Полный текст (9 685 стр.). Показаны 9136–9175 · переход к 9141.
стр. 9136
وحده- فقد قيل: بينة النتاج أولى- أي: وإن قلنا: إن البينة بالملك المتقدم لا يرجح بها- لأنها تنفي أن يتقدم عليه ملك لغيره، والشهادة بقديم الملك لا تنفي ذلك.
وأيضاً: فإن بينة الأقدم شهدت بالملك دون سببه؛ فساوت بينة الأحدث، وبينة النتاج شهدت بالملك وسببه؛ فكانت أولى؛ ألا ترى أنه لو شهد شاهدان أن هذا الولد ابن فلان، وشهد آخران أنه ابن هذا ولد على فرشه- كانت بينة الفراش أولى؛ لأنها شهدت بالنسب وسببه؟
وهذه طريقة أبي إسحاق وجمهور الأصحاب؛ كما قاله الماوردي، [وبها جزم القاضي أبو الطيب في كتاب العاقلة]، وفي "الشامل": أن هذا ضعيف. والقائلون بهذه الطريقة قصدوا بما ذكروه من الفرق الرد على المزني؛ فإنه استشهد لما اختاره في المسألة السابقة بنص الشافعي على أن بينة النتاج- كما ذكرنا-[أولى].
قال: وقيل: على قولين؛ كالمسألة قبلها؛ لأنه ليس في بينة النتاج أكثر من الشهادة بملك متقدم، فلتكن على القولين. وهذه طريقة ابن سريج وأكثر الأصحاب؛ كما [قاله الرافعي، وجميع الأصحاب؛ كما] قاله الإمام.
وحكى الماوردي عن ابن خيران: [أن] ابن سريج كان يقول: الشهادة بالنتاج ليستمن منصوصات الشافعي، وإنما أوردها المزني من تلقاء نفسه.
ثم الطريقان في مسألة النتاج يجريان- كما قال الماوردي- فيما لو تنتازعا ثوباً، وأقام أحدهما البينة على أنه له، نسجه في ملكه، و [أقام] الآخر البينة على أنه له.
ومن طريق الأولى: إذا تنازعا تمرة أو حنطة، فشهدت بينة أحدهما بأنها حدثت في ملكه من شجرته أو بذره؛ كما صرح به الرافعي.
قال الماوردي: ولا تجري طريقة القطع فيما إذا شهدت بينة أحدهما بسبب الملك من الابتياع أو الميراث، وشهدت الأخرى بالملك من غير ذكر سببه، بل هذه المسألة ملحقة بتقديم الملك. وهذا استنبطه الرافعي من الفرق الذي ذكره الأصحاب بين
стр. 9137
مسألة النتاج ومسألة تقديم الملك.
وفي "تعليق" البندنيجي حكاية الطريقين في الكل، وألحق الغنيمة بالابتياع، وجعل الضابط في جريانهما: أن تشهد إحدى البينتين بالملك وسببه، وتشهد الأخرى بالملك المطلق.
قال: وإن ادعى كل واحد منهما: أنه ابتاع هذه الدار من زيد، وهي ملكه، أي: ملك زيد حالة العقد، وهي الآن في يد زيد، وأقام كل واحد منهما بينة على ما يدعيه- فإن كان تاريهما مختلفاً، أي: بأن كان تاريخ إحداهما في رمضان، وتاريخ ابلخرى في شوال، أو تاريخ إحداهما في يوم السبت، والأخرى في يوم الأحد.
قال: فهي للسابق منهما؛ لأنه ابتاعها وهي ملك للبائع، والآخر ابتاعها وقد زال ملكه؛ فلم يحكم له به.
قال القاضي أبو الطيب: ونحن وإن كنا نجوز أن يكون قد اشتراها ثم باعها، إلا أن الظاهر أنه ما اشتراها، فإذا ادعى أنه عاد واشتراها فعليه [البينة].
قلت: ويتجه تخريج وجه في تقديم المتأخر مما سنذكره فيما إذا كان في يد شخص عبد، وادعى العبد أنه أعتقه وهو ملكه، وادعى آخر: أنه اشتراه وهو ملكه، وأقام كل واحد منهما بينة بما ادعاه، وكان تاريخ العتق متأخراً، والمنقول أنها للأول.
وهكذا الحكم فيما لو كانت إحدى البينتين مطلقة، والأخرى مؤرخة، وقلنا بتقديم المؤرخة على المطلقة؛ كما هو أحد الوجهين؛ فيقضي لمن أرخت بينته؛ كذا صرح به أبو الفرج الزاز، ولمن قامت بينته بالابتياع المتأخر أن يرجع على البائع بما دفعه له من الثمن؛ إن شهدت بينته بقبضه.
قلت: وهذا من الأصحاب جواب على الأصح في [أن من قال في] حال المنازعة: هذا ملكي، وملك من اشتريت منه؛ فخرج مستحقا: أنه يرجع بالثمن.
أما إذا قلنا: إنه لا يرجع بالثمن فيما إذا قال: ملكي وملك من اشتريت منه- كما
стр. 9138
قدمت حكايته في الباب وجهاً- فلا يرجع بالثمن هاهنا؛ لأن ذلك عين المسألة والله أعلم.
قال: وإن كان تاريخهما واحداً، [أو لم يعلم] السابق منهما- أي: إما لكونهما مطلقتين، أو لكون إحداهما مطلقة، والأخرى مؤرخة، ولم ينظر إلى تقديم المؤرخة؛ كما هو الصحيح.
قال: تعارضت البينتان، أي: في الملك دون العقد فيما عدا الأولى، وفيهما في الأولى؛ للمنافاة الحاصلة بينهما.
قال: وفيهما قولان:
أحدهما: تسقطان؛ لما تقدم.
وحكى الإمام وجهاً آخر: أنهما لا تسقطان في الصورة الثانية، وإن قلنا بالتساقط في الأولى؛ فإن صدق البينتين ممكن، فلعل أحدهما اشترى ثم عادت الدار إلى ملك المدعي عليه، فاشتراها الثاني.
وهذا حكاه الفوراني؛ بناء على الطريقة التي حكاها في أن التعارض إنما يصار إليه عند تحقق التكاذب، ولا وجه لهذا؛ فإنه لا نفع في تقدير صدقهما مع تعذر إمضائهما؛ فعلى هذا- أعني: قول التساقط- يرجع إلى البائع، فإن كذبهما حلف لكل واحد منهما، وغرم [له] ما شهدت [له] به بينته من الثمن الذي دفعه؛ لأن تعارض البينتين في البيع لا في دفع الثمن؛ كذا قاله في "الحاوي" هنا.
وفي "الإبانة" و"النهاية": أنه هل يرجع كل واحد منهما بما شهدت له به بينته من الثمن؟ فيه وجهان.
وقد حكى الماوردي فيما إذا شهدت بينة على شخص بعتق عبده، وشهدت بينة أخرى عليه بأنه باعه: أنا إذا قلنا بالتساقط لا يلزمه رد الثمن بالبينة، لأنها قد أسقطت في كل [ما شهدت به. ومن] اختلاف نقليه يجتمع الوجهان، وقد صرح بهما عند الكلام فيما إذا ادعى أحدهما أنه اشترى هذها لدار من زيد وهي ملكه، وادعى
стр. 9139
الآخر: أنه اشتراها من عمرو وهي ملكه، وقال: إنهما ينبنيان على القولين في أن الشهادة إذا ردت في بعضها، هل ترد في الباقي؟
والصحيح في "الرافعي" وغيره: الرجوع.
وقال الإمام: إنه يرجع حاصله إلى تهاتر من وجه، واستعمال من وجه، وهو فقه لا ينقدح عند المحصل غيره؛ وهذا إذا لم تتعرض البينة لقبض المبيع، فإن تعرضت له، فلا رجوع بالثمن؛ إذ العقد قد استقر بالقبض.
وإن صدق أحدهما، وكذب الآخر، كانت الدار مبيعة من المصدق دون المكذب، فإن طلب المكذب إحلاف البائع بعد ذلك، قال القاضي الحسين: ذلك ينبني على أنه لو أقر هل يغرم؟ فإن قلنا: يغرم، حلف، وإلا انبنى على أن يمين الرد كالبينة أو كالإقرار؟ فإن قلنا: كالإقرار، لم يحلف، وإلا حلف.
فإذا حلف فنكل، وحلف المدعي فماذا يرجع به؟ فيه وجهان:
أحدهما: قيمة العين؛ لأنه ليس ببينة حقيقة.
والثاني: بالعين، وتنزع من يد المقر له؛ كما لو أقام بينة.
وقال البندنيجي والفوراني: طلب اليمين ينبني على أنه لو عاد وأقر للثاني، هل يغرم له؟ وفيه قولان: فإن قلنا: يغرم، حلف، وإلا فلا.
وهكذا حكى ابن الصباغ عن الشيخ أبي حامد، ثم قال: وينبغي عندي أن يجب عليه [رد] الثمن قولاً واحداً؛ لأنه اعترف بقبضه، وتعذر عليه تسليم المبيع، وإن لم يعترف فللثاني تحليفه؛ لما ذكرته.
قلت: وهذا منه يدل على أمرين:
أحدهما: أن المسألة مصورة بما قبل القبض، وأن الذي اختلف في الرجوع به الثمن إذا لم تكن البينة قد قامت بقبضه.
وقد قال القاضي الحسين بعد حكاية القولين في التغريم والتحليف- كما ذكرنا عن الشيخ أبي حامد وغيره-: إن هذا إنما يتصور إذا كان المبيع قد قبضه مدعي الدار ثم عادت إلى يد البائع، فجحده؛ ليحلفه على تغريم قيمة العين. أما إذا لم يكن
стр. 9140
قد قبض المبيع، فأقر لأحدهما، للثاني تحليفه على تغريم الثمن؛ لأنه قد فات المبيع بإقراره، فهو كما لو غصبه أو غيبه.
وهذا منهما بناء على أن جناية البائع على المبيع قبل القبض كالآفة السماوية في انفساخ العقد، ولو نظرا إلى أنه كجناية الأجنبي، ولم يقولا بانفساخ العقد بمجرد الإتلاف، بل بثبوت الخيار- لقالا: إنه يثبت له الخيار، فإن فسخ كان له الثمن، وإلا فهل له طلب القيمة؟ ينبني [على] أن الحيلولة القولية التي لم ييأس معها [من] الرد، هل توجب الغرم؟ وفيه خلاف يأتي، ويدل على ذلك أن القاضي قال بعد ذلك: إذا لم يكن لهما بينة وادعيا عليه الدار- كما ذكرنا- فأقر لأحدهما، [فماذا يدعي عليه الآخر؟] ذلك ينبني على أصل، وهو أن جناية البائع على المبيع قبل القبض كآفة سماوية، أو كجناية أجنبي؟ إن قلنا: كآفة سماوية، فإنه يدعي عليه الثمن، وإن قلنا: كجناية أجنبي، انبنى على ما إذا قال: غصبت هذه الدار من زيد، لا بل من عمرو، هل يغرم القيمة أم لا؟
فإن قلنا: يغرم [ثم] فهاهنا يدعى عليه القيمة.
وإن قلنا: لا يغرم ثم انبنى على أن النكول ورد اليمين يكون كالإقرار أو كالبينة؟
وساق [مثل] ما حكيناه عنه من قبل.
وأما الماوردي فإنه قال فيما إذا اعترف لأحدهما، وطلب الآخر يمينه: إنه ينظر:
فإن كان قد سبق بالدعوى عليه قبل أن يصدق الآخر، كان له إحلافه؛ لأنه قد استحق اليمين بإنكاره قبل دعوى الآخر؛ فلم يسقط حقه منها بتصديقه لغيره.
وإن كانت دعواه بعد تصديق الآخر، فلا يمين عليه إن كانت قيمة الدار قدر ما بذله من الثمن، [وإن كانت أكثر من الثمن] فتحليفه ينبني على أنه لو عاد وصدقه، هل يغرم له الزائد من القيمة على الثمن [أم لا]؟ وفيه قولان: فإن قلنا: لا يغرم له، لم يحلف، وإلا حلف.
стр. 9141
وهذا [قاله- والله أعلم]- بناء على ما حكيناه عنه أولاً في المسألة السالفة: أنه يرجع بما شهدت به بينته من قبض الثمن.
ولو صدقهما البائع، جعلت الدار بينهما، ويكون نصفها مبيعاً على كل واحد منهما بنصف الثمن الذي أقر به البائع؛ إن صدقه المشتريان على قدره، وإن كذباه حلفاه، وبطل البيع.
قال: والثاني: تستعملان: إما بالقرعة، أي: على قول من رآها؛ إذ لا مانع منها.
وقال الشيخ أبو محمد: إنها لا تجري فيما عدا الصورة الأولى. وهو ضعيف.
وعلى الأول هل يحلف من خرجت له القرعة؟ فيه القولان.
قال: أو بالقسمة [أي]: على قول من رآها؛ لما ذكرناه.
وعلى هذا قال العراقيون والقاضي الحسين: يثبت لكل [واحد] منهما الخيار في فسخ العقد وإمضائه بنصف الثمن الذي شهدت به بينته؛ لتبعيض الصفقة عليه.
ويجيء وجه في أنه إذا أجاز يجيز بكل الثمن كما ذكرناه في البيوع.
فإن اختارا الإمضاء كانا شريكين في الدار، ويرجع كل واحد منهما عليه بنصف ثمنه؛ بناء على أن الإجازة بالقسط لا بالكل.
وإن اختارا الفسخ، فإن فعلا ذلك في وقت واحد، انفسخ العقدان.
وإن فعل [أحدهما ذلك] قبل الآخر، فقد فسخ الأول دون الثاني.
قال الماوردي: لأن بفسخ الأول يكمل المبيع للثاني؛ فسقط خياره.
وإن اختار أحدهما الإمضاء، والآخر الفسخ، فالفاسخ يزول ملكه، والمجيز ينظر فيه:
فإن أجاز بعد فسخ الأول، كملت له الدار بجميع الثمن.
وفيه وجه حكاه القاضي الحسين وغيره: أنه لا يكمل له؛ كما سنذكره في الحالة الثانية.
وإن أجاز قبل فسخ الآخر، لم يكن له إلا نصف الدار بنصف الثمن؛ لأن سهم الفاسخ لم يعد إلا بعد استقرار العقد في ابتياع النصف.
стр. 9142
قال الإمام: والذي نراه [أن] الترتيب على عكس هذا، فإن فسخ من بدأنا به، سلمنا الدار إلى المجيز وجهاً واحداً؛ لأن القسمة ليست معينة لعينها، وإنما هي للاستواء في الطلب والحجة وقيام النزاع؛ فإذا زال وجب التسليم [إلى] المطالب.
وإن رضي من بدأنا به بالبقاء، وفسخ الثاني، ففي رد النصف إلى الثاني وجهان؛ فإن الأول إنما رضي بالنصف لتقدير نزاع الثاني، فإذا زال فطلبه قائم.
وفي "الإبانة": أنه إذا فسخ أحدهما فيما يخصه، فهل على المدعي [عليه] تسليم ذلك إلى الآخر؟ فيه وجهان من غير تفصيل.
وهذا كله إذا لم تكن البينة قد تعرضت لقبض المبيع ولا جرى ذكره في الدعوى، أما إذا وجد ذلك، فلا خيار؛ لأن ما يحدث بعد القبض ليس على البائع عهدته.
قال: ولا يجيء الوقف- أي: عند من رآه في غير هذه الصورة- لأن المعقود عليه لا يوقف.
قال ابن الصباغ: فإن قيل: العقد [أيضاً لا ينقسم، وقد قلتم بالقسمة- قال: قلنا: إنما يقسم المعقود عليه، دون العقد] ولو قلنا: يوقف هاهنا، لأوقفنا العين والعقد.
على أني رأيت في "الحاوي"، و"البحر"، و"الشامل" في أوائل كتاب الدعاوى عند الكلام في التنازع في كراء الدار: أنهما إذا اختلفا في عقد، وكان لهما بينة، فإن قلنا بالاستعمال فلا يجيء قول الوقف؛ لأن العقود لا توقف، والقسمة لا تجيء أيضاً؛ لأنهما يتنازعان عقداً، ولا يمكن قسمة العقد؛ فلم يبق إلا القرعة؛ فيقرع بينهما، فإذا خرج السهم لأحدهما حكم له ببينته، لكنهم قالوا: ذلك فيما إذا اختلفا: هل وقع عقد الإجارة على الدار كلها، أو [عليها إلا بيتاً فيها]، وقد يظهر فرق بين هذه المسألة وبين مسألتنا.
وقد قال القاضي الحسين في مسألتنا: إن قول الوقف يجري، وإذا قلنا به أخذنا من البائع كلا الثمنين، ويعدلان- أيضاً- وهذا ما حكاه الإمام عند الكلام في هذه
стр. 9143
المسألة، وقال قبل ذلك: إن من أصحابنا من قال: لا يوقف البيع. وهو غفلة ظاهرة؛ فإن الوقف الذي نمنعه في العقد إنما هو [وقف] العقد على وجود شرط قد تخلف عنه، أما التوقف في الخصومات فلا يمنع فرضه في البيع.
والذي أورده الشيخ هو ما حكاه العراقيون: كأبي الطيب، والبندنيجي، وابن الصباغ، ولم يحك الفوراني سواه.
وقد حكى الربيع قولاً ثالثاً في أصل المسألة: أن تعارض البينتين يوجب إبطال العقدين؛ فيكون كل واحد من البيعين باطلاً: كالمتداعيين نكاح امرأة يقيم كل واحد منهما البينة على أنه تزوجها من ولي، ولم يعلم أي العقدين سبق؛ فإنه يبطل النكاحان بتعارضهما.
قال الماوردي: وقد أنكر أصحابنا هذا القول، ونسبوه إلى تخريج الربيع، ومنعوا من اعتباره بالنكاح؛ لأن نكاح المرأة لا يجوز أن يكون بين زوجين، وشراء الدار يجوز أن يكون بين مشتريين؛ فبطل النكاحان لامتناع الشركة، ولم يبطل البيعان مع جواز الشركة.
وهذا كله إذا كانت العين في يد البائع، وكان منكراً أو ساكتاً، فلو صدق أحد المشتريين، فهل يوجب تصديقه ترجيح من صدقه على الآخر؟ فيه وجهان في "الحاوي" وغيره:
أحدهما- وهو قول المزني، وابن سريج-: نعم؛ لأنه أصل ذو يد؛ فعلى هذا يرجع إلى بيانه في أي العقدين تقدم، ولا يرجع إلى بيانه: أيهما باع؛ لأنه قد ثبت عليه البيعان بالبينة، فإذا بين أحدهما بالتقدم كان له البيع.
وقد استدل لهذا الوجه بأن الشافعي قال في كتاب الرهن: إذا كان لرجلين على رجل دين، وادعى كل واحد منهما أنه رهن عنده هذه الدار قبل صاحبه، وأقام على ذلك بينة، فأقر الراهن لأحدهما- أن بينة المقر له أولى. كذلك في مسألتنا، ولا فرق بين الرهن والبائع.
[والوجه الثاني-] وهو قول أبي علي ابن خيران، وعامة أصحابنا؛ كما قال
стр. 9144
الماوردي، وأبو الطيب-: أن تصديق البائع لأجل يده غير مقبول في ترجيح بينة أحدهما؛ لاتفاق البينتين على زوال ملكه؛ فبطل بهما حكم ملكه، وإنما يرجع إلى يد يجوز أن تكون مالكة.
وما ذكره الأولون من الاستشهاد بمسألة الرهن غير دال لهم؛ لأن فيها قولين:
فإن قلنا: لا يقبل، سقط السؤال.
وإن قلنا: يقبل، فالفرق: أن الراهن ما زال ملكه عن الرهن؛ فقبل إقراره، وليس كذلك في مسألتنا.
فعلى هذا يجري القولان في التعارض، ويكون الحكم كما سبق.
وعلى الأول قال الماوردي: يجوز لكل واحد منهما أن يدعي عليه العلم بالأسبق، ويحلفه يميناً تخصه؛ لأنه لو بين بعد إنكاره قبل منه، فلو جمع بين المشتريين في البيان، لم يكن فيه بيان؛ لأن بيانه في التقديم، ويستحيل أن يكون [كل واحد منهما مقدماً] على الآخر في حالة واحدة.
وقال الشيخ أبو حامد: يكون بينهما بتصديقهما. وهذا ما أورده البندنيجي، والقاضي أبو الطيب، وقال: إن كل واحد منهما هل له تحليفه؛ لأجل النصف الذي لم يقر في يده؟ فيه قولان.
ثم قال الماوردي بعد حكاية قول أبي حامد: وهذا وهم إن كان قال هذا وهو يرى أن بيان البائع مقصور على التقدم بالعقد؛ لاستحالة اجتماعهما في التقدم، وإن قاله؛ لأنه يرى أنه يرجع إلى بيان البائع لأيهما باع- فهو ارتكاب مذهب لا يقتضيه المذهب.
ولو كانت الدار في يد أحد المشتريين، فقد قدمت ما قيل فيها، وكذلك إذا كانت في يديهما.
فروع:
لو شهدت إحدى البينتين في حال عدم التأريخ بأن الدار [ملك البائع] وقت البيع، أو كونها [ملكاً] للمشتري اليوم- كانت مقدمة.
стр. 9145
قال الشيخ أبو عاصم: وكذا إذا كان في إحدى البينتين [أنها] في يد المشتري.
قال في "الإشراف": ولم يرد به مجرد اليد، بل أراد به اليد مع امتداد المدة على التصرف، ومع عدم المنازع.
وكذا لو كان في إحدى البينتين ذكر نقد الثمن دون الأخرى كانت مقدمة على الأرخى.
قال الشيخ أبو عاصم: سواء كانت سابقة أو مسبوقة؛ لأن التي تتعرض لنقد الثمن توجب التسليم، والأخرى لا توجبه؛ لبقاء حق حبس البائع؛ فلا تكفي المطالبة بالتسليم.
قال القاضي أبو سعد: وهذا غريب، لم أصادفه في كتب أصحابنا.
وفي "الحاوي" عند الكلام في الفرع الذي سنذكره بعده: أنه إذا شهدت بينة أحدهما بأنه ابتاعه منه، وقبضه، وشهدت بينة الأخرى: أنه ابتاعه منه، ولم يقولوا: إنه قبضه- فهل تترجح بينة من شهد له بالقبض؟ [فيه وجهان، والذي نص عليه الشافعي: الترجيح بالقبض؛ لأن البيع بالقبض] منبرم، وقبل القبض متردد بين سلامة المبيع فينبرم، أو تلفه فيبطل.
فرع: إذا كان في يد شخص عبد، وادعى عليه آخر: أنه باعه منه بكذا، أو أقام عليه بينة، وادعى العبد أنه أعتقه، وأقام عليه بينة- فإن [كان] تأريخ البينتين [مختلفاً]، قضى بأسبقهما.
وفي "الإشراف": أن هذا إذا لم يكن في البينتين إثبات الملك في يوم التصرف، فإن كان والإعتاق سابق تعارضت البينتان، قال: ويمكن أن يخرج قول أن السابق أولى مما سنذكره.
ولو كان البيع سابقاً، ففيه قولان:
أحدهما: السابق أولى.
والثاني: أن البينة الأخيرة أولى؛ إذ فيه تصديق البينتين؛ فإنه يحتمل أنه باعه منه، ثم اشتراه، ثم أعتقه.
стр. 9146
وإن كان تأريخ البينتين واحداً، أو كان مطلقاً، أو كان أحدهما مطلقاً، والآخر مقيداً- فإن كان في يد المشتري فهل تترجح بينته بيده؟ فيه وجهان في "الحاوي"، وعليهما بنى الوجهين في الفرع قبله؛ كما ذكرنا، والذي جزم به القاضي أبو الطيب: الترجيح.
ولو كان العبد في يد البائع، فهل تترجح بينة أحدهما بتصديقه؟ فيه الخلاف السابق:
فإن رجحنا به: فإن صدق مدعي الشراء، لم يرجع عليه العبد بشيء، وإن صدق العبد، حكم بعتقه، وسقطت بينة بيعه، وهل لمشتريه أن يرجع [عليه] بالثمن ببينة؟ فيه قولان في "الحاوي"؛ بناء على أن الرد في البعض هل يوجب الرد في الكل؟
وإن قلنا: لا تأثير لتصديقه، فعن المزني تخريج قول للشافعي: أن تقديم بينة العبد أولى؛ لأن العبد في يد نفسه، وبينة صاحب اليد مقدمة.
وضعفه الأصحاب، وامتنعوا من إثباته قولاً، وقالوا: إنما يكون في يد نفسه أن لو كان حراً؛ على أن الحر هل يثبت له يد على نفسه؟ الذي حكاه الأكثرون- كما هو في "الحاوي"-[لا]؛ خلافاً لأبي إسحاق المروزي.
ثم على الصحيح في عدم ترجيح بينة العبد، ينظر: إن كان التاريخ واحداً تعارضت البينتان، وإن كانت البينتان مطلقتين، أو إحداهما مطلقة، والأخرى مؤقتة- ففي التعارض الطريقان:
منهم من قال: لا تعارض؛ لأن التكاذب لا يتحقق وجوده.
ومنهم من قطع بالتعارض؛ وعلى هذا ففي المسألة قولان:
فإن قلنا بالتهاتر، فالحكم كما لو لم تقم بينة؛ كذا قاله الرافعي، وقال: إن الحكم فيما إذا لم تقم بينة: أن للعبد ومدعي الشراء تحليف من هو في يده، ويحلف لكل منهما يميناً، فإن أقر بالعتق يثبت، ولم يكن للمشتري تحليفه إن قلنا: إن
стр. 9147
إتلاف البائع كالآفة السماوية. نعم، لو ادعى تسليم الثمن، حلفه له. وإن أقر بالبيع قضى له، ولم يكن للعبد تحليفه.
وإن قلنا بالاستعمال، ففي مجيء قول الوقف الخلاف السابق.
وإن قلنا بالقرعة، قضى لمن خرجت له.
وعن ابن سريج: أنه قال: يقوى في هذه الصورة قول القرعة؛ لاشتمال الخصومة على دعوى العتق. وكذا قاله الماوردي.
فإن قرعت بينة الشراء، حكم له بابتياعه، وهل يحلف؟ فيه قولان.
وإن قرعت بينة العبد حكم بعتقه، ولزمه رد الثمن على المشتري؛ لأن بينته لم تسقط، وإنما ترجح غيرها، فوقفت.
وغن قلنا بالقسمة عتق نصفه، وثبت نصفه لمدعي الشراء بنصف الثمن، وله الخيار:
فإن فسخ، فالمشهور- وهو الذي أورده الماوردي وأبو الطيب-: أنه يعتق النصف الآخر أيضاً، وفيه وجه: أنه لا يعتق، وإيراد البغوي يشعر بترجيحه.
وإن أجاز المشتري، وكان المدعى عليه معسراً، لم يسر العتق، وإن كان موسراً ففي السراية وجهان أو قولان:
أصحهما عند القاضي أبي الطيب: السريان.
وعند الغزالي مقابله.
وقال البندنيجي: إنه المذهب، وإن الأول ليس بشيء.
ونقل أبو الفياض وجهاً: أن قول القسمة لا يجري هاهنا؛ تحرزاً من تبعيض العتق. وقد حكاه الماوردي أيضاً.
قال: وإن ادعى أحدهما: أنه اشتراها من زيد، وهي ملكه، وادعى الآخر: أنه اشتراها من عمرو، وهي ملكه، أي: والعين في يد ثالث، وأقام كل [واحد] منهما بينة على ما يدعيه - تعارضت البينتان؛ لأن كل واحدة شهدت بالملك لواحد، وبيعه من واحد، ولا يجوز أن تكون الدار كلها [ملكاً] لاثنين يبيعها كل واحد من واحد.
стр. 9148
قال: وفيهما قولان سبق توجيههما.
وفي "الإبانة" حكاية قول آخر: أن بينة السابق أولى.
وعلى الأول- وهو الذي أورده القاضي الحسين وغيره- إن قلنا بالتساقط، فكأن لا بينة، وسألنا من العين في يده: فإن اعترف بها لأحدهما، قضى له، وهل يحلف للآخر؟ فيه قولان.
وإن اعترف بها لهما، قضى بها لهما، وهل يحلف لكل منهما على نصف ما اعترف به؟ فيه قولان.
وإن قلنا بالاستعمال زال ملك من هي في يده عنها، ويجيء قول القرعة، والقسمة، وفي قول الوقف ما ذكرناه من اختلاف الطريقين.
فإن قلنا: يقرع، فهل يحلف من خرجت له القرعة؟ فيه قولان.
وإن قلنا: يقسم، كان لكل منهما نصفها بنصف الثمن الذي ادعاه، ويرجع على بائعه بنصف الثمن.
وهذا إذا لم يكن قد اعترف بقبض المبيع، ولا قامت [عليه] به بينة، ولكل منهما الخيار:
فإن اختار أحدهما الرد، والآخر الإمساك، رجع الراد بجميع الثمن على بائعه، ورجع من أمسك بنصف العين بنصف الثمن، ولا يكون له كل العين، سواء تقدم اختيار إمساكه على رد الراد أو تأخر.
قال البندنيجي: ولا فصل بين هذه المسألة والتي قبلها إذا كان البائع واحداً والمشتري اثنين إلا في هذا الفصل فقط؛ لأنه يؤدي الأخذ لو قيل به إلى أن يأخذ من غير بائعه، وإلا فالفقه فيهما سواء حرفاً بحرف.
ولو كان قد أقر بقبض المبيع، أو قامت به بينة، لم يرجع بشيء من الثمن، ولا خيار له في فسخ العقد كما تقدم، وهذا ما أورده الجمهور.
وفي "الحاوي": أن الثالث إذا ادعى العين ملكاً لنفسه، فدعواه مردودة بكل واحدة
стр. 9149
من البينتين، لكن لا تنزع من يده قبل بت الحكم من المتنازعين، وقد تعارضت البنيتان فيه ملكاً في حق البائعين، ومبيعاً في حق المشترين، فإن قلنا بإسقاط البينتين، كان [كل] واحد من البائعين خصماً للآخر في ملكه، وكل [واحد] من المشترين خصماً لبائعه في ابتياعه؛ فيتحالف البيعان على ملكه: فإن حلفا حكم لهما، وإن نكلا جعل بينهما، وإن حلف أحدهما، ونكل الآخر، فهل ترد يمين النكول على مدعي ابتياعه؟ على قولين من اختلاف قوليه في غرماء المفلس: فإن قلنا: إنها ترد عليهم، ردت على المشتري منه، وإلا فلا.
ثم إن حكم بالعين للبائعين، صار كل واحد من المشتريين مدعياً على بائعه بابتياعه جميع العين، ودفع ثمنه، فإن صدقه مبتاعه على دعواه، صح البيع في النصف الذي صار إليه، وبطل في نصفه الذي كان في ملك غيره، وثبت للمشتري الخيار، وإن أكذبه بائعه في ابتياعه، حلف له، ولا بيع بينهما، وهل يستحق عليه الرجوع بثمنه الذي شهدت به بينته؟ فيه قولان من اختلاف قوليه في أن الشهادة إذا ردت في بعض ما شهدت به، هل يوجب ردها في باقيه.
وإن حكم بالعين لأحد البائعين، كان الحكم بينه وبين المشتري منه في الكل كما ذكرناه في النصف، إلا أنه لا خيار له إذا صح البيع هاهنا، والمشتري الآخر هل يرجع بالثمن الذي بذله على بائعه بمقتضى بينته؟ فيه القولان.
وإن قلنا بالاستعمال بالقرعة، فأيهما خرجت له القرعة، حكم له، وفي إحلافه قولان، وردت البينة المقروعة في ملك الآخر وبيعه، ولم ترد فيما شهدت به من دفع الثمن قولاً واحداً؛ لأنه لم يكن ردها إسقاطاً، وإنما كان ترجيحاً.
وإن قلنا بالاستعمال بالقسمة، قسمنا العين بين المشتريين نصفين، ولكل واحد منهما الخيار في إمضاء البيع في نصفه بنصف الثمن، واسترجاعه باقيه، أو فسخ البيع واسترجاع جميع ثمنه، والله أعلم.
أما إذا كانت العين في يد أحد البائعين، فقد قال الشيخ في "المهذب"، والقاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ: إن الحكم كما إذا كانت في يد ثالث؛ كما
стр. 9150
ذكرناه؛ بناء على الصحيح في أنه لا ترجيح بقوله.
أما إذا قلنا بقول المزني وابن سريج: أن من صدقه البائع تترجح بينته، رجع إل البائع الذي في يده العين.
وفي "الحاوي": الجزم بهذا؛ لأنها بينة داخل تندفع بها بينة الخارج؛ وهذا بناه على أصله في أن البائع خصم في هذه الحالة؛ كما ذكرناه من قبل.
قال: فيؤخذ بتسليم العين إلى مشتريها منه، ويبطل بيع الآخر، ويؤخذ بائعه برد الثمن، ولا يمين للبائع الآخر، ولا للمشتري على من ترجحت بينته من البائع والمشتري؛ لأن الحكم ثبت لهما بالبينة ترجيحاً باليد، ولا يمين مع البينة.
وقال فيما إذا كانت العين في يد البائعين: إنه لا تخاصم بين المشتريين فيه، وخصمه فيه هو بائعه؛ ليسلم إليه ما باعه عليه.
ثم إن تنازع البيعان، وادعى كل واحد: أنه مالك لجميع العين، وبينة كل واحد من المشتريين في البيع هي بينة لكل واحد من البائعين في الملك، ولكل واحد منهما بينة داخل في النصف الذي بيده، وبينة خارج في النصف الذي في يد صاحبه، وهل لواحد منهما أن يحلف صاحبه؟ فيه القولان، فإن قلنا بالتحليف، حلفه: إنه لا حق له فيما في يده، لا أنه مالك لما في يده؛ لأنه يحلف على الإنكار، لا على الإثبات، ويصير كل واحد مالكاً لنصفها، وبائعاً لجميعها؛ فيكون كل واحد من المشتريين بالخيار بين إمضاء البيع في نصفها والرجوع بنصف ثمنه، وبين فسخ البيع في جميعها والرجوع بجميع ثمنه.
وإن تصادق البائعان على أن كل واحد منهما مالك لنصف العين، فينقطع التحاكم بينهما بالتصاقد.
وفي انقطاع خصومة المشتريين بانقطاعها بين البائعين وجهان، فإن قلنا بالانقطاع، كان الحكم كما تقدم؛ وإلا فلكل واحد من المشتريين المخاصمة مع من في يده العين؛ لأنه يدعي ملك جميع العين، وقد صار إلى نصفها مع بقائه في حق غيره.
ولو كانت العين- والحالة لهذه – باقية بعد في يد البائعين وقت الخصومة بين
стр. 9151
المشتريين، كان لكل واحد [منهما] مطالبة بائعه بتسليم ما ابتاعه منه، وهو لا يقدر إلا على تسليم النصف الذي في يده، فإذا قبض كل واحد منهما نصفه، تحاكم فيه المشتريا،، وكان حكمهما كما سنذكره.
ولو كان البائعان قد سلماها للمشتريين، كان كل واحد منهما خصماً لصاحبه فيما في يده، ويتحالفان، ولا تستعمل بينتاهما لأنها لا تفيدهما أكثر من قسمته بينهما: فإن حلفا أو نكلا، كانت بينهما.
وإن حلف أحدهما، ونكل الآخر، حكم بجميعها للحالف، ولم يلزمه لبائعه- إن لم يكن قد أقبضه الثمن- إلا نصف الثمن وإن صار مالكاً لجميعه؛ لأن البائع مقر أنه لا يملك إلا نصفه.
وإن كان قد أقبض جميع الثمن، فليس له المطالبة بشيء منه؛ لأنه مقر باستحقاقه عليه، وليس للمشتري الناكل رجوع بدركه على بائعه؛ لأنه مستحق من يده بنكوله، ولو حلف لكان مقراً في يده.
ولو كانت العين في يد أحد المشتريين- أي: في ابتداء الخصومة- ولا تصديق من البائعين، ترجحت بينته بيده وجهاً واحداً، صرح به القاضي أبو الطيب وغيره، وكذا الماوردي، وقال: إن هذا بخلاف ما لو كان في يده والبائع عليهما واحد على أحد الوجهين.
وفي هذه الحالة يلزم من [العين] في يده جميع الثمن، ويرجع الآخر على صاحبه بجميع الثمن، وليس له مخاصمة صاحبه في الشراء؛ لأنه قد استقر ابتياعه لجميع العين بحكم بات، وينقطع التنزع بين البائعين كانقطاعه بين المشتريين؛ لتفرد الحكم بالبينة واليد للبائع والمشتري منه، على البائع الآخر والمشتري منه.
ولو كانت في يد المشتريين، جعلت بينهما نصفين، ولكل واحد منهما إحلاف صاحبه قولاً واحداً.
وفي كيفية يمينه قولان من اختلاف قوليه في تعارض البنتين:
فإن قيل باستعمالهما، كانت يمين كل واحد منهما على النفي دون الإثبات؛ لأنه قد ملك بالبينة؛ فلا يمين مع البينة.
стр. 9152
وإن قيل: إن تعارضهما موجب لإسقاطهما، كانت يمين كل واحد منهما على الإثبات دون النفي؛ فيحلف بالله: لقد ملكتها بالابتياع من فلان؛ لأنه لم يملك بالبينة؛ فصار مالكاً باليمين.
فإن حلفا أو نكلا، كانت العين بينهما، ولا رجوع لواحد منهما بالدرك على بائعه.
وإن حلف أحدهما، ونكل الآخر، حكم بالجميع للحالف، ولزمه ثمن الجميع لبائعه، ولا يرجع الناكل على بائعه بشيء من الثمن.
فلو أحال المشتريان التحالف على البائعين؛ ليكونا خصمين فيه- ففيه قولان:
إن قلنا بإسقاط البينتين بالتعارض، تحالف البائعان، وكان كل واحد من المشتريين خصماً لبائعه.
وإن قلنا باستعمالهما، لم يتحالف البائعان؛ لبت الحكم عليهما بالبينة، ولا رجوع لواحد منهما بالدرك على بائعه وإن تداعياه، ولهما الرجوع بدركه إن لم يتداعياه.
وإذا لم يرجعا بالدرك، فلا خيار لهما في فسخ البيع.
وإن جعلنا لهما الرجوع بالدرك، كان لهما الخيار في فسخ البيع.
قال: وإن كان في يد زيد دار، فادعى كل واحد منهما: أنه باعها منه بألف، وأقام كل واحد منهما بينة على عقده: فإن كان تأريخهما واحداً- أي: مثل أن قالت كل واحدة من البينتين: إن العقد صدر مع الزوال يوم كذا- تعارضت البينتان؛ لاستحالة كون جميع الدار ملكاً لشخصين في آن واحد.
قال: وفيهما قولان سبق توجيههما:
فإن قلنا بالتساقط، رجع إلى من في يده العين، فإن ادعاها لنفسه، حلف كل واحد منهما، وقضى له، وإن أقر لأحدهما، لزمه الثمن له، ويحلف للآخر قولاً واحداً؛ لأنه لو أقر لغرم له؛ فإنه يقر له بمال في ذمته. وإن أقر أنه ابتاعه من كل
стр. 9153
[واحد] [منهما]، لزمه الثمنان. وإن أقر أنه ابتاعه منهما فقد أقر لكل واحد بنصف الثمن، وله أن يحلفه على الباقي.
وإن قلنا بالاستعمال، جاء قول القرعة والقسمة، وفي مجيء قول الوقف الخلاف السابق بين الفريقين.
فإن قلنا بقول القرعة، فهل يحلف من خرجت له القرعة؟ فيه القولان، والذي لم تخرج له، [له] أن يحلف المشتري.
وإن قلنا بقول القسمة، لزمه نصف ثمن كل واحد، ولا خيار له؛ لأنه يحصل له تمام المبيع، ولا غرض له في عين البائع؛ وهذا ما حكاه الماوردي والبندنيجي وأبو الطيب.
وعن أبي الحسين بن القطان ثبوته؛ لأنه قد يرضى بمعاملة واحد، ولا يرضى بمعاملة اثنين.
فرع: لو شهد شاهدان: إنه اشترى [من] فلان ساعة كذا، وشهد آخران: إنه كان في تلك الحالة ساكناً- فهل تقبل هذه الشهادة الثانية ويحكم بالتعارض، أو لا تقبل؟ فيه خلاف:
والذي ذهب إليه الأكثرون- كما ذكره الإمام- أنها مردودة؛ لتعلقها بالنفي، ومبنى الشهادة على التعرض للإثبات.
ومقابله: موجه بأن هذا نفي يمكن تقدير العلم فيه.
وقد ادعى الرافعي في الفروع التي ذكرها في آخر كتاب الطلاق: أنه ظاهر المذهب؛ لأنه قال: لو رأى ذهباً، وحلف بالطلاق: إنه الذهب الذي أخذه من فلان، فشهد شاهدان: إنه ليس ذلك الذهب، وإنه حانث- فظاهر المذهب: وقوع الطلاق وإن كانت هذه شهدة على لانفي؛ لأنه نفي يحيط العلم به.
стр. 9154
قال: وإن كان تأريخهما مختلفاً- أي: بأن شهدت بينة أحدهما بأن عقده جرى في مضان، وبينة الآخر بأن عقده جرى في شوال- لزمه الثمنان؛ لأنه يمكن الجمع بينهما: بأن يكن قد اشترى من الأول في رمضان، ثم باعه من الثاني، ثم اشتراه منه في شوال؛ وهذا كما قلنا في المرأة إذا ادعت أنه تزوجها يوم الخميس بألف، وأقامت بينة، ثم ادعت أنه تزوجها يوم الجمعة بألف، وأقامت بينة؛ فإنا نوجب لها المهرين.
والفرق بين ذلك وبين ما [إذا] ادعى واحد أنه ابتاع هذه الدار من زيد في شعبان، وآخر أنه اشتراها من زيد في رمضان، حيث قدمنا السابق وإن كان مقتضى ما ذكرناه تقديم الأخير- أن ثم المدعى عين واحدة، فإذا باعها مالكها دفعة واحدة، كان البيع صحيحاً، وإذا باعها بيعة ثانية، كان البيع باطلاً؛ لأن ملكه قد زال عنها، وليس كذلك هنا، فإن المدعى ثمن في الذمة، والذمة تتسع لأثمان كثيرة؛ كذا قاله أبو الطيب، وغيره.
وفي "الشامل": أن الإنسان لا يشتري ملك نفسه؛ فاحتجنا عند شرائه ثانياً إلى تقدير الانتقال عنه قبل ذلك لمن اشترى منه ثانياً، بخلاف البيع؛ فإن الإنسان قد يبيع ملك غيره؛ ولم يكن التقدير محتاجاً إليه؛ فلا جرم حكمنا بالملك في تلك المسألة للأول، وهنا ألزمناه الثمنين.
стр. 9155
قال: وإن كانتا مطلقتين، أو إحداهما مطلقة والأخرى مؤرخة- فقد قيل: يلزمه الثمنان؛ لاحتمال أن تكونا في وقتين؛ وهذا ما حكاه الماوردي والإمام [عن الأكثرين]، وهو الأصح عند القاضي الحسين وابن الصباغ والإمام والغزالي والنواوي.
وقيل: يلزمه ثمن واحد؛ لأنه المتيقن وجوبه، ويسقط الآخر؛ لأنا نشك في وجوبه؛ وهذا نقل الشيخ أبي حامد.
وقال في "المهذب" وغيره: يدل هذا الطريق الثاني: أنهما يتعارضان كالمؤرختين بتاريخ واحد؛ لأنه يحتمل ويحتمل، والأصل براءة الذمة.
وأيضاً: فإن المدعيين متفقان على أنه لم يجز إلا بيعة واحدة منهما، وهذا الطريق يحكى عن القاضي أبي حامد وأبي الحسين وغيرهما.
وعلى هذا يكون فيهما قولان:
أحدهما: تسقطان، ويكون الحكم كما تقدم.
والثاني: تستعملان بالقرعة، أو القسمة. وفي الوقف الخلاف.
فإن قلنا بالقسمة، لزمه نصف كل واحد من الثمنين، وهو المعني بقول الشيخ: وقيل: يلزمه ثمن واحد.
وحكى الإمام على قول الاستعمال وجهاً آخر أبداه تخريجاً: أنا نثبت الثمنين، ولا تنخرج الأقوال الثلاثة فيه.
قال: وحينئذ فينتظم على هذا القول طريقان:
أحدهما: ثبوت الثمنين.
والثاني: إجراء الأقوال الثلاثة.
وفي "الرافعي": أن بعض أصحابنا قال: إن شهدت البينتان بالإقباض مع البيع وجب الثمنان لا محالة.
أما إذا أقام كل واحد منهما بينة على إقرار المدعى [عليه] بما [ادعاه]، قال الرافعي: فالأظهر: أن الحكم كما لو قامتا على البيعين أنفسهما، فينظر: إن قامتا
стр. 9156
على الإقرار مطلقاً، أو شهد اثنان على الإقرار بالشراء من زيد في وقت الزوال، واثنان على الإقرار بالشراء من عمرو في ذلك [الوقت]، فيجيء ما ذكرناه.
وقيل: يجب الثمنان وإن كانت الشهادة على الإقرار مطلقاً، بخلاف الشهادة على البيعين مطلقاً؛ لأن الشهادة على الأقرار قد يثبت بها ما لم يثبت بالشهادة على نفس المقر به؛ ألا ترى أنه [لو] قامت بينة على إقراره بالغصب من زيد، وأخرى على إقراره بالغصب من عمرو لزمه قيمتان، ولو قامتا على نفس الغصب من زيد، والغصب من عمرو، تعارضتا، وإذا استعملنهاهما، لم يجب إلا قيمة واحدة.
وهذا الطريق لم يحك البندنيجي وأبو الطيب وابن الصباغ سواه، ونقله المزني عن الشافعي، واستشهد به على لزوم الثمنين في المسألة السابقة عند إطلاق البينتين، والأصحاب فرقوا بما ذكرناه.
تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه لا فرق فيما ذكرناه بين أن يقول كل واحد منهما: إن بيع الدار صدر منه وهو مالك، أو لا، [و] يدل عليه أنه قال: "وأقام كل واحد منهما بينة على عقده"، وهو ما حكاه أبو الفياض في "تتمة الجامع الصغير"، لكن لفظ الشافعي في "المختصر"- وعليه أكثر الأصحاب- تصوير المسألة بما إذا قال كل واحد منهما: إنها ملكه حالة البيع.
قال: وإن ادعى رجل ملك عبد، وأقام عليه بينة، وادعى الآخر، أي: المنازع له، أنه باعه منه، أو وقفه، أي: عليه، أو أعتقه، وأقام عليه بينة-[قضى] بالبيع، والوقف، والعتق؛ لأن البينة الشاهدة بذلك معها زيادة علم؛ لأنها شهدت بأمر حادث من المشهود له بالملك أولاً؛ فقدمكت على بينة الملك.
ولو أقام العبد بينة أنه حر، قال في "الإشراف": قال أصحابنا: بينة الحرية أولى.
وقال أبو حامد الإسفراييني: بينة الرق أولى؛ لأنها ناقلة من الأصل، فقد أفادت زيادة علم.
стр. 9157
والمنازع في العتق تارة يكون العبد، وتارة [يكون] من ذكرناه في أول هذا الباب.
قال: وإن قال لعبده: إن قتلت فأنت حر، فأقام العبد بينة: [أنه قتل]، وأقام الورثة بينة أنه مات- ففيه قولان:
أحدهما: تتعارضان، ويرق العبد- أي: بعد حلف الورثة- لأن كل واحد تنفي ما تثبته الأخرى؛ فبينة القتل تثبته وتنفي الموت، وبينة الموت تثبته وتنفي القتل، فسقطتا، وكأن لا بينة؛ فيحلف الوارث على نفي العتق.
والثاني: تقدم بينة القتل؛ لأنها عرفت زيادة لا تعرفها الأخرى، وهي الموت قتلاً.
وأيضاً: [فإن] كل قتيل ميت، وليس كل ميت قتيلاً؛ فعلى هذا يعتق العبد.
وهذا هو الظاهر من القياس على ما ذكره أبو الحسن العبادي، ونقل طريقة قاطعة به، وقد صححه النواوي، واختاره في "المرشد".
وما ذكره الشيخ هو ما حكاه الأصحاب عن الشافعي في آخر كتاب الشهادات من "الأم"؛ لأنه ذكر هذه المسألة والتي تليها ثم.
قال ابن الصباغ: وينبغي أن يكون هذا الخلاف على قوله الجديد: إن البينتين إذا تعارضتا سقطتا، ويجيء على القول القديم الأقوال في الاستعمال.
وقد أورده الرافعي في المسالة فقهاً من غير أن يذكره احتمالاً لأحد، وهو المذكور في "تعليق" القاضي الحسين، و"النهاية" و"التهذيب".
وقال الرافعي: إنا إذا قلنا بالقسمة عتق نصفه، وإن قلنا بالقرعة عتق إن خرجت له القرعة، ورق إن خرجت للوارث.
والوقف لا يجيء، وقال الإمام: إن قول الوقف لا يخرج هاهنا؛ فإنه لا منتهى له، وهو يرجع في التحقيق إلى ضبط العبد وتعطيل منفعته.
стр. 9158
ولا شك أنه لا يثبت القصاص بقتل السيد إذا ثبتت البينة من قبله؛ لأن الوارث امنكر للقتل. نعم، لو ادعى الوارث القتل، وأقام المدعي بينة أنه مات حتف أنفه- جرى القولان.
قال: وإن قال: [إن] مت في رمضان فعبدي حر، وإن مت في شوال فجاريتي حرة، ومات، فأقام العبد بينة [أنه مات] في رمضان، والجارية بينة بالموت في شوال- ففيه قولان:
أحدهما: تتعارضان، ويرقان؛ لتنافيهما.
وفي "النهاية": أنا إذا قلنا بالتساقط فقد عتق أحدهما، وأشكل الأمر، ولو اتفق مثل هذا لم يخف حكمه في أن الرجوع إلى الورثة، وكيف السبيل؟ وهو بمثابة ما لو قال: إن كان هذا الطائر غراباً فغانم حر، وإن لم يكن غراباً فسالم حر، ومر الطائر، وأشكل الأمر.
والثاني: تقدم [بينة] رمضان؛ لجواز علمها بذلك وخفاء الأمر على بينة شوال؛ وهذا ما صححه النواوي، واختاره في "المرشد".
وعن ابن سريج والمزني – كما قال الرافعي- أن بينة شوال أولى؛ لأن معها زيادة علم، وهو استمرار الحياة إلى شوال، وربما أغمي عليه في رمضان؛ فظنت البينة الشاهدة بالموت فيه الموت.
قال الرافعي: ولمن شرطه أن يطرده في نظائر المسألة من قبل ومن بعد.
وفي "التهذيب" أن ما ذكره الشيخ مفرع على القول الصحيح، وهو التساقط، أما إذا قلنا: تستعملان، فتجيء الأقوال الثلاثة.
قال الرافعي: وعلى قول القسمة يعتق من كل واحد منهما نصفه.
فرع: لو حكم الحاكم بشهادة شاهدي الموت في رمضان، ثم شهد على أنه مات في شوال شاهدان- فهل ينقض الحكم على القول الأول، وينزل ذلك منزلة ما لو شهدت البينتان معاً أم لا؟
عن ابن سريج تخريج قولين فيه؛ كما لو بان فسق الشهود بعد الحكم؛
стр. 9159
قاله الرافعي والروياني وغيرهما.
وقد يطلب الفرق على مذهب ابن سريج بين هذا وبين ما إذا حضرت بينة صاحب اليد بعد الحكم للخارج بالبينة؛ فإنه قال ثم: ينقض الحكم جزماً.
قال: وإن قال لأحدهما: إن مت [بمرضي هذا] فأنت حر، وقال للآخر: إن برئت من مرضي هذا فأنت حر، ومات، وأقام كل واحد منهما بينة على ما يوجب عتقه- تعارضت البينتان- أي: قولاً واحد- لأن كل واحدة منهما تكذب الأخرى.
وفي "الرافعي" و"التهذيب" وراء ذلك وجهان:
أحدهما: أن بينة الموت من ذلك المرض أولى؛ لزيادة علمها بالموت، وقد حكاه الموردي قولاً آخر.
والثاني: أن بينة البرء أولى؛ لعلمها بالبرء، ويحكى هذا عن ابن القطان.
والصحيح [ما أورده الشيخ]، وهو المحكي في "الشامل" و"تعليق" البندنيجي عن نص الشافعي، والقاضي الحسين لم يورد سواه.
وعلى هذا قال الشيخ: وسقطتا، ورق العبدان: أي: إذا قلنا بالتساقط؛ كما هو الجديد، ولكل منهما تحليف الورثة.
وي "الحاوي": أنا إذا قلنا بالتساقط فقد انعتق أحدهما، ولم يتعين العتق فيه؛ فيرجع إلى بيان الورثة في ذلك.
فإن بينوا عتق أحدهما، عمل في ذلك على بيانهم، وحكم برق الآخر، وله إحلافهم.
وإن عدم بيان الورثة، أقرع بينهما، وعتق القارع، ورق المقروع.
أما إذا قلنا بالقديم- وهو قول الاستعمال-[فتجيء الأقوال]؛ صرح به الرافعي.
وحكى عن رواية ابن كج عن بعض [الأصحاب]: أنه إذا وجد التعارض في مثل هذا غلبت الحرية، ويجيء ما جزم به الشيخ من [طريقة] التساقط- أيضاً-
стр. 9160
على الطريقة التي حكاها الإمام وغيره: أن محل الاستعمال إذا لم تتكاذب البينتان صريحاً، أما إذا تكاذبتا فلا؛ لأن هنا التكاذب صريح، والله أعلم.
قال: وإن شهد شاهدان: إنه أعتق سالماً- أي: في مرض موته- وهو ثلث ماله، وشهد آخران: إنه أعتق غانماً، وهو ثلث ماله، ولم يعلم الأول منهما- أي: وقد تحقق أن أحدهما بعد الآخر- ففيه قولان:
أحدهما: يعتق من كل واحد منهما نصفه؛ لتساويهما، وتعذر القرعة؛ إذ ربما خرج سهم الرق [على الحر] فيصير رقيقاً، وعلى العكس، فإذا أعتقنا من كل واحد نصفه، عتق نصف المقدم، وعتقه مستحق، ورق نصف المتأخر، ورقه مستحق.
وأيضاً: فإنه لو شهد شاهدان: إنه أوصى لهذا بثلثه، وشهد آخران: إنه أوصى لآخر بثلثه- قسم بينهما؛ فكذلك هاهنا؛ وهذا ما نص عليه في "المختصر" في باب الشهادة في الوصية، وهو الذي رجحه الروياني وغيره، وقال البندنيجي: إن أبا إسحاق وابن سريج قطعا به.
والثاني: يقرع بينهما؛ لامتناع الجمع بينهما، وعدم المزية في أحدهما؛ فكان إكمال الحرية في أحدهما أولى من تبعيضها فيهما؛ وهذا ما نص عليه في "الأم"، واختاره المزني وآخرون، ومنهم من قطع به، وحمل قول الشافعي في "المختصر" على ما إذا شهدت البينتان بالوصية بالعتق لا بتنجزه.
ومنهم من أجرى القولين في التنجيز والوصية؛ كذا قاله القاضي الحسين وغيره، والقولان في مسألة الكتاب- كما قال جماعة من الأئمة- كالقولين في الجمعتين والنكاحين في مثل هذه الحالة، فإن قلنا ببطلان النكاحين والجمعتين، أقرعنا هاهنا كما لو وقعتا معاً.
وإن توقفنا في النكاحين، وأمرنا الجميع بالظهر- أعتقنا من كل واحد منهما نصفه.
وقد فرع الماوردي وغيره على القولين في الكتاب إذا كانت قيمة أحدهما ثلث
стр. 9161
المال، وقيمة الآخر سدسه، فقال: إن قلنا بالقرعة، فإن خرجت للذي قيمته الثلث، عتق جميعه، وإلا عتق جميع الآخر، ونصف هذا. وإن قلنا بالقسمة يعتق من النفيس ثلثاه، ومن الخسيس ثلثاه؛ كما لو أوصى لزيد بجميع ماله، ولعمرو بثلث ماله، وأجاز الورثة- فإنه يقسم المال بينهما أرباعاً؛ فإن الموصى له بالكل يضارب بثلاثة أمثال ما يضارب به الآخر. وهذا ما أورده الأكثرون، وتكون المسألة على هذا تصح من ثمانية عشر سهماً.
وفي "الوسيط" وجه آخر: أنه يعتق من النفيس ثلاثة أرباعه، ومن الخسيس نصفه؛ لأن النفيس يقول: إذا أعتقت أولاً فجميعي [حر]، وإن تأخرت فنصفي حر؛ فنصفي مسلم لا خلاف فيه، وإنما النزاع في نصفي الآخر، وقد قدر سدس بيني وبينك؛ فيقسم علينا.
قال: وهذا ينبغي أن يطرد في مسألة الوصية، فيقول الموصى له بالكل: أما الثلثان فهما مسلمان إلي، وإنما التزاحم في الثلث؛ فيقسم علينا؛ فيحصل له بالكل على خمسة أسداس، والآخر على سدس، وقد قطع الإمام بهذا التخريج، وقال: إنه لا فرق بين الصورتين.
أما إذا علم السابق منهما، فهو المعتق.
ولو وقع العتقان معاً، أقرع بينهما جزماً؛ للخبر.
قال القاضي الحسين: وهل يحلف من خرجت له القرعة؟ فيه وجهان.
ولو أمكن سبق أحدهما، ووقوعهما معاً، قال القاضي الحسين، وتبعه الإمام، والبغوي: فكذلك يقرع.
وقال الإمام وغيره: احتمال الترتيب أغلب، وأقرب من احتمال المعية، والسابق منهما غير معلوم، وإذا كان كذلك، وتعارضت البينتان، وأطلقتا- علمنا أن أحد العقدين سابق، ولم نعرفه بعينه؛ فيجيء القولان.
قال القاضي الحسين: ولا خلاف أنا إذا علمنا عين السابق، ولكن نسيناه: أنه يعتق من كل واحد منهما نصفه. وهذا قياس قول من قال: إذا علم السابق من النكاحين والجمعتين، ونسي: أنه يوقف، وهو الظاهر.
стр. 9162
وقد حكى البغوي والرافعي في المسألتين طريقين:
أحدهما: هذا، وهو الذي أورده أبو الفرج السرخسي وغيره.
والثاني: طرد القولين.
قال: وإن ادعى عيناً في يد زيد، وأقام بينة بملك متقدم، فإن شهدت البينة: إنها ملكه أمس، لم يحكم له؛ لأنه يدعي ملك العين في الحال، والبينة لا تشهد له بذلك، وإنما تشهد له [بأنها له] بالأمس؛ فصار كما لو ادعى شيئاً، وشهدت له البينة بغيره.
ولأن ثبوت الملك سابقاً إن اقتضى بقاءه، فيد المدعي علي وتصرفه يدل على الانتقال إليه بحق؛ فلا يحصل ظن الملك في الحال.
قال: حتى تشهد البينة: إنه أخذها منه زيد- أي: بما لا يوجب زوال الملك- إما بمباح: [كإجارة] أو عارية، أو بمحظور: من غصب وتغلب؛ لأنه قد بان بالبينة أن اليد الطارئة غير موجبة للملك؛ فثبت بها حكم الملك المتقدم.
وهذا ما نقله المزني، والربيع؛ ولأجل ذلك قال القاضي الحسين والإمام: إنه الجديد، وهو المذهب.
وقيل: فيه قولان:
أصحهما: أنه لا يحكم له؛ لما ذكرناه.
ولأن دعوى الملك السابق لا تسمع [مجردة عن الملك في الحال]؛ فكذلك البينة [عليه].
والثاني: يحكم [له]؛ لأنه قد ثبت بالبينة أن العين كانت له بالأمس، والظاهر بقاء الملك؛ وهذا القول رواه "البويطي"، وقال القاضي الحسين والإمام: إنه القديم.
والطريقان جاريان- كما حكاه المصنف والبندنيجي وابن الصباغ والقاضي الحسين والإمام- فيما إذا شهدت البينة بأن العين كانت في يده بالأمس، وأكثرهم
стр. 9163
حكوا النصين فيها، وقالوا: لا فرق بين أن تشهد له باليد أمس، أو تشهد له بالملك أمس، ووراء ذلك أمران:
أحدهما: حكى الماوردي الطريقين في الشهادة باليد السابقة، واقتضى إيراده أن البنية إذا شهدت بالملك القديم، سمعت جزماً؛ فإنه قال في توجيه الحكم بالشهادة باليد السابقة: إن اليد دالة على الملك؛ فجرت مجراه، وقد ثبت أن المدعي لو أقام بينة على أن الدار كانت له بالأمس، حكم له بها؛ كذلك إذا أقام بينة أنها كانت في يده بالأمس.
وأشار عند الكلام فيما إذا شهدت البينة: إن هذه الجارية بنت أمته، إلى خلاف في الصورتين، لكن بالترتيب، فإنه قال: مذهب الشافعي المشهور: أنه لا يحكم له باليد إذا شهدوا له بيد متقدمة وإن حكم له بالملك إذا شهدوا له بالملك المتقدم على أحد القولين، وأن "البويطي" وابن سريج كانا يجمعان بين الشهادة بقديم الملك، وقديم اليد في الحكم بها على أحد القولين، وقد ذكرنا من فروق أصحابنا بين قديم الملك وقديم اليد ما يمنع الجمع بينهما، وكأنه يشير إلى أن اليد السابقة لا تدل على الملك إلا ظاهراً، ويجوز أن تكون على غير ملك؛ كما علل به الأصحاب ما حكي عن الشافعي في "الأم" حيث قال: إذا شهد شاهدان: [إن] هذه الدار لفلان منذ سنة، وشهد آخران: إنها في يد آخر منذ سنة- أن بينة الملك أولى من بينة اليد؛ لأن اليد تكون على ملك، وغير ملك، بخلاف الملك.
الأمر الثاني: ادعى الغزالي في "الوسيط"، و"الوجيز": أنه لا خلاف في أن البنية لو شهدت بأنه كان [في] يد المدعي بالأمس- قبل، وجعل المدعي صاحب اليد. ولعل ذلك محمول على ما إذا شهدت البينة بذلك، وأن المدعى عليه أخذها من يده؛ كما نص على ذلك في "المختصر"، وصرح به الأصحاب.
ومن أجرى لفظه على ظاهره قال: إن الغلط وقع [في] ذلك من جهة أنه لما قدم أن البينة إذا أسندت الملك إلى محسوس بأن قالت: إنه كان في ملكه بالأمس، اشتراه من صاحب اليد: أنه يقبل- قال في الشهادة باليد أمس: إنها مقبولة كذلك.
стр. 9164
والمنقول ما ذكرناه، والله أعلم.
ثم طريقة القولين في الصورتين هي المشهورة، وهي في "الشامل"، و"تعليق" البندنيجي منسوبة إلى ابن سريج، وقالا: إنه قال: أصل القولين ما إذا تنازعا داراً في يد غيرهما، وأقام أحدهما بينة: أنها ملكه منذ سنة إلى الآن، والآخر بينة: أنها ملكه في الحال- ما حكمهما؟
فإن قلنا: إنهما سواء، فهاهنا لا تسمع البينة بالملك المتقدم واليد السابقة.
وإن قلنا: بينة الملك القديم أولى، فهاهنا تسمع البينة بالملك المتقدم واليد السابقة.
وفي "الرافعي": أن بعضهم عكس فبنى الخلاف في تلك المسألة على الخلاف في هذه المسألة، وهو كذلك في "تعليق" القاضي الحسين.
وسلك الإمام طريقاًآخر، فقال: إن قلنا في المسألة التي جعلها ابن سريج أصلاً لهذه المسألة بالتساوي، فهنا لا نحكم بالبينة بالملك السابق واليد السابقة، وإن قلنا ثم: تترجح بينة الملك المتقدم، فإذ ذاك يجري القولان هاهنا: الجديد، والقديم.
والقائلون بالطريق الأول- ومنهم أبو إسحاق المروزي- قالوا: ما قاله "البويطي" من كيسه، لا من قول الشافعي.
والصحيح- وإن ثبت الخلاف-: عدم السماع عند الاقتصار على الشهادة بالملك المتقدم أو اليد، كما ذكره الشيخ.
أما إذا شهدت بالملك المتقدم، وقالت: إنه ثابت في الحال، أو: لم يزل، أو: لا نعلم له مزيلاً- سمعت؛ كما قاله الإمام والقاضي الحسين والرافعي، وترتب الحكم عليها.
وفي الحالة الأخرى أمران:
أحدهما: نقل ابن المنذر عن الشافعي: أنه يحلف المدعي مع البينة.
قال القاضي أبو سعد: وهو غريب، ووجهه: بأن البينة قامت على خلاف الظاهر، ولم تتعرض لإسقاط ما مع المدعى عليه من الظاهر؛ فأضيف إليها اليمين.
الثاني: قال ابن أبي الدم: إن في السماع وترتب الحكم نظراً؛ لأنها إذا شهدت:
стр. 9165
إنه كان ملكه أمس، ولم نقبلها مجردة، فقولها: ولم يزل إلى الآن، نفي محض؛ فلا يقبل.
ثم حكي بعد ذلك أن الشاهد إذا قال: أشهد: إنه كان ملكه بالأمس، ولا أعلم مزيلاً- قال بعض الأصحاب: يكفي هذا.
وأكثرهم قالوا: لا يكفي، بل لابد من الجزم بالشهادة بالملك في الحال، ويجوز للشاهد أن يشهد بالملك في الحال؛ استصحاباً لحكم ما عرفه من قبل: كشراء، أو إرث وغيرهما، وإن كان يجوز زواله.
قال الإمام: ولم أر الأصحاب يشترطون في ذلك خبرة باطنة، معربة باستمرار الزمان يطلع بها الشاهد على ظهور دوام الملك.
نعم، لو صرح في شهادته: أنه اعتمد الاستصجاب فوجهان:
المحكي منهما في "الوسيط"، و"النهاية" عن الأصحاب: عدم القبول؛ كما لا تقبل شهادة الرضاع على امتصاص الثدي وحركة الحلقوم، وقد اختار هذا الشيخ أبو محمد وصاحب "التقريب".
وعن القاضي الحسين: القبول؛ لأنا نعلم أنه لا مستند له سواه، بخلاف الرضاع؛ فإنه يدرك بقرائن لا تدخل في العبادة.
ولو قال: لا أدري أزال ملكه أم لا؟ لم يقبل؛ صرح به القاضي الحسين.
فروع:
لو أقام الداخل بينة بأن العين ملكه بعد أن شدت بيبنة الخارج بأنها ملكه غصبها منه الداخل، كانت بينة الخارج أولى؛ كما حكاه [الشيخ] أبو علي عن ابن سريج.
وقال القاضي الحسين: فيه إشكال.
وعند الأصحاب بينة ذي اليد أولى، وهو المحكي عن الشيخ أبي علي.
والصحيح في "التهذيب"، والذي عليه كل العراقيين أو غالبهم: [الأول].
قال ابن أبي الدم: ولم يحك أحد منهم فيما أعلمه فيه خلافاً.
стр. 9166
ولو شهدت البينة: إنه أقر أمس للمدعي بالملك، قبلت الشهادة، واستديم حكم الإقرار وإن [لم] يصرح الشاهد بالملك في الحال.
وحكى الإمام في "النهاية" عن صاحب "التقريب" في المسألة طريقين:
أحدهما: هذا.
والثاني: إلحاق ذلك بالشهادة على الملك المتقدم؛ فيجيء القولان.
قال الإمام: هذا وإن كان منقاساً، فالذي أعتقده فيه أنه خرق لما اتفق عليه الأولون، والقول به مسبوق بالإجماع، وإن اختار القاضي هذه الطريقة فهو بمثابة التمسك بقياس جرى في مصادمة قاعدة كلية.
ولأجل ذلك جزم الغزالي [في "الوجيز"] بالطريق الأول، ووجهه بأنه لولا المؤاخذة به، لبطلت فائدة الأقارير.
ولو قال المدعي عليه: هو ملكي، وكان ملكك أمس- ففيه وجهان:
أظهرهما في "تعليق" القاضي الحسين: أنه ينزع من يده، ويسلم للمدعي بإقراره [له].
والثاني: لا ينزع من يده؛ لثبوت يده عليه، واليد دلالة على الملك.
قال القاضي: وفيه ضعف؛ لأنه لو قال: العين ملكك بالأمس، واليوم ملكي، فلا خلاف أنها تنزع من يده؛ فكذلك إذا تأخر الإقرار بالملك للمدعي.
وكلام الغزالي مصرح بإجراء الخلاف في هذه الصورة أيضاً.
والقائلون بالمؤاخذة فرقوا بين الشهادة والإقرار: بأن المقر لا يقر إلا عن تحقيق: والشاهد قد يتساهل ويبني الأمر على التخمين؛ فإذا لم ينضم إليه الجزم في الحال ضعف.
والذي جزم به ابن الصباغ، وحكاه الماوردي والبندنيجي وأبو الطيب عن ابن سريج فيما إذا أقر له بالملك أمس- المؤاخذة، وحكاية الوجهين فيما إذا أقر بأن العين كانت في يده أمس، وقلنا: لا تسمع الشهادة باليد المتقدمة؛ وعلى هذه الطريقة يطلب الفرق من وجهين:
стр. 9167
أحدهما: بين قيام البينة باليد السابقة، والإقرار باليد السابقة، وقد حكى البندنيجي عن ابن سريج: أنه فرق بأن يد المدعى عليه قائمة على الملك في الحال، والظاهر: أنها لم تزل كذلك، والبينة أثبتت للمدعي يداً أمس؛ فتعارض ما سلف وسقط، وبقيت للمدعى عليه يد مشاهدة في الحال، وليس كذلك إذا أقر له باليد أمس؛ [لأن إقراره يمنع أن تكون يده اليوم تدل على إزالة اليد أمس] فيثبت للمقر له يد أمس؛ فلا تزال حتى يعلم سبب زوالها.
وقال ابن الصباغ: يمكن أن يفرق بأن البينة لا تسمع إلا على ما ادعاه، والدعوى يجب أن تكون متعلقة بالحال، والإقرار يصح فيما لا تصح دعواه، وهو المجهول؛ فصح- أيضاً- في الماضي.
والثاني: بين الإقرار بالملك السابق والإقرار باليد السابقة، وقد أشار إليه الأصحاب-[حكاية عن ابن سريج] – فقالوا: اليد قد تكون مستحقة، وقد لا تكون، فإذا كانت قائمة أخذنا بالظاهر فيها والاستصحاب، فإذا زالت ضعفت دلالتها؛ لأن الظاهر من يد الثاني الاستحقاق أيضاً؛ فبطل حكم اليد الأولى، بخلاف الشهادة بالملك السابق؛ فإن الملك إذا ثبت بالأمس، لم يخل عن الملك.
قال ابن الصباغ: وهذا الفرق يبطل بالتسوية بين اليد والملك في البينة.
ولو ادعى على الاخل شيئاً في يده، ولم يسبق من الداخل إقرار مطق للخارج ولا بيع، فقال الداخل في الخصومة: كانت العين ملك هذا المدعي أمس- قال صاحب "التقريب": هل يكون هذا كما لو شهدت بينته أنها كانت في ملك المدعي أمس، أم يكون هذا الإقرار بمثابة إقرار مطلق تشهد به البينة على الداخل: إنه أقر بأنها كانت في ملك المدعي أمس؟ فيه وجهان.
قال الإمام: ولا نهاية للطف هذا التفصيل.
فائدة: إذا شهدت البينة بالملك فمن ضرورتها تقدم الملك على الوقت الذي وقعت فيه الشهادة؛ فإنها لا توجب ثبوت الملك، وإنما تظهره؛ فتعين ارتباط ذلك بمتقدم؛ حتى يتصور انتقال الملك فيه بسبب من الأسباب.
стр. 9168
قال الإمام: وهذا التقديم يقع الاكتفاء فيه بلحظة لا تقبل زماناً يتميز في الحس؛ حتى لو ادعى شاة، وأقام على دعواه بينة، وكانت نتجت قبل الإقامة بساعة- فلا يقضي له بالنتاج.
نعم، لو أقام المدعي بينة بملك الشاة وكانت حاملاً، ولم تتعرض البينة لذكر الحمل- ثبت ملكه في الشاة وحملها؛ حتى لو انفصل بعد الشهادة، وقبل تزكية البينة- كان للمدعي.
وما ذكره الأصحاب في كون الحمل يكون للمدعي إذا شهدت البينة بملك الشاة، ولم تتعرض للحمل- قاسوه على ما لو اشتراها وهي حامل؛ فإن الملك يثبت في الحمل وإن لم يذكره حالة العقد.
قال الإمام: وقد يتطرق إليه احتمال على بعد؛ فإن الملك يفرض متبعضاً في البهيمة وحملها بالوصية.
قلت: وفي الهبة، والبيع القهري، والرد بالعيب؛ على أحد القولين، كما حكينا ذلك في باب ما يجوز بيعه، وأن الجديد في الهبة: أنه لا يتبع.
وإذا كان كذلك قال الإمام: فلا يبعد أن يدعي البهيمة ويستثني حملها في دعواه.
وأما استتباع البهيمة للحمل في البيع، فذاك لأمر متعلق بمقتضى العقد؛ لأنه لا يصح بيع البهيمة دون ولدها؛ على المذهب الظاهر، والاستثناء في الدعوى والإقرار جائز.
وقد حكى الرافعي هذا الاحتمال وجهاً، وأنه لا يحكم له بالحمل. وهذا الذي حكيناه هو المشهور في المذهب.
وفي الرافعي: أن القاضي أبا سعد الهروي ذكر أن الفقيه أبا نصر البلخي- من أصحاب الرأي- حكى عن أصحابنا: أن قيام البينة يقتضي سبق الملك؛ حتى يكون النتاج للمدعي.
قلت: و [على] هذا ينطبق ما حكاه المحاملي في "المجموع" في باب الشرط الذي يفسد البيع، والبندنيجي قبيل باب القافة-: أن ابن سريج قال: إذا كان في يد
стр. 9169
الرجل جارية لها ولد، فادعاها رجل، وأقام بينة: أنها له- حكم له بها، وهل يحكم له بالولد؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأن البينة لا تنقل الملك في الحال، وإنما يتبين بها حصول الملك فيما قبل؛ فيحكم بأن الولد حصل [في] ملك من قامت له البينة.
وأصحهما: لا؛ وعلى هذا إشكالان:
أحدهما: [ما] أشار إليه الشيخ عز الدين بن عبد السلام؛ فإنه حكي عنه أنه قال: من شرط سماع الشهادة في حقوق الآدميين تقدم الدعوى الصحيحة عليها، وموافقة الشهادة لها.
وقضية ذلك: أن يحكم بالملك قبيل الدعوى؛ لأن من شرط صحة الدعوى تقدم الملك عليه؛ فإنها [لا] تنشئ الملك، وإلا لكان الحكم مرتباً على دعوى لم يحكم بصحتها، ولا وافقتها [البينة]؛ فإن المدعى عند الزوال من يوم الجمعة تتضمن دعواه وجود الملك في تلك الحالة وقبيلها، فإذا أقام البينة عند الزوال من يوم السبت، ولم يحكم بالملك إلا قبيل الشهادة- كانت شاهدة بما لم تتضمنه الدعوى؛ فينبغي ألا تسمع؛ كما قاله الأصحاب في الشهدة [بالملك] المتقدم.
وقد يجاب بأن ما ذكره الأصحاب سلكوا فيه طريق التحقيق؛ فإنه لا يتحقق تضمن شهادتهم نقل الملك في أكثر من الزمن المذكور، واحتمال تقدم الملك على الدعوى لا ينكر، وهو الكافي [في] سماع الشهادة؛ لأن المعتبر في صحة الدعوى التي يترتب عليها سماع الشهادة انتظامها وإمكانها ظاهراً، لا موافقتها ما في نفس الأمر.
وأيضاً: فإن الشهادة لا تقام إلا بطلب المدعي؛ فيقدر عند طلبه أداء الشهادة كأنه مدع للملك ذلك الوقت أيضاً؛ فلم تقع الشهادة مخالفة للدعوى.
نعم، قد يعكر على هذا ما إذا أقام شاهداً واحداً، ثم أقام آخر [بعد] مدة؛ فإن الحكم يقع عند إقامة الثاني الشهادة.
стр. 9170
وقضية ما قاله الأصحاب: أن يكون ما شهد به الأول غير ما شهد به الثاني، وأن لا تلفيق.
وقد صرح في "الزوائد" في كتاب الشهادات بأنه لو حدثت ثمرة بين الشهادتين، كانت للمدعي [عليه]، لكن قد حكينا عن القاضي في باب صفة القضاء عند الكلام في طلب الحبس حتى تزكي البينة ما يدفعه؛ فاطلبه [من] ثم، والله أعلم.
الثاني: قال الأصحاب: من اشترى عيناً من الأعيان، وتمادى الزمان سنين، ثم جاء مدع، وادعاها في يد المشتري، وانتزعها منه ببينة شهدت له بملكها من غير بيان سبب الملك- كان للمشتري أن يرجع على بائعه بالثمن.
قال القاضي الحسين: وهذا مع ما ذكروه لا يجتمع؛ لأن شهادة البينة لا تتضمن إسناد ملك المدعي- كما قالوا- إلى زمان يوصف بأن يشار إليه، بل لا يقتضي إلا ملك الحال وتقديراً في التقدم؛ فكيف يملك المشتري الرجوع على البائع مع إمكان ثبوت ملك المنتزع للعين؛ تلقياً من هذا المشتري؟ وهذا ضمنه الغزالي قوله: "وعجب أن يترك في يده نتاج حصل قبل البينة وبعد الشراء، ثم هو يرجع على البائع! ".
ثم قال القاضي: ويحتمل أن نقول: لا يرجع المشتري بالثمن على البائع- والحالة كما وصفنا- بناء على ذلك، إلا أن تسند البينة الاستحقاق إلى حالة العقد؛ فإذ ذاك يثبت أن البيع صادف مستحقاً.
قال الإمام: وما ذكره القاضي لا دفع له من طريق القياس، لكنه قال: أجمع الأصحاب من عند آخرهم على خلاف ما ذكرته، وقد رأيته في "تعليقه"، والممكن في توجيه ما ذكره الأصحاب: أن يقال: البينة الشاهدة للمدعي بالملك لا يظن بها إلا الصدق، والأصل عدم نقل الملك من المشتري، مع أنه لا يمكنه أن يثبت عدم [تصرف] نفسه؛ فاكتفينا في حقه بعدم تحقق النقل من جهته وإن كان محتملاً؛ لأجل الوثوق بالعهدة، كما أن الشرع صحح ضمان العهدة خارجاً عن القياس؛ لأجل ذلك.
стр. 9171
وإذا لوحظ ما ذكرناه لم [يكن لصدق] الشهود محتمل إلا إسناد الاستحقاق إلى ما تقدم؛ فلهذا ثبت له الرجوع.
وزاد الأصحاب عليه فقالوا: لو وهب المشتري العين المشتراة أو باعها، فأقام مدعٍ على من هي في يده البينة بأنها ملكه – رجع المشتري [الأول] على بائعه.
قال الإمام: وهذا لا إشكال فيه بعد تقرير الأصل المذكور.
فرع: المشتري من المشتري إذا استحق الملك في يده، ولم [يظفر ببائعه] – هل له أن يطالب البائع الأول بالثمن؟ في "فتاوى" القاضي الحسين: أن الأصح: أنه لا يطالبه، ويشبه ذلك من مات وعليه دين، وادعى وارثه ديناً على غيره، وأنكر المدعى عليه، ونكل الوارث – هل يحلف الغريم؟
قال: وإن ادعى مملوكاً، وأقام بينة: أنه ولدته أمته في ملكه، أو [ادعى] ثمرة، وأقام بينة أنها أثمرتها نخلته في ملكه – حكم له، وقيل: وهي كالبينة بملك متقدم؛ لأنهما أضافا الملك إلى حالة الولادة، وخروج الثمرة؛ وذلك زمن متقدم؛ فعلى هذا يجيء القولان؛ وهذه طريقة "البويطي" وابن سريج.
والفرق على الطريق الأول – وهو الذي نص عليه الشافعي، واختاره أبو إسحاق، وابن أبي هريرة، وسائر الأصحاب؛ كما قاله أبو الطيب – من وجهين:
أحدهما: أن الشهادة هناك بملك مقصود متبوع غير تابع لغيره؛ فلهذا لم تقبل بملك كان حتى يصل ذلك بحالة التنازع، وها هنا الشهادة بالتبع، والأصل ملك ثابت له في الحال؛ فثبت أنها تبع للأصل.
والثاني: أن النتاج والثمرة لما لم يتقدمه فيهما مالك، صار في تملكهما أصلاً، وقديم الملك لما تقدمه فيه مالك، صار في تملكه فرعاً، وحكم الأصل أقوى من حكم الفرع.
فإن قيل: ليس يمتنع أن يحدث الولد لغير مالك الأم بالوصية وغيرها مما ذكرناه، فكيف تحكمون بالملك بهذه الشهادة؟
стр. 9172
قال الماوردي: قلنا: هذا نادر أخرجته الوصية عن حكم أصله؛ فصار كالاستثناء الذي لا يمنع جوازه من استعماله على العموم قبل وروده. وهذا ما أورده العراقيون والماوردي.
وسلك الإمام طريقًا آخر، فقال: إن أراد بقوله: ولدته، والولد في ملكي، فقد ادعى ملك الولد، ولكن لم يدعه الآن، وإنما ادعى ملكه حالة الولادة، فإذا أقام على ذلك بينة، ولم تتعرض البينة لملك الحال- فهذا يتخرج على القولين في ملك أمس، ولا فرق. وإن قال: ولدته جاريتي في ملكي، وفسر ذلك بأن الجارية مملوكة له عند الولادة، فنقول: قد تكون الجارية مملوكة له، ويتصور ذلك بالوصية، وقد يكون الولد حرًّا؛ فليس ما ذكره دعوى ملك في الولد، ولكن ادعى حصول الولد في يده، ثم ادعى يدًا في زمان سابق؛ فيجري فيه القولان في دعوى اليد السابقة.
وقد يخطر في هذا المقام أنه إذا ادعى الملك في أمه – إذ هو ثابت له بلا نزاع – فينبغي أن يلتحق ذلك بما إذا ادعى جارية حاملاً؛ فإنه يكون مدعيّا لحملها – أيضًا- وهذا فقيه، ولكن فيه احتمال من جهة: أنه أفرد الولد بالدعوى في هذه المسألة، وفي تلك وجَّه الدعوى على الأم فتبع الولد.
قلت: وحاصل ما ذكره الإمام يرجع إلى طريقة ابن سريج؛ فإن عنده لا فرق بين الشهادة بالملك السابق أو اليد السابقة، والله أعلم.
قال: وإن ادعى أن هذا العبد كان له، [وأعتقه، وغصبه] فلان، وأقام عليه بينة – فقد قيل: يقضي بها، وقيل: هي كالبينة بملك متقدم.
والفرق على الطريق الأول: أن البينة ها هنا شهدت على وفق الدعوى؛ لأنه لا يدعي الملك لنفسه في الحال، ولا كذلك ثمة.
فإن قيل: قد قلتم من قبل: إن الدعوى بملك سابق لا تسمع، وهو ما حكاه الماوردي عند الكلام فيما إذا شهدت البينة: إن هذه [العين] كانت في يده أمس، وقال الإمام في باب الدعوى في وقت دون وقت: لست أعرف خلافًا في رد دعواه؛
стр. 9173
فكيف يستقيم ما ذكرتموه من الفرق؟!
قلت: ذاك فيما إذا كان الملك في الحال مقصودًا متصورًا، وليس كذلك فيما نحن فيه؛ فإن المقصود إثبات العتق، ودفع الغصب، وذكر الملك السابق وقع تبعًا.
قال: وإن ادعى عينًا في يد غيره، وأقام بينة: أنه ابتاعها من رجل – لم يقض له، أي: بتسليم العين؛ لأن الإنسان قد يبيع ما لا يملكه؛ فلا تزول يد صاحب اليد بالاحتمال.
قال: حتى تشهد البينة: إنه ابتاعها منه وهي في ملكه، أو ابتاعها وتسلمها من يده.
هذا الفصل ينظم مسألتين:
إحداهما: إذا شهدت البينة: إنه ابتاعها منه وهي في ملكه – يقضي له بتسليم العين؛ لأن ملك المشتري إنما حصل من جهة البائع، فإذا ثبت ملك البائع كان ثابتاً للمشتري الآن؛ فصار كما إذا شهدت بأنه يملكها من سنة؛ كذا قاله ابن الصباغ نقلاً وتوجيهاً، ولم يحك غيره من العراقيين والمراوزة- كالإمام والقاضي الحسين والشيخ أبي علي في "شرحه الكبير" – سواه.
نعم، حكى الرافعي في الفروع قبيل كتاب العتق عما جمع من "فتاوى" القفال: أن البينة إذا شهدت بأنه اشترى هذه الدار من فلان وهو يملكها، ولم يقولوا: إنها الآن ملك المدعي، في قبول هذه الشهادة – قولين؛ كما لو شهدوا: إنها كانت ملكه بالأمس.
ويوافق هذا قول القاضي في "فتاويه": إن الشهود إذا شهدوا بأن هذه الدار كانت لفلان إلى أن مات، وخلفها [ميراثاً] لابنه هذا، ولم يقولوا: إنها الآن ملك هذا الابن: إن الحكم كما لو قالوا: هذه الدار كانت لفلان أمس؛ لا يقبل في الجديد.
وعلى الطريقة الأولى إذا شهدت البينة: إنها للمشتري بابتياعها من زيد، قضى له – أيضاً- صرح به ابن الصباغ والرافعي، والبندنيجي وقال: إنها غير منصوصة.
الثانية: إذا شهدت البينة: إنه ابتاعها، وتسلمها من يده – قضى له بها؛ لأن الظاهر
стр. 9174
أنها ملك لمن أقبضها؛ فنزل ذلك منزلة الشهادة بالملك حالة البيع؛ وهذا ما صرح به القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والبندنيجي، والشيخ أبو علي في "شرحه الكبير" كما قاله ابن أبي الدم، وصاحب "التهذيب"، وتبعهم الرافعي في ذلك، ولم يحك سواه.
ومن طريق الأولى جريان القولين في المسألة السابقة فيها.
وقد قطع القاضي الحسين بأنه لا تقبل البينة إذا لم تقل: إنه اشتراه من فلان وهو يملكه.
وعليه ينطبق قول الماوردي في آخر باب القسمة: لو أقاما البينة بابتياعهما الدار، لم تكن بينة بالملك؛ لأن يد البائع فيها كأيديهما.
وهكذا لو أقاما البينة: أنها صارت إليهما من أبيهما ميراثًا، لم تكن بينة بالملك؛ لأن يد الأب فيها كأيديهما. وهذا ما اختاره ابن أبي الدم، وقرره بأن يد الداخل حاضرة محسوسة، وهي تدل على الملك، والشهادة بالبيع وتسلم المبيع من يد البائع شهادة تتضمن الابتياع، ويد سابقة للبائع ثم بيد تتعقبها للمشتري، ولا فرق بين هذا وبين قول البينة: نشهد: إنها كانت في يده أمس، ولو شهدت باليد أمس، لم تسمع على الصحيح، وإن سمعت لم تنزع العين من ذي اليد الحاضرة بمجرد الشهادة بها؛ فكذلك ها هنا.
وقد طرد القاضي أبو الطيب والبندنيجي ما قالاه في الوقف، فقالا: إذا شهدت البينة بأنه وقف كذا، [وهو في ملكه، أو: وهو في يده – حكم به. ولو شهدت بأنه وقف كذا] لا غير، لم يقبلها؛ لأن الإنسان قد يقف ما يملك وما لا يملك.
أما لو ادعى الشراء من صاحب اليد، فقد اتفق الكل على أنه لا يحتاج في هذه الحالة إلى الشهادة بأنه باع ذلك وهو في ملكه، ولا في يده، بل بيعه يقطع سلطانه، ويؤاخذ بحكمه وبموجبه، خلافًا لأبي حنيفة.
قال الماوردي – حكاية عن المذهب-: ولا يقضي للمدعي بها ملكًا وإن قضى له بابتياعها، [بل يكون] له فيها يد إن نوزع فيها، ولا تدفع بينة المنازع، بخلاف ما لو
стр. 9175
شهدت البينة بأن البيع صدر والبائع مالك؛ فإنه يحكم له بها ملكًا.
وإن شهدت: إنه باعها وكانت في يده، حكم بها ابتياعاً، وجرى عليه حكم الملك؛ لأن الظاهر من اليد: أنها لمالك؛ حكى ذلك عند الكلام فيما إذا كانت العين في يد شخص، فادعاها اثنان، وأقام أحدهما بينة: أنها ملكه منذ سنة، وأقام الآخر بينة: أنه اشتراها من المدعي الأول منذ خمس سنين.
فرع: إذا أقام بينة على الشراء من شخص، ثم أقام بينة أخرى على ملك ذلك البائع إلى وقت البيع – قال القاضي: يجوز ذلك، ولا فرق بين أن تشهد بينة واحدة على الأمرين، وبين أن تشهد بينتان عليهما.
قال الإمام: وهذا صحيح.
[و] قال الرافعي: وكأن المراد ما إذا أقام شهودًا على أنه اشترى منه وقت كذا، وآخرين على أنه كان يملك إلى وقت كذا، وإلا فمن شهد على أنه مالك إلى أن باع منه، فقد شهد بالبيع والملك.
فرع آخر – قاله القاضي الحسين-: لو أقام رجل [بينة]: أن الدار التي في يد فلان كانت في يد أبيه إلى أن مات، وهذا وارثه، والذي في يده لم يقم بينة على أنها له – فالدار للذي أقام البينة، بخلاف ما لو شهدت البينة: إن أباه مات وكان يسكنها؛ فإنها لا تكون له.
فإن قلت: هذا يناقض ما حكيتموه عنه من أن البينة إذا شهدت بأنه ابتاع كذا من فلان، وتسلمه من يده – لا يقضي له؛ فإن البيع سبب الملك كالإرث.
قلت: لا؛ فإن المشهود به في مسألة البيع مجرد التسليم؛ وذلك لا يدل على الملك، والمشهود به [هاهنا كونها] في يده، ولعل المراد بذلك: ما إذا كانت في يده يتصرف فيها مع امتداد المدة من غير منازع؛ كما حكينا مثل ذلك عن صاحب "الإشراف" في الفروع المذكورة بعد قول الشيخ: "وإن ادعى كل واحد منهما أنه ابتاع هذه الدار من زيد، وهي ملكه"؛ بل أقول: لو قامت البينة بأنه ابتاع هذه الدار من زيد، وأنها في يد البائع يتصرف فيها مدة مديدة من غير منازع- كانت كالشهادة بأنه باع
следующие страницы →