Полный текст (9 685 стр.). Показаны 9101–9140 · переход к 9106.
стр. 9101
ملكه، لقبل منه؛ كما يأتي في بابه- إن شاء الله تعالى- ومقتضاه: ثبوت اليد للمقر على الأساس والمغرس أيضاً، وقد ادعاهما لنفسه، وهو أعرف بما أقر به؛ فكان القياس: أن يجعل القول قوله فيهما، لكن اليد التي أثبتت له في هذا المقام حتى صح إقراره للمقر له- أيضاً- مثلها على الأساس والمغرس؛ فلا جرم قسم بينهما.
وهذا الذي أورده الشيخ قد حكاه الإمام عن العراقيين، ثم قال: إنهم قالوا: إن مأخذ الوجهين في حالة ثبوت الملك بالإقرار: أن من أقر لشخص بجدار أو شجرة، هل يكون مقراً بالأساس والمغرس؟ وفيه قولان مأخوذان من أن بيعهما هل يتناول أصلهما؟ وفيه قولان.
والماوردي قال: إذا تنازعا عرصة حائط هو لأحدهما، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه لصاحب الحائط.
والثاني: أنهما فيه سواء.
وهذان الوجهان من اختلاف أصحابنا فيمن أقر لرجل بحائط، فهل يدخل قراره في إقراره، أو باع حائطاً، هل يدخل قراره في بيعه؟ على وجهين، والذي حكاه منهما في كتاب الإقرار: عدم الدخول.
ثم قال الإمام: فإن قيل: إذا كان لفظ المقر مع اختصاصه بالجدار يتعدى إلى أصهل حتى يجعل إقراراً به على أحد القولين، مع أن مبنى الإقرار على الأقل الممكن- فإذا شهد عدلان [لإنسان] بملك جدار فقولوا: لفظ الشهادة يتضمن الملك في أصل الجدار على أحد القولين؛ قياساً على الإقرار.
قلنا: هكذا نقول، ولا فرق- والعلم عند الله تعالى- بناء على أن سماع الشهادة بالبيع مطلقة من غير بحث [عن] شرائط الصحة؛ كما هو المذهب الظاهر، ويحمل البيع المشهود به على الصحة.
تنبيه: إذا قلنا: القول قول صاحب البناء والشجر في العرصة عند إقرار المنازع له- كما ذكره الرافعي- فهل يحتاج إلى اليمين؟ لم أقف في هذا على نقل.
وقضية الاحتياج إليها عند [ثبوت ذلك بالبينة: أن يحتاج إليها عند] الثبوت
стр. 9102
بالإقرار أولى، لكن قضية البناء على الأصل المذكور أنه لا يحتاج إلى اليمين؛ فإن ثبوت العرصة حينئذ يكون بالإقرار، ومن أقر له خصمه بحق، لم يحلفه عليه، وكذلك نقول إن صح هذا في مسألة ثبوت ملك البناء والشجر بالبينة؛ إن فرعنا على ما خرجه الإمام؛ لن الثبوت حينئذ يكون بالبينة، ومن ثبت حقه بالبينة [لم تتوجه عليه اليمين بلا خلاف؛ لأن ما في التحليف قد جاء في البينة]، اللهم إلا أن ينشئ دعوى صحيحة: كدعوى بيع، أو إبراء صدر بعد ذلك، وأمكن صدوره؛ كما قاله في "التهذيب" في باب الامتناع من اليمين، أو يقول: الشاهد اعتمد ظاهر اليد، وهو يعلم سراً أن هذا لي- فإن في تحليفه في هذه الصورة خلافاً؛ حكاه الغزالي في آخر الحجة الثالثة للسرقة؛ وعلى هذا يكون تخريج الإمام أفاد أمرين:
أحدهما: إجراء الخلاف في المسألتين، وهو ما اقتضاه [إطلاق المحاملي] في "المقنع"، وكذا القاضي الحسين في "التعليق"؛ حيث قال: إذا تنازعا أرضاً، ولأحدهما فيها بناء أو شجر- فالمذهب: أنه يرجح بالبناء والشجر؛ لأن العادة [ما جرت] بأن الناس يعيرون الأرض للبناء والغراس، وهو الذي أورده البغوي في باب اختلاف الزوجين في متاع البيت، ولم يفرقوا بين أن يكون [قد ثبت ذلك] بالبينة أو بالإقرار.
ثم قال القاضي: نعم، في الزرع خلاف، والذي [حكاه في "التهذيب" منه]: أنه يرجح به؛ كالبناء والشجر.
والثاني: أنا إذا قلنا: القول قوله في العرصة عند إقامة البينة بالبناء والشجر؛ لا يحتاج إلى اليمين، إلا أن يقال: عدم تحليف المدعي عند قيام البينة- كما ذكره الأصحاب، ونص عليه الشافعي- مفروض فيما إذا وقعت الشهادة [بما شملته] اللفظة لغة وعرفاً؛ كما إذا ادعى عيناً، وأقام بينة على أنها ملكه؛ لأن التحليف في هذه الحالة على أنها ملكه، يتضمن تكذيب الشهود قطعاً.
أما إذا وقعت بشيء لم [يشمله اللفظ لغة، وإنما شمله] من حيث العرف؛ كما
стр. 9103
في المغرس، والأساس- فإن اسم الشجرة والجدار لا يتناولهما لغة؛ كما قاله الإمام في كتاب الإقرار، وإذا كان كذلك لم يبعد التحليف؛ لأن للاحتمال مجالاً فيه، ويؤيد ذلك ما سنذكره عن نص الشافعي فيما إذا شهدت البينة بملك قديم، وقالت: لا أعلم مزيلاً له، وسمعنا ذلك: أنه يحلف المدعى عليه مع البينة، وإذا صح ما ذكرناه عند قيام البينة بالبناء والشجر؛ فكذلك عند الإقرار بهما، والله أعلم.
فرع: حيث قلنا: إن القول في العرصة قول صاحب البناء والشجر؛ إذا ثبت له ذلك بالإقرار؛ بناء على الأصل المذكور- فينبغي أن يكون الحكم فيما عدا المغرس والأساس من العرصة، كالحكم الذي ذكرته في اندراجه في البيع.
فرع آخر: إذا تنازعا في جدار والعرصة فيه لأحدهما، فالقول قول صاحب العرصة؛ وهكذا لو تنازعا على حائط سفله لأحدهما، كان القول قول صاحب السفل مع يمينه؛ قاله الماوردي.
قال: وإن كان السفل لأحدهما، والعلو للآخر، وتنازعا [في] السقف- أي: الذي يمكن إحداثه؛ كما قال الإمام؛ تبعاً للقاضي الحسين- حلفا، وجعل بينهما؛ لأنه حاجز توسط [بين] ملكيهما، ينتفعان به، وهو غير متصل ببناء أحدهما اتصال البنيان؛ فكان بينهما كالحائط المطلق بين الدارين.
وهكذا الحكم فيما إذا تنازعا الحائط بين السفل والعلو الذي في خلال أجذاع السقف، يكون بينهما؛ لأنه تبع للسقف المشترك.
أما لو تنازعا في حائط السفل، فهو لصاحب السفل إلى منتهى موضع الجذوع، مع يمينه.
وكذا إذا تنازعا في حائط العلو، فهو لصاحب العلو إلى ما فوق أجذاع السقف مع يمينه.
ثم كيفية إمكان الإحداث- كما قال الإمام- أن يفرض سقف عال، ثم يفرض سقف دونه؛ بأن تدرج رؤوس الأجذاع في وسط الحائط، وينظم عليها السقف.
стр. 9104
أما إذا كان لا يمكن تقدير سقف السفل على وسط الجدار بعد امتداده إلى منتهى العلو كالأزج، فإنه لا يمكن إحداثه على وسط الجدار، فإذا كان كذلك علمنا أن سقف السفل بني أولاً، واستحدث بعده جدار العلو وسقفه؛ فالسقف في هذه الصورة في يد صاحب السفل.
فرع: إذا جعلناه بينهما، فلصاحب العلو الانتفاع به- كما كان قبل المنازعة- بالجلوس عليه، ووضع متاعه المعتاد من غير مجاوزة.
وكذلك ينتفع به صاحب السفل- كما كان- بالاستظلال.
قال الإمام: واتفق الأصحاب على أنه لا يمنع من "تعليق" شيء فيه؛ طلباً للتسوية بينه وبين صاحب العلو؛ فإن ثقله عليه. ثم قال: وهذا هو المذهب الظاهر.
ومن أصحابنا من لم يجوز لصاحب السفل "تعليق" شيء في السقف، واستكفى بالاستظلال؛ وهذا ما أورده الماوردي، ثم قال: ولا وجه لما أجازه بعض أصحابنا من "تعليق" زنبيل عليه، ووضع خطاف فيه.
وحكى الإمام وجهاً ثالثاً: أنه إن أمكن "تعليق" شيء فيه من غير إثبات وتد في جرم السقف، [جاز مع] اجتناب السرف، ولزوم الاقتصاد.
فأما إثبات الوتد في جرم السقف فيمتنع؛ وعلى هذا قال الشيخ أبو محمد: لا يجوز لصاحب العلو ضرب وتد فيه أيضاً.
وعلى وجه تجويز ضرب الوتد لصاحب السفل، هل يجوز- أيضاً- لصاحب العلو؟ فيه وجهان.
ثم محل الخلاف في جواز "التعليق" إذا كان لذلك قدر له تأثير، أما ما لا تأثير له في السقف على طول الدهر: كالثوب، ونحوه، فلا منع منه؛ إذ هو بمثابة الاستناد إلى الجدار المشترك.
قال: وإن تداعيا سلماً منصوباً- أي: موضع الرقي للعلو- حلف صاحب العلو، وقضى له؛ لأنه مختص بالانتفاع به في الصعود؛ فكان الظاهر معه.
стр. 9105
ولا فرق في ذلك بين أن [يكون] السلم مسمراً، أو غير مسمر لكنه منصوب في موضع الرقي.
وعن ابن خيران: أنه لصاحب السفل إذا لم يكن مسمراً.
قال الرافعي: وهذا هو الوجه؛ كسائر منقولات الدار.
لكن الذي عليه الأكثرون- كما حكاه ابن كج-: الأول؛ وعلى هذا فليخرج وجه في اندراج السلم الذي لم يسمر تحت بيع الدار.
تنبيه: السلم معروف، وجمعه: سلالم، وسلاليم، وهو مذكر على المشهور، قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [الطور: ٣٤].
وحكى أبو حاتم السختياني وصاحب "المحكم" فيه التذكير والتأنيث.
قال الهروي: سمي: سلماً؛ تفاؤلاً بالسلامة.
قال: وإن تداعيا درجة- أي: معقودة- كالأزج، فإن كان تحتها مسكن- أي: لصاحب السفل- حلفا، وجعل بينهما؛ لأن كل واحد منهما ينتفع بها: أما صاحب السفل فبالسكون تحتها، وأما صاحب العلو فبالصعود عليها، فكانت كالسقف بين السفل والعلو.
ولا فرق بين أن يكون المسكن بيتاً، أو خزانة تصلح للسكن وإحراز المال.
قال: وإن كان تحتها موضع حب، وما أشبهه: كموضع الجرار، والكيزان، والحطب، والرف، فهي لصاحب العلو- أي: مع يمينه- لأن الدرجة لا يقصد منها هاهنا إلا الصعود عليها، ولا يقصد أحد عمل بيت حب بفعله درجة، وتخالف المسألة قبلها؛ لأن السقف يقصد ببنائه الستر للسكن، دون عمل غرفة عليه، وقد يقصد به عمل غرفة عليه دون ستر البيت؛ فلذلك كان بينهما.
وقيل: هو بينهما كالمسألة قبلها؛ وهذا قول أبي إسحاق وابن أبي هريرة.
والصحيح في "الرافعي" وغيره: الأول، وهو قول الشيخ أبي حامد، وبه جزم في "الوسيط".
وهذا التفصيل الذي حكاه الشيخ اتبع فيه الماوردي؛ فإنه هكذا فصل، وهو
стр. 9106
- أيضاً- كذلك في "التهذيب"، و"تعليق" القاضي الحسين.
والقاضي أبو الطيب حكى فيما إذا كان تحتها موضع ينتفع به كالخزانة وجهين:
أحدهما: أنها بينهما.
والثاني: أنها لصاحب العلو.
قال: [وهو الأصح]، والذي نص عليه الشافعي هاهنا، ولم يفصل. قال [في] "الشامل": وهذه الطريقة أشبه.
وحكم الدرجة إذا كانت صماء حكم السلم المنصوب؛ فتكون لصاحب العلو جزماً؛ صرح به أبو الطيب وغيره.
قال: وإن تنازعا عرصة الدار، ولصاحب العلو ممر في بعضها دون بعض- أي: مثل [أن يكون] سلم العلو منصوباً في وسط العرصة- فالقول قولهما فيما يشتركان فيه من الممر- أي: وهو من أول العرصة إلى موضع السلم- لأن لكل واحد منهما يداً عليه؛ فيحلفان، ويجعل بينهما.
ومما لا ممر فيه لصاحب العلو- أي: وهو ما وراء موضع السلم إلى آخر العرصة- فالقول قول صاحب السفل مع يمينه؛ لأنه المتفرد بالانتفاع؛ فكان في يده؛ وهذا أصح في "تعليق" القاضي أبي الطيب و"الحاوي" و"النهاية" و"التهذيب"، وبه جزم القاضي الحسين.
[وقيل: هو بينهما]؛ لأنها بعض السفل، ويدهما على السفل؛ كذا قاله أبو الطيب، وتبعه ابن الصباغ.
وقال الإمام: [إنه] يمكن أن يقال: العلو محتف بالعرصة احتفاف السفل، والهواء محتوش بالسفل والعلو؛ فلا يبعد- والحالة هذه- أن تضاف العرصة إليهما؛ فإنه يقال: صحن الدار، وعرصة الدار، والعلو والسفل من الدار.
وقالوا: إن الوجهين يجريان فيما إذا كان السلم منصوباً في دهليز الدار، وقد اختلفا في باقي أرضها.
стр. 9107
قال الإمام: والصورة الأولى على حال أولى بأن تثبت اليد فيها لصاحب العلو على ما لا مشي له فيه من العرصة من هذه الصورة، وقد حكى الخلاف [القاضي الحسين في هذه الصورة، وهو من العجائب أن يجزم في الصورة الأولى بأن باقي العرصة لصاحب السفل، ويحكي الخلاف] في الصورة الثانية، ولو عكس لكان أولى.
قال ابن الصباغ: قال أصحابنا: ومثل هذا إذا كان زقاق لا ينفذ، وفيه بابان لرجلين: أحدهما في وسطه، والآخر في صدره، فمن أوله إلى باب الأول بينهما، وما جاوزه إذا تنازعاه فعلى الوجهين.
وعلى هذا ينطبق قول الماوردي: إن من هذين الوجهين مضى تخريج الوجهين في عرصة الزقاق المرفوع.
والإمام قال: إن هذا الخلاف [قربه الأصحاب من الخلاف] المذكور في الدرب الغير نافذ إذا أراد من [في] أسفل الدرب أن يشرع جناحاً، فهل لمن في أعلاه حق الاعتراض، ولا ممر له في أصل السكة؟
وخص الماوردي محل الوجهين في مسألة الكتاب بما إذا لم يكن دون الممر وباقي العرصة حائل، أما إذا كان؛ بأن كان محولاً عن ممره وموضع استطراقه بباب أو بناء كدواخل البيوت، فيكون ذلك لصاحب السفل لا يختلف فيه؛ لأنه تفرد بالتصرف فيه؛ فصار متفرداً باليد عليه، أما لو كان السلم منصوباً في صدر الدار بحيث يخرق الماشي إليه العرصة، فجميع العرصة بينهما؛ لأنها في يدهما وتصرفهما.
قال الإمام: وهذا أجمع عليه الأصحاب.
لكنا قدمنا: أن حق الممر يجوز أن يشتري على حياله؛ فكان لا يبعد في طريق المعنى ألا يثبت لصاحب العلو إلا حق المرور، فأما الملك في رقة العرصة فلا.
قال: وإن تنازع المكري والمكتري في الرفوف المنفصلة- أي: الموضوعة على
стр. 9108
الأوتاد- حلفا، وجعلت بينهما؛ كذا نص عليه في "الأم".
ووجهه بأن العادة مضطربة فيها: فتارة تكون للمكري، وتارة للمكتري، فلما اضطربت لم يكن أحدهما بها أولى من الآخر؛ فجعلت بينهما.
وهكذا الحكم فيما لو تنازعا في السلاليم المنفصلة، وأغلاق الأبواب، وأطباق التنانير، والغرف فيه متقابلة، واليد فيه مشتركة؛ صرح به الماوردي.
أما لو كانت الرفوف مسمرة، فالقول قول المكري.
قال: وإن تداعى رجلان مسناة بين أرض أحدهما ونهر الآخر، حلفا، وجعلت بينهما؛ لأن فيها منفعة لصاحب النهر بجمع مائه، ولصاحب الأرض بمنعها الماء أن يخرج من أرضه.
والمسناة- كما قاله النواوي-: صخرة تجعل في جانب النهر؛ لتمنعه من الأرض، وهي بضم الميم، وفتح السين المهملة، وتشديد النون.
وفي "تعليق" البندنيجي في كتاب المساقاة: [أن المسناة:] الأحواض التي يجمع فيها لماء تحت النخل.
قال: وإن تداعيا بعيراً، لأحدهما عليه حمل- فالقول قول صاحب الحمل مع يمينه؛ لانفراده بالانتفاع به.
قال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ: وهذا يخالف ما لو تداعيا عبداً لأحدهما عليه قميص وسراويل، فإنه لا يحكم به له.
والفرق: أن كون حمله على الجمل تصرف في الجمل بالانتفاع به، ومن انفرد بالانتفاع كانت اليد له، وليس كذلك العبد؛ فإن المنفعة هناك تعود إلى العبد؛ فلم تجعل يداً.
قال ابن الصباغ: ولأن الحمل لا يجوز أن يحمله على الجمل إلا بحق، ويجوز أن يجبر العبد على لبس قميص مالكه وغيره إذا كان عرياناً، وبذله له.
فرع: لو تداعيا عبداً، أو جارية، أو دابة حاملاً، واتفقا على أن الحمل لأحدهما- قال في "التهذيب": فهي لصاحب الحمل.
стр. 9109
قال: وإن تداعيا دابة، وأحدهما راكبها، والآخر سائقها- فالقول قول الراكب مع يمين؛ لانفراده بالانتفاع بها.
وقيل: هي بينهما [مع يمينهما]؛ لأن كل واحد منهما لو انفرد كانت له؛ فوجب إذا اجتمعا أن تكون بينهما؛ وهذا قول أبي إسحاق.
والصحيح: الأول، وهو المذهب في "النهاية"، و"تعليق" القاضي الحسين.
والفرق بينه وبين ما إذا تنازعا جداراً لأحدهما عليه جذوع: أن الانتفاع بالجدار مشترك، وإن امتازع صاحب الجذوع بزيادة، فلم يكن بها مرجحاً؛ كما نقول إذا كانا في دار، ولأحدهما فيها متاع، وليس للآخر فيها شيء وتنازعاها؛ فإنها بينهما. وفي مسألة الدابة الراكب منفرد بالانتفاع؛ فانفرد باليد.
والخلاف جار- كما حكاه الإمام وغيره- فيما لو كان أحدهما راكبها، والآخر آخذ بلجامها؛ أو كان التنازع في ثوب، وأحدهما لابسه، والآخر متعلق به يجاذبه.
وعزى القاضي الحسين قول الاشتراك فيها إلى أبي إسحاق [أيضاً].
وفي "تعليق" القاضي أبي الطيب في باب اختلاف الزوجين في متاع البيت: أن بعض أصحابنا قال عند [أخذ] أحدهما باللجام، وركوب الآخر: إن مذهب الشافعي يقتضي أنهما سواء.
وقد اتفقوا على أنهما لو تنازعا سفينة وأحدهما راكب فيها، والآخر ممسكها أنها تكون في يد الراكب دون الممسك؛ لأن الراكب متصرف.
وكذا لو كان أحدهما ممسكاً برباط السفينة، والآخر ممسك بجنبها- كانت في يد ممسك الجنب؛ لأن الخشبة من السفينة، والرباط ليس منها.
ولو تنازعا دابة في إصطبل أحدهما، ويدهما عليها: فإن كان في الإصطبل دواب لغير مالكه، استويا في اليد عليها، وإلا كانت اليد لصاحب الإصطبل خاصة.
стр. 9110
ولو تداعيا عمامة، وفي يد أحدهما عشرها، وفي يد الآخر باقيها، ولا بينة- حلفا، وجعلت بينهما؛ كما لو تداعيا داراً: أحدهما في صحنها، والآخر في دهليزها- فإنها بينهما.
وكذا لو تنازعا داراً وأحدهما على سطحها، والآخر في صحنها، سواء كان السطح محجراً أو لا، وسواء كان على السطح ممرق أو لا؛ كما قاله الماوردي.
قال: ولو تنازعا متاعاً في ظرف، ويد أحدهما على الظرف، ويد الآخر على المتاع- اختص كل واحد بما في يده، ولا تكون اليد على الظرف مشاركة لليد على المتاع، ولا اليد على المتاع مشاركة لليد على الظرف؛ لانفصال أحدهما عن الآخر، وهذا بخلاف ما لو تنازعا عبداً، ويد أحدهما على ثوبه، ويد الآخر على العبد- فإن اليد التي على العبد [تكون على الثوب] أيضاً، دون الآخر؛ لأن يد العبد على الثوب أقوى؛ فصارت اليد على العبد وعلى ما في يده، كذا قاله الماوردي.
قلت: ويتجه جريان وجه أبي إسحاق السالف في قسمة الثوب.
قال: وإن كان في يدهما صبي لا يعقل- أي: ولم يعرف سبب يدهما، وهو مجهول الحرية، فادعى كل واحد منهما: أنه مملوكه- حلفا، وجعل بينهما؛ لأنه لو انفردت يد أحدهما على من هذا حاله، وادعى رقه- ثبت ملكه [عليه]؛ لأنه كالبهيمة والثوب في عدم التعبير عن نفسه، فإذا اجتمعت يدهما [عليه] حلفا وجعل بينهما؛ كالبهيمة والثوب. أما إذا عرف سبب اليد [فيه]؛ كالالتقاط، فقد تقدم في باب اللقيط: أن الأصح أنه لا يقبل قوله إلا ببينة.
قال: وإن كان بالغاً، فالقول قوله، أي: في الحرية والرق لأحدهما، مع يمينه:
أما إذا ادعى الحرية؛ فلأنها الأصل، والرق طارئ معترض عليها.
وأما إذا عين الرق لأحدهما؛ فلأنه إنما حكم عليه بالرق باعترافه، فكان مملوكاً لمن اعترف له؛ كما لو كان في يده وحده.
стр. 9111
وقولنا: إنما حكم عليه بالرق باعترافه، احترزنا به عما إذا أقام كل واحد منهما بينة على ملكه، فأقر هو لأحدهما؛ فإنه لا تترجح بينة المقر له بهذا الإقرار؛ لأن البينة أسقطت قوله؛ لكونها حجة عليه.
فإنقلت: قد قال الأصحاب في كتاب الإقرار: إنه إذا أقر رجل بعبد في يده لرجل، فقال العبد: ملكي لرجل آخر- لا يقبل إقرار العبد، وكان للذي أقر [له] به السيد؛ لأن العبد في يد المقر، وليس في يد نفسه.
ولأ، الإقرار بالرق إقرار بالمال، والعبد لا يقبل إقراره بالمال المتعلق برقبته؛ وهذا موجود في إقراره لأحد المتنازعين في رقه.
قلت: لعل ما قاله الأصحاب في الإقرار محمول على ما إذا سبق ثبوت الرق على العبد قبل إقراره، وفي مسألتنا لم يسبق ثبوت رق على الإقرار، بل وقع ممتزجاً به؛ فلذلك اعتبر.
ويدل على ما ذكرته: أن ابن الصباغ وجه [عدم قبول] قول العبد بأن من هو في يده لو أقر به لشخص، ولم يقر له العبد ولا لغيره- قبل إقرار السيد.
قال: ولو كان يقبل فيه إقرار العبد، لم يقبل فيه إقرار السيد؛ كجناية العبد؛ وهذا يدل على أن الرق سابق على الإقرار، وإلا لما قبل إقرار من هو في يده أيضاً، والله أعلم.
وما ذكرناه من قبول قول البالغ عند دعواه الحرية، وقد تنازع فيه اثنان- جار فيما لو لم يدع رقه إلا واحد.
ولا فرق فيه بين أن يكون في يده وهو يستخدمه، ويستصغره استصغار العبيد، أو لا؛ ولا بين أن تتداوله الأيدي، ويجري عليه البيع والشراء مراراً، وهو ساكت، وجوزناه، أم لا.
وهذا مما لم يختلف الأصحاب فيه؛ لأن التصرف مع استمرار ظاهر اليد وإن أفاد دلالة ظاهرة على الملك في غير ما نحن فيه، فإنما يدل على تعين الملك إذا كان الشيء مملوكاً؛ فيظهر من اختصاص الإنسان باليد والتصرف وعدم النكير عليه تعينه
стр. 9112
من بين الناس، وليس هاهنا مع من يدعي الملك فيه أصل يعتضد به.
قال الإمام: فإن قيل: أليس ينفذ تصرفه في البالغ وإن لم يبد منه إقرار بالرق ولا إنكار؟ قلنا: ذهب بعض أصحابنا إلى اشتراط الإقرار بالملك، وكان شيخي يميل إليه في الفتوى.
ومن أصحابنا من لم يشترط ذلك وإن كان لو أظهر الحرية فدعواه مقبولة كما ينفذ تصرفه في الثوب الذي بيده؛ وهذا في شخص لم نعهده صغيراً في يده، فأما إذا عهد صغيراً في يده، وكان يدعي رقه ويستعبده إلى أن بلغ، فادعى رقه، وأنكره، وادعى أنه حر الأصل- فالذي جزم به العراقيون: أن القول قول المدعي؛ لأنا حكمنا بأنه ملكه، واستقر ذلك؛ فلا نزيله بقوله، ولكن له استحلافه.
وحكى القاضي الحسين هنا، والفوراني والإمام في كتاب الإقرار وجهاً آخر: أن القول قول المدعي عليه مع يمينه، وعلى المدعي البينة، وجعله الإمام الأظهر، ثم صححه.
نعم، حكاه ابن الصباغ فيما إذا كان في يده يستسخره في حال صغره، ولم يدع رقه، ولا تصرف فيه تصرفاً يقتضي الملك إلى أن بلغ، فادعاه، وكذبه الصغير، وادعى الحرية، ونسبه إلى رواية القاضي في شرح الفروع [وأنه] قال: إن قائله أخذه من اللقيط إذا حكمنا بإسلامه بظاهر الدار، ثم بلغ ووصفه الكفر- فإنه لا يحكم بردته؛ على أحد الوجهين.
قال: والأصح أن القول قول المدعي في هذه الصورة أيضاً، وهو الذي جزم به القاضي في "التعليق"؛ وكذلك البندنيجي.
وحكى الإمام طريقة قاطعة بقبول قول الصبي بعد البلوغ، وقال: [إنها تتجه]، وبها يتحصل في المسألة ثلاث طرق: القطع بقبول [قول المدعي، القطع بقبول] قول المدعي عليه، إجراء وجهين في المسألة.
وقد ادعى القاضي الحسين أن الوجهين في الحالة الأولى مبنيان على ما لو قال الصغير في حال صغره: أنا حر الأصل، وادعى من هو في يده رقه، فهل يقبل قوله؟
стр. 9113
وفيه خلاف: فإن قبلنا قول الصغير قبل قوله بعد البلوغ أيضاً، وإلا فلا يقبل.
والغزالي والإمام هاهنا قالا: لو ادعى في حال الصغر الحرية، فإن لم نقبل قوله، فعاد وادعاها بعد البلوغ؛ ففي القبول وجهان.
قال الإمام: والقياس القبول، وقد حكى ذلك القاضي- أيضاً- في موضع آخر.
قال: وإن كان مميزاً يعقل، فهو كالصغير؛ لأنه لا حكم لقوله؛ وهذا ما جزم به ابن الصباغ والبندنيجي، وصححه القاضي أبو الطيب؛ فعلى هذا: يحلفان، ويجعل بينهما؛ إذا لم يصدر من الصبي إنكار ولا اعتراف.
وقيل: هو كالبالغ؛ لأنه يقدر أن يعبر عن نفسه؛ فعلى هذا يكون الحكم برقه وحريته موقوفاً على إقراره: فإن اعترف بالرق، حكم لمن هو في يده بعبوديته، ويقسم بينهما. وإن أنكر الرق، حكم له بالحرية، ولا يحلف ىىل إنكاره إلا بعد البلوغ؛ هكذا قاله الماوردي، وأبو الطيب ادعى أنه ظاهر المذهب، وكذلك البندنيجي.
ثم قال الماوردي: ويشبه أن يكون هذان الوجهان من اختلافهم في صحة إسلامه بعد مراهقته وقبل بلوغه.
والبندنيجي وابن الصباغ والمصنف في "المهذب" حكوا الوجهين فيما إذا أنكر الصغير المميز الرق، وادعى الحرية في حال صباه، فهل يقبل قول مدعي رقه أم لا؟ كما حكاهما المراوزة، وقالوا: إن ظاهر لفظ "المختصر" مع الثاني؛ لأنه قال: ولو كان في يده صبي صغير يقول: هو عبدي، فهو كالثوب، إذا كان لا يتكلم.
[وعلى هذا يحلف الصبي بعد البلوغ، وإن الصحيح الأول.
وقول الشافعي: "لا يتكلم"]، عنى به: أنه ليس لكلامه حكم؛ وبهذا يجتمع في المسألة ثلاثة أوجه:
أحدها: يحكم برقه بمجرد الدعوى، سواء أقر أو أنكر.
والثاني: لا يحكم به، سواء أقر، أو أنكر.
والثالث: إن أقر به حكم به، وإلا فلا، ويحلف بعد البلوغ؛ فلو أقر بعد البلوغ
стр. 9114
بالرق وقد حكمنا بالحرية في حال صباه؛ لأجل دعواه- فمقتضى إطباقهم على التحليف: قبول قوله وإن لم يكن له فائدة؛ فإنه لا يمكن التغريم؛ لاعتراف المدعي برقه.
وقد حكى القاضي الحسين في قبول إقراره بالرق وجهين:
أحدهما: لا يقبل؛ لأنا حكمنا بحريته؛ فلا نبطلها؛ كما نقول في البالغ العاقل إذا أقر بأنه حر الأصل، ثم أقر بأنه عبد فلان: فلا يقبل قوله على ظاهر المذهب.
والثاني: يقبل، والفرق: أن هاهنا لم يكن لقول المراهق حكم، وهناك لقول البالغ حكم. هكذا قال.
ومقابل ظاهر المذهب فيما إذا أقر البالغ بالرق بعد الاعتراف بالحرية وجه حكاه عن الأصحاب في باب اللقيط: أنه يقبل قوله فيه؛ لأنه أقر بحق عليه، وقد ذكرت هذا الفرع مرة أخرى في باب اللقيط، وذكرت فيه شيئاً لم أذكره هنا؛ فليطلب منه.
فرع: إذا قبلنا قول العبد في الحرية، وكان من هو في يده قد اشتراه من غيره فهل يرجع عليه بالغرم؟
الذي أطلقه ابن الحداد، وهو الذي أورده القاضي في "شرح الفروع"، والقاضي الحسين قبل باب الإقرار للوارث: لا، لأنه كان من حقه حالة ما يشتريه أن يسأله: هل أنت عبد له أم لا؟ ففرط في ذلك.
وفصل أكثرهم، إن لم يصرح في منازعته بأنه رقيق رجع؛ كما لو أقام بينة على الحرية؛ لأنه لم يوجد منه ما يعطل الرجوع. وإن صرح بذلك، فعلى الوجهين فيما إذا اشترى عيناً، وقال في حال المنازعة: هي ملكي وملك من اشتريت منه؛ جرياً على رسم الخصومة، واعتماداً على الظاهر. وأصحهما- كما حكاه الرافعي والغزالي هنا وفي كتاب الضمان-: أنه يرجع، وقال الإمام في كتاب الضمان: إن معظم الأئمة حكوا الوفاق فيه.
وأجرى الرافعي، والإمام الخلاف المذكور فيما إذا تقدم الإقرار للبالغ بالملك قبل الشراء؛ اعتماداً على ظاهر اليد، وطريقة الجزم جارية فيه، وهي التي حكاها البندنيجي في كتاب الرهن عند الاختلاف في القبض.
стр. 9115
وقد قطع الشيخ أبو علي بأنه لا يرجع في مسألتنا، وفرق بينها وبين ما لو قامت البينة بالحرية- بقوة البينة، وبينها وبين شراء الأعيان بأن ثم المتاع مملوك قطعاً؛ فترتب دلالة اليد عليه، بخلاف الرقيق، فلو ثبتت حرية العبد بيمينه مع نكول المشتري؛ فيظهر أن ييقال: لا يرجع، [وإن قلنا: يرجع] في الحال السابقة؛ قياساً على ما إذا اشترى عيناً، فادعاها شخص، ونكل هو عن اليمين، فحلف المدعي- فإنه لا يرجع وجهاً واحداً؛ كما قاله الشيخ أبو علي والماوردي في أثناء الكلام في مسألة ما إذا ادعى شخص أنه يشتري هذه الدار من زيد، وادعى الآخر: أنه اشتراها من عمرو؛ لتقصيره بالنكول.
وقد قال الرافعي فيما قسنا عليه: إنه يجوز أن يفرض فيهخ خلاف؛ بناء على أنه كالبينة.
قال: وإن قطع ملفوفاً، فادعى الولي أنه قتله، وادعى الضارب أنه كان ميتاً ففيه قولان:
أصحهما: أن القول قول الضارب؛ لأن الأصل براءة الذمة، وهذا ما نص عليه في "الأم" في باب دعوى الدم، ورجحه الشيخ أبو محمد والقاضي الروياني وأبو الطيب وغيرهم.
ومقابله: أن القول قول الولي؛ لأن الأصل بقاء الحياة؛ وهذا أظهر عند الرافعي، وحكاه القاضي أبو الطيب عن القديم، وقال الماوردي: إن الربيع تفرد بنقله.
وقد اختلف الأصحاب في محل القولين على ثلاثة طرق:
أحدها- عن أبي إسحاق-: أنه ينظر إلى الدم السائل: إن قال أهل البصر: إنه دم حي، [فالمصدق] الولي؛ وإن قالوا: إنه دم ميت، فالمصدق الجاني، وإن اشتبه؛ ففيه القولان.
والثاني- عن أبي الحسن الطبسي-: أنه إن كان ملفوفاً في ثياب الأحياء
стр. 9116
فالمصدق الولي؛ وإن كان في الكفن فالمصدق الجاني؛ وإن كان مشتبهاً ففيه القولان؛ وهذا حكاه الإمام والفوراني في باب الشهادة على الجناية، [واستضعفاه]، [فيطلب منه، إن شاء الله تعالى].
والثالث- وهو الأظهر-: إطلاقهما: فإن صدقنا الجاني، فحلف [برئ، وإن صدقنا الولي فحلف] فله الدية.
قال الشيخ أبو حامد: ويستحق [به] القصاص؛ كما تتعلق به الدية؛ لأن الخلاف في العمد الموجب للقصاص، فإذا صدقناه فيه رتبنا عليه موجبه. وبهذا قال القاضي أبو الطيب في "تعليقه".
وقال الرافعي: إنه بالغ فيه حين سأله أبو بكر الدقاق، وراجعه فيه.
وفي "الشامل": أنه لا يجب الصاص؛ لأنه يسقط بالشبهة، وأن أبا الطيب قال: يحتمل قولاً آخر: أنه يجب القصاص؛ كما قلنا في القسامة.
قال ابن الصباغ: ويمكن عندي أن يفرق بينهما: بأن في القسامة يتكرر اليمين، وفي مسألتنا يمين واحدة.
والقولان جاريان- كما حكاه القاضي الحسين وأبو الطيب- فيما إذا هدم بيتاً على جماعة، وقال ورثتهم: إنهم كانوا أحياء، وقال الهادم: بل كانوا أمواتاً.
قال القاضي الحسين: ويجوز للشاهد أن يشهد بحياته في مسألة الكتاب إذا رآه يلتف في الثوب الذي قطع فيه، وفي مسألة هدم البيت يجوز له أن يشهد بحياتهم إذا رآهم دخلوا البيت.
وقال الإمام: يجوز [أن نقول: ليس] له أن يشهد؛ فإن الموت بعد التلفيف ممكن، والاطلاع على الحياة بعد التلفيف ممكن، وليس كالأملاك؛ فإنه لا مستند فيها إلا الظواهر.
стр. 9117
وعلى الأول؛ فلا يصرح بذلك، وإن صرح به عند القاضي بطلت شهادته.
قال: وإن تداعيا عيناً ولأحدهما بينة؛ قضي له؛ للأحاديث السالفة، وسواء [في ذلك] ما إذا كانت العين في يد أحدهما، والمقيم للبينة غيره، أو في يدهما، أو في يد غيرهما، أو لا يد لأحدهما عليها، وهما متنازعان فيها، وتسمع في الحالة الثانية شهادة البينة بأن كل الدار لأحدهما وإن كان داخلاً في النصف، وقلنا: لا تسمع بينة الداخل قبل قيام بينة الخارج؛ كما هو المذهب؛ لأن السماع هاهنا يقع تابعاً للنصف الآخر الذي هو خارجي فيه، وإنما ينقدح رد بينة الداخل إذا أنشأها مع الاستغناء عنها، وهاهنا هو محتاج إليها؛ لأجل النصف.
قال الإمام بعد حكاية ذلك عن رواية القاضي عن الأصحاب: ولعل الحاجة المذكورة: أن عبارة الشهود تضطرب لو خصصنا شهادتهم بأحد النصفين مع التمييز، مع تحقي الشروع، وفي المسألة احتمال لائح.
ثم على المنقول: لو أقام الثاني بينة، قال الغزالي: فقد قيل: الآن يجب على الأول إعادة بينته؛ لتقع بعد بينة الخارج، ولا يبعد التساهل فيها أيضا.
ولك أن تقول: قد تقدم فيما إذا لم يكن لهما بينة، والعين في يدهما – في كيفية حلفهما وجهان:
أحدهما: على نصفها؛ وهذا وزان كونه يقيم البينة على ما في يد صاحبه هاهنا.
والثاني: [أنه] يحلف على جميعها؛ وعلى هذا ينبغي أن يقيم البينة على الجميع أيضاً، وإلا فأي فرق بينهما؟
قال: وإن كان لكل واحد منهما بينة، فإن كانت في يد أحدهما، قضي بها لصاحب اليد؛ لِمَا رَوَى جَابِرُ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُوْلِ الله ﷺ فِي دَابَّةٍ- أَوْ بَعِيْرٍ- وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ [عَلَى] أَنَّهَا لَهُ نَتَجهَا، فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم
стр. 9118
لِلَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ.
ولأنهما استويا في إقامة البينة، وترجحت بينته بيده؛ فقدمت كالخبرين إذا كان مع أحدهما قياس، والجامع: كون كل واحد منهما حجة.
وقيل: لا يقضي له إلا أن يحلف؛ لأن بينة صاحب اليد عارضتها بينة الآخر؛ فسقطتا، وبقيت اليد، واليد لا يقضي بها من غير يمين.
وقد رجع حاصل ما ذكرناه إلى أن المقضي به في [هذه] الحالة: [البينة، أو اليد] وفيه قولان يأتيان- إن شاء الله تعالى- بناء على أن البينتين إذا تعارضتا هل [تسقطان، أو] تستعملان؟ فإن قلنا بالتساقط، كان القضاء باليد؛ فلا بد من اليمين. وإن قلنا بالاستعمال، كان القضاء بالبينة؛ فلا نحتاج إلى اليمين، وقد أشار إلى ذلك البندنيجي وابن الصباغ والفوراني والبغوي وغيرهم.
لكن قضية هذا البناء أن يكون الصحيح وجوب اليمين لأن الصحيح- كما سنذكره- قول التساقط، وقد قال الشيخ:
والمنصوص هو الأول- يعني: في القديم- كما صرح به الرافعي، وصاحب "البحر"، وقال: إنه المذهب، واختاره في "المرشد"، وقد تقدم توجيهه.
وكلام الإمام والقاضي الحسين مصرح بإجراء خلاف في اليمين- وإن قلنا: إن القضاء بالبينة- لأنهما قالا: إذا تعارضت بينتان، والدعوى على ثالث، فهل تتهاتر البينتان، أو تستعملان؟ فيه قولان.
стр. 9119
فإن قلنا بالتهاتر، فهل نقول به هاهنا؟ [فيه وجهان: فإن قلنا به، فلا بد من اليمين.
وإن قلنا بالاستعمال، قلنأ: في الاستعمال فيما إذا كانت العين في يد ثالث، ثلاثة أقولا، لا يجيء شيء منها هاهنا] وهذا لفظ الإمام خاصة.
نعم، من جملة الأقوال ثم قول القرعة، فإذا قلنا به، فهل يحلف من خرجت له القرعة؟ فيه وجهان.
وعلى هذا اختصاص الداخل باليد، هل يكون كخروج القرعة؟ فيه طريقان:
أحدهما: نعم؛ فيجيء الوجهان.
والثاني: القطع بعدم التخصيص؛ فإن هذا اختصاص ثابت، والقرعة وفاق، ولو أديرت لما ميزت ظالماً من مظلوم.
ثم قال: إذا حلفناه على قول التهاتر، حلفناه على النفي، وإذا حلفنا على قول الاستعمال، حلف على إثبات الملك؛ كما يحلف من خرجت له القرعة.
ولا فرق في القضاء لصاحب اليد عند قيام البينتين بين أن تكون كل بينة قد أطلقت الشهادة بالملك، وقلنا: يجوز لك بالنسبة إلى صاحب اليد- كما سنذكره- أو بينت سبب الملك، وكان السبب واحداً أو مختلفاً.
ولا [فرق] بين أن يسند الملك إلى شخص واحد، بأن يقول: هذا اشتريته من زيد، وهذا مثل ذلك، أو تقول المرأة- وهي أحد المتنازعين-: أصدقنيه زوجي، ويقول خصمها: اشتريته من زوجك- وبين أن يسند أحدهما ملكه إلى شخص، والآخر ملكه إلى شخص آخر، أو يقيم الخارج بينة: أنه اشتراها من الداخل، والداخل: أنه اشتراها من الخارج؛ كما حكاه القاضي الحسين.
وهكذا الحكم فيما إذا بينت بينة الخارج سبب الملك من بيع أو اتهاب ونحوهما، وأطلقت بينة الداخل الشهادة بالملك؛ نص عليه الشافعي.
وعند ابن سريج بينة الخارج أولى؛ لأن معها زيادة علم؛ كذا قاله ابن أبي الدم.
стр. 9120
وما ذكرناه في حالة إسنادهما انتقال الملك إلى [جهة] شخص واحد، هو ما أورده القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ.
وحكى الفوراني وجهاً آخر: أنهما يستويان؛ لأنهما اتفقا على أن اليد كانت لثالث، وكل واحد منهما يزعم الانتقال إليه منه.
وقد حكى الماوردي الوجهين فيما إذا كانت دعواهما انتقال ذلك إليهما منه بالبيع، واقتضى إيراده أن يكون الثاني هو الصحيح منهما؛ لأنه قال: إنهما مبنيان على الخلاف فيما لو كانت العين- والحالة هذه- في يد من ادعيا انتقال الملك إليهما [منه]، وصدق أحدهما على تقدم انتقال الملك له، هل يترجح من صدقه ويحكم له بالعين، أم لا؟ وسنذكره، فإن [قلنا: يترجح] عند التصديق، فكذلك هاهنا، وإلا فلا.
ويجيء القولان في التعارض والاستعمال، والقول الذي سنذكره عن رواية الربيع فيما إذا كانت العين-[و] الصورة كما ذكرنا- في يد ثالث.
وقال: إنا إذا رجحنا أحدهما بيده، جاز أن يكون الآخر خصماً له، ويحلفه إذا أنكره؛ فإنه لو صدقه على أن عقده سابق، سلم العين بإقراره بالثمن الذي شهدت به بينته إن كان مثل الثمن في ابتياع نفسه، وإن كان أقل لم يكن له أن يرجع بالباقي؛ لأنه مقر أنه لا يستحق [على الثاني.
وإن كان أكثر لم يكن له أن يأخذ الزيادة؛ لأنه مقر أنه لا يستحق] أكثر من الثمن الذي دفع، ويكون درك الثاني على الأول دون البائع، [ولا يكون على البائع] درك الأول ولا الثاني، لأن الثاني ملكها عن الأول، والأول قد أقر أنه لم يملكها عن البائع.
стр. 9121
واعلم أن محل [سماع] بينة صاحب اليد- وهو المسمى بالداخل- بالاتفاق: ما إذا أقام من ليست العين في يده- وهو المسمى بالخارج- البينة بأنها ملكه، وعدلت، ولم يبق إلا الحكم.
أما إذا أقامها قبل أن يدعي عليه، أو بعد الدعوى عليه، وطلب اليمين- فقد تقدم أن المذهب عدم السماع.
وإذا أقامها بعد إقامة الخارج البينة، وقبل أن تعدل ففي السماع خلاف [مرتب على] الخلاف في إقامتها بعد الدعوى وطلب اليمين:
فإن قلنا بالسماع ثم، فهاهنا أولى، وإلا فوجهان:
أحدهما: لا تسمع- أيضاً- لأنه مستغن عنها بعد.
وأصحهما: السماع؛ لأن يده بعد إقامة البينة مشرفة على الزوال، فتمس الحاجة إلى تأكدها، ودفع الطاعن فيها.
وفي كل حال من الأحوال الأربعة المذكورة هل يكفي إطلاق الشهادة بالملك، أم لا بد من بيان سببه من شراء، أو إرث، ونحوهما؟ فيه وجهان في كتب المراوزة، وقولان في "الحاوي" و"تعليق" البندنيجي:
أحدهما: لا بد من البيان؛ لأن البينة قد تعتمد في الشهادة بالملك ظاهر اليد، فكأنها لا تدل على أكثر مما تدل عليه اليد. وهذا ما نسبه الماوردي والبندنيجي إلى القديم، والإمام إلى بعض الضعفة، وقال: إنه ليس بشيء.
وأصحهما في "تعليق" القاضي الحسين، و"الرافعي"، وغيرهما، وهو الجديد في "الحاوي" و"تعليق" البندنيجي: أنه يكفي الإطلاق؛ كما في بينة الخارج؛ فإنها تقبل مطلقة مع احتمال أن الشهود اعتمدوا يداً سابقة. وهذا ما فرعنا عليه من قبل.
ولو أقام الداخل البينة بالملك بعد الحكم للخارج، وتسلمه العين- فقد أطلق في "المهذب" القول بأنها تسلم للذي كان داخلاً، وانتزعت منه؛ وكذلك قاله الماوردي، وأبو الطيب، وادعى فيه الإجماع، وهو ما يقتضيه كلام ابن سريج في الفرع الذي سنذكره.
стр. 9122
وحكى الإمام في سماع بينته وجهين عن القاضي:
أحدهما: السماع إذا أسندت الملك إلى حال قيام يده، ثم أدامته إلى حالة الدعوى؛ كما كان يقضي له لو أقام البينة ويده بعد قائمة.
وأظهرهما عند القاضي: عدم السماع؛ لأنا نقضنا يده، وأجرينا القضاء، فلو قبلنا بينته، لكان ذلك نقضاً للقضاء السابق.
نعم، إن أقام بينة على تملك من جهة الذي هو صاحب اليد الآن، سمعت.
قال الإمام: وهذا الوجه يحتاج إلى شرح؛ لأنه قال: ينبغي أن يقيم بينة على [تلقي] الملك من سبب آخر، ويجب قبول بينته، وإنما لا تقبل بينته إذا لم يذكر سبباً أصلاً، واقتصر على ادعاء الملك المطلق؛ فلا معنى لاشتراط التلقي من هذا المدعي.
قال: وحاصل هذا الوجه: أن البينة المطلقة كانت تسمع من هذا الشخص في حال دوام يده على المذهب الظاهر، وإذا أزيلت يده فلا تسمع.
وقد سلك الغزالي في التعبير عن الحكم في هذه المسألة طريقاً آخر، وتبعه فيه الرافعي، فقال: إن لم يسند الملك إلى الأول، فهو الآن مدع [خارج.
وإن ادعى ملكاً] مستنداً إلى ما قبل إزالة اليد، واعتذر بغيبة الشهود، ونحوها- فهل تسمع بينته، وهل تقدم باليد المزالة بالقضاء؟ فيه وجهان:
أحدهما: المنع؛ لأن تلك اليد مقضي بزوالها؛ فلا ينقض القضاء.
وأصحهما: أن بينته مسموعة حتى يقيمها بعد ما قضى القاضي للمدعي، وينقض القضاء الأول؛ لأنه إنما أزيلت؛ لعدم الحجة، وقد قامت [الحجة] الآن.
وحاصل ما ذكر يرجع إلى ذكر خلاف في سماع البينة مطلقة في الحالتين- أعني: حالة ما إذا أسند الملك إلى ما قبل إزالة اليد، أو لم يسنده:
أما إذا أسنده، فالخلاف ظاهر قد ذكرته.
وأما إذا لم يسنده، فقد قال: إنه الآن مدع خارج، وعني به: مدع خارج قد انتزعنا العين منه بالبينة.
стр. 9123
ولهم فيما إذا انتزعت العين من شخص بالبينة، وعاد، وادعى ملكها- هل تسمع دعواه من غير ذكر تلقي الملك من صاحب اليد، أم تكفيه دعوى الملك مطلقاً؟ وجهان:
وجه الأول: القياس على الأجنبي؛ فإنه لا خلاف أن دعواه تسمع مطلقة، وإذا أقام بينة مطلقة على الملك سمعت، وقضي له بها؛ [كما] قاله القاضي الحسين وغيره؛ وهذا ما حكاه الإمام عن الأكثرين.
ووجه الثاني- وهو ما ادعى الرافعي أن بعض أصحاب الإمام قال: إنه الذي ذكره الأكثرون-: القياس على ما لو انتزعت العين من يده بإقراره، فإنه يحتاج إلى ذكر التلقي؛ كما حكاه الرافعي، ولم يحك سواه، وإن كان ابن أبي الدم قد حكى عن القاضي الحسين: أنه يكفيه دعوى الملك مطلقاً، وأنه مخالف لجميع الأصحاب.
والقائلون بالأول فرقوا بين ما إذا انتزعت العين من يده بالإقرار، أو بالبينة- بأن المقر مؤاخذ بحكم قوله في نفسه في المستقبل؛ ألا ترى أن من أقر أمس يطالب به اليوم، ولولا ذلك لم يكن في الإقرار كثير فائدة.
وإذا كان كذلك فيستصحب ما أقر به إلى أن يثبت الانتقال، بخلاف البينة؛ فإنا لم تشهد إلا على الملك في الحال؛ فلم يتسلط أثرها على الاستقبال.
وقد مال الرافعي إلى تصحيح الوجه الأول، وقال: إنه الذي يقتضي كلام الأصحاب ترجيحه؛ لأنا قد حكينا عنهم فيما إذا أقام الداخل بينة بالملك بعد ما انتزعت العين بالبينة، هل تسمع بينته، وهل يقضى له بها؟ خلافاً، وأن الأصح السماع والقضاء.
وذلك الاختلاف مفروض فيما إذا أطلق دعوى الملك، ولم يذكر التلقي، فأما إذا ادعى التلقي؛ فلا بد أن تسمع دعواه، وقد صرح به أبو الحسن العبادي.
وإذا كان الاختلاف في إطلاق الدعوى، ورجحنا وجه السماع- لزم أن يكون الراجح هاهنا: أنه لا حاجة إلى ذكر التلقي.
стр. 9124
قلت: وهذا التخريج فيه نظر؛ لأن محل السماع [ثم] إذا أسند الملك إلى ما قبل إزالة اليد، مكتفياً بالدعوى السالفة معتذراً لتأخير إقامة البينة عن محلها بغيبتها؛ فكأنه أقامها قبل الحكم عليه، ودافعاً لما شهدت به بينة الخارج من أصله؛ فلذلك ينقض الحكم على هذا الوجه، ونقدره كأن لم يكن، وليس كذلك هاهنا؛ لأن هذه دعوى مبتكرة، وبينة مستأنفة؛ فلا يحسن إلحاقها بتلك البينة، والله أعلم.
ولو أقام الداخل بينة بعد القضاء عليه، وقبل إزالة يده- فإن قلنا عند إزالة يده: تسمع بينته، فهاهنا أولى، وإلا فوجهان، والفرق: بقاء اليد [حسا؛] هكذا أورده الرافعي، وغيره.
وعكس القاضي الحسين في "التعليق" ذلك، فقال: إذا قضى القاضي بالملك للخارج، ولم تنزع العين من يد الداخل، فهل تسمع بينته إذ ذاك؟ فيه وجهان، أصحهما: أنها لا تسمع.
ولو أقام الداخل البينة بعد الحكم وزوال اليد، فإن قلنا في المسألة السابقة: لا تسمع، فهاهنا أولى، وإلا فوجهان.
وقد حكى القاضي أبو سعد الهروي عنه أنه قال: أشكلت علي هذه المسألة نيفاً وعشرين سنة؛ لما فيها من نقض الاجتهاد بالاجتهاد؛ فتردد جوابي فيها؛ فذكرت: أنه إن أزالها الحاكم بالتسليم، لم ينقض؛ وإن لم يزلها، فوجهان، ثم استقر رأيي على أنه لا ينقض، سواء كان قبل التسليم أو بعده.
فرع- حكاه البندنيجي والقاضي أبو الطيب وغيرهما-: إذا كان في يد عمرو شاة، فادعاها زيد، وأقام بينة: أن الشاة ملكه، وأقام عمرو بينة أن حاكماً حكم له بها، وسلمها إليه قال أبو العباس بن سريج: إن كان الحاكم قد حكم بها لعمرو ببينة أقامها عمرو، قضى لزيد بها؛ لأنه قد ظهر أن لزيد بينة ويداً، ولعمرو بينة بلا يد. وإن [كان] قضى بها لعمرو؛ لأن بينة زيد كانت غير عادلة [وبينة عمرو كانت عادلة]- أقرها في يد عمرو؛ لأن البينة الفاسقة إذا ردت، ثم أعادت الشهادة، لا تقبل. وإن كان قضى بها لعمرو؛ لأنه كان خارجياً، ومن مذهب الحاكم القضاء ببينة
стр. 9125
الخارج- أقرها في يد عمرو.
وفي "الحاوي" وجه: أنه ينقض حكمه، وتسلم لزيد؛ لأن هذا الاختلاف وإن لم يكن فيه نص، فالقياس فيه جلي، والاجتهاد فيه قوي؛ فلذلك نقض حكمه.
وإن لم يعلم الحاكم الثاني على أي وجه وقع حكم الأول، وأشكل [الحال] ففيه وجهان:
أحدهما: ينقض الحكم بها لعمرو.
والثاني- وهو الأصح-: لا ينقض، بل يقرها في يد عمرو؛ قاله البندنيجي.
قال: وإن كانت في يدهما، أو [في] يد غيرهما- أي: ولم ينسبها إلى أحدهما قبل قيام البينتين، ولا بعدها- أو لا يد لأحد عليها – فقد تعارضت البينتان؛ لتنافي شهادتهما، ففي أحد القولين تسقطان؛ لأنهما قد تكاذبتا في الشهادة، ولأن البينة: ما بان بها الحكم، فإذا لم يكن فيها بيان، ردت؛ كما لو شهدت لأحد الرجلين. وبالقياس على النصين إذا تعارضا.
وهذا ما حكاه في "البحر" عن القديم، وهو اختيار المزني، والأصح في "المهذب"، و"التهذيب"، و"البحر"، و"الرافعي"، وغيرها، وقال ابن الصباغ: إنه الذي نص عليه الشافعي هنا، وفي موضع آخر قال: إنه الجديد. والبندنيجي قال: إنه المنصوص عليه في "الأم"، و"البويطي".
وعلى هذا قال الشيخ: فيكونان كالمتداعيين بلا بينة، وقد سبق حكم ذلك.
[قال: والثاني- وهو ما سنذكره-: تستعملان؛ صيانة لهما عن الإسقاط والإبطال بقدر الإمكان]، وسنذكر من الحديث ما يدل عليه؛ وهذا قد عزاه ابن الصباغ في موضع إلى القديم، وهو عند المراوزة مخصوص بما إذا لم تتكاذبا صريحاً؛ [كما إذا شهدتا بالملك، فإنا نقول: لعل كل واحدة منهما سمعت وصية
стр. 9126
له، أو وصبراً وغيره.
فأما إذا تكاذبتا صريحاً] كما إذا شهدت إحداهما بأنه قتل في وقت كذا، وشهدت الأخرى على الحياة في ذلك الوقت، لم يجر قول الاستعمال.
وطريقة العراقيين: أنه لا فرق، بل قال البندنيجي: إن تعارض البينتين: أن تشهد كل واحدة منهما بضد ما تشهد به الأخرى على صفة لا تقبل من التكاذب؛ كما إذا شهدت إحداهما: أنه باع من زيد عبده مع الزوال، والأخرى أنه باعه من عمرو مع الزوال، أو شهدت إحداهما بأن عمراً قتل زيداً بالبصرة، والأخرى أنه قتله ببغداد.
واختار القاضي الحسين في باب الدعوى في الميراث قول التساقط في كل مسألة يقطع فيها بكذب إحدى البينتين، بأن تكون الدعوى في السفاح، أو في الثوب الذي لا ينسج إلا مرة، أو في النكاح، وغيره، ولم يمنع مجيء القول الآخر فيها، واختار قول الاستعمال في كل مسألة يحتمل فيها صدق البينتين، ولم يمنع مجيء قول التساقط فيها.
وقد حكى الغزالي ما حكيناه عن العراقيين طريقة أخرى، وقال: إنه بعيد.
وحكى الفوراني الطريقين على [غير] هذا النحو، وتبعه صاحب "البحر"، فقالا في حكاية إحدى الطريقين: إن القولين فيما إذا لم يمكن الجمع، فإن أمكن قسم بينهما لا محالة.
والطريق الثاني: طرد القولين في الحالين؛ وحينئذ فيحصل من النقلين ثلاث طرق:
القطع بالتساقط؛ إذا لم يمكن الجمع.
القطع بالاستعمال؛ إذا أمكن الجمع.
طرد القولين في الحالين، قال الرافعي: وهو الأشهر. ثم قال: وإيراد أبي الحسن العبادي ينساق إلى طريقة أخرى تنفي الخلاف، وتقطع بالتساقط عند استيقان الكذب في إحداهما، وبالاستعمال عند إمكان صدقهما؛ [كما] في الوصية.
стр. 9127
قال: وفي الاستعمال ثلاثة أقوال:
أحدها: يوقف إلى أن ينكشف، أو يصطلحا؛ لأن إحداهما صادقة، والأخرى كاذبة؛ فكان كالمرأة إذا زوجها وليان: أحدهما بعد الآخر، ونسي السابق.
وهذا ما خرجه البغداديون للشافعي، وقال الإمام: إنه أعدل الأقوال في الاستعمال. وهو في ذلك متبع للقاضي الحسين؛ [فإنه كذا قال] في باب الدعوى في الميراث، وقد امتنع البصريون- كما قال الماوردي- من تخريجه، وهو الأشبه؛ لأن وقف البينة على البيان يوجب الحكم بالبيان دون البينة. والرافعي نسب هذا القول إلى رواية أبي الفياض.
والثاني: يقسم بينهما، أي: إذا كان قابلاً للقسمة، بمعنى: أنه لا استحالة فيه، لا بمعنى الانقسام في الحس والعيان.
ووجهه: ما روى سَعِيْدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيْهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي مُوْسَى الأَشْعَرِيِّ أَنَّ رَجُلَيْنِ تَدَاعَيَا عِنْدَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ بَعِيْراً- أَوْ دَابَّةً- وَشَهِدَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدَانِ، فَجَعَلَهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ. وقد خرجه أبو داود بإسناد كلهم ثقات.
ولأن البينة أقوى من اليد، وقد ثبت أنهما إذا تساويا في اليد جعل بينهما؛ فوجب إذا تساويا في البينة أولى أن يكون بينهما.
قال الإمام: وهذا ما نقله المزني عن اختيار الشافعي، [وليس مساعداً عليه؛ فإن الإمام الشافعي] أبطله في مواضع، وقال: من قال بالقسمة، دخلت عليه شناعة؛ فإنه ليس قاضياً بواحدة من البينتين.
قال في "البحر": وإذا قلنا: يقسم، وكان الشيء في أيديهما – هل يحلف كل واحد منهما لصاحبه في النصف الذي أصابه؟ فيه وجهان؛ كما لو كان الكل في يد أحدهما.
فإن قلت: الوجهان في الأصل الذي قاس عليه مبنيان على قول التساقط والاستعمال: فإن قلنا بالتساقط حلف، وإلا فلا، وقول القسمة هاهنا مفرع على قول
стр. 9128
الاستعمال، فكيف يجيء الوجهان؟
قلت: قد حكينا عن الإمام الوجهين في الأصل، وإن قلنا بالاستعمال فهما هذان الوجهان والله أعلم.
والثالث: يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة، قضي له؛ لما روى الشافعي في القديم مرفوعاً إلى سعيد بن المسيب: أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ في شيء، وأقام كل واحد شهوداً، فأسهم رسول الله ﷺ [بينهما] وقال: "اللَّهُمَّ أَنْتَ تَقْضِي بَيْنَهُمَا".
ولأن اشتباه الحقوق المتساوية يوجب تميزها بالقرعة؛ كدخولها في القسمة في السفر بإحدى نسائه، وفي عتق عبيده إذا استوعبوا التركة؛ [و] هذا اللاقول محكي في الدعاوىمن القديم؛ كما حكاه البندنيجي.
قال: وهل يحلف مع القرعة؟ فيه قولان:
وجه الوجوب: أن القرعة قد تخطئ، وتصيب؛ فيحلف؛ لقطع التهمة ورفع الإشكال؛ مبالغة في الاحتياط.
ووجه مقابله: أن القرعة سيقت للترجيح؛ فاكتفي بها؛ هكذا وجهها القاضي الحسين في موضع من "تعليقه".
وقال ابن الصباغ: إنهما ينبنيان على أن الحكم عند خروج القرعة يقع بالبينة، [أو بدعواه مع القرعة؟ وفي ذلك قولان:
فإن قلنا: يقع بالبينة]، فلا يحلف، وهو ما اختاره ابن أبي عصرون؛ كما حكاه ابن أبي الدم.
وإن قلنا: يرجح بالقرعة، حلف، وهو ما حكاه في "البحر" عن النص، وقال: إن عليه عامة أصحابنا.
стр. 9129
ثم قال ابن الصباغ: وينبغي أن يكون [الترجيح] بالبينة المعارضة لمزيتها بخروج القرعة لها؛ لأن القرعة لو انفردت عن البينة، لم ترجح بها الدعوى؛ ولهذا قال الشافعي: إنه يحلف: إن بينتي لصادقة فيما شهدت [لي به].
وقال الماوردي: إن القولين في التحليف مأخوذان من اختلاف قولي الشافعي في أن القرعة هل دخلت ترجيحاً للدعوى أو للبينة؟
فأحد القولين: أنها دخلت ترجيحاً للبينة؛ فعلى هذا لا يجب على من قرعت بينته؛ لأن الحكم بالبينة، ولا يمين مع البينة.
والقول الثاني: أنها دخلت ترجيحاً للدعوى؛ [فيجب إحلاف المدعي؛ وعلى هذا يكون فيما يثبت به الحكم وجهان:
أحدهما: اليمين مع البينة] ويكون يمينه بالله: إن ما شهدت به بينته حق، وقد نص عليه الشافعي، أي: في الدعاوى والبينات؛ كما حكاه في "البحر".
والثاني: أن الحكم يثبت بيمينه؛ ترجيحاً بالبينة؛ وهذه الطريقة هي المشهورة على قول الاستعمال.
وعن القاضي ابن كج: أنه حكى عن القاضي أبي حامد: أن الأقوال الثلاثة لا تجمع؛ بل موضع قول القسمة: ما إذا أمكن الجمع، وموضع قول القرعة: ما إذا لم يمكن.
أما إذا أقر الثالث الذي في يده العين بها لأحدهما بعد قيام البينتين، فإن قلنا بالتساقط، رجع إليه، وإن قلنا بالاستعمال فهل يرجح به؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأنه يصير صاحب اليد.
والثاني: لا؛ لأن يد الثالث بعد قيام البينتين واستعمالهما مستحقة الإزالة بالاتفاق فلا تأثير لها، ولا اعتبار بإقرار صاحبها.
وقد أجاب القائلون بالقول الصحيح في أصل المسألة- وهو قول التساقط- عن القياس على نسيان السابق من النكاحين-: أنه يمكن التذكر فيه، وهاهنا لا يرجى زوال ذلك بالتذكر.
стр. 9130
وعن حديث أبي موسى [الأشعري]: بأنه يحتمل أن يكون المدعى به في أيديهما؛ فأبطل البينتين، وقسم بينهما، على أنه روي عنه أنه قال: "ولا بينة لهما".
وعن حديث سعيد بن المسيب: بأنه يحتمل أن يكون ذلك الشيء عتقاً أو قسمة؛ كذا قاله ابن الصباغ: وقد يأتي في بعض الصور الجزم بالقول الصحيح، وبيانه: ما إذا تعارضت البينتان في نكاح امرأة تنازعه رجلان؛ فإن الأصحاب قالوا: لا شك أن قول القسمة لا يجري، وكذلك قول الوقف؛ فإن الاصطلاح في النكاح غير ممكن؛ فلا معنى لحبس المرأة أبداً.
فأما القرعة فقد تردد فيها الأصحاب:
فمنهم من قال بجريانها، وهذا ضعيف في "تعليق" القاضي الحسين وغيره.
ومنهم من ذهب إلى المنع، وهو الأصح، وبه جزم في "التهذيب"؛ وعلى هذا يلزم القطع بالتساقط؛ كذا قاله الإمام.
واعلم أن الشيخ جعل العين إذا كانت في يدهما، وأقام كل [واحد] منهما بينة- كما لو كانت العين في يد غيرهما، وهو ما اختاره في "المرشد".
والشيخ أبو حامد قال: إنها تكون بينهما، وهل يحتاج كل واحد منهما أن يحلف على النصف الذي في يده؟ فيه قولان؛ لأن لكل واحد منهما بينة ويداً على النصف؛ فهو كما لو أقام كل واحد منهما بينة، والعين في يد أحدهما؛ فإنه يقضي بها لصاحب اليد، وهل يحتاج إلى اليمين؟ فيه قولان.
وهذا ما حكاه ابن الصباغ عن "الأم"، ولم يورد البغوي سواه؛ وكذلك الماوردي في باب الدعاوى في وقت دون وقت، وطرده فيما إذا شهدت بينة أحدهما بأنه اشتراها من زيد، وهي ملكه، وبينة الآخر: أنه اشتراها من زيد- أيضاً- وهي ملكه، وكان التاريخ واحداً، ولم يعلم السابق منهما.
ووجهه البغوي: بأن بينة كل واحد منهما ترجحت في النصف الذي بيده؛ فقضي له به.
стр. 9131
وبيانه: أن من أقام البينة منهما أولاً، فإنه يقيمها على ملك النصف الذي في يد صاحبه، والثاني يقيمها على ملكه للكل، وتسمع منه؛ لأنه في النصف الذي في يد صاحبه خارجي، وفي النصف الذي في يده داخلي، فقد قامت عليه البنية بما في يده، ويحتاج من أقام البينة على النصف أولاً أن يقيمها ثانياً على ملكه لما كان في يده.
قال الرافعي: وكأن هؤلاء امتنعوا من إجراء الأقوال، وقالوا: موضع الأقوال ما إذا خلت البينتان عن الترجيح، واليد من أسباب الترجيح.
والحاصل للفتوى على الطريقين معاً: إبقاء المال في يديهما كما كان، ومحلهما: إذا شهد شهود كل واحد منهما له بجميع المال- كما ذكرناه- فأما إذا شهد شهود كل واحد منهما بالنصف الذي في يد صاحبه، فالبينتان لم تتواردا على شيء واحد حتى يقال بالتعارض، ولا يد للمدعي في المشهود به حتى [يترجح] جانبه، ولكن يحكم القاضي لزيد بما في يد عمرو، ولعمرو بما في يد زيد، ويكون المال في يدهما- أيضاً- كما كان، ولكن بجهة التساقط، لا بجهة الترجيح باليد.
وفي "الإبانة" في هذه الحالة- أعني: حالة إقامة كل منهما [البينة] على ملك جميع الدار-: أنه يجيء قول القسمة، ولا يجيء قول الوقف؛ إذ لا معنى للتوقف مع ثبوت اليد، وهل تجيء القرعة؟ فيه وجهان.
وكلام الإمام الذي حكيناه من قبل عند الكلام فيما إذا كانت العين في يد أحدهما، يأبى ذلك، ويقتضي موافقة الشيخ أبي حامد، وقد صرح به في موضع آخر؛ حيث قال: إن كل واحد منهما إذا أقام بينة، والعين في يديهما، لم تؤثر البينتان في تغيير ما كانا عليه قبل الخصام، بل كل واحد على نصف الدار، غير أنهما كانا على ظاهر اليد، وقد ثبت الملك لكل واحد منهما في النصف.
قال: وإن كانت بينة أحدهما شاهدين، وبينة الآخر شاهداً ويميناً- ففيه قولان:
أحدهما: [أنه] يقضي به لصاحب الشاهدين؛ لأنها بينة مجمع عليها،
стр. 9132
وبينة الآخر مختلف فيها.
وأيضاً: فإن التهمة متوجهة في اليمين، وغير متوجهة في الشهادة؛ وهذا أصح في "الحاوي"، و"النهاية" وعند الغزالي، وصاحب "المرشد"، والنواوي، وغيرهم.
وقال في "البحر": إنه ليس بشيء.
والثاني: أنهما سواء؛ لأنهم استويا في إثبات الملك عند الانفراد؛ فأشبه ما لو كانت بينة أحدهما شاهدين، وبينة الآخر شاهداً وامرأتين؛ فإنه لا تترجح إحداهما على الأخرى؛ على المشهور.
وادعى الإمام فيه اتفاق الأصحاب؛ وهذا ما حكاه القاضي الحسين قبيل كتاب الدعاوى من الجديد.
وعلى هذا قال: فتتعارضان، وفيهما قولان، وقد سبق توجيههما.
وعن الماسرجسي رواية قول آخر حكاه الفوراني- أيضاً-: أن الرجلين يترجحان على رجل وامرأتين؛ لزيادة الوثوق بقولهما؛ وكذلك يثبت بقول رجلين ما لا يثبت بقول رجل وامرأتين، وقد أبدى الإمام هذا احتمالاً لنفسه؛ تفريعاً على ما سنذكره عن القديم وأيده: بأن من أقام رجلاً شاهداً، وأراد أن يحلف معه في المال، أمكنه ذلك، ولو أقام امرأتين، وأراد أن يحلف معهما، لم يجز.
قلت: ولو بني الخلاف في تعارض الشاهدين، والشاهد واليمين على أن الحكم عند وجود الشاهد واليمين يقع [باليمين، أو بالشاهد]، أو بهما- لم يبعد، ويقال: إن قلنا: إنه يقع باليمين، أو بهما- فلا تعارض؛ لما تقدم أن البينة أقوى من اليمين. وإن قلنا: يقع بالشاهد فقط، فيجيء التعارض؛ لأن الحكم إذا وقع بالشهادة، لم ينظر إلى عدد الشهود؛ ألا ترى أنه إذا أقام أحدهما شاهدين، والآخر عشرة- وقع التعارض؟
على أن الماوردي والقاضي الحسين وغيرهم قد حكوا عن القديم قولاً: أن البينة المشتملة على زيادة عدد أولى، والحكم بها أحق، وطردوه فيما إذا كانت إحدى البينتين أظهر في العدالة من الأخرى؛ كما هو مذهب الإمام مالك فيهما.
والأكثرون نفوا عن الشافعي هذا القول، وجزموا بعدم الترجيح في هاتين
стр. 9133
الصورتين، وحملوا ما حكي عنه على حكاية مذهب الغير.
والطريقان جاريان فيما إذا خصت إحدى البينتين بزيادة فقه.
قال في "الوسيط": أو كان في إحدى الجانبين شهادة أحد الخلفاء الأربعة.
والصحيح- وإن ثبت الخلاف- عدم الترجيح بما ذكرناه؛ وهذا بخلاف الرواية حيث رجحوا بهذه الأمور؛ لأن الشهادة نصاب مقدر؛ فيتبع، وليس للرواية ضبط؛ فيعمل بما غلب على الظنون.
ومنهم من ألحق الرواية بالشهادة.
فرع: إذا قلنا بالقديم، وكان من جانب [صاحب] اليد شاهد ويمين، ومن جانب الخارج شاهدان- ففي "تعليق" القاضي الحسين حكاية وجهين:
أحدهما: تترجح بينة صاحب اليد.
والثاني: تترجح بينة الخارجي.
ولو كان من جانب عشرة من أوساط العدول، ومن جانب عدلان، وهما على المنصب الأعلى في الثقة والتثبت- قال الإمام: فيجب على القاضي أن ينظر بينهما نظر المجتهدين في حرين يرويان خبراً.
قال: ولو شهدت بينة أحدهما بالملك من سنة، و [شهدت] بينة الآخر بالملك من شهر- أي: مع شهادتهما بالملك في الحال، والعين في يد ثالث- ففيه قولان:
أحدهما: تتعارضان، وفيهما قولان؛ إذ المقصود إثبات الملك في الحال؛ فلا تأثير للسبق؛ فإنه غير متنازع فيه، ولأن الشهادة بحديث الملك، لم تنف تقدم الملك، وإن أثبتته الأخرى؛ فصارتا متكافئتين.
وهذا ما حكاه "البويطي"، والمزني [في "المختصر"]؛ ولأجله قال القاضي الحسين: إنه الجديد. وصححه ابن كج وشرذمة، وعن ابن سريج، [والشيخ أبي علي،] وابن سلمة، وابن الوكيل: القطع به.
стр. 9134
والثاني- وهو الصحيح-: أن التي شهدت بالملك القديم أولى؛ لأنها انفردت بإثبات الملك في زمان لا تعارضها فيه الأخرى؛ فوجب وقف التعارض وأمضي ما ليس فيه تعارض.
ولأن ثبوت ملك المقدم يمنع أن يملكه المتأخر إلا عنه، ولم تتضمنه الشهادة له؛ فلم يحكم بها.
وهذا ما رواه الربيع، واختاره المزني والأكثرون، ومنهم الشيخ أبو حامد وسالكو طريقه، والماوردي، والبغوي، وقال في "الشامل": إنه ظاهر المذهب. وقال القاضي الحسين والشيخ أبو علي: إنه القديم.
ويجري القولان- كما قال القاضي أبو الطيب، والبندنيجي- فيما إذا أقام أحدهما بينة: أنه ملكه من سنة إلى الآن، وأقام الآخر بينة [على أنه] ملكه الآن.
وفي بينة الزوجين على الزوجية إذا سبق التاريخ؛ كما قال الغزالي.
وكذا فيما إذا تعارضتا مع اختلاف التاريخ بسبب الملك؛ كما إذا أقام أحدهما بينة أنه اشتراه من زيد منذ سنة، والآخر [بينة] أنه اشتراه من عمرو منذ شهر.
وكذا فيما إذا تنازعا أرضاً مزروعة، وأقام أحدهما بينة: أنها أرضه زرعها، والآخر بينة أنها ملكه مطلقاً؛ لأن البينة التي شهدت بالزرع تثبت الملك في وقت الزراعة؛ هكذا ذكره صاحب "التهذيب"؛ تصويراً وتوجيهاً.
قال الرافعي: وفيه ما يبين أن سبق التاريخ لا يشترط أن يكون بزمان معلوم؛ حتى لو قامت بينة: أنه ملكه منذ سنة، وأخرى على أنه ملكه أكثر من سنة- كان موضع الخلاف.
قال: فعلى هذا إن كان مع أحدهما بينة بالملك القديم، أي: بالملك من سنة، ومع الآخر، أي: الذي شهدت له البينة بالملك من شهر، [يد] فقد قيل: صاحب اليد أولى؛ لأن [اليد أولى من] الشهادة بالملك القديم؛ كما سنذكره. وهذا ما نص عليه
стр. 9135
الشافعي، وتابعه عليه جمهور أصحابه؛ كما قاله الماوردي، وصححه الرافعي، واختاره في "المرشد".
وقيل: صاحب البينة بالملك القديم أولى؛ لأن الترجيح من جهة البينة أولى من الترجيح من جهة اليد؛ [كما أن البينة أولى من اليد]. وهذا طريق ابن سريج؛ كما حكاه في "المهذب"، وأبي إسحاق؛ كما حكاه ابن الصباغ؛ وكذا الماوردي، وخطأه فيه، وطريقهما- كما حكاه القاضي أبو الطيب، وكلام القاضي الحسين- يقتضي أنه الضعيف؛ لأنه جعله بمنزلة من اشتملت بينته على زيادة في العدد، أو الورع، و [قد] قال ابن يونس: إنه الصحيح.
وفي "الوسيط" وجه [آخر]: أنهما تتعارضان.
وعلى قول الترجيح بالملك القديم في حال كون العين في يد ثالث فرع آخر، وهو: أن نماء العين وأجرتها يكون لمن شهدت له البينة بالملك القديم.
وعلى مقابله إذا قلنا بالتساقط فلا، وإن قلنا بالاستعمال فيكون له في الزمن الذي لم يقع فيه التعارض، وهو أحد عشر شهراً، وما حصل في الشهر الآخر تأتي فيه الأقوال؛ كذا أشار إليه الماوردي والرافعي.
وكلام ابن الصباغ يقتضي أن النماء له على كل حال؛ لأنه قال في توجيه القول بأن التي شهدت بالملك القديم أولى: ولهذا له المطالبة بالنماء في ذلك الزمان.
وعلى القولين فرع آخر بناه ابن سريج، وهو: إذا كان في يد رجل دار، فادعاها رجل، وأقام شاهدين: أنها ملكه، فحكم له بها، ثم جاء آخر، وأقام شاهدين: أنها ملكه- هل يحتاج الأول إلى إعادة بينته؛ ليحصل التعارض؟ قال: إن قلنا: إن بينة الأقدم مسموعة، وإنها أولى من بينة الأحدث- فلا يحتاج، ويقع التعارض. وإن قلنا: إن بينة الأقدم والأحدث سواء، ففي الاحتياج إلى إعادة البينة الأولى وجهان، والصحيح: أنها تعاد؛ لأنها غير موجودة الآن حتى يقع التعارض؛ حكاه أبو الطيب وابن الصباغ.
قال: وإن شهدت بينة أحدهما بالملك والنتاج في ملكه، وبينة الآخر بالملك
стр. 9136
وحده- فقد قيل: بينة النتاج أولى- أي: وإن قلنا: إن البينة بالملك المتقدم لا يرجح بها- لأنها تنفي أن يتقدم عليه ملك لغيره، والشهادة بقديم الملك لا تنفي ذلك.
وأيضاً: فإن بينة الأقدم شهدت بالملك دون سببه؛ فساوت بينة الأحدث، وبينة النتاج شهدت بالملك وسببه؛ فكانت أولى؛ ألا ترى أنه لو شهد شاهدان أن هذا الولد ابن فلان، وشهد آخران أنه ابن هذا ولد على فرشه- كانت بينة الفراش أولى؛ لأنها شهدت بالنسب وسببه؟
وهذه طريقة أبي إسحاق وجمهور الأصحاب؛ كما قاله الماوردي، [وبها جزم القاضي أبو الطيب في كتاب العاقلة]، وفي "الشامل": أن هذا ضعيف. والقائلون بهذه الطريقة قصدوا بما ذكروه من الفرق الرد على المزني؛ فإنه استشهد لما اختاره في المسألة السابقة بنص الشافعي على أن بينة النتاج- كما ذكرنا-[أولى].
قال: وقيل: على قولين؛ كالمسألة قبلها؛ لأنه ليس في بينة النتاج أكثر من الشهادة بملك متقدم، فلتكن على القولين. وهذه طريقة ابن سريج وأكثر الأصحاب؛ كما [قاله الرافعي، وجميع الأصحاب؛ كما] قاله الإمام.
وحكى الماوردي عن ابن خيران: [أن] ابن سريج كان يقول: الشهادة بالنتاج ليستمن منصوصات الشافعي، وإنما أوردها المزني من تلقاء نفسه.
ثم الطريقان في مسألة النتاج يجريان- كما قال الماوردي- فيما لو تنتازعا ثوباً، وأقام أحدهما البينة على أنه له، نسجه في ملكه، و [أقام] الآخر البينة على أنه له.
ومن طريق الأولى: إذا تنازعا تمرة أو حنطة، فشهدت بينة أحدهما بأنها حدثت في ملكه من شجرته أو بذره؛ كما صرح به الرافعي.
قال الماوردي: ولا تجري طريقة القطع فيما إذا شهدت بينة أحدهما بسبب الملك من الابتياع أو الميراث، وشهدت الأخرى بالملك من غير ذكر سببه، بل هذه المسألة ملحقة بتقديم الملك. وهذا استنبطه الرافعي من الفرق الذي ذكره الأصحاب بين
стр. 9137
مسألة النتاج ومسألة تقديم الملك.
وفي "تعليق" البندنيجي حكاية الطريقين في الكل، وألحق الغنيمة بالابتياع، وجعل الضابط في جريانهما: أن تشهد إحدى البينتين بالملك وسببه، وتشهد الأخرى بالملك المطلق.
قال: وإن ادعى كل واحد منهما: أنه ابتاع هذه الدار من زيد، وهي ملكه، أي: ملك زيد حالة العقد، وهي الآن في يد زيد، وأقام كل واحد منهما بينة على ما يدعيه- فإن كان تاريهما مختلفاً، أي: بأن كان تاريخ إحداهما في رمضان، وتاريخ ابلخرى في شوال، أو تاريخ إحداهما في يوم السبت، والأخرى في يوم الأحد.
قال: فهي للسابق منهما؛ لأنه ابتاعها وهي ملك للبائع، والآخر ابتاعها وقد زال ملكه؛ فلم يحكم له به.
قال القاضي أبو الطيب: ونحن وإن كنا نجوز أن يكون قد اشتراها ثم باعها، إلا أن الظاهر أنه ما اشتراها، فإذا ادعى أنه عاد واشتراها فعليه [البينة].
قلت: ويتجه تخريج وجه في تقديم المتأخر مما سنذكره فيما إذا كان في يد شخص عبد، وادعى العبد أنه أعتقه وهو ملكه، وادعى آخر: أنه اشتراه وهو ملكه، وأقام كل واحد منهما بينة بما ادعاه، وكان تاريخ العتق متأخراً، والمنقول أنها للأول.
وهكذا الحكم فيما لو كانت إحدى البينتين مطلقة، والأخرى مؤرخة، وقلنا بتقديم المؤرخة على المطلقة؛ كما هو أحد الوجهين؛ فيقضي لمن أرخت بينته؛ كذا صرح به أبو الفرج الزاز، ولمن قامت بينته بالابتياع المتأخر أن يرجع على البائع بما دفعه له من الثمن؛ إن شهدت بينته بقبضه.
قلت: وهذا من الأصحاب جواب على الأصح في [أن من قال في] حال المنازعة: هذا ملكي، وملك من اشتريت منه؛ فخرج مستحقا: أنه يرجع بالثمن.
أما إذا قلنا: إنه لا يرجع بالثمن فيما إذا قال: ملكي وملك من اشتريت منه- كما
стр. 9138
قدمت حكايته في الباب وجهاً- فلا يرجع بالثمن هاهنا؛ لأن ذلك عين المسألة والله أعلم.
قال: وإن كان تاريخهما واحداً، [أو لم يعلم] السابق منهما- أي: إما لكونهما مطلقتين، أو لكون إحداهما مطلقة، والأخرى مؤرخة، ولم ينظر إلى تقديم المؤرخة؛ كما هو الصحيح.
قال: تعارضت البينتان، أي: في الملك دون العقد فيما عدا الأولى، وفيهما في الأولى؛ للمنافاة الحاصلة بينهما.
قال: وفيهما قولان:
أحدهما: تسقطان؛ لما تقدم.
وحكى الإمام وجهاً آخر: أنهما لا تسقطان في الصورة الثانية، وإن قلنا بالتساقط في الأولى؛ فإن صدق البينتين ممكن، فلعل أحدهما اشترى ثم عادت الدار إلى ملك المدعي عليه، فاشتراها الثاني.
وهذا حكاه الفوراني؛ بناء على الطريقة التي حكاها في أن التعارض إنما يصار إليه عند تحقق التكاذب، ولا وجه لهذا؛ فإنه لا نفع في تقدير صدقهما مع تعذر إمضائهما؛ فعلى هذا- أعني: قول التساقط- يرجع إلى البائع، فإن كذبهما حلف لكل واحد منهما، وغرم [له] ما شهدت [له] به بينته من الثمن الذي دفعه؛ لأن تعارض البينتين في البيع لا في دفع الثمن؛ كذا قاله في "الحاوي" هنا.
وفي "الإبانة" و"النهاية": أنه هل يرجع كل واحد منهما بما شهدت له به بينته من الثمن؟ فيه وجهان.
وقد حكى الماوردي فيما إذا شهدت بينة على شخص بعتق عبده، وشهدت بينة أخرى عليه بأنه باعه: أنا إذا قلنا بالتساقط لا يلزمه رد الثمن بالبينة، لأنها قد أسقطت في كل [ما شهدت به. ومن] اختلاف نقليه يجتمع الوجهان، وقد صرح بهما عند الكلام فيما إذا ادعى أحدهما أنه اشترى هذها لدار من زيد وهي ملكه، وادعى
стр. 9139
الآخر: أنه اشتراها من عمرو وهي ملكه، وقال: إنهما ينبنيان على القولين في أن الشهادة إذا ردت في بعضها، هل ترد في الباقي؟
والصحيح في "الرافعي" وغيره: الرجوع.
وقال الإمام: إنه يرجع حاصله إلى تهاتر من وجه، واستعمال من وجه، وهو فقه لا ينقدح عند المحصل غيره؛ وهذا إذا لم تتعرض البينة لقبض المبيع، فإن تعرضت له، فلا رجوع بالثمن؛ إذ العقد قد استقر بالقبض.
وإن صدق أحدهما، وكذب الآخر، كانت الدار مبيعة من المصدق دون المكذب، فإن طلب المكذب إحلاف البائع بعد ذلك، قال القاضي الحسين: ذلك ينبني على أنه لو أقر هل يغرم؟ فإن قلنا: يغرم، حلف، وإلا انبنى على أن يمين الرد كالبينة أو كالإقرار؟ فإن قلنا: كالإقرار، لم يحلف، وإلا حلف.
فإذا حلف فنكل، وحلف المدعي فماذا يرجع به؟ فيه وجهان:
أحدهما: قيمة العين؛ لأنه ليس ببينة حقيقة.
والثاني: بالعين، وتنزع من يد المقر له؛ كما لو أقام بينة.
وقال البندنيجي والفوراني: طلب اليمين ينبني على أنه لو عاد وأقر للثاني، هل يغرم له؟ وفيه قولان: فإن قلنا: يغرم، حلف، وإلا فلا.
وهكذا حكى ابن الصباغ عن الشيخ أبي حامد، ثم قال: وينبغي عندي أن يجب عليه [رد] الثمن قولاً واحداً؛ لأنه اعترف بقبضه، وتعذر عليه تسليم المبيع، وإن لم يعترف فللثاني تحليفه؛ لما ذكرته.
قلت: وهذا منه يدل على أمرين:
أحدهما: أن المسألة مصورة بما قبل القبض، وأن الذي اختلف في الرجوع به الثمن إذا لم تكن البينة قد قامت بقبضه.
وقد قال القاضي الحسين بعد حكاية القولين في التغريم والتحليف- كما ذكرنا عن الشيخ أبي حامد وغيره-: إن هذا إنما يتصور إذا كان المبيع قد قبضه مدعي الدار ثم عادت إلى يد البائع، فجحده؛ ليحلفه على تغريم قيمة العين. أما إذا لم يكن
стр. 9140
قد قبض المبيع، فأقر لأحدهما، للثاني تحليفه على تغريم الثمن؛ لأنه قد فات المبيع بإقراره، فهو كما لو غصبه أو غيبه.
وهذا منهما بناء على أن جناية البائع على المبيع قبل القبض كالآفة السماوية في انفساخ العقد، ولو نظرا إلى أنه كجناية الأجنبي، ولم يقولا بانفساخ العقد بمجرد الإتلاف، بل بثبوت الخيار- لقالا: إنه يثبت له الخيار، فإن فسخ كان له الثمن، وإلا فهل له طلب القيمة؟ ينبني [على] أن الحيلولة القولية التي لم ييأس معها [من] الرد، هل توجب الغرم؟ وفيه خلاف يأتي، ويدل على ذلك أن القاضي قال بعد ذلك: إذا لم يكن لهما بينة وادعيا عليه الدار- كما ذكرنا- فأقر لأحدهما، [فماذا يدعي عليه الآخر؟] ذلك ينبني على أصل، وهو أن جناية البائع على المبيع قبل القبض كآفة سماوية، أو كجناية أجنبي؟ إن قلنا: كآفة سماوية، فإنه يدعي عليه الثمن، وإن قلنا: كجناية أجنبي، انبنى على ما إذا قال: غصبت هذه الدار من زيد، لا بل من عمرو، هل يغرم القيمة أم لا؟
فإن قلنا: يغرم [ثم] فهاهنا يدعى عليه القيمة.
وإن قلنا: لا يغرم ثم انبنى على أن النكول ورد اليمين يكون كالإقرار أو كالبينة؟
وساق [مثل] ما حكيناه عنه من قبل.
وأما الماوردي فإنه قال فيما إذا اعترف لأحدهما، وطلب الآخر يمينه: إنه ينظر:
فإن كان قد سبق بالدعوى عليه قبل أن يصدق الآخر، كان له إحلافه؛ لأنه قد استحق اليمين بإنكاره قبل دعوى الآخر؛ فلم يسقط حقه منها بتصديقه لغيره.
وإن كانت دعواه بعد تصديق الآخر، فلا يمين عليه إن كانت قيمة الدار قدر ما بذله من الثمن، [وإن كانت أكثر من الثمن] فتحليفه ينبني على أنه لو عاد وصدقه، هل يغرم له الزائد من القيمة على الثمن [أم لا]؟ وفيه قولان: فإن قلنا: لا يغرم له، لم يحلف، وإلا حلف.
следующие страницы →