتياط وليس باشتراط؛ فإن التعديل عندنا في اليسير والكثير على نسق واحد. وقد حكى صاحب "المرشد" هذا عن شيخه أبي علي وصححه.
قال: وكتب ذلك في رقاع، ودفعها إلى أصحاب المسائل، أي: في السر، لكل شخص رقعة ليسألوا عن ذلك.
قال الماوردي: وكيفية سؤالهم؟ أن يبدءوا بالسؤال عن أحوال الشهود، فإن وجدوهم مجروحين لم يسألوا عن غيرهم، وإن عدلوا سألوا عمن شهدوا له: فإن ذكروا أن بينه وبينهم ما يمنع من شهادتهم له لم يسألوا عما عداه، وإن ذكروا جواز شهادتهم له سألوا عن المشهود عليه: فإن ذكروا ما يمنع من شهادتهم عليه لم يسألوا عما عداه، وإن ذكروا جواز شهادتهم عليه ذكروا حينئذ القدر الذي [شهدوا به].
قال: وعلى أصحاب المسائل أن يشهدوا بما عرفوه من هذه الأحوال الأربعة
стр. 8843
إن اجتمعت أو افترقت؛ فإن لكل واحدة منهن حكماً في غير هذه القضية، وإن لزم اعتبارها جميعاً في هذه [القضية].
وهذا من الماوردي صريح في إيجاب البحث على هذه الصفة، وعليه ينطبق قول الفوراني: يشترط أن يذكر المال والمشهود له و [المشهود] عليه إذا استزكى الشهود؛ لأن ذلك يختلف. وكذلك قول الإمام، لكنه قال بعد قوله: "أما المدعي فلا بد من إعلامه": وأما المدعى عليه فقد يدرك [المزكي بينه وبين الشهود] عداوة أو لدداً في خصومة يوجب مثلها رد الشهادة، فإن لم يقع التعرض لما ذكرناه فالتعديل في الشهود يثبت، ولكن يبقى على القاضي نظر فيما وراء التعديل.
قال: ولا يعلم بعضهم بعضاً؛ خشية من التواطؤ.
قال: وأقلهم اثنان، وقيل: يجوز واحد.
هذا الخلاف ينبني على أن الجرح والتعديل يقع بقول أصحاب المسائل أو بقول المسئولين من الأصدقاء والجيران، وفيه خلاف بين الأصحاب:
فالذي ذهب إليه الإصطخري والأكثرون كما قاله الماوردي، والبندنيجي، وصححه القاضي أبو الطيب وغيره- الأول، وهو ظاهر النص في "المختصر"؛ فإنه قال: ولا يقبل المسألة عنه ولا تعديله ولا جرحه إلا من اثنين؛ فعلى هذا: يكون أقلهم اثنان؛ لأن الجرح والتعديل لا يثبت بدونهما.
وقال أبو إسحاق المروزي بالثاني؛ لأن أصحاب المسائل يخبرون عن غيرهم فهم شهود فرع، وشاهد الفرع لا تقبل شهادته مع حضور الأصل وارتفاع العذر؛ فيكون أصحاب المسائل مخبرين للقاضي بمن يزكي أو يجرح، فعلى هذا يكتفي بالواحد كما في سائر الأخبار، ويعتبر في المسئولين العدد؛ لأن الجرح والتعديل يقع بقولهم وشهادتهم عند القاضي، وعليه حمل النص.
ومن قال بالأول قال العذر ثابت ها هنا؛ فإنه لا يجب على المعدل [أو الجارح] أن يحضر عند الحاكم لتزكية من يسأل عنه أو جرحه، وليس على الحاكم- أيضاً-
стр. 8844
أن يحضر إليه ليسأله، فصار ذلك عذراً كالمرض والغيبة. كذا حكاه ابن الصباغ والقاضي أبو الطيب عنهم، قالوا: وما ذكر من حمل النص على المزكين فغير صحيح؛ لأنه قال: ويخفى من كل واحد ما دفعه على الآخر. وهذا إنما يكون في أصحاب المسائل دون المزكين.
قال الأصحاب: ويتفرع على الخلاف- أيضاً- مسألتان:
إحداهما: أنه هل يشترط [أن يكون إخبار أصحاب المسائل للقاضي بلفظ الشهادة أم لا؟
فعلى رأي الإصطخري: يشترط] وإن كان لا يشترط لفظ الشهادة من المسئولين عند أصحاب المسائل.
وقال الإمام: إن صاحب "التقريب" ذكر على [قياس] مذهب الإصطخري وجهين في اشتراط لفظ الشهادة من أصحاب المسائل.
[وعلى رأي أبي إسحاق: لا يشترط الإتيان بلفظ الشهادة من أصحاب المسائل]، ويشترط من المسئولين عند القاضي.
الثانية: على رأي الإصطخري لابد أن يشهد اثنان من أصحاب المسائل على كل واحد من المخبرين بالتعديل أو الجرح من الجيران وغيرهم؛ لأنها شهادة فرع، كذا حكاه مجلي عن الغزالي، وهو قياس ما حكيناه من التعليل عنه، وعلى هذا يكون قول الشيخ: "وأقلهم اثنان"، محمولاً على ما إذا شهدا على كل واحد من المسئولين إذا قلنا: يكفي ذلك، وكلام الماوردي يقتضي خلافه؛ لأنه قال: لو شهد شاهدان من أصحاب المسائل أو [من] الجيران- على حسب اختلاف الوجهين- بتعديل أحد [شاهدي الأصل] جاز أن يشهدا بتعديل الآخر قولاً واحداً، وإن كان في الشهادة على الشهادة قولان، والفرق أن في الشهادة على الشهادة هما
стр. 8845
فرع الأصل، وفي التزكية هما شاهدان على الأصل، وعلى هذا ينطبق قول البندنيجي وغيره: إذا رجع أصحاب مسائله، فإن عدلاه حكم، وإن جرحاه وقف. ولم يفصلوا، وجزم في "المهذب" على قول الإصطخري بأنه يكفي أن يخبر الشاهدين من أصحاب المسائل واحد إذا وقع في نفوسهما صدقه، وهو مأخوذ مما في "الحاوي"؛ لأنه قال: ولا يشترط على هذا في المسئولين العدد؛ بل المعتبر أن يقع في نفوس أصحاب المسائل صدق المخبر فيما ذكره من تعديل أو جرح؛ فربما وقع في نفسه صدق الواحد، فجاز أن يقتصر عليه، وربما ارتاب في الاثنين، فيلزمه أن يشترط.
قال مجلي: وهذا فيه بعد؛ إذ كيف [يثبت التعديل] والجرح بقول واحد، وعلى هذا ينطبق قول القاضي أبي الطيب: إنه لا خلاف في اشتراط العدد في التزكية. وعلى [هذا] رأي أبي إسحاق: لا يشترط العدد في الإخبار.
قال القاضي أبو الطيب: ومحل الخلاف بين الإصطخري وأبي إسحاق في أصل المسألة إذا كان الحاكم قد بعث أصحاب المسائل إلى أقوام معينين يسألونهم عنهم، فلو فوض إليهم السؤال عنهم من غير أن يعين المسئولين فلابد من اثنين من أصحاب المسائل يشهدان [عند الحاكم] بما ثبت عندهما من الجرح أو التعديل بقول اثنين من المسئولين، وتكون شهادة أنفسهم، وتبعه ابن الصباغ [في ذلك].
وقال القاضي: إن هذا مما لا خلاف فيه بين أصحابنا، وكذا محله إذا لم يكن الحاكم قد نصب واحداً منهم حاكماً في الجرح والتعديل، أما إذا كان قد نصبه لذلك جاز، وعليه أن يراجع من رآه أهلاً للمراجعة في التزكية والجرح، ويصغي [إلى الشهادة] في هذا المقتضي، ويحكم بعد بذل الوسع في الاحتياط.
ولا يجوز [أن] يحكم في التزكية باجتهاده؛ لأن ذلك يرجع إلى رد شهادة
стр. 8846
مزكين إلى واحد، وذلك غير محتمل فيما [يشترط فيه] العدد، كذا أبداه الإمام في كتاب القسمة وسنذكره ثَمَّ لغرض لنا.
وإذا ثبت عنده الجرح أو التعديل قبل قوله فيه وحده فإنه حاكم، وقول الحاكم مسموع في استمرار ولايته، كذا قاله الإمام.
قال: فإن عادوا بالتعديل أمر من عدلهم في السر، أي: من أصحاب المسائل [أو المسئولين] على اختلاف الوجهين، أن يعدلهم في العلانية كما عدلهم سرّاً؛ لأن ذلك أبعد عن التهمة، وفيه ترغيب للناس في حسن الذكر وجميل الثناء، واحتياط للشهادة؛ فإنه ربما كان عند بعض الناس من جرحه ما يخفى على غيره، ولأن الأسماء والأنساب والحلي قد تشتبه.
وقد أشار إلى هذه العلة الشافعي- ﵁ بقوله: فإذا عدل سأله تعديله علانية؛ ليعلم أن المعدل سرّاً هو هذا؛ لئلا يوافق اسمٌ اسماً، ونسبٌ نسباً، وذكر القفال في ذلك معنى آخر فقال: ربما يسمى الشاهد باسم عدلٍ، فيقول المسئول عنه: هو عدل. [قال]: وقد شهد عند قاضي مرو رجل وتسمى باسم عدل، فسأل القاضي الشيخ الخضري عنه؛ لأنه كان مزكياً، فقال: هو عدل. وكان الشاهد قد زوّر اسمه، فالتعديل علانية يدفع هذا المحذور، لكن هذا بطريق الوجوب أو الاستحباب؟
أطلق القاضي أبو الطيب- وتبعه ابن الصباغ- القول بأنه على وجه الاحتياط، فإن تركه فلا بأس؛ لأن العدالة حصلت بالتزكية، وعلى ذلك جرى في "الوسيط".
وقال في "الحاوي": هذا إذا كان المعدل مشهوراً في الناس بالتميز عن غيره في الاسم والنسب. وقال فيما إذا كان غير مشهور وجاز أن يشتبه [في] الاسم والنسب: بأنه على وجه الوجوب؛ لما ذكرناه. ثم حكى [أن] ابن أبي هريرة حمله على الاستحباب تأكيداً؛ اعتباراً بالظاهر، وقال: إن الأول أصح.
وقد جمع في "البحر" بين الحالتين، وحكى فيهما ثلاثة أوجه، ثالثها: إن كان
стр. 8847
مشهوراً بين الناس بما يتميز [به] عن غيره، فلا يحتاج إلى الإعادة وجوباً، ولكنه يستحب، ويجب في المجهول غير المشهور. وقال: إنه أصح.
وكلام الإمام مصرح بأنه إذا لم يمكن تحصيل الغرض في الغيبة فلا بد من الإعلان.
ثم اعلم أن ظاهر كلام الشيخ والشافعي- ﵄ يقتضي إعادة التزكية، وقد صرح أبو الطيب والماوردي والبندنيجي وغيرهم بأن المراد من التعديل علانية: أن يجمع بين المزكي والمعدلين، ويقول للمزكي: هؤلاء هم الذين سألت عنهم وزكيتهم، فيقول: نعم، أو نحوه.
قال القاضي الحسين: ويشترط في التزكية سؤال الحاكم عنها، فلو عدل المزكي من غير سؤال فالقاضي لا يصغي لقوله؛ لأن التعديل حسبة لا يسمع.
وفي هذه الحالة- أعني حالة العود بالتعديل- يسوغ للحاكم الحكم إذا لم يتحقق عنده الجرح، وينبغي أن يعرف المشهود عليه ثبوت الحق بتعديلهم، فإن زعم أنه يمكنه جرحهم كان [الأمر] كما تقدم في الكتاب من قبل، ولو تحقق عنده الجرح بالتسامع، قال الإمام: فالرأي الذي يجب القطع [به] أنه لا يقضي بالشهادة؛ لأن ما تحققه بالتسامع أقل مراتبه أن يقتضي وقفاً، والقاضي قد يتوقف لريبة كما ذكرنا.
ولا يسوغ للحاكم عندنا بمجرد شهادة المجهولين أن يحمك بما شهدوا به قبل البحث، سواء كان المشهود به حدّاً أو مالاً، وطلب المشهود عليه البحث عن عدالتهم أو سكت؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، والمجهول غير مرضي ما لم يبحث عن عدالته الباطنة، وقد روى سلمان [عن حريث]: "أَنَّ رَجُلاً شَهِدَ عِنْدَ عُمَرَ، فَقَالَ: إِنِّي لَسْتُ أَعْرِفُكَ، وَلَا
стр. 8848
يَضُرُّكَ أَنِّي لَا أَعْرِفُكَ فَاتِنِي بِمَنْ يَعْرِفُكَ، فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا أَعْرِفُهُ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: بِأَيِّ شَيءٍ تَعْرِفُهُ؟ فَقَالَ: بِالْعَدَالَةِ وَالفَضْلِ. فَقَالَ: هُوَ جَارُكَ الأَدْنَى تَعْرِفُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ وَمَدْخَلَهُ وَمَخْرَجَهُ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَعَامَلَكَ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ اللَّذَيْنِ يُسْتَدَلُّ بِهِمَا عَلَى الوَرَعِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَصَاحَبَكَ فِي السَّفَرِ الَّذِيْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَلَسْتَ تَعْرِفُهُ. ثُمَّ قَالَ لِلرَّجُلِ: ائْتِنِي بِمَنْ يَعْرِفُكَ"؛ فدل هذا من قوله وفعله على وجوب البحث.
ولأن الخصم- وهو أبو حنيفة- قد وافقنا على أنه لا يحكم في الحدود قبل البحث، وكذا في الأموال عند طلب الخصم، فيقول: إن كل عدالة شرطت في الشهادة لم يجز الحكم بها مع الجهالة؛ كالشهادة على الحدود. نعم، لو اعترف [الخصم] المشهود عليه بعدالة الشهود، وقال: إنهم زكوا في هذه الواقعة- فهل يحكم عليه قبل البحث؟ فيه وجهان، حكاهما المراوزة كذا، وحكاهما العراقيون فيما إذا قال: هم عدول، وإن لم يذكر أنهم زكوا:
أحدهما: يحكم؛ لأن ذلك معتبر لحقه؛ فسقط باعترافه.
والثاني: لا يحكم، وهو المختار في "المرشد"؛ لأن الحكم بشهادتهم حكم بتعديلهم، وذلك لا يجوز بقول الواحد، كذا قاله الماوردي، وتبعه في "المهذب"، ثم قال: ولأن اعتبار العدالة في الشاهد حق لله- تعالى- ولهذا لو رضي المشهود عليه بشهادة الفاسق لم يجز للحاكم أن يحكم بشهادته.
وقد بان لك من التعليل الثاني أن محل الوجهين إذا جهل الحاكم فسقهم؛ فلو علمه لم يحكم بلا خلاف، وبه صرح الإمام.
فرع: إذا عدل الشاهد في شهادته، ثم شهد مرة أخرى فهل يجب إعادة استزكائه؟ قال الأصحاب: إن قصرت المدة فلا، وحكى القاضي الحسين عن الثقفي [من أصحابنا] أنه يحتاج إلى البحث وتجديد المسألة؛ لاحتمال أن يكون بينه وبين
стр. 8849
الثاني قرابة أو عداوة [أو نحوهما]. وإن طالت والقاضي غير خبير بحاله في المدة المتخللة فهل يجب؟ فيه وجهان ذكرهما العراقيون، واختار في "المرشد" عدم الوجوب، وقال الإمام: إن الذي مال إليه الجمهور الوجوب؛ لأن الأحوال تتحول والإنسان عرضة للتغير والحدثان، وفي "البحر" نسبة هذا القول لأبي إسحاق، وهو الذي جزم به في "الإبانة".
قيل: وهذا القائل يقول: ينبغي ألا يغفل القاضي المسألة عن صفة الشهود الذين يتناوبون مجلسه للشهادة، وعلى هذا لو ترك البحث عمن تثبت عدالته ثلاثة أيام كان ذلك محتملاً، [كذا نقل عن العراقيين].
قال الإمام: وفحوى كلامهم إيجاب البحث وراء ثلاثة أيام، ولست أرى أن يتقدر بذلك، ولكن المرجع في قرب الزمان وبُعده إلى العرف الغالب، وكل مدة يتوقع في مثلها تغاير طارئة؛ فإذا خلت عن المسألة فلا بد من تجديد البحث بعد هذه المدة عنه، والمرجع إلى ما يغلب على ظن القاضي.
وفي "البحر" أن في "الحاوي" أن بعض أصحابنا قال: يسأل عنه [بعد] كل ستة أشهر. ثم قال: وهذا ليس بمذهبنا، والمذهب: أنه يوقف على اجتهاد القاضي ورأيه، والذي رأيته في "الحاوي" نسبة القول بتقدير المدة بستة أشهر إلى بعض الفقهاء؛ كما هو في "الشامل" وغيره.
فرع: من عدل في القليل، هل يعدل في الكثير؟ فيه وجهان في "البحر" في باب ما على القاضي في الخصوم، أحدهما: لا؛ لأن القضاء بالشهادة بطريقة غلبة الظن على الصدق، ولا يسكن القلب بقول الإنسان في الكثير دون القليل.
قلت: وهذا يؤخذ من قول الشافعي- ﵁: إنه يكتب في رقاع أصحاب المسائل قدر الدين.
قال الروياني: وفائدة الوجهين أن الشاهد بالقليل إذا عدله عدلان، وصح ذلك، ثم شهد في الحال، هل يلزم السؤال عن حاله ثانياً على هذين الوجهين؟
قلت: ويفارق هذان الوجهان ما حكاه ابن أبي الدم فيما إذا شهد بحق، فزكاه اثنان
стр. 8850
في تلك الشهادة خاصة، هل يسمع؟ [فيه] وجهان، وقال: إن المذهب المشهور منهما عدم القبول، وإن العمل في بعض الأمصار على القبول للحاجة.
قال: ويكفي في التعديل أن يقول: هو عدل؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، فأطلق العدالة، وإذا شهد أنه عدل فقد أثبت العدالة التي اقتضاها لفظ القرآن وهذا ما نص عليه في "حرملة" كما نقله أبو الطيب، واختاره الإصطخري وأبو علي الطبري في "الإفصاح"، وكذا القفال كما قاله في "البحر" والقاضي الحسين وصاحب "المرشد"، وحملوا قول الشافعي- ﵁ في "المختصر": ولا يقبل التعديل إلا أن يقول: [وهو عدل] عليَّ ولي، على التأكيد والاستحباب؛ لأن الشهادة بالتعديل تقتضي الحكم بها عليه وله.
وفي "البحر" أن الذي نص عليه في "حرملة" أنه إذا قال: هو عدل مرضي، كفى في التعديل.
ويقرب منه ما حكاه الماوردي عن بعض البصريين أنه شرط في القبول أن يقول: [عدل مرضي؛ لأن التعديل سلام، والرضا كمال.
و [قد] صحح في "الإشراف" ما حكيناه عن رواية صاحب "البحر" عن حرملة، بعد أن حكى أنه نص في "حرملة" على أنه يقول]: هو جائز الشهادة، وقيل: لا يجوز حتى يقول: هو عدل علي ولي؛ عملاً بظاهر النص في "المختصر"، وقد نص عليه في "الأم" كما قاله الروياني، ووجهه: أن قوله: هو عدل، لا يثبت العدالة على الإطلاق؛ لأنه يجوز أن يكون [عدلاً في شيء دون شيء كما إذا وصفه بأنه صادق، واحتمل أن يكون] صادقاً في شيء دون شيء، وإذا احتمل ذلك وجب أن يصرح حتى يزول الاحتمال، وهذه علة أبي إسحاق المروزي، وغيره قال: إن العلة فيه [أنه قد] يكون الشاهد بالتعديل ممن لا تقبل شهادته له؛ لأنه من والديه أو مولوديه، ولا تقبل شهادته عليه؛ لأنه من أعدائه، ومباينيه، فإذا قال: عدل عليَّ ولي، زال هذا الاحتمال.
стр. 8851
قال الماوردي: فعلى هذا التعليل لا يلزم ذلك إذا علم أنه لا نسب بينهما ولا عداوة، [وعلى الأول يلزم ذلك].
قلت: وما قاله غير أبي إسحاق في طرف القريب ظاهر، ولم يظهر في جانب العدو؛ فإن العدو إذا زكى عوه لا يتجه أن يقال بعدم السماع؛ لأن ذلك شهادة له، وشهادة العدو لعدوه سائغة، وعلى هذا فكان يتجه عند هذا القائل أن يكتفي بقوله: هو عدل لي، وقد تعرض لهذا السؤال القاضي الحسين. نعم، الإتيان بلفظ "علي" يحسن أن يوجه بأن في ذلك تطييب قلب القاضي بالتزكية؛ لأنه إذا رضيه على نفسه شاهداً مع حرص النفوس على عدم نفوذ كلمة الغير عليها، دل على [وضوح عدالته عنده.
وقد أشار إلى [عين هذا] البندنيجي؛ حيث قال: إن معنى قوله: "علي"] أنه يقبل شهادته في كل قليل وكثير؛ لأن من الناس من يقول: أقبل شهادة الإنسان في القليل [ولا أقبله في] الكثير.
وقد قال الإمام: إن قوله: "هو عدل علي ولي" [من] أبلغ عبارات المزكيين وأوقعها، وهي شائعة على مر الدهور، وقد قررها من كان مبتدئاً في سماعها مجملة، والأصحاب مجمعون على موجب ما يتفاهمون منها.
وفي "الوسيط" أن كيفية التعديل أن يقول: هو عدل علي [ولي]، أو: عدل مقبول الشهادة؛ فإن العدل قد لا تقبل شهادته لكونه مغفلاً.
وقال الإمام: إن العدل الرضا قد يكون مغفلاً. نعم، تثبت العدالة بما قال، ثم يستخبر بعد هذا عن الأسباب المانعة من قبول الشهادة كما سنصفها، إن شاء الله تعالى.
وهذا كله على طريقة من رأى من أصحابنا أن السؤال عن أسباب العدالة لا يجب، وهو ما أورده القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والبندنيجي والقاضي الحسين وادعى أنه لا خلاف فيه، ووافقهم الغزالي متبعاً في ذلك ما حكيناه عن الإمام.
стр. 8852
قال الماوردي: وهذه الطريقة مأخوذة من قول الشافعي- ﵁: ولا يقبل التعديل إلا بأن يقول: [عدل] عليَّ ولي. والقائلون بهذه الطريقة يقولون: السؤال عن أسبابها استظهار، وإنه يجب أن يكون الشاهد بالتعديل إذا لم يذكر الأسباب من أهل الاجتهاد.
وقد ذهب آخرون من الأصحاب إلى وجوب السؤال عن أسبابها، ويكون الشاهد على هذا مؤدياً للأسباب، والقاضي هو الحاكم بالعدالة؛ وعلى هذه لا يشترط أن يكون الشاهد من أهل الاجتهاد، وقائلها يقول: استزادة القاضي أن يشهدوا أنه عدل لهم وعليهم، استخبار عن حكم العدالة، وليس بشرط في قبول الشهادة، فلا يجب على الشاهد ذكره. نعم، هل يجب على الحاكم الاستخبار عنه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ كالشاهد؛ لأن الشهادة بأسباب العدالة تغني [عما سواها].
والثاني: نعم؛ للاحتياط.
قلت: ولو قيل باشتراط ذكر هذا على هذه الطريقة [أيضاً] لم يبعد؛ بناءً على التعليل الثاني في أصل المسألة؛ لأن أسباب العدالة صفات كمال في الشاهد، والعداوة والقرابة أسباب مانعة من قبول الشهادة، لا ينافيها ذكر صفات الكمال؛ فكان يجب التعرض لها كما في الطريقة الأولى.
تنبيه: شهادة الأب بتعديل الابن وبالعكس، هل تسمع؟ فيه خلاف حكيته عن البغوي وغيره من قبل، والذي جزم به الماوردي ها هنا، وتبعه في "البحر"، وكذا صاحب "الإبانة"، ورآه الغزالي أظهر- المنع، وقد يقال بإمكان أخذه من الخلاف الذي ذكره الشيخ ها هنا؛ لأن من اكتفى بقوله: هو عدل، [لم ينظر إلى كونه قريباً ترد شهادته له، ومن لم يكتف بذلك نظر إلى ذلك، لكن قد يقال: من اكتفى بقوله: هو عدلي، اكتفى به في ثبوت العدالة [ظاهراً والقاضي] من وراء الكشف عن القرابة وغيرها، كما حكيناه عن الإمام؛ فلا يظهر مع هذا أخذ الخلاف من ها هنا.
стр. 8853
نعم، المنع يؤخذ [من ها هنا] قطعاً على توجيه غير أبي إسحاق.
فرع: هل يحل للأب تزكية ولده إذا كان القاضي لا يرى ذلك، وهو يجهل أنه أبوه؟ لم أر فيه نقلاً، والذي يظهر: تخريجه على أن الفاسق في الباطن إذا علم حقّاً وطلب لأدائه، وهو ظاهر العدالة مسموع الشهادة- هل يحل له الإقدام على الشهادة أم لا؟ وفيه وجهان حكاهما في "البحر" في فروع ضمن باب ما على القاضي في الخصوم؛ بناءً على وجهين في أن الفاسق، هل عليه إقامة الشهادة؟
وجه الجواز: أنه شهد بالحق ليصل [الحق] إلى مستحقه.
ووجه المنع: أن في أدائه إيقاع الحاكم في حكم باطل؛ لأنه إذا حكم بمستند باطل- في نظر الشرع- في حق في نفس الأمر كان باطلاً، والله أعلم.
قال: ولا يقبل التعديل إلا ممن هو من أهل الخبرة الباطنة بحاله، أي: في حال الأداء أو قريباً منه؛ كما قاله الشافعي- ﵁ لأثر عمر- ﵁[السابق]، والمعنى فيه: أن الناس يخفون عوراتهم ويغطونها، ولا يتحقق الإطلاع على السريرة، ولكن لا أقل من التوصل إلى ما يغلب على الظن، وذلك لا يحصل إلا بأهل الخبرة الباطنة، ولأن من ليس من أهل الخبرة إنما يعتمد فيما يذكره الظاهر من حاله، ولو اكتفينا بذلك لم يحتج إلى تزكية؛ لأن القاضي في هذا كالشاهد، وهذا بخلاف الشهادة بالجرح لا يشترط فيها أن يكون الشاهدان من أهل الخبرة الباطنة [به]؛ لأنه لا يشهد فيه إلا عن معاينة أو سماع- كما سنذكره- وذلك لا يحتاج إلى خبرة باطنة، وهذا أحد ما يتميز به شهود التعديل على الجرح، وثانيه: أن يكون شهود التعديل عالمين بأسباب التعديل على المشهور، بخلاف [شهود الجرح]؛ فإنه لا تشترط معرفتهم بما يقتضي الجرح؛ لأنهم لابد أن يصرحوا بالسبب المجرح.
стр. 8854
ثم اعلم أن القاضي وصاحب المسألة إن كان لا يعرف أن المزكي من أهل الخبرة الباطنة؛ بالشهود بعدالته، ولم يعرف حذقه ومعرفته، سأله كما فعل [عمر]﵁ لأنه قد يعتقد جواز البناء على الظاهر وتحسين الظن، فإذا بحث القاضي زال اللبس، وإن علم أن المزكي خبير به أو خبير بالتزكية، وقد ألف ذلك منه، وراجعه فيها، فوجده خبيراً بصيراً غير مكتف بالظاهر- فإذا أطلق التعديل قال الإمام: فالأصح أن القاضي لا يحتاج إلى مراجعة في إسناد تزكيته إلى الباطن، ومن أصحابنا من شرط هذه المراجعة في كل تزكية، تمسكاً بأثر عمر، ﵁. قال: وهذا غير سديد والأثر محمول على علم عمر بأن المعدل لم يكن خبيراً، إنما أخذ التعديل، وهذا بخلاف أصحاب المسألة إذا عدلوا عند القاضي واكتفينا بهم، كما هو الصحيح؛ فإنه لا يشترط أن يكونوا من أهل الخبرة.
قال الماوردي: ولا يجوز للحاكم أن يسألهم: من أين علمتم التعديل؟ وكذا الجرح إن عادوا به. وكلام ابن الصباغ قريب منه؛ فإنه قال: وليس للحاكم أن يقول كذا. ولفظ البندنيجي: أنه لا يسألهم: من أين تحملوا الشهادة، ولا عمن أخبرهم بذلك.
فرع: إذا سمع شخص [من أفواه الناس] دين شخص وأمانته وصلاحه، وشهد جماعة بأنه عدل، فهل يسوغ له تعديله، وليس هو من أهل الخبرة بحاله؟ قال القاضي الحسين: له ذلك إذا تكرر [ذلك] على سمعه من أفواه الناس مرة بعد أخرى في مقامات مختلفة تخرج عن حد التواطؤ، فأما [أن يشهد به] عدلان أو أكثر فلا؛ لأنه يحتمل التواطؤ [في ذلك].
قال: وإن عادوا بالجرح سقطت شهادتهم؛ لعدم الثقة بقولهم، وهذا ظاهر قول الإصطخري وغيره في أن المرجع في التعديل والجرح إلى شهادة أصحاب المسائل،
стр. 8855
دون المسئولين، وأما على قول أبي إسحاق فيظهر أن يقال: لا تسقط الشهادة ما لم يشهد اثنان من المسئولين بالجرح، كما يشهدان بالتعديل عند [عود] أصحاب المسائل به.
لكن في "الشامل" و"تعليق" أبي الطيب أن أبا إسحاق قال: إذا عادوا إليه فأخبراه بالجرح، توقف، وقال للمدعي: زدني في شهودك.
قال القاضي الحسين: ولا تتوقف الشهادة بالجرح على سؤال القاضي؛ لأن الجرح تسمع فيه شهادة الحسبة.
ثم في حال عودهم بالجرح لا يستحب أن يعاد الجرح في العلانية؛ لما في ذلك من الهتك، بخلاف ما إذا عادوا بالتعديل كما تقدم، صرح به الماوردي والبغوي.
قال: فإن عاد أحدهما بالجرح والآخر بالتعديل أنفذ آخرين؛ لأن النصاب في الجرح والتعديل لم يكمل، فلعله بإرسال الآخرين يكمل في أحدهما أو فيهما؛ فترتب على ذلك حكمه، كما سنذكره.
وفي "المهذب": أنه يبعث ثالثاً، فإن عاد بالجرح كملت بينة الجرح وعمل بموجبها، وإن عاد بالتعديل كملت بينة التعديل وعمل بموجبها. وهذا أخذه من قول الماوردي: ويجوز أن يقتصر فيمن ينفذه بعدهما على واحد؛ لأن بالواحد تكمل بينة الجرح أو التعديل. وخص القاضي الحسين محل بعث الواحد بحالة عود اثنين بالتعديل، وواحد بالجرح.
وحكى الإمام في هذه الصورة عن أبي إسحاق أنه يقول للمدعي: زدني في شهودك، وقال: إن أراد به على وجه الاحتياط، [فقريب]، وإلا فلا وجه [له].
والذي أورده [القاضي] أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ في مسألة الكتاب: [الأول. وقال] الماوردي: إنه أحوط، و [هو] الذي نص عليه الشافعي- ﵁ في "المختصر"، لكنه قال: "أعادهما مع غيرهما"؛ ولأجل هذا قال
стр. 8856
البندنيجي: إنه يبعث بهما ثانياً، ويبعث مع كل واحد منهما غيره.
وقال الماوردي: إن قول الشافعي- ﵁: "أعادهما مع غيرهما" يحتمل أمرين:
أحدهما: أن يعيد ثانياً للبحث؛ فربما ظهر لمن عدل جرح يوافق [فيه] صاحبه، ويسمع الحاكم من كل منهما رجوعه إلى ما بان له من خلاف الشهادة الأولى.
والاحتمال الثاني: أن يكون معنى قوله: "أعادهما"، يعني: عن الشهادة، إلى حيث شاء؛ لينظر ما شهد به الثالث.
قال: فإن عدله اثنان وجرحه اثنان قدم الجرح على التعديل؛ لأن شهادة الجرح [شهادة على] أمر باطن، وشهادة العدالة [شهادة] على أمر ظاهر، فكانت تلك أولى؛ لأنها علمت ما خفي على الأخرى؛ فصار هذا كما لو شهد اثنان بدين، وشهد آخران بقضائه- تقدم شهادة القضاء؛ أنها علمت ما خفي على الأخرى؛ ولأن الجارح مثبت والمعدل نافٍ، والإثبات أولى من النفي.
وهكذا الحكم فيما لو شهد اثنان بالجرح، وثلاثة فأكثر إلى مائة بالتعديل؛ كما قاله القاضي الحسين وغيره.
وألحق الإمام بهذه الصورة ما إذا تحقق عند القاضي الفسق بالتسامع، وشهد معدلون على العدالة كما حكيناه من قبل.
قال الأصحاب: ولا تقدم بينة التعديل على الجرح إلا في مسألة [واحدة]، وهي [إذا شهد] اثنان على جزحه في بلد، ثم انتقل إلى بلد أخرى، فشهد آخران منها بالتعديل؛ فإنه يقدم التعديل على الجرح. كذا أطلقوه، ويظهر أن محله إذا كان بين انتقاله من البلد الأول إلى الثاني مدة الاستبراء، وإلا فلا يقدم.
стр. 8857
وقد ذكر الطبري مسألة أخرى، وهي أن يقول اثنان: إنه زنى أو سرق، ويقول آخران: إنه تاب وحسنت حاله.
قال: ولا يقبل الجرح إلا مفسراً، أي: لا يقبل إلا بعد ذكر سبب الجرح؛ لأن أسبابه مختلف فيها، فقد يظن الشاهد ما ليس بجرح عند القاضي جرحاً، مع أن الاعتبار فيه بما يراه القاضي.
قال الشافعي- ﵁ في "الأم": شهدت رجلاً صالحاً شهد على رجل عند رجل بالجرح، فقال له: بم جرحته؟ فامتنع من تفسيره، وقال مثلي لا يخفى عليه الشهادة المجرحة، فألح عليه، وقال: لا أقبل حتى تبين السبب، فقال: رأيته يبول قائماً يترشش البول على ثيابه ورجليه ويصلي فيها، فقال: رأيته فعل ذلك؟ فقال: أراه سيفعل ذلك؛ فأسقط شهادته.
فإذا فسر الشاهد السبب نظر فيه القاضي: فإن كان عنده سبباً- أيضاً- حكم به وأسقط الشهادة، وإلا توقف كما قال الماوردي، وهذا بخلاف التعديل؛ حيث لا يشترط ذكر أسبابه على المشهور، قال ابن الصباغ: لأن أسبابه تكثر، ولا يمكن ضبطها. وقال القاضي أبو الطيب: لأن أكثر ما فيه أن يذكر ما يفعل من الطاعات وأداء الفرائض على حسب ما شاهده، وقد يفعل ذلك كله ويفسق بمعصية يأتي بها سرّاً، وليس كذلك سبب الجرح؛ فإنه يمكن الإحاطة به؛ فلهذا وجب كشفه.
قال الأصحاب: وكشفه أن يقول: رأيته يزني- كما قال الإمام- أو يسرق، أو يغصب، أو يلوط، ونحو ذلك، أو: أقر عندي بالزنا، أو السرقة، أو سمعته يقذف أو يكذب أو يمشي بالنميمة، أو يقول ما يعتقده من البدع المستنكرة؛ كما قاله الماوردي، ونحو ذلك. وهذا الذي أراده الشافعي- ﵁ بقوله: لا أسمع الجرح إلا بالمشاهدة أو السماع.
وقال البندنيجي وابن الصباغ: إن هذا القول من الشافعي عائد إلى أصحاب المسائل؛ لأنه يحتاج أن يعلم منه ما يفوضه الحاكم إليه من ذلك؛ ليشهد به عنده، وإنما يصير [به] عالماً بأن يعلم ذلك مشاهدة أو سماعاً. وألحقا- وكذا الماوردي- بما ذكرناه
стр. 8858
من قسم السماع، ما إذا سمع من عدد التواتر [أو الاستفاضة ذلك] عنه، وحصل له العلم، قالوا: ويطلق الشهادة في هذه الحالة كما يشهد بالموت والنسب والملك المطلق.
فأما السماع من الواحد والعشرة، فقد قال الشيخ أبو حامد: إنه لا يصير به عالماً بذلك، لكنه يشهد عند الحاكم بما سمع، ويكون شاهد فرع، والذي سمع منه شاهد الأصل؛ [فيكون حكمه حكم شاهد الفرع والأصل]، ولا يثبت عنده ما قال شاهد الأصل إلا باثنين.
قال ابن الصباغ: وهذا بخلاف ما ذكروه في الاستفاضة.
وهذا ما ذكره العراقيون، أعني: جملة ما ذكرته.
وفي "النهاية" أن من أصحابنا من لم يشترط هذه المبالغة في ذكر السبب، وعني بالمبالغة ما حكاه من قوله: رأيته يزني ونحو ذلك. قال: واكتفى بذكر ما بينه على ما يقع به الجرح لا محالة، وإنه خرجه بعض العراقيين على طريقة الإصطخري فإن مبناها على طرف من المسامحة.
قال الإمام: ووراء هذا سر، وهو أن المزكيين إذا جرحا بالنسبة إلى الزنى، ففي العلماء من جعلهما قاذفين إذا لم يساعدهما عليه شاهدان آخران، وبه قال بعض أصحابنا، ومنهم من يستثني مقام الجرح، ولا يجعل نسبته [إلى] الزنى في هذا المقام قذفاً، والسبب فيه الحاجة؛ فإن المزكي مراجع مستخبر، والقاذف من يبتدئ من غير مراجعة، فعلى الأول لا يكلفون التصريح بما يجب احتمال ما يأتون به إذا عرضوا؛ حتى [لا] يقضي عليهم عند التصريح بالإيجاب، وهذا تمهيد لعذر المراجع المستخبر، وعليه يحمل قوله ﷺ : "اذْكُرُوا الفَاسِقَ بِمَا فِيْهِ، يَحْذَرْهُ النَّاسُ".
стр. 8859
قلت: وما ذكره الإمام عن بعض الأصحاب [أنهم] غير قذفة، ينطبق عليه قول ابن الصباغ- حكاية عن الشيخ أبي حامد-: إن القاضي إذا سأل الشاهدين عن سبب الجرح، وكان زنى- لم يكن قذفاً، سواء كان بلفظ الشهادة أو بغير لفظها؛ لأنهما لم يقصدا إدخال المعرة عليه بالقذف، وإنما قصدا إثبات صفته عند الحاكم ليبني الحاكم حكمه عليه.
والماوردي قال بذلك فيما إذا كان الشاهدان من أصحاب المسائل، وقال فيما إذا كان من الجيران: إنهما قاذفان إذا لم تكمل الشهادة، والفرق: أن أصحاب المسائل ندبوا للإخبار بما سمعوه، بخلاف الجيران.
وكلام البندنيجي يقتضي أن ما حكي عن أبي حامد في أصحاب المسائل أيضاً [، ثم] فيما أبداه الإمام من عند نفسه في التوجيه- نظراً من حيث إنه يقتضي اختصاص الاكتفاء بالتعريض بالنسبة إلى الزنى، أما في غيره فلا، وقد أفهم كلامه أولاً الاكتفاء بالتعريض فيه، و [في] كل ما ينسبه إليه.
قال: وإن سأل المدعي أن يحبسه [حتى] تثبت عدالتهم حبس؛ لأن الظاهر عدالة الشهود، وإنما يتوقف الكشف عن جرحهما، ولأن المدعي قد فعل ما عليه من إحضار البينة، وبقي على الحاكم ما عليه من معرفة العدالة؛ [كذا] قاله الماوردي وابن الصباغ في كتاب اللعان، وهو مختار أبي إسحاق المروزي كما حكيناه عند الكلام في المحبسين، والذي صححه البغوي، وقال في "المهذب":
стр. 8860
إنه ظاهر المذهب، وبه جزم القاضي أبو الطيب قبيل كتاب الدعاوى؛ حيث قال: إنه يحبس قولاً واحداً.
وعلى هذا: فلا تتقيد مدة حبسه، والمرجع فيها إلى القاضي كما قاله في "البحر".
وفي "الرافعي" أن العراقيين والقاضي الروياني قالوا: إن الحبس قبل التعديل يبقى إلى ظهور الأمر للقاضي بالتزكية [أو الجرح]، ولا تتقدر له مدة. وكذا رأيته في "تعليق" البندنيجي قبيل باب القضاء على الغائب، ولم يحك الإمام سواه في آخر باب الشهادة على الوصية، ووراء ذلك وجوه [أُخر]:
أحدها- حكاه القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما عند الكلام في المحبسين-: أنه لا يحبس، وهو رأي الإصطخري، وقد حكاه المصنف والبغوي ها هنا، ولم يحك القاضي الحسين في باب الشهادة على الوصية سواه، وأشار إليه الإمام [ثم]، ووجهه: أن الأصل براءة الذمة، والحق لا يوجبه إلا ظهور العدالة، ولم تظهر، مع أنه عقوبة في الحال.
وهذا ما رجحه القاضي الحسين قبيل كتاب الدعاوى، وقال: إن الأول لا يصح. بعد أن نسبه إلى قول العراقيين من أصحابنا، لكنه يطالب بكفيل، وحينئذ فيكون اختياره: أنه لا يحبس، ويطالب بكفيل، وقد حكاه البغوي وجهاً آخر هكذا، وقال: إن له ملازمته على طلب الكفيل. [قال]: وإذا بعث القاضي معهما رجلاً يستكفل، فالأجرة على المدعي.
الثالث: قال الإمام في كتاب اللعان: إني وجدت في بعض الطرق رمزاً إلى أن المدعى عليه لا يحبس في القذف والحد.
следующие страницы →