Полный текст (9 685 стр.). Показаны 8926–8965 · переход к 8931.
стр. 8926
مثل: الحمد لله رب العالمين، وهو بتشديد القاف، ودفعه إليه، لأن في ذلك توثقة لحقه، فشرع كالإشهاد على نفسه، لكن هذه الكتابة واجبة أم مستحبة؟ أطلق بعضهم فيها وجهين، وملخص ما ذكره في "الحاوي": أنه ينظر في ذلك: فإن كان في دين يستوفي عاجلاً لم يلزمه، وإن كان في دين مؤجل أو [في] ملك متأبد:
فإن كان في صورة يجب على الحاكم الإشهاد عليه فيها جزماً، كما إذا ثبت الحق عنده بإقرار الخصم، وقلنا: [له أن] يقضي بعلمه أولاً كما قاله البندنيجي، أو يثبت بنكول الخصم وحلف المدعي ففيه وجهان:
أحدهما: أن ذلك واجب كالإشهاد، وهذا أصح في "تعليق" القاضي الحسين، والمختار في "المرشد".
والثاني: أنه لا يجب؛ لأن الشهادة بينة تغني عنه، والمرجع عندنا إلى ما يذكره الشاهد، قال الغزالي: وعلى هذا فيستحب للقاضي استحباباً مؤكداً.
وإن كان في صورة قد اختلف في وجوب الإشهاد فيها، وهي إذا ثبت الحق بشهادة عدلين، فإن قلنا: لا يجب الإشهاد؛ لأن البينة بالحق موجودة- فكتب المحضر أولى، وإن قلنا: تجب؛ لأن في إشهاده على نفسه مع البينة الموجودة تعديلاً لبينته وإثباتاً لحقه- ففي إيجاب كتب المحضر الوجهان.
وعن ابن جرير الطبري- وهو [] كما قاله الرافعي في أوائل كتاب الزكاة-: أنه لا يكتب المحضر إذا لم يعرف الخصمين، حتى لا يصير محضره الذي ثبت له حجة على ما يكون باسمهما ونسبهما.
стр. 8927
قال القاضي أبو الطيب وصاحب "البحر": [وهذا غلط]؛ لأنهما إذا لم يكونا معروفين بعينهما، فإنه يذكر حليتهما، ولا يجوز [له] ترك ذلك، والمعول عليه الحلية؛ فصار بمنزلة معرفة العين.
ونسب الإمام ما حكيناه عن ابن جرير إلى ابن خيران، وأنه ليس بشيء، والقاضي الحسين نسبه إلى الإصطخري وأنه [قال]: إذا أقر المجهول عنده لا يقبل إقراره؛ لأني [لو] قبلت ذلك لا آمن أن يكون واطأه المدعي؛ حتى يقر له، ويستعير اسم إنسان، فيسمي به نفسه، فإذا مات ادعى على ورثته، ولا ينفع القاضي كتب الحلى؛ لأن المستعار اسمه قد مات، وهو يدعي على ورثته. ثم قال: وهذا غلط؛ لأنه يؤدي إلى تعطيل الأحكام؛ فإنه لا يعرف جميع الخصوم.
قال: ويكتب نسخته ويودعها [في] قمطره، أي: مختومة، ويكتب على ظهرها: خصومة فلان بن فلان، وتاريخها، [ووجه ذلك]: الاحتياط؛ فإن فيها تذكاراً بالحال، و [إليها] مرجعاً عند الحاجة، ولا شك في أن ذلك غير واجب، ثم القرطاس في كل الأحوال يكون من بيت المال؛ كما تقدم ذكره.
قال: فإن لم يكن للحاكم قرطاس من بيت المال كان ذلك على صاحب الحق؛ لأنه يكتبه لحقه، وأشار القاضي الحسين إلى أنا إذا قلنا بوجوب الكتابة، ولم يكن للحاكم قرطاس من بيت المال، ولا أحضره الطالب: أنه يجب من مال القاضي على وجه، ثم قال: والصحيح: أنه لا يجب على القاضي شيء من ماله. وهذا ما جزم به [غيره].
ثم صورة المحضر: "بسم الله الرحمن الرحيم، حضر القاضي فلان بن فلان،
стр. 8928
ويرفع في نسبه؛ حتى يتميز، قاضي بلد كذا من قبل الإمام فلان، ويرفع في نسبه، أو من قبل القاضي فلان، ويرفع في نسبه، المولى من قبل الإمام فلان، وهو بمجلس حكمه ومحل ولايته من بلد كذا، فلان بن فلان الفلاني، ويرفع في نسبه بما يميزه عن غيره، ويكتب حليته استحباباً إن كان معروف النسب عند القاضي، وإلا كتب- كما قال ابن الصباغ وشيخه أبو الطيب والبندنيجي والإمام وغيرهم-: من ذكر أنه فلان بن فلان الفلاني- وكتب الحلية هاهنا واجب؛ كما قاله أبو الطيب- وادعى على فلان بن فلان الفلاني، ويرفع في نسبه، ويذكر حليته استحباباً إن كان معروف النسب، وإلا فيذكرها وجوباً؛ لأن المعول عليها.
ثم يذكر المدعى به وصفة الدعوى محررة، [ثم] إن كان المدعي عليه قد أقر بالحق كتب إقراره [، و] به. قال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ.
وليس يحتاج أن يذكر أنه أقر له في مجلس حكمه؛ لأن الإقرار يصح فيه وفي غيره، وهذا قد نسبه الماوردي إلى الشيخ أبي حامد، وأنه قال: إن ثبت ببينة ذكر ذلك. وهو في "تعليق" البندنيجي.
قال الماوردي: وفرق بأن سماع [البينة] حكم، وليس في الإقرار حكم. وهذا الفرق ليس له وجه؛ لأن الدعوى لا يسمعها القاضي إلا في مجلس حكمه؛ ولأنه يتعلق بالإقرار إلزام، والإلزام حكم.
ثم يذكر التاريخ ويوقع على رأسه بكتب العلامة؛ كما تقدم.
وإن كان المدعى [عليه] قد أنكر، وقامت [عليه] بينة كاملة بالحق، وكانت عادلة- كتب إنكاره، وأنه شهد عليه بالمدعى [به] شاهدان عدلان، ثبت بهما الحق، وأن ذلك في مجلس الحكم؛ لأن الشهادة لا تسمع في غيره، وحكم تسميتها وعدمها قد تقدم الكلام فيه.
وفي "الحاوي" و"البحر" في باب ما على القاضي في الخصوم: أن في تسمية
стр. 8929
الشهود الذين حكم بشهادتهم في المحضر والسجل وجهين:
أحدهما- قاله الإصطخري-: أن ترك تسميتهم أولى.
والثاني- قاله ابن سريج-: أن تسميتهم أولى وأحوط للمشهود عليه؛ فلعله يقدر على جرحهم.
قال الماوردي: مع أن كل واحد من الأمرين جائز.
وإن أقام المدعي شاهداً [واحداً] وحلف معه، ذكر ذلك، وأن الشهادة واليمين وقعا في مجلس الحكم.
ويختمه بالتاريخ، ويكتب القاضي في آخره: شهدا عندي، أو: شهد عندي بذلك.
ويوقع على رأسه بالعلامة، وهذا إذا لم يكن له صك، فإن كان له صك وفيه خطوط الشهود قال القاضي أبو الطيب: فيكتب علامة توقيعه في صدره، ويكتب تحت خط الشاهدين اللذين شهدا عنده: شهدا عندي بذلك. ويقتصر عليه. قال: وكذلك في فصل الإقرار.
وفي "تعليق" البندنيجي: أنه يكتب تحت خط كل واحد: شهد عندي بذلك في مجلس حكمي وقضائي.
وإن كان المدعى عليه قد أنكر، ولم يكن للمدعي بينة، وطلب يمينه، فنكل عنها، وحلف المدعي بطلبه- كتب ذلك: وأنه جرى في مجلس الحكم، وختمه بالتاريخ، ووقع على رأسه بالعلامة.
قال: فإن أراد، أي: المدعي- أن يسجل له، كتب له سجلاً، وحكى فيه المحضر، وأشهد على نفسه بالإنفاذ- أي بالحكم- بما ثبت في المحضر بعد الحكم به، حتى لا يكون كاذباً في إشهاده، وألفاظه: حكمت له بكذا، وألزمته الحق، وأنفذت الحكم به؛ كما قاله ابن الصباغ.
قال: وسلمه إليه، وكتب نسخته، وتركها في قمطره، وتوجيه ذلك قد تقدم.
وهذا السجل يبدأ فيه بكتابة الشهادة، كما ابتدأ في المحضر بالحضور؛ فيكون أول
стр. 8930
السجل: هذا ما أشهد عليه القاضي فلان-[على ما] قدمناه- في محضر نسخته كذا، ويكتب نسخة المحضر، فإذا فرغ منه قال: فحكم به وأنفذه وأمضاه بعد أن سأله ذلك، واستيفاء الشرائط المعتبرة في ذلك، وأشهد على نفسه. ولو كان السجل على ظهر كتاب أحضره، وكتب: أشهد عليه في مجلس حكمه أنه ثبت عنده مضمون الكتاب باطنه، وهو كذا، ثم بعد فراغه يكتب: وأنه حكم به. وللناس في ذلك عرف مختلف، والمرجع في كل قطر إلى عرف أهله، على أن المحاضر والسجلات كتب، هي بما ذكرناه أحق من هذا الكتاب.
فرع: قال في "الحاوي" في باب ما على القاضي في الخصوم: إذا تحاكم الخصمان، ولم يسألا القاضي الكتبة، كان القاضي مندوباً إلى إثبات محاكمتهما في ديوانه، مشروحة بما انفصلت عليه من إلزام أو إسقاط؛ احتياطاً للمتحاكمين، ووجوب ذلك معتبر بالحكم: فإن كان مما استوفى وقبض لم يجب عليه إثباته، وإن كان إثباته مستظهراً، وإن كان مما لم يقبض ولم يستوف: فإن كانت الحالة مشهورة ولا ينسى مثلها، لم يجب إثباتها، وإن جاز أن ينسى مثلها وجب عليه إثباتها؛ ليتذكر بخطه ما حكم [به] وألزم؛ [لأنه كفيل بحفظ الحقوق على أهلها، فألزم] بذلك ما يئول إلى حفظها، والله أعلم.
قال: وما يجتمع من المحاضر [والسجلات] في كل شهر، أو في كل أسبوع، أو في كل يوم- على قدر قلته وكثرته- يضم بعضها إلى بعض، أي: فيصير قمطراً، ويختم عليه ويكتب عليه: محاضر وقت كذا، من شهر كذا، من سنة كذا؛ ليسهل عليه كشف ما يريده عند الحاجة إليه.
قال الأصحاب: وإذا اجتمعت محاضر سنة ضمها، وكتب عليها: محاضر سنة كذا.
ولو لم يفعل القاضي ذلك بنفسه، لكنه وكله إلى ثقة- جاز، والأولى: أن يكون
стр. 8931
بحضوره [إن لم يتولاه]؛ خشية من إدراج شيء فيها.
وكلام الماوردي مشير إلى تعيين حضوره عند تولي الغير ذلك.
والأسبوع- بضم الهمزة والباء-: اسم للأيام السبعة.
قال: فإن لم يسجل له الحاكم، أي: لم يكتب له سجلاً، وقد أشهد على نفسه بالإنفاذ- جاز؛ لأن الحكم قد حصل، وكتبة ذلك لا يلزم بها شيء؛ فإن الاعتماد على ما يشهد به الشاهد، وقيل: يلزمه كالإشهاد، حكاه البندنيجي والمصنف وغيرهما.
قال الغزالي: ومن جوز للأمي أن يكون قاضياً فلا يمكنه إيجاب الكتاب وإن التمس صاحب الحق.
[فإن قيل]: هل تفصلون في وجوب الإشهاد في الحكم بين أن يكون الحكم قد ثبت بالبينة أو بالإقرار على وجه؛ كما ذكرتم ذلك في الإشهاد في الثبوت؟
قلت: قد أطلق ابن الصباغ القول بأن الإشهاد على نفسه بالحكم في هذه الصورة وغيرها واجب، وهو الذي لا يتجه غيره؛ لأن الحكم يحصل بما لم تحصله البينة، وهو الإلزام؛ فلذلك وجب، بخلاف الثبوت؛ فإنه لا يحصل أمراً زائداً على ما شهدت به البينة.
فرع: حدود الله- تعالى- هل يقبل فيها كتاب القاضي إلى القاضي؟ فيه قولان؛ كما في الشهادة على الشهادة فيها، وسنذكرهما إن شاء الله تعالى.
قال: وإن ادعى رجل على رجل حقاً، فادعى أن له حجة في ديوان الحكم، أي: به، وذكر تاريخها، فوجدها كما ادعى، فإن كان ذلك حكماً حكم به هذا الحاكم لم يرجع إليه حتى يتذكر؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]؛ ولأن الخط والختم بصدد التزوير؛ فلا يجوز اعتماد القاضي عليه في الحكم بمجرده؛ كما أن الشاهد لا يجوز له الاعتماد على خطه في أداء الشهادة،
стр. 8932
وإن حفظ النسخة في خزائنه، ووثق بأنه لم يحرف، بل أولى؛ لأن الحكم أغلظ لما فيه من الإلزام، بخلاف الشهادة.
[فإن قيل]: قد قلتم: إن الراوي يجوز له في الرواية الاعتماد فيما يرويه عن رسول الله ﷺ على النسخة إذا وثق بها، فهلا كان القضاء [مثله]؟
قلنا: لنا في الرواية وجهان:
أحدهما- ما صار إليه الصيدلاني، وحكاه الرافعي عن رواية المصنف-: أنه لا يحل للمحدث إلا رواية ما حفظه وتذكره؛ فليرو كذلك أو ليترك؛ وعلى هذا اندفع السؤال.
والثاني: جواز ذلك كما ادعيتم، وهو الصحيح.
وعلى هذا: فالفرق أن أمر الرواية أسهل؛ ولهذا تسمع من العبد، بخلاف القضاء والشهادة.
وقد سوى الشيخ أبو محمد بين الشهادة والرواية في الاعتماد على الخط عند الوثوق به، وحكى الرافعي عنه وعن غيره أنه طرده في القضاء، قال الغزالي: وما ذكره أقرب مما ذكره الصيدلاني.
وكما لا يجوز اعتماد القاضي فيما حكم به على الخط والختم ما لم يتذكر، لا يجوز اعتماده فيه على شهادة شاهدين شهدا عنده بأنه حكم به؛ لأنه يمكنه أن يذكر ذلك ويصل إلى اليقين؛ فلا يرجع إلى الظن؛ ولهذا لو شهد عنده شاهدان بأنه صلى لم يرجع إليهما، وإن كان حق الله- تعالى- أخف؛ لأنه مبني على المسامحة، وأيضاً فإن الشهادة أخف من الحكم ولو شهد عند الشاهد شاهدان بأنه شهد بحق، لم يجز أن يشهد به حتى يتذكر؛ فالحكم أولى.
وفي "الإشراف "والرافعي" أن ابن القاص قال: إنه يجوز له الحكم إذا شهد عنده بأنه حكم؛ لأن الشافعي- ﵁ قال: "وينظر القاضي في المحضر، فإن لم يتذكر شهدوا عليه". والمذهب: الأول، والضمير في قول الشافعي- ﵁:
стр. 8933
"شهدوا عليه"، عائد إلى المحكوم عليه إذا كان قد أقر عند الحاكم بالحق؛ كما ذكره الأصحاب.
نعم، لو شهدا عند غيره بأنه حكم بذلك: فإن كان بعد تكذيبهما لم يحكم به ذلك الغير أيضاً؛ لفسقهما بقول الحاكم الأول، وكذا لو لم يكذبهما الأول، لكنه أنكر أن يكون حكم به.
قال الشافعي- ﵁: "فإن علم غيره أنه أنكره فلا ينبغي له أن يقبله".
ووجهه القاضي أبو الطيب والماوردي وغيرهما بأن الحاكم كشاهد الأصل، وشاهد الأصل لو أنكر الشهادة لم يجز لشاهد الفرع أن يشهد بها.
ولو لم يصدر منه تكذيب ولا إنكار، لكنه توقف- ففي حكم الثاني بذلك وجهان حكاهما القاضي الحسين عن رواية أبي إسحاق، والمذكور منهما في "تعليق" البندنيجي والقاضي أبي الطيب: الجواز، وعليه يدل النص؛ حيث قال- كما ذكره في "البحر"-: إلا أن الحاكم إذا لم يتذكره لا يجوز [له أن يبطله]، ولا يجوز له أن يحقه، ولكنه يتوقف عنه، حتى لو رفع إلى حاكم آخر يمضيه وجوباً.
والمذكور في "المهذب"، وهو المختار في "المرشد": مقابله، وهو منسوب في "البحر" إلى أبي بكر الأودني؛ كما لو شهد شهود الفرع عند الحاكم، ثم قامت بينة أن شاهدي الأصل توقفا عن الشهادة- لا يحكم بشهادة الفروع. ثم قال: وهو غلط؛ لما ذكرناه من النص.
قال الماوردي والبندنيجي وأبو الطيب وابن الصباغ وغيرهم: وإذا تذكر القاضي الحكم ألزمه إياه قولاً واحداً، ولا يتخرج على القضاء بالعلم، بل هو إمضاء ما حكم به.
وعن "أمالي" أبي الفرج الزاز حكاية طريقة أخرى إن أمضاه على القولين في القضاء بالعلم.
فرع: هل للمدعي تحليف الخصم عند توقف القاضي في الحكم، [على] أنه لا يعرف حكم القاضي؟ قال صاحب "التهذيب": يحتمل وجهين. وهما مأخوذان مما
стр. 8934
سنذكره في الدعاوى- إن شاء الله تعالى-: [أن] ما ليس بعين الحق، ولكنه ينفع في نفس الحق، هل تسمع الدعوى به أم لا؟
قال: وإن كان حكماً حكم به غيره لم يرجع إليه حتى يشهد به شاهدان؛ لإمكان التزوير والتحريف، وقد حكيت أن الإصطخري جوز قبول كتاب القاضي إذا عرف خطه وختمه وتكرر ورود كتبه عليه، وهذا يظهر مجيء مثله هاهنا.
قال: وإذا لم يعرف الحاكم لسان الخصم، أي: لكونه عربياً والخصم عجمي؛ فإن القاضي لا يتصور أن يكون عجمياً؛ كما قاله الإمام تبعاً للقاضي الحسين، لأن الشرط: أن يكون مجتهداً على المسلك الأصح، ومن ضرورة ذلك أن يكون عالماً بلغة العرب؛ فإن الشريعة عربية.
قال: رجع فيه إلى من يعرف، أي: ولا يشك فيه؛ للضرورة في فصل الخصومات، فإن شك الشاهد في ذلك اللسان لم يقبل منه، نص عليه في "الأم"، ولو [احتاج إلى] أجرة فهي على صاحب الحق أم في بيت المال كأجرة الحاكم؟ فيه وجهان في "الأحكام" لابن شداد، وقال: إنا إذا قلنا بالأول، فالواجب [عليه] أجرة المثل فيما يتعلق بخاصته في مثل حقه.
стр. 8935
وفي "الرافعي" عوضاً عن الأول: أنها لا تجب في بيت المال؛ كالوكيل، ونسبه إلى تخريج [صاحب] "التلخيص"، وأنه يحكى عن أبي زيد أيضاً. وعلى هذا: فمؤنة ما يترجم للمدعي [على المدعي] عليه؛ لأنه يبلغ كلامه، والخلاف جار في أجرة المسمع، ويكون على الوجه الأول [على] صاحب الحق؛ كما قاله في "الوسيط".
قال: ولا يقبل فيه إلا قول من تقبل شهادته، [أي: فيما يترجم فيه؛ لأنها شهادة عند الحاكم بما يقف عليه الحكم؛ فلا تقبل إلا من عدل تقبل شهادته] كالإقرار.
стр. 8936
وعلى هذا: فلا تسمع ترجمة النساء في القصاص والحدود، وتسمع في الأموال وما في معناها مع رجل؛ كذا أطلقه البندنيجي، ولم يذكر الماوردي سواه، وقال: تسمع شهادة المرأة والرجل في الترجمة بالإقرار بالمال. وحكاه في "التهذيب" أيضاً، ثم [قال]: قال الشيخ: وجب ألا تقبل في الأموال- أيضاً- إلا من رجلين؛ كما لا تثبت الشهادة على الشهادة بقول النساء، وإن كان الحق مما يثبت برجل وامرأتين. وهذا ما أورده القاضي الحسين والإمام، وقاساه على الوكالة.
والوجهان مذكوران في "الكافي"، وعلى الأول: ينبغي أن تسمع الترجمة من النسوة منفردات فيما يثبت بشهادتهن على الانفراد، وهو قضية قولهم: إن ما تقبل فيه الشهادة من المرأة تسمع فيه ترجمتها.
والوالد والولد لا تقبل ترجمتهما؛ كما لا تقبل شهادتهما؛ كذا أطلقه [في] "الحاوي"، ولعله محمول على ترجمتهما بإقرار خصم قريبهما، وأما ترجمتهما بإقرار قريبهما فلا يظهر إلا سماعها.
واعلم أن ظاهر كلام الشيخ يقتضي: أنه لا تقبل ترجمة الأعمى فيما يفتقر فيه إلى البصر، وهو وجه حكاه الرافعي والبغوي وصاحب "الكافي" والإمام عن رواية صاحب "التقريب" في منع ترجمته مطلقاً لأن الأعمى ليس من أهل نقل الأقوال، ولا نظر إلى تفاصيل الأحوال، وعليه ينطبق قول الشيخ: ولا نقبل شهادة الأعمى إلا في موضعين. لكن الصحيح- وبه جزم الماوردي والقاضي أبو الطيب والروياني-: السماع إذا كلف القاضي المجلس السكوت؛ حتى لا يتكلم إلا المدعي والمدعى عليه؛ لأن الترجمة تفتقر إلى السماع [دون البصر، وشهادة الأعمى مقبولة فيما يتعلق بالسماع] خاصة وإن ردت فيما يتعلق بالبصر.
قال: ولا يقبل إلا من عدد يثبت به الحق المدعى [به]؛ لأن خبر من ليس بحاكم يفتقر إلى الحرية؛ فافتقر إلى العدد، أصله: الشهادة، وفيه احتراز من حكم
стр. 8937
الحاكم؛ لأن ذلك خبر من حاكم.
وقولنا: يفتقر إلى الحرية، احترزنا به عن أخبار الديانات [و] عن الفتوى، ولأنه نقل إلى الحاكم ما غاب عنه فيما يتعلق بأمر المتخاصمين؛ فكان من شرطه العدد كالشهادة.
وفي "الذخائر" حكاية وجه: أنه [يكتفي] بالواحد كالمسمع.
وقال الإمام: فيما إذا كان الخصمان عارفين بالعربية لا يغيب عنهما مدركها، ولكنهما لا يحسنان النظم-: الوجه أن يكون هذا بمثابة ما لو كان الخصمان سميعين، والقاضي أطروش.
والحكم في الصورتين: أن القاضي إذا احتاج إلى التلقي من المتوسط بالترجمة أو الإسماع، والخصمان مدركان- فالوجه: أنهما إذا أدركا ما جرى وقررا المترجم، كفى مترجم واحد، وحق القاضي أن يعتمد تقريرهما، وإن استظهر بإشارتهما فحسن، وإطلاق الأصحاب ذكر شاهدين في هذا المقام، التفات إلى قاعدة التعبد بالعدد.
ثم على المذهب، وهو الذي ادعى القاضي الحسين نفي خلافه: لو كان الخصمان أعجميين، فهل للمترجمين عن أحدهما أن يترجما عن الآخر؟ [فيه] قولان حكاهما القاضي الحسين، وقال في "الحاوي": فيه وجهان مأخوذان من اختلاف الوجهين في الشاهدين إذا تحملا عن شاهد الأصل، هل يتحملان عن الشاهد الآخر؟ ومن اعتبار العدد في الترجمة يؤخذ أنه لابد فيها من لفظ الشهادة، [لأن ما يعتبر فيه العدد يعتبر فيه لفظ الشهادة]، وهذا ما جزم به [القاضي] أبو الطيب وغيره.
وفي "الحاوي" حكاية وجه آخر: أنهما يذكران ذلك بلفظ الخبر، قال: وليس بصحيح؛ لما ذكرناه.
وهذا في الترجمة عن الخصم للقاضي، أما في [الترجمة عما] يقوله
стр. 8938
القاضي للخصم، فإنه خبر محض، وليس بشهادة؛ لأن الشهادة لا تكون إلا عن الحاكم الملزم؛ فيجوز فيها ترجمة الواحد وإن كان عبداً، ويجوز أن يكون المترجم لأحد الخصمين هو المترجم للآخر وجهاً واحداً.
قال: فإن كانت الدعوى في زنى، ففيه قولان:
أحدهما: يقبل في الترجمة اثنان، لأن المقصود [معرفة] اللسان، وذلك يحصل بشهادة الاثنين، [وهذا أصح] في "الجيلي".
والثاني: لا تقبل إلا [من] أربعة؛ نظراً إلى الحق المدعى به؛ ألا ترى أن ما لا تقبل فيه شهادة النسوة لا تقبل ترجمتهن فيه؟ وهذا القول لو سكت الشيخ عنه لأمكن أخذه من قوله: "ولا يقبل إلا من عدد يثبت به الحق المدعى به".
وقد أجرى بعضهم هذا الخلاف في ترجمة اللعان. والقاضي الحسين في كتاب اللعان قال: إنه يجري في نقل لعان الزوج؛ [لأنه مسوق لإثبات الزنى، فأما لعانها فيكفي فيه مترجمان؛ لأنها تنفي به الزنى].
وفي "مجموع" المحاملي ثم طريقة قاطعة بأنه يكفي في الطرفين مترجمان، وقال: إنها المذهب. وضعف طريقة إجراء القولين بأن الزنى ما يثبت في هذا الموضع؛ لأن الزوج ينفيه، وكذلك الزوجة.
تنبيه: كلام الشيخ مصرح بأن الخلاف في ترجمة الزنى قولان، والماوردي وغيره قالوا هاهنا: إنه وجهان مبنيان على أن الإقرار بالزنى، هل يثبت بشاهدين أم لا بد من أربعة؟ وفيه قولان، فإن قلنا بالأول كفى في [الترجمة] اثنان، وإلا فلا بد من أربعة.
[وقال الماوردي في كتاب اللعان: إنا إذا قلنا في الإقرار بالزنى: لابد من أربعة]، فهاهنا [هل] لابد من أربعة- أيضاً- أو يكفي اثنان؟ فيه وجهان، أصحهما: الاكتفاء.
стр. 8939
فرع: لو كان القاضي ثقيل السمع، [واحتاج إلى مسمع]: فهل يشترط فيه العدد كالمترجم أو يكتفي بواحد؟ حكى الغزالي فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يشترط، وهو ما اختاره الإمام، وقال: إنه يجب أن يعتقد؛ لأن كلا من المسمع والمترجم ناقل إلى القاضي: فأحدهما ينقل معنى اللفظ، والآخر ينقل اللفظ بعينه؛ فلا معنى لاشتراط العدد في الترجمان، والتردد في المسمع، وعلى هذا يشترط لفظ الشهادة على أصح الوجهين، فيقول: أشهد أنه يقول كذا وكذا.
قال الرافعي: ويشبه أن يجري الخلاف في إسماع رجل وامرأتين في المال؛ كما ذكرنا في المترجم، وأجاب في "الوسيط" بالمنع كما ذكرناه عن صاحب "التهذيب". [ثَمَّ].
والثاني: لا يشترط، قال الغزالي: لأن المسمع لو غير عرفه الخصمان، أي إن كانا سميعين، والحاضرون، أي: إن كان الخصمان أصمين بخلاف الترجمة.
قال في "البحر": وهذا ليس بشيء.
فعلى هذا: لا يشترط لفظ الشهادة، وهل تشترط الحرية؟ فيه وجهان كما في [شهادة] هلال رمضان إذا اكتفينا فيه بالواحد. والأصح: الاشتراط، وأنه لا يسلك به مسلك الروايت.
والثالث: أن العدد لا يشترط، إلا أن يكون الخصمان أصمين فيشترط؛ لأن القوم قد يغفلون عن تغييره، فالخصم هو الذي يعتني به، وهو عاجز عن الرد لو غير المسمع. وقد فهم مما ذكره الغزالي [من التعليل]: أن محل الاكتفاء بمسمع واحد في حالة صمم الخصمين- على الوجه الثاني- ما إذا كان ثم حاضر غيرهم، أما إذا لم يكن [ثم] حاضر غير الخصمين والقاضي والمسمع، فلا يكتفي به. وهو متبع في ذلك الإمام، فإنه قال فيما إذا لم يكن ثم غيرهم: الوجه القطع باشتراط العدد، وإن حكى عن الأصحاب الوجهين في هذه الحالة أيضاً.
стр. 8940
والقاضي الحسين جزم- على القول بالاكتفاء بمسمع واحد- بأن القاضي والخصمين إذا كانوا صماً، [بأنه] لابد من اثنين.
ثم قال الإمام: إن محل الوجه الثالث إذا لم يكن الحضور مأمورين من القاضي بالإصغاء ومراقبة الحال.
ولو كان المحتاج إلى المسمع الخصم خاصة لثقل سمعه- فعن "جمع الجوامع" للقاضي الروياني: أنه لا حاجة فيه إلى العدد. وهو معزي إلى القفال، وذلك قضية ما ذكرناه عن الماوردي [في المترجم، والله أعلم].
قال: وإذا حكم الحاكم بحكم، فوجد النص، أي من الكتاب، أو السنة المتواترة أو المنقولة بالآحاد، أو الإجماع، أو القياس الجلي، أي: على اختلاف أنواعه التي سنذكرها بخلافه نقض حكمه؛ لأن الاجتهاد إنما يسوغ إذا لم يكن هناك مخالفة نص كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس غير محتمل، فإذا حكم باجتهاده في مثل ذلك كان مردوداً كما لو حكم بطريقة لا تصح في الشرع.
وقد ادعى الماوردي في حالة قيام الإجماع: أن النقض مجمع عليه من الخصوم.
واستدل هو وغيره على النقض في حالة وجود النص بقوله ﷺ : "مَنْ أَدْخَلَ فِي دِيْنِنِا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدُّ" ويروى: "مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدُّ". وبآثار وردت عن عمر- ﵁ في هذا الباب اشتهرت ولم ينكرها أحد؛ فكان إجماعاً، منها ما ذكرناه من قبل أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري: "لا يَمْنَعَّكَ قَضَاءُ قَضَيْتَهُ، ثُمَّ رَاجَعْتَ فِيْهِ نَفْسَكَ فَهُدِيتَ الرُّشْدَ- أَنْ تَنْقُضَهُ، فَإِنَّ الرُّجُوعَ إِلَى الحَقِّ خَيْرُ مِنَ التَّمَادِي فِي البَاطِلِ".
ولأن الكتاب والسنة أصل الإجماع؛ لأنه لا يجوز أن ينعقد على [ما] يخالفهما، فلما نقض حكمه بمخالفة الإجماع كان نقضه بمخالفة الكتاب والسنة أولى.
стр. 8941
وفي "أدب القضاء" لابن أبي الدم: أنه [قيل:] لا ينقض القضاء إذا خالف خبر الواحد.
والصحيح: الأول؛ فينقض قضاء الحنفي في مسألة خيار المجلس [بنفيه] وفي العرايا، وذكاة الجنين والنكاح بلا ولي، وقيل: الأصح أنه لا ينقض في مسألة النكاح بلا ولي. وينقض- أيضاً- قضاؤه إذا حكم بشهادة فاسقين على الأصح، وكذلك قضاء من قضى بصحة بيع أمهات الأولاد [ينقض] على الأصح.
ثم المراد من النص: ما لا يحتمل تأويلاً، أو يحتمل تأويلاً بعيداً ينبو عنه اللفظ.
والقياس الجلي، قال النواوي: إنه الذي يعرف به موافقة الفرع الأصل، بحيث ينتفي احتمال افتراقهما أو يبعد: كقايس غير الفأرة من الميتات إذا وقعت في السمن، عليها، وغير السمن من المائعات والجامدات، عليه وقياس الغائط على البول في الماء الراكد.
وفي "الحاوي": أن القياس الجلي ما كان معناه في الفرع زائداً على معنى الأصل، [وله ثلاثة ألقاب- كما قال البندنيجي-: جلي، وقياس في معنى الأصل] وقياس لا يحتمل إلا معنى واحداً.
ومعنى الجلي: يجلى معناه تجلية بحيث لا يفتقر إلى بحث وسبر.
[وفي معنى الأصل: [عرف] حكم فرعه كما عرف حكم أصله وصارا واحداً.
والذي] لا يحتمل إلا معنىً واحداً: معناه: لا يصلح تعليق الحكم بغير معناه. قال الماوردي: وهو ثلاثة أضرب:
أحدها: ما عرف معناه من ظاهر النص بغير استدلال، ولا يجوز أن يرد البعيد فيه، بخلاف أصله؛ كقوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، فإن تحريم التأفيف يدل [ببديهة النص] على تحريم الضرب والشتم، ولا يجوز أن يحرم
стр. 8942
التأفيف ويحل الضرب والشتم، ومثله قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه﴾ [الزلزلة]؛ وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَامَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَامَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً﴾ [الآية] [آل عمران: ٧٥].
وهذا الضرب من القياس أقرب وجوه القياس إلى النصوص؛ لدخول فروعها في النصوص، ولم يختلف أصحابنا في جواز تخصيص العموم [به]، وإن اختلفوا في جواز النسخ به على وجهين:
أحدهما- وهو قول الأكثرين-: أنه لا يجوز.
ومقابله منسوب إلى أبي علي بن أبي هريرة، قال الماوردي: وقد حكاه عن بعض من تقدمه.
والضرب الثاني: ما عرف معناه من ظاهر النص بغير استدلال، لكن يجوز أن يرد البعيد فيه، بخلاف أصله، وذلك كنهيه ﷺ عن التضحية بالعوراء البين عورها، والعرجاء [البين عرجها؛ فكذلك العمياء والقطعاء قياساً عليهما، وإن جاز أن يرد البعيد بتحريم العوراء أو العوجاء] وإباحة العمياء والقطعاء، وكنهيه ﷺ عن أن يلبس المحرم ثوباً مسه ورس أو زعفران، فكان العنبر والمسك قياساً عليهما.
وهذا الضرب يجوز تخصيص العموم به، ولا يجوز به النسخ بوفاق أصحابنا، لجواز ورود البعيد في الفرع، بخلاف أصله.
وفي "تعليق" البندنيجي أن بعض أصحابنا قال: لا يجوز أن يرد الشرع في هذا بخلاف الأصل.
والضرب الثالث: ما عرف معناه من ظاهر النص باستدلال ظاهر يعرف بأدنى نظر؛ كقوله تعالى في زنى الإماء: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] فجعل حدهن نصف حد الحرائر، ولم يكن المعنى فيهن إلا نقصهن بالرق، فكان العبيد قياساً عليهن في تنصيف الحد إذا زنوا لنقصهم بالرق، ومثله قوله ﷺ : "من أعتق شركاً له في عبد وكان موسراً، قوم عليه"؛ فكانت
стр. 8943
الأمة قياساً على العبد، وقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]؛ فكأن معنى نهيه عن البيع أنه تشاغل عن حضور الجمعة؛ فكانت عقود المناكحات والإجارات وسائر الأعمال والصنائع قياساً على البيع؛ لأنه تشاغل عن حضور الجمعة.
وهذا الضرب لا يجوز النسخ به، ويجوز تخصيص العموم به عند أكثر أصحابنا، وإن منع منه بعضهم لخروجه عن الجلاء بالاستدلال، وليس بصحيح؛ لأنه صار بجلاء الاستدلال كالجلي بغير استدلال.
قال البندنيجي وبعض أصحابنا يعد هذا الضرب من أقسام القياس الواضح كما عد منه قوله ﷺ : "لَا يَقْضِي القَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ"، ومعناه: أنه يغير العقل؛ فكان الجوع والجزع مثله، وكقوله ﷺ ] فِي الفَارَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ: "إِنْ كَانَ جَامِداً فَأَلْقُوْهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعاً فَأَرِيْقُوْهُ"، فكان العصفور مثل الفأرة، والشحم مثل السمن؛ وكقوله- تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة: ٣٢].
وخص الجلي بالضربين الأولين، وقال: كما ينقضي الحكم إذا خالف القياس الجلي، كذلك إذا خالف القياس الواضح بهذا التفسير.
ولو خالف حكم الحاكم القياس الخفي، أو قياس غلبة الشبه-[لم ينقض حكمه؛ كما صرح به البندنيجي.
والقياس الخفي: هو ما خفي معناه؛ فلم يعرف إلا باستدلال، وتكون صفاته في الفرع مساوية لمعنى الأصل.
وقياس غلبة الشبه]: بما يجاذب الأصول، فأخذ من [كل] أصل شبهاً، وأخذ كل أصل منه شبهاً. كذا قاله الماوردي، لكنه ذكر أن القياس الخفي
стр. 8944
[على] ثلاثة أضرب:
أحدها: ما كان معناه لائحاً يعرف باستدلال متفق عليه؛ كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فكان عمات الآباء والأمهات في التحريم قياساً على الخالات؛ لاشتراكهن في الرحم، وقوله تعالى في نفقة الولد الصغير ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] فكان نفقة الوالد عند عجزه في كبره؛ قياساً على نفقة الولد] لعجزه [في صغره].
قال: وهذا ينقض به حكم الحاكم إذا خالفه، وفي جواز تخصيص العموم به وجهان.
والضرب الثاني: ما كان معناه غامضاً؛ للاستدلال المختلف فيه؛ فتقابلت معانيه حتى غمضت: كتعليل الربا في البر المنصوص عليه، فتقابل فيه التعليل بالأكل؛ ليقاس [عليه] كل مأكول، والتعليل بالقوت؛ ليقاس عليه كل مقتات، والتعليل بالكيل؛ ليقاس عليه كل مكيل.
والضرب الثالث: ما كان مستبهماً وهو ما احتاج نصه ومعناه إلى الاستدلال؛ كالذي قضى به رسول الله ﷺ : "أن الخراج بالضمان"، فخرج بالاستدلال أن الخراج هو المنفعة، وأن الضمان هو [ضمان] البيع، ثم عرف معنى المنفعة بالاستدلال؛ فتقابلت المعاني بالاختلاف فيها.
فهذا والذي قبله لا ينقض بهما حكم الحاكم إذا خالفهما، ولا يجوز تخصيص العموم بهما.
وفي "الرافعي": أن ابن القاص قال: إن الضرب الثاني من هذه الأضرب من الجلي أيضاً، وقضيته النقض.
وذكر الماوردي أن قياس غلبة الشبه نوعان: قياس تحقيق يكون الشبه في أحكامه، وقياس تقريب يكون الشبه في أوصافه، وقياس التحقيق [له] ثلاثة أضرب:
стр. 8945
أحدها: أن يتردد حكم الفرع بين [أصلين: ينتقض] برده إلى أحدهما، ولا ينتقض برده إلى الآخر؛ فيرد إلى الأصل الذي [لا] ينتقض برده إليه وإن كان [أقل شبهاً، ولا يرد إلى الأصل الذي ينتقض برده إليه وإن كان] أكثر شبهاً.
مثاله: العبد هل يملك إذا ملك؟ تردد بين أصلين.
أحدها: الحر في جواز ملكه.
والثاني: البهيمة في عدم ملكه.
فلما انتقض برده إلى الحر في الميراث حين لم يملك به، وجب رده إلى التهمة؛ لسلامته من النقض، وإن كان شبهه بالأحرار أكثر من شبهه بالبهائم.
والضرب الثاني: أن يتردد الفرع بين أصلين [يسلم من النقض لو رد إلى كل واحد منهما، وهو بأحد الأصلين] أكثر شبهاً منه بالأصل الآخر، مثل: أن يشبه أحدهما من وجه، و [يشبه] الآخر من وجهين؛ فيجب رده إلى الأصل الذي هو أكثر شبهاً به.
مثاله: في الجناية على أطراف العبد تردد بين رده إلى الحر في تقدير الجناية على أطرافه، وبين رده إلى البهيمة في وجوب ما نقص من قيمته، وهو يشبه البهيمة في أنه مملوك ويورث، ويشبه الحر في أنه آدمي مخاطب مكلف، [يجب] في قتله القود والكفارة، فوجب رده إلى الحر في تقدير الجناية على أطرافه دون البهيمة؛ لكثرة شبهه بالحر، وقلة شبهه بالبهيمة.
والضرب الثالث: أن يتردد حكم الفرع بين أصلين مختلفي الصفتين، ويوجد في الفرع بعض كل واحدة من الصفتين، ولا تكمل فيه إحدى الصفتين، لكن يوجد فيه الأكثر من إحداهما، والأقل من الأخرى؛ فيجب رده إلى الأصل الذي فيه أكثر صفاته.
مثاله: ثبوت الربا في الإهْلِيلَج والسَّقَمُونيا؛ لما تردد بين الخشب في الإباحة، لأنه ليس بغذاء، وبين الطعام في التحريم؛ [لأنه مأكول؛ فكان رده إلى الغذاء في التحريم
стр. 8946
- لأنه مأكول]، وإن لم يكن غذاءً- أولى من رده إلى الخشب في الإباحة [وإن لم يكن غذاءً]؛ لأن الأكل أغلب صفاته.
وقال- أعني الماوردي- في موضع آخر: إن حكم القاضي ينتقض إذا خالف قياس التحقيق.
وعد في "النهاية" مما ينقض به قضاء القاضي: ما إذا تردد مذهبان بين موافقة قاعدة كلية وبين مجانبتها والتزام حرمها، كمسألة المثقل، ومعظم مسائل الحدود والغصوب.
ثم المعنى بنقض الحكم- كما قال الإمام في أول باب علم القاضي بحال من قضى [عليه]-: التبين، وإلا فليس القضاء أمراً يعقد ويحل.
وحكى الماوردي في باب شهادة النساء: أن الحكم إذا وقع بأضعف المذهبين أصلاً مما ينقضه عليه غيره من القضاة فهو باطل في الظاهر والباطن، لكن هل يفتقر بطلانه إلى حكم الحاكم أم لا؟ [فيه وجهان].
[فروع]:
من حكم بالتفرقة بين الزوجين بلعان ثلاث مرات، ينقض حكمه؛ لأنه خلاف الكتاب.
وكذلك من حكم برضاع الكبير بعد أن كان المرضع ابن سنتين وخمسة أشهر، ففرق بين الزوجين- نقض حكمه، وردها على الزوج.
ومن أجاز نكاحاً عقد بشهادة فاسقين بلا إعلان ولا إظهار، نقض حكمه.
وكذا لو حكم بقتل مؤمن بكافر أو توريث أحدهما من صاحبه، أو حكم بإبطال قطع يد المرأة بيد الرجل، أو قتلها به حتى يغرم وليها نصف الدية؛ كذا حكاه القاضي حسين.
وفي "الرافعي": أن من الأصحاب من منع النقض وقال: هي مسائل اجتهادية، والأدلة فيها متفاوتة. قال القاضي الروياني: وهو الصحيح. وكذلك ذكره القاضي ابن كج
стр. 8947
في الحكم ببطلان خيار المجلس.
قال: وإن اختلف رجلان، فقال أحدهما: [قد] حكم لي الحاكم [بكذا]، وأنكر الآخر، فقال الحاكم: حكمت، أي: وهو في محل ولايته باق عليها- قبل قوله وحده؛ لأنه قادر على الإنشاء، [ومن قدر على الإنشاء قدر] على الإقرار كالزوج لما قدر على إنشاء الطلاق قدر على الإقرار به.
قال القاضي حسين: [حتى] لو قال: قضيت على أهل [هذه] البلدة بأن نساءهم طوالق وعبيدهم أحرار، قبل قوله ونفذ حكمه.
وهذا إذا صرح بأن الحكم وقع بالبينة، أو بإقرار الخصم، أو بنكوله واليمين، [أو أطلق] الحكم.
ولا يحوج القاضي إلى إثبات ما قام عنده من حجة بينة، وإن منعنا القضاء بالعلم، وهذا متفق عليه. ولو أحوج إلى البينة، فعند من يقيمها؟
نعم، [لو] قال: حكمت عليه بعلمي، فذاك ينبني على أن القضاء بالعلم هل يسوغ؟ فإن قلنا: نعم، فالحكم كما تقدم، وإلا فلا يقبل إقراره، ولا يلزم المقضي عليه ما قضى به، كذا صرح به القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ وغيرهم.
[فإن] قيل: قد قلتم: [إن ما يسوغ فيه الاجتهاد إذا اتصل بحكم الحاكم لا ينقض، والقضاء بالعلم] مما يسوغ فيه الاجتهاد؛ فينبغي إذا اتصل بالحكم ألا ينقض.
قيل: من يقول بأنه يسوغ له أن يقضي بعلمه، لم يجعل العلم حجة؛ فصار كما لو قال: حكمت من غير مستند وبغير حجة. لا ينفذ وإن كان في [محل] الاجتهاد، بخلاف المواضع المختلف فيها.
стр. 8948
فرع: لو ادعى أحد الخصمين على القاضي المولى، وهو [في] محل ولايته، [عند قاض آخر في محل ولايته] أيضاً؛ إما لكون أحدهما نائباً عن الآخرن أو لكونهما أصلين، وجوزنا ذلك: أنك حكمت لي بكذا على خصمي، وأنكر [القاضي]- فهل له طلب يمينه؟
الذي حكاه الأصحاب: أنه ليس له ذلك.
وعن القاضي الحسين أنه [قال]: ينبني ذلك على أن النكول مع يمين الرد يجري مجرى البينة أو الإقرار؟
إن قلنا: يجري مجرى البينة، فلا حكم لها؛ لأن البينة لو قامت لم يقع بها حكم.
وإن قلنا: يجري مجرى الإقرار، فيحلف، قال الإمام: وتكون اليمين على نفي التذكر، فإذا نكل ردت اليمين على المدعي، وتنزل منزلة إقرار القاضي. قال الإمام: وهذا بعيد، والوجه ما ذكره الأصحاب.
أما إذا قال الحاكم بعد العزل، [أو] وهو خارج عن محل ولايته: قضيت بكذا حالة نفوذ قضائي- لم يقبل [الحاكم] منه [ذلك]. نعم، لو شهد به، فهل تقبل شهادته؟ فيه خلاف يأتي في الشهادات، إن شاء الله تعالى.
ولو قال بعد العزل: المال الذي في يد هذا الأمين لزيد دفعته [له] أيام قضائي، وقال الأمين: إنه لعمرو، وما قبضته منك- فالقول قول الأمين. نعم، لو سلم القبض منه فالقول قول القاضي، وهل يغرم الأمين لليتيم الذي [أقر له]؟ فيه وجهان في تعليق القاضي الحسين في باب ما على القاضي في الخصوم. والله سبحانه أعلم.
стр. 8949
باب القسمة
القسمة- بكسر القاف-: الاسم من قولك: قسم المال، يقسمه قسماً- بالفتح وقاسمه، [و] تقاسما واقتسموا وتقاسموا.
وهي في اصطلاح العراقيين نوعان:
قسمة رد.
وقسمة لا رد فيها.
وفي اصطلاح المراوزة: ثلاثة أنواع:
قسمة رد.
وقسمة إفراز.
وقسمة تعديل.
قال: تجوز قسمة الأملاك؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ الآية [النساء: ٨]، وقوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٨] يريد: بين الناقة وبين قوم ثمود؛ فيكون لهم يوم، وللناقة يوم.
وقوله- ﵇: "الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ، وَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِفَتِ الطُّرُقُ فَلا شُفْعَةَ".
وَقَدْ قَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ غَنَائِمَ بَدْرٍ قَرِيْباً مِنْهَا بِشِعْبٍ مِنْ شِعَابِ الصَّفْرَاءِ، وَغَنَائِمَ خَيْبَرَ بَأَوْطَاسٍ، وَقِيْلَ: بِالْجِعْرَانَةِ.
وقد كان للخلفاء الراشدين قسام، وكان علي يعطي رزق قاسمه من بيت المال، ولم ينكره أحد؛ فكان إجماعاً.
стр. 8950
وقد صرح البغوي وصاحب "البحر" وغيرهما بأن القسمة مجمع عليها، مقتصرين على ذلك؛ لأن بالناس إلى قسمة المشترك حاجة داعية إليها؛ ولأجل هذا قال الأصحاب- كما حكاه صاحب "التهذيب"، و"الكافي"، وغيرهما-: إنه لا يجوز للإمام أن يخلي نواحي الإسلام من قسام تحصل بهم الكفاية؛ كالحكام.
وفي "تعليق" أبي الطيب: أنه يستحب للحاكم أن يتخذ قاسماً، وهذا إذا كان رزقه من بيت المال، فلو لم يكن، فلا ينبغي أن يجعل له قاسماً معيناً، بل يدع الناس يستأجرون من يختارونه.
وهل هذا على وجه الوجوب أو الندب؟
الكلام فيه كما قدمناه في اتخاذ الكاتب؛ كذا صرح به الأصحاب.
قال: فإن كان فيها رد، أي: مثل: أن يترك شخص لولديه دارين، أو عبدين، قيمة أحدهما ستمائة درهم، و [قيمة] الآخر ألف؛ فيجعلان النفيس بينهما والخسيسس بينهما على أن من يحصل له النفيس يرد مائتين للآخر حتى يعتدل.
أو يكون بينهما أرض في أحد جانبيها بئر، أو بناء، أو شجر لا يمكن قسمته، فتنضبط قيمة ما اختص بذلك الجانب، وتقسم الأرض بذلك، على أن يرد من يأخذ الجانب الذي في البئر أو البناء أو الشجر بذلك القيمة.
قال: فهو بيع، أي: إذا اتفقا على أن من يأخذ الأكثر قيمة يدفع [المائتين] للآخر في المثال الأول؛ لأنه يأخذ عما يؤخذ من ماله عوضاً هو مال، وذلك حقيقة البيع.
وهذه القسمة تسمى: قسمة الرد، وإن كانت بيعاً ولا إجبار فيها على المشهور؛
стр. 8951
إذ البيع لا يدخل الإجبار فيه بطلب أحد الشريكين.
وعن "أمالي" أبي الفرج: أن من أصحابنا من خرج في الإجبار قولاً مأخوذاً من خلاف سنذكره فيما لو كان بينهما عبدان، قيمة أحدهما ألف، وقيمة الآخر ستمائة، فأراد أحدهما أن يقسما، على أن يجعل الخسيس وخمس النفيس سهماً وأربعة أخماس النفيس سهماً وفيها طريقان.
قال الرافعي: لكن إطلاق القول بالتخريج بعيد؛ لأنه لا رد في تلك الصورة، ولا تصرف إلا في المشترك، بخلاف ما نحن فيه.
قال: فما لا يجوز في البيع، قال الجيلي: كما إذا كان بينهما أرض فيها بذر مبذور، لا يجوز في هذه القسمة، لكونه تبعاً.
وفيما قاله الجيلي من تصوير المسألة نظر يظهر لك مما ذكرته في البيع.
وما ثبت في البيع من غير شرط وهو خيار المجلس يثبت في هذه القسمة ما لم يتفرقا.
ولو شرطا في حال الرضا خيار الثلاث، كان لهما؛ [كما قال] الماوردي.
أما إذا لم يتفقا على من يأخذ الأكثر قيمة، لكن تراضيا بإخراج القرعة فسيأتي الكلام فيه.
قال: وإن لم يكن فيها رد، أي: سواء كانت قسمة تعديل، أو لا تعديل فيها: كالأرض المتساوية الأجزاء، أو قسمة ذوات الأمثال- ففيه قولان:
أحدهما: أنه تمييز للحقين، أي: يبين أن [ما] حصل لكل واحد منهما هو الذي ملكه، كالمال الثابت في الذمة يتعين بالقبض، وإن لم تكن العين المقبوضة ديناً، ولا نجعلها عوضاً عن الدين؛ إذ لو قدرنا ذلك لما صح قبض المسلم فيه من جهة امتناع الاعتياض عنه.
стр. 8952
ولأنها لو كانت بيعاً لما دخلها الجبر، ولما تعين حق كل واحد منهما بالقرعة، ولثبتت فيها الشفعة للثالث من الشركاء إذا تقاسم شريكاه حصتهما، وتركا حصة شائعة معهما برضاه؛ إذ يظهر جواز هذه القسمة كما سنذكره.
وهذا ما اختاره في "المرشد"، وقال الجيلي: إنه المختار في "حلية" الروياني، وأشار إليه في "المحرر"، وقال ابن أبي الدم: إنه الأصح عند العراقيين.
وعلى هذا قال: فما أمكن فيه القسمة، جازت قسمته، أي: وإن لم يجز بيعه؛ إذ لا مانع منها.
ويجوز أن يتفرقا في قسمة الربويات من غير قبض.
ويقسم بالكيل، والوزن؛ على حسب اختيارهما، وهل يجوز أن يقسم بالخرص [في نخلة وشجرة؟ فيه قولان في "الحاوي" قال: وأصح هذين القولين: أنه يمنع بالخرص] في قسمة الإجبار [لأن المقصود بها التحقيق المعلوم في الخرص، ويجاز بالخرص في قسمة الاختيار]؛ لأنها محمولة على التراضي.
وحكى ابن الصباغ القولين في باب زكاة الثمار في جواز قسمة ثمر النخل خاصة.
وفي "المهذب" و"الرافعي": أن ثمرة الكرم والنخل تجوز قسمتها خرصاً. كما يجوز خرصها للفقراء، وأن ثمرة غيرهما لا تقسم خرصاً؛ لأن الخرص لا يدخلها؛ وهذا يكون وجهاً ثالثاً.
قال: وما لم يمكن فيه القسمة: كالأرض مع البذور، والأرض مع السنابل – لا تجوز قسمته، [أي]: إذا أريدت قسمة المجموع، للجهالة بالمقصود، وكذا لو أريدت قسمة البذر وحده، والسنابل وحدها، لم يجز أيضاً؛ للجهالة.
نعم، لو طلب أحدهما قسمة الأرض دون البذر، والسنابل، أجبر الآخر.
ولو كان البذر قد طلع، ولم يسنبل، بل هو يعد حشيشاً، جازت قسمة المجموع؛
стр. 8953
كما صرح به أبو الطيب؛ وكذا قسمة الحشيش وحده على هذا القول الذي عليه نفرع، لكن هل يجبر الممتنع إذا أريدت قسمة الأرض والحشيش؟ قال في "البحر": قال بعض أصحابنا: لا يجبر؛ لأن الإجبار على ما يبقى ويدخر.
والصحيح: أنه يجبر، والله أعلم.
والقول الثاني: أنه بيع، أي: لنصيب أحدهما في الجانب الأيمن بنصيب الآخر في الجانب الأيسر؛ لأن كل جزء مشترك [بينهما]، فإذا [أخذ] أحدهما أحد الجزأين، فقد ابتاع حق صاحبه منه بحقه من الجزء الآخر؛ وهذا أصح عند صاحب "التهذيب"، و"الكافي"، وآخرين، ومنهم- كما قال ابن أبي الدم-: الإمام والشيخ أبو علي.
وقال الماوردي في باب الربا: إنه المشهور.
ونقل ابن الصباغ في باب زكاة الثمار عن المزني: أنه قال: القسمة بيع عنده.
والقائلون به أجابوا عن الإجبار، وعن دخول القرعة: بأن ذلك جوز للحاجة؛ ألا ترى أن للحاكم بيع مال المديون جبراً؛ لأجل الحاجة، ولا يخرجه ذلك عن أن يكون بيعاً؟
[وعلى هذا] قال: فما جاز بيع بعضه ببعض، جازت قسمته: كالأراضي، والحبوب، والأدهان، وغيرها، ويعتبر [في] الربويات منها التقابض قبل التفرق، وأن تقع القسمة بمعيار الشرع.
[وقد ذكرت] في آخر باب الربا: أنه لا يثبت فيها خيار الشرط، وكذا خيار المجلس مع فوائد أخر؛ فلتطلب منه.
قال: وما لا يجوز بيع بعضه ببعض: كالعسل الذي عقد أجزاؤه [على النار]، وخل التمر- لا تجوز قسمته؛ حذراً من الربا، وكذا لا تجوز قسمة الثمار الرطبة.
стр. 8954
قال القاضي أبو الطيب: وكذا الزرع الأخضر الذي في الأرض لا يقسم منفرداً عنها؛ على هذا القول؛ لأن بيعه لا يجوز إلا بشرط القطع، والقسمة لا تكون بشرط القطع، بل لا تكون إلا مطلقة، والبيع مطلقاً لا يجوز.
أما نصيب من حصل له الجانب الأيمن من الجانب [الأيمن]، وكذا نصيب من حصل له الجانب الأيسر من الجانب الأيسر- فالقسمة فيه إفراز؛ على هذا القول أيضاً؛ كما نبه عليه الرافعي.
والقاضي حسين قال في "التعليق" بعد حكاية القولين: والأصح أن يقال: القسمة تمييز، وإفراز [على هذا] بتعويض؛ لأنه ما من جزء إلا وهو مشترك بينهما، فإذا اقتسما، فما وقع في نصيب أحدهما بعضه يكون عوضاً عما له في نصيب صاحبه، وبعضه يعين ما كان له عند الشيوع.
وهذا الذي ذكره الشيخ من كون قسمة الرد بيعاً، وفيما عداها القولان- هو المنقول من طريقة العراقيين؛ لأن القسمة عندهم- كما ذكرنا- نوعان لا غير.
وقد يفهم من كلام البندنيجي حكاية القولين في أن القسمة بيع أو تمييز للحقين في قسمة الرد أيضاً؛ فإنه قال: اختلف قول الشافعي في القسمة على قولين، ثم قال: والقسمة ضربان: قسمة لا رد فيها، وقسمة فيها رد:
فالتي لا رد فيها هي قسمة الإجبار، وصورتها: ما أمكن تعديل السهام بالأجزاء، أو بالقيمة من غير رد.
وأما التي فيها رد، فهي قسمة التراضي، وصورتها: ما لا يمكن تعديل الأنصباء فيها بالأجزاء، ولا بالقيمة؛ حتى يرد أحدهما على صاحبه بدل الفاضل مما يحصل في يده.
وسنذكر من كلام الشيخ في هذا الباب ما يقوي هذا الإفهام.
وأما المراوزة فلما جعلوا القسمة ثلاثة أنواع، قالوا: قسمة الرد بيع؛ كما قاله العراقيون، وما لا رد فيها إن لم يحتج فيها إلى تقويم: كقسمة ذوات الأمثال، والبراح
стр. 8955
من الأرض المتساوي القيمة- ففيه القولان.
والأصح منهما عند الغزالي [في "الوجيز"] في كتاب الرهن، وتبعه النواوي- الأول.
وقال الرافعي: إنه الذي يوافقه جواب الأصحاب في مسائل متفرقة [تتفرع] على القولين.
وذكر في "العدة": أن الفتوى عليه.
واختلفوا في محل القولين- كما حكاه البغوي، وتبعه في "الكافي"- على طريقين:
أحدهما: أن محلهما إذا جرت القسمة بالإجبار، أما إذا جرت بالاختيار، كانت بيعاً وجهاً واحداً.
والثاني: أنهما جاريان في الحالين، وهي التي صححاها، وقد حكاهما الرافعي عن رواية المحاملي أيضاً.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أن الظاره الطريق الأول، ولم يحك سواه.
وإن احتاج القاسم في القسمة إلى تقويم: كالعبدين، والدارين، ونحو ذلك- ففي كونها بيعاً أو إفرازاً طريقان- على قولنا: يجري الإجبار فيها؛ كما هو الأصح عند الإمام، وعند الشيخ أبي حامد-:
إحداهما: القطع بأنها بيع: لانفصال العين عن العين، وتمييز المشترك عن المشترك؛ وهذا أصح عند الغزالي.
والثانية: إجراء القولين فيها أيضاً؛ اعتماداً على الإجبار على القسمة، وهي قضية إيراد صاحب "التهذيب"، وأبي الحسن العبادي.
أما إذا قلنا: لابد فيها من التراضي، قال الإمام: فالمذهب الذي يجب القطع به: أنها بيع.
وأبعد بعض أصحابنا فأجرى القولين في ذلك، وقد يجريهما ويقول في
стр. 8956
أحدهما: إفراز مشروط بالتراضي؛ كما يقول في القسمة الجبرية: بيع جاز جبراً من غير تراض.
وقال الرافعي: يشبه أن يكون الطريقان في الصورة الأولى مبنيين على أن هذه القسمة هل يجبر عليها؟ إن قلنا: نعم، ففيها القولان، وإن قلنا: لا، فهي بيع لا محالة.
وهذا منه دليل على أنه لم يقف على تصوير الإمام محل إجرائهما بقولنا بالإجبار عليها.
وقد اعترض الإمام على الأصحاب في إطلاقهم القول بأن القسمة التي فيها رد- بيع، وقال: الوجه الذي نراه – بناء هذا على الإجبار على القسمة.
وقد قال الأصحاب: لا سبيل إلى الإجبار على بذل العوض أصلاً.
وهل يجري الإجبار على القدر الذي لا حاجة فيه إلى الرد، بأن يجعل العبد المساوي ستمائة سهماً، ويجعل ستمائة من العبد المساوي ألفاً سهماً، ويبقى الشيوع في مقدار أربعمائة؟ فيه خلاف، فإذا تحرر ذلك، قلنا: القدر الذي يقابل العوض لا شك أنه مبيع، وما يجري فيه- بيع، ومن سمى هذا القدر. قسمة، فهو متجوز أو غافل. وما لا يقابله العوض، فإن قلنا: يجري الإجبار فيه؛ ففي ذلك القدر قولاَ الإفراز والبيع مذهباً واحداً. وإن قلنا: لا يجري الإجبار فيما وراء ذلك، ففي القسمة المفتقرة إلى التراضي طريقان، سبقا؛ فليجريا هاهنا.
وقد بطل إطلاق القول بالقطع بأن القسمة المشتملة على الرد بيع، وبأن هذا التفصيل لا بد منه، ولم نذكره إلا بعد أن رأينا في كلام الأئمة ما يدل عليه.
ولما رأى الغزالي ما فيه اقتصر على إيراده في "الوسيط".
قلت: وفيما قاله الإمام من التخريج نظر؛ من حيث إن هذه القسمة اعتمدت التقويم والتعديل، فإنا نجعل أربعة أخماس النفيس في مقابلة جملة الخسيس [وذلك تقويم وتعديل، وقد حكينا عنه من قبل]، فيما إذا احتاجت القسمة إلى تقويم، وقلنا بالإجبار- رواية طريقين:
أحدهما: القطع بأنها بيع، وهي التي صححها الغزالي.
والثاني: إجراء القولين.
стр. 8957
وإن قلنا بعدم الإجبار، فالمذهب أنها بيع.
وقضية ذلك: أن ينعكس ما أبداه من التخريج، ويقال: إن قلنا بعدم الإجبار فالوجه القطع بأنها بيع؛ بناء على المذهب. وإن قلنا بالإجبار ففيها الطريقان، والله أعلم.
واعلم أن للقولين في أن القسمة بيع أو إفراز، فوائد أخر:
منها: إذا وقف على قوم بعض دار، فأرادوا قسمتها، فإن كان باقيها طلقاً، قال المراوزة: إن قلنا: إنها بيع، لم تجز، وإلا جازت.
стр. 8958
قال الرافعي- حكاية عن الروياني-: وهو الاختيار.
وقال في "الحاوي" هاهنا: إن قلنا: إنها إفراز، جازت هاهنا جبراً، وإن قلنا: إنها بيع؛ ففي جواز القسمة قولان:
أحدهما: لا تجوز جبراً ولا اختياراً؛ تغليباً للوقف.
والثاني: تجوز جبراً واختياراً؛ تغليباً للملك.
وقال في "المهذب"- وتبعه في "المرشد"-: إن قلنا: إن القسمة بيع، لم تصح، وإن قلنا: إنها تمييز للحقين، نظرت: فإن لم يكن فيها رد صحت، وإن كان فيها رد: فإن كان من أهل الوقف جاز؛ لأنهم يبتاعون الطلق، وإن كان من أهل الطلق، لم يجز؛ لأنهم يبتاعون بجواز الوقف.
وفي هذا نظر من جهة أنه يقتضي أن القولين في أن القسمة تمييز للحقين أو بيع، جاريان في قسمة الرد أيضاً؛ كما قلنا: إن كلام البندنيجي يفهمه، وأن قسمة الرد تكون بيعاً في شيء دون شيء، وقد قدمنا عن العراقيين وغيرهم أن القسمة التي فيها الرد بيع. نعم، هو موافق لما قاله الإمام تفقهاً واستنباطاً من كلام الأصحاب.
[و] إن كان باقي الدار وقفاً- أيضاً- فإن كان على جهة أخرى، فقد قال الماوردي في كتاب الوقف: إن قلنا: إن القسمة بيع، لم تجز، وإلا جازت إذا لم يكن ثم رد، وتلزم القسمة في الحال، وفيما بعد. وإن كان على تلك الجهة بعينها، قال في "الوسيط": لم تجز قسمتها، وإن قلنا: إن القسمة إفراز؛ لأنه كالتغيير لشرط الواقف؛ وبهذا جزم القاضي الحسين والبغوي.
والماوردي هاهنا قال: وفيه وجه: أنه يجوز؛ لأنه قد يشرف على الانهدام؛ فيحتاج إلى القسمة؛ وهذا قول الشيخ أبي محمد.
[و] قال الإمام في كتاب الرهن: إن ما يمتنع البيع فيه، ففي إجراء القسمة فيه قولان مبنيان على أن القسمة إفراز أو بيع. وقد يطرأ على قول البيع في بعض الصور قول في جواز القسمة؛ وذلك لمكان الضرورة؛ كما سنذكره في قسمة
стр. 8959
الوقف؛ فإنه على التأبيد، والشركة القائمة قد تجر عسراً عظيماً. فإذا لم تعرض ضرورة ظاهرة، انطبق جواز القسمة ومنعها على القولين في أن القسمة بيع أو ليست بيعاً.
وهذا منه [يفهم أن] الخلاف في جواز قسمة الوقف بعضه من بعض، يأتي وإن قلنا: إن القسمة بيع، ويقوي هذا أنه ألحقه في باب القسمة بالخلاف في [أن] قسمة الرطب في الزكاة إذا احتاج واقتضى القطاف قبل الأوان، وإن منعنا قسمة الرطب؛ للضرورة، وإذا كان كذلك اتجه أن يجري الخلاف المذكور في قسمة الوقف بالطلق؛ تفريعاً على قولنا: إن القسمة بيع.
وقد حكى الماوردي الخلاف الذي ذكره الغزالي في كتاب الوقف، لكنه قيده بحالة قولنا: إن القسمة إفراز، وقال: إن وجه المنع مبني على القول بأن رقبة الوقف لا تملك، وإن وجه الجواز مبني على القول بأن رقبة الوقف تملك، وأنها على هذا تكون لازمة للمتقاسمين من أربابه غير لازمة لمن بعدهم من البطون.
ومنها: أن المتقاسمين لو تقايلا، هل ينفذ؟
قال صاحب "التهذيب" و"الكافي" وغيرهما: إن قلنا: إنها بيع، صحت، وعاد الملك شائعاً كما كان، وإلا فلا يصح.
وأطلق في "البحر" القول بأنهما إذا تقايلا عادت الإشاعة، حكاه في الفروع المذكورة قبيل كتاب الشهادات.
وقد اتفقوا على أن أحدهما لو وجد بما صار إليه عيباً: أن له فسخ القسمة؛ صرح به البغوي والماوردي وغيرهما.
ومنها: لو أرادوا قسمة المستأجر، فإن قلنا: إن بيع، خرجت على القولين. وإن قلنا: إنها إفراز، فإن لم يتضرر بها المستأجر، جازت، وإلا فلا؛ قاله في "البحر".
قال: لو قال: والله، لا بعت شيئاً يقاسم- فإن قلنا: إنها بيع، ففي حنثه وجهان في "البحر" واقتضى إيراده ترجيح عدم الحنث.
стр. 8960
قال: ويجوز للشركاء أن يتقاسموا بأنفسهم، ويجوز أن ينصبوا من يقسم بينهم، أي: يجعلوه حكماً في القسمة، ويجوز أن يترافعوا إلى الحاكم؛ لينصب من يقسم بينهم؛ لأن المقصود يحصل [بكل ذلك].
وفي "تعليق" القاضي أبي الطيب حكاية قول: أنه لا يجوز أن يحكموا رجلاً في القسمة، فيجعلوه حكماً في القسمة.
قال: فإن ترافعوا إليه- أي: إلى الحاكم – في قسمة ملك من غير بينة، أي: وهو في أيديهم، [بلا] منازعة بينهم فيه، ولا بينهم وبين غيرهم في ملكه- ففيه قولان:
أحدهما: لا يقسم عليهم؛ لأنه قد يكون الملك لغيرهم، فإذا قسمه بينهم كان متصرفاً في ملك الغير قبل ثبوت موجبه.
وأيضاً: فربما يتعلقون بالقسمة، ويعدونها حجة في ثبوت الملك، وهم مبطلون مطلوبون، ولا حاجة إلى هذا.
وهذا هو الصحيح عند الشيخ أبي حامد وطبقته؛ كما قاله الرافعي، وقد وافقه النواوي، والمنصوص عليه للشافعي باتفاق الأصحاب، وقد حكاه ابن أبي الدم وجهاً.
والثاني: يقسم بينهم؛ [لأن الحجة على الملك كالبينة، ولو أقاموا بينة بالملك لقسم] فكذلك هاهنا.
قال: إلا أنه يكتب: أنه قسم بينهم بدعواهم؛ لينتفي الاحتمال الذي ذكرناه.
قال الإمام: واحتمال كون الملك للغير؛ فيكون متصرفاً فيه قبل ثبوت موجبه- مندفع بجواز دخول القاضي تلك الدار لعبادة ونحوها، وما زال الأتقياء الأبرار يعتادون مثل ذلك، ويبنون الأمر على ظاهر اليد، وإن لم تقم عندهم حجج في الأملاك، ولا نعرف خلافاً في أن من باع داراً في يده، وأشهد على البيع القاضي- أثبت القاضي إقراره، ولم يطالبه بتثبيت الملك قبل البيع.
стр. 8961
وهذا القول صححه البندنيجي والإمام، وتبعه الغزالي وابن أبي الدم، [و] إليه ميل [القاضي] أبي الطيب وابن الصباغ.
وعلى هذا [القول] قال الماوردي والروياني: يستظهر القاضي أمرين:
أحدهما: أن ينادي: هل من منازع؟
والثاني: يحلفهم: [إنه] لا حق فيه لغيرهم، لكن هذه اليمين واجبة أو مستحبة؟ فيه وجهان.
وعلى الأول لا تجوز له القسمة قبل التحليف.
وقد حكى الرافعي أن في كتاب أبي الفرج السرخسي وجهاً: أنه لا يحتاج القاضي إلى أن يكتب أنه قسم بينهم بدعواهم، وهذه الطريقة التي حكاها الشيخ لم يورد القاضي الحسين غيرها، وحكاها الماوردي عن الأكثرين، وقال الرافعي: إنها أظهر الطريقين.
والثانية حكاها القاضي أبو الطيب [وابن الصباغ والماوردي، وغيرهم يقطع بالقول الأول، وبهذا قال أبو الطيب] بن سلمة، وأن القول الثاني حكاية لمذهب الغير؛ فإنه قال في "المختصر" بعد حكاية القول الأول: وقد قيل: يقسم، ويشهد أنه قسمها على إقرارهم، ولا يعجبني ذلك. قال في "البحر": وهذه الطريقة أصح.
وقد فهم مما ذكرناه أنهم لو أقاموا بينة بالملك لقسم بينهم قولاً واحداً، وهو المنصوص.
واعترض ابن سريج فقال: إنما تقام البينة وتسمع على خصم، ولا خصم هاهنا.
وأجاب ابن أبي هريرة بأن القسمة تتضمن الحكم لهم بالملك، وقد يكون لهم خصم غائب؛ فتسمع البينة ليحكم لهم عليه.
وفي هذا الجواب نظر.
ويكفي في البينة شاهد وامرأتان، قال ابن كج: ولا يكفي شاهد ويمين؛ لأن اليمين إنما تشرع حيث يكون هناك خصم ترد عليه إن فرض نكول.
стр. 8962
وعن ابن أبي هريرة أنه يكفي.
قلت: وهو موافق لجوابه السابق.
والإمام أعرض عن ذلك، وقال: إن ثبت عند القاضي ملكهم بطريق من الطرق أجابهم.
ثم ليعلم أن الخلاف في جواز إقدام القاضي على القسمة في مسألة الكتاب إذا جاءوا إليه راضين بها، أما وجوبها عليه فلا خلاف في عدمه؛ كما قاله القاضي الحسين، والفوراني، وصاحب "البحر".
وعكس الإمام فقال: وليس ينقدح عند الامتناع من القسمة وجه. نعم، يجوز القطع بجواز القسمة، وأما وجوبها ولم يثبت بعد عند القاضي الملك، فهذا فيه تردد من جهة أن الوجوب يجوز أن يستدعي موجباً، فأما الجواز فيكتفي فيه بظاهر الحال.
وحكى في [حالة] مجيء واحد منهم طالباً وامتناع الباقين، طريقين:
إحداهما: يجيب في هذه الحالة؛ ليقطع الخصومة.
والثانية: طرد القولين.
أما إذا كان ثم منازع في الملك، ففي "الحاوي": أنه لا يجوز للحاكم إذا حكم لهم به بأيديهم أن يقسمه بينهم مع ظهور المنازع إلا ببينة تشهد به لهم، وهذا مما لا يختلف فيه قوله؛ لأن قسمة الحاكم إثبات لملكهم، واليد توجب إثبات التصرف، ولا توجب إثبات الملك.
وكذا قال فيما لو تنازعوا هم في ذلك، فادعى كل واحد ملك الجميع؛ فإن الحاكم يجعله في أيديهم، ولا يجوز أن يقسمه بينهم إن سألوه؛ لأن في تنازعهم إقراراً بسقوط القسمة. نعم، لو تقاسموا بأنفسهم لم يمنعهم، وادعى في "البحر" أنه لا خلاف فيه.
تنبيه: قول الشيخ: "في ملك"، يشمل ما إذا كان التنازع في عقار أو غيره من
стр. 8963
المنقولات، ولا شك في جريان ما قلناه في العقار، وأما المنقولات فقد حكى ابن كج فيها طريقين:
أظهرهما في "الرافعي"- وبه جزم البندنيجي، والبغوي، وغيرهما-: أنه كالعقار.
[والثاني: القطع بأنه يقسم وإن لم تكن بينة؛ لأن العقار] يتأبد ضرره، فيكون أجدر بالاحتياط؛ ولذلك خص بإثبات الشفعة.
قال: فإن كان في القسمة رد، اعتبر التراضي في ابتداء القرعة؛ لأنه لا إجبار فيها- كما تقدم- وما لا إجبار فيه يعتبر فيه التراضي؛ كالبيع.
قال: وبعد الفراغ منها على المذهب؛ لأن القسمة المشتملة على الرد بيع، والبيع لا يحصل بالقرعة؛ فافتقر إلى الرضا عند خروجها، ويتعين المبيع. وإلى هذا أشار الشافعي بقوله في "المختصر": "وإن كان في القسمة رد، لم يجز حتى يعلم كل واحد منهم موضع سهمه، وما يلزمه ويسقط عنه، فإذا علم كما يعلم البيوع التي تجوز أخذ به لا بالقرعة".
تنبيه: [وقيل:] لا يعتبر التراضي بعد خروج القرعة، أي: فيلزم من خرج له الأكثر بذل ما يقابل الزائد؛ قياساً على قسمة الإجبار؛ فإن القرعة فيها ملزمة. وهذا قول الإصطخري، وضعفه الأصحاب، وفرقوا بأن هذه القسمة يعتبر التراضي في ابتدائها، بخلاف قسمة الإجبار.
تنبيه: ظاهر قول الشيخ يقتضي أموراً:
أحدها: إجراء القرعة في قسمة الاختيار، وهو الذي جزم به البندنيجي وغيره.
وفي "الحاوي": أنهم لو تراضوا بإخراج القرعة ففي جواز الإقراع وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنه بيع، وليس في البيع قرعة.
والثاني: يجوز؛ تغليباً لحكم القسمة، واعتباراً بالمراضاة.
الثاني: حيث يجوز الإقراع فلا فرق في اعتبار التراضي بين أن يكون المخرج
стр. 8964
لها قاسماً من جهة الحاكم أو غيره.
وفي "الحاوي": أن المخرج لها إن كان قاسماً من جهة الحاكم فلا خيار لهم بعد القرعة، وإن كان من قبلهم ثبت لهم الخيار بعد القرعة، وهل هو خيار عيب، فيكون على الفور، أو خيار مجلس؛ فيكون على التراخي إلى أن يتفرقا؟ فيه وجهان.
الثالث: أنه يكفي فيه التراضي دون الإتيان بلفظ البيع أو التمليك، وهو ما ادعى الرافعي: أنه الظاهر، ولم يذكر الماوردي سواه؛ فإنه قال: وتتم القسمة بينهم بالمراضاة بعد التلفظ بالتراضي؛ لأن البيع لا يصح إلا باللفظ؛ فيكون تلفظهم بالتراضي جارياً مجرى البذل والقبول، والصيغة- كما قاله غيره- أن يقولا- إن كانا اثنين-: رضينا بهذه القسمة، أو: بما أخرجته القرعة، أو: بما جرى.
وفي "التهذيب"، و"الكافي": أنه لا بد من لفظ "البيع" أو "التمليك" في هذه القسمة، وطرداه في كل قسمة تفتقر إلى التراضي، والله أعلم.
قال: فإن لم يكن فيها رد، فإن تقاسموا بأنفسهم، لزم [ذلك] بإخراج القرعة؛ لحصول مقصودهما بفعلهما، وهذا لم أر له ذكراً هكذا في غير هذا الكتاب، بل المنقول في "تعليق" البندنيجي: أنه [لا يلزم إلا] بالتراضي حتى [بعد] خروج القرعة، قولاً واحداً.
وفي "النهاية" ما يقرب منه؛ فإنه قال: لا بد في هذه الصورة من الرضا بعد القسمة؛ إذ لا متوسط بينهما حتى تكون قسمة مستندة لرضاهما.
ثم قال: هذا هو الظاهر، وفيه احتمال؛ فإنه لو توسطهما قاسم، لكان التعويل على قسمته، لا على عينه.
وفي "تعليق" البندنيجي في موضع آخر من الباب: أن كل قسمة يشترط التراضي في ابتدائهما، فهل تفتقر إلى التراضي في انتهائها وهو بعد القرعة؟ فيه وجهان، سواء كان فيها رد أو لم يكن.
стр. 8965
قال: وإن نصبوا من يقسم بينهم- أي: حَكَمًا – اعتبر التراضي بعد خروج القرعة على المنصوص؛ لأن هذه قسمة لا بد في ابتدائها من التراضي؛ فكذلك في الانتهاء كقسمة الرد؛ وهذا ما قطع به المراوزة كما قاله الإمام، وبه أجاب الشيخ أبو حامد كما قال الرافعي، وقال: إن إليه مال المعتبرون.
وعلى هذا: فهل يكفي أن يقول كل واحد بعد خروج القرعة: رضيت بهذه، وما في معناه، من غير اشتراط ذكر القسمة؛ إذ كان صدر القسمة قد صار عن تراض أم لا بد أن يقول: رضيت بهذه القسمة، [أو: قاسمتك، أو يذكر عبارة عن مقصود القسمة] من التمييز، والتفاضل، وما أشبههما؟ فيه وجهان حكاهما الإمام عن العراقيين، وأشار في "الوسيط" إلى أنهما مبنيان على قولنا: إن القسمة بيع.
وحكى الإمام عن العراقيين وجهاً آخر: أن الشركاء إذا استمروا على الرضا حتى خرجت القرعة، لزم حكمها لهم؛ كما لو أحدثوا التراضي بعد القرعة؛ وهذا ما عبر عنه الغزالي بقوله: إنه يكفي عند العراقيين السكوت بعد خروج القرعة. وبين العبارتين فرق بين.
ولم يحك الإمام خلافاً في عدم اشتراط الإتيان بلفظ "البيع" أو "التمليك" إذا أنشئوا الرضا بعد القرعة؛ وهذا ما عبر عنه الغزالي بقوله: إنه يكفي عند العراقيين السكوت بعد خروج القرعة. وبين العبارتين فرق بين.
ولم يحك الإمام خلافاً في عدم اشتراط الإتيان بلفظ "البيع" أو "التمليك" إذا أنشئوا الرضا بعد القرعة.
وقال في "الوسيط": إن العراقيين أجمعوا على ذلك وإن قلنا: إن القسمة بيع.
وفي "التهذيب" و"الكافي" حكاية وجهين في اشتراط ذلك؛ بناء على قولنا: [إن] القسمة بيع.
следующие страницы →