← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 9206–9245 · переход к 9211.

стр. 9206

نعم، الخلاف المشهور فيما إذا اختلف المالك ومن في يده العين في الإجارة والإعارة، هل المصدق المالك أو الآجر في استحقاق الأجرة أو قيمة العين، أو نفي ذلك، لا في أنه يصدق في عقد الإجارة حتى يتمكن من استيفاء المنافع إذا كان الاختلاف في أول المدة أو انتهائها؛ وحينئذٍ فلا يتجه التخريج المذكور منهما، والله أعلم. الفرع الثالث: إذا كانت في يد شخص دار، فتنازع فيها نفسان، فقال أحدهما: كلها [لي]، وأقام على ذلك بينة، وقال الآخر: نصفها له، وأقام على ذلك بينة تعارضت البينتان في أحد النصفين، دون الآخر. فإن قلنا بالتساقط، فكأن لا بينة في النصف المتعارض فيه، وهل تبطل الشهادة في النصف الآخر؟ قال ابن سريج: فيه وجهان؛ كما لو ردت الشهادة في بعض ما شهدته به للتهمة؛ فإن في [الباقي قولين]. قال الشيخ أبو حامد: وهذا سهو منه، بل لا يرد هاهنا في النصف الآخر قولاً واحداً، ويسلم لمدعي الكل؛ لأن سقوط هاهنا بالتعارض، وهو لا يسقطها فيما بقي. وهذا ما أورده الماوردي، وقال: إن يد الثالث هل تزال عن النصف الآخر إذا كان يدعي الدار ملكاً؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لسقوط البينتين بالتعارض. والثاني: تزال؛ لاتفاق البينتين على عدم ملكه، وليس تعارضهما في حقه، وإنما تعارضهما في حق المتنازعين. ولو لم يكن من في يده العين قد ادعاها ملكاً لنفسه، نزعت يده، ووقفت للمتنازعين، وهكذا على الوجه الثاني في المسألة السابقة، فإن حلفا جعل بينهما؛ فيكمل لمدعي الكل النصف والربع، ويكون لمدعي النصف الربع لا غير. وإن نكلا، حكم لمدعي الكل بالنصف، وبقي [النصف] الآخر موقوفاً، فإن حلف أحدهما، ونكل الآخر، قُضي به للحالف؛ وهذا كله على قول التساقط.

стр. 9207

وإن قلنا بالاستعمال، لم يخف التفريع. الفرع الرابع: إذا شهد شاهدان بأن خالداً سرق من زيد في وقت كذا، وشهد آخران: أنه سرق في ذلك الوقت من عمرو- فإن قلنا بالتهاتر فلا قطع، وإن قلنا بالاستعمال، قال القاضي في "الفتاوى": فلا يجيء قول القرعة، والوقف، ويجيء قول القسمة، فإن بلغ نصيب كل واحد منهما نصاباً، قطع، وإلا فلا. الفرع الخامس: إذا كانت دار في يد ثلاثة: فادعى أحدهم أن نصفها ملكه، وباقيها في يده وديعة أو مستأجراً من فلان الغائب، وادعى الثاني: أن ثلثها له، وباقيها في يده [وديعة] لفلان الغائب، وادعى الثالث: أن سدسها له، وباقيها في يده لفلان الغائب، ولا بينة- فيحلف كل واحد منهم لصاحبيه على ما يدعيه، وتبقى اليد: فصاحب النصف يده على الثلث فهو له، وصاحب الثلث يده على الثلث [فهو له]، وصاحب السدس يده على الثلث، وهو يدعي السدس، ويقر بالباقي للغير؛ فيقبل قوله. ولو أقام كل واحد منهم البينة على قدر ما يدعيه منها ملكاً؛ أعطي صاحب الثلث الثلث؛ لأن له بالثلث يداً وبينة، ويعطى صاحب النصف الثلث؛ لأن له به يداً وبينة، ويقضى لصاحب السدس بالسدس؛ لأن له [به] يداً وبينة، وبقي هناك سدس في يد صاحب السدس، ولا بينة له، وصاحب النصف يدعي عليهما معاً السدس؛ بدليل: أنهما لو أنكرا؛ حلف له كل واحد منهما؛ فلهذا جعلنا

стр. 9208

السدس بين صاحب النصف والسدس. الفرع السادس: إذا كانت الدار في يد ثلاثة، فادعى أحدهم ملك جميعها، وأقام عليه بينة، وادعى آخر ملك نصفها، وأقام عليه بينة، وادعى الآخر ملك ثلثها، ولا بينة له- سلم لصاحب النصف الثلث؛ لأن له عليه يداً وبينة، ولصاحب الثلث الثلث – أيضاً- لأن له عليه يداً وبينة، والثلث الذي في يد الآخر لا بينة له عليه، وقد قامت بينة صاحب- الكل على استحقاقه، وبينة صاحب النصف على استحقاق نصفه- فلا تعارض في نصفه- وهو السدس- فيسلم لمدعي الكل، ووقع التعارض في السدس الآخر، فإن قلنا بالتساقط سلم لمن هو في يده، وإلا جاءت أقوال الاستعمال فيه. قلت: ويجيء في ذلك الوجه الذي حكيناه عن ابن سريج في أن البينة إذا لم تسمع في بعض ما شهدت به- لأجل التعارض- تسقط بجملتها على قولٍ؛ فعلى هذا تكون الدار بينهم أثلاثاً بعد أيمانهم، لكن الأصحاب لم يذكروه؛ لضعفه عندهم، والله أعلم. * * *

стр. 9209

كفاية النبيه شرح التنبيه الجزء التاسع عشر تتمة كتاب الأقضية- كتاب الشهادات

стр. 9210

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ باب اليمين في الدعاوى إذا ادعى رجل على رجل حقاً، فأنكر [المدعى عليه]، ولم تكن للمدعى بينة- فإن كان ذلك في غير الدم، حلف المدعى عليه، لما روى أبو داود عن ابن أبي مليكة- وهو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة- قال: كتب إلى ابن عباس [أن رسول] الله ﷺ ((قضى باليمين على المدعى عليه))، وأخرجه البخاري ومسلم. وروى مسلم عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: ((لو أعطى الناس بدعاويهم، لا دعى ناس دماء ناسٍ وأموالهم، ولكن البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه)). قال: فإن نكل عن اليمين، فإن كان الحق لغير معين: كالمسلمين، أي: كمال من مات، ولا وارث له، إذا وجد في دفتره ما يدل عليه. قال: والفقراء: كمال الموصى به لهم إذا ادعاه من أسندت تفرقته إليه على الورثة. قال: حبس المدعي عليه حتى يحلف، أو يدفع الحق، لأنه لا يمكن القضاء بالنكول من غير يمين، لأن الحقوق تثبت بالإقرار أو البينة، وليس النكول واحداً منهما، ولا يمكن رد اليمين، لأن المستحق غير متعين، ولا يمكن تركه، لما فيه من ترك الحق، فتعين فصل الخصومة بما ذكرناه. وقيل: يقضى عليه بالنكول، للضرورة، وهذا [ما] قاله الإصطخري. وحكى الإمام عن شيخه وجهًا: [أنا نخليه]، ولا نقضي عليه، غير أنا

стр. 9211

نغصبه إن عاند. ولا حاصل له، وقال بتخريجه الشيخ أبو علي أيضًا، كما حكاه ابن أبي الدم. والصحيح- وهو المذهب في ((تعليق)) البندنيجي، والقاضي الحسين، و ((البحر)) - الأول، لأن إثبات الحق لا يكون بنفيه، لأنه ضد موجبه، وفي الممتنع أن وجود الضد نافياً لحكمه ومثبتاً لحكم ضده، كالإقرار لا يوجب إنكاراً، كذلك الإنكار لا يوجب إقرارًا. وتحريره: أن النكول إنكار، فلم يثبت به حكم الإقرار، كالتكذيب لا يثبت به حكم التصديق. قال صاحب ((التخليص)): ولا يقضى [عليه] بالنكول عندنا إلا في مسائل مخصوصة، فإنه يجب الحكم فيها بالنكول، وهي ما إذا كان مع [رجل أربعون] شاة، فحال عليها الحول، ثم جاء الساعي يطالبه بزكاتها، فقال: كنت بعتها في وسط الحول، ثم مكلتها بعده. أو كان له ثمانون شاة: نصفها في بلد، ونصفها في أخرى، فطالبه الساعي بالزكاة، فقال: أخرجتها بذلك البلد التي هي فيه، أو خرص [نخلة أو كرمه] وضمنه إياه، ثم طالبه بالعشر، فادعى أنه ناقص عما خرصه، وخطأه في خرصه، أو أنه أصابته جائحة- فإن القول في ذلك كله قوله مع يمينه، فإذا نكل، أخذت منه الزكاة والعشر مما خرص عليه وضمنه. وكذا الذمي إذا غاب سنة، ثم عاد، فطالبه الإمام بالجزية، فادعى أنه أسلم قبله- فالقول قوله مع يمينه، فإن نكل، أخذت منه الجزية. وكذلك إذا سبى المشركين، وكشف عن مؤتزر أولادهم، فرآهم قد أنبتوا، وادعوا أنهم عالجوا ذلك، ولم يبلغوا- فإنهم يحلفون، ويحكم بأنهم لم يبلغوا، فإن نكلوا عن اليمين جعلوا في حكم البالغين فيما يجري عليهم من الحكم. وكذلك إذا غنم المسلمون غنيمة، فادعى صبيان منهم: أنهم كانوا بالغين في حال القتال، فإنهم يحلفون، ويسهم لهم في الغنيمة، فإن نكلوا رضخ لهم. وقال ابن الصباغ: وقد اعترض أصحابنا عليه، فقالوا في هذه المسائل: لم يحكم بالنكول، وإنما أرباب الأموال قد ادعوا معاني تسقط الأحكام المتعلقة بالأموال، فيحلفون على ثبوتها، فإن حلفوا ثبتت المعاني المسقطة للأحكام،

стр. 9212

وإن نكلوا عن اليمين، لم تثبت المعاني المسقطة، فبقيت على الوجوب، ولا يكون هذا حكماً بالنكول، وهذا كما قلنا: إن من قذف زوجته أمر باللعان، لدرء الحد، فإن امتنع حد، ولا يكون الحد لأجل الامتناع من اللعان، ولكن لأجل القذف المتقدم. قال القاضي أبو الطيب: والجواب أن هذا لا يخفى على ابن القاص مع فضله وعلمه، والسؤال غير صحيح، لأنه لم يعتبر ما اعتبره هذا القائل، وإنما اعتبر المسائل التي إذا عرضت اليمين فيها على المدعى عليه، ونكل عنها، لم ترد اليمين، وحكم بالمدعى، وهذا صحيح، لا اعتراض فيه. وما ذكره صاحب ((التخليص)) في مسائل الزكاة مفرع على القول بوجوب اليمين، ووراءه- تفريعًا عليه أيضًا- وجوه: أحدهما: لا يقضي عليه أيضًا. والثاني: يحبس إلى أن يقر، فيؤخذ منه الحق، أو يحلف. والثالث: إن انتصب في صورة مدع، بأن قال: أديت، أو علقت- قضى عليه. وإن انتصب في صورة مدعى عليه، مثل أن قال: لم يحل على الحول، فلا يقضى عليه، قاله في ((التهذيب)) في كتاب الزكاة، [ونسبه] ثم إلى ابن سريج، وهو في النسبة موافق للقاضي الحسين، فإنه نسبه إلى ابن سريج ثم، وفي باب الامتناع من اليمين أيضًا، وقال: إن محل الخلاف إذا كان الفقراء غير محصورين، [أو محصورين] وجوزنا النقل. أما إذا منعنا نقل الصدقة، حلفوا، واستحقوا، وهكذا قاله الرافعي والشيخ أبو علي، كما قاله ابن أبي الدم، ويؤخذ من قول الشيخ: ((وإن كان الحق لمعين، حلف المدعى عليه)). أما إذا قلنا: إنها مستحبة، فلا نقضي عليه عند الامتناع بشيء، وكذلك قال الأصحاب، تفريعًا على هذا، أنه لا يأمره باليمين أمر إرهاق، وليعلمه بذلك، لأن أمر الإمام إرهاق. وما ذكره صاحب ((التخليص)) في مسألة الذمي هو الأظهر عند الشيخ أبي علي،

стр. 9213

وهو مفرع- كما قال الإمام- على أنه إذا أسلم في أثناء الحول لا يلزمه شيء. قلت: وعلى أن اليمين واجبة، كما هو أحد الوجهين في ((تعليق)) البندنيجي والقاضي الحسين وغيرهما، ووراءه- تفريعًا على هذا- وجهان حكيتهما في باب عقد الذمة: أحدهما: [أنه] لا يقضى عليه بشيء. قال الإمام: وهذا عندي إسقاط اليمين، فإنه ينكل فلا يلزمه شيء، ولا سبيل إلى حمله [علي] اليمين. والثاني: أنه يحبس حتى يحلف، أو يعترف بما عليه. أما إذا قلنا بأن اليمين مستحبة، فلا يلزمه شيء. وإذا قلنا: إن القول عند الاختلاف في الإسلام قول الإمام- كما حكيته قولاً في باب عقد الذمة، وأبداه الإمام هنا احتمالاً لنفسه- ارتفع الخلاف، لكن الصحيح المشهور: أن القول قول الذمي. قال الإمام: وتقييد صاحب ((التخليص)) هذه المسألة بالإسلام في الغيبة، يدل على أنه لو كان بيننا، ولما انقضت السنة صادفناه مسلمًا، وادعى أنه كان قد أسلم قبل الحول، ولم يخبرنا، وكتم إسلامه عنا- أنا [لا] نقبل قوله في هذه الصورة، إذ الظاهر أن من أسلم في دار الإسلام لا ينكر إسلامه، والأصل عدم ما يدعيه، فلزمته الجزية، إلا أن يقيم بينة. وما ذكره صاحب ((التلخيص)) في أولاد المشركين مفرع على أن الإنبات علامة على البلوغ، ووراء ما ذكره- تفريعًا على هذا الوجه-[أمور:] أحدها: أنه يحبس حتى يتحقق بلوغه فيقتل، أو صباه، فنحلفه على الاستعجال، فلا يقتل. قال الإمام: وقياس الباب أن يقال: إذا بلغ، يدام الحبس عليه إلى أن يحلف، أو يقر بأني ما كنت استعجلت، فيقتل، لأن البلوغ [المحقق لا يخرجه عن الذرية أمس، وهو لا يقتل ببلوغ حادث، وإنما يقتل ببلوغ مقارن] للأسر، وقد حكاه في ((التهذيب)) هكذا، فيكون وجهًا ثانيًا.

стр. 9214

والثالث: حكاه في ((التهذيب)) - أيضًا-: أنه لا يقضي عيه، والذي ذكره صاحب ((التخليص))، قال الإمام: إنه المنصوص. قال البندنيجي والقاضي الحسين: واليمين فيه واجبة قولًا واحدًا. قال الإمام: وفيه وقفة، لأنه قد ادعى [الصبا]، وتحليف من ادعى الصبا متناقض. وقد أجاب عنه أبو علي بأنا عولنا في تحليفه على الإنبات، [فإن ظاهره] يكذبه في دعواه مع أنه مشكل، أما إذا قلنا: إن الإنبات عين البلوغ، فلا فائدة لقوله أصلا، ويقتل. وما ذكره ((التلخيص)) في الصبي إذا ادعى أنه بالغ، وطلب السهم من الغنيمة- ففي ((التهذيب)) أنه قاله تخريجًا، وأن بعض أصحابنا قال: إنه يعطى عند الامتناع من اليمين، لأن الظاهر استحقاقه بحضور الوقعة، وأن منهم من قال: إنه يقبل قوله بلا يمين، ويعطى [السهم]، وإليه ذهب الشيخ أبو زيد، لأن احتلامه لا يعرف إلا من جهته، فهو كما علق العتق بمشيئة غيره، فإنه يصدق بغير يمين. فرع: قيم المسجد والوقف، هل يحلف إذا نكل المدعى عليه؟ فيه ثلاثة أوجه، حكاها القاضي الحسين، وتبعه البغوي، ثالثها: إن باشر السبب نفسه حلف، وإلا فلا. فإن قلنا: لا يحلف، فهل نقضي عليه بالنكول؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، للضرورة. والثاني: لا، ولكن يوقف حتى تقوم بينة، أو إلى قيام الساعة يعاقب عليه يوم القيامة. قال: وإن كان الحق لمعين- أي: يمكن تحليفه- ردت اليمين [على المدعي]، لقوله تعالى: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الآية] [المائدة:١٠٨]- أي: الامتناع من الإيمان الواجبة، فدل على نقل الإيمان. وقد روي أنه ﷺ قال: ((من طلب طلبةً بغير بينة، فالمطلوب أولى باليمين من الطالب)).

стр. 9215

وصيغة ((أفعل)) حقيقة في الاشتراك، وإذا كان كذلك، اقتضى أن يكون للطالب حق في اليمين، وإلا لما كان المطلوب أولى منه، وحينئذ فيكون المدعى عليه أولى في الابتداء، وتنقل عند امتناعه في الانتهاء، ويدل عليه ما روى الليث بن سعد عن نافع [عن] ابن عمر أن النبي ﷺ رد اليمين [على] طالب حق. [ذكره] الوليد في ((المستخرج)) والدارقطني في اليمين مع الشاهد. وقد رد اليمين على عمر فحلف، وعلى زيد بن ثابتٍ فحلف، وعلى عثمان بن عفان- ردها عليه المقداد بين دي عمر- فلم يحلف، وقال: خشيت أن يوافق قدرٌ بلاءً، فيقال: بيمينه. وهذا مستفيض في الصحابة، ولم يظهر منهم مخالف، فثبت أنه إجماع. أما إذا لم يكن تحليف صاحب الحق في الحال: كالصبي، والمجنون- فقد حكى القاضي الحسين في كتاب الأضحية عن صاحب ((التلخيص)): أنه يقضي بالنكول. والمشهور: انتظار البلوغ والإفاقة، كما تقدم. قال: وإن كانت الدعوى في دم- أي: بسبب قتل خطأ، أو عمد، أو عمد خطأ- فإن كان هناك لوث، حلف المدعي خمسين يميناً، ويقضى له بالدية. الأصل في ذلك ما رواه الشافعي بسنده في حديث طويل عن سهل بن أبي حثمة أنه حدثه رجال من كبراء قومه: أن محيصة وعبد الله بن سهلٍ خرجا إلى خيبر، فلما دخلا تفرقا في حوائجهما، فقتل عبد الله بن سهلٍ، فاتهموا اليهود، فجاء أخوه عبد الرحمن بن سهلٍ، وابنا عمه حويصة، ومحيصة- إلى النبي ﷺ فابتدأ محيصة يخبره بذلك، فقال رسول الله ﷺ : ((كبر كبر)) يريد السن، فتكلم حويصة، لأنه الأكبر، ثم تقدم محيصة، فأخبره بما عنده، فقال رسول الله ﷺ : ((إما أن تدوا صاحبكم وإما أن تأذنوا بحرب من الله))، فكتب إليهم رسول الله ﷺ بذلك، فكتبوا: إنا والله ما قتلنها، فقال رسول الله ﷺ لحويصة ومحيصة

стр. 9216

وعبد الرحمن: ((أتحلفون، وتستحقون دم صاحبكم؟))، ويروى: ((دم قتيلكم))، فقالوا: لا، ويروى أنهم قالوا: كيف نحلف، ولم نشهد، فقال النبي ﷺ : ((أفتحلف اليهود وتبرئون؟))، فقالوا: كيف نحلفهم، وهم مشركون؟ ويروى: وليسوا بمسلمين، فوداه النبي ﷺ بمائة ناقةٍ حمر. وقد روى البخاري ومسلم هذا الحديث من طريق آخر، واتفق الكل على أن البداية بالأنصار، ولا معارضة بين هذا، وبين قوله ﷺ : ((البينة على [المدعي، واليمين على] المدعى عليه))، لأن هذا خاص، وذلك عام، على أن الدارقطني قد روى بإسناده عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله ﷺ قال: ((البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه إلا في القسامة)). وقال: إن كل ما يرويه عمرو بن شعيب، عن جده فهو عبد الله بن عمرو، وقد أدركه، ولم يفته عنه إلا حديث واحد، فسمعه من جده: محمد بن عبد الله بن عمرو، فلا يكون مرسلاً، وقد روي من طريق آخر عن ابن عباس وأبي هريرة. وإذا كان كذلك، فيكون تقدير الحديث: إلا في القسامة، فإن اليمين لا تكون في جنبة المدعى عليه. والمعنى في جعل اليمين في جانب المدعي في القسامة عند ظهور اللوث: أن باللوث قويت جنبته، فتحولت اليمين إلى جانبه، كما [لو] أقام شاهداً واحداً في غير الدم. ومن جهة القياس: أنها أيمان تكررت في الدعوى شرعًا، فوجب أن يبدأ بها المدعي، كاللعان، فإنه يمين، قال ﷺ : ((لولا الأيمان، لكان لي ولها شأن)). وهذا في دية النفس الكاملة، أما دية النفس الناقصة: كدية المرأة، والذمي، فهل يحلف لأجلها خمسين يمينًا؟ فيه وجهان: أصحهما في ((الحاوي)): أن الأمر كذلك، حتى في دين الجنين، لخطر النفس. والثاني: أن الأيمان تقسط على كمال الدية، فيكون في دية المرأة خمس

стр. 9217

وعشرون، وفي الذمي تسعة عشر. وقد أبدى الإمام تخريج الوجهين احتمالًا لنفسه من الخلاف في ضرب ذلك على العاقلة في ثلاث سنين أو دونها، [إذا كانت اليمين في جانب المدعى عليهم، دون ما إذا كانت في جانب المدعي، لأجل اللوث]. قال الأصحاب: وكيفية اليمين الواجبة عند حضور المدعى عليه: أن يحلف بالله، أو باسم من أسمائه، أو بصفة من صفات ذاته-: إن هذا قتل هذا، إن كان المقتول حاضرًا، وإن كان غائبًا، قال: إن هذا قتل فلان [بن فلان] الفلاني، منفردًا بقتله، ما شاركه فيه غيره. ومن هم من قال: نفي المشاركة تأكيد وليس بشرط، لأن لفظ الانفراد يغني عنه، [وهذا ما أورده القاضي الحسين، وقال الإمام: إنه متفق عليه]. والقائلون بالأول- وهو ظاهر النص- قالوا: قد يكون القاتل مكرهًا، فتكون الدية عليه وعلى المكره، فتصدق وإن كان منفردًا بالقتل، كذا قاله أبو الطيب، وغيره. وما وقفت عليه من كلام الرافعي يفهم أن الخلاف عائد إلى اشتراط ذكر الانفراد. ويذكر الحالف في يمينه: أنه قتله عمدًا، أو خطأ، أو شبه عمد. قال الماوردي: [وذكر صفة العمد لا يشترط] إذا كان المدعي قد وصف ذلك في الدعوى، ولا يجب، لأن يمين الحالف عن مذهب الشافعي متوجه إلى الصفة التي أحلفه الحاكم عليها، فلا نعيده. وإن ادعى الجاني أن الميت قد برأ من جرحه، قال الشافعي: زاد: أنه ما مات من غير جراحته التي جرحه بها، ولا برئ منها حتى مات. واعترض عليه بوجهين: أحدهما: أنه إذا ادعى البرء من الجراحة، فقد اعترف بها، فكيف يحلف المدعي؟ والثاني: أنه قد سبق أن الجاني والولي إذا اختلفا في الاندمال، وقد مضى

стр. 9218

زمان يمكن فيه الاندمال- أن القول قول الجاني على الظاهر، فلم جعل هاهنا القول قول الولي حتى يحلف عليه؟ وأجيب عن الأول: بأن دعوى البرء من الجراحة تقتضي الاعتراف بالجراحة في نفسها، لا الاعتراف بجراحة نفسه، ويجوز أن يريد أن الجراحة التي نسبت إليه قد برأ منها، ثم مات، ويكون غرضه إبطال اللوث. وعن الثاني بوجوه: أحدها: ويحكى عن أبي إسحاق-: أن المسألة مفروضة فيما إذا كان للمدعي بينة على أنه لم يزل ضمنًا متألمًا حتى مات، أو اعترف المدعى عليه بلك، لكن ادعى أنه مات بسبب محدث، فيحلف المدعي، ويصدق، لأن الظاهر معه. الثاني- وهو الظاهر من مذهب ابن أبي هريرة-: أن محل جعلنا القول قول الجاني في الاندمال في غير القسامة، أما في القسامة، فالقول قول المدعي، لأن القسامة لما خالفت غيرها في قبول قول المدعي في القتل، خالفته في قبول قوله في سراية الجرح، وهذا ما حكى الإمام عن العراقيين القطع به، وقال: إنه هوس، فإن الجرح متفق عليه، وليس المدعي يدعي غيره، ويدعي إفضاء الجرح إلى الموت، وقصر الزمان وطوله لا يختلف بقيام اللوث وعدمه. الثالث: أن المسألة مفروضة فيما إذا اختلفا في أنه هل مضت مدة يمكن فيها الاندمال، أم لا؟ وحينئذ فالقول قول الولي، لأن الأصل أنها لم تمض. ويستحب للقاضي أن يحذر المدعي إذا أراد أن يحلف، ويعظه، ويقول له: اتق الله، ولا تحلف إلا عن تحقيق، ويقرأ عليه: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآية [آل عمران:٧٧]. والقول في التغليظ في اليمين بالمكان والزمان واللفظ، يأتي في الباب. فرع: هل يشترط أن تكون الأيمان متوالية، كما في اشتراط الموالاة في كلمات اللعان؟ فيه وجهان للقاضي الحسين، وأظهرهما- وهو الذي أورده أكثرهم-: أنها لا تشترط، لأن الأيمان من جنس الحجج، والتفريق في الحجج لا يقدح، كما إذا شهد الشهود متفرقين، وعلى هذا فلو حلفه القاضي الخمسين في خمسين يومًا، جاز. وعن ((الأم)): أنه [لو] حلف بعض الأيمان، ثم استنظر القاضي، أنظره، وإذا

стр. 9219

عاد، اعتد بما مضى. [وعلى الأول: لو جن المدعي في خلال الأيمان، أو أغمي عليه، ثم أفاق- يبنى على ما مضى،] ولا يستأنف، لقيام العذر. لو عزل القاضي، أو مات، وولي غيره- فالذي ذكره الغزالي والبغوي- تبعًا للقاضي-: أن الثاني يستأنف، كما لو عزل القاضي أو مات [بعد] سماع البينة وقبل الحكم، وكما إذا أقام شاهدًا واحدًا، وأراد أن يحلف معه، فعزل القاضي، وولي آخر- لابد من استئناف الدعوى والشهادة. وحكي قول عن نصه في ((الأم)): أن القاضي الثاني يعتد بما سبق من الأيمان. وذكر الروياني: أنه الصحيح، ولم يحك القاضي أبو الطيب سواه. والمتولي حمل النص على ما إذا كان الحالف المدعى عليه، وقلنا بتعدد اليمين في حقه- كما سنذكره- ومات القاضي، أو عزل قبلها استكمالها وولي غيره، وقال فيما إذا كان الحالف للمدعي: إنه لابد من الاستئناف. وفرق بأن يمين المدعى عليه على النفي، فتقع نافذة بنفسها، ويمين المدعي للإثبات، فتتوقف على الحكم، والقاضي الثاني لا يحكم بحجة أقيمت عند الأول، كما في الشهادة. وقال: إن موت القاضي وعزله بعد تمام الأيمان، القول فيه كالقول فيما لو مات أو عزل في أثنائها في الطرفين. ولو عزل القاضي في أثناء يمين المدعي أو المدعى عليه، ثم ولي، فهل [يبني أو] يستأنف ذلك؟ ينبني على القضاء بالعلم: فإن قلنا: يجوز، بني، وإلا استأنف. ولو أن الولي المقسم مات في أثناء الأيمان، فالنص في ((المختصر)): أنه يستأنف. وليس كما إذا جن، ثم أفاق، فإن الحالف واحد. قال الروياني: وليس كما إذا أقام شطر البينة، ثم مات، حيث يضم وارثه إليه الشطر الثاني، ولا يستأنف، لأن شهادة كل شاهد مستقلة منفردة عن شهادة الآخر، وأيمان القسامة لا استقلال لها، ألا ترى أنه لو انضم إليها شهادة شاهد لا يحكم؟! وعن الخضري: أن الوارث يبني على أيمان المورث. وبني المتولي [ذلك] على [أن] أيمان القسامة توزع على أولياء القتيل،

стр. 9220

أو يحلف كل واحد منهم خمسين يمينًا؟ فإن قلنا بالأول حلفوه، وإلا فلا. ولو مات بعد تمام الأيمان، حكم لورثته. ولو مات المدعى عليه في أثناء الأيمان إذا كنا نحلفه- إما في غير صورة اللوث، أو لنكول المدعي مع اللوث- بني وارثه على أيمانه. أما إذا كان المدعى عليه غائبًا، واللوث قائم، فهل يجوز أن يقسم المدعي: إن فلان ابن فلان الفلاني، ويصفه بما يجب وصفه به- كما ذكرناه في الدعوى على الغائب- ويتمم اليمين. قال الماوردي: ولو حلف هكذا في حال حضوره، ففيه وجهان محتملان في الإجزاء، جاريان فيما لو كان المقتول حاضرًا، فقال: والله إن هذا قتله فلان ابن فلان الفلاني، لأن بذكر الإشارة- مع إمكانها- يحدث من الشبهة المحتملة ما لا يحدث مع الغيبة. والوجه الثاني: أنه لا يقسم في الغيبة، لأن اللوث ضعيف، لا يعول عليه إلا إذا سلم عن قدح الخصم. تنبيه: حثمة- راوي الحديث الأول-: بفتح الحاء المهملة، وسكون الثاء المثلثة، وبعدها ميم مفتوحة، وتاء تأنيث ساكنة. ومحيصة: بضم الميم، وتاء تأنيث. ويقال: محيصة بتشديد الياء وكسرها. وحويصة: بتشديد الياء وكسرها. والقسامة، قال الماوردي: مشقتة من ((القسم))، وهي اليمين، سميت: قسامة، لتكرر الأيمان فيها. واختلف أصحابنا فيا: هل هي اسم للأيمان، أو للحالفين بها؟ فقال بعضهم: هي اسم للأيمان التي يقسمها الأولياء في الدم. قلت: وهو قول الجوهري وابن فارس، ويدل عليه: أنه جاء في بعض طرق الحديث: ((تحلفون خمسي قسامة تستحقون بها قتيلكم))، ولهذا صححه النواوي.

стр. 9221

وقال آخرون- ومنهم القاضي أو الطيب-: إنها اسم للحالفين الذين يحلفون على استحقاق دم القتيل، وهو ما حكاه الأزهري عن أهل اللغة، وكذلك البندنيجي. وقال أبو الطيب وغيره: إن الفقهاء يسمون الأيمان: قسامة. وقال البندنيجي: إن القسامة في الشرع: كثرة الأيمان. قال الإمام: ولا اختصاص لها بأيمان الدماء، إلا أن الفقهاء استعملوها فيها، وأصحابنا يستعملونها في الأيمان التي تقع البداءة فيها بالمدعي. قلت: واستعمال الفقهاء هو الذي حكاه ابن فارس، والجوهري، حيث قال: القسامة: [هي] الأيمان تقسم على الأولياء في الدم، والله أعلم. قال: وإن كانت الدعوى في قتل عمد، ففي القود قولان: أصحهما: أنه لا يجب، لأنه ﷺ ((كتب إلى يهود: إما أن تدوا صاحبكم، أو تأذنوا بحربٍ))، فأطلق إيجاب الدية، ولم يفصل، فلو صحت لإيجاب القصاص لبينة. ولأن أيمان المدعين لا يثبت بها النكاح، فوجب ألا يثبت بها القصاص، كشهادة النسوة، ورجل وامرأتين. وعلى هذا قال الأصحاب: تجب الدية مغلظة في مال الجاني، وهذا القول هو الجديد. ومقابله: أن القود يجب، كما رواه أبو ثور، وهو معزي إلى القيدم في ((الحاوي)) وغيره، ووجهه: قوله ﷺ : ((أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟)) أي: دم قاتل صاحبكم. وقد روى أبو داود عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ((أن النبي ﷺ قتل في القسامة رجلًا من بني النضر بن مالكٍ)).

стр. 9222

وروى مسلم، والبخاري: أنه ﷺ قال: ((يحلف منكم خمسون رجلًا: إن واحدًا منهم قتله، فيدفع برمته، وألزمه الحبل)). ولأن هذه حجة يثبت بها العمد، فوجب أن [يثبت] بها القصاص، كشهادة الرجلين. وأن اليمين المنقولة يثبت بها القصاص، فكذلك اليمين المبتدأة. وعلى هذا: لو كان المدعى عليهم القتل جماعة، فهل يقتلون بجملتهم بعد الأيمان، أو واحد منهم؟ الذي ذهب إليه عامة الأصحاب: الأول، لأن ما كان حجة في قتل الواحد، كان حجة في قتل الجماعة، كالشاهد. وحكى الماوردي: أن الربيع حكى قولًا لنفسه: [أنه] لا يقتل بها أكثر من واحد، وبه قال ابن سريج، لحنًا للدماء، ولضعف القسامة. وقال ابن سريج: أجعل للولي أن يقتل واحداً منهم باختياره، ويأخذ من الباقين أقساطهم من الدية. وروى أبو ثور عن الشافعي أنه قال في القديم: لا أقتل بها أكثر من اثنين. وقد أجاب القائلون بالجديد عن الحديث الأول بأنا نضمر: قتل صاحبكم. وعن الثاني: بأنه يحتمل ألا يكون هناك لوث، ووجب اليمين على المدعى عليهم، فنكلوا عن اليمين، فردت على المدعي، فاستحق القصاص، لأنه يمين منقولة. وعن الثالث: أن المراد: دفعه، لتؤخذ منه الدية لا القود. وعن الرابع: أنه ينتقض بما إذا ثبتت السرقة بشهادة رجل وامرأتين، فإنه يثبت بها المال دون القطع. وعن الخامس: أن اليمين المنقولة انضم إليها جحود المدعى عليه، وهي عندنا إما كإقرار الخصم أو كالبينة، وكل منهما يوجب القود. قال: وإن كان المدعي جماعة، ففيه قولان:

стр. 9223

أحدهما: يحلف كل واحد خمسين يمينًا، لأن العدد في القسامة كاليمين الواحدة في غير القسامة، [فلما تساووا في غير القسامة] وجب أن يتساووا في القسامة. والثاني: تقسط [عليهم الخمسون] على قدر مواريثهم، لأن الذي يثبت بأيمانهم ينقسم عليهم في فرائض الله، فكذلك يجب أن تكون الأيمان، وتفارق غير القسامة، لأن ثم اليمين الواحدة لا تقبل القسمة، وها هنا القسمة ممكنة. قال: ويجبر الكسر، لأن اليمين الواحدة لا تتبعض، فكملت، كما في غير القسامة، وهذا ما نص عليه ها هنا، وهو الصحيح عند الماوردي والقاضي أبي الطيب والرافعي وغيرهم، وبه أجاب ابن الحداد، وميل الإمام إلى تضعيفه. وقد قيل: إن أصل الخلاف في هذه المسألة: أن الدية تثبت للوارث ابتداء، أو للمقتول؟ وفيه قولان، ذكرناهما في باب العفو والقصاص: فإن قلنا: تثبت للوارث ابتداء، حلف [كل واحد] خمسين يمينًا، لأن الحق لا يثبت للإنسان بيمين غيره، والشرع قد علق الاستحقاق بعدد من الأيمان، فلابد من تحققه. وإن قلنا: تجب للمقتول ابتداء، قسطت، لأن المستحق واحد، والورثة خلف عنه. ومقتضى هذا البناء: أن يكون الصحيح القول الثاني- أيضًا- لأن ذكرنا ثم: أن الصحيح في الطرق: أن الدية تثبت للمقتول أولًا، ثم تنتقل. وعلى هذا فروع: أحدها: إذا كان في المسألة عول، فهل تقسم الأيمان بينهم على أصل الفريضة، [أو على الفريضة و] عولها؟ فيه وجهان في ((الحاوي))، وأصلحهما فيه: الثاني. وعلى هذا: إذا كان القتيل امرأة، وتركت زوجًا، وأختين لأب وأم، وأختين لأم، وأما فالمسألة من ستة، وتصح من عشرة، [فيحلف الزوج خمسة عشر، وكل أخت شقيقة عشرة]، وكل أخت من أم خمسة والأم خمسة. وعلى الأول: يحلف الزوج خمسة وعشرين، وكل أخت شقيقة سبعة عشر، وكل أخت من أم تسعة، وكذلك الأم.

стр. 9224

الفرع الثاني: إذا نكل بعض الورثة عن حلف ما يخصه من الأيمان أو عن بعضها، بطل حقه، لأن النكول عن البعض كالنكول عن الكل، وحلف الباقون تتمة الخمسين، وسلم [إليهم] نصيبهم من الدية، ويكون توزيع ما كان يحلفه الناكل من الأيمان على قدر استحقاقهم. مثاله: إذا كان للوارث أخوان، وزوجة، فنكل أحد الأخوين: إما عن كل ما يخصه من الأيمان، أو عن بعضه- فنصيبه من الدية الربع والثمن- وقد كان يحلف تسعة عشر يمينًا، فنقص على قدر مستحق الزوجة، والأخ الآخر، ويجبر كسرها، فتحلف [الزوجة] ثمانية أيمان مضافًا لما كانت تحلفه، وهو ثلاثة عشر يمينًا، ويحلف الأخ اثنى عشر يمينًا مضافًا لما كان يحلفه، وهو تسعة عشر [يمينًا]، فتكمل أيمانهم اثنين وخمسين يمينًا، ويسلم للزوجة ربع الدية، وللأخ الحالف الربع والثمن. ولو كان الورثة ثلاثة إخوة، أو ابنتين وابنين غائبين، أو واحدًا غأئبًا، وواحدًا صغيرًا، فإذا أراد الحاضر أخذ نصيبه، حلف خمسين يمينًا، ثم إذا حضر الغائب حلف خمسة وعشرين يمينًا، وأخذ نصيبه، [ثم إذا حضر الغائب الآخر، أو بلغ الصبي، حلف سبعة عشر يمينًا وأخذ نصيبه]، وعلى هذا المثال. ولو كان الورثة أربعة بنين، واثنان حاضران، حلف كل واحد منهما خمسة وعشرين يمينًا، وأخذ ربع الدية، فإذا حضر أحد الغائبين، حلف سبعة عشر يمينًا، وسلم إليه ربع الدية، كما لو كان الثلاثة حضورًا، فإنه لا يلزم كل احد أكثر من ذلك، فإذا حضر الرابع، حلف ثلاثة عشر يمينًا، وتسلم باقي الدية، ولو قدم الغائبان معًا، حلف كل واحد ثلاثة عشر يمينًا، ولو أراد الحاضر أن يؤخر اليمين إلى قدوم الغائب، كان له ذلك، ولم يبطل حقه، بخلاف نظيره في الشفعة، حيث لنا: إنه يبطل حقه على وجه لابن أبي هريرة، والفرق: أن الشفعة إذا تعرضت للأخذ، فالتأخير تقصير مفوت، واليمين في القسامة لا تبطل بالتأخير. الفرع الثالث: إذا حلف الحاضر الخمسين، ثم مات الغائب، ووارثه الحالف لا غير- لم يستحق نصيبه إلا بعد حلفه ما كان يخصه لو حضر. الفرع الرابع: إذا كان في الورثة خنثى مشكل، أخذنا بالاحتياط والبناء على

стр. 9225

اليقين في الأيمان وفي الميراث جميعًا، فلو خلف القتيل ولدا خنثى لا غير، حلف خمسين يمينًا، لاحتمال أنه ذكر، ولاحتمال كونه أنثى، فإنه لو تحققت أنوثته لم يأخذ شيئًا إلا بعد حلفه خمسين، ويعطي نصف الدية، لاحتمال أنه أنثى، ولا يأخذ الإمام النصف الآخر، بل يوقف إلى أن يبين حال الخنثى: فإن بان ذكرًا سلم له، وإن بان أنثى حلف القاضي المدعى عليه للباقي، فإن نكل، فماذا يفعل معه؟ فيه الخلاف السابق. ولو كان مع الولد الخنثى عصبة للقتيل: كالعم، والأخ، وابنهما- فالحكم في حق الخنثى ما تقدم، [والعصبة مخير بين أن يحلف خمسة وعشرين يمينًا، وبين ألا يحلف، فإن حلف انتزع القاضي النصف الآخر، ووقفه بين هو بين الخنثى، فإذا تبين المستحق منهما دفعه له باليمين السابقة. [وأبدى الإمام تخريج] وجه: [أن] العصبة لا يحلف، لأنا لم نعلم له استحقاقًا، فلا تصح دعواه، ولو حلف لم يقع الاعتداد بأيمانه، وقال: إنه منقاس مطرد في كل من لا نعلم له استحقاقًا. وعلى المشهور: إذا لم يحلف، كان له ذلك، ثم إن ظهر أنه المستحق، حلف إذ ذاك خمسة وعشرين [يمينًا وتسلم] النصف الآخر. ولو خلف ولدين خنثيين، حلف كل واحد أربعة وثلاثين يمينًا، لاحتمال أنه ذكر، والآخر أنثى، ولا يأخذ إلا ثلث الدية، لاحتمال أنه أنثى، والآخر ذكر، أو أنهما أنثيان. ولو خلف ابنًا، وولدًا خنثى، فيحلف الابن أربعة وثلاثين يمينًا، لاحتمال أن الخنثى أنثى ولا يعطى إلا نصف الدية، ويحلف الخنثى خمسة وعشرين يمينًا، الخنثى أنثى ولا يعطي إلا نصف الدية، ويحلف الخنثى خمسة وعشرين يمينًأ، لاحتمال أنه ذكر، ولا يعطى إلا ثلث الدية، لاحتمال أنه أنثى، ويوقف السدس بينهما، وعلى هذا فقس، [والله أعلم]. ولو خلف جدًا، وأخًا لأب وأم، وأخًا للأب- فأخ الأب يعاد به الأخ للأب والأم- الجد، ولا يرث، فيحلف الجد عشرين يمينًا، والأخ للأبوين ثلاثين

стр. 9226

[يمينًا]. ولو كان الورثة جدًا، وأختًا من الأبوين، وأخًا من أب- فتحلف الأخت خمسة وعشرين يمينًا، لأن لها نصف الدية، ويحلف الجد عشرين يمينًا، لأن لو خمسا الدية، ويحلف الأخ خمسة أيمان، لأن له عشر الدية. فرع: إذا مات أحد الورثة المدعين للدم، قام وارثه مقامه في الأيمان، فإن تعددوا عاد القولان: فإن قلنا: يحلف كل واحد من الورثة خمسين يمينًا، فكذلك ورثة الورثة. وإن قلنا بالتوزيع، وزعت حصة ذلك الوارث على ورثته، فلو كان للقتيل ابنا، ومات أحدهما قبل أن يحلف [عن ابنين، حلف كل واحد منهما ثلاثة عشر يمينًا، فإن مات أخوه قبل أن يحلف]، ولم يحلف إلا هذا الحالف- حلف أيضًا ثلاثة عشر يمينًا، ولا يقال: يكمل خمسة وعشرين، لأنه يحلف عن مورثه. ولو نكل أحد ولدي ابن القتيل، حلف أخوه سبعة أخرى، وعمه ثمانية، وعلى هذا فقس. قال: فإن نكل المدعي عن اليمين، ردت اليمين على المدعى عليه، فيحلف خمسين يمينًا، لقضاء رسول الله ﷺ بذلك في قصة اليهود التي تقدمت. ولأنا إذا غلظنا اليمين في جنبة المدعي بالعدد، احتياطًا لدم المدعى عليه- وجب أن نغلظ في جنبة المدعى عليه، صيانة لدم مورث المدعي، وهذا ما حكاه العراقيون والماوردي. وحكى القاضي الحسين والإمام قولًا آخر: أنه يكفيه يمين واحدة، وبذلك يحصل في المسألة طريقان.

стр. 9227

وقال القاضي [الحسين] في باب دعوى الدم: إن المدعي إذا نكل عن اليمين في صورة اللوث، لم يكن للمدعى عليه أن يحلف إلا بعد استئناف الدعوى، فإذا استؤنفت بدأنا بيمين المدعى عليه. قال: وإن كانوا- أي: المدعى عليهم- جماعة، ففيه قولان: أحدهما: يحلف كل واحد [منهم] خمسين يمينًا، لأن يمين كل واحد لإثبات براءة ذمته، فلا تثبت براءة ذمته بيمين غيره، وهذا ما اختاره في ((المرشد))، وصححه المارودي والبندنيجي والقاضي أبو الطيب وغيرهم وقالوا: الفرق بين هذا وبين ما لو كان المدعي جماعة، وحلفناهم، حيث قلنا: الصحيح أنها تقسم-: أن كل واحد من المدعى عليهم كالمنفرد في إيجاب القود وإلزام الكفارة، فكان كالمنفرد في عدد الأيمان، والواحد من المدعين لا يساوي المنفرد فيما يثبته، لأن الواحد يثبت كل الدية، وكل واحد عند الاجتماع يثبت بعضها، فحلف بحسب [ما] يثبته. والثاني: تقسم [عليهم] الخمسون على عدد رءوسهم، لأن النبي ﷺ لم يذكر في حق اليهود أكثر من خمسين يمينًا، وإنا وزعت على العدد، لأنه لا مرد غيره، بخلاف المسألة السابقة، فإن الإرث فيها مرد. ولأن كل واحد من المدعى عليهم يدفع عن [نفسه] القود والكفارة، فتساووا في الأيمان، وكل واحد من المدعين يثبت بيمينه حقا له، فوزعت الأيمان على قدر حقوقهم، وقد صحح البغوي قول التوزيع هنا كما صححه ثم. وعلى هذا: فلو كانت الدعوى على اثنين: أحدهما حاضر، والآخر غائب- حلف الحاضر خمسين [يمينًا]، ثم إذا حضر الغائب حلف خمسة وعشرين. وكذا لو كان حاضرين، فنكل أحدهما، يحلف الآخر خمسين يمينًا، لأن البراءة عن الدم لا تحصل بما دونها. وهذا كله تفريع على الطريقة الصحيحة، وهي الجزم بتعدد اليمين على المدعى عليه إذا كان منفردًا. أما إذا قلنا بطريقة القولين في المنفرد، جرى قول الاكتفاء بيمين واحدة

стр. 9228

[من كل واحد] ها هنا أيضًا. فرع: إذا ردت الأيمان على المدعى عليه، فإن حلف، لم يلزمه قود ولا دية. وإن نكل عن اليمين، ففي ((الحاوي)): أنه يرغم الدية، ولا يحبس. وهكذا إذا كانت الدعوى على جماعة ونكلوا. وكلام القاضي أبي الطيب وابن الصياغ في باب اليمين مع الشاهد- مصرح بأنه لا يقضي على المدعى عليه والحالة هذه بمجرد نكوله، وكلام القاضي الحسين والإمام وغيرهما يقضتيه- أيضًا- لأنهم قالوا: إذا نكل المدعى عليه عن اليمين، فهل ترد [على المدعي؟] على قولين أطلق الأصحاب حكايتهما. قلت: ومنهم الشيخ أبو حامد، كما حكيته في باب صفة القضاء: أحدهما: لا، لأنه نكل عن اليمين في هذه الخصومة، ولو رددنا عليه لكانت صيغة يمين الرد كصيغة أيمان القسامة، والخصومة متحدة، والمقصود واحد. والقول الآخر: أنها ترد، فإنه نكل عن اليمين في مقام، وهذا مقام آخر، فصار تعدد المقام كتعدد الخصومة، وهذا ما صححه الرافعي والبندنيجي. وقال الشيخ أبو محمد: إن هذين القولين مبنيان على أن يمين الرد هل تتعدد؟ فإن قلنا: لا، فاليمين مردودة على المدعي، فإن نكوله عن أيمان القسامة محمول على رغبته عن كثرة الأيمان، وطلبه الاقتصار على يمين واحدة. وإن قلنا: تتعدد يمين الرد كما تتعدد أيمان القسامة، فلا ترد اليمين عليه، لما ذكرناه من اتحاد المطلوب والخصومة. وقال آخرون: إن [قلنا]: يمين الرد تتعدد، فالقولان جاريان، وإن قلنا: يمين الرد تتحد، فترد. وقال قائلون: إن قلنا: يمين الرد تتعدد، فلا رد قولًا واحدًا، وإن قلنا: تتحدد، ففي الرد قولان: أحدهما: ترد، لغرض الاتحاد. والثاني: لا، فإن تكرر الأيمان على الصدق لا يضر، وإن فرض كذب، فاليمين الواحدة في معنى الأيمان.

стр. 9229

وقد خص البندنيجي وابن الصباغ والبغوي والمتولي هذه القلولين في الرد بما إذا كانت الدعوى في قتل الخطأ، أو شبه العمد، أو في قتل العمد، وقلنا: إن القود يثبت بيمين القسامة، أما إذا قلنا: لا يثبت، فترد اليمين على المدعي بلا خلاف، لأنه يستفيد بها [ما لا يستفيد] بأيمان القسامة، وهو الاقتصاص. فإن قلت: هذا منهم رجوع إلى طريق الشيخ أبي محمد في بناء القولين على تعدد يمين الرد واتحادها، نظرًا إلى حصول فائدة من هذه اليمين- لم تكن حاصلة من اليمين الأولى، وقضيته: الجزم بأن المدعي قتل العمد لو أقام شاهدًا واحدًا، وامتنع من الحلف حيث يثبت له المال بيمينه- كما سنذكره- وطلب يمين المدعى عليه، فنكل- أن يرد على المدعي، لأنه لم يكن يستفيد باليمين الأولى القصاص، وبهذه يستفيده، وحينئذ ففي الجزم عند ظهور الفائدة نظر، لأنه إنما جاء من جهة أن اختلاف الثمرة يدل على اختلاف اليمينين، فلم تكن المردودة هي التي وقع [النكول عنها]، وإذا كان كذلك لزم] الجزم بالرد وإن لم تظهر فائدة فيه، لأن حقيقة يمين الرد لا تختلف، سواء ظهرت فائدة في بعض الصور، أو لم تظهر. نعم، هذا يحسن أن يعلل به الصحيح من القولين، والآخر يعلل بأن الواقعة واحدة، بدليل أنه [لا] يحتاج إلى استئناف دعوى، وكذلك حكى الأصحاب القولين كما حكيتهما في باب صفة القضاء فيما إذا أقام المدعي شاهدًا بالمال، وامتنع من الحلف، ونكل المدعى عليه عن اليمين التي ردها عليه المدعي، فهل يحلف المدعي؟ فجرى القولان وإن لم تظهر فائدة. وكذلك حكوا القولين فيما إذا كانت الدعوى في دم، ولا لوث، فعرضت اليمين على المدعى [عليه، فنكل، فعرضت اليمين على المدعي] فنكل، ثم ظهر لوث، ورام المدعي أن يحلف- فهل يمكن منه؟ وقضية ما قالوه الجزم بعدم التحليف، لعدم ظهور الفائدة. قلت: ما ذكرته من كون هذا رجوعًا إلى طريق الشيخ أبي محمد لا يأباه كلامهم، ولو صح لكان اللازم [عليه] صحيحًا، لكن كلام الشافعي يأباه، ويأبى

стр. 9230

ما ذكرته من الالتزام- أيضًا- لأن القاضي أب الطيب قال: إذا نكل المدعي عن القسامة، والمدعى عليه عن اليمين أيضًا، فهل ترد على المدعي؟ قال الشافعي: إن كان في ردها إليه فائدة، ردت، وإن لم يكن في ردها فائدة، فهل ترد أم لا؟ فيه قولان. وإذا ظهر لك [ذلك]، علمت أن هذه الطريقة راجعة للطريقة الذاهبة إلى أن محل القولين إذا قلنا: إن يمين الرد تتعدد، أما إذا قلنا: تتحد، فترد، والله أعلم. وهذا كله ساقنا إليه ما أورده المارودي من ثبوت الدية عند امتناع المدعى عليه من الحلف، والذي يظهر صحته: عدم الثبوت، كما اقتضاء [كلام] غيره، لأن اللوث اقتضى ترجيح جانب المدعي، كما اقتضى إقامة المدعي شاهدًا بالمال ترجيح جانبه حتى جعلت اليمين في جنبته، وقد تقدم أنه لو أقام شاهدًا، وامتنع من الحلف، [وطلب يمين المدعى عليه، فامتنع من الحلف]- لا يثبت عليه المال [المدعي]، فكذلك ها هنا. نعم، حكينا ثم عن الشيخ أبي حامد: أن المدعى عليه إذا امتنع من اليمين، وقد أقام المدعي شاهدًا، ونكل عن الحلف، وقلنا: لا ترد على المدعي- أنه يحبس المنكر حتى يحلف، أو يعترف، لأنه قد تعين عليه، فلا يكون له إسقاطه، ومقتضى هذا التعليل: أن نقول بمثل هذا هنا. قال: وإن لم يكن لوث، حلف المدعى عليه، لقوله ﷺ : ((البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه))، وقصة الأنصار لا تعارض هذا، لأنها مفروضة مع اللوث، فخرجت من عموم هذا الخبر، وأجري فيما عداها [على عمومه]، لأن الأصل براءة الذمة. قال: يمينًا واحدة في أحد القولين، للخبر السابق، فإنه أدخل الألف واللام في اليمين، وإدخال الألف واللام يقتضي الجنس، والجنس إذا كان غير محصور اقتضى ما يقع عليه الاسم، وهو إذا حلف يمينًا واحدة فقد أتى بما يقع عليه الاسم. ولأنها يمين من جانب المدعى عليه شرعت لقطع الخصومة، وإسقاط الدعوى، فوجب أن تكون واحدة كما في سائر الدعاوى.

стр. 9231

قال: وخمسين يمينًا في الآخر، لأنها يمين مسموعة في دعوى القتل، لعدم البينة، [فوجب أن تغلظ بزيادة العدد، كما إذا كان هناك لوث. واحترزنا بقولنا: ((لعدم البينة)) عما] إذا أقام شاهدًا واحدًا في قتل الخطأ، فإنه يحلف يمينًا واحدة، ويستحق الدية، هكذا قال أبو الطيب، وهو يقتضي اتحاد اليمين عند إقامة الشاهد جزمًا، وهو ما أورده غيره [من العراقيين]. وحكى المراوزة القولين في التعدد فيها أيضًا. ولأن العدد معتبر عند اللوث، ولا يجوز أن يكون لأجله، فإن اللوث إنما يحصل البداءة باليمين دون التغليظ بالعدد، دليله: أن المدعى عليه يحلف الخمسين عند نكول المدعي، وليس هنا بداية باليمين، فدل على أن التغليظ بالعدد إنما شرع لحرمة الدم، وهو موجود، وهذا ما نص عليه هنا، وصححه أبو الطيب وغيره، وفي ((جمع الجوامع)) طريقة قاطعة به، وعليه فروع: أحدها: لو كان المدعى عليه جماعة، فقولان: أحدهما: يحلف كل واحد خمسين يمينًا. والثاني: يقسم الخمسون على عدد الرءوس، فإذا حلفوا برئوا، وإن نكلوا رددنا اليمين على المدعي، وكم يحلف؟ فيه قولان: أحدهما: يمينًا واحدة. والثاني: خمسين يمينًا. فلو كان المدعون جماعة، حلف كل واحد منهم يمينًا واحدة على القول الأول، وعلى الثاني قولان: أحدهما: خمسين يمينًا. والثاني: يقسط الخمسون على قدر مواريثهم، ويجبر الكسر، كما تقدم. وإذا حلف الواحد أو الجميع، استحقوا القصاص إن كانت الدعوى في قتل عمد قولًا واحدًا، لأن اليمين المردودة كالإقرار أو كالبينة، وكل منهما يجب به القود. ولو كان الدعوى في قتل خطأ أو شبه عمد، فهل تجب الدية على العاقلة، أو في مال الجاني؟ فيه قولان ينبنيان على أن يمين الرد مع النكول كالبنية أو

стр. 9232

كالإقرار؟ فإن قلنا بالأول كانت على العاقلة، كما لو قامت البينة بالقتل، وإلا ففي مال الجاني، وهذا ما أورده العراقيون، والقاضي الحسين والفوراني عن القفال. ثم قال القاضي: إن فيه إشكالًا، لأن جعل ذلك كالبينة في حق الحالف والناكل، لا في حق ثالث، لأنه متقاصر عن البينة، ولأجل هذا حكى الإمام عن المحققين طريقة قاطعة بأنها على الجاني وإن قلنا: إن يمين الرد كالبينة، وهي ما حكاها الفوراني عن بعض مشايخه. الثاني: لو أقر المدعى عليه بالقتل عمدًا-[بالقتل]، ونفى العمد، فهل يغلظ عليه بالخمسين؟ قال القاضي الحسين وغيره: فيه وجهان: أحدهما: نعم، كما في أصل القتل، وهو الصحيح. [و] الثاني: لا، لأن الموصوف آكد من الصفة. وإذا حلف: ما قتله عمدًا، فالدية في ماله، وهذا ما أورده القاضي أبو الطيب في باب الشهادة بالجناية في ضمن الفرع الثاني منه. فإذا حلف، هل للمدعي طلب الدية؟ قال المتولي: فيه قولان، بناء على أن الدية في الخطأ تجب على العاقلة ابتداء أم تلقيًا؟ فإن قلنا بالأول فليس له طلب الدية، لأنه ادعى حقًا على المدعى عليه، وهو اعترف بوجوبه على غيره. وإن قلنا: أنها تجب على الجاني أولًا، ثم تتحملها العاقلة- فينبني على الحلف في الصفة هل هو كالحلف في المصوف؟ وفيه قولان مذكوران في مسائل النكاح: إن قلنا: نعم، فكأنه ادعى مالًأ، واعترف بمال آخر لا يدعيه. وإن قلنا: لا، طالب بالدية. قلت: وفيما قاله نظر، لأن ظاهر قوله أن الكلام مفروض بالنسبة إلى مطالبة القاتل، وحينئذ فذاك إنما يكون عند تكذيب العاقلة [له]، ولا بينة، وإذا كان كذلك لم يحسن بنا إلزام القاتل الدية على أنها تجب على العاقلة ابتداء، لأن محل هذا الخلاف- كما دل عليه كلام الأصحاب- إذا كانت العاقلة معترفة، أو قامت بينة، لأنهم جزموا بأن الولي لو ادعى القتل خطأ، وكذبتهما العاقلة، ولا

стр. 9233

بينة-: أن الدية تجب في مال الجاني، للخبر. ولو صح ما ذكره من البناء للزم أن يقال: لا تجب الدية عليه على قول، فلا جرم كان الظاهر- كما قال الرافعي- الوجوب على الجاني، وأنه الذي أجاب به أكثر من أورد المسألة. الثالث: كيفية يمين المدعى عليه على هذا القول الآخر- كما قال الشافعي-: أن يحلف ما قتل فلانًا، ولا أعان على قتله، ولا ناله من فعله ولا بسبب فعله شيء جرحه، ولا وصل إليه شيء من بدنه، لأنه قد يرمي فيصيب شيئًا، فيطير الذي أصابه فيقتله، ولا أحدث شيئًا مات منه فلان، لأنه قد يحفر البئر، ويضع الحجر، فيموت منه. وأراد الشافعي بقوله: ((ما قتل فلانًا))، أي: يوجبه بالذبح. وبقوله: ((ولا أعان على قتله))، أي: بالإكراه، والشركة في القتل. وعن [ابن] أبي هريرة أنه أراد به: الممسك في القتل، فإنه قاتل على مذهب مالك، فذكره احتياطًا لا شرطًا، وعند غيره هو واجب. وبقوله: ((ولا ناله من فعله))، أي: سراية الجرح، كما قاله البصريون، أو وصول السهم عن القوس، كما قاله البغداديون. وعلى كلا الوجهين فذكر ذلك واجب. وهذه الشروط الثلاثة في قتل العمد. وبقوله: ((ولا بسبب فعله شيء جرحه)) ينتفي السهم، كما قاله البصريون، وعلى هذا يكون شرطً رابعًا في قتل العمد. والبغداديون قالوا: أراد به أن يرمي [إلى] حائط بسهم أو حجر، فيعود السهم أو الحجر على رجل فيقتله، فعلى هذا يكون شرطًا في قتل الخطأ دون العمد. وبقوله: ((ولا وصل إليه شيء من يديه)): ما ذكره، وهو شرط في الخطأ دون العمد. [وبقوله: ((ولا أحدثت شيئًا مات منه فلان)): ما ذكره، وهذا شرط في الخطأ دون العمد].

стр. 9234

قال الماوردي: [فإن قيل]: يمين المدعى عليه يجب أن تكون موافقة لدعوى المدعي إذا فسر، وعندكم أن الدعوى لابد من التفسير فيها، فلم اعتبر الشافعي بالتفسير في اليمين مع الاستغناء عنه بالدعوى؟ قلنا: للأصحاب في الجواب عن هذا ثلاثة أوجه: أحدها: أن هذا من قوله دليل على [جواز] سماع الدعوى مطلقة غير مفسرة، وجعلوا ذلك قولًا ثانيًا في المسألة، فخرجوا سماع الدعوى مطلقة في الدم على قولين بعد اتفاقهم على أنها لا تسمع في القسامة إلا مفسرة، لاحتياج المدعي إلى الحلف عليها، وإنما خرجوه فيما عدا القسامة. والثاني: أن الشافعي ذكره شرطًا وإن لم تسمع الدعوى إلا مفسرة، احتياطًا للمقتول وإن انتقل الحق إلى وليه. والثالث: أنه شرط ذلك في حق طفل أو غائب، إذا ادعى له القتل ولي أو وكيل، أما إذا كانت الدعوى من حاضر جائز الأمر، فليس ذلك بشرط. قال الأصحاب: ويستحب للحاكم أن يحذره من اليمين الفاجرة قبل تحليفه إن كان المدعي قتلًا [غير] عمد، ولا يستحب فيما إذا كان القتل يوجب القصاص، لأن القود يدرأ بالشبهة، كذا حكاه الماوردي. قال: وإن كان الدعوى على اثنين، وعلى أحدهما لوث دون الآخر- أي: مثل أن كان القتيل في دار أحدهما- حلف المدعي على صاحب اللوث، وحلف الذي لا لوث عليه، لأنه لو كان الوث عليهما حلف عليهما، ولو عدم اللوث لم يحلف على واحد منهما، فإذا كان اللوث على أحدهما خاصة اعتبر كل واحد منهما بنفسه، ويحتاج كل واحد من المدعي والمدعى عليه الذي لم يوجد اللوث في حقه- إلى أن يحلف خمسين يمينًا، لما تقدم أن الدم لا يستحق ولا يبرأ منه بأقل منها. قال: واللوث-[أي: الناقل لليمين إلى جنبة المدعي]- هو أن يوجد

стр. 9235

القتيل في محلة أعدائه- أي: بسبب دين أو نسب أو ترةٍ تبعث على الانتقام بالقتل، لا يخالطهم غيرهم، أي: بسكنى ولا مرور، كما قالها الماوردي وأبو الطيب، وذلك الغير لا يعلم هل هو صديق أو عدو؟ كما قاله في ((المرشد)). [و] اعلم أن ((اللوث)) - بفتح اللام، وإسكان الواو-: قرينة حال تثير الظن، وتوقع في القلب صدق المدعى، مأخوذ من ((اللوث))، وهو: القوة، كما قال النواوي. وقيل: أصل اللوث: الضعف، يقال: رجل لوث، إذا كان ضعيف العقل، وكأنهم أرادوا به أنه الحجة الضعيفة. وعلى كل حال، فما ذكره الشيخ أمثلة له لا حد. وبدأ بما ذكره، لأن الأصل في هذا قتيل الأنصار [بخيبر، وخيبر كانت دار يهود محضة، وكانت العداوة بين الأنصار] وبينهم ظاهرة بالذب عن الإسلام، ونصرة الرسول ﷺ ، وقد فارق عبد الله أصحابه فيها بعد العصر، ووجد قتيلًا قبل الليل [كما قاله في الأم]، أو بعد المغرب كما قاله في ((البويطي))، مطروحًا في عين، أو فقير- وهو البئر القصيرة، القليلة الماء- وهذه الحالة تغلب في النفس أن ما قتله غير اليهود، فلذلك جعل رسول الله ﷺ اليمين في جانب الأنصار. وحكم المحلة والحلة حكم البلد من طريق الأولى، لأن انحصار القتل في أهلها المتصفين بما ذكرناه أقرب من انحصاره في [أهل] البلد. أما إذا كان في حلة الأعداء أو قريتهم أو محلتهم من يشركهم في سكناها: فإن كان من أهل المقتول أو أصدقائه فالحكم كما تقدم، صرح به في ((المرشد))، وعليه يدل الخبر، فإن بعض أصحابنا بخراسان، قال: إن كان الأعداء أكثر ثبت اللوث، نظرًا إلى معنى الحديث. ومنهم من رجح المعنى، فقال: لو كان فيها واحد من الأعداء كفى في ثبوت اللوث عليه، نظرًا إلى أن الأولياء في حقهم من حيث الظاهر، [فكان الظاهر] إضافته قتله إلى العدو الواحد. وإن كان ممن يجهل حاله، لم يكن لوثًا باتفاق الأصحاب.

стр. 9236

وكذلك إذا مر بها من يجهل حاله، لحاجة أو تجارة، بأن كانت القرية على الطريق، عند القاضي أبي الطيب والماوردي، وإليه يرشد قول الشيخ: ((لا يخالطهم غيرهم))، كما هي عبارة القاضي الحسين والبندنيجي. وفي ((الرافعي)): أن منهم من اشترط ألا يساكنهم غيرهم، [ولم ير بأسًا بما إذا مر بها ليس بعدو، لتجارة ونحوها، وهو ما أورده القاضي الحسين في الفروع، وعلى هذا ينطبق قول ابن الصباغ: إنه يشترط ألا يسكن معهم غيرهم]. قال الرافعي: وهو الوجه، فإن خيبر كان يطرقها الأنصار. والقائل بهذا جزم بأنه لو كان لا يدخلها غيرهم بحال، كان ذلك لوثًا في حق أهلها، وإن لم يكن بينهم وبين القتيل عداوة، كذا قاله في ((الزوائد)). فرع: وجود بعض القتيل في المحلة كوجود كله، سواء كان ذلك البعض أكثر البدن أو بعضه، حتى إذا وجدت اليد أو الرجل، وتحقق فوات الروح- كان الحكم كذلك، قاله المتولي، وبعض هذا الحكم مذكور في ((الإنابة)). ولو وجد في كل محلة قطعة منه، قال المتولي: فيؤمر بتعيين من يدعي عليه على ما سبق. قال: أو تزدحم جماعة-[أي: محصورون]، كما قال الغزالي- على بئر، أو في دخول باب من الكعبة، وغيرها، أو على طواف، أو التقاط نثار، وغير ذلك، فيوجد بينهم قتيل، لإحاطة العلم بأن قتله لم يخرج عنهم، وسواء اتفقوا في القوة والضعف أو اختلفوا. قال الماوردي: وهكذا لو ضغطهم الخوف إلى حائط، ثم فارقوه عن قتيل منهم- كان لوثًا معهم. فأما إذا هربوا من نار أو سبع، فوجد أحدهم صريعًا- نظر: فإن [كان] طريق هروبهم واسعًا، فظاهر صرعته: أنها من عثرته، فلا يكون ذلك لوثًا. [وإن كان الطريق ضيقًا، فظاهر الصرعة: أنها من صدمتهم، فيكون ذلك لوثًا].

стр. 9237

والمراد بالعدد المحصور: أن يكون بحيث يمكنهم اجتماعهم [على القتل]، فإن لم يمكن، فكلام الغزالي يشير إلى أن الدعوى لا تسمع عليهم، ولا يمكن من القسامة، كما مر. نعم، لو ادعى الولي القتل على عدد منهم يتصور اجتماعهم على القتل- قال الرافعي: فينبغي أن يقبل، ويمكن من القسامة، كما لو ثبت اللوث في حق جماعة محصورين، فادعى الولي القتل على بعضهم، فإنه يقبل. قلت: وفي هذا القياس نظر، وسأذكره عن قريب. ثم ظاهر كلام الشيخ والماوردي: أنه لا يعتبر في كون هذا النوع لوثًا [ظهور] العداوة. وفي [لم تكن] ثم عداوة، وجوزنا أن يكون القتل عن ضغطة وزحمة من غير عمد- حكاية وجهين: أحدهما: أن له أن يحلف على أصل القتل. والثاني: ليس له ذلك، وهو الأظهر في ((الرافعي))، لأنه متردد بين أن يغرم الدية فيه، كما يتردد هو في نفسه ين أن يكون عمدًا أو خطأ. هذا لفظ الإمام، وإيضاحه: أن مطلق القتل لا يفيد مطالبة القاتل، بل لابد من ثبوت العمدية، ولا مطالبة العاقلة، بل لابد وأن يثبت كونه خطأ أو شبه عمد، والتردد يمنع ذلك. وهذا الوجهان شبيهان بوجهين حكاهما الماوردي فيما إذا شهد عدل واحد بالقتل، ولم يبين كونه [عمدًا ولا خطأ: أحدهما: لا قسامة معه، لجهل بموجبها في قتل عمد أو خطأ. والثاني:] يحكم فيه بالقسامة، لأنه لا ينفك القتل عن عمد أو خطأ، ولا تمنع القسامة في واحد منهما، ويحكم له بعد القسامة بأخفهما حكمًا، وهو الخطأ، وتكون الدية في مال الجاني، لا على العاقلة، لجواز أن يكون عندا، فيستحق في ماله. ومن ها هنان يظهر لك أن التخريج الذي قاله الرافعي من قبل في كونه يعين

стр. 9238

أشخاصًا، ويقسم عليهم، لأن تطرق الجهل إلى القاتل أكثر من تطرقه إلى صفة القتل، بخلاف المسألة المقيس عليها، فإن اللوث ثابت على الجميع، فلا جهل. ثم هذه المسألة مصورة بصورتين: إحداهما: أن يدعي القتل مفصلاً، فيقوم اللوث على ما ذكرناه، والحكم ما تقدم. والثانية: أن يدعي القتل مطلقًا، وسمعنا ذلك كما حكيناه عن بعضهم أنه حكاه قولًا مخرجًا، فيقوم اللوث على ما ذكرناه. وعلى هذه الحالة ينطبق قول البغوي: لو ادعى رجل أنه قتل أباه، ولم يقل: عمدًا ولا خطأ، وشهد له شاهد- لم يكن ذلك لوثًا، لأنه لا يمكنه أن يحلف مع شاهده، ولو حلف لا يمكن الحكم له، لأنه لا يعلم صفة القتل حتى يستوفي موجبه. وقد قال في ((الشامل)): إن الشيخ أبا حامد حكى هذا الجواب عن بعض أصحابنا. قال: أو تتفرق جماعة عن قتيل- أي: طري- في دار-[أي:] وما في معناها- مما تفردوا به من بيت أو بستان، لما ذكرناه. ولا يشترط أن يكون بينهم وبينه عداوة، بخلاف القرية والمحلة، لأن ما انفردوا به ممنوع من غيرهم إلا بإذنهم، فيغلب على الظن أن القتل منهم حصل، وليست القرية [و] المحلة ممنوعة من مار وطارق، فاعتبر فيها ظهور العداوة، لعدم الاحتمال، قاله الماوردي والبندنيجي وابن الصباغ وغيرهم. فرع: لو وجد قتيل في دار، ولم يوجد فيها سوى عبده- كان ذلك لوثاً في حق العبد. قال البندنيجي والقاضي أبو الطيب والماوردي: ويستفيد الورثة به قتله على قوله القديم، وتقديم أرش الجناية على الرهن إن كان مرهوناً. قلت: وهذا منهم يقتضي أمرين: أحدهما: أنه يكفي في القسامة على القتل العمد مجرد ظهور اللوث على أصل القتل، لأن كونه لا أحد في الدار غير العبد يظهر منه كونه القاتل، لا كون القتل عمدًا أو غيره. وقريب منه قول الأصحاب: إنه إذا ثبت اللوث في [حق] جماعة، وادعى الولي على بعضهم، جاز، ويمكن من القسامة، فإنه كما لا يعتبر ظهور اللوث

стр. 9239

فيما يرجع إلى [الإنفراد والاشتراك، جاز ألا يعتبر ظهوره فيما يرجع إلى] صفتي العمد والخطأ. وما ذكرناه في الفصل قبله عن الإمام والماوردي يدل على أن القسامة على القتل الموصوف بالعمدية، تستدعي ظهور اللوث بالقتل الموصوف بها، وكذلك ما سنذكره من بعد عند الكلام فيما إذا شهد أحدهما: أنه قتله بالسيف، والآخر: أنه قتله بالعصا. الثاني: أنه يقتضي أن الورثة إذا عفوا على الدية، أو كانت الجناية موجبة لها: أنهم يقدمون بها، وهذا وجه حكيناه في كتاب الرهن، فلا يمكن أن ينبني عليه المذهب، والله أعلم. قال: أو يرى القتيل- أي: طريًا- في موضع، لا عين فيه ولا أثر، وهناك رجل مخضب بالدم- أي: إما واقفًا، أو موليًا لم يبعد- لأن هذه قرينة صارفة للقتل إليه. وقول الشيخ: ((لا عين فيه ولا أثر)) اتبع فيه لفظ الشافعي، فإنه هكذا قال، وأراد: ألا يكون بذلك الموضع عين آدمي آخر، أو سبع، أو ذئب، أو حيوان قاتل، ولا أثر لهارب من آدمي وغيره: كرشيش الدم على غير الطريق، أو قدم إنسان آخر، أو آثار حيوان. قال الماوردي: فإن فقد شرط من الشرائط الربعة، لم يكن لوثًا. وأراد بالرابع: أن يكون طريًا، كما ذكرناه. ولم يعتبر الغزالي في ((الوجيز)) في الرجل الواقف أن يكون مخضبًا بالدم، وإن قاله في ((الوسيط)) كغيره، بل اكتفى بأن يكفون معه سكين ونحوها. وفي معنى هذا النوع: ما إذا رأينا من بعد رجلاً يحرك يده كما يفعل من يضرب بالسيف أو السكين، ثم وجدنا في الموضع قتيلًا، فإنه يكون لوثًا في حق ذلك الرجل، قال الفوراني والرافعي وغيرهما. قال: أو يشهد عدل: أنه قتله فلان، لأن قول العدل الواحد لا يثبت به المدعى، ويغلب على الظن صدقه.

стр. 9240

قال البندنيجي: ولا فرق [بين] أن تكون الدعوى في قتل عمد أو غيره. نعم: إن كان القتل عمدًا حلف معه خمسين يمينًا، وإن كان خطأ، حلف معه يمينًا، وإن كان خطأ، حلف معه يمينًا واحدة. و [على] هذا ينطبق إيراد ابن الصباغ وغيره، ومرادهم بالعمد: الذي يثبت به القصاص على القديم، على العمد الذي لم يثبت معه قصاص أصلاً، كقتل المسلم الذمي، فإن هذا حكمه حكم قتل الخطأ في أصل إيجاب المال، لا في صفته، وقد نبه عليه في ((الحاوي)) في باب الشهادة بالجناية [وغيره]. وفي ((الحاوي)): أن شهادة العدل الواحد [لوث] في قتل العمد، أما في غيره فيحلف معه يمينًا واحدة، ويستحق المال، ولا يكون لوثًا. وفي ((التتمة)): أن شهادة العدل الواحد هل هي لوث؟ ينبني على [أن] الحكم يقع بالشهادة فقط، أو بها مع اليمين، أو باليمين فقط؟ فعلى الأخير يكون لوثًا، وعلى ما عداه لا. وحكى الإمام عن الأصحاب أنهم قالوا: إذا أقام المدعي شاهدًا واحدًا، وأراد أن يحسبه، ويقدره لوثًا، وما كان يثبت اللوث عند القاضي بجهة أخرى- فإنه يحلف خمسين يمينًا، وإن أراد ألا يقيمه لوثًا، ويحلف معه- على قياس اليمين مع الشاهد- فله ذلك. ثم قال: وهذا فيه اضطراب، فإنا إن قلنا: إنه يحلف مع الشاهد الواحد خمسين يمينًا، فلا فائدة لهذا التقسيم. قلت: بل قد تظهر فائدة، لأنه إذا حلف مع الشاهد احتاج أن يضيف في يمينه: ((وإن من شهد له صادق فيما شهد له به))، على وجه لم يورد هو وغيره سواه في باب اليمين مع الشاهد، كما سنذكره. وإذا حلف لا مع الشاهد لم يحتج إلى ذلك، فقد ظهر للتقسيم فائدة. قال الإمام: وإن قلنا: إنه يحلف مع الشاهد يمينًا واحدة، والقتل خطأ، فلا

стр. 9241

معنى لتقسيم إرادته، وتكفيه يمين واحدة إذا رغب في ذلك، يحلفه القاضي، فإن الحجة إذا قامت ثبتت نتائجها، ولم يختلف الأمر بمقصود المدعين إذا كانوا مصرين على الدعوى. نعم: إن كان الدعوى قتلاً عمدًا، وقبلنا بأيمان القسامة- ثبت اللوث بالشاهد الواحد، فإن أراد القصاص حلف خمسين يمينًا، وإن اقتصر على يمين واحدة لم يثبت القصاص، وفي ثبوت المال تردد سيأتي في باب الشهادة على الجناية. وقال قبل ذلك: أقول: إن العدل الواحد الذي تقبل شهادته إذا أخبر بوقوع القتل على صيغة الإخبار، ثبت اللوث، فإنا لا نشترط في ثبوته مراتب الخصومات. وقريب من هذا قول الرافعي: لو تقدم قول العدل على الدعوى، فينبغي أن يكتفي به، لحصول اللوث، ولا يجعل السبيل فيه سبيل الشهادات المخصوصة لمجلس الحكم المسبوقة بالدعوى. قلت: خصوصًا إذا اكتفينا بإخبار الكفار والصبيان والفسقة. قال: أو يشهد جماعة- أي: يزيدون على عدد التواطؤ، ولا يبلغون حد الاستفاضة، كما قاله الماوردي من النساء والعبيد- بذلك، أي: إذا أتوا متفرقين من نواحٍ مختلفة، ولم يسمع بعضهم كلام بعض، ولم يختلفوا في موضع القتل ولا صفته، كما قاله الماوردي، لأن في هذه الحالة يغلب على الظن صدقهم مع كونهم ممن يقبل خبرهم في الشرع. قال ابن الصباغ: واشتراط مجيئهم متفرقين بحيث لا يظهر فيهم التواطؤ، فيه نظر، لأنه متى وجد عدد مجتمعون على ذلك، حصل الظن، وتجويز التواطؤ لا يمنع الظن، كتجويز كذب العدل الواحد في الظاهر. وقد حكى الرافعي هذا وجهًا، فقال: لو جاء النساء والعبيد [مجتمعين] فوجهان: أشهرهما: المنع، لاحتمال التواطؤ. وأقواهما: أنه لوث، لما ذكرناه. قال الماوردي والقاضي الحسين وغيرهما: ولو أتى المخبرون بالقتل على الهيئة التي وصفناها، وكانوا صبيانًا أو فسقة أو كفرة- ففي كون إخبارهم لوثًا وجهان:

стр. 9242

أحدهما: نعم، لوقوع صدقهم في النفس، وهذا أصح في ((تعليق)) البندنيجي وغيره، وأقيس في ((الشامل))، والمختار في ((المرشد)). والثاني: لا، لأنه لا يعمل على قولهم في الشرع، وهذا ما أورده البغوي، ونسبه البندنيجي إلى أبي إسحاق. قال الرافعي: وبعضهم ينسب إليه الأول. وفي ((النهاية)): حكاية طريقه قاطعة في الفسقة بأن إخبارهم لوث، فإن أقوالهم على الجملة معتبرة، وعباراتهم صالحة للعقود والحلول، بخلاف [قول] الصبي، فإنه مسلوب العبارة، لا حكم للفظه و [لا] أثر لقوله. وقياس هذه الطريقة: أن تطرد في الكافر، وحينئذ إذا جمعت بين الطريقين جاءك فيهم ثلاثة أوجه، ثالثها، أن إخبار الفاسق ومن في معناه لوث، دون إخبار الصبيان. وعن ((المنهاج)) للشيخ أبي محمد: أنه يحصل اللوث بقول الصبيان والفسقة، دون الكفار. أما لو شهد بالقتل امرأة واحدة من عدول النساء، قال الماوردي: لم تكن بينة يحلف معها، ولا لوثاً، لنقصانها عن رتبة الشاهد الواحد. قال الإمام: وكنت أود لو قيل: كل من تقبل روايته يثبت اللوث بقوله، حتى يخرج منه الاكتفاء بقول امرأة ثقة وعبد موثوق به، وإن لم تظهر الثقة ولا نقيضها، فيخرج إلى تضافر الأخبار على وجه يغلب على الظن انتفاء التواطؤ. ولأجل هذا الاحتمال قال في ((الوجيز)): القياس: [أن] قول الواحد من العبيد والنساء لوث أيضاً. ولو شهد بالقتل من عدول امرأتان، قال في ((الحاوي)): لم تكونا بينة إن حلف معهما، وكانتا لوثًا كالرجل الواحد، ويحلف في العمد والخطأ خمسين يمينًا، ويحكم له بأيمانه. وهذا منه يدل على أن محل الكلام السابق في اشتراط التفريق وغيره عند شهادة النسوة: ما إذا كن مجهولات الحال. وفي ((التهذيب)): أن شهادة اثنتين من النسوة والعبيد كشهادة الجمع، وهذا ينفي ما ذكرناه من الاحتمال.

стр. 9243

وقد عد من أقسام اللوث: أن يقع بين قوم حرب، فيقتل رجل في التحام القتال، فإنه يكون لوثًا في حق المخالفين له، وكذا إذا ترامى الصفان بالنبل والسهام، ولا التحام. ولو انتفى الترامي والالتحام فلا يكون لوثًا في حق المخالفين، بل يكون لوثًا في حق أصحابه، قاله أبو الطيب وغيره. وفي ((الحاوي)): أنه إذا التحم القتال، فإن كان بحيث يناله سلاح أصحابه خاصة، كان لوثًا بالنسبة إليهم، وإن كان بحيث يناله سلاح أضداده خاصة، كان لوثًا بالنسبة إليهم، وإن كان بحيث يناله سلاح الجميع ففيه وجهان: أحدهما- وهو قول البغداديين-: أنه يكون لوثاً مع أضداده خاصة. والثاني- وهو قول البصريين-: أن يكون لوثًا مع الفريقين، وفيما إذا لم يلتحم القتال: أنه ينظر: فإن كان أصحابه منهزمين، وأضداده طالبين، كان لوثًا مع أضداده [خاصة]. وإن كان العكس، وإن كان العكس، انعكس الحكم. وإن تساووا في الطلب، فعل الوجهين. وكذا عد من أقسام اللوث [قول القائل]: أمرضت فلانًا بسحري، لكنه لم يمت به، وإنما مات بسبب آخر، فيقسم الولي ويأخذ الدية، كما نص عليه في ((المختصر)). قال الإمام: وفيه قول مخرج: أنه ليس بلوث ولا قسامة فيه، لأن القسامة لتعيين القاتل بعد الاتفاق على القتل، وهنا الاختلاف في نفس القتل. والذي حكاه الماوردي والبندنيجي وغيرهما: أنه إن بقي [ضمنًا مريضًا] من وقت السحر إلى وقت الموت، فالقول قول الولي مع يمينه. وإن كان قد انقطع [عنه] ألم السحر وصار داخلًا خارجًا، فيحلف الساحر: لقد مات من غير سحره. ومن أقسام اللوث: لهج ألسنة الخاص والعام: إن فلانًا قتل فلانًا، كما قاله البغوي. ووجود القتيل قريبًا من قرية، وليس هناك عمارة أخرى، ولا من يقيم في الصحراء، فإنه يكون لوثًا في حق أهل القرية إذا وجدت العداوة، وكنا نحكم

стр. 9244

باللوث لو وجد فيها، بخلاف ما لو وجد بين قريتين أو قبيلتين، ولم يعرف بينه وبين واحدة عداوة، فإنه لا لوث على واحدة منهما، لأن العادة جرت بأن يبعد القاتل القتيل عن فنائه، دفعًا للتهمة عن نفسه، قال المتولي. ومعاينة القاضي ما هو لوث كافٍ فيه، ولا يخرج على القضاء بالعلم، لأن القضاء يقع بالأيمان، قاله الإمام. ولا فرق عندنا في ثبوت اللوث بما ذكرناه بين أن يكون في القتيل جرح أو لا، ولا في البداية بالمدعي مع وجود اللوث بين أن يكون المدعي مسلمًا أو كافرًا، والمدعى عليه مسلمًا، ولا بين أن يكون [الولي] موجوداً حين القتل أو مختبئًا، ثم يبلغ، ويدعي. ولا أثر لقول القتيل: قاتلي أو جارحي فلان، لاحتمال كونه عدوًا له، وقصده ألا يعيش بعده، والخصم [و] إن جعل ذلك لوثًا، لظنه: أن هذه حالة يصدق فيها الكاذب، ويتوب فيها الفاجر، فيبعد اتهامه، ويغلب على الظن صدقه- فقد خالف أصله [في منع] الإقرار للوارث. قال: وإن شهد شاهد: أنه قتله فلان بسيف، وشهد آخر أنه قتله بالعصا- فقد قيل: هو لوث، لأنهما اتفقا على أصل القتل، ولا يبعد أن يغلط أحدهما لا بعينه في الوقت، وقد تقع واقعة لاشك في وقوعها، ويتمارى الناس في وقتها، وهذا ظاهر ما نص عليه في ((الأم))، كما قاله القاضي أبو الطيب، وأن المزني نقله، ولفظه: أن مثل هذا يوجب القسامة، وقد اختار هذه الطريقة أبو إسحاق المروزي، وصاحب ((المرشد)). وحكى في ((الحاوي)): أن أبا إسحاق قال: إن الربيع سها [في النقل]. وقيل: ليس بلوث، لأن كل واحد يكذب الآخر، فلا تحصل غلبة الظن، وهذا قول القاضي أبي حامد وأبي الطيب بن سلمة، وكذا ابن الوكيل، كما حكاه البندنيجي وابن الصباغ.

стр. 9245

وقال الماوردي وغيره: إن الشافعي نص عليه في ((الأم))، والقائلون به غلطوا المزني. وبعضهم- وهو أبو حامد- قال: [إن] الشافعي إنما قال ذلك فيما إذا شهد أحدهما بالقتل، وشهد الآخر على إقراره بالقتل. وأبو الطيب قال: إنما قال الشافعي: ((ومثل هذا لا يوجب القسامة))، فأسقط الناقل ((لا)). وقيل: فيهما قولان: وتوجيههما ما ذكرناه، وهذه طريقة ابن أبي هريرة، تمسك فيها بظاهر النصين، كما قال الماوردي. وقال أبو الطيب: إنه جعل أصلهما: ما إذا قال أحد الوارثين: قاتله فلان، وقال الآخر: إنما قتله فلان، هل يبطل اللوث أم لا؟ كما سنذكره. وقد اختار هذه الطريقة الإمام، والمرجح فيها عند النواوي وغيره: أنه ليس بلوث. والطرق تجري فيما لو شهد أحدهما: أنه قتله غدوة، والآخر أنه قتله عشية، أو أحدهما: أنه قتله بالبيت، والآخر أنه قتله بالسوق، أو أحدهما: أنه قتله بالبصرة، والآخر: أنه قتله بالكوفة. ولا خلاف أنه لا يثبت القتل بشهادة واحد منهما مع حلفه يمينًا واحدة، [و] لا بشهادتهما من غير يمين. فإن قيل: لو شهد أحدهما: أنه قتله عمدًا، وشهد الآخر أنه قتله خطأ، وكان المدعى قتل العمد- فقد جزم ابن الصباغ والفوراني وغيرهما بأن أصل القتل يثبت مع أن اختلافهما في الصفة، وهو يوجب التكاذب، فأي فرق؟ قيل: للقفال في هذه المسألة جوابان: أحدهما: أن القتل لا يثبت- أيضًا- لما ذكر، وعلى هذا لا فرق، ويكون الحكم في كونه لوثًا أو لا كا تقدم. [والثاني: أنه يثبت أصل القتل- كما تقدم-] لأنهما تصادقا عليه، وإنما رجع اختلافهما إلى الصفة، فصار كما إذا ادعى الولي القتل [عمدًا]، وشهد
следующие страницы →