Полный текст (9 685 стр.). Показаны 9171–9210 · переход к 9176.
стр. 9171
وإذا لوحظ ما ذكرناه لم [يكن لصدق] الشهود محتمل إلا إسناد الاستحقاق إلى ما تقدم؛ فلهذا ثبت له الرجوع.
وزاد الأصحاب عليه فقالوا: لو وهب المشتري العين المشتراة أو باعها، فأقام مدعٍ على من هي في يده البينة بأنها ملكه – رجع المشتري [الأول] على بائعه.
قال الإمام: وهذا لا إشكال فيه بعد تقرير الأصل المذكور.
فرع: المشتري من المشتري إذا استحق الملك في يده، ولم [يظفر ببائعه] – هل له أن يطالب البائع الأول بالثمن؟ في "فتاوى" القاضي الحسين: أن الأصح: أنه لا يطالبه، ويشبه ذلك من مات وعليه دين، وادعى وارثه ديناً على غيره، وأنكر المدعى عليه، ونكل الوارث – هل يحلف الغريم؟
قال: وإن ادعى مملوكاً، وأقام بينة: أنه ولدته أمته في ملكه، أو [ادعى] ثمرة، وأقام بينة أنها أثمرتها نخلته في ملكه – حكم له، وقيل: وهي كالبينة بملك متقدم؛ لأنهما أضافا الملك إلى حالة الولادة، وخروج الثمرة؛ وذلك زمن متقدم؛ فعلى هذا يجيء القولان؛ وهذه طريقة "البويطي" وابن سريج.
والفرق على الطريق الأول – وهو الذي نص عليه الشافعي، واختاره أبو إسحاق، وابن أبي هريرة، وسائر الأصحاب؛ كما قاله أبو الطيب – من وجهين:
أحدهما: أن الشهادة هناك بملك مقصود متبوع غير تابع لغيره؛ فلهذا لم تقبل بملك كان حتى يصل ذلك بحالة التنازع، وها هنا الشهادة بالتبع، والأصل ملك ثابت له في الحال؛ فثبت أنها تبع للأصل.
والثاني: أن النتاج والثمرة لما لم يتقدمه فيهما مالك، صار في تملكهما أصلاً، وقديم الملك لما تقدمه فيه مالك، صار في تملكه فرعاً، وحكم الأصل أقوى من حكم الفرع.
فإن قيل: ليس يمتنع أن يحدث الولد لغير مالك الأم بالوصية وغيرها مما ذكرناه، فكيف تحكمون بالملك بهذه الشهادة؟
стр. 9172
قال الماوردي: قلنا: هذا نادر أخرجته الوصية عن حكم أصله؛ فصار كالاستثناء الذي لا يمنع جوازه من استعماله على العموم قبل وروده. وهذا ما أورده العراقيون والماوردي.
وسلك الإمام طريقًا آخر، فقال: إن أراد بقوله: ولدته، والولد في ملكي، فقد ادعى ملك الولد، ولكن لم يدعه الآن، وإنما ادعى ملكه حالة الولادة، فإذا أقام على ذلك بينة، ولم تتعرض البينة لملك الحال- فهذا يتخرج على القولين في ملك أمس، ولا فرق. وإن قال: ولدته جاريتي في ملكي، وفسر ذلك بأن الجارية مملوكة له عند الولادة، فنقول: قد تكون الجارية مملوكة له، ويتصور ذلك بالوصية، وقد يكون الولد حرًّا؛ فليس ما ذكره دعوى ملك في الولد، ولكن ادعى حصول الولد في يده، ثم ادعى يدًا في زمان سابق؛ فيجري فيه القولان في دعوى اليد السابقة.
وقد يخطر في هذا المقام أنه إذا ادعى الملك في أمه – إذ هو ثابت له بلا نزاع – فينبغي أن يلتحق ذلك بما إذا ادعى جارية حاملاً؛ فإنه يكون مدعيّا لحملها – أيضًا- وهذا فقيه، ولكن فيه احتمال من جهة: أنه أفرد الولد بالدعوى في هذه المسألة، وفي تلك وجَّه الدعوى على الأم فتبع الولد.
قلت: وحاصل ما ذكره الإمام يرجع إلى طريقة ابن سريج؛ فإن عنده لا فرق بين الشهادة بالملك السابق أو اليد السابقة، والله أعلم.
قال: وإن ادعى أن هذا العبد كان له، [وأعتقه، وغصبه] فلان، وأقام عليه بينة – فقد قيل: يقضي بها، وقيل: هي كالبينة بملك متقدم.
والفرق على الطريق الأول: أن البينة ها هنا شهدت على وفق الدعوى؛ لأنه لا يدعي الملك لنفسه في الحال، ولا كذلك ثمة.
فإن قيل: قد قلتم من قبل: إن الدعوى بملك سابق لا تسمع، وهو ما حكاه الماوردي عند الكلام فيما إذا شهدت البينة: إن هذه [العين] كانت في يده أمس، وقال الإمام في باب الدعوى في وقت دون وقت: لست أعرف خلافًا في رد دعواه؛
стр. 9173
فكيف يستقيم ما ذكرتموه من الفرق؟!
قلت: ذاك فيما إذا كان الملك في الحال مقصودًا متصورًا، وليس كذلك فيما نحن فيه؛ فإن المقصود إثبات العتق، ودفع الغصب، وذكر الملك السابق وقع تبعًا.
قال: وإن ادعى عينًا في يد غيره، وأقام بينة: أنه ابتاعها من رجل – لم يقض له، أي: بتسليم العين؛ لأن الإنسان قد يبيع ما لا يملكه؛ فلا تزول يد صاحب اليد بالاحتمال.
قال: حتى تشهد البينة: إنه ابتاعها منه وهي في ملكه، أو ابتاعها وتسلمها من يده.
هذا الفصل ينظم مسألتين:
إحداهما: إذا شهدت البينة: إنه ابتاعها منه وهي في ملكه – يقضي له بتسليم العين؛ لأن ملك المشتري إنما حصل من جهة البائع، فإذا ثبت ملك البائع كان ثابتاً للمشتري الآن؛ فصار كما إذا شهدت بأنه يملكها من سنة؛ كذا قاله ابن الصباغ نقلاً وتوجيهاً، ولم يحك غيره من العراقيين والمراوزة- كالإمام والقاضي الحسين والشيخ أبي علي في "شرحه الكبير" – سواه.
نعم، حكى الرافعي في الفروع قبيل كتاب العتق عما جمع من "فتاوى" القفال: أن البينة إذا شهدت بأنه اشترى هذه الدار من فلان وهو يملكها، ولم يقولوا: إنها الآن ملك المدعي، في قبول هذه الشهادة – قولين؛ كما لو شهدوا: إنها كانت ملكه بالأمس.
ويوافق هذا قول القاضي في "فتاويه": إن الشهود إذا شهدوا بأن هذه الدار كانت لفلان إلى أن مات، وخلفها [ميراثاً] لابنه هذا، ولم يقولوا: إنها الآن ملك هذا الابن: إن الحكم كما لو قالوا: هذه الدار كانت لفلان أمس؛ لا يقبل في الجديد.
وعلى الطريقة الأولى إذا شهدت البينة: إنها للمشتري بابتياعها من زيد، قضى له – أيضاً- صرح به ابن الصباغ والرافعي، والبندنيجي وقال: إنها غير منصوصة.
الثانية: إذا شهدت البينة: إنه ابتاعها، وتسلمها من يده – قضى له بها؛ لأن الظاهر
стр. 9174
أنها ملك لمن أقبضها؛ فنزل ذلك منزلة الشهادة بالملك حالة البيع؛ وهذا ما صرح به القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والبندنيجي، والشيخ أبو علي في "شرحه الكبير" كما قاله ابن أبي الدم، وصاحب "التهذيب"، وتبعهم الرافعي في ذلك، ولم يحك سواه.
ومن طريق الأولى جريان القولين في المسألة السابقة فيها.
وقد قطع القاضي الحسين بأنه لا تقبل البينة إذا لم تقل: إنه اشتراه من فلان وهو يملكه.
وعليه ينطبق قول الماوردي في آخر باب القسمة: لو أقاما البينة بابتياعهما الدار، لم تكن بينة بالملك؛ لأن يد البائع فيها كأيديهما.
وهكذا لو أقاما البينة: أنها صارت إليهما من أبيهما ميراثًا، لم تكن بينة بالملك؛ لأن يد الأب فيها كأيديهما. وهذا ما اختاره ابن أبي الدم، وقرره بأن يد الداخل حاضرة محسوسة، وهي تدل على الملك، والشهادة بالبيع وتسلم المبيع من يد البائع شهادة تتضمن الابتياع، ويد سابقة للبائع ثم بيد تتعقبها للمشتري، ولا فرق بين هذا وبين قول البينة: نشهد: إنها كانت في يده أمس، ولو شهدت باليد أمس، لم تسمع على الصحيح، وإن سمعت لم تنزع العين من ذي اليد الحاضرة بمجرد الشهادة بها؛ فكذلك ها هنا.
وقد طرد القاضي أبو الطيب والبندنيجي ما قالاه في الوقف، فقالا: إذا شهدت البينة بأنه وقف كذا، [وهو في ملكه، أو: وهو في يده – حكم به. ولو شهدت بأنه وقف كذا] لا غير، لم يقبلها؛ لأن الإنسان قد يقف ما يملك وما لا يملك.
أما لو ادعى الشراء من صاحب اليد، فقد اتفق الكل على أنه لا يحتاج في هذه الحالة إلى الشهادة بأنه باع ذلك وهو في ملكه، ولا في يده، بل بيعه يقطع سلطانه، ويؤاخذ بحكمه وبموجبه، خلافًا لأبي حنيفة.
قال الماوردي – حكاية عن المذهب-: ولا يقضي للمدعي بها ملكًا وإن قضى له بابتياعها، [بل يكون] له فيها يد إن نوزع فيها، ولا تدفع بينة المنازع، بخلاف ما لو
стр. 9175
شهدت البينة بأن البيع صدر والبائع مالك؛ فإنه يحكم له بها ملكًا.
وإن شهدت: إنه باعها وكانت في يده، حكم بها ابتياعاً، وجرى عليه حكم الملك؛ لأن الظاهر من اليد: أنها لمالك؛ حكى ذلك عند الكلام فيما إذا كانت العين في يد شخص، فادعاها اثنان، وأقام أحدهما بينة: أنها ملكه منذ سنة، وأقام الآخر بينة: أنه اشتراها من المدعي الأول منذ خمس سنين.
فرع: إذا أقام بينة على الشراء من شخص، ثم أقام بينة أخرى على ملك ذلك البائع إلى وقت البيع – قال القاضي: يجوز ذلك، ولا فرق بين أن تشهد بينة واحدة على الأمرين، وبين أن تشهد بينتان عليهما.
قال الإمام: وهذا صحيح.
[و] قال الرافعي: وكأن المراد ما إذا أقام شهودًا على أنه اشترى منه وقت كذا، وآخرين على أنه كان يملك إلى وقت كذا، وإلا فمن شهد على أنه مالك إلى أن باع منه، فقد شهد بالبيع والملك.
فرع آخر – قاله القاضي الحسين-: لو أقام رجل [بينة]: أن الدار التي في يد فلان كانت في يد أبيه إلى أن مات، وهذا وارثه، والذي في يده لم يقم بينة على أنها له – فالدار للذي أقام البينة، بخلاف ما لو شهدت البينة: إن أباه مات وكان يسكنها؛ فإنها لا تكون له.
فإن قلت: هذا يناقض ما حكيتموه عنه من أن البينة إذا شهدت بأنه ابتاع كذا من فلان، وتسلمه من يده – لا يقضي له؛ فإن البيع سبب الملك كالإرث.
قلت: لا؛ فإن المشهود به في مسألة البيع مجرد التسليم؛ وذلك لا يدل على الملك، والمشهود به [هاهنا كونها] في يده، ولعل المراد بذلك: ما إذا كانت في يده يتصرف فيها مع امتداد المدة من غير منازع؛ كما حكينا مثل ذلك عن صاحب "الإشراف" في الفروع المذكورة بعد قول الشيخ: "وإن ادعى كل واحد منهما أنه ابتاع هذه الدار من زيد، وهي ملكه"؛ بل أقول: لو قامت البينة بأنه ابتاع هذه الدار من زيد، وأنها في يد البائع يتصرف فيها مدة مديدة من غير منازع- كانت كالشهادة بأنه باع
стр. 9176
وهو مالك؛ لأن الشيخ أبا عاصم قال: لو أقام شخص بينة بأن هذا الشيء ملكه، وأقام آخر بينة: أنه في يده يتصرف فيه تصرف الملاك من غير منازع مدة مديدة – كانت بينة الثاني أولى؛ لأنها شهدت باليد والملك جميعًا، وبينة الداخل مقدمة على بينة الخارج، والله أعلم.
قال: وإن ادعى مملوكًا، وأقام بينة: أنه ولدته جاريته، أو ثمرة، وأقام بينة: أنها أثمرته نخلته- لم يقض له؛ لأن من اشترى جارية قد ولدت أولاداً، أو نخلة قد أثمرت وأُبِّرت ثمرتها – يصدق أن يقال: إن أمته ولدتهم، وإن نخلته أثمرت ذلك.
قال: حتى تشهد: إنها ولدته في ملكه، أو أثمرته في ملكه؛ لأنها إذا قالت ذلك، انتفى [هذا] الاحتمال.
وهذا ذكره تفريعًا على المنصوص في المسألة السابقة، وهو الذي نص عليه الشافعي هاهنا، وهو الجديد في "تعليق" القاضي الحسين و"النهاية"، وهو مخالف لما نص عليه في اللقيط إذا ادعى [رجل] رقه؛ حيث قال: إنه يكفي أن تشهد البينة: إن أمته ولدته. وكأن الفرق- والله أعلم-: أن المقصود ثم معرفة الرق من الحرية، والشهادة بأن أمته ولدته تعرف رقه؛ فإن الغالب أن ما تلده الأمة مملوك، وولادتها للحر نادر؛ فلم يعول على ذلك كما قلنا من قبل. والقصد ها هنا: تعيين المالك؛ لأن الرق متفق عليه؛ إذ المسألة مصورة بما إذا ادعى مملوكًا؛ وذلك لا يحصل بكون أمته ولدته؛ لما ذكرناه.
وقد حكى القاضي الحسين في مسألة المملوك قولاً آخر نسبه إلى القديم: أن البينة تقبل، وقال: إنه يضاهي قبول الشهادة بالملك القديم في الدار، ووجه الشبه: أنا إنما حكمنا [ثم] بالملك؛ للاستدامة؛ فكذلك ها هنا؛ لما أثبت الملك لنفسه في الأم، استديم الملك على الولد. قال: والأصح الأول، أي: وإن قلنا بسماع الشهادة بالملك القديم؛ لأنهم لم يثبتوا له الملك في الولد هنا قط، وهناك أثبتوا له ملك الدار أمس؛ فاستديم الملك.
والإمام قال: إن القول الذي حكاه القاضي عن القديم في مسألتنا خرجه بعض
стр. 9177
الأصحاب من سماع الشهادة بالملك القديم؛ لأن قوله: هذه بنت أمتي، يتضمن إثبات الملك حالة الولادة، وقد تقدمت.
وفي "الإشراف": أنه مخرج من مسألة في الاستيلاد، وهي إذا قال: هذا ولدي من أمتي؛ فإنه إن فسر، وقال: أحبلتها في ملكي، قبل تفسيره، وثبت الاستيلاد، وإن قال: أحبلتها به في النكاح، لم يثبت، وإن أمسك عن التفسير، فهل يثبت؟ فيه وجهان.
فرعان:
لو شهدت البينة: إن هذا المملوك ولدته أمته بعد ملكه، ولم تقل: ولدته في ملكه – لم يحكم له بملكه؛ لأنه يجوز أن يكون قد باعها، فولدت، ثم بعد ذلك ملكها برد بعيب، أو إفلاس، أو غير ذلك.
ولو شهدت البينة: إن ابن أمته، أخذه هذا من يده، كانت شهادة له باليد دون الملك.
قال الماوردي: فيحكم له برده يدًا لا ملكاً.
قال: وإن ادعى طيرًا، أو غزلاً، أو آجرًّا، فأقام بينة أن الطير من بيضه، والغزل من قطنه، والآجر من طينه – قضى له؛ لأن هذه الأشياء عين ماله، وإنما تغيرت صفاتها، وتفارق الثمرة والولد؛ لأن الطير والآجر والغزل لا يتصور أن يكون حاصلاً قبل حصول البينة، والقطن والطير له، والولد والثمرة يتصور حصولهما قبل حصول الملك [له] كما تقدم.
وفي "الإبانة": أن ابن سريج خرج في مسألة القطن وجهاً، وجعله كولد الأمة، أي: فلا يقضي له به بمجرد ذلك.
قال: وإن مات نصراني – أي: من عرف بالنصرانية- وترك ابنًا مسلمًا، وابنًا نصرانيًّا، فأقام المسلم بينة: [أن أباه] مات مسلمًا، وأقام النصراني بينة: أنه مات نصرانيًّا، ولم يؤرخا- قدمت بينة المسلم؛ لأنها شهدت بأمر خفي على الأخرى؛ فصار كما لو مات رجل عن ابن وزوجة، فقال الابن: هذه الدار ميراث بيننا، وقالت الزوجة: هي [لي]، أصدقنيها أبوك، أو باعها مني، وأقام كل منهما بينة على
стр. 9178
ما يدعيه- فإن بينتها أولى؛ لما ذكرناه.
قال الإمام: وبينة الاستصحاب لا تصادم البينة الناقلة إلا بالنفي، والشهادة على النفي مردودة.
وهذا ما وقفت عليه في كتب العراقيين والمراوزة، وفي "الحاوي" حكاية وجه: أنه يأتي في هذه المسألة قولا التعارض، والاستعمال؛ فإنه [قال]: للبينتين في إقامة هذه الشهادة أربع أحوال:
الحالة الأولى: أن تطلقا الشهادة، فيقول شهود المسلم: إن أباه مسلم، ويقول شهود النصراني: إن أباه نصراني – فيحكم بشهادة الإسلام؛ لأنها أزيد علمًا؛ لأن نصرانيته أصل، وإسلامه حادث؛ فصار كالشهادة بالجرح والتعديل، [يحكم بالجرح على التعديل]، ويجعل المسلم وارثاً.
الحالة الثانية: أن تقيدا الشهادة، فتقول بينة المسلم: إن آخر كلامه عند الموت [الإسلام، وبينة النصراني: إن آخر كلامه عند الموت] التثليث، والحكم كما سيذكره الشيخ.
ثم قال: فلو شهدت بينة المسلم: إن أباه مات مسلمًا، وبينة النصراني: إن أباه مات نصرانياً- فقد اختلف الأصحاب: هل تحمل هذه الشهادة على التقييد؛ لأن كل واحدة منهما شهدت بدينه عند الموت؛ حتى تأتي فيه أقوال التعارض والاستعمال، أو يحمل على الإطلاق؛ لأنهما استصحبا ما تقدم من حاله، ولم يقطعا بدينه عند خروج روحه؛ فلا تعارض، ويكون الميراث للمسلم؟ على وجهين.
الحالة الثالثة: أن [تكون] الشهادة بالإسلام مطلقة، وبالنصرانية مقيدة – فلا تعارض؛ لأنه قد يسلم، ثم يرتد بعد إسلامه إلى النصرانية؛ فتصح الشهادتان، ويحكم بارتداده بعد الإسلام، ولا يرثه واحد من ابنيه، ويكون ماله فيئًا لبيت المال.
الحالة الرابعة: أن تكون الشهادة بالإسلام مقيدة، وبالنصرانية مطلقة – فلا تعارض، ويكون ميراثه للمسلم.
стр. 9179
وقد اقتصر الفوراني في التعبير عما ذكرناه من الحكم في الحالتين الأخيرتين، فقال: إذا كانت إحداهما مطلقة، والأخرى مقيدة – فالعمل بالمقيدة أولى.
قال: وإن شهدت بينة المسلم: إن آخر كلامه عند الموت الإسلام، أي: ما يكون به مسلمًا، وهو النطق بالشهادتين، والتبرؤ من كل دين يخالف الإسلام، كما قاله الماوردي وغيره، وشهدت بينة النصراني: إن آخر كلامه [عند الموت] النصرانية، أي: ما يكون به نصرانيًّا، وهو النطق بالتثليث؛ كما قال الماوردي، [أو النطق] بأنه لا إله إلا الله، وأن عيسى رسول الله، وأنه بريء من كل دين سواه؛ [كما] قاله [الشيخ] أبو عاصم العبادي- تعارضت البينتان؛ لأنه يستحيل أن يموت مسلمًا نصرانيًّا.
وفي "الإشراف": أن ما قاله الشيخ أبو عاصم من تصوير النصرانية فيه إشكال؛ لأن المسلمين يثبتون نبوة عيسى – ﵇ وإثبات نبوته ليس نفيًا لنبوة نبينا محمد ﷺ عند منكري المفهوم.
قلت: وفي هذا النظر نظر؛ لأن من تبرأ من كل دين سوى دين عيسى، فقد تبرأ من دين النبي ﷺ .
стр. 9180
وعن ابن كج حكاية وجهين في أنه: هل يجب على الشهود أن يثبتوا كلمة الإسلام؛ لأنهم قد يعتقدون ما ليس بإسلام إسلامًا؟
ومقابله هو الذي أورده البندنيجي وغيره.
قال: وفيهما قولان:
أحدهما: تسقطان [للتكاذب؛] وهذا ما اختاره في "المرشد".
قال: ويحكم بأنه مات نصرانيًّا، أي: بعد حلف الابن النصراني: إنه لا يعلم أنه مات مسلمًا؛ لأن هكذا الحكم لو لم تكن بينة؛ فإن الأصل نصرانيته.
قال: والثاني: تستعملان بالوقف، أو القرعة، أو القسمة؛ لأنه لا مانع من واحد منها، كما في غير هذه الصورة، [وهذه طريقة المزني وطائفة معه، وهم المعتبرون من الأصحاب؛ كما قال الإمام.
وقال البندنيجي: إنها المنصوص عليها في "الأم". كما أشار إليه ابن الصباغ، ولم يحك البغوي سواها.
وقيل: لا تجيء القسمة وإن جاءت في غير هذه الصورة]؛ لاستحالة أن يشترك مسلم ونصراني في ميراث ميت؛ لأنه إن مات نصرانيًّا ورثه النصراني دون المسلم، وإن مات مسلمًا ورثه المسلم دون النصراني، فإذا قسمنا بينهما علمنا قطعًا: أن أحدهما قد أعطي ما لا يستحقه، ومنع الآخر ما يستحقه، وإن لم يتعين، بخلاف عند الميراث؛ فإنه يجوز أن يكون [الملك] مشتركًا بينهما؛ فيقسم؛ وهذه طريقة أبي إسحاق المروزي وطائفة معه، كما قال الماوردي، وقد قويت بما إذا مات شخص وقد طلق واحدة من نسائه لا بعينها؛ فإن الميراث يوقف ولا يقسم بينهن.
وقال الإمام: إنها غير معتد بها؛ فإن قول القسمة لا يعتمد إلا إمكان الشركة في الجنس المدعى، فأما الجهات فلا نظر إليها؛ فإن القسمة إنما تجري لاستواء المتداعبين في متعلقهما، وليس أحدهما أولى من الآخر، والتعطيل عند هذا القائل لا سبيل إليه.
والشيخ أبو حامد والمصنف وغيرهما ردوا على أبي إسحاق بوجه آخر، فقالوا:
стр. 9181
احتمال كون الملك لهما قائم في هذه الصورة – أيضاً – لأنه يجوز أن يكون مات نصرانيًّا قبل إسلام أبيه؛ فيكون ميراثه لهما، إلا أن المسلم ادعى أنه مات مسلمًا؛ ليأخذ كمال الميراث.
قال البندنيجي: وهذا يخرج منه ما إذا عرف إسلام المسلم منهما قبل وفاة أبيه.
ثم على الطريقة الصحيحة – وهي جريان القسمة.
فروع:
أحدها: هل يحلف كل واحد من الاثنين للآخر؟ فيه وجهان عن رواية ابن كج، وهما يؤخذان مما حكيناه عن الإمام والقاضي في أول المسائل، والأصح: المنع.
الثاني: لو كان المتنازع في التركة ابنًا وبنتًا، فعن أبي الطيب بن سلمة: أنه يقسم المال بينهما نصفين.
وعن غيره: أنه يقسم أثلاثاً قسمة الميراث.
قال الرافعي: وليس واحد منهما بقويم؛ بل يجب أن يقال: هما كشخصين يدعي أحدهما جميع العين، والآخر نصفها، أقاما بينتين، وقد مر أن على قول القسمة للأول ثلاثة أرباعها، وللثاني ربعها.
الثالث: لو كان المدعي للإسلام – مثلاً – زوجة الميت وأخاه، والمدعي للنصرانية ابنًا للميت- فالذي أورده الجمهور جريان القول الذي عليه نفرع فيه أيضاً؛ فنقسم.
وعلى هذا فالنصف للزوجة والأخ، وفي كيفية [قسمته] وجهان في "التهذيب":
أحدهما: تأخذ الزوجة ربعه، وكأنه كل التركة، وهو الذي أورده أبو الفرج السرخسي.
والثاني: تأخذ نصفه؛ ليكون لها ربع التركة؛ فإن الأخ معترف به، والأولاد لا يحجبون بقولهما، وهذا ما أورده الإمام ومن تبعه.
وفي "الحاوي": أن الذي عليه الجمهور: أنه لا يصح تخريج قول القسمة هاهنا وإن جاز في المسألة السابقة؛ لأن الاثنين فيما تقدم شريكان، والأخ والابن هاهنا
стр. 9182
متدافعان؛ فصح الاشتراك هناك، وبطل هنا.
قال: وإن كان الميت لا يعرف أصل دينه، تعارضت البينتان، أي: سواء كانتا مطلقتين أو مقيدتين.
ووجهه في حالة التقييد ظاهر، وفي حالة الإطلاق – وإن احتمل كونهما صادقتين: الجهل بدينه؛ فإنه يمنع من الحكم بأحدهما؛ فجرى عليهما حكم التعارض في التكاذب.
قال: وفيهما قولان:
أحدهما: تسقطان، ويرجع إلى من في يده التركة؛ عملاً بمدلول اليد.
وعلى هذا إن كانت في يد غيرهما يدعيها لنفسه، فالقول قوله.
وإن لم يدعها لنفسه، قال البندنيجي: أقرت في يده حتى يزول [الإشكال].
وإن كانت في يدهما كانت بينهما؛ وهذا ما أورده البندنيجي والمصنف وغيرهما، وحكاه ابن الصباغ عن المزني؛ فإن الشيخ أبا حامد قال: إنه يحلف كل واحد منهما على ما في يده، وهو المذكور في "تعليق" القاضي الحسين أيضاً.
ثم أبدى ابن الصباغ احتمالاً: أنه لا يحتاج إلى التحالف؛ كما سنذكره عنه.
ولو كان [المدعي] للإسلام أو الكفر أكثر من واحد، فالقسمة- تفريعًا على قول التساقط- على عدد الرءوس، قال الفوراني: لأنها قسمة بحكم اليد.
وإن كانت في يد أحدهما، فالذي ذكره الشيخ أبو حامد- وهو الذي أورده البندنيجي، والقاضي الحسين: أنها تسلم له.
وقال الإمام بعد حكاية ذلك عن القاضي: إن هذا وهم وزلل من الناقل عنه؛ فإنهما إذا اعترفا بأن المال الذي فيه النزاع تركة، فلا حكم لصورة اليد؛ فإن ما كان تركة فسبيله مع الإشكال تساوي الاثنين فيه؛ ولهذا قال الرافعي: إنه الصحيح، ولم يورد في "الوجيز" سوى قسمته بينهما.
وفي "الحاوي": أنه إذا سقطت البينتان والدين مجهول، ففي التركة ثلاثة أوجه:
أحدها- وهو قول المزني-: أنها تقسم بينهما ملكًا بالتحليف دون البينة؛ لتكافئهما فيها.
стр. 9183
والثاني- وهو قول أبي علي بن خيران-: أنها تقسم بينهما يدًا، وتقر معهما أمانة، يمنعان من التصرف فيها حتى يبين مستحقها منهما، أو يصطلحان عليها؛ كالميت عن زوجتين إحداهما مطلقة، وقد أشكلت.
والثالث- ويشبه أن يكون قول أبي إسحاق المروزي-: أنها تقر في يد من كانت في يده قبل التنازع والتحالف، فإن كانت في يدهما، أو في يد أجنبي، أو في يد أحدهما- أقرت على حالها، وكان إقرار يد وأمانة من غير قسمة.
ووهم أبو حامد، فأقرها في يده ملكًا، وهو خطأ؛ لأن سبب استحقاقه متعين بالميراث؛ فلم يجز أن يكون لليد في تملكها تأثير.
ويقرب من ذلك قول ابن الصباغ بعد حكاية قول أبي حامد – كما ذكرناه أولاً-: وهذا فيه نظر؛ لأنه معترف للميت الذي ادعى أنه يرثه، والآخر يدعي مثل ذلك؛ فلا ينبغي أن يكون ليده حكم، بل ينبغي أن يكون موقوفاً، أو مقسومًا عليهما.
قال: والثاني: تستعملان على ما ذكرناه، أي: ويجيء الطريقان في الاستعمال بالقسمة؛ كما صرح به الماوردي وغيره.
وقيل: تقدم بينة المسلم؛ لأنه الظاهر في دار الإسلام؛ وهذا ما حكاه الفوراني عن المزني، وهو بعيد؛ إذ لو كان كذلك لجعل القول قوله حالة عدم البينة.
قال ابن يونس: و [قد] قبل به أيضاً.
قال: ويغسل الميت، ويصلى عليه في المسائل كلها- أي: التي ذكرها- وينوي حالة الصلاة: أنه يصلي عليه إن كان مسلمًا- كما قاله في "المهذب"، و"الشامل"- لأن أمره مشتبه؛ فجرى مجرى جماعة ماتوا وفيهم كافر قد أشكل؛ فإنهم يغسلون، ويصلى عليهم.
قال الإمام: وهذا الاستشهاد إيناس، لا حاجة إليه، والعمدة في الصلاة إسناد الإسلام إلى بينة، وليس في الصلاة نزاع، ولا يموت ميت فيقطع له بالإيمان في الموافاة، ولست أنكر ترددًا من طريق الاحتمال، سيما إذا كان الرجل معروفًا بالتنصر،
стр. 9184
وقد تعارضت بينتان في الكلمة التي بها الاختتام، ولكن النص هذا، ولم أر في الطرق ما يخالفه.
وكما يغسل ويصلى عليه، يدفن في مقابر المسلمين كما يدفن الموتى الذين فيهم كافر.
قال الماوردي: وفي الحالة التي حكم فيها بردته، لا يغسل ولا يصلى عليه. وأراد: الحالة التي كانت بينة النصراني فيها مقيدة، وبينة الإسلام مطلقة.
فرع: لو ادعى مسلم على شخص في يده دار: أن أباه مات مسلمًا، وترك له هذه الدار إرثاً، وادعى نصراني عليه: أن أباه مات نصرانيًّا، وترك له هذه الدار إرثًا، والأب غير الأب، وأقام كل منهما بينة بما ادعاه- تعارضت البينتان، وفيهما قولان: فإن قلنا بالتساقط، بقيت الدار في يد الثالث، وإن كانت البينتان متفقتين على أنها ليست له؛ لأن كل واحد لم يثبت له ما شهدت به بينته؛ فلم يكن حجة على صاحب اليد، وجرى مجرى بينة تشهد بحق لأحد الرجلين لا بعينه؛ فإنه لا يثبت بها شيء.
والفرق بين هذه [المسألة] والتي قبلها؛ حيث قلنا على الصحيح: إن العين إذا كانت في يد أحدهما، وقلنا بالتساقط، لا يختص بها: أن البينتين شهدتا ثم بأن الملك للميت؛ فلا تعارض فيه، وإنما تعارضتا في دينه؛ فثبت بهما المال، وهنا تعارضتا في ملك المال؛ فلم يثبت.
وإن قلنا بالاستعمال، جاءت الأقوال الثلاثة بلا خلاف.
قال: وإن مات رجل، وخلف ابنين، واتفقا على إسلام الأب، وإسلام أحدهما قبل موت الأب، واختلفا في إسلام الآخر: هل كان قبل موت الأب، [أو بعده]؟ فالقول قول الابن المتفق على إسلامه، أي: مع يمينه: إنه لا يعلم أن أخاه أسلم قبل موت أبيه؛ لأن الأصل بقاء أخيه على الكفر.
وهكذا الحكم لو مات حر، وترك ابنين: أحدهما حر قبل موت أبيه، والآخر مختلف فيه، فادعى تقدم عتقه قبل موت أبيه، وادعى الآخر: أنه عتق بعد موته-
стр. 9185
[فالقول قوله مع يمينه بالله: إنه لا يعلم أن أخاه عتق قبل موت أبيه]؛ لأن الأصل بقاء الرق.
نعم، لو أقام كل واحد منهما بينة بما ادعاه، قال القاضي الحسين: فالصحيح – وبه جزم البغوي وغيره-: أن بينة الابن المختلف في إسلامه مقدمة؛ لأنها ناقلة، وبينة الآخر مستصحبة، والناقلة مقدمة على المستصحبة.
وقيل: إنهما متعارضتان؛ وهذا وجه ضعيف.
قال: وإن اتفقا [على] أن أحدهما أسلم في شعبان، والآخر [أسلم] في رمضان، واختلفا في موت الأب: فقال أحدهما: مات قبل إسلام أخي، وقال الآخر: بل مات بعد إسلامنا- فالقول قول الثاني؛ فيشتركان؛ فإن الأصل بقاء الأب إلى حين إسلام الثاني.
ولو أقام كل واحد منهما بينة على ما ادعاه، قال القاضي الحسين والأصحاب – كما حكاه الإمام-: قدمت بينة الأول؛ لاشتمالها على زيادة علم بالموت في الزمان المتقدم.
ثم قال [الإمام]: وهذا ضعيف؛ لأن البينة التي شهدت في الزمان المتأخر تشهد على موته عن حياة؛ فيحصل التعارض، ويجري القولان.
قلت: وهذا عين القول الأول الذي حكاه الشيخ فيما إذا قال: إن مت في رمضان فعبدي حر، وإن مت في شوال فجاريتي حرة، ومات، وأقام العبد بينة بالموت في رمضان، والجارية بينة بالموت في شوال.
ويظهر مجيء الوجه الذي حكيناه ثم عن المزني وابن سريج في تقديم بينة شوال هاهنا؛ فتقدم بينة المتأخر، ويرثان جميعًا.
فرع: لو اتفقا على أن أحدهما لم يزل مسلمًا، [وقال الآخر: لم أزل- أيضاً- مسلمًا]، ونازعه الأول، وقال: كنت نصرانيًّا، وإنما أسلمت بعد موت الأب- فالقول قوله: إني لم أزل مسلمًا؛ لأن ظاهر الدار يشهد له، وليس مع صاحبه أصل يستصحب.
стр. 9186
ولو قال كل واحد منهما: لم أزل مسلمًا، وكان صاحبي نصرانيًّا، أسلم بعد موت الأب- فعن القفال تخريجه على وجهين:
أحدهما: لا يصرف لواحد منهما شيء؛ لأن الأصل عدم الاستحقاق، وبقاؤهما على الكفر؛ فعلى هذا: إن كان له وارث مسلم غيرهما، فله الإرث، وإلا جعل في بيت المال؛ كذا قاله القاضي.
وأصحهما في "الرافعي": [أنه] يحلف كل واحد منهما، ويجعل المال بينهما؛ لأن ظاهر اليد يشهد لكل واحد فيما يقوله في حق نفسه.
قال: وإن مات رجل، وخلف أبوين كافرين، وابنين مسلمين، فقال الأبوان: مات كافراً، وقال الابنان: مات مسلماً- ففيه قولان:
أصحهما: أن القول قول الأبوين – أي: مع أيمانهما- لأن كفره قبل بلوغه معلوم بكفرهما؛ فلم يقبل دعوى الابنين في حدوث إسلامه؛ لأن الأصل استصحاب كفره.
والثاني: أنه يوقف حتى ينكشف، أو يصطلحوا؛ لتساوي الحالين بعد بلوغه في إسلامه وكفره؛ لأن ما قبل بلوغه هو [في إسلامه فيه] تبع لا يتحقق إلا بعد بلوغه.
وهذا الذي ذكرناه عن الشيخ [هو المذكور في توجيه ابن الخل، والشيخ] اقتدى في ذكر القولين بابن سريج؛ فإن القاضي أبا الطيب والحسين والإمام والبغوي وابن الصباغ حكوا أن ابن سريج قال: فيه قولان.
وقال البندنيجي بعد حكاية ذلك عنه: إنه عنى وجهين.
وكذلك قال في "الحاوي": في المسألة وجهان. وقد نسبهما في "المهذب" إلى تخريج ابن سريج، وحكى عنه أنه قال: الأول أشبه بقول العلماء.
وقد حكى القاضي الحسين عن المراوزة في المسألة وجهين:
أحدهما: مثل الأول.
стр. 9187
والثاني: أن القول قول لابنين؛ لأن الظاهر أن الفرع المسلم إنما يتولد من المسلم، ولأن الأصل في دار الإسلام هو الإسلام.
وقال: إنهما مبنيان على أصل، وهو ما [إذا] اجتمع الأصل والظاهر، فأيهما يغلب؟ فيه قولان.
وفي "الإبانة" حكاية القولين هكذا عن ابن سريج، وحينئذٍ فيجتمع في المسألة ثلاثة أوجه:
أحدها: أن القول قول الأبوين.
والثاني: أن القول قول الابنين.
والثالث: أنه يوقف إلى أن ينكشف، أو يصطلحوا.
قال الإمام: وليقع فرض المسألة إذا لم يسلم الابنان المسلمان كون الأبوين كافرين أصليين؛ فإن ذلك لو ثبت لم يكن شك في كفر الابن أصلاً؛ إذ لاقى الأصل، وإنما يثبت إسلامه طارئاً بالسبب أو إنشاء الإسلام، وإذا كان كذلك فمستصحب أصل الكفر أولى إذا لم تكن بينة.
وفي "ابن يونس": أن الذي في الكتاب: أصحهما: أن القول قول الابنين، وقد حكاه في "الإشراف" – أيضاً- عن العراقيين، وليكن ذاك إذا لم يعرف تأصل كفر الأبوين؛ كما قاله الإمام.
قال في "المرشد": وما ذكرناه إذا كان الولدان بالغين، ولم تكن أمهما كافرة، [فأما إن كانا صغيرين وأمهما كافرة،] وقامت بينة بإسلامهما، وأقر الجدان بذلك – فإنه يحكم بأنه مات مسلماً، وتكون الدعوى من الناظر في مالهما.
ولو انعكس الحال؛ فكان الأبوان مسلمين، والابنان كافرين-: فإن لم يعلم للأبوين كفر قبل الإسلام، حكم بإسلام ولدهما، ولا يمين عليهما، وكانا أحق بميراثه من ابنيه. وإن علم كفر الأبوين قبل الإسلام، قال الماوردي: فيجوز أن يولد قبل إسلامهما؛ فيجري عليه حكم الكفر قبل البلوغ، ويجوز أن يولد بعد إسلامهما؛ فيكون مسلماً قبل البلوغ.
стр. 9188
فإن كان النزاع في زمان ولادته، فادعى أبواه: أنه ولد بعد إسلامهما، وادعى ابناه: أنه ولد قبل إسلامهما- فالقول قول الأبوين مع يمينهما؛ لأنا على يقين من حدوث ولادتهم، وعلى شك من تقدمها.
وإن كان النزاع في وقت إسلام الأبوين، فادعى أبواه: أنهما أسلما قبل ولادته، وادعى ابناه: أنهما أسلما بعد ولادته – فالقول قول الابنين مع يمينهما؛ لأن الأصل بقاؤهما على الكفر.
فرع: لو مات رجل، [وخلف] امرأة، فقال الورثة: هي كتابية، أو رقيقة – قال الشافعي: القول قولها إذا أنكرت ذلك – أي: مع يمينها- وعلى الورثة البينة.
وقال الربيع: فيه قول آخر: إن في الحرية القول قولها، دون الإسلام.
ووجهه: بأن الأصل في الناس الحرية؛ لأن المشركين يخلقون أحراراً، ثم يطرأ عليهم الرق، فالأصل هو الحرية، بخلاف الدين؛ فإن الناس في الأصل انقسموا إلى الكفار والمسلمين؛ فلم يصح التمسك بالأصل في إنكار الكفر.
ولو ادعى الإسلام، فقيل: القول قول الورثة مع يمينهم؛ لأن الأصل عدم وراثتها؛ كذا قاله أبو عاصم.
قال في "الإشراف": وهذا يؤذن بتخريج قول في الإسلام والحرية جميعاً: أن القول قول سائر الورثة [مع أيمانهم]؛ لأن الأصل عدم وراثتها. وهذا التخريج صحيح وإن ذهب عن المصنف.
قال: وإن ماتت امرأة وابنها، فقال زوجها – أي: الذي الابن منه: ماتت أولاً فورثها الابن، ثم مات الابن فورثته، وقال أخوها: بل مات الابن أولاً فورثته [الأم]، ثم ماتت فورثتها- لم يورث ميت من ميت، بل يجعل مال الابن للزوج، ومال المرأة للزوج والأخ؛ لأنه لا يورث إلا من تيقنت حياته عند موت مورثه، وهاهنا لا نعلم حياة واحد من الميتين عند موت مورثه؛ فهما كالغرقى.
стр. 9189
فإن قيل: الزوج يدعي أنه يرث من زوجته الربع، فكيف تعطونه النصف؟
قيل: لأنه يدعي إرث جميع مالها، ونحن نعطيه بعضه.
وهذا إذا لم يقم واحد منهما بينة على ما يدعيه، ولا اتفقا على وقت موت أحدهما، فإن أقام كل واحد منهما بينة [بما ادعاه] – تعارضتا، وجاءت أقوال التعارض.
ولو اتفقا على وقت موت أحدهما، فلا يخفى الحكم مما تقدم.
قال: وإن ادعى رجل أن أباه مات عنه وعن أخ له غائب-[أي: ولا وارث له غيرهما] – وله مال عند رجل حاضر، وأقام بينة بذلك- أي: وهي من أهل الخبرة بالميت – سلم إليه نصف المال، وأخذ الحاكم نصيب الغائب ممن هو عنده، وحفظه عليه؛ قضاء لحقهما.
وثبوت الحق للغائب في هذه الصورة وقع بطريق التبع؛ لثبوت حق الحاضر؛ لارتباطهما، وعدم تميز أحدهما عن الآخر، أو لأن الحق يثبت أولاً للميت.
ثم نصيب الغائب إذا أخذه، [أجره] الحاكم- إن أمكن- حفظاً لمنافعه؛ صرح به الماوردي وغيره [هنا]، وقد ذكرته في آخر باب ولاية القضاء.
وقيل: إن كان ديناً لم يؤخذ، بل يترك في ذمة الغريم حتى يقدم؛ لأن الذمة أحفظ له؛ وهذا أظهر عند ابن كج، وحكاه عن النص.
والوجهان يجريان- كما حكاه الإمام في باب اليمين مع الشاهد- في كل من أقر لغائب بدين، هل ينزعه الحاكم منه أم لا؟ وقال: إنه لو أقر له بعين مغصوبة، انتزعها الحاكم.
وفي "الشامل" في باب الخيار في القصاص: أنه ليس له قبض العين المغصوبة من الغائب، بخلاف ما لو كانت لميت، ووارثه غائب، والفرق: أنه له ولاية على الميت؛ ولهذا تنفذ وصاياه منها، وتقضى ديونه، بخلاف الغائب؛ فإنه
стр. 9190
لا ولاية [له] عليه.
وقد حكى الغزالي في كتاب الوديعة: أن الغاصب إذا أحضر المغصوب للقاضي، والمالك غائب- هل يجب عليه القبول؟ فيه وجهان جاريان في وجوب قبول دينه أيضاً.
وقال الرافعي: إن أظهر الوجهين في العين منع الإيجاب، وأن محلهما في الدين إذا كان بحيث يجب القبول على الغائب لو كان حاضراً.
فرع: إذا أقام الحاضر شاهداً، وحلف معه- استوفى حقه، ولم يأخذ الحاكم نصيب الغائب؛ لأنه لم تكمل الحجة عليه، ثم إذا قدم الغائب، لم يحتج إلى إعادة الشهادة، ويحلف، ويستحق.
وقيل: يأخذ نصيب الغائب أيضاً، ويوقفه إلى أن يحضر، ويحلف؛ فيسلم إليه؛ بناء على أن المدعي إذا أقام شاهداً، وطلب الحيلولة إلى أن يقيم الشاهد الآخر- أجيب.
والصحيح: الأول، وما ذكرناه تفريعاً عليه فمحله إذا لم يتغير حال الشاهد، فإن تغير فوجهان:
أحدهما – وبه قال القفال-: أن الحكم كذلك؛ لأن الحكم قد اتصل بشهادته؛ فلا أثر للتغير بعده.
والثاني- وهو اختيار الشيخ أبي علي-: أنه لا يحلف؛ لأن الحكم اتصل بشهادته في حق الحالف دون غيره؛ ولهذا لو رجع لم يكن للغائب أن يحلف.
وهذا حكم الوارث إذا ادعى حقاً لمورثه، أما إذا ادعي عليه دين على مورثه، فقد قال القاضي أبو الطيب: شرط سماعها عند تحرير المدعي [به]: أن يدعي أن المورث قد مات، وأنه خلف تركة فيها وفاء بالدين أو بعضه- أي: في يد الوارث- لأنه إذا لم يخلف تركة، لم يلزمه قضاء الدين عنه.
وقال القاضي الحسين في باب موضع اليمين: إنه لا بد أن يقول: إنه خلف في يده تركة مبلغها كذا وكذا؛ حتى لو لم يدع هذا، وادعى التركة مطلقة، لا يقبل.
стр. 9191
وحكى عن الأصحاب أنهم قالوا: لا بد وأن يقول: [وأنت] تعلم أن لي عليه كذا، فلو لم يقله، لم تسمع.
قال: ولعل المعنى فيه: أن الوارث إذا لم يكن عالماً بالدين، لا يكون مطالباً مأخوذاً به في الشرع؛ على معنى أنه لا يأثم بالتصرف في التركة، بخلاف ما إذا علم. وهذا الشرط قد ذكره في "الإشراف" أيضاً.
قال: وإن مات رجل، فادعى رجل أنه وارثه لا وارث له غيره، فشهد شاهدان من أهل الخبرة بحال الميت- أي: على قديم الوقت وحدوثه، في حضره وسفره-: أنه وارثه لا وارث له غيره- أي: في علمنا وبينا جهة الوراثة- سلم إليه الميراث؛ لأن ذلك أقصى الممكن في الباب، ويكفي قول الشاهدين: إنهما خبرا باطن حاله، إن لم يعرف الحاكم ذلك؛ كما اعتمد على قولهما في أصل الواقعة.
وإن عرف الحاكم أنهما من أهل الخبرة، لم يستخبرهما، ولا يحتاج الآخذ في هذه الحالة إلى كفيل؛ لأنه لو طولب [به]، لكان قدحاً في بينته.
وقد ادعى الإمام في ذلك حال كون الوارث الابن، الإجماع.
وما ذكره الشيخ من الاكتفاء بالشاهدين هو المنقول في طريق العراق، وفي "الإبانة": أنه لا بد من ثلاثة؛ وكذا في "الاعتبار": اعتبر الثلاثة؛ للخبر المشهور.
قال الإمام: وهذا لا أصل له، ولم يصر إليه أحد من الأصحاب، فإن ذكر هذا اشتراطاً فهو خطأ صريح، وإن ذكره احتياطاً، فالأمر أقرب.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أن تسليم المال إلى الوارث عند قيام الشهادة بأنه لا وارث له غيره وهم من أهل الخبرة مفروض فيما إذا كان الوارث ابناً، أما إذا كان ابن ابن، أو أخاً، فيسأل القاضي عن حاله في [البلدان التي] سافر إليها؛ كما نقول في الحالة الثانية، فإن لم يظهر له وارث غيره، سلم إليه المال، وهل يأخذ منه كفيلاً؟ فيه وجهان.
стр. 9192
فرع: إذا قال الشاهد: أشهد أن هذا وارثه، وأقطع بأنه لا وارث له سواه- سألناه عن معنى القطع؟
فإن قال: لا أعلم له وارثاً سواه، قبلناه.
وإن قال: أردت القطع بذلك، قال البندنيجي: قال الشافعي في الإقرار: رجع هذا إلى معنى العلم؛ لأن القطع بهذا محال، ولا ترد به شهادته؛ لأنه أخبر باعتقاد الخطأ، ولم يقصد الكذب؛ وهذا كقوله: لا أعرف له وارثاً سواه؛ وهذا ما جزم به البغوي وغيره.
وحكى ابن أبي الدم وجهاً آخر: أنه لا تقبل شهادته؛ لظهور الكذب.
قال: وعلى هذا هل يصير مجروحاً في غيرها؟ فيه وجهان.
فرع: شهد شاهدان: أنه لا وارث لفلان سوى عمرو، [و] شهد آخران: أنه لا وارث له سوى زيد- ثبت أنهما وارثان، ولا تعارض؛ لأن كل بينة ربما اطلعت على ما تطلع عليه الأخرى؛ حكاه الرافعي في الفروع.
قال: وإن لم يقولا: لا نعلم [له] وارثاً غيره، أو قالا ذلك، ولم يكونا من أهل الخبرة، فإن كان ممن له فرض، أي: لا ينقص عنه بحال، وهما الأبوان، والزوجان- دفع إليه الفرض عائلاً؛ عملاً باليقين، واحتياطاً لما عساه يظهر:
فيدفع للزوج الربع عائلاً من خمسة عشر، وهو ثلاثة من خمسة عشر.
وللزوجة ربع الثمن عائلاً من سبعة وعشرين، وهو ثلاثة من مائة وثمانية.
وللأم السدس عائلاً، وهو سهم من عشرة؛ إن كان الميت امرأة، لأنا نقدر أنها ماتت، وخلفت زوجاً، وأختين [لأم] وأمًّا. وإن كان رجلاً، كان ما يعطاه سهمين من سبعة عشر سهماً؛ لأنا نقدر أنه خلف أختين لأب وأم، وأختين لأم، وأمًّا، وزوجة، وللأب سهمان من خمسة عشر.
قال البندنيجي: ولا يؤخذ منه ضمين.
وفي "تعليق" القاضي الحسين وجه آخر: أنه لا يعطى شيئاً قبل البحث؛ كالابن، والأخ. والأصح الأول.
قال: وإن [كان] ابناً أو أخاً، لم يدفع إليه شيء:
стр. 9193
أما الأخ؛ فلجواز أن يكون ثم [من] يسقطه: كالابن.
وأما الابن؛ فلجواز أن يكون ثم من يزاحمه؛ فلا يعرف قدر ما يصرف إليه.
قال: ثم يسأل الحاكم عن حاله في البلاد التي سافر إليها- أي: بالمكاتبة إلى [الحكام، والنداء] فيها: بأن فلاناً قد مات، فإن كان له وارث فليأت؛ فإنا قاسمو تركته- إلى حد يغلب على الظن أنه لو كان له وارث لظهر.
قال في "الحاوي": فإن حضرته بينة، جاز أن يسمعها الحاكم من غير دعوى، وعلى غير خصم؛ لأنها بينة على ما قد لزم من الكشف.
قال: فإن لم يظهر [له] وارث آخر، فإن كان ممن له فرض، أكمل فرضه؛ لانفراده بسبب ذلك.
وقيل: لا يكمل [له] حتى يشهد شاهدان: أنه لا وارث يحجبه؛ لأنه قد أخذ شيئاً في الجملة؛ فلا يضره وقف الباقي.
والمذهب في "تعليق" القاضي أبي الطيب- وهو الصحيح في "الشامل"-: الأول.
وقد قال الإمام بعد حكاية الوجهين عن رواية العراقيين، وصاحب "التقريب": إنهما كالوجهين في أن الأخ هل يصرف إليه بعد البحث شيء أم لا؟
والمذكور في "الشامل" و"تعليق" [القاضي] أبي الطيب: أنهما جاريان على قولنا: يعطى الأخ نصيبه، وأشار إلى الفرق بما ذكرناه من تعليل الوجه الثاني.
قال: وإن كان ابناً، سلم إليه المال؛ لأن الظاهر أنه ليس ثم غيره مع أن الأصل عدم غيره.
ولو كان بدل الابن بنتاً، سلم إليها النصف، والنصف الآخر لبيت المال؛ قاله البندنيجي.
قال: وإن كان أخاً، فقد [قيل]: لا يسلم إليه المال؛ للشك في أصل إرثه؛ وهذا قول ابن سريج؛ كما حكاه الماوردي هنا، ونسبه البندنيجي إلى أبي إسحاق؛
стр. 9194
[وكذا الماسرجسي] في كتاب الإقرار نسبه إليه وإلى ابن أبي هريرة.
وقيل: يسلم [إليه] – وهو الأصح- نظراً للظاهر؛ كما في الابن؛ وهذا قول الجمهور؛ كما حكاه الماوردي، وقال: إن الوجهين يجريان في ابن الابن؛ لأنه يحتمل أن يحجب كالأخ.
وأجراهما البندنيجي في الجد أيضاً.
ثم محل الخلاف في الأخ إذا شهدت البينة بوراثته من أخيه، أما إذا شهدت بأنه أخوه، وسكتت عن وراثته – فقد حكى الإمام عن العراقيين: أنهم قالوا: لا يسلم إليه شيء [إلا] بعد الخبرة وجهاً واحداً؛ فإن سكوتهم عن الوراثة يورث ريباً، ويشعر بأنهم يعرفون له حاجباً. ثم قال: وهذا ليس بشيء. والوجه: أن تُختبر، ثم يجري الوجهان، كما قدمناه.
وقد نسب القاضي أبو الطيب ما حكاه الإمام عن العراقيين إلى ابن سريج، وأنه قال: لو شهدت البينة بالبنوة، ولم تذكر أنه وارث، صرفنا إليه إذا لم يكن ثم حاجب بعد الكشف.
وأورده ابن الصباغ، ولم ينسبه إلى أحد.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنه لو جاء رجل، وادعى على رجل بأن فلاناً مات، وأنا ابنه، وشهد شاهدان بأنه ابنه- فظاهر المذهب: أن هذه الشهادة لا تسمع؛ لأنه يجوز أن يكون ابناً له، ولا يكون وارثاً، ومن أصحابنا من قال: تسمع؛ لأن الظاهر من حال الابن أنه وارث.
قال: ويستحب أن يؤخذ منه، أي: من الآخذ بحكم البحث، لا بحكم البينة كفيل؛ لاحتمال ظهور وارث آخر، وإنما لم يجب؛ لأن الظاهر عدم غيره، ولأنها وثيقة [بغير مطالب]؛ وهذا ما نص عليه في الإقرار.
وقيل: يجب؛ ليكون نفوذ الحكم على الأحوط؛ وهذا ما حكاه المزني هنا؛ حيث قال: طالبه بكفيل.
وقد جمع بعض الأصحاب بين النصين، وأثبت في المسألة قولين.
стр. 9195
وبعضهم امتنع من حكاية الخلاف في المسألة، وحمل النصين على حالين؛ [ولذلك] قال الشيخ:
وقيل: إن كان ثقة، استحب؛ للسكون إلى أنه لا يضيع حق من يظهر، وإن كان غير ثقة وجب؛ خوفًا من تضييعه حق من يظهر.
قال: والأول أصح؛ لأنه ظهر له الحق؛ فلا يطالب بكفيل.
وفي "الحاوي" طريقان آخران في الحمل:
أحدهما- وقد أورده البندنيجي وغيره-: أنه إن كان ممن لا يحجب، استحب؛ وإن كان ممن يحجب وجب.
والثاني: إن كان موسرًا ذا مال ظاهر، لم يجب، وإن كان معسراً وجب.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: [أنه] إن كان ممن يحجب، وجب قولاً واحداً، وإلا فوجهان.
وقال الفوراني: الصحيح: أن في مطالبتهما جميعاً قولين؛ لأن الابن يحجب حجب نقصان؛ كما يحجب الأخ حجب حرمان.
فإن قيل: ألستم تقسمون مال المفلس بين غرمائه بعد إشاعة أمره من غير ضمين مع جواز ظهور غريم آخر، فما الفرق؟
قيل: الفرق أن حقوق الغرماء متحققة، وحقوق هذا الوارث غير متحققة.
قال الماوردي: ثم إذا دفع إليه الحاكم المال على ما وصفنا، كتب قضية ذكر فيها: أنه دفع المال إليه بعد الكشف الظاهر من غير حكم قاطع بأمر الاستحقاق؛ ليكون إن ظهر له شريك في الميراث غير مدفوع بنفوذ الحكم عليه بإبطال حقه منه؛ ليتمكن من المطالبة وإقامة البينة.
قال: ومن وجب له حق على رجل، وهو مقر، أي: في الظاهر، غير مماطل – لم [يجز أن] يأخذ من ماله [بغير إذنه]؛ لأن له الخيار فيما يقضي به الدين من أي أمواله شاء؛ فلا يجوز إبطاله عليه، فلو خالف وفعل كان آثماً، ويجري على
стр. 9196
آخذه حكم الغاصب؛ فيجب [عليه] رده، ولو كان من جنس دينه، ولا يكون تقاصًّا وإن رأينا التقاص؛ لأنه يختص بما في الذمم دون الأعيان؛ لمعنيين ذكرهما القاضي أبو الطيب:
أحدهما: أنهما إذا كانا في الذمة، فلا فائدة لأحدهما بمطالبة الآخر بما [له] في ذمته، بخلاف العين؛ لأنه يجوز أن يكون له فيها غرض صحيح، مثل: أن تكون تذكرة من صديق له، أو ميت له، أو يعلم أنه حلال طلق؛ فيجب صرفها في غير ذلك الوجه؛ فلأجل غرضه منعنا غريمه من أخذها بغير اختياره.
والثاني: أن التقاص إبراء؛ بدليل أنه لا يفتقر إلى إيجاب وقبول؛ كما لا يفتقر الإبراء إليهما، وقد أجمعنا على أن الإبراء لا يصح إلا بما في الذمة؛ فكذلك التقاص.
نعم، لو تلف المأخوذ في يد الآخذ، وكان من الجنس جرى التقاص حينئذٍ.
قال: وإن كان منكراً، أي: في الظاهر؛ كما قاله البندنيجي وابن الصباغ، وله بينة – فقد قيل: يأخذ؛ لأن هنداً قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وإنه لا يعطيني ما يكفيني وولدي [إلا ما أخذت منه سرًّا؟ فقال لها رسول الله ﷺ : "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف] "، فأذن لها في الأخذ مع القدرة عليه بالحاكم؛ لأن وجوب ذلك عليه ظاهر.
ولأن في حضور الشهود وتعديلهم عند الحاكم، وسماع البينة – تطويلاً ومشقة، وربما كان فيه غرر؛ لأن الشهود ربما جرحوا.
وقيل: لا يأخذ؛ لأن البينة حجة يمكنه أن يأخذ حقه بها؛ فكانت بمنزلة إقراره بالدين وهو مماطل؛ كذا قاله أبو الطيب، ومقتضاه: أن المقر المماطل لا يجري فيه الخلاف المذكور، وهو [ما] صرح به الإمام والغزالي.
وفي "الحاوي" و"الرافعي" التسوية بين المقر المماطل، والمنكر الذي عليه البينة
стр. 9197
في إجراء الخلاف في جواز الأخذ، لكن الماوردي خص الخلاف فيهما بما إذا كان المأخوذ من غير الجنس، [وقال فيما إذا كان من الجنس]: إنه يجوز وجهاً واحداً؛ لأن إحواجه إلى المحاكمة عدوان من الغريم، وكلام الشيخ الآتي من بعد يقتضي إجراء الخلاف في الحالين.
ثم ما الصحيح من الوجهين في مسألة الكتاب؟
الذي يقتضيه كلام الماوردي: أنه الأول؛ لأنه قال: [إن القائل به هو الذي رأى أن له البيع] بنفسه.
ومقابله: رأي من قال: [إنه] لا يبيع بنفسه.
وقد صرح بأن الصحيح الأول القاضي أبو الطيب؛ كما قال الرافعي، وتبعه المصنف والروياني وصاحب "المرشد" والفوراني.
وفي "الرافعي": أنه يروي عن أبي إسحاق وابن أبي هريرة، وهذه الرواية إن صحت كان فيها مخالفة لما قاله الماوردي؛ لأن ابن أبي هريرة من القائلين بأنه لا يبيع بنفسه.
قال: وإن كان منكراً، ولا بينة له – فله أن يأخذ؛ لعجزه عن حقه إلا بأخذه بنفسه.
قال الماوردي والبندنيجي وابن الصباغ وغيرهم: وهكذا لو كانت له بينة، وعجز عن الأخذ؛ لقوة سلطان الغريم.
وعن القفال في مسألة الكتاب: أنه ليس له الأخذ، بل يقتصر على التحليف.
وعلى الأول: لو كان صاحب الحق يرجو إقراره لو حضر عند القاضي، وعرض عليه اليمين- وجب إحضاره، ولم يجز له الأخذ إن قلنا: إنه لو كان مقرًّا مماطلاً؛ لم يجز له الأخذ؛ قاله الرافعي.
стр. 9198
قال: وإن كان – [أي:] المأخوذ – من غير جنس حقه، باعه بنفسه- أي: من غير حاكم- لأنه قد يتعذر [عليه] إثبات حقه عند الحاكم، فوليناه بيعه بنفسه؛ لأجل الضرورة؛ كالآخذ؛ وهذا قول أكثر الأصحاب في "الحاوي".
وفي "تعليق" القاضي أبي الطيب و"الشامل" نسبته إلى الإصطخري.
وقال البندنيجي: إنه المنصوص.
وقيل: يواطئ من يقر له بحق عند الحاكم، وأنه ممتنع؛ لبيع الحاكم عليه؛ لأنه لا ولاية له على الغريم، ولا نيابة، وللحاكم الولاية على الممتنعين بغير حق؛ فكان له سلوك هذه الطريقة؛ توصلا إلى استيفاء حقه؛ وهذا قول ابن أبي هريرة.
وما ذكره الشيخ من تصويره موافق لما أوره القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ عنه؛ فإنهم حكوا عنه أنه قال: يواطئ رجلاً يحضر معه مجلس الحكم، ويقر له بدين، وأن المال الذي في يده رهن عنده بما له عليه من الدين، ويمتنع من بيعه؛ حتى يبيع الحاكم عليه، ويوفيه الثمن.
وفي "الحاوي": أن ابن أبي هريرة صور ذلك بأن يأتمن رجلاً، ويحضره إلى الحاكم، ويدعي عليه أن له ديناً على غريم، وقد ائتمن هذا على ما في يده أن يبيعه [في ذمتي، وأسأل إلزامه ببيع ذلك، وإلزامه قضاء ديني من ثمنه،
стр. 9199
[ويعترف الحاضر] بما ادعاه من الدين وائتمانه على ما في يده؛ ليباع في دينه؛ فيأمر الحاكم ببيعه.
قال: والأول أصح؛ لأن في هذه المواطأة فجوراً وغروراً؛ فإن الحكم وإن وقع موافقاً لما في نفس الأمر، فسببه في الظاهر باطل، ولا يجوز سلوك مثل ذلك ليقع الحاكم فيه؛ كما نقول فيمن ظاهره العدالة، وهو فاسق: لا يحل له الإقدام على الشهادة بحق عند من يراه عدلاً؛ لهذا المعنى.
وما ذكره ابن أبي هريرة من أنه ليس بوالٍ ولا نائب، فجوابه: أن الإذن قد يسقط عند تعذره؛ كما تؤخذ الزكاة ممن هي عليه، ولا يؤديها، ويسقط إذنه.
وفي "التهذيب" موافقة الشيخ على التصحيح إذا لم يكن للآخذ بينة، أما إذا كانت، قال: فظاهر المذهب: أنه لا يبيعه إلا بإذنه.
وقد سلك المراوزة في حكاية الخلاف في البائع طريقاً آخر، فقالوا: أحد الوجهين: أن الظاهر [أن] يبيع بنفسه.
والثاني- وهو ما اقتضى إيراد الغزالي في "الوجيز" ترجيحه-: أنه يرفع الأمر إلى الحاكم؛ ليبيع بعد إقامة البينة على استحقاق المال.
قال الشيخ أبو محمد في "السلسلة": وهما مبنيان على أن ملتقط اللقيط إذا وَجَد معه مالاً مشدوداً على ثوبه، وأراد أن ينفقه عليه- فهل له ذلك استقلالاً، أم يرفع
стр. 9200
الأمر إلى القاضي؟ ويحكى [مثل] هذا عن القفال.
قلت: وعلى هذا الطريق ينطبق قول الماوردي فيما إذا كان له بينة، هل يأخذ غير جنس حقه؟ فيه وجهان: من جوز له البيع [بنفسه]، جوز له الأخذ، ومن منعه من البيع؛ لم يجوز؛ لأنه لا فائدة في الأخذ إذاً؛ فإنه يحتاج إلى أن يرفع الأمر إلى القاضي، ويقيم البينة على استحقاق المال.
وقد حكى الرافعي عن رواية الشيخ أبي حاتم القزويني وجهين في أن القاضي هل يأذن [له] في البيع، أو يفوضه إلى غيره.
وإذا قلنا بالأصح في الكتاب، فإذا باع فلا يبع إلا بنقد البلد إن كان حقه من جنسه، فإن كان [الثمن] قدر حقه أخذه، وإن كان أقل من حقه فكذلك، ويبقى الباقي [له] في ذمة الغريم.
وإن [كان] أكثر من حقه: إما لبيعه بأكثر من ثمن مثله، وإما لكونه لم يقدر على أخذ شيء إلا وقيمته أكثر من حقه، ولم يتمكن من بيع بعضه؛ لعدم تجزئه- أخذ قدر حقه، ورد الباقي عليه بطريقه، فإن لم يقدر على إعطائه له، حفظه عليه.
ولو كان حقه من غير نقد البلد، مثل: البر، والشعير- فعن طائفة من المحققين: أنه يبيع بجنس حقه؛ خشية من التطويل.
قال الإمام: وهو حسن.
ومنهم من قال: لا يبيع إلا بنقد البلد، ويشتري بالثمن جنس حقه، فلو كان حقه دراهم مكسرة، ووجد دراهم صحاحاً- باع بالذهب وإن كان غير نقد البلد؛ للضرورة.
ولو أراد من جوزنا له البيع أن يتملك المأخوذ بحقه، فالذي أورده البندنيجي وابن الصباغ والمصنف: المنع؛ لأنه يؤدي إلى أن يبيع من نفسه، وتلحقه التهمة فيه.
وقيل: يجوز.
قال الإمام: وهو غير معتد به. وإيراد الغزالي يفهم أن القائل بجواز التملك
стр. 9201
لا يجوز البيع له.
وكل هذا إذا لم يقدر على الأخذ من جنس حقه، فإن قدر على جنس حقه، لم يأخذ غير جنسه؛ وهذا ما جزم به الماوردي وغيره، فإن خالف واحد؛ كان عاصياً.
وقيل: لا يجوز أخذ غير الجنس وإن لم يقدر إلا عليه؛ حكاه الإمام والفوراني قولاً؛ فعلى هذا: لو كان حقه دراهم مكسرة، فظفر بدراهم صحاحاً، فهل له أخذها؟ فيه وجهان، أصحهما: نعم.
وقيل: يجوز أن يأخذ غير الجنس وإن قدر على الجنس؛ حكاه في "التهذيب" وجهاً.
والذي حكاه العراقيون والماوردي: الأول، واستدلوا بجواز أخذ [غير] الجنس وإن كان من غير الأثمان بقصة هند؛ فإن لها من الحقوق المختلفة ما يعلم تعذر وجود جنسها في مال أبي سفيان.
ومحل القولين بمنع أخذ [غير] الجنس إذا كان الغريم مصدقاً لملكه له، أما إذا كان الغريم منكراً؛ لكونه ملكاً له، جاز أخذه وجهاً واحداً؛ صرح به الإمام في كتاب الوكالة، وقال: إنه مقطوع به، فليفهم الناظر ذلك.
وقد حكيت في باب الوكالة عن الأصحاب الخلاف فيه [أيضاً].
قال: وإن تلفت العين في يده، تلفت من ضمانه؛ لأنه أخذ العين بغير إذن مالكها لغرض نفسه؛ فكانت من ضمانه؛ كما لو اضطر [إلى] طعام الغير، فأخذ منه، وهذا ما اختاره في "المرشد".
فعلى هذا قال البندنيجي: إن كان ثمنها من جنس حقه، كان قصاصاً على المذهب الصحيح.
وقيل: تتلف من ضمان الغريم؛ لأنه استحق أخذها وصرف ثمنها في دينه؛ فأشبهت المرهون؛ وهذا أصح عند الروياني، كما قال الرافعي.
فعلى هذا له أن يأخذ غيرها، وقد رجع حاصل الخلاف إلى أن يده على المأخوذ
стр. 9202
من غير [جنس الحق] قبل البيع: يد ضمان، أم يد أمانة؟ ومحلهما- كما قال الماوردي- إذا لم يتمكن من بيعها، فإن تمكن، واستبقاها، ضمنها وجهاً واحداً.
وسلك الإمام طريقاً آخر، فقال: إذا ظفر بغير جنس حقه، وقيمته قدر حقه، وتلف في يده – ضمنه وجهاً واحداً.
ولو لم يقدر إلا على أخذ ما تزيد قيمته على قدر حقه، فهل يدخل الزائد في ضمانه؟ فيه وجهان.
أحدهما: نعم؛ كالأصل.
والثاني: لا؛ لأنه لم يأخذه بحق نفسه.
ولهذه المسألة فروع:
لو لم يتمكن من الأخذ إلا بثقب الجدار، قال القاضي الحسين: جاز له، ولا ضمان عليه؛ كما [في] دفع الصائل.
ولو أخذ ثوباً قيمته عشرة [وحقه عشرة]، فبقي الثوب في يده حتى بلغت قيمته عشرين- فتلك الزيادة محسوبة عليه، وإن انتقصت قيمة الثوب.
فإن كان البيع ممكناً، فالنقص محسوب عليه؛ إن لم يرد العين لتلف أو بيع، وإن ردها فلا شيء عليه.
وإن لم يتمكن من البيع، ثم أمكن؛ خرج على الوجهين.
ولو غصب إنسان عينًا من إنسان، وظفر المغصوب منه بعين للغاصب والامتناع قائم- قال الإمام: فله أن يأخذها، ويبيعها، وينتفع بقيمتها؛ كما لو أبق العبد المغصوب. ثم قال: فإذاً البيع بنفسه ظاهر المذهب.
وإذا رد الغاصب العين؛ رد الظافر قيمة العين.
стр. 9203
ولو كان لإنسان على آخر دين، فقال: اشتريت منك دارك بذلك الدين، وقبضتها، فأنكر- جاز لصاحب الدين المطالبة به؛ قاله الرافعي في آخر الخلع.
ولو كان لإنسان على شخص دين، وعليه لذلك الشخص دين [آخر]، فإن لم يجر التقاص إلا بالتراضي، وجحد أحدهما صاحبه، وحلف- فهل للآخر أن يجحد؟ فيه وجهان.
ولو كان للمجحود على الجاحد دين آخر قد قبضه، وله بينة بأصل الدين – فله إقامة البينة، وطلب ذلك الدين؛ كما قاله القاضي أبو سعد.
وعن "فتاوى" القفال: لا؛ لأنهم لو شهدوا، وقال المدعى عليه: إني قضيت ما [شهدت بينته به]، وطلب يمينه- لم يكن له أن يحلف؛ وذلك يدل على أن ما شهد به غير ما يدعيه.
ولو كان للجاحد أو المماطل على شخص دين، فيجوز للمجحود دينه أن يأخذ من مال مديون الجاحد قدر دينه، ولا يمنع من ذلك رد الجاحد، وإقرار المدين له، ولا تكذيب المدين للمدعي على الجاحد؛ كذا قاله الرافعي.
وقد نجز شرح مسائل الباب، ولنختمه بفروع تتعلق به:
أحدها: إذا اختلف الزوجان فيما في البيت، كان بينهما، إلا ما اختص به أحدهما، وثبت يده عليه حسًّا أو شرعاً، ويحلف كل واحد منهما على ما في يده، ولا فرق في ذلك بين أن يكون ما في البيت يصلح لهما، أو لا يصلح إلا للنساء، أو الرجال، سواء كانا مقيمين على الزوجية أو قد حصل الفراق.
وكذا لو كان الاختلاف بين ورثتهما، أو بين ورثة أحدهما وبين الآخر.
الفرع الثاني: إذا ادعى داراً في يد رجل، وقال: إنها ملكي، وأنت مبطل في استيلائك، وعليك ردها عليَّ، فقال المدعى عليه: لا يلزمني التسليم إليك، فأقام المدعي بينة على أن الدار ملكه، ولم تتعرض البينة لأكثر من إثبات الملك للمدعي- قال القاضي: ثبت الملك، ويكفي ثبوته، ويقال للمدعى عليه: إن أثبت
стр. 9204
استحقاقاً من استئجار، أو ارتهان، فادَّعِ وأثبت، وإلا فحكم الملك استيلاء المالك باسترداد الملك من يدك.
قال الإمام: وهذا فيه نظر؛ فإن البيت لم تشهد إلا على الملك، والملك لا ينافي استحقاق يد المدعى عليه؛ فلم تقم البينة على وجه يوجب إزالة اليد، وهذا عندي يقرب مأخذه من أن المالك وصاحب اليد إذا تنازعا في [الإعارة، والإجارة] فالقول قول من؟
فإن جعلنا القول قول المالك؛ فيكفي ثبوت الملك هنا، ثم باب الدعوى مفتوح لصاحب اليد، والقول قول المالك.
وإن جعلنا القول قول صاحب اليد، فلا تزال يده ما لم تتعرض البينة لكون صاحب اليد مبطلاً.
قال ابن أبي الدم: وما ذكره القاضي صحيح عندي، ولا يمكن فرض خلاف فيه في المذهب، وقاعدة المذهب تقتضيه، وليس كمسألة الإجارة التي ذكرها الإمام والخلاف فيها، والإشكال الذي ذكره ضعيف جدًّا، وبيانه: أن بينة الخارج موجبة لتقدمه شرعاً على يد الداخل إذا لم تقم له بينة بملك ولا بيد سابقة – مثلاً- ولا بأمر يعارض بينة الخارج.
وكون العين المدعى بها في يد الداخل لا يعارض مجرد هذا بينة الخارج إجماعاً، وإمكان كونها مستأجرة منه أو مرهونة عنده لا يقاوم بينة الخارج إذا سكت ذو اليد عن دعوى ذلك بلا خلاف أيضاً.
نعم، لو ادعى ذو اليد أن العين [بيده] بإجارة، صدق على أحد الوجهين بدعواه، أما عند سكوته فلا ذاهب إليه، ولا نعرف فيه خلافاً، والدليل على صحة ما ذكرناه: أنه لو ادعى عليه ثمن مبيع باعه منه، وسلمه إليه، فأجاب بالابتياع، وقبضه المبيع، وأن الثمن ما ذكره البائع للمدعي، وقال: لا يلزمني تسليم الثمن إليه، أو: ما يستحق عليَّ هذا الثمن، ولا شيئاً منه- فهذا لا يسمع منه إجماعاً وإن أمكن براءته منه.
стр. 9205
وهكذا لو ادعى عليه: أنه أتلف عليه ثوباً قيمته عشرة دراهم تعديًا، أو خطأ بغير إذن المالك، وطالبه بقيمته، فقال مجيباً: أتلفته بغير إذنك وهو ملكك، ولكن ما تستحق عليّ قيمته ولا شيئاً منها- فلا يسمع منه أيضاً إجماعاً مع إمكان الإبراء.
ولو قالت: تزوجني تزويجاً صحيحاً بولي مرشد وشاهدي عدل، على صداق مائة دينار، وسلمت نفسي إليه، ودخل بي، فقال مجيباً: تزوجتها [كذلك على ما ذكرت]، ودخلت بها، ولكنها ما تستحق علي هذا الصداق ولا شيئاً منه- فلا يسمع منه على المذهب الصحيح.
وحكي فيه وجه عن الشيخ أبي عاصم العبادي في "فتاويه": أنه يسمع منه، والقول قوله في نفي الصداق، ولم يذكره أحد من الأصحاب في كتب المذهب، ولا ذكره الشيخ أبو عاصم في إنكار الثمن في البيع.
والسبب في عدم قبول إنكاره مع إمكان البراءة: أنه اعترف بالسبب الشاغل لذمته؛ فلا يسمع منه نفيه إلا بدعوى قبض أو براءة؛ فهكذا في مسألتنا قيام البينة للخارج بسبب ظاهر في ثبوت الملك له، وترجيح [جانبه]، فإذا انضم إليه تصديق الداخل بها، تأكد الظهور، وقوي جانب المشهود له بالملك، واعترف بما يوجب عليه التسليم إليه؛ فيلزمه التسليم قولاً واحداً، وإن ادعى ناقلاً فعليه بيانه، أو ما يقتضي إبقاءه في يده فعليه إظهاره، أو إثباته قولاً واحداً، أو إظهاره والدعوى به على أحد الوجهين إن كان إجارة.
قلت: وكلام الأصحاب في الوديعة يدل على ما قاله ابن أبي الدم؛ حيث قالوا: لو ادعى وديعة، فقال: ما لك عندي شيء، فأقام المودع بينة بالإيداع، فقال: أودعني ولكنها هلكت- قبل قوله؛ فلو لم تكن إقامة البينة بالإيداع موجبة للمطالبة بالتمكين من الوديعة؛ لما احتاج المودع إلى دعوى التلف.
وكذا قول من قال من أصحابنا إذا مات المودع، ولم توجد الوديعة في تركته: إنه يضمن، فلو لم يكن مجرد الإيداع يقتضي وجوب الرد والمطالبة به، ودعوى التلف والرد هي المسقط للضمان- لما ضمنه؛ لأنه يحتمل التلف.
стр. 9206
نعم، الخلاف المشهور فيما إذا اختلف المالك ومن في يده العين في الإجارة والإعارة، هل المصدق المالك أو الآجر في استحقاق الأجرة أو قيمة العين، أو نفي ذلك، لا في أنه يصدق في عقد الإجارة حتى يتمكن من استيفاء المنافع إذا كان الاختلاف في أول المدة أو انتهائها؛ وحينئذٍ فلا يتجه التخريج المذكور منهما، والله أعلم.
الفرع الثالث: إذا كانت في يد شخص دار، فتنازع فيها نفسان، فقال أحدهما: كلها [لي]، وأقام على ذلك بينة، وقال الآخر: نصفها له، وأقام على ذلك بينة تعارضت البينتان في أحد النصفين، دون الآخر.
فإن قلنا بالتساقط، فكأن لا بينة في النصف المتعارض فيه، وهل تبطل الشهادة في النصف الآخر؟ قال ابن سريج: فيه وجهان؛ كما لو ردت الشهادة في بعض ما شهدته به للتهمة؛ فإن في [الباقي قولين].
قال الشيخ أبو حامد: وهذا سهو منه، بل لا يرد هاهنا في النصف الآخر قولاً واحداً، ويسلم لمدعي الكل؛ لأن سقوط هاهنا بالتعارض، وهو لا يسقطها فيما بقي. وهذا ما أورده الماوردي، وقال: إن يد الثالث هل تزال عن النصف الآخر إذا كان يدعي الدار ملكاً؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لسقوط البينتين بالتعارض.
والثاني: تزال؛ لاتفاق البينتين على عدم ملكه، وليس تعارضهما في حقه، وإنما تعارضهما في حق المتنازعين.
ولو لم يكن من في يده العين قد ادعاها ملكاً لنفسه، نزعت يده، ووقفت للمتنازعين، وهكذا على الوجه الثاني في المسألة السابقة، فإن حلفا جعل بينهما؛ فيكمل لمدعي الكل النصف والربع، ويكون لمدعي النصف الربع لا غير.
وإن نكلا، حكم لمدعي الكل بالنصف، وبقي [النصف] الآخر موقوفاً، فإن حلف أحدهما، ونكل الآخر، قُضي به للحالف؛ وهذا كله على قول التساقط.
стр. 9207
وإن قلنا بالاستعمال، لم يخف التفريع.
الفرع الرابع: إذا شهد شاهدان بأن خالداً سرق من زيد في وقت كذا، وشهد آخران: أنه سرق في ذلك الوقت من عمرو- فإن قلنا بالتهاتر فلا قطع، وإن قلنا بالاستعمال، قال القاضي في "الفتاوى": فلا يجيء قول القرعة، والوقف، ويجيء قول القسمة، فإن بلغ نصيب كل واحد منهما نصاباً، قطع، وإلا فلا.
الفرع الخامس: إذا كانت دار في يد ثلاثة: فادعى أحدهم أن نصفها ملكه، وباقيها في يده وديعة أو مستأجراً من فلان الغائب، وادعى الثاني: أن ثلثها له، وباقيها في يده [وديعة] لفلان الغائب، وادعى الثالث: أن سدسها له، وباقيها في يده لفلان الغائب، ولا بينة- فيحلف كل واحد منهم لصاحبيه على ما يدعيه، وتبقى اليد: فصاحب النصف يده على الثلث فهو له، وصاحب الثلث يده على الثلث [فهو له]، وصاحب السدس يده على الثلث، وهو يدعي السدس، ويقر بالباقي للغير؛ فيقبل قوله.
ولو أقام كل واحد منهم البينة على قدر ما يدعيه منها ملكاً؛ أعطي صاحب الثلث الثلث؛ لأن له بالثلث يداً وبينة، ويعطى صاحب النصف الثلث؛ لأن له به يداً وبينة، ويقضى لصاحب السدس بالسدس؛ لأن له [به] يداً وبينة، وبقي هناك سدس في يد صاحب السدس، ولا بينة له، وصاحب النصف يدعي عليهما معاً السدس؛ بدليل: أنهما لو أنكرا؛ حلف له كل واحد منهما؛ فلهذا جعلنا
стр. 9208
السدس بين صاحب النصف والسدس.
الفرع السادس: إذا كانت الدار في يد ثلاثة، فادعى أحدهم ملك جميعها، وأقام عليه بينة، وادعى آخر ملك نصفها، وأقام عليه بينة، وادعى الآخر ملك ثلثها، ولا بينة له- سلم لصاحب النصف الثلث؛ لأن له عليه يداً وبينة، ولصاحب الثلث الثلث – أيضاً- لأن له عليه يداً وبينة، والثلث الذي في يد الآخر لا بينة له عليه، وقد قامت بينة صاحب- الكل على استحقاقه، وبينة صاحب النصف على استحقاق نصفه- فلا تعارض في نصفه- وهو السدس- فيسلم لمدعي الكل، ووقع التعارض في السدس الآخر، فإن قلنا بالتساقط سلم لمن هو في يده، وإلا جاءت أقوال الاستعمال فيه.
قلت: ويجيء في ذلك الوجه الذي حكيناه عن ابن سريج في أن البينة إذا لم تسمع في بعض ما شهدت به- لأجل التعارض- تسقط بجملتها على قولٍ؛ فعلى هذا تكون الدار بينهم أثلاثاً بعد أيمانهم، لكن الأصحاب لم يذكروه؛ لضعفه عندهم، والله أعلم.
* * *
стр. 9209
كفاية النبيه
شرح التنبيه
الجزء التاسع عشر
تتمة كتاب الأقضية- كتاب الشهادات
стр. 9210
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
باب اليمين في الدعاوى
إذا ادعى رجل على رجل حقاً، فأنكر [المدعى عليه]، ولم تكن للمدعى بينة- فإن كان ذلك في غير الدم، حلف المدعى عليه، لما روى أبو داود عن ابن أبي مليكة- وهو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة- قال: كتب إلى ابن عباس [أن رسول] الله ﷺ ((قضى باليمين على المدعى عليه))، وأخرجه البخاري ومسلم.
وروى مسلم عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: ((لو أعطى الناس بدعاويهم، لا دعى ناس دماء ناسٍ وأموالهم، ولكن البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه)).
قال: فإن نكل عن اليمين، فإن كان الحق لغير معين: كالمسلمين، أي: كمال من مات، ولا وارث له، إذا وجد في دفتره ما يدل عليه.
قال: والفقراء: كمال الموصى به لهم إذا ادعاه من أسندت تفرقته إليه على الورثة.
قال: حبس المدعي عليه حتى يحلف، أو يدفع الحق، لأنه لا يمكن القضاء بالنكول من غير يمين، لأن الحقوق تثبت بالإقرار أو البينة، وليس النكول واحداً منهما، ولا يمكن رد اليمين، لأن المستحق غير متعين، ولا يمكن تركه، لما فيه من ترك الحق، فتعين فصل الخصومة بما ذكرناه.
وقيل: يقضى عليه بالنكول، للضرورة، وهذا [ما] قاله الإصطخري.
وحكى الإمام عن شيخه وجهًا: [أنا نخليه]، ولا نقضي عليه، غير أنا
следующие страницы →