← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 8961–9000 · переход к 8966.

стр. 8961

وهذا القول صححه البندنيجي والإمام، وتبعه الغزالي وابن أبي الدم، [و] إليه ميل [القاضي] أبي الطيب وابن الصباغ. وعلى هذا [القول] قال الماوردي والروياني: يستظهر القاضي أمرين: أحدهما: أن ينادي: هل من منازع؟ والثاني: يحلفهم: [إنه] لا حق فيه لغيرهم، لكن هذه اليمين واجبة أو مستحبة؟ فيه وجهان. وعلى الأول لا تجوز له القسمة قبل التحليف. وقد حكى الرافعي أن في كتاب أبي الفرج السرخسي وجهاً: أنه لا يحتاج القاضي إلى أن يكتب أنه قسم بينهم بدعواهم، وهذه الطريقة التي حكاها الشيخ لم يورد القاضي الحسين غيرها، وحكاها الماوردي عن الأكثرين، وقال الرافعي: إنها أظهر الطريقين. والثانية حكاها القاضي أبو الطيب [وابن الصباغ والماوردي، وغيرهم يقطع بالقول الأول، وبهذا قال أبو الطيب] بن سلمة، وأن القول الثاني حكاية لمذهب الغير؛ فإنه قال في "المختصر" بعد حكاية القول الأول: وقد قيل: يقسم، ويشهد أنه قسمها على إقرارهم، ولا يعجبني ذلك. قال في "البحر": وهذه الطريقة أصح. وقد فهم مما ذكرناه أنهم لو أقاموا بينة بالملك لقسم بينهم قولاً واحداً، وهو المنصوص. واعترض ابن سريج فقال: إنما تقام البينة وتسمع على خصم، ولا خصم هاهنا. وأجاب ابن أبي هريرة بأن القسمة تتضمن الحكم لهم بالملك، وقد يكون لهم خصم غائب؛ فتسمع البينة ليحكم لهم عليه. وفي هذا الجواب نظر. ويكفي في البينة شاهد وامرأتان، قال ابن كج: ولا يكفي شاهد ويمين؛ لأن اليمين إنما تشرع حيث يكون هناك خصم ترد عليه إن فرض نكول.

стр. 8962

وعن ابن أبي هريرة أنه يكفي. قلت: وهو موافق لجوابه السابق. والإمام أعرض عن ذلك، وقال: إن ثبت عند القاضي ملكهم بطريق من الطرق أجابهم. ثم ليعلم أن الخلاف في جواز إقدام القاضي على القسمة في مسألة الكتاب إذا جاءوا إليه راضين بها، أما وجوبها عليه فلا خلاف في عدمه؛ كما قاله القاضي الحسين، والفوراني، وصاحب "البحر". وعكس الإمام فقال: وليس ينقدح عند الامتناع من القسمة وجه. نعم، يجوز القطع بجواز القسمة، وأما وجوبها ولم يثبت بعد عند القاضي الملك، فهذا فيه تردد من جهة أن الوجوب يجوز أن يستدعي موجباً، فأما الجواز فيكتفي فيه بظاهر الحال. وحكى في [حالة] مجيء واحد منهم طالباً وامتناع الباقين، طريقين: إحداهما: يجيب في هذه الحالة؛ ليقطع الخصومة. والثانية: طرد القولين. أما إذا كان ثم منازع في الملك، ففي "الحاوي": أنه لا يجوز للحاكم إذا حكم لهم به بأيديهم أن يقسمه بينهم مع ظهور المنازع إلا ببينة تشهد به لهم، وهذا مما لا يختلف فيه قوله؛ لأن قسمة الحاكم إثبات لملكهم، واليد توجب إثبات التصرف، ولا توجب إثبات الملك. وكذا قال فيما لو تنازعوا هم في ذلك، فادعى كل واحد ملك الجميع؛ فإن الحاكم يجعله في أيديهم، ولا يجوز أن يقسمه بينهم إن سألوه؛ لأن في تنازعهم إقراراً بسقوط القسمة. نعم، لو تقاسموا بأنفسهم لم يمنعهم، وادعى في "البحر" أنه لا خلاف فيه. تنبيه: قول الشيخ: "في ملك"، يشمل ما إذا كان التنازع في عقار أو غيره من

стр. 8963

المنقولات، ولا شك في جريان ما قلناه في العقار، وأما المنقولات فقد حكى ابن كج فيها طريقين: أظهرهما في "الرافعي"- وبه جزم البندنيجي، والبغوي، وغيرهما-: أنه كالعقار. [والثاني: القطع بأنه يقسم وإن لم تكن بينة؛ لأن العقار] يتأبد ضرره، فيكون أجدر بالاحتياط؛ ولذلك خص بإثبات الشفعة. قال: فإن كان في القسمة رد، اعتبر التراضي في ابتداء القرعة؛ لأنه لا إجبار فيها- كما تقدم- وما لا إجبار فيه يعتبر فيه التراضي؛ كالبيع. قال: وبعد الفراغ منها على المذهب؛ لأن القسمة المشتملة على الرد بيع، والبيع لا يحصل بالقرعة؛ فافتقر إلى الرضا عند خروجها، ويتعين المبيع. وإلى هذا أشار الشافعي بقوله في "المختصر": "وإن كان في القسمة رد، لم يجز حتى يعلم كل واحد منهم موضع سهمه، وما يلزمه ويسقط عنه، فإذا علم كما يعلم البيوع التي تجوز أخذ به لا بالقرعة". تنبيه: [وقيل:] لا يعتبر التراضي بعد خروج القرعة، أي: فيلزم من خرج له الأكثر بذل ما يقابل الزائد؛ قياساً على قسمة الإجبار؛ فإن القرعة فيها ملزمة. وهذا قول الإصطخري، وضعفه الأصحاب، وفرقوا بأن هذه القسمة يعتبر التراضي في ابتدائها، بخلاف قسمة الإجبار. تنبيه: ظاهر قول الشيخ يقتضي أموراً: أحدها: إجراء القرعة في قسمة الاختيار، وهو الذي جزم به البندنيجي وغيره. وفي "الحاوي": أنهم لو تراضوا بإخراج القرعة ففي جواز الإقراع وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لأنه بيع، وليس في البيع قرعة. والثاني: يجوز؛ تغليباً لحكم القسمة، واعتباراً بالمراضاة. الثاني: حيث يجوز الإقراع فلا فرق في اعتبار التراضي بين أن يكون المخرج

стр. 8964

لها قاسماً من جهة الحاكم أو غيره. وفي "الحاوي": أن المخرج لها إن كان قاسماً من جهة الحاكم فلا خيار لهم بعد القرعة، وإن كان من قبلهم ثبت لهم الخيار بعد القرعة، وهل هو خيار عيب، فيكون على الفور، أو خيار مجلس؛ فيكون على التراخي إلى أن يتفرقا؟ فيه وجهان. الثالث: أنه يكفي فيه التراضي دون الإتيان بلفظ البيع أو التمليك، وهو ما ادعى الرافعي: أنه الظاهر، ولم يذكر الماوردي سواه؛ فإنه قال: وتتم القسمة بينهم بالمراضاة بعد التلفظ بالتراضي؛ لأن البيع لا يصح إلا باللفظ؛ فيكون تلفظهم بالتراضي جارياً مجرى البذل والقبول، والصيغة- كما قاله غيره- أن يقولا- إن كانا اثنين-: رضينا بهذه القسمة، أو: بما أخرجته القرعة، أو: بما جرى. وفي "التهذيب"، و"الكافي": أنه لا بد من لفظ "البيع" أو "التمليك" في هذه القسمة، وطرداه في كل قسمة تفتقر إلى التراضي، والله أعلم. قال: فإن لم يكن فيها رد، فإن تقاسموا بأنفسهم، لزم [ذلك] بإخراج القرعة؛ لحصول مقصودهما بفعلهما، وهذا لم أر له ذكراً هكذا في غير هذا الكتاب، بل المنقول في "تعليق" البندنيجي: أنه [لا يلزم إلا] بالتراضي حتى [بعد] خروج القرعة، قولاً واحداً. وفي "النهاية" ما يقرب منه؛ فإنه قال: لا بد في هذه الصورة من الرضا بعد القسمة؛ إذ لا متوسط بينهما حتى تكون قسمة مستندة لرضاهما. ثم قال: هذا هو الظاهر، وفيه احتمال؛ فإنه لو توسطهما قاسم، لكان التعويل على قسمته، لا على عينه. وفي "تعليق" البندنيجي في موضع آخر من الباب: أن كل قسمة يشترط التراضي في ابتدائهما، فهل تفتقر إلى التراضي في انتهائها وهو بعد القرعة؟ فيه وجهان، سواء كان فيها رد أو لم يكن.

стр. 8965

قال: وإن نصبوا من يقسم بينهم- أي: حَكَمًا – اعتبر التراضي بعد خروج القرعة على المنصوص؛ لأن هذه قسمة لا بد في ابتدائها من التراضي؛ فكذلك في الانتهاء كقسمة الرد؛ وهذا ما قطع به المراوزة كما قاله الإمام، وبه أجاب الشيخ أبو حامد كما قال الرافعي، وقال: إن إليه مال المعتبرون. وعلى هذا: فهل يكفي أن يقول كل واحد بعد خروج القرعة: رضيت بهذه، وما في معناه، من غير اشتراط ذكر القسمة؛ إذ كان صدر القسمة قد صار عن تراض أم لا بد أن يقول: رضيت بهذه القسمة، [أو: قاسمتك، أو يذكر عبارة عن مقصود القسمة] من التمييز، والتفاضل، وما أشبههما؟ فيه وجهان حكاهما الإمام عن العراقيين، وأشار في "الوسيط" إلى أنهما مبنيان على قولنا: إن القسمة بيع. وحكى الإمام عن العراقيين وجهاً آخر: أن الشركاء إذا استمروا على الرضا حتى خرجت القرعة، لزم حكمها لهم؛ كما لو أحدثوا التراضي بعد القرعة؛ وهذا ما عبر عنه الغزالي بقوله: إنه يكفي عند العراقيين السكوت بعد خروج القرعة. وبين العبارتين فرق بين. ولم يحك الإمام خلافاً في عدم اشتراط الإتيان بلفظ "البيع" أو "التمليك" إذا أنشئوا الرضا بعد القرعة؛ وهذا ما عبر عنه الغزالي بقوله: إنه يكفي عند العراقيين السكوت بعد خروج القرعة. وبين العبارتين فرق بين. ولم يحك الإمام خلافاً في عدم اشتراط الإتيان بلفظ "البيع" أو "التمليك" إذا أنشئوا الرضا بعد القرعة. وقال في "الوسيط": إن العراقيين أجمعوا على ذلك وإن قلنا: إن القسمة بيع. وفي "التهذيب" و"الكافي" حكاية وجهين في اشتراط ذلك؛ بناء على قولنا: [إن] القسمة بيع.

стр. 8966

وإيراد البغوي يقتضي ترجيح الاشتراط. [وقيل فيه] قول مخرج من التحكيم: أنه لا يعتبر التراضي؛ لأن القاسم مجتهد في تعديل السهام والإقراع؛ فلزم الرضا بعد قرعته؛ كالحاكم، وهذا مفرع على القول الصحيح الذي جزم به المعظم في جواز التحكيم في الإقراع. أما إذا كانوا قد نصبوا من يقسم بينهم وكيلاً [عنهم]، فلا تلزم قسمته إلا بالتراضي بعد إخراج القرعة جزماً؛ صرح به القاضي أبو الطيب، وتبعه ابن الصباغ، وسنذكره ثانياً؛ لغرض فيه. قال: وإن ترافعوا إلى الحاكم، فنصب من يقسم [بينهم]- أي: قسمة هو مجبر فيها- لزم ذلك بإخراج القرعة؛ لأن به يحصل مقصود الإجبار، ولأنه لما لم يعتبر التراضي في ابتدائها، لم يعتبر في انتهائها. ولأن قرعة القاسم من جهة الحاكم كحكم الحاكم الصادر عن الاجتهاد، ومن هذا الوجه ألحق الشافعي القاسم بالحاكم حيث قال: "القسام حكام"؛ كما قاله القاضي أبو الطيب، والحسين، وابن الصباغ. والبندنيجي قال: إنه أراد تشبيهه بالحاكم من هذا الوجه وفي اشتراط العدالة، لا في جميع الصفات. وفي "الحاوي" أنه إنما قال: "إنهم حكام"؛ لأمرين: أحدهما: أنهم يوقعون القسمة جبراً؛ كما يجبر الحاكم في الأحكام. وهو راجع إلى ما قاله الأولون. والثاني: أنهم يستوفون الحقوق لأربابها كاستيفاء الحاكم. وفي "النهاية" أنا إذا قلنا: [إن] القسمة الجبرية بيع؛ فلا يبعد أن يجبر كل واحد على أن يقول: بعت مالي في نصيبك بمالك في نصيبي. ثم قال: وهذا لم يشترطه أحد من الأصحاب. قال: ولا يجوز للحاكم أن ينصب للقسمة إلا حراً- أي: كامل الحرية- بالغاً،

стр. 8967

عاقلاً، عدلاً- لأن هذه ولاية من جهته، ومن لم يتصف بذلك فليس بأهل للولايات- عالماً بالقسمة، [أي: لمعرفته بالحساب والمساحة؛ لأنهما آلة القسمة] كما أن الفقه آلة القضاء. واعتبر الماوردي والبغوي في هذا الباب وراء ذلك: أن يكون قليل الطمع نزيه النفس؛ حتى لا يرتشي فيما يلي ويخون. وقال الماوردي وغيره عند الكلام في صفة كاتب القاضي: إن الشافعي قال: والقاسم في صفة الكاتب، عالم بالحساب، لا يخدع. ثم قال: وهذا صحيح؛ لأن القاسم أمين الحاكم؛ فوجب أن يكون على صفات الكاتب في من العدالة، والأمانة، واستكمال الأوصاف الأربعة، أي: المذكورة ثم. ونزيد عليها: أن يكون عارفاً بالحساب والمساحة، وأن يكون عارفاً بالقيم؛ فإن خفيت عليه القيمة؛ لاختلاف الأجناس المقومة، لم يكن ذلك تقصيراً في صنعته، ورجع الحاكم في التقويم إلى غيره. والقاضي أبو الطيب والبندنيجي قالا: يستحب أن يكون عارفاً بذلك، جاز، ويسأل مقومين عدلين عن قيمة ما يقسمه إذا أراد أن يقسم. وتبعهما في ذلك ابن الصباغ. وفي "تعليق" القاضي الحسين حكاية وجهين في احتياج القاسم إلى معرفة ذلك، حكاهما الرافعي عن رواية أبي الفرج الزاز. وقد استغنى الشيخ وغيره عن التصريح باشتراط الذكورة وإن كانت معتبرة- كما صرح به الرافعي- بإطلاق ما ذكروه؛ [فإن المفهوم منه الذكورة]؛ على أن في بعض النسخ ذكرها. أما الشركاء إذا أرادوا أن ينصبوا من يقسم بينهم: فإن لم يجعلوه حكماً في ذلك، بل وكيلاً، جاز أن يكون عبداً، وفاسقاً؛ كما صرح به البندنيجي، والقاضي أبو الطيب، وابن الصباغ، وأفهمه كلام الماوردي.

стр. 8968

ووجهه القاضي بأنه نائب عنهم في القسمة، ووكيل لهم فيها، ولو اقتسموا هم جاز ذلك على أي حال كانوا؛ فكذلك إذا وكلوا رجلاً عنهم في القسمة، جاز على أي حال كان، قال: غير أنه إذا قسم وأقرع بينهم، لم تلزم القسمة حتى يقع التراضي بها بين الشركاء بعد الإقراع، وعلى هذه الحالة يحمل كلام الشيخ في "المهذب". وفي "الرافعي": أنه ينبغي أن يكون توكيل العبد في القسمة على الخلاف في توكيله في البيع والشراء. وإن كانوا قد جعلوه حكماً يحكم بينهم في القسمة، فقد أطلق البندنيجي، والقاضي أبو الطيب، وصاحب "المرشد" القول باعتبار صفات القاسم المنصوب من جهة الحاكم فيه. وقال ابن الصباغ بعد حكاية ذلك- أيضاً-: ينبغي إذا قلنا: لا تلزمهم- أي: قسمته- إلا بتراضيهم، ألا يشترط في الابتداء الحرية والعدالة. [قلت]: وفيما قاله نظر: بل لا ينبغي جواز ذلك وإن قلنا: لابد من التراضي بعد القرعة؛ لأن القائل بهذا يجعل تمام التحكيم موقوفاً على هذا الرضا؛ كما قال بمثله في التحكيم في الأموال، وإذا كان [كذلك فالقسمة] الواقعة من المحكم إذا رضي بها الشركاء بعد الإقراع- قسمة من حاكم؛ فاعتبرت فيه صفات الحاكم؛ كما أنا نعتبرها في المحكم في الأموال وإن لم يلزم حكمه إلا بالرضا بعده، والله أعلم. قال: وإن لم يكن في القسمة تقويم- أي: وقد أمر بها الحاكم جبراً- جاز قاسم واحد؛ لأن قسمته تلزم بنفس قوله كحكم الحاكم؛ فاكتفى فيها بالواحد؛ كالحكم؛ وهذا ما أورده القاضيان: أبو الطيب والحسين، والبندنيجي، والمعظم؛ كما قال الرافعي، وبه قطع قاطعون؛ تمسكاً بقول الشافعي: "القاسم حاكم". وفي "الحاوي": أنه قال في موضع آخر: إذا لم يكن في القسمة تعديل ولا تقويم، أمر الحاكم الشركاء أن يجتمعوا على قاسمين. وظاهر هذا أنه لا يجزئ قاسم واحد؛ ولأجل ذلك قال [أكثر] الأصحاب: في المسألة قولان: أحدهما: يجزئ قاسم واحد؛ كما يجوز كيال واحد، [ووزان واحد].

стр. 8969

والثاني: لا يجوز أقل من قاسمين؛ كما لا يجزئ أقل من مقومين، وكما لا يجزئ في جزاء الصيد أقل من مجتهدين، ولا يمتنع إذا كان القاسم كالحاكم أن يجمع فيه بين اثنين؛ كما قال- تعالى-: ﴿فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥]. والغزالي حكى القولين، [وقال: إن] مأخذهما أن منصبه منصب الحاكم، أو منصب الشاهد؟ وحكى الماوردي عن بعضهم: أنه منع الخلاف في المسألة، ونزل النصين على حالين؛ فقال: إن كان في الشركاء طفل أو غائب لا يجيب عن نفسه لم يجزئ أقل من قاسمين، وإن كانوا حضوراً يجيبون عن أنفسهم، أجزأ قاسم واحد. وفي "النهاية": أن صاحب "التقريب" قال: إن كان في الشركاء طفل، أو مجنون، فلا بد من قاسمين، وإن لم يكونا فعلى قولين. ثم قال: و [هذا] ليس فقهاً متيناً؛ فإن ما يدعى من العدد في البينات لا يختلف بأمثال [ما] ذكره. وبهذه الطريقة يتحصل في المسألة أربعة طرق. قال: ون كان [فيها] تقويم، لم يجز إلا قاسمان، لأن التقويم لا يثبت إلا باثنين؛ [وهذا ما] حكاه الماوردي، والبندنيجي، وصاحب "التهذيب"، و"الكافي"، و"البحر"، وقضيته: أن الحاكم لو فوض للقاسم سماع البينة بالتقويم، وأن يقسم وحده بعد ثبوت ذلك عنده- أنه [لا] يكتفي بذلك، وقد قال الإمام: إن ذلك سائغ، وعليه ينطبق ما حكيناه عن القاضي أبي الطيب وغيره عند الكلام في صفة القاسم. [ثم قد ينقدح] على ما قاله الشيخ وغيره [سؤال وجواب] يتحرك بهما فوائد، فيقال: فلو فوض الحاكم إلى مقوم أن يحكم بالتقويم باجتهاده، لم يكف؛ كما رآه الإمام، ولم يحك سواه، وتبعه الغزالي في ذلك. وإذا كان كذلك فينبغي إذا كان القاسمان هما المقومان- كما هي صورة الكتاب-

стр. 8970

ألا يجوز أيضاً؛ بناء على هذا؛ لأن الذي امتازت به هذه الصورة عما ذكرناه- إن كان الحاكم قد فوض أمر التقويم إليهما- موافقة أحدهما للآخر في الاجتهاد، وذلك لا يوجب ثبوت القيمة التي يترتب عليها القسمة، وإنما قلنا: إنها لا توجب ثبوت القيمة؛ لأن كل واحد منهما في نفسه قد قلنا: إنه لا يجوز أن يعتمد في حكمه بالقيمة على اجتهاده خاصة، وصاحبه إن شهد عنده بشرط الشهادة فلا تثبت القيمة به وحده؛ فإنه لا خلاف على المذهب: أنها لا تثبت بأقل من اثنين؛ فلم يوجد ما يقتضي الثبوت. ولا يقال- أيضاً-: بتخريج الحكم في مثل هذه الصورة بالقيمة، على خلاف سبق ذكره في أنا إذا قلنا: لا يقتضي القاضي بعلمه، فشهد شاهد عنده بما علمه، هل يقضي إذ ذاك أم لا؟ لأن المستند ثم العلم، وهاهنا هو ظن. ولا خلاف عندهم: أن القاضي لا يقضي بظنه المستند إلى [غير] قول شاهدين، أو شاهد ويمين، ونحوهما، إلا في التعديل- على رأي قطع به بعضهم – لاتساع النظر في التعديل والجرح، وخروجهما عن الضبط، وليس التقويم كذلك؛ فإنه أمر قريب من الضبط، والرجوع فيه إلى معرفة قيم الأمثال مع تداني الصفات. وطريق الجواب: أن يقال: ما ذكره الإمام وغيره من منع تفويض الحكم في التقويم إلى شخص باجتهاده، مفروض فيما إذا فوض إليه التقويم خاصة؛ ليخبر به القاسم أو الحاكم، أما إذا كان هو القاسم فقد يمنع ذلك؛ فإن ثبوت القيمة يقع تبعاً، والتابع قد لا يشترط فيه ما يشترط في المقصود، ويستأنس لذلك بأن الإمام جزم القول بأن القاضي لو فوض إلى شخص التزكية، لا يجوز أن يحكم فيها باجتهاده؛ لأن حاصل ذلك يرجع إلى رد شهادة مزكيين إلى واحد، وذلك غير محتمل فيما يشترط فيه العدد، وجزم هو وغيره بأن للقاضي أن يحكم في التعديل باجتهاده؛ ففرق بين أن تقع التزكية مقصودة، وبين أن تقع تابعة لغيرها، فكذلك نقول هاهنا. فإن قلت: باب التقويم مغاير لذلك؛ فإن الأصحاب سووا فيه بين من فوض إليه التقويم وبين القاضي في كون كل واحد منهما لا يقضي [فيه] باجتهاده، وإذا

стр. 8971

كان كذلك لم يحسن ما قلته. قلت: قد حكى الإمام عن الأصحاب في أن القاضي هل يقضي في التقويم باجتهاده- طريقين: إحداهما: القطع بالمنع؛ لأن القاضي ليس له أن يقضي بما لا يتحققه ويعلمه ببصيرة نفسه، وهذا منه. والثانية: طرد القولين في القضاء بالعلم، فإن قلنا بالجواز اندفع السؤال من أصله، وإن قلنا بالمنع فجوابه: أنا ذكرنا ذلك على سبيل الاستئناس، لا أنه دليل الحكم، وإذ قد بطل كونه مستأنساً، لم يضرنا ذلك في الجواب، والله أعلم. وقد جمع في "الذخائر" بين هذه المسألة والتي قبلها، وقال: في اعتبار العدد لأصحابنا أربع طرق: إحداها- وهي طريقة العراقيين-: ما ذكره الشيخ. والثانية: إن كان فيها تقويم فلا بد من اثنين، وإن لم يكن فيها تقويم فقولان. والثالثة: أن المسألة على قولين من غير تفصيل: أحدهما: يكتفي بواحد؛ كالقاضي. والثاني: لا بد من اثنين. والرابعة- قالها صاحب "التقريب"- إن تعلقت القسمة بصبي أو مجنون، فلا بد من العدد، وإلا فلا. وهذا الذي ذكره يفهم: أن القسمة إذا كان فيها تقويم يجيء فيها الطريقة الثالثة والرابعة، ولم أرهما في غيره. قال: وإن كان فيها خرص، ففيه قولان: أحدهما: يجوز واحد؛ لما روت عائشة- ﵂ "أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ كَانَ يَبْعَثُ عَبْدَ اللهِ بْنَ رَوَاحَةَ خَارِصاً؛ فَكَانَ يُخَيِّرُ اليَهُوْدَ، فَيَقُولُ: إِنْ شِئْتُمْ فَلَكُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَلِي". ولأن الخارص لا يخلو عن نوع مجازفة، فلو فرضنا خارصين، لبعد اتفاقهما،

стр. 8972

وفيه تعطيل التعويل على الخرص. والثاني: لا يجوز إلا اثنان؛ إلحاقاً له بالتقويم؛ لشبهه به. قال الإمام: وهو القياس؛ فليس يتجه بين المقوم والخارص فرق؛ فإن كل واحد منهما يبني قوله على التخمين والحدس مع الاستمساك ببصره عنده. والقائلون بالأول- وهو الصحيح عند النواوي وغيره- فرقوا بأن الخارص يجتهد، ويعمل باجتهاده، فكان كالحاكم، والمقوم يخبر بقيمة الشيء، فهو بمنزلة الشاهد؛ فاحتيج إلى اثنين. أما إذا لم تكن القسمة [بأمر] الحاكم، بل المفوض لها الشركاء- ففي "الحاوي"، و"البحر": أنهم يحملون في العدد على ما اتفقوا عليه من واحد أو اثنين؛ كما حملوا فيه على اختيارهم القاسم وإن لم يكن مختاراً. قالا: ولا يقبل الحاكم قول هذا القاسم؛ لأنه ليس بنائب عنه، ولا يسمع شهادته؛ لأنه شاهد على فعل نفسه. وسيأتي الكلام في هذا، إن شاء الله تعالى. فرع: حيث قلنا: يكفي قاسم واحد، يقبل الحاكم قوله وحده؛ لاستنابته له؛ كما يقبل قول خلفائه. وحيث قلنا: لابد من اثنين، لم يقبل قول الواحد، وقبل قول الاثنين؛ قاله في "الحاوي"، و"البحر". ثم قال الروياني: ولا يفتقر القاسم إلى لفظ الشهادة، وقال بعض أصحابنا: فيه وجهان، وليس بشيء. وكأنه- والله أعلم- يشير إلى الفوراني؛ لأن الوجهين في "الإبانة". قال: وأجرة القاسم- أي: المنصوب من قبل القاضي- من بيت المال- أي: من سهم المصالح- لأن نصيبه من المصالح. قال القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ: وللإمام أن يستأجره بأجرة مقدرة، أو يجعل له رزقاً راتباً؛ لأنه بمنزلة الحاكم، وقد كان لعلي- كرم الله وجهه-

стр. 8973

قاسم هو عبد الله بن يحيى، وكان يعطيه [رزقه] من بيت المال. وفصل الماوردي فقال: إن كثرت القسمة والطلب، فرض أرزاقهم مشاهرة من سهم المصالح، وإن قلت أعطوا منه أجرة كل قسمة. وعن "شرح مختصر" الجويني حكاية وجه عن أبي إسحاق: أنه لا يرزق القاسم من بيت المال؛ لأنه لا يحتاج إلى تفريغ النفس والعمل، بخلاف القاضي. قال: فإن لم يكن، فعلى الشركاء- أي: إن لم يجدوا متبرعاً- لأنه يعمل لهم. قال الماوردي: ولا تمنع نيابة القسام [عن القضاة] أن يعتاضوا عن القسمة، بخلاف القضاة الممنوعين من الاعتياض على الأحكام من الخصوم؛ لوقوع الفرق من وجهين: أحدهما: أن في القضاء حقاً لله- تعالى- فمنع به القضاة من الاعتياض عنه، والقسم من حقوق الآدميين المحضة؛ فجاز للقسم الاعتياض عنها. والثاني: أن للقاسم عملاً يباشره بنفسه؛ فصار كصانع الأعمال في جواز الاعتياض عنها، والقضاة مقصورون على الأوامر والنواهي التي لا يصح الاعتياض عنها. وفي "البحر" فرق آخر، وهو أن القضاة يعملون للشرع، وينوبون عن كافة المسلمين؛ فإن الحكم من فرائض الكفايات، [والقسمة لا تفرض على الأعيان ولا على الكفاية]. قال: ويقسم عليهم على قدر أملاكهم؛ لأنها مؤنة لزمت الملك المشترك؛ فوجب أن تقسط على قدر الأنصباء؛ كنفقة العبد المشترك، والبهيمة؛ وهذا ما حكاه العراقيون والماوردي، وهو المنصوص في "المختصر". وحكى المراوزة مع هذه الطريقة طريقة أخرى، وهي إجراء قولين في المسألة: أحدهما: أنها على الأنصباء. والثاني: أنها على عدد الرؤوس؛ [على ما قاله القاضي الحسين].

стр. 8974

وهما مبنيان على أن الشفعة تقسم على قدر الأنصباء، أو على عدد الرؤوس؟ وفيه قولان سبقا. قلت: وقد حكيت عنه في باب الشفعة: أن القولين في أن [الشفعة [تقسم] على قدر الأنصباء، أو على عدد الرؤوس-[مبنيان] على القولين في أن] مؤنة القسمة تكون على قدر الأنصباء، أو على عدد الرؤوس؟ وهذا متناقض، فليت شعري ما الصحيح من البناءين؟ وقد تمسك بعضهم في جعل مؤنة القسمة على عدد الرؤوس بأن العمل في النصيب اليسير كالعمل في النصيب الكثير؛ لأنه لا يتميز أحدهما من الآخر؛ فالعمل في الجميع، وإذا كان العمل فيهما واحداً، استووا في الأجرة. وبعضهم قال: العمل في اليسير أكثر منه في الكثير؛ لأن الحساب في الجزء اليسير أغمض، ولأن القسمة تقع بحسب أقل الأجزاء، فإن لم يجب على من قل نصيبه زيادة، فلا أقل من التساوي. والأصح باتفاق الأصحاب: الطريق الأول؛ لأنه قد يقل سهم أحد الشريكين حتى يكون سهماً من مائة سهم؛ فلو ألزم نصف الأجرة، لجاز أن يستوعب قيمة ملكه؛ فيؤدي إجازة ملكه بالقسمة إلى إزالة ملكه بها، وهذا مدفوع في المعقول، والقائلون به فرقوا بينه وبين الشفعة بشيء يحصل به الجواب عما ذكره من انتصر للقول الثاني بما ذكرناه أولاً، وهو أن الشفعة شرعت لإزالة الضرر، وقطع ضرر الدخيل، وضرر صاحب اليسير كضرر صاحب الكثير؛ فاستويا في قدر الشفعة، وأجرة القاسم تستحق بالعمل، والعمل لصاحب الكثير أكثر؛ فإنه يكيل لصاحب العشر مرة، ولصاحب الباقي تسع مرات. وإن كان ذلك في أرض، فإنه إذا فرغ من العمل والتمييز، يعلم أن العمل الذي [وقع] في أكثرهما أكثر؛ فإنه إذا ذرع ذراعاً كان سدسه لصاحب السدس، وخمسة أسداسه لصاحب الباقي؛ فوجب أن يختلف الأجر

стр. 8975

باختلاف الأنصباء، وإن كان العمل لا يتميز؛ ألا ترى أن الشريكين إذا استأجرا راعياً؛ ليرعى لهما مائة شاة بينهما، ولأحدهما عشرها- فإن الأجرة تكون على الأنصباء، وإن كان حفظ العشر منها لا يحصل إلا بحفظ الجميع ومراعاته؟ كذا قاله أبو الطيب. وليعلم أن المسألة مصورة بصورتين: إحداهما: أن يكون الحاكم قد أمر بالقسمة، ولم يسم للقاسم شيئاً؛ فإن أجرة المثل- كما قال الماوردي، وصاحب "البحر"- واجبة [له] عليهم، وفي هذه الحالة لو تولى القسمة اثنان، استحق كل منهما أجرة مثله. وفي معنى هذه الصورة: ما إذا دعا الشركاء القاسم إلى القسمة، ولم يسموا [له] أجراً، وقلنا باستحقاقه الأجرة إما على وجه مطلقاً، أو على وجه إن كان القاسم ممن يأخذ الأجرة، دون ما إذا كان لا يأخذها؛ كما حكاه الماوردي. الثانية: أن يستأجره الشركاء بعقد واحد بأجرة مطلقة، فيستحقها عليهم، وهذه الصورة أوردها العراقيون والمراوزة. ولو كان المستأجر فيها على القسمة اثنين استحقا المسمى لا غير، وفي كيفية اقتسامهما إياه وجهان في "الحاوي". أحدهما: [أنه] يقسم نصفين؛ اعتباراً بالعدد. والثاني: أنه يقسم على قدر أجرة مثليهما؛ اعتباراً بالعمل. ولو استأجر كل واحد منهم القاسم في حقه خاصة دون شركائه، قال الماوردي، والبندنيجي، وابن الصباغ، وغيرهم: فهذا جائز، ويختص كل واحد منهم بإلزام ما سماه، ولا فرق بين أن يتساووا أو يتفاضلوا، وهذا مما لا خلاف فيه عندنا، وعليه نص الشافعي. وفي "النهاية" أن هذا ظاهر فيما إذا فرض اجتماعهم على الاستئجار؛ قال الرافعي: بأن [قالوا:] استأجرناك؛ لتقسم بيننا كذا بدينار على فلان، ودينارين على فلان،

стр. 8976

أو وكلوا وكيلاً فعقد لهم كذلك. والصورة الأولى هي التي يقتضيها كلام أبي الطيب. قال الإمام: أما إذا فرضت عقود مترتبة؛ بأن استأجر صاحب النصف القاسم على تمييز حصته، ثم استأجره صاحب الثلث على تمييز حصته، ثم استأجره صاحب السدس على تمييز حصته- ففيه سؤال أبداه القاضي الحسين في صحة إجارة الأجير؛ لأن الأولين [لما] استأجراه لإفراز نصيبهما [صار إفراز نصيبه مستحقاً- أيضاً- عليه؛ إذ لا يمكن إفراز نصيبهما] إلا بإفراز نصيبه، فإذا استأجره صادفت الإجارة عملاً مستحقاً عليه لغيره؛ فأشبه الإجارة على الإجارة. وأجاب عنه بأن إفراز النصيبين من غير عمل في نصيب الثالث بالمساحة والتخطي لأجلها، وإدخال اسمه في البنادق والقرعة- مما لا يتأتى، وهذه الأعمال غير مستحقة عليه بإجارة شريكيه؛ فيقع استئجار الثالث عليها. قال الإمام: وهذا لا يدرأ الإشكال، وسبيل الجواب: أن استئجار الأولين لا يتم الغرض منه ما لم يستأجر الثالث؛ فإن هذا مفروض في غير الإجبار، وكيف يتأتى التمييز إلا بالتصرف في جهة الثالث، ولامتناع التصرف في ملك الغير إلا برضاه، ولو فرضت الكلام في حالة الإجبار من جهة السلطان فهو ينزل المؤنة عليهم على اجتماع- كما تقدم- فليس مما نحن فيه. نعم، المشكل في غير صورة الإجبار- أن كل واحد من استئجار الأول والثاني بعيد عن التصرف؛ فإن القسمة من ضرورتها بسط العمل على الحصص؛ فكما أن الملك قبل القسمة غير متميز فعمل القسام غير متميز، وحينئذ فانفراد بعض الشركاء بالاستئجار على تمييز حصته باطل. ولو أراد أن يستأجر؛ ليغرم تمام الأجرة عن الكل: فإن لم يرضوا فكذلك؛ لما ذكرناه. وإن رضوا فهو متبرع عليهم، موكل عنهم في الاستئجار، فيصح؛ كما لو وكل الجميع وكيلاً في الاستئجار عنهم بتفاوت في الأجرة، ففعل ذلك في عقد واحد؛ فإن عمله استحق دفعة واحدة لهم، وغايته تخيل شيوع في

стр. 8977

العمل [المستحق]. ولخص في "الوسيط" ذلك، فقال: ليس لواحد أن ينفرد بالاستئجار بغير إذن الشريك؛ لأن تردده في الملك المشترك ممنوع [بدون الإذن؛ فيكون العمل ممنوعاً]، والإجارة فاسدة، بل يعقد واحد بإذن الباقين، أو الوكيل [بإذن الجميع]. وفي "البحر": أنه لو قال: أجرت نفسي منك؛ فأفرز نصيبك، وهو النصف من هذه الدار على كذا- صح إن رضي الباقون بالقسمة، أو كان بحيث لا يحتاج إلى رضاهم. فأما حيث يحتاج إلى الرضا ولم يرضوا [بعد] فعقده فاسد في نصيب هذا، والله أعلم. أما إذا عدل الشركاء عن القاسم المنصوب من جهة القاضي إلى قاسم ارتضوه، فأجرته عليهم وإن كان في بيت المال فضل، وتجب على جميعهم إن كان الطالب أحدهم، وأجبروا عليها؛ كما صرح به البندنيجي، والروياني، وغيرهما. وعن ابن كج رواية وجه عن ابن القطان: أنها على الطالب خاصة. والمشهور: الأول. وعلى هذا: فلا فرق بين أن يكون على الممتنع ضرر أو لا، وسواء كان يتيماً أم لا. وفي "الحاوي" وغيره: أنه إذا كان شريك الطالب يتيماً [وعليه] ضرر في القسمة، قال الشافعي: "ففي نفسي من أن أحمل عليه شيئاً، وهو مما لا يرضى له- شيء"، وأن الأصحاب اختلفوا في: ماذا أشار إليه: فقال بعضهم: أشار إلى أصل القسمة، فخرجها على وجهين: أحدهما: يمنع الطالب. والثاني: يجاب، وهو الذي أورده الفوراني والإمام؛ قياساً على رد الشيء عليه بالعيب.

стр. 8978

وقال آخرون: أشار إلى أجرة القسمة، لأن القسمة لا تمنع لحق الصغير إذا أجبرنا الكبير؛ لأن الصغر لا يمنع الحقوق؛ فيكون في لزوم الأجرة له وجهان: أحدهما: يلزمه الحاكم قسطه منها مع عدم حظه. والثاني: يقول الحاكم للطالب: إن أردت القسمة التزم المؤنة. وهذا ما أجاب به في "العدة"، وقال الفوراني: إنه أصح القولين. وإلى ذلك أشار في "البحر" بقوله: إن هذا اختيار أكثر أصحابنا بخراسان، وإلا فالإمام قال بعد حكايته عن رواية صاحب "التقريب"، والقاضي: إنه ضعيف، لا أصل له، وإن من العاملين به من طرده وإن لم يكن في القسمة ضرر على الطفل، وطلب من وليه القسمة، وهذا في نهاية الضعف. قلت: وهذا راجع إلى الوجه المحكي عن ابن القطان. قال: وإن طلب القسمة أحد الشريكين، وامتنع الآخر، نظر: فإن لم يكن على واحد منهما ضرر: كالحبوب، والأدهان، والثياب الغليظة- أي: التي لا تنقص قيمتها بالقطع- والأراضي، والدور- أجبر الممتنع؛ لأن الطالب يطلب الانتفاع بماله على الكمال، والخلاص من سوء المشاركة، فأجيب إليه؛ لإمكانه من غير إضرار بشريكه؛ كما لو اختلط له درهم بعشرة دراهم؛ كذا قاله أبو الطيب. وهذه القسمة تسمى: قسمة الإفراز والإجبار، وتتناول كل متساوي الأجزاء؛ حتى قال القاضي الحسين: إنها تجري في اللبن المسبوك في قالب واحد، بخلاف ما لو تفاوتت أشكاله لتفاوت القوالب؛ فإنه يكون كالعرض. ولا فرق فيها بين أن يتساوى الشريكان في الملك، أو تختلف حصتهما. وعن ابن كج حكاية وجه عن ابن [أبي] هريرة: أنه لا إجبار عند تفاوت الأنصباء؛ لأنه لا يمكن أن يدفع إلى صاحب السدس الجزء الثاني، ولا الجزء الخامس، وإنما يحسن الإجبار إذا استوى الشريكان في احتمال أخذ كل واحد من الأجزاء.

стр. 8979

وهذا التعليل ينفي إجراء هذا الوجه فيما إذا لم يكن في الملك سوى شريكين وإن اختلفت حصتهما، والمذهب: أنه لا فرق بين أن يكون في الملك شريكان أو شركاء؛ وعلى هذا: لو كان الشركاء في مثل هذه الأموال ستة على التساوي، والممتنع خمسة- قال في "الحاوي": قسم أسداساً، وأفرد للطالب سدسه، وكان خمسة أسداسه مشتركاً بين الباقين. ولو كان الطالب منهم اثنين؛ ليحوزا سهميهما مجتمعين، قسمت أثلاثاً، وأفرد لطالبي القسمة ثلثها مشتركاً بينهما، وكان الثلثان مشتركين بين الباقين. وإن طلبها ثلاثة؛ ليحوزوا سهامهم مجتمعة، قسمت نصفين، وأفرد أحد النصفين للطالبين، والنصف الآخر للممتنعين. [ثم] على هذا الاعتبار فيما زاد، ونقص، واجتمع، وافترق. واعلم أن ما ذكرناه مصور بما إذا كان التنازع في قسمة كل ثوب من الثياب المذكورة، أو أرض أو دار، [كما صرح به الأصحاب، وظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه لا فرق فيما ذكره في الأرض والدار] والثوب بين أن تتساوى أجزاء ذلك، أو تختلف وتعدل بالقيمة، وهو ما أورده البندنيجي وغيره. وفي "الحاوي": أن الثوب الواحد إذا اختلفت قيمته لاختلاف نقوشه وألوانه، قسم اختياراً لا إجباراً، [وإن تماثل، ولم يختلف، ولم تنقص قيمته بقطعه- ففي قسمته إجباراً] وجهان، وقد حكاهما الفوراني، وبناهما على جواز بيع ذراع من ذلك. وفي "البحر": أن قيمته إن انتقصت بالقطع، لم يجبر الممتنع، وإن لم تنقص فوجهان، ونسب هذا إلى الخراسانيين، وقال: [إن] ابن سلمة من أصحابنا قال: إنه يجوز بكل حال؛ لأن الثياب لا تنقسم بنفسها، بخلاف الدور.

стр. 8980

وقال الإمام: الأصحاب أطلقوا قسمة الدور، وأجروا فيها الإجبار كإجرائهم ذلك في العرصات، وهذا فيه نظر؛ فإن الدور تشتمل على أبنية وسقوف وبيوت وأروقة، وهي ذوات أشكال مختلفة، والأغراض في السكن تتفاوت تفاوتاً بيناً، وهذا زائد على الأغراض التي تفرض في العبيد، وقد أجري الخلاف في الإجبار على قسمتها؛ فكيف يطلق الوفاق في الإجبار على قسمة الدور مع ما وصفناه؟ فالوجه أن يقال: إن استوت الأبنية، وكان في شرقي الدار صفة بيت، وكذلك في غربها، ويتأتى التعديل بتبعيض العرصة؛ [فتشتمل كل حصة على ما تشتمل عليه الأخرى] من الأبنية- فيجوز أن يقال: يجري الإجبار على مثل هذه القسمة. فأما إذا اختلفت أشكال الأبنية؛ فيتعين عندي قطعاً تخريج الخلاف- أي: المذكور في قسمة النقل والتعديل- في إجراء القسمة فيها؛ لما أشرت إليه من تفاوت الأغراض، واختلاف المنافع؛ وهذا ما أورده في "الوسيط" و"الوجيز". وحكى عن الأصحاب أنهم قالوا: [إذا اختلفت قيمة جوانب العرصة؛ لقرب بعضها من الماء، بحيث يكون] الثلث بالمساحة نصفاً بالقيمة-: إنه يجبر على قسمتها كذلك، وأنهم لم يخرجوه على الخلاف. وفي "المهذب"، و"الحاوي"، و"البحر" حكاية قولين في الإجبار على هذه القسمة إذا لم يمكن قسمة الأكثر قيمة والأقل قيمة، والأصح منهما في "التهذيب": عدم الإجبار، وقال القاضي الحسين: إنه [المذهب. و] المذكور في "تعليق" البندنيجي، وهو اختيار الشيخ أبي حامد: مقابله. قالوا: وعلى هذا فأجرة القاسم توزع بحسب الشركة في الأصل، أم بحسب المأخوذ قلة وكثرة؟ فيه وجهان، أقربهما في "الرافعي": الثاني، وهو المختار في "المرشد". أما إذا أمكن قسمة الأكثر قيمة والأقل قيمة؛ كما إذا كان الجيد في مقدمها،

стр. 8981

والرديء في مؤخرها، وإذا قسمت بينهما نصفين، صار لكل واحد منهما من الجيد والرديء مثل ما لصاحبه من الجيد والرديء- فهذه تدخلها قسمة الإجبار كالمتساوية الأجزاء. وحكم الأرض التي يسقى بعضها بالنضح، وبعضها يسقى بالنهر- حكم ما ذكرناه. وكذلك قال البغوي فيما إذا كان [في] بعض الأرض شجر أو بناء، وبعضها خال، أو كانت الدار بعضها مبني بالآجر، وبعضها [مبني] بالخشب والطين. قال: وإن كان عليهما ضرر: كالجواهر، والثياب المرتفعة- أي: [التي] تنقص قيمتها بالقطع- والرحى، والبئر، والحمام الصغير- لم يجبر الممتنع. أما [في] الجواهر وما في معناها، فقد وافق الخصم- وهو الإمام مالك- عليه. وأما في الباقي؛ فلقوله ﷺ : "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الإِسْلَامِ". ولأن في ذلك إضاعة للمال، وَقَدْ نَهَى ﷺ عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ. وبالقياس على الجواهر. ثم بماذا يعتبر دخول الضرر؟ فيه أوجه ذكرناها في باب الشفعة. تنبيه: كلام الشيخ مصرح في الصورة المذكورة بامتناع الإجبار، ومفهومه: الجواز عند التراضي، والحديث قد يأباه، والمنقول في "الحاوي" امتناع قسمة الجوهرة وما يتلف بها وإن وجد التراضي؛ للنهي عن إضاعة المال؛ فإنه سفه يستحق به الحجر، والجواز في الحمام، والسفينة، والسيف، والثوب، وفي الأرض- من طريق الأولى، وقد صرح به القاضي أبو الطيب وغيره. وفي "الرافعي": أنهم إذا التمسوا قسمة ما فيه ضرر من القاضي، فإن كانت المنفعة تتعطل بالكلية: كالسيف يكسر، فلا يجيبهم في أصح الوجهين، لكن

стр. 8982

[لا] يمنعهم من أن يقسموا بأنفسهم. قال في "البحر": وهذا اختيار القاضي الطبري، وهو ظاهر المذهب. قال: وإن كان على أحدهما ضرر [دون الآخر- أي:] مثل أن يكون لأحدهما [عشر] أرض، وللآخر باقيها، وإذا قسمت أمكن صاحب الأعشار الانتفاع بها؛ إما لاتساع ما يحصل له، أو لضيقه ومجاورته لملك آخر له، إذا أضيف إليه انتفع بهما؛ كما قاله البغوي؛ أخذاً مما سنذكره من كلام الشافعي عند قسمة عرصة الجدار، ولم يوجد مثل ذلك لصاحب العشر. قال: فإن كان على الطالب، لم يجبر الممتنع؛ لأنه متعنت وسفيه يطلب ما يضره. قال في "البحر": وهذا قول أبي إسحاق، وهو الصحيح المشهور من المذهب. قال: وإن كان على الممتنع، فقد قيل: لا يجبر؛ لأن فيها ضرراً؛ فهو كالضرر عليهما، وقد روى نصر مولى معاوية: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ قِسْمَةِ الضِّرَارِ. وقيل: يجبر، وهو الأصح؛ لأنه يطلب حقاً له ينتفع به، فوجب إجابته وإن أضر بالمطلوب منه؛ كما يطالب الغريم بدينه وإن كان لا يملك إلا قدره. و [أما] الخبر فقد قال في "البحر": إنه مرسل. وهذان الوجهان نسبهما العبادي إلى ابن سريج، وقال في "البحر": إن الثاني هو المنصوص عليه، والأول قال به أبو ثور. قال ابن يونس: واعلم أن ما ذكره الشيخ هو الترتيب المنقول عن الخراسانيين، وأما المشهور عن العراقيين، فهو: أن الضرر إن كان على الطالب فوجهان في الإجبار، أصحهما: المنع. وإن كان على الممتنع، أجبر قولاً واحداً. وما ذكره عن العراقيين هو الذي رأيته في ["تعليق" البندنيجي، وأبي الطيب،

стр. 8983

و"الشامل"، وكذا في "الحاوي"، و"المهذب"، وقالوا: إن المنع من] الإجبار في حالة ضرر الطالب هو المذهب، وما ذكره عن الخراسانيين صحيح أيضاً، ولم يورد الفوراني والبغوي سواه، لكن في "النهاية": أن العراقيين والقاضي قالوا: من أصحابنا من جعل في كل واحدة من الصورتين وجهين إذا طلبت القسمة: أما إجراء الوجهين في حق صاحب الكثير فعلى ما ذكرناه، وأما إجراؤهما في حق صاحب القليل فمن جهة أنه يقول: لي أن أبطل حق نفسي، وأنت لا تتضرر تضرراً معتبراً فما عليك؟ فأجبني، ولا تشقق علي، فإني مطلق التصرف في حصتي. قال الإمام: وهذه الطريقة لا بأس بها، والأشهر: الأولى، وهي ما في الكتاب. وقد فرعوا في حالة كونا لضرر على الممتنع: أن أربعة لو كان بينهم أرض: لواحد نصفها، ولكل من الباقين السدس، ولا ضرر في قسمتها نصفين، وفي قسمتها أسداساً ضرر لصاحب السدس، فطلب صاحب النصف القسمة- قالوا: الثلاثة بالخيار بين أن يفرز النصف لهم مشاعاً، وبين أن يفرز كل واحد [منهم] سهمه؛ فهذا معنى قول الشافعي: "وأقول لمن كره القسمة لقلة حصصهم: إن شئتم جمعنا حقوقكم، وكانت مشاعة بينكم؛ لتنتفعوا بها". وإذا رضوا بقسمتها نصفين، ثم أراد واحد من الثلاثة إفراز نصيبه- لم يجب إليه؛ لأن هذه القسمة الضرر فيها يلحق الجميع. ولو طلب الثلاثة من صاحب النصف أن يقاسمهم، فيترك لهم النصف، ويأخذ النصف، وامتنع- أجبر عليه، قاله الروياني، والإمام. قال: وإن كان بينهما دور، ودكاكين، أو أرض في بعضها شجر، وبعضها بياض، فطلب أحدهما أن تقسم بينهما أعياناً بالقيمة، أي: بأن تجعل دار في مقابلة دار، ودكان في مقابلة دكان، وأرض في مقابلة أرض؛ ليتساوى ذلك في القيمة. قال: وطلب [الآخر] قسمة كل عين- أي: جزأين، وذلك ممكن من غير

стр. 8984

ضرر- قسمت كل عين؛ لأن كل واحد منهما له حق في الجميع؛ فجاز أن يطالب به، ولا يجاب الآخر؛ لأن القسمة تمييز الحقين في العين؛ وهذا نقل ملك من عين إلى عين أخرى؛ فهو معاوضة، ولا إجبار عليها. قال الإمام: وهذا متفق عليه بين الأصحاب. وفي "الرافعي": أن في "الرقم" للعبادي حكاية وجه: أنه يجبر على قسمتها أعياناً بالقيمة من غير فرق بين التجاور والتباعد، لكنه ذكر هذا الوجه فيما إذا طلب أحدهما أن تقسم [بينهما] أعياناً بالقيمة، وسكت عن حال الآخر. وفي "الإبانة" ما يقتضي هذا الوجه- أيضاً- فإنه قال: لو كان بينهما قطعتا أرض في قريتين، أو بستانان في موضعين مختلفين، فدعا أحدهما إلى القسمة- فهل يقسمان جبراً بالقرعة أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لاتفاق الجنس، والمنفعة، والثاني: لا؛ لاختلاف المحل والغرض. والمذهب الأول، ويخالف ما لو كان بينهما قرية ذات مساكن، فدعا أحدهما إلى قسمة جميع القرية، ودعا الآخر إلى قسمة كل مسكن منها- فإنه يجاب الأول، ويقسم لكل واحد منهما نصفها بما اشتمل عليه من مساكنه، كما حكاه الماوردي؛ لأن القرية شاملة لمسااكنها كالدار الجامعة لبيوتها، ولا يجوز أن يقع الإجبار في قسمة الدار على [قسمة كل] بيت منها، كذلك القرية. ثم لا فرق- كما قاله القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ- بين أن تكون الدور والحوانيت متجاورة أو متفرقة، ولا بين أن يكون أحدهما كبيراً والآخر صغيراً ينفذ إلى الدار ولا ينفذ حجره لها أو لا. وأما الأراضي: فإن كانت متفرقة: كأراضي الضياع، فالحكم فيها كذلك، وإن كانت متجاورة متلاصقة، وكل أرض تنسب إلى ضيعة من ضياع القرية- قال أبو إسحاق: هي في حكم الأرض الواحدة؛ فيضم بعضها إلى بعض في قسمة الإجبار، على أن يكون لأحدهما قراح، وللآخر قراح آخر، سواء اختلفت الطرق

стр. 8985

واختلف المشرب أو لم يختلف. وقال غيره من أصحابنا: الحكم كذلك في حال المجاورة، واتحاد الطريق والمشرب، فإن اختلف الطريق والمشرب فهي في حكم الأراضي المتفرقة؛ فلا يضم بعضها إلى بعض في قسمة الإجبار. قال القاضي أبو الطيب، والبندنيجي: وهذا ظاهر قول الشافعي. وقال ابن الصباغ: إنه أشبه بكلام الشافعي؛ لأنه قال: "ولا عنب مع نخل"، وأراد به: إذا كان بينهما مراحان في أحدهما نخل، وفي الآخر كرم؛ لأنه لو كان النخل والكرم في مراح واحد، ضم بعضه إلى بعض. وفي "الحاوي" في حالة التجاور: إن تماثلت في الثمن والمنفعة والمؤنة، فيضم بعضها إلى بعض، وتقع قسمة الإجبار على جميعها؛ كضياع القرية التي يتصل جميعها] ولا يتميز شيء منها، وإن اختلفت أسماؤها. وفي حال التجاور: واختلاف المنفعة؛ بأن يكون بعضها مزروعاً، وفي بعضها شجر، وفي بعضها كرم، و [في] بعضها نخل؛ أو تختلف في الثمن؛ لنفاسة بعضها على بعض- فإن مذهب الشافعي: أن قسمة الإجبار واقعة على كل أرض منها، ولا يضم بعضها إلى بعض في قسمة الإجبار مع اختلافها. وعلى كل حال: لا فرق – كما قاله القاضي أبو الطيب، والبندنيجي، وابن الصباغ- في الإجبار على قسمة كل مراح من الأرض بين أن يكون فارغاً، أو ما فيه من الأشجار من نوع واحد، أو مختلف الأجناس: كالنخل، والكرم، وغير ذلك؛ فيضم بعض ذلك إلى بعض، ويعدل، ويكون بمنزلة البيوت والأبواب والسقوف المختلفة في دار واحدة. وفي "الرافعي": أن الخلاف الآتي في قسمة التعديل يجري فيما إذا كان البستان الواحد بعضه نخل، وبعضه كرم، وأن صاحب "التهذيب" رجح من القولين منع

стр. 8986

الإجبار، والعراقيون من أصحابنا وغيرهم رجحوا الإجبار. قال: ويشبه أن يكون الخلاف المذكور مختصاً بما إذا لم يمكن قسمة كل نوع، فإن أمكن، فلا جبر على قسمة التعديل؛ كما لو كانا شريكين في أرض يمكن قسمة كل جيد ورديء منها [بالآخر أو] بالأجزاء، لا يجري الإجبار على التعديل. فرع: لو كان بينهما أرض واحدة، وفيها بناء أو شجر، فأراد أحدهما قسمة الأرض دون البناء والشجر- قال في "الحاوي" و"البحر": لا يقع في هذه القسمة إجبار. نعم، لو تراضيا على هذه القسمة، دخل في الأرض قسمة الإجبار ما داما مقيمين على هذا الاتفاق، وقسمت بينهما جبراً بالقرعة، وإن رجع أحدهما عن الاتفاق، زالت قسمة الإجبار. قال: وإن كان بينهما عضائد، أي: دكاكين، صغار، لا تقبل كل عضادة القسمة؛ كما قاله البندنيجي وأبو الطيب وابن الصباغ وأكثر الناقلين- متلاصقة، فطلب أحدهما قسمتها أعياناً بالقيمة، وامتنع الآخر- فقد قيل: يجبر؛ لأنها إذا كانت صفاً واحداً، كانت بمنزلة بيوت في دار واحدة، أو خان واحد وقد تقدم أنه يجبر على ذلك؛ إذا تساوت قيمة الأجزاء على المذهب؛ فكذلك هاهنا. قال الرافعي: وهذا أصح على ما ذكره القاضي الروياني [وغيره]، وتبعهم النواوي. وقيل: لا يجبر؛ لأن كل عضادة مسكن منفرد؛ فأشبهت الدور والدكاكين الكبار المتجاورة. قال البندنيجي: وهذا هو المذهب. وفي "الجيلي": أن هذا إذا لم تنقص القيمة بالقسمة، أما إذا نقصت فلا يجبر على القسمة وجهاً واحداً. أما إذا كان كل عضادة تقبل القسمة، فقد قدم ذكرها بقوله: "ودكاكين"، والشيخ في "المهذب" عبر عن الدكاكين بالعضائد، وأجرى الوجهين في حالة قبولها القسمة. قال: وإن كان بينهما عبيد، أو ماشية، أو ثياب، أو أخشاب أي: تنقص بالقطع-

стр. 8987

فطلب [أحدهما] قسمتها أعياناً، أي: لتساوي ذلك في القيمة والنوع، وامتنع الآخر، فالمذهب: أنه يجبر الممتنع؛ لأنه لا يمكن قسمتها من غير ضرر إلا كذلك؛ فوجب كالدار الواحدة. وقد وافق الشيخ في هذا اللفظ البغوي. وقال البندنيجي: إن هذا القول هو الذي نص عليه، وعليه أكثر أصحابنا: كابن سريج، وأبي إسحاق، ولم يحك الفوراني سواه. وقيل: لا يجبر؛ لأنها أعيان منفردة؛ فأشبهت الدور المتفرقة، وهذا قول أبي علي بن أبي هريرة، وابن خيران. وقد حكى الخلاف في الرقيق وغيره- كما حكاه الشيخ- الماوردي، والبندنيجي، والإمام. وقال ابن الصباغ، والقاضي أبو الطيب: الخلاف في غير الرقيق، فأما الرقيق فيجبر الممتنع فيه قولاً واحداً عند أصحابنا؛ لأنه ﷺ جزأ العبيد الستة الذين أعتقهم الرجل في مرض موته ثلاثة أجزاء، وأقرع بينهم، ولأن الرقيق لما وجب تكميل الحرية فيه، دخلته قسمة الإجبار بالقيمة، بخلاف غيره، وعلى هذا جرى في "المرشد"، وهو الذي حكاه في "البحر" عن نص الشافعي في كتاب العتق. وفي "تعليق" البندنيجي: [أن ابن] خيران قال: إنما فعل رسول الله ﷺ ذلك لمزية الحرية، وفي مسألتنا لا مزية. والأواني من الرصاص والنحاس والحديد، إن اختلفت وتفاضلت لم تقسم إجباراً، وإن تشابهت وتماثلت ففي قسمتها إجباراً وجهان؛ كالحيوان والثياب. فإن قيل: ذكرتم في علة القول المنصوص: أنه لا يمكن قسمة هذه الأشياء من غير ضرر إلا كذلك؛ فوجب كالدار الواحدة، وهذه العلة تقتضي أنه لو كان بين شريكين حمامان أو طاحونان لا يمكن قسمة كل واحد منهما على الانفراد – أن يقسما كذلك. قال الماوردي: قد كان بعض أصحابنا يخرج إجبار قسمة الحمامين بين الشريكين على وجهين؛ كالحيوان والثياب، وهذا الطريق في "النهاية" – أيضاً- وقال: إن من

стр. 8988

أصحابنا من قال: لا إجبار في الأبنية والبقاع على التصوير الذي ذكرناه، بخلاف العبيد؛ لأن تفاوت الأغراض في البقاع أوضح. وفي "البحر": أن ابن القاص ذكر عن ابن سريج أنه كان يفرق، ويقول: الأصل البقاع والرحى، والحمام بقعة، وإنما لا يتهيأ قسمتها؛ للحجارة ونحو ذلك. فإذا كان كذلك كان معناه معنى القسمة التي فيها الرد، فلم تجز إلا بالتراضي، وليس كذلك الحيوان؛ لأن كل واحد منهما لا ينقسم، وهو أصل بنفسه، وبنا ضرورة إلى إفراز حقوقهم؛ فجاز إذا كثروا أن يقتسموا إجباراً، وهو كالوجهين في الدكاكين الضيقة. أما لو اختف النوع والقيمة كالضأن والمعز، فهو كاختلاف الجنس من الحرير والقطن والكتان؛ فلا يجبر الممتنع جزماً عند العراقيين، وكذا الجمهور؛ كما قال الرافعي. [و] في "النهاية": أنه لو كان بين الشركاء عبد وطاحون وحمام، وأمكن التعديل بجعل كل صنف سهماً- ففي الإجبار وجهان مرتبان على ما إذا لم تختلف الأصناف، وهذه الصورة أبعد من الإجبار، وقد نسب الرافعي مثل هذا الطريق في مختلف النوع إلى أبي الفرج السرخسي، وقال: إن الصحيح الأول. ولو اختلف النوع، واتحدت القيمة، فهل يكون كاختلاف الجنس واتحاد النوع؟ فيه وجهان في "الحاوي". ولو اتحد النوع، واختلفت القيمة، مثل: أن كان المشترك بينهما ثلاثة أعبد، قيمة واحد مائتان، وكل من الآخرين مائة- فإن قلنا في مسألة الكتاب: لا إجبار، فهاهنا أولى، وإلا فوجهان، لظهور التفاوت في العدد؛ كذا قاله الإمام. وأثبت الرافعي الخلاف قولين، ثم قال: وهما كالقولين في الأرض المختلفة الأجزاء؛ لإلحاقنا الأعيان المتماثلة كالأرض المتساوية الأجزاء. قلت: إن أراد في أصل إجراء الخلاف فنعم، وإن أراد أنه كهو من كل وجه، فلا؛

стр. 8989

لأن الصحيح عند العراقيين- وبه جزم أكثرهم- الإجبار ثم، والمنع منه هاهنا. ولو اختلفت قيمة النوع، بأن كان المشترك بينهما حمامين: صغيراً، وكبيراً، وكان السهمان لا يعتدلان إلا بأن يجعل الحمام الصغير مع ثلث الحمام الكبير سهماً، ويجعل [ثلثا] الحمام الكبير سهماً- فالأصح: أنه لا إجبار على هذا النوع؛ فإن القسمة على ذلك لا تميز ولا تفصل، بل تبقى اشتراكاً. وبعضهم- أيضاً- خرجه على الخلاف. قال الإمام: وهو بعيد. قلت: هذه الطريقة هي التي يظهر صحتها؛ لأن الفوراني وصاحب "البحر" حكيا فيما إذا كان بينهما عبدان: قيمة أحدهما مائة، والآخر مائتين، وأراد أحدهما القسمة بأن يجعل [كل] الخسيس وربع النفيس سهماً، وثلاثة أرباع النفيس سهماً- عن الشافعي قولين في هذه الصورة، ولا فرق بينها وبين التي قبلها في التعليل المذكور، وقد حكى الرافعي فيها طريقة جازمة بالإجبار. فرع: قسمة الكلاب هل يجري فيها الإجبار؟ فيه طريقان في "الحاوي": إحداهما: نعم؛ لأن الشافعي أجاز قسمة الكلاب مع الغنم كما أجاز الوصية بها، وأنها بخروجها من القسمة تجري مجرى ذوات الأمثال. [و] الثانية: تخريجها على الوجهين، وجعل هذا النص دليلاً على أنها أصحهما. قال: وإن كان بينهما دار، وطلب أحدهما أن تقسم، فيجعل العلو لأحدهما، والسفل للآخر، وامتنع شريكه- لم يجبر الممتنع. قال الشافعي في "الأم": لأن أصل الحكم أن من ملك السفل ملك ما تحته، وما

стр. 8990

فوقه من الهواء، فإذا أعطى هذا سفلاً لا هواء له، وهذا علواً لا سفل له- فقد أعطي كل واحد منهما على غير أصل ما يملك الناس؛ أي: ووضع القسمة التمييز. ولأن العلو والسفل بمنزلة الدارين، وقد تقدم أنه لا يجبر على قسمتهما بحيث ينفرد كل واحد منهما بدار؛ فكذلك هنا. ولأن العلو تبع للسفل؛ بدليل أنه إذا بيع له السفل والعلو تثبت الشفعة فيهما، وإذا بيع العلو وحده، لم تثبت فيه، وفي هذه الصورة جعل التابع متبوعاً، وذلك يجوز. نعم، لو تراضيا على هذه القسمة جاز، ولو طلب أحدهما أن يقسم العلو والسفل نصفين، وكان ينقسم، أجبر الآخر؛ لأن البناء في الأرض بمنزلة الغراس فيها. ولو طلب أن يقسم العلو في دفعة، والسفل في دفعة أخرى- فلا يجبر الآخر، لأنه ربما خرج لأحدهما بالإقراع من السفل النصيب الذي حصل على حصة صاحبه من العلو؛ [فالمشاركة] واختلاط الأيدي بعد باقية، والقصد من القسمة إزالة ذلك. نعم، لو رضيا بذلك جاز؛ قاله أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما. ومن هاهنا يظهر لك أن أحدهما لو طلب قسمة العلو، وبقاء السفل مشتركاً- لا يجبر الآخر عليه؛ لاحتمال أن يطلب أحدهما قسمة السفل بعد ذلك؛ فيقع المحذور المذكور. [وعلى هذه الحالة يحمل قول الروياني في "البحر" وغيره في دليل مسألة الكتاب]: ألا ترى أنه لو كان بينهما غرفة، فطلب أحدهما القسمة، لم يجبر الآخر عليها؟ وفي "الرافعي": أنه لو طلب أحدهما قسمة السفل، وترك العلو على الإشاعة، لم يجبر الآخر؛ لما ذكرناه من العلة. والروياني في "البحر" ذكر الحكم، ولم يعلله. قلت: ولو قيل في هذه الصورة بالإجبار لم يبعد، ونقول: إذا طلب أحدهما بعد ذلك قسمة العلو يقسم- يعني: بلا] قرعة- ويجعل لكل واحد منهما النصيب الذي هو علو ما حصل له من السفل؛ كما نقول فيما إذا أجبرنا على قسمة

стр. 8991

العرصة بين الملكين عرضاً في كمال الطول: إنه لا إقراع فيها، ونجعل لكل واحد ما يلي ملكه من الجوار، ويخالف ما إذا طلب أحدهما قسمة العلو، وترك السفل على الإشاعة؛ حيث قلنا: لا يجبر الآخر، ولم نبد فيه هذا الاحتمال؛ لأنا لو قلنا بهذا ثم، لجعلنا السفل الذي هو أصل تابعاً للعلو الذي هو تابع، وذلك لا يجوز، والله أعلم. قال: وإن كان بين ملكيهما عرصة حائط، فأراد أحدهما أن تقسم؛ فيحصل لكل واحد منهما نصف الطول في كمال العرض، أي: على هذا الشكل: ??????? ??????? ??????? وامتنع الآخر- أجبر عليه؛ لأنه ملك مشترك يمكن انتفاعهما به بعد القسمة من غير ضرر. قال: وإن أراد أن تقسم عرضاً، فيجعل لكل واحد منهما نصف العرض في كمال الطول- أي: على الشكل: ????????? ????????? ????????? وامتنع الآخر- فقد قيل: يجبر؛ لأنه ملك مشترك يمكن كل واحد منهما أن ينتفع بحصته [إذا قسم فأجبر على القسمة- كما في المسألة قبلها، وهذا قول ابن أبي هريرة]. وقيل: لا يجبر؛ لامتناع القرعة؛ فإنه ربما خرجت القرعة لكل واحد منهما مما يلي ملك الآخر؛ فلا ينتفع به، وكل قسمة لا تدخلها القرعة، لا يجبر عليها كالتي فيها الرد، وهذا قول أبي إسحاق، وبه جزم في "التهذيب"، و"الكافي". وقال الرافعي: الصحيح عند العراقيين وغيرهم: الأول، وهو كذلك في "تعليق" البندنيجي، وأبي الطيب، و"المهذب"، وبه جزم في "الوجيز".

стр. 8992

وقال ابن الصباغ في كتاب الصلح: إنه ظاهر كلام الشافعي، وأشار بذلك إلى قول الشافعي في "المختصر": "وقسمته بينهما إن شاءا: إن كان عرصته ذراعاً، أعطيته شبراً في طول الجدار، ثم قلت له: إن شئت أن تزيد من عرصة دارك أو بيتك شبراً آخر، ليكون لك جدار خالص- ذلك لك". ويخالف ما فيه رد؛ لأن دخول العوض يجعلها بيعاً، ولا يجبر على البيع. وقول الشافعي: "ثم قلت له: إن شئت أن تزيد على عرصة دارك أو بيتك شبراً .. " إلى آخره- لم يقله مشورة- كما عابه من جهل معنى كلامه- وإنما قاله ليبين أن كل واحد منهما قد ينتفع بما [قد] صار إليه، ثم ذكر وجه المنفعة بأن يضم إلى العرصة شبراً؛ ليصير جداراً كاملاً. وعلى هذا القول [فرعان:]. أحدهما: أنه لا يحتاج إلى القرعة، بل يجعل لكل واحد منهما ما يلي [ملكه] جداراً مما قاله القائل الثاني، وهذا ما أورده البندنيجي، وابن الصباغ، ووجهه الماوردي: بأن القرعة إنما تدخل في القسمة؛ لتميز ما أشبه الانتفاع به، والأنفع لكل واحد منهما، والأنفع هنا: أن يأخذ كل واحد ما يلي ملكه، فلم يكن لدخول القرعة وجه، وإنما نسب بعضهم هذا إلى صاحب "التقريب". والثاني: لو طلب أحدهما أن يقسم طولاً في [كمال] العرض، وطلب الآخر أن يقسم عرضاً في كمال الطول- لم يجبر واحد منهما، بل يتركان إلى أن يصطلحا، كذا قاله ابن يونس، وابن شداد. وفيما وقفت عليه من "الشامل": أنها تقسم عرضاً في كمال الطول، ويجعل لكل واحد مما يلي ملكه، بخلاف ما إذا قلنا: لا يجبر على قسمتها عرضاً في كمال الطول [فإنها تقسم- والحالة هذه- طولاً في كمال العرض. قال: وإن كان بينهما حائط، أي: وعرصة لهم، فطلب أحدهما أن يقسم عرضاً في كمال الطول]، وامتنع الآخر- لم يجبر، واختلف في تعليله:

стр. 8993

فقيل: لأنا لو أجبرنا لأقرعنا، والقرعة ربما تعين الشقص الذي يلي دار زيد لعمرو، وبالعكس؛ فلا يتمكن واحد منهما من الانتفاع بما صار له، وهذه علة من منع الإجبار على القسمة عند عدم الإقراع. وقيل: لأنه لا يتأتى فيه فصل محقق؛ لأن ذلك إتلاف، وغايته رسم خط بين الشقصين ومع ذلك فإذا بنى أحدهما على ما صار له تعدي الثقل والتحامل إلى الشق الآخر؛ فيكون منتفعاً بنصيب شريكه. وضعف الإمام هذه العلة بأن هذه القسمة جائزة بالتراضي؛ كما سنذكره؛ وذلك يدل على أن رسم الخط كاف في القسمة والمفاصلة. وعن صاحب "التقريب" وجه: أنه يجاب الطالب، ويجبر الممتنع، لكن [لا] يقرع، بل يخص كل واحد بما يليه، ولا خلاف في جواز هذه القسمة بالتراضي، لكن كيف يقسم؟ فيه وجهان حكاهما الرافعي: أحدهما: يعلم بعلامة، وبخط يرسم. والثاني: يشق، وينشر بالمنشار. قال القاضي الحسين وغيره، ولو طلبا من الحاكم القسمة بهذا النوع، لم يجبهما إلى [ذلك؛ كما] ذكره العراقيون؛ لأن شق الجدار في الطول إتلاف له وتضييع، ولكنهما يباشران القسمة بأنفسهما إن شاءا؛ كما لو هدماه، واقتسما النقض. [فإن قلت]: لم [لا] خرج جواز القسمة في هذه الحالة على أن القسمة بيع أو إفراز، فإن قلنا: إنها بيع، فينبغي ألا تصح؛ لن بيع ما تنقص قيمته بقطعه لا يجوز؟ قلت: الجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن الأصحاب قالوا ثم: إن المانع من صحة البيع عدم القدرة على التسليم، إلا بتنقيص غير المبيع، ولا شيء غير المبيع تنقصه هذه القسمة هنا. الثاني: أن القسمة إنما تقع بعد التمييز بالسبق ونحوه، فلم تكن القسمة إذا وقعت مقتضية للتنقيص.

стр. 8994

ووزان ذلك: أن يقطع ذراعاً من ثوب تنقص قيمته بالقطع، ثم يبيعه؛ فإنه يصح وجهاً واحداً. على أن صاحب "الحلية" جزم القول بمنع قسمته عرضاً في كمال الطول بالتراضي- أيضاً- من غير بناء على أن القسمة بيع أو إفراز، ووجهه بأن ما يصير إلى كل واحد منهما من نصف العرض مضر به وبصاحبه؛ لأنه إن أراد هدمه لم يقدر عليه إلا بهدم ما لشريكه [أو شيء منه، وإن أراد وضع شيء عليه وقع الثقل على ما لشريكه] فأضر به. ثم قال: لو تراضيا بهدمه في الحال واقتسام آلته، جاز، والمنع من قسمته بناء قائماً وتحديد ما لكل واحد منهما متصلاً. وقد سلك الفوراني في حالة التراضي طريقاً آخر، فقال: إن اقتسماه بالقرعة، لم يجز، وإن لم يكن بالقرعة فعلى وجهين. قلت: وهذا منه يدل على أنهما إذا تقاسما بأنفسهما تلزم القسمة بنفس إخراج القرعة؛ كما ذكره الشيخ من قبل. قال: وإن طلب أحدهما [أن يقسم] طولا في كمال العرض، وامتنع الآخر- فقد [قيل]: لا يجبر؛ لما ذكرناه من علة القول الثاني في مسألة العرصة؛ كذا قاله ابن الصباغ. ووجهه الماوردي بأنه قد لا يقدر على هدم النصف الذي صار إليه إلا بهدم شيء من نصيب صاحبه؛ فصارت ضرراً عليهما؛ وهذا [هو] ظاهر قول أبي إسحاق وبه جزم في "الوجيز". وقال الرافعي: إنه أشبه الوجهين، والنواوي والمستظهري قالا: إنه أصحهما. وقيل: يجبر، [وهو الأصح]، وكذا قال في "المهذب" تبعاً للبندنيجي،

стр. 8995

وتبعهما مجلي؛ لإمكان قسمته على وجه ينتفعان به، والضرر فيه يسير؛ فأشبه العرصة، وهذا قول ابن أبي هريرة. وعلى هذا: إن كان القطع يضر بالحائط، لم يقطع، بل يجعل بينهما علامة. وإن كان القطع لا يضر به، قطع بمنشار إن كان بالطين واللبن؛ كالثوب إذا كان قطعه لا يضر. ولا خلاف في جواز هذه القسمة بالتراضي؛ صرح به الماوردي وغيره. أما إذا لم يكن لهما إلا حائط دون العرصة؛ كما إذا كانت أرضه محتكرة، ففي "الحاوي": أنه لا يجوز قسمته جبراً؛ لأن البناء لا يعلم ما فيه- ليتساويا في الاقتسام به- إلا بعد هدمه، وفي هدمه ضرر؛ فلم يدخله إجبار، فإن اصطلحا عليه جاز. قال: وإن كان بين رجلين منافع، أي: كعين لا تقبل القسمة: كالعبد، والدابة، والدار اللطيفة؛ أو تقبلها كما في الدار الفيحاء ذات البيوت والأرض، ولكنها مستأجرة لهما، أو موصى لهما بمنافعها. قال: وأرادا قسمتها بينهما بالمهايأة- أي: بأن تجعل العين في يد أحدهما يوماً، أو أسبوعاً، أو شهراً، أو سنة، ثم في يد الآخر مثل [تلك المدة]- جاز؛ لأن المنافع كالأعيان، وقد رضي المتأخر منهما بتأخير حقه؛ فلا يعترض عليه، وهذا بخلاف ما لو كان بينهما بقرة حلوب، فأرادا المهايأة في لبنها، لم يجز؛ لأن اللبن ربوي، وهو مجهول؛ قاله القاضي الحسين والبغوي، وهذه القسمة يجوزأن يعين فيها من يستوفي المنافع أولاً، ويجوز ألا يعين ويقرع بينهما؛ كما ذكر في "التهذيب". وإذا تهايآ فالنفقة المعتادة على العين إذا احتيج إليها كالنفقة على البهيمة، والعبد على مستوفي المنفعة في مدته؛ قاله في "المهذب"، و"التهذيب"، وغيرهما. والمؤن النادرة: كزكاة الفطر، والفصد، والحجامة- على من تكون؟ حكمها حكم الأكساب النادرة: كالوصية، والهبة، ووجدان الركاز في زمن المهايأة، ولمن تكون؟ فيها قولان:

стр. 8996

أحدهما: لمن وقعت في نوبته، وهو الأصح في "الكافي"، والأظهر في "الرافعي"؛ فعلى هذا تكون المؤن النادرة عليه. والثاني- وهو المختار في "المرشد"-: تكون بينهما؛ وعلى هذا لا تحسب المدة التي اكتسب فيها ذلك من مدة من هو في يده؛ كما نقله ابن شداد عن "البيان"، وتكون المؤن النادرة عليهما. قلت: وكذلك المعتادة في زمن تحصيل ذلك، والله أعلم. وقد تقدم ذكر القولين في باب اللقطة. قال الرافعي هاهنا: وينبغي أن ينظر في الكسوة إلى قدر النوبة حتى تبقى على الاشتراك إن جرت المهايأة مياومة. فرع: إذا استوفى أحدهما نوبته، ورجع عن المهايأة، فقد أطلق القاضي احلسين هاهنا القول بأنه لا ينفعه الرجوع حتى لو اتفقا على المهايأة، لزمت؛ لأنها نوع قسمة، والقسمة تلزم بالتراضي. وجزم في "الذخائر" بجواز الرجوع بعد التراضي بها، وحكى وجهين في جواز رجوعه بعد استيفاء نوبته. والرافعي جزم بجواز الرجوع في أثناء نوبته، وحكى الوجهين في الجواز بعد استيفائها، وهما في "النهاية" مفرعان على القول بعدم الإجبار على المهايأة ابتداء؛ كما هو المذهب، وقال: إن أقيسهما جواز الرجوع. وقد بناهما البغوي هاهنا، وكذا القاضي الحسين في كتاب الصلح- كما أظنه- على أن أحدهما لو امتنع منها ابتداء، هل يجبر عليها أم لا؟ وفيه خلاف سنذكره. فإن قلنا: لا يجبر، كان له أن يرجع، ويغرم نصف أجرة مثل ما استوفاه، وإلا فلا يرجع، ويستوفي الآخر مدته. وقضية هذا البناء: ألا يفرق بين ما قبل الاستيفاء وما بعده. وقد بنى البغوي على الخلاف- أيضاً- ما إذا جاءت النوبة لأحدهما، فامتنع من استيفائها، فإن قلنا بالإجبار فلا شيء على الآخر؛ لأنه المضيع لحقه، وإلا كان له الامتناع، وطلب نصف أجرة المثل. قلت: وينبغي أن يجب عليه نصف المؤنة. قال: وإن أراد أحدهما ذلك، وامتنع الآخر، لم يجبر الممتنع؛ لأن حق كل

стр. 8997

واحد منهما معجل؛ فلا يجبر على تأخيره بالمهايأة؛ وهذه العلة شاملة لكون الأصل في ملكهما وكونه في غير ملكهما. وعلل ابن الصباغ المنع في حالة كون الأصل [في] ملكهما وكونه في غير ملكهما: بأنه إذا كان الأصل مشاعاً فالمنفعة تابعة، ولا يصح أن ينفرد ببعض المنفعة مع الاشتراك في الأصل إلا على سبيل المعاوضة، وهي غير واجبة. وعلله القاضي الحسين في "فتاويه" في كتاب الإجارة، في حالة عدم ملكهما الأصل بعلة أخرى مع العلة الأولى، وهي أن الرقبة ليست مملوكة لهما. قال في "المهذب": ومن أصحابنا من قال: إنه يجبر على المهايأة كما يجبر على قسمة الأعيان. وقد حكى القاضي الحسين والإمام ذلك عن ابن سريج؛ وعلى هذا فالمبدوء به من خرجت له القرعة. قال الرافعي: ويجوز أن يكون الحكم في قدر النوبة كذلك. والصحيح المنصوص عليه: الأول، وبه جزم ابن الصباغ، ثم قال: ويخالف قسمة الأصل؛ لأنه إفراز للنصيبين، وتمييز للحقين. والشيخ فرق بأنه ليس في قسمة الأصل تأخير واحد منهما عن حقه، بخلاف ما نحن فيه. وقد يظهر من الفرقين تخريج خلاف فيما لو كانت الدار المستأجرة لهما- أو الموصى لهما بمنفعتها، وقد تنازعا في المهايأة- ذات بيتين متساويين في الصورة والمنفعة، فأراد أحدهما أن يكون له منفعة [هذا] البيت الآخر [والآخر منفعة البيت الآخر]، وامتنع شريكه: فإنا إذا نظرنا إلى ما علل به ابن الصباغ [المنع] في المسألة السابقة، وجدناه موجوداً في هذه الصورة مع قيام الفرق الذي ذكره أيضاً، وقضيته: عدم الإجبار هنا، وهو ما اختاره في "المرشد". وإن نظرنا إلى ما علل به الشيخ، وجدناه مفقوداً فيها مع انعدام الفرق الذي أبداه، وقضية ذلك: الإجبار، كالأعيان.

стр. 8998

وقد صرح القاضي الحسين في "فتاويه" بحكاية وجهين في هذه الصورة، وهي ما إذا استأجر أرضاً للزراعة، وأراد المهايأة فيها بأن يكون لكل واحد قطعة منها، وهي مستوية؛ بناء على أن مأخذ [المنع السابق] تأخير حق الأحق، وكون الرقبة ليست مملوكة لهما، فإن قلنا بالأول أجبرنا هنا، وإلا فلا. فإن قيل: قضية كلامه الجزم بالإجبار في مثل هذه الصورة إذا كانت الدار أو الأرض لهما. قلت: قد قدمت أن محل الكلام في الإجبار على المهايأة إذا كانت الدار لا تقبل القسمة؛ كما صوره البغوي، والغزالي، وصاحب "الكافي"، ومجلي، وأشار إليه القاضي أيضاً، والإمام، أما إذا [كانت] تقبلها، فلا إجبار على المهايأة بحال؛ كما قاله الرافعي، وابن شداد. وإذا كانت الصورة كما فرضنا فهي قابلة للقسمة؛ فلا إجبار جزماً، وهو قضية كلام ابن الصباغ في الصورة الأولى، والله أعلم. ثم على المذهب الصحيح: إذا دام تنازعهما، وأهملوا الملك، فماذا يصنع به؟ قال مجلي من أصحابنا: يتركوا إلى أن يصطلحوا. وقيل: إنه يباع الثمن. قال الإمام: وهذا لا أصل له، ولا أعده من المذهب، وإنما هو قول بعض السلف. وقال في "التهذيب": المذهب أنه لا يباع عليهما؛ لأنهما مكلفان مطلقان، بل يؤجر عليهما، وتصرف الأجرة إليهما. وهذا ما صححه ابن كج، وصاحب "الكافي"، وبه يحصل في المسألة ثلاثة أوجه. ولو تركوا التنازع، قال الإمام: تركناهم. فرع: لو كان بينهما دين وأرادا قسمته، قال في "الحاوي": إن كان على غريم

стр. 8999

واحد، فقسمته فسخ الشركة فيه، فإذا فسخت انقسم الدين في ذمة الغريم، وصار لكل واحد منهما قدر حقه منه، ويجوز أن ينفرد باقتضائه وقبضه. ولو لم تفسخ الشركة لم يجز لأحدهما أن ينفرد باقتضائه وقبضه منه، و [كان ما] يقبضه مشتركاً بينهما إن قبضه من غير إذن شريكه، وإن أذن له في قبض حصته منه جاز، وكان إذنه فسخاً للشركة. ولا وجه لمن خرجه على القولين في المكاتب إذا أدى إلى أحد الشريكين مال كتابته بإذن شريكه، أنه على قولين، [و] الفرق بينهما: ثبوت الحجر على المكاتب، وعدمه في الغريم. والفوراني حكى وجهين في جواز انفراد أحدهما بما أخذ مع الإذن. فإن كان الدين على جماعة، قال الماوردي: فلا يجبر واحد منهما على انحصار حقه على شخص من الغرماء؛ لأن الغرماء يتفاضلون في الذمة واليسار، وفي جواز قسمته اختياراً قولان، أصحهما عند أبي الفرج السرخسي: المنع، وبناهما الماوردي على أن القسمة بيع أو إفراز: فإن قلنا: إفراز، جازت، وإلا فلا؛ إذ بيع الدين بالدين لا يجوز. وقد حكى الرافعي طريقة قاطعة بالمنع، وهي التي أوردها الفوراني، وصاحب "العدة"، وصححها الرافعي، وقال: إنا إذا قلنا: القسمة بيع، فظاهر، وأما إذا قلنا: إنها إفراز، فإفراز ما في الذمة ممتنع إلا بقبضه. قال [في] "الحاوي" و"البحر": وطريق صحتها على قول المنع: أن يحيل كل واحد منهما لأصحابه بحقه على الغريم الذي لم يختره، ويحيله الآخر [بحقه] على الغريم الذي اختاره؛ فيتعين ذلك بالحوالة دون القسمة. قال: ومتى أراد القاسم أن يقسم عدل السهام: إما بالقيمة إن كانت مختلفة، أي: مثل أن تكون الأرض بين ثلاثة أثلاثاً، وذرعها ستة أجربة، قيمة جريب منها عشرون؛ لإمكان سقيه بالسيح، وقيمة جريبين عشرون؛ لبعدهما عن السقي

стр. 9000

بالسيح، وقيمة باقيها عشرون؛ لزيادة البعد- فيجعل الجريب الأول سهماً، والجريب الثاني والثالث سهماً، والثلاثة الباقية سهماً؛ لأن ذلك هو العدل، وهذا إذا لم [تمكن] التسوية بين الشركاء في الجيد والمتوسط والرديء، كما تقدم. قال: أو بالأجزاء إن كانت غير مختلفة، أي: مثل أن كانت الأرض متساوية القيمة في مسألتنا؛ فتجعل ثلاثة أجزاء، كل جزء جريبان، وكذا لو كانت منقسمة إلى الرديء، والجيد، والمتوسط، والجيد في أولها، والمتوسط في وسطها، والرديء في آخرها، وإذا قسمت أثلاثاً صار لكل واحد منهم من الجيد والمتوسط الرديء مثل ما صار للآخرين، فهذه أيضاً تقسم بالأجزاء. قال: أو بالرد؛ إن كانت القسمة تقتضي الرد، أي: كثلاثة أعبد بين ثلاثة، قيمة واحد منهم أربعمائة، وآخر خمسمائة، وآخر ستمائة- فيجعل الذي قيمته خمسمائة سهماً، والذي قيمته أربعمائة [مع مائة] تؤخذ ممن يقع الذي قيمته ستمائة له سهماً، والآخر سهماً. قال الأصحاب: ويعين القاسم: أن هذا الأول، وهذا الثاني، وهذا الثالث، والخيرة إليه؛ [كما] صرح به الإمام، وله أن يجعل الابتداء في الأراضي والدور ونحوها من أي جهة شاء. قال: فإن كانت الأنصباء متساوية: كالأرض بين ثلاثة [أنفس] أثلاثاً، أقرع بينهم. [و] الأصل في الإقراع: قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤]، وقوله تعالى في يونس ﷺ : ﴿فَسَاهَمَ﴾ [الصافات: ١٤١]. قال: فإن [شاء] كتب أسماء الملاك في رقاع متساوية- أي: يكتب في كل رقعة اسم رجل منهم- وجعلها في بنادق من طين- أي: أو شمع- متساوية؛
следующие страницы →