← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 9311–9350 · переход к 9316.

стр. 9311

قال الغزالي- تبعًا لإمامه-: وما ذكرناه في سماع الأوتار مفروض فيما إذا لم يكن الإقدام عليه مرة يشعر بالانحلال، أما إذا كان فالمرة الواحدة ترد بها الشهادة. وطرد الإمام ذلك فيما جانس ذلك. واللعب بالنرد ملحق بالقسم المختلف فيه، لأن الشيخ أبا محمد قال: إنه من الصغائر مع القول بأنه محرم. والصحيح على [هذا] أنه من الكبائر، وطرد الإمام فيه التفصيل الذي ذكرناه في المزمار. وقد عاد القاضي الحسين من الصغائر ترك السنن الراتبة، وكذا دعاء الاستفتاح، أو تسبيحات الركوع والسجود، وتبعه في ((التهذيب)). وعن أبي الفرج حكاية وجه في ترك غير الوتر وركعتي الفجر-[أنه لا ترد الشهادة باعتياد تركها. قال القاضي]: ولو أبدل الوتر وركعتي الفجر بقضاء الفوائت، ردت. وعد في ((العدة)) من الصغائر: النظر بالعين [إلى ما] لا يجوز، [و] الغيبة، والضحك من غير عجب، والكذب الذي لا حد فيه ولا ضرر، والاطلاع على بيوت الناس، وهجر المسلم فوق ثلاث، وكثرة الخصومات وإن كان الشخص محقًا، والسكوت عن الغيبة والنياحة والصياح وشق الجيب في المصائب، والتبختر في المشي، والجلوس مع الفساق متأنسًا بهم، والصلاة المكروهة في الأوقات المكروهة، والبيع والشراء في المسجد، وإدخال الصغار والمجانين والنجاسات فيه، وتخطي رقاب الناس [يوم الجمعة]، والكلام والإمام يخطب، والتغوط مستقبل القبلة، وفي طريق المسلمين، وكشف العورة في الحمام. قال الرافعي: ولك أن تتوقف في كثرة الخصومات للمحق، وتقول: ما ينبغي أن تكون بمعصية أصلًا، إذا راعى حد الشرع. وفي تخطي الرقاب يوم الجمعة،

стр. 9312

فإنه معدود من المكروهات دون المحرومات، وكذلك الكلام والإمام يخطب. قلت: وهذا منه يدل على اختصاص الصغائر بالمحرمات، وهو الأقرب، لكن سنذكر أن اللعب بالشطرنج ليس بمحرم على المذهب، و [قد] عده الغزالي من الصغائر. وفي ((البحر)): أن من كذب عن قصد، ردت شهادته، وإن لم يكن [يقع بقوله ضرر على أحد غيره، لأن] الكذب حرام بكل حال. قال القفال: إلا أن يقوم ذلك على مذهب الكتاب والشعر في المبالغة في الكلام، وقد عد في ((الأيام)) من الصغائر. وقال ابن الصائغ: غشيان الدعوى بغير دعاء من غير ضرورة، وعدم استحلال صاحب الطعام، لأنه قال: إذا تتابع ذلك منه ردت شهادته، لأنه يأكل محرمًا إذا كانت الدعوة دعوة رجل بعينه، فأما إذا كانت دعوة سلطان أو شبيه به، فيدعو الناس إليه، فهذا طعام عام، فلا بأس به. وفي ((الزوائد)): أن الطبري عد من الصغائر [من] يهازل زوجته أو جاريته بحيث يسمع غيره، فإن جاء به نادرًا لم ترد [به] الشهادة، [فإن أكثر] منه ردت به. وقد عد الغزالي منها: شرب الحنفي النبيذ. والمنقول عن الشافعي أنه قال: الحنفي إذا شرب النبيذ حددته، وقبلت شهادته. وأن المزني قال: كيف يحد من شرب قليلًا من نبيذ شديد، وتجوز شهادته؟! فمن الأصحاب من قال المزني: يختار أنه لا يحد، كما لا يفسق، وهذا ما حكاه الماوردي والجمهور عنه، وجعله بعض الأصحاب وجهًا. [ومنهم من قال: إنه يختار: أنه يفسق، كما يحد، وجعله بعض الأصحاب وجهًا]، وبذلك يحصل في المسألة ثلاثة أوجه: أصحها: المحكي عن النص، ولم يورد العراقيون والماوردي سواه، وفرقوا بين الحد والفسق بفروق: أحدها: أن الحد آكد من الفسق، ولذلك يسقط الفسق بالتوبة دون الحد.

стр. 9313

الثاني: أن الغرض بالحد الزجر والردع، ويحتاج شارب القليل إلى الردع عنه، لأنه قد يدعوه إلى كثيره، وربما سكر منه، ورد الشهادة مأخذه عدم الثقة بقوله، وإذا لم يعتقد التحريم لم تسقط الثقة بقوله. الثالث: إن الحد إلى الإمام، فاعتبر فيه اعتقاده، ورد الشهادة يعتمد عقيدة الشاهد، ولهذا لو غصب جارية، ووطئها على اعتقاده: أنه يزني، ثم تبين أنها كانت مملوكة [له]- فسق، وردت شهادته. ولو وطئ جارية الغير عن ظن أنها جاريته، لا ترد شهادته. وعلى هذا لو كان الشارب لما لا يسكر من النبيذ يعتقد التحريم- كالشافعي- ففي رد شهادته بذلك وجهان: أحدهما: لا ترد، لأنه اعتقد تحريمه بطريق مظنون، فالشبهة فيه قائمة، ولأن استحلال الشيء أشد من فعله، ولهذا لو استحل الزنى كفر، ولو فعله لم يكفر، وإذا لم ترد شهادة مستحل الشرب، فشهادة الشارب أولى، وهذا يحكي عن ابن أبي هريرة، ولم يحك القاضيان: أبو الطيب والحسين في ((تعليقهما)) سواه، وعيه يدل النص في ((المختصر)) حيث قال: ومن شرب سواها- أي: سوى الخمر الصرف من المنصف، أو الخليطين- فهو آثم، ولا ترد شهادته إلا أن يسكر، وإنما يؤثم من يعتقد التحريم، ولهذا رجحه ابن الصباغ والمصنف والمتأخرون من الأصحاب، كما قال في ((البحر)). وعلى هذا فإنما يحكم بالفسق ورد الشهادة إذا ارتكب مجمعًا على تحريمه، لأن من فعل ما لا شبهة له فيه، يكون مقدمًا على مقطوع بتحريمه، فيخاف منه شهادة الزور المحرمة بالإجماع. والثاني- ويحكى عن أبي إسحاق-: أنها ترد، لأنه [إذا] ارتكب ما يعتقده محظورًا، لم يؤمن جراءته على شهادة الزور وسائر المحظورات، وهذا ما أورده الإمام، كما قال الرافعي والماوردي، وقال ابن الصباغ: إن القاضي حكاه في ((المجرد))، وحكى في ((البحر)): أن القاضي أبا الطيب وجماعة رجحوه، وعليه ظاهر النص، فإنه قال في ((الأم)): وإذا كان الرجل المستحل [الأنبذة] يحضر مع أهل السفه الظاهر، ويترك لها حضور الصلوات، وينادم عليها- ردت

стр. 9314

شهادته بطرحه المروءة، وإظهاره السفه، فإذا لم يكن ذلك معها، لم ترد شهادته من قبل الاستحلال، وهذا نص صريح على الفرق. قال القفال: وعلى هذا: لو نكح بغير ولي، ووطئها، فإن اعتقد الإباحة لا ترد شهادته، وإن اعتقد فساده ردت شهادته، وعليه يدل نص الشافعي الذي حكاه في ((البحر)) بعد ذلك: أن الشافعي قال: والمستحل لنكاح المتعة، والمفتي بها، والعامل بها- لا ترد شهادته، ولا يحد. وعلى هذا- أيضًا- لو شرب من لم يعتقد الإباحة في ذلك ولا الحظر، ما لا يسكر من النبيذ مع علمه باختلاف أهل العلم في إباحته وحظره- قال في ((الحاوي)): ففي فسقه ورد شهادته بعد وجوب الحد عليه، وجهان لأصحابنا: قال البصريون: هو فاسق مردود الشهادة، لأن ترك الاسترشاد في الشبهات تهاون بالدين، فصار فسقًا. وقال البغداديون: هو على عدالته وقبول شهادته، لأن اعتقاد الإباحة أغلظ من الشرب كما ذكرنا، ولو اعتقد الإباحة لم يفسق. [وحكم المقلد فيما ذكرناه حكم مقلده إذا فعل، صرح به في ((البحر)) وغيره. ولا خلاف أنه إذا شرب من النبيذ ما أسكره: أنه يفسق]، لقيام الإجماع على أن السكر حرام، وما ألحقه الشافعي من عصير العنب بالنبيذ إذا كان مختلطًا، فهو- كما قال الماوردي- إذا خلط بالماء قبل أن يصير مسكرًا، [أما إذا خلطه بعد أن صار مسكرًا] فهو كالخمر. وكما يفسق شارب الخمر يفسق بائعها، لأنه- ﵇ لعنه كالشارب، ولا يفسق عاصرها ومعتصرها وإن شملتهما اللعنة. قال الرافعي: لأنه قد لا يتخذها خمرًا، ولهذه العلة قلنا لا يفسق أيضًا إذا باع العصير ممن يعلم أنه يتخذه خمرًا. ولفظ القاضي أبي الطيب يفهم خلافه، فإنه قال: إذا باع العصير من رجل، نظر: فإن كان لا يعلم أنه يعمله خمرًا، فإن ذلك لا يؤثر في عدالته، لأنه لا يعلم حقيقة ما يفعل به، لأنه ربما فعل به غير الخمر.

стр. 9315

قال ابن الصباغ: ولا يفسق الممسك، لأنه يجوز أن يمسكها، ليخللها، والتخليل مختلف في جوازه. [و] في ((تعليق)) البندنيجي أن الشافعي قال: لو اتخذ الخمر، لم أرد شهادته بذلك، لأنه قد يغيرها بأن يخللها، وقد يريقها. وفي ((الحاوي)): أنه [إذا] أمسك الخمر، وقصد به أن تنقلب فتصير خلًا، جاز، [ولم] يفسق به، [لأنه] يحل بالانقلاب. وإن قصد ادخارها على حالها، كان محظورًا يفسق به، لأن إمساكها داع إلى شربها، وما دعا إلى الحرام محظور. فرع: حكى في ((البحر)) في الفروع المذكورة قبل كتاب الشهادات: أن العدل لو نوى أن يواقع كبيرة غدًا: كالقتل، والزنى- لم يصر به فاسقًا. وإذا نوى المسلم أن يكفر غدًا فهل يكفر في الحال؟ فيه وجهان، والصحيح: أنه يصير كافرًا في الحال. والفرق: أن نية الاستدامة في الإيمان شرط، والنية لا توجب في حق من لا ذنب له، فإنه ليس الأصل وجوب الفسق، والأصل فقد الإيمان، وإيجاب فعله. واعلم أنه قد دخل فيما ذكره الشيخ الكافر، لأن الكفر- كما ذكرنا- من أكبر الكبائر. قال الأصحاب: ولا فرق في عدم قبول شهادته بين أن تكون على مسلم أو كافر، موافق له في الاعتقاد أو مخالف. قالوا: ولا حجة لمن سمع شهادتهم على أهل دينهم في قوله ﷺ : ((لا تقبل شهادة أهل دين على غير أهل دينهم إلا المسلمين، فإنهم عدول على أنفسهم، وعلى غيرهم))، لأن هذا الخبر لو دل لهم فإنما يدل بالمفهوم، وهم لا يقولون به. ولا يقال: أنتم تقولون [به]، فكيف خالفتموه؟ لأنا نقول: إنما نقول به في الموضع الذي لا يكون غيره أقوى منه، [وهنا ما هو أقوى منه].

стр. 9316

وأيضًا: فإن دليل الخطاب إنما نقول به في الموضع الذي لا يئول إلى إبطال نطقه، أما إذا أدى إلى إبطال نطقه فلا نقول به، لأن النطق أقوى منه، لأنه أصله، والأصل إذا بطل طل الفرع، والأمر ها هنا كذلك، والله أعلم. قال: ولا تقبل ممن لا مروءة له: كالكناس، والنخال، والقمام- أي: الذي يجمع القمامة- بضم القاف- وهي الكناسة، ويحملها، والفعل منه: قم، يقم- والقيم في الحمام، والذي يلعب بالحمام- أي: مثل أن يتخذها، ليطيرها، وينظر تقلبها في الجو، ويشغله ذلك عن إيقاع الصلوات في وقتها، كما ذكرناه في اللعب بالشطرنج، أو يقترن بذلك قمار، كذا صوره أبو الطيب وغيره. والقوال، أي: المعنى للناس، سواء أتوه إلى موضعه أو أتاهم، دون ما إذا كان لا ينسب نفسه إليه، وإنما يترنم لنفسه، فإنه لا ترد شهادته. والرقاص، أي: الذي يعتاد الرقص، يقال: رقص يرقص رقصًا. والمشعوذ، ومن يأكل في الأسواق، أي: ينصب مائدة، وهو مما لا يعتاد مثله ذلك، دون من عادته أن يأكل القليل على باب دكانه، لشدة جوعه، كما قاله البندنيجي، أو كان ممن عادتهم أن يتغدوا في الأسواق: كالصباغين، كما قاله القاضي الحسين. وكذا السماسرة الذين لا حشمة لهم، ولا وجاهة. ويمد رجله عند الناس- أي: من غير مرض، كما قاله البندنيجي- ويلعب بالشطرنج على الطريق، وكذا كشف ما ليس بعورة من بدنه، والحكايات المضحكة، وذكر أهل وزوجته بالسخف، كما ذكره ابن الصباغ، ونحو ذلك. والأصل في هذا: أن حفظ المروءة من دواعي الحياء ووفور العقل، فطرحها إما أن يكون لخبل [في العقل] ونقصان، أو لقلة حيائه ومبالاته بأمر نفسه، وعلى كلا التقديرين، فعدم الثقة بقوله حاصل: أما المخبل فظاهر، وأما الآخر، فلأن من لا حياء له، صنع ما شاء، روى أبو مسعود البدري عن النبي ﷺ أنه قال: ((مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت)).

стр. 9317

ولأن من أطرح التحفظ في حق نفسه، كان أولى أن يقل تحفظه في حق غيره. وقد تكلم الأصحاب في ضبط المروءة، واختلفت عباراتهم مع تقاربهم: فمن قائل: حفظ المروءة: أن يصون نفسه عن الأدناس، ومما يشينها عند الناس. ومن قائل: أن يسير بسيرة أشكاله وأمثاله، من أهل عصره في زمانه ومكانه. ومن قائل: أن يحفظ نفسه من فعل ما يسخر به، ويضحك عليه بسببه. والمرجع فيها إلى العرف والعادة، فقد يكون الشيء مروءة لقوم، وتركه مروءة لآخرين، فإن السوقي لو تطيلس كان تاركًا للمروءة، وهو من الفقيه مروءة، والفقيه لو تمنطق وتقلنس، يكون تاركًا للمروءة، وذلك من الشرطي مروءة. قال الإمام: وكل هذا في ضبط ما لا يحرم في نفسه، ولو أقدم عليه المقدم لم يأثم ولم يعص، فإن حق الكلام في المروءة أن تفصل عن مقارفة الذنوب، والأقرب فيه أن يقال: كل انحلال عن انفصام المروءة يشعر بترك المبالاة والخروج عن المماثلة، فهو يسئ الظنون بالتحفظ بالشهادة. وقال الماوردي: المروءة على ثلاثة أضرب: ضرب يكون شرطًا في العدالة، وهو مجانبة ما يسخف من الكلام المؤذي، أو الضحك، وترك ما قبح من الفعل الذي يلهو به، أو يستقبح، لمعرته أو أذيته، فمجانية ذلك من المروءة التي هي شرط [في] العدالة، وارتكابها مفض إلى الفسق، وكذلك نتف اللحية من السفه الذي ترد به الشهادة، وهكذا خضابها سفه ترد به الشهادة، لما فيها من تغيير خلق الله. وفي ((البحر)) في الفروع المذكورة بعد كتاب الأقضية إبداء ما ذكره الماوردي في نتف اللحية احتمالًا موجهًا [له] بقوله ﷺ : ((إذا أبغض الله عبدًا ألهمه أكل

стр. 9318

الطين ونتف اللحية))، وهذا قاله بعد أن جزم القول بأن الشهادة لا ترد به، لأنه ليس بحرام وإن كان مكروهًا، وقال ها هنا: إن رد الشهادة به أصح عندي. وضرب لا يكون شرطًا فيها، وهو الإفضال بالمال، والطعام، والمساعدة بالنفس والجاه. وضرب مختلف فيه، وهو على ضربين: عادات، وصنائع. فأما العادات: فهو أن يقتدي فيها بأهل الصيانة [دون أهل البذلة في ملبسه ومأكله وتصرفه، فلا يتعرى من ثيابه في بلد يلبس فيه أهل الصيانة ثيابهم، ولا ينزع سراويله في بلد يلبس فيه أهل الصيانة] سراويلاتهم، ولا يكشف رأسه في بلد يغطي فيه أهل الصيانة رءوسهم. وإن كان في بلد لا يتحامى أهل الصيانة ذلك فيه، كان عفوًا: كالحجاز، و ((البحر)) الذي يقتصر أهله على لبس المئرز. وأما المأكل فلا يأكل على قوراع الطرق، ولا في مشيه، ولا يخرج عن العرف في مضغه، ولا يغالي بكثرة أكله. وأما التصرف فلا يباشر ابتياع مأكوله ومشروبه، وحمله بنفسه [في] بلد يتجافاه أهل الصيانة إلى نظائر هذا مما فيه بذلة وترك تصون. قال الإمام: إلا أن يتبع في ذلك رأي السلف، والتواضع، ويظهر أنه لم يفعله بخلًا ولا شحًا. قال الماوردي: وفي اعتبار هذا الضرب من المروءة في شروط العدالة أربعة أوجه: أحدها: أنه غير معتبر فيها، لأنه قد نقل عن النبي ﷺ والصحابة ما يقاربه. والثاني: أنه معتبر فيها وإن لم يفسق به، لأن العدالة في الشهادة للفضيلة المختصة بها، وهي تالية لفضيلة النبوة، قال الله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ الآية [البقرة:١٤٣]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ الآية [البقرة:١٤٣]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج:٣٣ - ٣٥].

стр. 9319

وما كان بهذه الفضيلة امتنع أن يكون مسترسلًا في البذلة، وليس ما فعله الصدر الأول بذلة، لأنه لم يخرج عن فعل أهله في الزهادة والانحراف عن الدنيا إلى الآخرة. والثالث: إن كان نشأ عليها من صغره لم تقدح في عدالته، وإن استجدها في كبره، قدحت في عدالته، لأنه يصير بالمنشأ مطبوعًا بها، وبالاستحداث مختارًا لها. والرابع: إن اختصت بالدين قدحت في عدالته: كالبول قائمًا، وفي الماء الراكد، وكشف عورته إذا خلا، وأن يتحدث بمساوي الناس. وإن اختصت بالدنيا لم تقدح في عدالته: كالأكل في الطريق، وكشف الرأس بين الناس، والمشي حافيًا، لأن مروءة الدين مشروعة، ومروءة الدنيا مستحسنة. واعلم أن الشيخ عد الكناس، والنخال، والقمام، والقيم في الحمام- ممن لا مروءة له، لأن تعاطيه هذه القاذورات وملازمته لها تدل على قلة مروءته، وكونها صنائع لا يمنع ذلك. لكن القاضي أبو الطيب وغيره من العراقيين أدرجوا ذلك في قسم أصحاب المكاسب الدنيئة التي سنذكرها من بعد، فأجروا فيها الخلاف. وعن أبي الفياض حكاية وجه فارق بين ما يحوج إلى مخامرة القاذورات والنجاسات، فترد به الشهادة، وبين ما لا يحوج إليه فلا ترد، فكأن الشيخ أخذ بها في ملابسه القاذورات، لكونه رآه أظهر فيها. وحكى الخلاف فيما لا يلابس فيه القاذورات، لأنه أبعد عن الدناءة، ولهذا رجح أنه لا يمنع القبول. وحكى القاضي [الحسين] عن الدراكي: أنه قال: لا تقبل شهادة الحمامي الذي يجلس على القبالة، لأنه ينظر إلى عورات الناس، فإن كان ممن يتورع عن ذلك قبلت شهادته. وحيث رددنا الشهادة بما ذكر، فذاك إذا اتخذه عادة. قال الأصحاب: ولو اتخذ الحمام للأنس أو الاستفراخ، أو لإنفاذه بالكتب لم يترد شهادته، وكذا إذا اتخذها ليطيرها وينظر تقلبها في الجو، ولم يلحقه

стр. 9320

بسبب ذلك سهو عن صلاة، ولا قرنه بقول الهجر من القول، ولا بقمار، سواء قل ذلك منه أو كثر، كما في اللعب بالشطرنج في البيت إذا خلا عن ذلك، كذا قاله أبو الطيب وغيره، لكن ذلك مكروه، كما في اللعب بالشطرنج. وحكى الرافعي وجهًا آخر: أنه لا كراهة في هذه الحالة، كما لا كراهة [في] الاتخاذ للاستفراخ والأنس. والوجهان منسوبان في ((الوسيط)) للعراقيين، وأنهما مذكوران في رد الشهادة من جهة: أنه يقدح في المروءة. وما ذكره الشيخ وغيره في اللعب بالشطرنج مفرع على أن اللعب بها مكروه، وليس بمحرم إذا لم يلحقه به سهو عن صلاة، ولا اقتران به هجر من القول، ولا قمار، وهو الذي نص عليه الشافعي، وصححه الجمهور، بخلاف اللعب بالنرد، فإنه حرام على الصحيح في ((الحاوي)) وغيره، وبه قال ابن أبي هريرة، وابن القاص، وأبو علي الطبري، وأكثر الأصحاب، كما قاله الماوردي، والقاضي أبو الطيب، لقوله ﷺ : ((من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله)). والفرق: أن الشطرنج موضوعة لصحة الفكر، وصواب التدابير، ونظام السياسة، فهي تعين على تدبير الحروب والحساب، والنرد موضوعة إلى ما تأتي به الفصوص، فهي كالأزلام. وقد حكى عن ابن خيران وأبي إسحاق المروزي والأسفراييني: أنهم قالوا: إنه مكروه كالشطرنج، لكنه أشد كراهة، وتمسكوا في ذلك بقوله الشافعي في أدب القضاء من ((الأم)): ((وأكره من جهة الخبر اللعب بالنرد أكثر مما أكره اللعب بشيء من الملاهي، ولا أحب اللعب بالشطرنج، وهي أخف حالًا [من اللعب

стр. 9321

بالنرد]، فإن ظاهر هذا الكلام يدل على أن اللعب [بالنرد ليس بمحرم، ولهذا قال البندنيجي: إن اللعب] به عند الشافعي كاللعب بالشطرنج، غير أنه أشد كراهة. وقال القاضي أبو الطيب- كما حكاه في ((البحر)) عنه-: إنه المذهب، وقضية هذا ألا ترد الشهادة باللعب به وإن تكرر، كالشطرنج، وإليه يرشد قول أبي إسحاق الذي حكاه في ((البحر)): ولا يبين منع ذلك رد الشهادة إلا أن يكون قمارًا. لكن المذكور في ((الحاوي)): أن الشهادة ترد به وإن قلنا: إنه مكروه. وحكى عن الحليمي أنه ألحق اللعب بالشطرنج بالنرد في التحريم، وأن الروياني اختاره. وعلى هذا لا نحتاج في رد الشهادة به إلى أن يكون على الطريق، بل [يكون] الحكم فيه كاللعب بالنرد ويقع الكلام في أنه من الصغائر أو الكبائر؟ ومقابل هذا الوجه في البعد وجه [محكي فيما] علق عن الإمام: أن اللعب بالشطرنج مباح لا كراهية فيه، وهو في ((الحاوي)) - أيضًا- لأنه قال: اختلف أصحابنا فيما تستند إليه الكراهة على وجهين. أحدهما: إليها نفسها، لكونها جزءًا من اللعب. والثاني: أنها تستند لما يحذر عنها من الخلاعة، وعلى هذا لو انتفت الخلاعة عند اللعب بها، كان مباحًا. وقد اتفق الكل على أنه لو اقترن باللعب بالشطرنج تشاغل، بحيث انقطع له ليله ونهاره، ولها به عما سواه، أو خلاعة بذكر الهجر من القول، أو قمار، كما إذا أخرج كل من المتلاعبين مالًا، وشرطًا أيهما غلب أخذ المالين- ردت شهادته، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية [المائدة:٩٠]، والميسر: القمار. وقد تقدم الكلام في أنه لو اشتغل بها عن صلاة واحدة ما حكمه؟ ولو أخرج [أحد] اللاعبين المال على أنه إن غلب عاد إليه، وإن غلب أخذه الغالب، ففي ((الحاوي)) حكاية وجهين في جواز ذلك مع اتفاقهم على جوازه في السبق والرمي، بناء على اختلافهم في قوله ﷺ : ((لا سبق إلا في خف،

стр. 9322

أو حافرٍ، أو نصلٍ))، هل هو أصل بذاته، أو استثناء من جملة محظور؟ على وجهين: أحدهما: أنه أصل بنفسه، يجوز القياس عليه، فعلى هذا يجوز في مثله في الشطرنج، قياسًا على السبق والرمي، لجواز القياس على أصول النص، ولا يكون إخراج هذا العوض في الشطرنج محظورًا، ولا يكون به مجروحًا. والثاني: أن الخبر في السبق والرمي استثناء من جملة محظور، فعلى هذا لا يجوز مثله في الشطرنج، ويكون إخراج هذا العوض في الشطرنج محظورًا، ويصير بإخراجه مجروحًا. وحكي مثل هذين الوجهين فيما إذا لعب بالحمام على [مثل] هذا الوجه تخريجًا على الأصل المذكور. [و] الذي حكاه البندنيجي والقاضي أبو الطيب في مسألة الشطرنج: أنه لا يصير واحد منهما مجروحًا، كما لو لعبا بغير عوض، فإن هذه المعاقدة فاسدة، ولا يملك الغالب العوض، وإن أخذه وجب رده. فروع: أحدها: الغناء بغير آلة مكروه عندنا، غير محرم على المشهور. وعن أبي الفرج الزاز رواية وجهين: أحدهما: أنه يحرم كثيره دون قليله. والثاني: أنه حرام على الإطلاق. وعلى المشهور: إذا اتخذ الرجل غلامًا، أو جارية تغني [له]، فإن كان يجمع عليها الناس فهذا سفه، ترد به الشهادة، وهو في الجارية آكد، لأن فيها سفهًا ودياثة. وإن كان لا يجمع عليها الناس، وإنما يتخذ ذلك لنفسه كان مكروهًا، ولا ترد به الشهادة، قاله ابن الصباغ [وغيره]. وخص الماوردي ذلك بما إذا لم يكن مكثرًا في ذلك، ولا متجاهرًا به. وقال فيما إذا دعا من يشركه في سماعها: فإن كان يدعوهم من أجل الغناء،

стр. 9323

ردت شهادته، وكذا إن دعاهم لغيره، وأسمعهم إياه، وكثر حتى اشتهر، وإن قل، ولم يشتهر- فإن كان الغناء من غلام لم ترد شهادته، وإن كان من جارية فسيأتي. الفرع الثاني: إذا كان يغشى بيوت الغناء، ويغشاه المغنون للسماع، فإن كان في خفية لم ترد شهادته، لأنه لم تسقط مروءته، وإن كان متظاهرًا، فإن كان قليلًا لا يكثر منه، فكذلك، وإن كثر منه، ردت، لأنه سفه وترك مروءة. قال في ((الشامل)) و ((البحر)): ولم يفرق أصحابنا فيما ذكرناه بين سماع الغناء من الرجل والمرأة. وينبغي أن يكون [سماع] الغناء من الأجنبية أشد كراهة من سماعه من الرجل، لأنه لا يؤمن الافتتان بها وإن كان صوتها ليس بعورة في الجملة، ألا ترى أو وجهها ليس بعورة، ولا يجوز أن ينظر إليه من يخاف الافتنان به؟! وفي ((الرافعي)): أن القاضي أبا الطيب قال بتحريمه من الأجنبية. قال الرافعي: وهذا هو الخلاف الذي سبق في أن صوتها هل هو عورة؟. فإن كان في السماع منها خوف فتنة، حرم لا محالة، وكذا السماع من صبي يخاف منه الفتنة. وقال في ((الحاوي)): إن [كان] الغناء من الغلام لم ترد شهادته، وإن كان من جارية: فإن كان من حرة ردت شهادة مستمعها إذا اعتمد السماع، وإن كانت أمة فسماعا أخف، لنقصها في العورة، وهو أغلظ من سماع الغلام، لزيادتها عليه في العورة، فيحمل أن تلحق بالغلام، فلا ترد الشهادة بسماعها، ويجوز أن تلحق بالحرة فترد. الفرع الثالث: إذا استمع الحداء ونشيد الأعراب، قال الشافعي: فلا بأس به.

стр. 9324

قال الأصحاب: ووجهه في الأولى: أنه صوت لا يؤثر في القلب طربًا، فكان كسائر الكلام. [و] وجهه في الثانية: ما روى الشافعي بسنده عن شريك أنه قال: ((أردفني رسول الله ﷺ وقال: أمعك من شعر أمية شيء؟ فقلت: نعم، فقال: هيه، فأنشدته بيتًا، فقال: هيه، فأنشدته بيتًا، فقال: هيه، فأنشدته بيتًا، فقال: هيه، حتى أنشدته مائة بيتٍ)). إذا كان يغني إذا اجتمع مع إخوانه، لينشرحوا بصوته، وليس بمنقطع للغناء، ولا يأخذ عليه أجرًا- قال في ((البحر)): نظر: فإن صار مشهورًا به، يدعوه الناس من أجله، فإن كان متظاهرًا به، ومعلنًا [له]، ردت شهادته. وإن كان مستترًا به، فلا. قال: وأما أصحاب المكاسب الدنيئة: كالحارس، والحائك، والحجام فقد قيل: تقبل شهادتهم إذا حسنت طريقتهم في الدين، أي: بحيث كانوا يتجنبون النجاسات، ويغسلون ما أصابهم منها، لأن بالناس حاجة إلى ذلك، وهو من فروض الكفايات، فإذا ردت شهادة من يتولاه، كان ذلك طريقًا إلى تركه ولحوق الضرر بعامة الناس، وقد قال ﷺ : ((اختلاف أمتي رحمة))، وفسره الحليمي باختلافهم في الحرف والصنائع، كما حكاه الإمام وغيره عنه عند الكلام في الكفارة. وقيل: لا تقبل، لأن هذه صنائع دنيئة تذهب معها المروءة. قال: والأول أصح، لما ذكرناه. ومنهم من قال: تقبل شهادة الحائك وإن [لم] تقبل شهادة غيره، حكاه العراقيون، واختاره القفال، لأنه ينسج غزلًا، كما يخيط الخياط [ثوبًا] منسوجًا. قال الإمام: وهو حسن، لكن الناس متفقون على الازدراء بالحاكة.

стр. 9325

وإذا جمعت هذا مع تقدم جاءك في الكل ثلاثة أوجه: ثالثها: تسمع شهادة الحائك دون ما عداه، وكذا حكاه الماوردي، وألحق القصاب والسماك بالحائك. قال في ((البحر)): وقيل: هما أحسن حالًا منه. والدباغ ملحق بالقيم في الحمام. والأساكفة، قال القاضي الحسين: إن كانوا يستعملون شعر الخنزير- وهو: الهلب- ولا يغسلون الثياب عنه، فلا خلال أنه لا تقبل شهادتهم. وإن كانوا يستعملون الهلب، ويغسلون الفم والأيدي من ذلك، فهل تقبل شهادتهم؟ فيه وجهان، الأصح: أنها لا تقبل. وإن كانوا يخرزون بالليف، أو بشعر الزرافة ويغسلون الثياب عن النجاسات فالأصح من المذهب: قبول شهادتهم. والصباغون والصاغة، أطلق الجمهور القول بقبول شهادتهم، إلا أن يصدر منهم كذب في الموعد، كما في سائر المحترفة، ويتكرر، فترد به شهادتهم. وعن كتاب ابن كج: أن بعض الأصحاب ألحق الصباغين [والصواعين] بمن ترد شهادتهم. وقد خص الغزالي محل الخلاف فيمن ذكرناهم إذا كان يليق كل حرفة بمن اكتسب بها، وكانت من صنعة آبائه، فأما غيره إذا اختارها واشتغل بها، سقطت مروءته. قال الرافعي: وهو حسن، وقضيته أن يقال: الإسكاف والقصاب إذا اشتغلا بالكنس، سقطت مروءتهما، بخلاف العكس. وذكر القاضي الحسين عند الكلام في شهادة الوالد للولد طريقة أخرى، فقال: شهادة الحمال في يسير من المال مقبولة، وكذا الدلال، وتارك المروءة، ونحوه، لأن الغالب أنهم لا يقصدون بمثل ذلك. وإن شهدوا بمال كثير، نظر: إن كان الشيء مما يقصد بالإشهاد عليه فلا يقبل، لأن الغالب أن من [يتخذ] على شيء شاهدًا، فلا يقصد حمالًا ولا كيالًا.

стр. 9326

وإن كان الشيء مما لا يقصد بالإشهاد، مثل أن يرى رجلًا غصب مال رجل، فإنه يجوز أن يتفق مثل هذا، فتقبل شهادته فيه. قال: وتقبل شهادة الأخرس، أي: إذا كانت له إشارة مفهمة، لأن إشارة الأخرس كعبارة الناطق في نكاحه، وطلاقه، وبيعه، وشرائه، وجميع الأمور، كما قال البندنيجي في باب حد الزنى، فكذا في شهادته، وهذا ما نسبه البندنيجي في باب حد الزنى إلى أبي إسحاق، وهنا إلى ابن سريج، وهو المذكور في ((الحاوي)) في مواضع. وقيل: لا تقبل، لأن الإشارة لا تصرح، وإنما تعرف بالاستدلال الظن، ولا حاجة بالقاضي [إلى] إقامة الظن مقام العلم، لأنه يمكنه أن يستشهد غيره، بخلاف العقود، فإنها لا تستفاد إلا من جهته: إما بعقده، أو بإذنه، فكان تصحيحه للضرورة، وهذا ما صححه النواوي، والغزالي في كتاب اللعان، وحاكه البندنيجي في باب حد الزنى عن النص، وقال هنا: إنه المذهب. وكذلك الماوردي قال هنا وفي كتاب الأقضية: إنه المذهب. وفي كتاب اللعان: إنه [الذي] عليه جمهور أصحابنا، وهما في ذلك متبعان للشيخ أبي حامد، فإن هذه طريقته، كما حكاها ابن الصباغ. قال: والأول [أصح]، لما ذكرناه، والشيخ فيه موافق لأبي عبد الله الحناطي، وشيخه [القاضي] أبي الطيب، فإن القاضي في باب حد الزنى حكاه عن رواية ابن المنذر عن المزني [عن مذهب الشافعي، وقال هنا: إنه حكاه أبو بكر بن المنذر عن المزني]. وإني سمعت أبا عبد الله الحناطي يقول: إنه المذهب، وإن أبا العباس قال: لا يسمع. وكان رجلًا حافظًا لكتب الشافعي، وكتب أبي العباس. وقد ذكر المزني هذه المسألة في ((الجامع الكبير))، وذكر أن الذي يجيء على قياس قول الشافعي أن شهادته تصح، كما في نكاحه، ولم أحد للشافعي نصًا، وإنما وجدت هذا في كتاب المزني، وهو أعلم بمذهب الشافعي وما تقتضيه أصوله من غيره.

стр. 9327

وقولهم: إنه به حاجة إلى العقود [دون الشهادة، لا يصح، لأنه يجوز أن يكون وكيلًا لغيره في العقود] وإن لم تدع الحاجة إليه، وقد تتعين عليه شهادة تحملها قبل الخرس، فتدعو الحاجة إلى سماعها منه. قال: وتقبل شهادة الأعمى فيما تحمله قبل العمى، أي: على من عرف اسمه، ونسبه، لأنه مساوٍ للبصير في العلم بذلك، والبصير يجوز أن يشهد والحالة هذه وإن لم ير المشهود عليه لغيبة أو موت، فكذلك الأعمى يجوز أن يشهد عليه وإن لم يره، وهكذا نقول من طريق الأولى لو عمي بعد الشهادة وقبل الحكم. ولا يقال: إن العمى نفسه مانع من الشهادة كالفسق، لأنا نقول: هو معنى طرأ بعد الشهادة، لا يورث تهمة في حال الشهادة، فلا يمنع الحكم بها، كالموت والعداوة، بخلاف الفسق، فإنه يورث تهمة في حال الشهادة، وهذا ما نص عليه. نعم، لو كان من طرأ عليه العمى قاضيًا، وقد سمع الشهادة على رجل باسمه ونسبه، فعمي قبل الحكم- هل يحكم؟ حكى الإمام ومن تبعه فيه وجهين، والذي حكاه القاضي الحسين منهما: أنه يحكم، وعليه فرع العراقيون، فإن صاحب ((البحر)) قال: قال أصحابنا: يجوز له في مثل هذه الصورة أن يقضي بعلمه إذا جوزنا القضاء بالعلم، أما إذا كانت الشهادة على معين بالإشارة، دون أن يعرف اسمه ونسبه، لم تصح الشهادة منه عليه بعد العمى، كما لا تصح الشهادة عليه من البصير إذا كان غائبًا والحالة هذه، اللهم إلا أن تكون يده في يده، ولم يفارقه بعد طروء العمى عليه إلى القاضي، فإنه تسمع شهادته عليه، كما قاله الماوردي وغيره. قال: ولا تقبل [شهادته] فيما تحمله بعد العمى، لانسداد طريق المعرفة عليه مع اشتباه الأصوات التي يقدر الإنسان على التصنع فيها، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ الحديث. فإن قيل: إذا عرف الشخص، وألف صوته، ينبغي أن تسمع شهادته عليه، كما يحل له أن يطأ زوجته بمثل ذلك.

стр. 9328

قيل: الشهادة تخالف ذلك، لأنه يجوز أن يطأ زوجته، اعتمادًا على اللمس إذا عرف به علامة فيها، وبخبر المرأة الواحدة إذا زفها إليه، وقال: إنها زوجته، ولا تجوز الشهادة بمثل ذلك. قال: إلا في موضعين: أحدهما أن يقول في أذنه شيئًا، فيعلقه- أي: يجعل يده على رأسه، أو يده في يده- ويحمله إلى القاضي، ويشهد بما قاله في أذنه، للعلم بحصول العلم بأنه المشهود عليه، وهذا ما صححه الرافعي تبعًا للغزالي، والقاضي الحسين، وحكى وجهًا آخر: أنه لا تقبل، لجواز أن يكون المقر به غيره، وهو بعيد. قال القاضي: ومحل الخلاف إذا جمعهما مكان خال، وألصق فلق فيه بحرف أذنه وضبطه كما ذكرنا، فلو كان هناك جماعة، وأقر في أذنه، لم تقبل. والثاني: فيما يشهد فيه بالاستفاضة، أي: كالموت، والنسب، والملك المطلق، لأن الشهادة إذا كانت على الاسم والنسب، لم يؤثر فيها فقد البصر، كما لو شهد البصير على ميت أو غائب. ولأنه يساوي البصير في العلم بذلك، لأن سببه السمع، وهما يستويان فيه، وهذا ما حكاه الشيخ أبو حامد عن جميع الأصحاب، كما حكاه في ((البحر)) عنه، وتبعه البندنيجي في هذه الحكاية عنه. ولأنه يساوي البصير في العلم بذلك، لأن سببه السمع، وهما يستويان فيه، وهذا ما حكاه الشيخ أبو حامد عن جميع الأصحاب، كما حكاه في ((البحر)) عنه، وتبعه البندنيجي في هذه الحكاية عنهم. وقال المحاملي: إنه لا نص للشافعي [في المسألة]، وفيها نظر، لأن المخبرين لابد وأن يكونوا عدولًا، والأعمى لا يشاهدهم، فلا يعرف عدالتهم، وهذا النظر اتبع فيه الشيخ أبا حامد، فإنه قاله، كما حكاه في ((البحر)). وزاد البندنيجي فحكى عنه أنه قال بعدم السماع لأجل ذلك. وقال في ((البحر)) بعد حكاية المنع عن غيره، وأنه أصح عند عامة أصحابنا: وعليه يدل نص الشافعي، لأنه قال: ((لا تجوز شهادة [الأعمى] إلا أن يكون أثبت شيئًا معاينة، وسمعًا، ونسبًا، ثم عمي، فيجوز))، فأخبر أنه إنما يشهد بالنسب إذا كان قد أثبته وهو بصير، ثم عمي.

стр. 9329

وأجاب القاضي أبو الطيب عن النظر الذي حكيناه عن المحاملي لما سئل عن في الدرس بأن كلام الأصحاب محمول على ما إذا سمع ذلك في دفعات، وتكرر عليه مع قوم مختلفين في أزمان مختلفة حتى يصير لا يشك فيه، لكثرة تكراره على سمعه، ويصير بمنزلة التواتر عنده، وأنه لا يجوز له التحمل إلا على هذا الوجه. وقال الشيخ أبو علي: كلامهم في سماع شهادته بالنسب مصور بما إذا كان الشخص معروف النسب من جهة أبيه وأجداده، وليس تعرف نسبته إلى قبيلة بعينها، فشهد أن فلان بن فلان [من بني فلان]، فتثبت هذه الشهادة من الأعمى، فإنه نسب لا يحتاج إلى الإشارة دون ما [إذا] نسب شخصًا إلى شخص، فإنه لا يجد إلى ذلك سبيلًا، كذا حكاه الإمام عنه. وأبدى الروياني صورة وجد له بها سبيلًا، وهي أن يقول: الرجل الذي صنعته كذا، واسمه كذا، وكيفيته كذا، هو فلان بن فلان، ثم يقال لذلك الرجل: أقم بينة أخرى على أنك الرجل الذي في سوق كذا، واسمك كذا، وكيفيتك كذا، [وصنعتك كذا]، وليس في سوقك من يشتبه معك، إلا أن يشير إلى شخص، ويشهد بنسبه. وفي ((الحاوي)): أن ما ذكره الأصحاب من سماع شهادته بالملك مفرع على أنه ليس من شرط الشهادة بالملك مشاهدة التصرف [بل تكفي استفاضة الخبر، أما إذا قلنا: لابد من الشهادة بمشاهدة التصرف] مع استفاضة الخبر، فلا تسمع عليه، وهو ما أبداه القاضي الحسين احتمالًا لنفسه، وعليه ينطبق قول القاضي أبي الطيب وغيره: كل ما شرطنا فيه البصر مجردًا، أو البصر والسمع معًا، فإنه لا يقبل فيه شهادة الأعمى. وكذا الخلاف يجري- كما قال الماوردي- فيما إذا شهد بالزوجية، وسمعنا فيها شهادة البصير بالاستفاضة، كما سيأتي. ومأخذه: أن مشاهدة الدخول والخروج شرط في هذه الشهادة أم لا؟ وقد أضاف الأصحاب إلى الصورتين المستثناتين صورة ثالثة، وهي سماع

стр. 9330

شهادته في الترجمة، ولم يحك الماوردي وابن الصباغ غيره، وهو الصحيح كما حكيناه من قبل، لكنا حكينا ثم عن رواية صاحب ((التقريب)) وجهًا: أنه لا يسمع في الترجمة أيضًا. وأبدى ابن الصباغ احتمالًا في إلحاق صورة رابعة بما ذكرناه، فقال: ينبغي أن يكون [من] قد ألفه، وعرف صوته ضرورة أن يجوز له أن يشهد عليه، لأن ذلك يقين، ولهذا قال أصحابنا: يجوز أن يشهد على طريقة الاستفاضة، وأنه يحتاج أن يسمعه من اثنين عدلين، حسب ما ذكروه، ولابد أن يعرفهما حتى تعرف عدالتهما، وإذا صح أن يعرف الشاهد صح أن يعرف المقر، وهذا كله مفرع على منع سماع شهادة الأعمى مطلقًا. [وقد] قال الرافعي: إن الوجه المذكور في صحة قضاء الأعمى- على ضعفه- يطرد في الشهادة، وعلى هذا فلا حاجة إلى استثناء. فرع: هل تجوز رواية الأعمى؟ قال العراقيون: نعم، للتساهل فيها. وقال الإمام: تردد أئمتنا في روايته، والأظهر: منعها إذا كان السماع في حالة العمى. ووجه الجواز إذا حصلت الثقة الظاهرة: أن عائشة- ﵂ كانت تروي من وراء الستر، ومعظم الروايات عنها، والبصير في هذا المقام كالأعمى. وهذا منه قد يفهم أن الخلاف يجري في رواية ما تحمله قبل العمى، وهذا مما [لا] خلاف فيه، كالشهادة، صرح به الرافعي. تنبيه: قوله ((فيعلقه)) هو بفتح الياء، واللام، أي: يقبضه ويتعلق به، كما ذكرنا. قال أهل اللغة: يقال: علق به يعلق علقًا، كفرح يفرح فرحًا: إذا تعلق به. قال: ولا تقبل شهادة الوالد لولده وإن سفل، ولا شهادة الولد لوالده وإن علا، لقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ [البقرة:٢٨٢]. والريبة تتوجه إلى شهادة بعضهم لبعض، لما جبلوا عليه من الميل والمحبة،

стр. 9331

ولذلك قال ﷺ : ((الولد مبخلة مجبنة))، وقد قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا ...﴾ [الزخرف:١٥]، أي: ولدًا. وقال ﷺ : ((فاطمة بضعة مني، يريبني ما رابها، ويسوءني ما ساءها)). وإذا كان الولد جزءًا من الوالد، وبضعة منه، لم تسمع شهادة أحدهما للآخر، كما لا تسمع شهادته لنفسه. وقد ذكر الساجي حديثًا رواه عن الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي ﷺ قال: ((لا تقبل شهادة خائنٍ، ولا خائنةٍ، ولا محدودٍ حدا، ولا ذي غمر على أخيه، ولا مجربٍ في شهادة زور، ولا ظنين في قرابة، ولا ولاء، ولا شهادة القانع لأهل البيت))، وصل بذلك: ((ولا شهادة الولد لوالده، ولا الوالد لولده))، ثم قال: وهذا لا يثبته أهل النقل، فإن ثبت فهو نص، وإن لم يثبت ففي قوله: ((ولا ظنين في قرابة)) دليل على الوالد والولد، وسنذكر معنى ذكر ((الغمر)) و ((الظنين)). وأما القانع: فهو السائل، والمستعطم، وأصل القنوع: السؤال. وقيل: القانع: المتقطع إلى القوم يخدمهم، ويكون في حوائجهم، وذلك مثل الأجير والوكيل. وهذا هو المشهور. ولا فرق فيه بين الآباء والأمهات من جهة الأب أو من جهة الأم، ولا بين البنين والبنات، وأولادهن.

стр. 9332

ونقل ابن الصباغ: أن ابن القاص حكى عن القديم قولًا: أنه تقبل شهادة الوالد للولد وبالعكس، وبه قال المزني وأبو ثور، واختاره أبو بكر [بن المنذر]. وحكى القاضي الحسين: أن لفظ الشافعي في القديم: ((الوراثة لا تنفي الشهادة))، ووجهه: أن الرجل لا يكون أمينًا في بعض الأشياء، خائنًا في البعض، [ولا] صادقًا في البعض، كاذبًا في البعض. والصحيح عند الجمهور: الأول، وما ذكروه متروك عليهم بمنع شهادته لنفسه. وعلى هذا قال الأصحاب: لا تسمع شهادة أحدها لمكاتب الآخر، وهل تسمع شهادة أحدهما بأن الآخر وكل أجنبيًا في حقوقه؟ فيه خلاف قدمت حكايته في كتابة الوكالة. وفي تزكية الوالد للولد خلاف قدمت حكايته عند الكلام في الاستخلاف. وهذا حكم الشهادة للقريب، أما الشهادة عليه، فلا خلاف في سماعها من الأب على الابن وإن سفل، وكذا من الابن على الأب في غير حد-[أي: حد] قذف- كما قاله الماوردي، ولا قصاص. وإن كانت في حد أو قصاص، ففي سماعها قولان حكاهما الماوردي والبندنيجي، تبعًا للشيخ أبي حامد، ورواهما الإمام والقاضي الحسين وجهين في الشهادة بالقود وحد القذف. ووجه المنع: أنه لما لم يقتل بقتله، و [لم] يحد بقذفه- لم يقتل ولم يحد بقوله، كالعبد إذا شهد على الحر. والمذهب- كما قال القاضي أبو الطيب-: أنها تقبل أيضًا، وهو الذي صححه القاضي الحسين وغيره. وقال القاضي أبو الطيب: إن مقابله غلط، لأنه مخالف لنص الشافعي، فإنه قال: لو أن رجلين شهدا على أبيهما بأنه قذف أمهما وأجنبية، قبلت شهادتهما عليه في قذف الأجنبية، ولم تقبل في أمهما. وقد ادعى القاضي الحسين قبل باب الشهادة على الشهادة بورقتين-: أنه المذهب، وفرع عليه أنه [إن] شهد على أبيه أو أمه بالزنى، فهل تقبل؟

стр. 9333

قال: يحتمل أن يقال: تقبل، لأن الأب لو زنى بابنته، أو زنت الأم بابنها يجب عليهما الحد، بخلاف ما لو قتل ولده أو قذفه، فإنه [لا] يجب عليه الحد. وعلى الأول فرع الشيخ حيث قال: ومن شهد على أبيه: أنه طلق ضرة أمه، أو قذفها- أي: وأمه تحت أبيه- ففيه قولان: أحدهما: تقبل شهادته، لأنها شهادة على [أبيه لغير] أمه، فقبلت كما لو شهد على غيره. والثاني: لا تقبل، لأنه متهم، إذ يجر بشهادته إلى أمه نفعًا، وهو انفرادها [بالأب]، فإن الطلاق منجز ذلك، والقذف محوج للعان، وهو سبب الفرقة. وقد نسب بعض الشارحين القول [الأول] إلى الجديد، والثاني إلى القديم، وهو كذلك في ((المهذب))، في مسألة القذف. وقال في ((الشامل)): إن قول السماع فيها هو القديم. ونسب الماوردي في كتاب اللعان القولين في الصورتين إلى القديم، وأن المزني نقلهما في ((جامعة الكبير))، [واختار] الأول منهما. وفي ((تعليق)) البندنيجي: أنه نص في ((الأم)) على أنه لو شهد على أبيه بقذف ضرة الأم: أنه يقبل، وأطلق ذلك، وقال: إنه إذا شهد أنه طلق ضرة أمه، فقد قيل: لا يقبل. وهذا ما أشار إليه ابن الصباغ بقول: وقد علق الشافعي القول في الطلاق من الأم. قال البندنيجي: ولا فرق بين أن يشهد على أبيه بطلاق ضرة أمه أو قذفها، فالكل على قولين. وهذا منه يفهم أنهما بالنقل والتخريج. وفي ((النهاية)): أن المزني حكى في ((الجامع الكبير)) عن ((الأم)) في مسألة القذف قولين، أظهرهما: القبول، وأن العراقيين ألحقوا بذلك ما لو شهد بأنه طلق ضرة أمه. قال: ولا شك أن المسألة كالمسألة، والطلاق أوقع إن كان لهذه التهمة موقع في رد الشهادة، فإن الطلاق ينجز الفراق، ولا وجه لقول رد الشهادة في

стр. 9334

المسألتين، فإن الزوج لا يتحتم عليه مسلك التزويج، وهذا ما اختاره النواوي وغيره. فروع: أحدهما: لو شهد ابنا الرجل عليه بأنه قذف أمهما، لم تسمع. وإن كان الأب معترفًا بالقذف، فشهد ابنا المرأة منه على إقرارها بالزنى- لم تسمع. ولو شهد أربعة من بينهما عليها بالزنى، قال الماوردي في كتاب اللعان: لم يسقط الحد عن الأب. وفي وجوب الحد على الأم قولان مبنيان على اختلاف قوليه إذا رد بعض الشهادة، هل يوجب رد باقيها أم لا؟ على قولين. وهذا- أيضًا- بناء على الصحيح في سماع الشهادة على الأب بما يوجب العقوبة [إلا أن يخص الخلاف بالعقوبة] المختصة بالآدمي، فحينئذ يكون هذا بلا خلاف، وكلام الإمام ها هنا يقتضي تعميمه، وهو ما أفهمه كلام البندنيجي وغيره. الفرع الثاني: إذا ادعت أمه بالطلاق، فشهد لها أبناها به- لم تسمع. ولو شهدا حسبة ابتداء، سمعت، وكذلك في الرضاع، قاله الرافعي وغيره هنا، وفي أواخر الرضاع. الفرع الثالث: إذا شهد الأب مع ثلاثة على زوجة ابنه بالزنى، فإن سبق من الابن قذف، فطولب بالحد، فحاول إقامة البينة، لدفع الحد عن نفسه- لم تقبل شهادة الأب. [وإن لم يقذف، أو قذف ولم يطالب بالحد- قبلت شهادة الأب]. الفرع الرابع: عبد في يد زيد ادعى مدع أنه اشتراه من عمرو بعدما اشتراه عمرو من زيد، وقبضه، وطالبه بالتسليم، فأنكر زيد جميع ذلك، فشهد ابناه للمدعي بما يقوله- حكى القاضي أبو سعد فيه قولين: أحدهما: رد شهادته، لتضمنها إثبات الملك لأبيهما.

стр. 9335

وأصحهما عنده: القبول، لأن المقصود بالشهادة في الحال المدعي، وهو أجنبي عنهما. قال: ولا تقبل شهادة الجار إلى نفسه نفعًا: كشهادة الوارث للمورث بالجراحة قبل الاندمال، وشهادة الغرماء للمفلس بالمال- أي: بعد الحجر عليه- وشهادة للوصي لليتيم، والوكيل للموكل، أي: فيما فوض إليه النظر فيه. الأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ [البقرة:٢٨٢]، فأمر بالشهادة لنفي الريبة، والريبة: التهمة، وهي حاصلة في شهادة من ذكرناه. وقد روي عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ ، قال: ((لا تقبل شهادة خصمٍ، ولا ظنينٍ ولا ذي إحنةٍ)). وروى طلحة بن عبد الله بن عوف أن رسول الله ﷺ بعث منادياً: ((أنه لا تجوز شهادة خصمٍ ولا ظنينٍ)) وقال الزهري: مضت السنة ألا تجوز شهادة خصم ولا ظنينٍ. والظنين: المتهم، ووجه التهمة في حق الوارث: أن الجراحة قد تسري إلى نفسه، فيموت منها، ويصير هو المستحق، فيصير شاهدًا لنفسه. وقيل: لأن المجروح مع بقاء الجراح: كالمريض، ولورثة المريض الاعتراض عليه في ماله، ومنعه من التصرف فيما زاد على ثلثه كاعتراضهم عليه بعد موته، ولا تجوز شهادتهم له بعد الموت، فكذلك في المرض. قال الماوردي: وعلى هذا لو كان الجرح مما لا يسري مثله إلى النفس، لم تجز شهادته له أيضًا، وعلى التعليل الأول: تجوز. ووجه التهمة في حق غرماء المفلس: أن ما يثبتونه له من المال يتعلق حقهم به حالة الشهادة، فأشبه ما لو شهد لعبده المأذون بمال، أو لشريكه بما هو مشترك بينهما، أو ببيع شريكه ما يثبت له فيه الشفعة قبل العفو، أو المرتهن

стр. 9336

للراهن بملك العين المرهونة، أو غرماء الميت له بمال، أو المودع [للمودع] بالعين، فإنها لا تقبل. نعم: لو كان المفلس لم يحجز عليه بعد، ففي سماع شهادة الغرماء له وجهان: الأظهر منهما في ((الحاوي)): المنع أيضًا، لأنه يستفيدون بها المطالبة بديونهم، فكان كالمحكوم بفلسه. وأصحهما عند ((الرافعي))، والمختار في ((المرشد)): القبول، وهو المعزي إلى الشيخ أبي حامد، ولم يورد القاضي الحسين وأبو الطيب وابن الصباغ سواه. الفرق: أن المحكوم بفلسه يحكم لغرمائه بماله حال الشهادة، بخلاف المعسر، فإن مطالبة الغرماء له إنما تستفاد بيساره، وليس حاصلًا وقت الشهادة. قال في ((البحر)): ويمكن أن يجاب عن هذا بأن الفرق لا يمنع من تساويهما في الرد، وهذا أصح عندي. ووجه التهمة في الوصي والوكيل: أنه يثبت لنفسه سلطة التصرف في المشهود به، فكأنه شهد لنفسه. نعم: لو شهد الوصي للموصى عليه بما لم [يكن له] التصرف فيه، سمعت بلا خلاف. ولو شهد الوكيل لموكله بما لم يثبت له ولاية فيه، قال في ((الحاوي)): ففي السماع وجهان. والفرق: أن الوكيل يجوز أن يتقرب بشهادته إلى موكله، والوصي بخلاف ذلك. ولو شهد الوكيل فيما فوض إليه التصرف فيه بعد عزله عنه، قال ابن القاص- وهو في ((المرشد)) وغيره-: إن كان بعد أن انتصف فيه مخاصمًا، لم تسمع شهادته، لقوله- ﵇: ((لا تقبل شهادة خصمٍ)). وإن لم يكن خاصم، سمعت. وقد ذكرت هذا الفرع في الوكالة، وذكرت عن الإمام وغيره فيه وجهًا. وقد عد الأصحاب من قسم الشهادة الجارة نفعًا: شهادة الشخص لمكاتبه، [أو

стр. 9337

مكاتب أصله وفرع] بمال، أو بجراحة في بدنه، وشهادة الوارث بموت المورث، وكذا شهادة الموصي له أو إليه بموت الموصي. وكذا شهادة المشتري شراء صحيحًا بعد الإقالة والرد بالعيب بأن الملك في المبيع للبائع- لا تقبل، لأنه يستبقي لنفسه الغلات والفوائد، إذا كان المدعي يدعي الملك من تاريخ متقدم على البيع. ولو شهد بعد الفسخ بخيار المجلس أو الشرط، فوجهان، بناء على [أنه يرفع] العقد من أصله، ويرد الفوائد إلى البائع، لا من حينه ولا يزيد، كذا حكى في ((الإشراف)). وألحق في ((التهذيب)) و ((الكافي)) في باب حد قاطع الطريق بذلك ما إذا شهد اثنان من الفقراء بأن فلانًا أوصى بثلث ماله لنا معشر الفقراء. والماسرجسي وغيره ألحقوا بذلك ما [إذا] شهد اثنان بأن فلانًا أوصى بوصية لنا فيها نصيب أو إشراف. نعم، لو قال الفقير: أشهد [أنه] أوصى بثلث ماله للفقراء، قبلت، قاله في ((التهذيب)) و ((الكافي))، لأنه لا يتعين الصرف إليه. وكذا لو قال الآخران: نشهد بالوصية، سوى ما يتعلق بنا من المال والإشراف قبلت شهادتهما، كما حكاه الرافعي. ولهذا نظائر كثيرة. قال: وإن شهد الوارث للمورث في المرض- أي: بمال- لم يقبل، كما لو شهد له بالجرح، وهذا قول أبي إسحاق، واختاره في ((المرشد))، تبعًا لصاحب ((الإفصاح))، وابن الصباغ، فإنه قال: إنه أقيس. وقيل: يقبل، لأنه لا يجر لنفسه بذلك نفعًا، ولا يدفع به عن نفسه ضررًا، فإنه إذا ثبت المال صار للمريض [دونه]، ثم إذا مات ورثه، فلا تهمة ها هنا، بخلاف الجراحة. وأوسع القاضي الحسين عبارته في الفرق، فقال: [الفرق]: أن الشهادة على

стр. 9338

الجرح شهادة تثبت سببًا، ذلك السبب يثبت المال للوارث. وأما في المال فشهادته لا تثبت السبب له، إذ المال إنما يثبت بسبب سابق، من قرض أو بيع أو إتلاف وغيره، وهذه الأسباب تثبت المال للمورث، وهذا قول أبي الطيب بن سلمة، وهو الأصح في الرافعي هنا، وقال في كتاب القسامة: إنه الأظهر عند أكثرهم، وبه جزم الغزالي [هنا] تبعًا للفوراني وإن حكى الخلاف ثم. فرع: لو شهد الأخ لأخيه بجراحة قبل الاندمال، وللمجروح ابن يحجب الأخ، فشهادته مسموعة. قال في ((المرشد)): وكذا لو لم يكن للمجروح وارث غير الأخ، لكن كان عليه دين يستغرق ديته، لانتفاء التهمة. نعم: لو مات الابن قبل موت أبيه فالجمهور على أنه ينظر: إن مات قبل الحكم بالشهادة بطلت، وإن مات بعده لم تبطل. وعبارة الشافعي في ذلك: إن شهد له، وهناك من يحجبه، قبلته، فإن لم [أحكم] حتى صار وارثًا، طرحته، ولو كنت حكمت به ثم مات [من يحجبه] ورثته. قال الفوراني بعد حكاية ذلك: وقد قيل في هذه المسألة قولان، بناء على الإقرار للوارث، وفيه قولان، فإن قلنا: لا يجوز، فكونه وارثًا يعتبر بحال الإقرار أو بحال الموت؟ فيه قولان، كذلك ها هنا. وقضية هذا التخريج: أن يطرد فيما إذا شهد وهو وارث، فصار عند الموت غير وارث، وقد حكاه الرافعي تبعًا للغزالي وإمامه، وقال: أما على [القول] بالنظر إلى حالة الموت، يتبين أن الشهادة مقبولة، وكأنا نتوقف في الشهادة إلى آخر الأمر. قلت: وإن صح هذا [وجب] طرده فيما إذا شهد وهو وارث بالجراحة قبل الاندمال، ثم اندمل الجرح: أنه لا يحتاج إلى إعادة الشهادة.

стр. 9339

[وقد] قال الأصحاب: إنه لابد من إعادة الشهادة، إن [قلنا]: إنها تسمع، كما سيأتي. والصحيح هاهنا: عدم القبول، [وهو المجزوم به في ((الحاوي)) وغيره]، لأن التهمة قارنت الأداء، فمنعت القبول. نعم: لو أعاد تلك الشهادة، هل تسمع؟ قال الماوردي: فيها لخلاف الآتي فيما إذا شهد بالجراحة ثم اندملت. والإمام ادعى إجماع الأصحاب على أنها لا تقبل معادة هاهنا، كما إذا ردت شهادة الفاسق، ثم تاب، وأعادها. وقال: إن ما بينهما مما قد يخطر للفقيه: أنه فرق، وهو أن الفاسق إذا تاب لم [نتحقق تغير] حاله باطنًا، وقد تحققنا أن الوارث صار محجوباً لا أثر له، لأن الذي ردت شهادته به ترويج الشهادة، وهو موجود بعد طرآن الحجب. قال: ولا تقبل شهادة الدافع عن نفسه ضررًا، كشهادة العاقلة على شهود القتل- أي: الذي تحمله العاقلة- بالفسق، لأنها متهمة في دفع تحمل العقل عن نفسها، فاندرجت في قوله- ﵇: ((ولا ظنين)). قال الرافعي: وهكذا الحكم لو شهدت بتزكية شهود جرح بينة القتل. ثم ظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه لا فرق في رد شهادة العاقلة بالجرح بين الموسر منها والمعسر، والقريب والبعيد. [وهو قول] في المسألة في بعض الصور، ومجزوم به في بعض: فالمجزوم به: ما إذا كان الشاهد موسرًا قريبًا. والمختلف فيه: ما إذا [كان] بعيدًا أو فقيرًا، لأن الشافعي نص على عدم قبول شهادة المعسر، ونص على سماع شهادة البعيد عند وجود من يقوم بالواجب من الأقربين، فاختلف الأصحاب- لأجل ذلك- في المسألتين على طريقين: الأولى منهما- وبها قال المزني، وطائفة من متقدمي أصحابنا، كما قال

стр. 9340

الماوردي-: أن في المسألتين قولين، نقلًا وتخريجًا: وجه المقبول: [أنهما لا يتحملان في الصورتين شيئًا في الحالين، فليس موضع تهمة. ووجه المنع:] أن الفقير يتحمل لو أيسر، والبعيد يتحمل لو مات القريب، فهما متهمان بدفع ضرر متوقع. والثانية: تقرير النصين، وبه قال أبو إسحاق وابن أبي هريرة، وكثير من متأخري أصحابنا، كما قال الماوردي. والفرق: أن المال غادٍ ورائح، والغنى غير مستبعد، بل كل أحد يحدث نفسه ويتمنى الأماني، وموت القريب الذي يحوج الأبعد إلى التحمل كالمستبعد في الاعتقادات، فالتهمة لا تتحقق بمثله. ورجح الإمام طريقة القولين معترضًا على الثانية بأن البعيد كما يلزمه التحمل بموت القريب، يلزمه التحمل، لافتقارهم وحاجتهم، فإن استبعد الموت فاحتمال الفقر والحاجة غير مستبعد، لأن احتمال الغنى غير مستبعد. قال الرافعي: والأظهر عند الأكثرين طريقة التقدير، ولهم أن يجيبوا عما ذكره بأن الإنسان يطلب غنى نفسه ويذر أسبابه، ويتحمل مساعدة القدر، والظفر بالمقصود، ولا يطلب فقر غيره، ولا يسعى فيه، فتكون التهمة المبنية على تقدير غناه أظهر من التهمة المبنية على فقر الغير. أما شهادة العاقلة على فسق شهود القتل عمدًا، [أو على فسق] من شهد على إقراره بالقتل خطأ، فمقبولة، لأن الدية لا تلزمهم، فلم يكن حكمنا بقولهم دافعًا عنهم شيئًا، كذا قاله الماوردي والقاضي أبو الطيب والحسين وغيرهم، والله أعلم. ومن هذا النوع شهادة الضامن ببراءة المضمون عنه. قال في ((البحر)): وكذا شهادة الوصي والوكيل بجرح من شهد [بمال] على الموكل واليتيم. قال الرافعي: وكذا شهادة المشتري شراء فاسدًا بعد القبض بأن العين المبيعة

стр. 9341

لغير بائعه، لما في ذلك من نقل الضمان. وكذا لو كان لميت دين على شخصين، فشهد أجنبيان لرجل بأنه أخو الميت، ثم شهد الغريمان لآخر بأنه ابنه- لم تقبل شهادة الغريمين، لأنهما ينقلان ما وجب للأخ عليهما إلى من يشهدان له بالبنوة، بخلاف ما لو تقدمت شهادة الغريمين. قال: ولا شهادة العدو على عدوه، لقوله تعاللى: ﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ [البقرة:٢٨٢]، والعداوة من أقوى الريب، وقد روى أبو داود وابن ماجه عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي ﷺ قال: ((لا تجوز شهادة خائنٍ ولا خائنةٍ، ولا زان ولا زانيةٍ، ولا ذي غمرٍ على أخيه)). والغمر- بكسر الغين المعجمة، وسكون الميم، وبعدها راء مهملة- قال أبو داود: الحنة والشحناء. وقال غيره: العداوة. قال القاضي الحسين: ويروى: ((ولا ذي ضغن)). وقوله ﷺ في الحديث السابق: ((ولا ذي إحنةٍ) يدل عليه أيضًا، فإن ذي الإحنة: العدو. والمعنى في ذلك: التهمة. قال القاضي الحسين وغيره: والعداوة التي ترد بها الشهادة مع عدالة الشخص في نفسه، هي أن يظهر من الشخص من اللسان والفعل ما يغلب على القلب أنه معاديه يشمت بمصائبه، ويحزن بمساره، يتمنى له [كل] شر. وعد الماوري من الأسباب المقتضية للعداوة: القذف، والغصب، والسرقة، والقتل، وكذا قطع الطريق في بابه، فلا تقبل شهادة المقذوف على القاذف،

стр. 9342

والمغصوب منه على الغاصب، والمسروق منه على الساق، وولي المقتول على القاتل، كذا أطلق قوله، وظاهره يقتضي أن مجرد القذف وغيره يحصل العداوة. وكذلك قال في كتاب اللعان: إن شرط سماع شهادة المقذوف على القاذف: أن يعفو عن الحد قبل الشهادة، وأن يكون قد حسن حاله معه، ولا يضر إذا وجد ذلك أن يذكر في شهادته عليه بقذفه لغيره قذف نفسه، إخبارًا عن الحال، وسنذكر ما يعضده عن النص. وفي ((تعليق)) القاضي الحسين في كتاب اللعان- وهو المذكور في ((التهذيب))، وغيره-: أن المقذوف لو شهد على القاذف بقذف أجنبي منفرد عن قذفه، سمعت شهادته، إذا لم يطالب بالحد، سواء عفا عنه أو لا. وادعى الإمام وفاق الأصحاب على ذلك، قياسًا على ما لو شهد عليه [فقذفه المشهود عليه، فإن الشهادة لا تبطل. نعم، لو طلب الحد ثم شهد عليه] لم تسمع شهادته، وكذا لو لم يطلب الحد، وشهد، ثم طلبه قبل الحكم- بطلت، قاله القاضي الحسين والبغوي. وكذا لو شهد اثنان من المقطوع عليهم الطريق على القاطع بقطع الطريق على غيرهما، ولم يتعرضا لأنفسهما- سمعت، كما نص عليه الشافعي، وقال: إن القاضي لا يسألهما: هل قطع عليهما الطريق أو لا؟ ولم يخالفه الأصحاب في ذلك، وقالوا: إنه لو سألهما، فلهما ألا يجيباه، فإن ألح قالوا: لا يلزمنا الجواب عن هذا، وإنما عندنا شهادة أقمناها، كذا قاله الإمام في باب [حد] قاطع الطريق. ولو تعرض الشاهد لكونه قطع عليه الطريق، لم تسمع شهادته. وعلى هذا ينطبق قول القاضي أبي الطيب وغيره في باب حد قاطع الطريق: [لو شهد رجلان] على رجل بأنه قذفهما وامرأة أجنبية، لا يثبت القذف في حقهما، ولا في حق الأجنبية: أما في حقهما، فلأمرين: أحدهما: أنهما صارا خصمين، وشهادة الخصم على خصم لا تقبل، للحديث السابق.

стр. 9343

والثاني: أنهما صارا عدوين، ولهذه العلة لا تسمع شهادتهما للمرأة به أيضًا، بخلاف ما لو شهدا أنه قذف أنه قذف أمهما وامرأة أجنبية، فإن شهادتهما للأم [لا تسمع] للبعضية، وفي سماعها للأجنبية قولان، لأجل تبعيض اللفظ. وكذا قولهم فيما لو شهد شاهدان على شخص: أنه قطع علينا وعلى هؤلاء الطريق، لا تسمع في حق الجميع، لأنهم صاروا خصومًا، كما قاله أبو الطيب، وأي عداء كشهر السلاح عليهما، وأخذ نفوسهما ومالهما، كما قاله الشيخ أبو حامد والبندنيجي والقاضي الحسين والإمام. ويوافق ذلك- أيضًا- ما حكي عن القفال: أنه إذا عادى الشخص من يريد أن يشهد عليه، وبالغ في خصومته، فلم يجب، وسكت، ثم شهد عليه- قبلت شهادته، وإلا لاتخذ الخصماء ذلك ذريعة إلى إسقاط الشهادات. لكن في ((تعليق)) الشيخ أبي حامد وغيره- كما قال الرافعي-: أن الشافعي صور العداوة الموجبة للرد بما رجل رجلًا، أو ادعى عليه أنه قطع عليه الطريق، وأخذ ماله، فقال: ((يصيران عدوين، فلا تقبل شهادة واحد منهما على الآخر))، فاكتفى بالقذف دليلًا على العداوة، ولم يتعرض لطلب الحد. وقذف الأم والزوجة هل يحلق العداوة بين القاذف والولد والزوج أم لا؟ فيه خلاف حكاه الإمام في كتاب اللعان، وسيظهر لك أثره في التفريع، وكلام البغوي يقتضي أن قذف الزوجة يلحقها دون قذف الأم، كما سنذكره. فرع: قال في ((البحر)) في الفروع المذكورة بعد كتاب الأقضية: إذا شهد على الميت، وهو خصم الوارث، هل تسمع شهادته؟ يحتمل وجهين: أحدهما: لا تسمع، لأن الضرر يعود إلى الورثة، لأنهم لا يستحقون التركة مع بقاء الدين، فهي شهادة على الخصم في الحقيقة. والثاني: تسمع، لأن هذه الشهادة على الميت لا عليه، لأنه يقول: أشهد أن على هذا الميت كذا، ولا حق على الوارث، وإنما ينتقل إليه حق القضاء. ولو كان الشاهد خصمًا للميت دون الوارث فوجهان: فعلى الوجه الأول: تقبل. وعلى الثاني: لا.

стр. 9344

قلت: ويظهر أن يتخرج على هذا ما إذا ادعى أولاد ميت على شخص بدين ورثوه من أبيهم، فأسقط أحدهم حقه، وأراد أن يشهد به، فعلى الوجه الثاني: لا تسمع، [لأنها] شهادة للأب، وعلى الأول: ينبغي أن تسمع. ويمكن تخرجي الخلاف في هذه الصورة على أن الورثة إذا أقاموا شاهدًا واحدًا، [بالدين لمورثهم، وراموا الحلف معه- فهل يحلف كل واحد] على كل الدين، لأنه يثبته [لنفسه، لا] لمورثه، أو يحلف أنه يستحق بطريق الميراث عن مورثه من جملة كذا- كذا وكذا؟ فيه خلاف حكاه ابن أبي الدم: فعلى الأول: لا تسمع، لأن الشهادة تكون للأب. [و] على الثاني فهو محل النظر. واعلم أن ما ذكرناه في رد شهادة العدو محله إذا كانت العداوة لأمر دنيوي- كما ذكرنا- أما إذا كانت لأمر ديني، كعداوة المسلم للكافر، والدين للفاسق، بسبب فسقه، كما قاله الرافعي، والجلاد للمضروب في الحد، كما قاله القاضي الحسين- فلا تمنع الشهادة عليهم. وكذا لو قال العالم: لا تسمعوا الحديث من فلان، فإنه مخلط، [و] لا تستفتوا منه، فإنه لا يحسن الفتوى- لم يقدح ذلك في قبول شهادته، كما حكاه الرافعي عن النص. نعم: شهادة الكافر على المسلم وغير المسلم لا تسمع، كما تقدم. وشهادة أهل الباطل في الاعتقاد من أهل القبلة، هل تسمع على أهل الحق وغيرهم؟ قال الشافعي في ((المختصر)): ((ولا أرد شهادة الرجل من أهل الأهواء، إذا كان لا يرى أن يشهد لموافقيه بتصديقه وقبول يمينه، ولشهادة من يرى كذبه شركًا بالله تعالى، ومعصية تجب بها النار- أولى بطيب النفس بقبولها ممن يجوز المأثم فيها)) أي: من أهل الأهواء- أيضًا- كما قاله ابن سريج، لا من أهل الحق. وقد اختلف الأصحاب بعد ذلك: فذهب ابن القاص وابن أبي هريرة وغيرهما إلى إجراء هذا اللفظ على ظاهره، فلم يردوا شهادة أحد من أهل الأهواء والبدع من أهل القبلة إلا الخطابية الذين

стр. 9345

أشار إليهم الشافعي بقوله: ((أن يشهد لموافقيه))، وهم أصحاب ابن الخطاب الكوفي، لأنه يعتقدون أن من كان على رأيهم لا يكذب، لاعتقادهم أن الكذب كفر، فيصدقونه على ما ادعاه، ويشهدون له على خصمه، ومنهم من يستظهر بإحلافه قبل الشهادة، ومنهم من لا يستظهر، ويشهد بمجرد قوله. قال الماوردي: وهي في الحالتين شهادة زور. وقال الشيخ أبو حامد، وتبعه البندنيجي- وقال القاضي الحسين: إن به قال أصحابنا-: أهل الأهواء على ثلاثة أضرب: ضرب يكفرون باعتقادهم، وسنذكرهم، فلا تقبل شهادتهم. وضرب يفسقون به ولا يكفرون، كمن سبت القرابة من الخوارج، والصحابة من الروافض، فلا [نحكم] بشهادتهم أيضًا. وضرب لا يكفرون ولا يفسقون، ولكن يخطئون، قال القاضي الحسين: كالبغاة. وقال غيره- كالشافعي، ومالك، وأبو حنيفة، وغيرهم-: الذين اختلفوا في علم الشريعة. فهؤلاء لا تقبل شهادتهم، وبهذه الطريقة أخذ الماوردي، حيث قال: لسماع شهادة [أهل] الأهواء ممن لم نحكم بكفرهم ستة شروط: الأول: أن يكون ما انتحله بتأويل سائغ كتأويل البغاة، فإن كان تأويلهم غير سائغ فهم فسقة لا تقبل شهادتهم. الثاني: ألا يدفعه إجماع منعقد، [فإن دفعه، فإن كان إجماع الصحابة، لم تقبل شهادته، للحكم بفسقه، وكذا إجماع غيرهم إن كان ممن يعتقد] أنه حجة، دون ما إذا كان لا يعتقده حجة، أو ينكر تصوره. الثالث: ألا يفضي به إلى القدح في بعض الصحابة، وهم الذين كانوا مع النبي ﷺ في حضره وسفره، أو بايعوه في [الدين والدنيا]، أو وثق بسرائرهم، أو أفضى بأوامره ونواهيه إليهم، دون من قدم عليه من الوفود، وقاتل معه الأعراب، فإن أفضى به إلى القدح في واحد منهم: فإن كان ذلك القدح

стр. 9346

سبًّا فلا تقبل شهادته، لفسقه، ويعزر، وإن كان القدح نسبته إلى فسق وضلال فكذلك الحكم إن كان المقدوح فيه من العشرة، أو ممن حضر بيعة الرضوان، أو من غيرهم ولم يدخل في المتنازعين في قتال الجمل وصفين. وإن كان ممن دخل فيهم، ففي رد شهادته بالقدح فيه وجهان مبنيان على أن حكم المتنازعين بعد ذلك حكمهم كما كان قبل التنازع، وهو الذي عليه أكثر أهل العلم، أو حكمهم غيرهم من أهل الأعصار، حتى لا يقطع بعدالة واحد منهم في الظاهر والباطن، ويحتاج للحكم بقوله إذا شهد إلى البحث عن عدالته في الباطن؟ وفيه اختلاف لأهل العلم: فعلى الأول: لا تقبل شهادة القاذف له. وعلى الثاني: تقبل، لكونهم انتقلوا بالتنازع من الألفة إلى التقاطع المنهي عنه. الرابع: ألا يقاتل عليه ولا يتأيد فيه، فإن قاتل عليه أهل العدل مبتدئًا لهم، أو دافعًا عن نفسه، وقد قدموا على قتاله دعاءه إلى الطاعة، فلم يفعل- لم تقبل شهادته، لفسقه. نعم: لو قاتلوه قبل أن عرضوا عليه الطاعة لم يفسق بمقاتلتهم، لأنه دافع بها عن نفسه، فتقبل شهادته. وهكذا الحكم فيما إذا تأيد فيه بغيره إن كان مبتدئًا، لم تقبل شهادته لفسقه، وإن تأيد فيه ليستدفع عن نفسه، فإن وجد لدفعهم بغيره سبيلًا، لم تقبل شهادته، وكذا إن لم يجد بدًا منها، وكان لا يستضر باجتماعهما، فلو كان يستضر سمعت شهادته، لأن دفع الضرر عذر مستباح. الخامس: ألا يرى تصديق موافقيه على مخالفيه، وهم الخطابية. السادس: أن تكون أفعاله [مرضية]، وتحفظه [في الشهادة ظاهر] كغيره من أهل الحق. أما من حكم بتكفيره كمن برئ من الخوارج، لموالاتهم لأبي بكر وعمر، ويكفر جميع الأمة، ويستبيح أموالهم ودماءهم، وكالغلاة يرون بمعتقدهم في علي

стр. 9347

ابن أبي طالب تكفير جميع الأمة، واستباحة أموالهم ودمائهم- فلا تقبل شهادته. وكذا من يعتقد تكفير مخالفيه حتى من الصحابة والتابعين، فإن لم ير استباحة أموالهم ودمائهم، فلا تقبل شهادته، لكفره. نعم: لو اعتقد تكفير مخالفيه في الاعتقاد، ولم ير استباحة أموالهم، ولا تكفير الصدر الأول من الصحابة والتابعين- لم نحكم بكفره، وحكمنا بفسقه، فلا تقبل شهادته. والشيخ أبو حامد ومن تبعه مثلوا الكفار المحكوم بكفرهم من أهل الأهواء الذين سبقت الإشارة إليهم- بالقائلين بالقدر، وبنفي الرؤية، وبإضافة المشيئة إلى نفوسهم، فيقول أحدهم: أنا الفاعل للخير والشر معًا، دون الله تعالى، وبخلق القرآن. قال الإمام: [و] القول بخلق القرآن أهون بدعة ابتدعها المعتزلة، فهم- كما قال القاضي أبو الطيب- ممن حكم بكفره. قال البندنيجي: فلا تحل مناكحة من ذكرناه، ولا تؤكل ذبيحتهم، وحكمهم في هذا حكم الكفار، وهذا مذهب الشافعي، فإنه قال- أي: في الأقضية من الأمالي القديمة، كما قال في ((البحر)): من قال بخلق القرآن فهو كافر. وقال لحفص الفرد: نصفك مؤمن، ونصفك كافر، تقول بخلق القرآن فتكفر، وتقول بالرؤية فتؤمن. وقد حكى الربيع أنه قال: لا تقبل شهادة القدرية، لأنهم كفار. قال الفوراني في كتاب القسامة: وهذا ما عليه غير القفال من مشايخنا، وأكثر أهل الأصول، وقال القفال: إنهم لا يكفرون. والصحيح من الطريقين عند القضاة: أبي الطيب، وابن كج، والروياني- كما قال الرافعي- الأولى. وقال ابن الصباغ: إن الطريقة الثانية مخالفة لظاهر قول الشافعي هنا وفي ((الأم))، فإنه قال: ذهب الناس في تأويل القرآن والأحاديث والقياس، أو من ذهب منهم إلى أمور اختلفوا فيها، فتباينوا فيها تبيانًا شديدًا، واستحل فيها بعضهم من بعض ما تطول حكايته، وكان ذلك متقادمًا: منه ما كان في عهد السلف، وبعدهم إلى اليوم، فلم نعلم أحدًا من سلف هذه الأمة يقتدى به ولا من التابعين بعدهم

стр. 9348

رد شهادة أحد بتأويل- وإن خطأه وضلله- ورآه استحل منه ما حرم عليه، فلا ترد شهادة أحد بشيء من التأويل كان له وجه يحتمله، وإن بلغ فيه استحلال الدم والمال. ولأجل هذا قال الإمام: أنا أقول: لا سبيل إلى تكفير المعتزلة ومن في معناهم من أهل الأهواء، اقتداء بالقفال- كما ذكرنا- لأن الشافعي نص في مجموعاته على قبول شهاداتهم، وما نقل عنه من تكفيرهم فهو مجاز، وظني الغالب: أنه ناظره بعضهم فألزمه الكفر عن حجاج، ولم يحكم بكفره، وإذا كان كذلك فسبيلهم في الشهادة كسبيل غيرهم، فينظر إلى العدالة، وهذا هو المذهب لا غير، ومن أجل ذلك قال الغزالي: إن المعتزلة وسائر المبتدعة لا يكفرون وتقبل شهادتهم وإن ضللناهم. قال الإمام: وقد كان محمد بن إسماعيل البخاري يؤلف مخرجه الصحيح في الروضة بين القبر والمنبر، فقال: رويت عن محمد بن محيريز، فغلبتني عيناي، فرأيت رسول الله ﷺ في المنام، فقال: تروي عن ابن محيريز وهو يطعن في أصحابي؟! - وكان خارجيًا- قال: قلت: يا رسول الله، لكنه ثقة، فقال ﷺ : ((صدقت إنه ثقة، فارو عنه)) فكنت أوري عنه بعد ذلك بأمر رسول الله ﷺ . وقد حمل الشيخ أبو حامد ومن تبعه قول الشافعي: ((ولا أرد شهادة أحد من أهل الأهواء)) - على أهل الأهواء في الأحكام التي يسوغ فيها الاجتهاد، وقال: إنه ظاهر في كلامه، لأنه قال في جملة كلامه: ((لم ترد الشهادة بشيء من التأويل، إذا كان له وجه يحتمله))، ثم عطف فقال: ((وكذلك أهل الأهواء))، فثبت أنه أراد به أهل الذين يذهبون إلى تأويل محتمل، وقد نص على أنه لا تقبل شهادة الخوارج والقدرية. وقوله: ((ولشهادة من يرى كذبه شركًا بالله تعالى ...)) إلى آخره- لا يقدح في هذا النص وإن كان المشار إليهم الخوارج والقدرية، لأنه أراد: أني لا أرد شهادتهم باعتقادهم: أن الكذب كفر، وأنه معصية تجب بها النار، لأن هذا أدعى إلى قبول شهادتهم، لأنهم يجتنبون الزور أكثر من اجتناب غيرهم، ولكن أرد شهادتهم، لأسباب أخر، وهي اعتقادهم خلق القرآن، والقدر، ونفي الرؤية، ونحو ذلك.

стр. 9349

وقد حكى عن أبي إسحاق المروزي أنه قال: ((من فضل بعض الصحابة على بعض، أو فضل عليًا على غيره- لم ترد شهادته، ومن قال: كانت الإمامة لعلي دون غيره بعد النبي ﷺ ، ردت شهادته، لأنه خالف الإجماع. وحكى عنه انه قال: من نفي إمامة أبي بكر، أو قال: كان ظالمًا- فقد كفر. قال في ((البحر)): قال [القاضي] أبو الطيب: ما ذكر عن أبي إسحاق لم يذكره في ((الشرح)) وإن كان صحيحًا، فهو مخالف لنص الشافعي، لأنه نص على [أن] من شتم قومًا بتأويل لا ترد شهادتهم، وأراد به هؤلاء. فرع: إذا قبلنا شهادة أهل الأهواء، فمحل رد شهادة الخطابية إذا شهدوا على مخالفيهم في الاعتقاد، [ولم يثبتوا سبب الفعل، أما إذا شهدوا على موافقيهم في الاعتقاد]، أو على مخالفيهم، وصرحوا بمشاهدة الفعل- لم ترد شهادتهم كغيرهم، صرح به القاضي الحسين في كتاب البغاة، وغيرهم هنا. وفي ((تعليق)) البندنيجي ثم نسبة القول بالقبول عند الشهادة بالمعاينة إلى أبي إسحاق، وقال: إنه ليس بشيء. وهذا من البندنيجي تفريع على طريقة أبي حامد في رد شهادة أهل الأهواء، وقد صرح به الماوردي [ثم]. قال: ولا تقبل شهادة الزوج على زوجته بالزنى، لأمرين: أحدهما: [أن الزنى] يفرض بمحل حق الزوج، فإن الزاني [مستمع] بالمنافع المستحقة له، فشهادته في صفتها تتضمن إثبات خيانة الغير على ما هو مستحق له، فلم تسمع، كما إذا شهد أنه جنى على بعده. والثاني: أن من شهد بزنى زوجته، فنفس شهادته دالة على إظهار العداوة، لأن زناها يوغر صدره بتطليخ فراشه وإدخال العار عليه وعلى ولده، وهو أبلغ في العداوة من مؤلم الضرب فاحش السبب. قال القاضي الحسين: وإلى هذه العلة أشار الشافعي- رحمه الله تعالى- وهي التي حكاها القاضي أبو الطيب في باب حد قاطع الطريق عن الشيخ أبي حامد.

стр. 9350

وحكى بعض الرواة عن الشيخ أبي محمد وجهين في سماع شهادة الشخص على زنى زوجة ولده، وأنه قربهما من المعنيين: فعلى المعنى الأول: لا تسمع. وعلى الثاني: تسمع. قال الإمام: وهذا غريب، لا تعويل عليه، والوجه القطع بقبول شهادة أب الزوج. قال: و [تقبل] شهادة الصديق لصديقه- أي: وإن كان ملاطفًا- وهو الذي يهدي لصديقه من ماله، لعموم أدلة الكتاب والسنة. ولأن الصداقة سبب بين الشخصين، لا يتعلق به عتق أحدهما على الآخر، فلا تتعلق به رد شهادة أحدهما للآخر، قياسًا على قرابة الأخوة والعمومة والصداقة بلا ملاطفة، وقد سلم الخصم في المسألة- وهو الإمام مالك- سماع الشهادة لمن ذكرناهم. قال: و [تقبل] شهادة [الزوج] لزوجته، لعموم قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة:٢٨٢]. ولأن بينهما صلة لا توجب العتق، فلم تمنع من قبول الشهادة، كالأخوة. ولأن الزوجية عقد على منفعة، فلم توجب رد الشهادة، كالإجارة. وهذا ما حكاه العراقيون والماوردي، وهو الصحيح في ((التهذيب)) و ((تعليقة)) شيخه. [وحكى البغوي قولًا آخر: أنه لا تقبل شهادة أحدهما للآخر، وحكى شيخه] القاضي الحسين بدله: أنه تقبل [شهادة] الزوج لزوجته دون العكس. وبذلك يحصل في المسألة ثلاثة أقوال قد حكاها الغزالي، كما تقدم مثلها في القطع [في] السرقة. قال الإمام في كتاب اللعان: وإذا قبلنا شهادة الزوج لزوجته، فهل نسمعها في القذف؟ فيه وجهان: وجه المنع: أن الشهادة بقذفها تتضمن إظهار عداوة القاذف، فإن الرجل يتعير بقذف [زوجته كما يتعير بقذف] نفسه.
следующие страницы →