← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 9346–9385 · переход к 9351.

стр. 9346

سبًّا فلا تقبل شهادته، لفسقه، ويعزر، وإن كان القدح نسبته إلى فسق وضلال فكذلك الحكم إن كان المقدوح فيه من العشرة، أو ممن حضر بيعة الرضوان، أو من غيرهم ولم يدخل في المتنازعين في قتال الجمل وصفين. وإن كان ممن دخل فيهم، ففي رد شهادته بالقدح فيه وجهان مبنيان على أن حكم المتنازعين بعد ذلك حكمهم كما كان قبل التنازع، وهو الذي عليه أكثر أهل العلم، أو حكمهم غيرهم من أهل الأعصار، حتى لا يقطع بعدالة واحد منهم في الظاهر والباطن، ويحتاج للحكم بقوله إذا شهد إلى البحث عن عدالته في الباطن؟ وفيه اختلاف لأهل العلم: فعلى الأول: لا تقبل شهادة القاذف له. وعلى الثاني: تقبل، لكونهم انتقلوا بالتنازع من الألفة إلى التقاطع المنهي عنه. الرابع: ألا يقاتل عليه ولا يتأيد فيه، فإن قاتل عليه أهل العدل مبتدئًا لهم، أو دافعًا عن نفسه، وقد قدموا على قتاله دعاءه إلى الطاعة، فلم يفعل- لم تقبل شهادته، لفسقه. نعم: لو قاتلوه قبل أن عرضوا عليه الطاعة لم يفسق بمقاتلتهم، لأنه دافع بها عن نفسه، فتقبل شهادته. وهكذا الحكم فيما إذا تأيد فيه بغيره إن كان مبتدئًا، لم تقبل شهادته لفسقه، وإن تأيد فيه ليستدفع عن نفسه، فإن وجد لدفعهم بغيره سبيلًا، لم تقبل شهادته، وكذا إن لم يجد بدًا منها، وكان لا يستضر باجتماعهما، فلو كان يستضر سمعت شهادته، لأن دفع الضرر عذر مستباح. الخامس: ألا يرى تصديق موافقيه على مخالفيه، وهم الخطابية. السادس: أن تكون أفعاله [مرضية]، وتحفظه [في الشهادة ظاهر] كغيره من أهل الحق. أما من حكم بتكفيره كمن برئ من الخوارج، لموالاتهم لأبي بكر وعمر، ويكفر جميع الأمة، ويستبيح أموالهم ودماءهم، وكالغلاة يرون بمعتقدهم في علي

стр. 9347

ابن أبي طالب تكفير جميع الأمة، واستباحة أموالهم ودمائهم- فلا تقبل شهادته. وكذا من يعتقد تكفير مخالفيه حتى من الصحابة والتابعين، فإن لم ير استباحة أموالهم ودمائهم، فلا تقبل شهادته، لكفره. نعم: لو اعتقد تكفير مخالفيه في الاعتقاد، ولم ير استباحة أموالهم، ولا تكفير الصدر الأول من الصحابة والتابعين- لم نحكم بكفره، وحكمنا بفسقه، فلا تقبل شهادته. والشيخ أبو حامد ومن تبعه مثلوا الكفار المحكوم بكفرهم من أهل الأهواء الذين سبقت الإشارة إليهم- بالقائلين بالقدر، وبنفي الرؤية، وبإضافة المشيئة إلى نفوسهم، فيقول أحدهم: أنا الفاعل للخير والشر معًا، دون الله تعالى، وبخلق القرآن. قال الإمام: [و] القول بخلق القرآن أهون بدعة ابتدعها المعتزلة، فهم- كما قال القاضي أبو الطيب- ممن حكم بكفره. قال البندنيجي: فلا تحل مناكحة من ذكرناه، ولا تؤكل ذبيحتهم، وحكمهم في هذا حكم الكفار، وهذا مذهب الشافعي، فإنه قال- أي: في الأقضية من الأمالي القديمة، كما قال في ((البحر)): من قال بخلق القرآن فهو كافر. وقال لحفص الفرد: نصفك مؤمن، ونصفك كافر، تقول بخلق القرآن فتكفر، وتقول بالرؤية فتؤمن. وقد حكى الربيع أنه قال: لا تقبل شهادة القدرية، لأنهم كفار. قال الفوراني في كتاب القسامة: وهذا ما عليه غير القفال من مشايخنا، وأكثر أهل الأصول، وقال القفال: إنهم لا يكفرون. والصحيح من الطريقين عند القضاة: أبي الطيب، وابن كج، والروياني- كما قال الرافعي- الأولى. وقال ابن الصباغ: إن الطريقة الثانية مخالفة لظاهر قول الشافعي هنا وفي ((الأم))، فإنه قال: ذهب الناس في تأويل القرآن والأحاديث والقياس، أو من ذهب منهم إلى أمور اختلفوا فيها، فتباينوا فيها تبيانًا شديدًا، واستحل فيها بعضهم من بعض ما تطول حكايته، وكان ذلك متقادمًا: منه ما كان في عهد السلف، وبعدهم إلى اليوم، فلم نعلم أحدًا من سلف هذه الأمة يقتدى به ولا من التابعين بعدهم

стр. 9348

رد شهادة أحد بتأويل- وإن خطأه وضلله- ورآه استحل منه ما حرم عليه، فلا ترد شهادة أحد بشيء من التأويل كان له وجه يحتمله، وإن بلغ فيه استحلال الدم والمال. ولأجل هذا قال الإمام: أنا أقول: لا سبيل إلى تكفير المعتزلة ومن في معناهم من أهل الأهواء، اقتداء بالقفال- كما ذكرنا- لأن الشافعي نص في مجموعاته على قبول شهاداتهم، وما نقل عنه من تكفيرهم فهو مجاز، وظني الغالب: أنه ناظره بعضهم فألزمه الكفر عن حجاج، ولم يحكم بكفره، وإذا كان كذلك فسبيلهم في الشهادة كسبيل غيرهم، فينظر إلى العدالة، وهذا هو المذهب لا غير، ومن أجل ذلك قال الغزالي: إن المعتزلة وسائر المبتدعة لا يكفرون وتقبل شهادتهم وإن ضللناهم. قال الإمام: وقد كان محمد بن إسماعيل البخاري يؤلف مخرجه الصحيح في الروضة بين القبر والمنبر، فقال: رويت عن محمد بن محيريز، فغلبتني عيناي، فرأيت رسول الله ﷺ في المنام، فقال: تروي عن ابن محيريز وهو يطعن في أصحابي؟! - وكان خارجيًا- قال: قلت: يا رسول الله، لكنه ثقة، فقال ﷺ : ((صدقت إنه ثقة، فارو عنه)) فكنت أوري عنه بعد ذلك بأمر رسول الله ﷺ . وقد حمل الشيخ أبو حامد ومن تبعه قول الشافعي: ((ولا أرد شهادة أحد من أهل الأهواء)) - على أهل الأهواء في الأحكام التي يسوغ فيها الاجتهاد، وقال: إنه ظاهر في كلامه، لأنه قال في جملة كلامه: ((لم ترد الشهادة بشيء من التأويل، إذا كان له وجه يحتمله))، ثم عطف فقال: ((وكذلك أهل الأهواء))، فثبت أنه أراد به أهل الذين يذهبون إلى تأويل محتمل، وقد نص على أنه لا تقبل شهادة الخوارج والقدرية. وقوله: ((ولشهادة من يرى كذبه شركًا بالله تعالى ...)) إلى آخره- لا يقدح في هذا النص وإن كان المشار إليهم الخوارج والقدرية، لأنه أراد: أني لا أرد شهادتهم باعتقادهم: أن الكذب كفر، وأنه معصية تجب بها النار، لأن هذا أدعى إلى قبول شهادتهم، لأنهم يجتنبون الزور أكثر من اجتناب غيرهم، ولكن أرد شهادتهم، لأسباب أخر، وهي اعتقادهم خلق القرآن، والقدر، ونفي الرؤية، ونحو ذلك.

стр. 9349

وقد حكى عن أبي إسحاق المروزي أنه قال: ((من فضل بعض الصحابة على بعض، أو فضل عليًا على غيره- لم ترد شهادته، ومن قال: كانت الإمامة لعلي دون غيره بعد النبي ﷺ ، ردت شهادته، لأنه خالف الإجماع. وحكى عنه انه قال: من نفي إمامة أبي بكر، أو قال: كان ظالمًا- فقد كفر. قال في ((البحر)): قال [القاضي] أبو الطيب: ما ذكر عن أبي إسحاق لم يذكره في ((الشرح)) وإن كان صحيحًا، فهو مخالف لنص الشافعي، لأنه نص على [أن] من شتم قومًا بتأويل لا ترد شهادتهم، وأراد به هؤلاء. فرع: إذا قبلنا شهادة أهل الأهواء، فمحل رد شهادة الخطابية إذا شهدوا على مخالفيهم في الاعتقاد، [ولم يثبتوا سبب الفعل، أما إذا شهدوا على موافقيهم في الاعتقاد]، أو على مخالفيهم، وصرحوا بمشاهدة الفعل- لم ترد شهادتهم كغيرهم، صرح به القاضي الحسين في كتاب البغاة، وغيرهم هنا. وفي ((تعليق)) البندنيجي ثم نسبة القول بالقبول عند الشهادة بالمعاينة إلى أبي إسحاق، وقال: إنه ليس بشيء. وهذا من البندنيجي تفريع على طريقة أبي حامد في رد شهادة أهل الأهواء، وقد صرح به الماوردي [ثم]. قال: ولا تقبل شهادة الزوج على زوجته بالزنى، لأمرين: أحدهما: [أن الزنى] يفرض بمحل حق الزوج، فإن الزاني [مستمع] بالمنافع المستحقة له، فشهادته في صفتها تتضمن إثبات خيانة الغير على ما هو مستحق له، فلم تسمع، كما إذا شهد أنه جنى على بعده. والثاني: أن من شهد بزنى زوجته، فنفس شهادته دالة على إظهار العداوة، لأن زناها يوغر صدره بتطليخ فراشه وإدخال العار عليه وعلى ولده، وهو أبلغ في العداوة من مؤلم الضرب فاحش السبب. قال القاضي الحسين: وإلى هذه العلة أشار الشافعي- رحمه الله تعالى- وهي التي حكاها القاضي أبو الطيب في باب حد قاطع الطريق عن الشيخ أبي حامد.

стр. 9350

وحكى بعض الرواة عن الشيخ أبي محمد وجهين في سماع شهادة الشخص على زنى زوجة ولده، وأنه قربهما من المعنيين: فعلى المعنى الأول: لا تسمع. وعلى الثاني: تسمع. قال الإمام: وهذا غريب، لا تعويل عليه، والوجه القطع بقبول شهادة أب الزوج. قال: و [تقبل] شهادة الصديق لصديقه- أي: وإن كان ملاطفًا- وهو الذي يهدي لصديقه من ماله، لعموم أدلة الكتاب والسنة. ولأن الصداقة سبب بين الشخصين، لا يتعلق به عتق أحدهما على الآخر، فلا تتعلق به رد شهادة أحدهما للآخر، قياسًا على قرابة الأخوة والعمومة والصداقة بلا ملاطفة، وقد سلم الخصم في المسألة- وهو الإمام مالك- سماع الشهادة لمن ذكرناهم. قال: و [تقبل] شهادة [الزوج] لزوجته، لعموم قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة:٢٨٢]. ولأن بينهما صلة لا توجب العتق، فلم تمنع من قبول الشهادة، كالأخوة. ولأن الزوجية عقد على منفعة، فلم توجب رد الشهادة، كالإجارة. وهذا ما حكاه العراقيون والماوردي، وهو الصحيح في ((التهذيب)) و ((تعليقة)) شيخه. [وحكى البغوي قولًا آخر: أنه لا تقبل شهادة أحدهما للآخر، وحكى شيخه] القاضي الحسين بدله: أنه تقبل [شهادة] الزوج لزوجته دون العكس. وبذلك يحصل في المسألة ثلاثة أقوال قد حكاها الغزالي، كما تقدم مثلها في القطع [في] السرقة. قال الإمام في كتاب اللعان: وإذا قبلنا شهادة الزوج لزوجته، فهل نسمعها في القذف؟ فيه وجهان: وجه المنع: أن الشهادة بقذفها تتضمن إظهار عداوة القاذف، فإن الرجل يتعير بقذف [زوجته كما يتعير بقذف] نفسه.

стр. 9351

قال: ولا تقبل شهادة الإنسان على فعل نفسه: كالمرضعة على الرضاع- أي: إذا قالت: أشهد أني أرضعته كذا- قياسًا على ما لو شهدت بالولادة، فقالت: أشهد أني ولدته، وهذا ما جزم به الفوراني، وصححه البغوي. والجمهور على السماع، ولم يحك العراقيون سواه فيما وقفت عليه، بل قال البندنيجي قبيل كتاب الشهادات: إنه لا خلاف فيه، وهو ظاهر النص في ((المختصر)) في كتاب الرضاع. ووجهه: أنها بهذه الشهادة لا تجر لنفسها نفعًا، ولا تدفع عنها ضررًا، بخلاف الولادة، فإنها يتعلق بها حق النفقة، والميراث، وسقوط القصاص، وغيرها، ولا نظر إلى أن الراضع يتعلق به ثبت المحرمية، وجواز الخلوة والمسافر، فإن الشهادة لا ترد بمثل هذه الأعراض، ألا ترى أنه لو شهد شاهدان: أن فلاناً طلق زوجته، أو أعتق أمته- تقبل، وإن كان يستفيدان حل المناكحة. ولا خلاف في سماع شهادتها إذا نسبت الفعل إلى الصبي، فقالت: أشهد أنه ارتضع مني، وهذا لم تدع أجرة [على] الرضاع، فإن ادعت عليه أجرة، لم تسمع شهادتها، للتهمة. وعلى هذه الحالة حمل بعضهم كلام الشيخ. وعن ((الحاوي)) حكاية وجهين في أنه إذا لم تقبل شهادتها في الأجرة، هل تقبل في ثبوت المحرمية، تخريجًا على الخلاف في تبعيض الشهادة، وأن اختيار أبي إسحاق منهما: القبول، [واختار] ابن أبي هريرة المنع. قال: والقاسم على القسمة بعد الفراغ، والحاكم على الحكم بعد العزل أي: إذا قال: أشهد: أني حكمت على هذا، أو لهذا بكذا، لتطرق التهمة إليهما. وقيل: تقبل شهادة القاسم والحاكم، كما في المرضعة، تفريعًا على النص، وهذا ما نسبه البندنيجي والقاضي أبو الطيب وغيرهما إلى الإصطخري، وكذا القاضي الحسين في كتاب القسمة. [وفي ((الحاوي)): أن الإصطخري حكاه عن بعض الأصحاب، وابن الصباغ في كتاب القسمة] نسبه إليه، لكنه خصه بما إذا كان بغيره أجرة، والصحيح الأول،

стр. 9352

وبعضهم لم يورد سواه، وفرقوا بين [الحاكم] والقاسم، والحاكم والمرضعة بفرقين، ذكرهما ابن الصباغ وغيره في كتاب الرضاع: أحدهما: أن قسمة القاسم وحكم الحاكم يتعلق به حكم المتنازعين فيه، وليس كذلك إرضاع المرضعة، فإن التحريم لا يتعلق بفعلها، ولهذا لو شرب منها الطفل وهي نائمة تعلق به حكم الرضاع. والثاني: أن القاسم والحاكم متهمان، لأنهما يثبتان لأنفسهما العدالة والإضافة، بخلاف مسألتنا. وعلى هذا قال الأصحاب: لو قال الحاكم: أشهد أن قاضيًا عدلًا قضى بذلك، ففي سماع شهادته وجهان حكاهما العراقيون، والمراوزة عنهم: [وجه المنع]: أنه يحتمل أن يريد نفسه مع أن نسبة القضاء إليه ظاهرة، فكأنه صرح به. وعلى وجه السماع قال ابن أبي الدم: فالشاهد الآخر معه لا يقول: أشهد أن هذا قضى بكذا، لامتناع التلفيق بين الشهادتين، فلا يثبت الحق إن فعل ذلك، لكن هل يقول: أشهد أن قاضيًا عدلًا قضى بكذا، كما تلفظ به القاضي المعزول، أو: أشهد أن القاضي الذي شهد هذا: أنه قضى بكذا، قضى به؟ فيه تردد ظاهر عندي، ولم أظفر به مسطورًا. قال الإمام: ولو شهد [عدلان] لم يقضيا قط على قضاء قاضٍ من غير تسمية، فظاهر المذهب: قبول ذلك. وقد جزم في ((الوسيط)) بعدم قبول شهادة القاضي بعد العزل إذا أضاف الفعل إلى نفسه. وحكى الوجهين فيما إذا قال: أشهد أن قاضيًا قضى: أحدهما: تقبل، كما تقبل شهادة المرضعة كذلك فأفهم كلامه أن شهادة المرضعة إنما تقبل إذا أبهمت المرضعة، وهو راجع إلى ترجيح مذهب الفوراني الذي اقتصر الشيخ على حكايته فيها، فإن هذه الصورة تنفي إضافة الفعل إلى نفسها، كما ينفيه قولها:

стр. 9353

قال الرافعي في كتاب الرضاع: ويمكن أن يخرج مثل [هذا] الخلاف المذكور فيما إذا شهد الحاكم أن قاضيًا قضى في المرضعة أيضًا. ويلتحق بصور الكتاب في المنع، ما إذا شهد الوكيل بالبيع على المشتري بالثمن، وأضاف البيع إلى نفسه، أو العبد الذي دفع مال سيده لأجنبي بغير إذنه، ثم عتق، وأضاف الفعل في الشهادة إلى نفسه، مثل: أن قال: أشهد أني دفعت إليه كذا من مال سيدي، كما قاله القاضي الحسين في ((الفتاوى)). ولا خلاف أن الحاكم إذا أقر عنده الخصم في مجلس الحكم، ثم عزل، وقال: أشهد: أنه أقر عندي بكذا- في سماع شهادته. قال الماوردي: ولا يحتاج إلى استرعاء، لأن الإقرار في مجلس الحكم استرعاء. وقد ألحق القاضي الحسين في ((التعليق)) بهذه الحالة ما إذا أطلق الشهادة، وقال: أشهد: أن [له] عليه [كذا، فقال: إنها تقبل، وكذلك إذا قال الوكيل بعد العزل: أشهد أن عليه] لفلان كذا، قبلت شهادته، وبمثله قال في ((الفتاوى)) في مسألة العبد: إذا قال: أشهد بأن لهذا في ذمة هذا كذا، سمعت. واحترز بقوله في مسألة الوكيل: ((بعد العزل)) عما إذا لم يعزله الموكل عن قبض الثمن، فإنه حينئذ يكون شاهدًا بما يجر [به نفعًا لنفسه]. لكن في ((الإشراف)) أطلق القول بالسماع من غير تقييد بالعزل، ثم قال: وهو غلط، فإنها شهادة جارة إلى نفسه نفعًا، فإنه يثبت لنفسه القبض، ويسقط الضمان أيضًا، فإن الوكيل إذا سلم المبيع قبل قبض الثمن يجب عليه الضمان، فصار كالبائع لا يشهد للمشتري، لأنه يسقط العهدة عن نفسه. واعلم أن ما ذكره القاضي من السماع مفرع على المذهب في سماع الشهادة بأن فلانًا يستحق في ذمة فلان كذا، وهو ما حكاه الماوردي في باب الشهادة على الشهادة، ووراءه وجهان، حكاهما ابن أبي الدم: أحدهما: عدم السماع، لأن هذا من وظيفة الحاكم. والثاني: إن كان الشاهد متمذهبًا بمذهب القاضي سمعت، وإلا فلا.

стр. 9354

ثم إطلاق القاضي القول بجواز شهادة الوكيل لموكله بعد العزل يؤخذ [منه] أن الشخص إذا كان لولده حق على شخص، والقاضي يجهل أنه ابنه-: [أنه] يجوز له أن يشهد له. ويظهر أن يجئ في الجواز ما ذكرناه في جواز الشهادة للفاسق في الباطن بما علمه إذا كان عدلًا في الظاهر. قال: وإن جمع في الشهادة بين ما يقبل وما لا يقبل، ففيه قولان: أحدهما: ترد في الجميع، لأن الصيغة واحدة، وقد ردت في البعض، فكذلك في البعض الآخر. والثاني: تقبل في أحدهما دون الآخر، لاختصاص المانع به. قال الرافعي: والخلاف كالخلاف المشهور في تفريق الصفقة، بل هو هو. ومن هنا يظهر لك أن الصحيح الثاني، كما صرح به النواوي، واختاره في ((المرشد)). وقد أثبت بعضهم الخلاف المذكور وجهين، ومحله إذا كان ما لا يجوز لأجل التهمة، كما إذا شهد أنه اقترض من أبيه وأجنبي مالًا، ونحو ذلك. وأما إذا كان ما لا يجوز، لأجل العداوة، كما إذا شهد أنه قذفه وأجنبيًا، أو قطع عليه وعلى رفيقه الطريق- فها هنا ترد في الجميع قولًا واحدًا، لأن بهذه الشهادة ظهرت العداوة بين الشاهد والمشهود عليه، فردت شهادته عليه مطلقًا، كذا قاله البندنيجي في كتاب اللعان وغيره. وعن كتاب ابن كج: أن أبا الحسين حكى عن بعض الأصحاب فيما إذا شهد أنه قطع علي وعلى رفقتي الطريق- أن في قبولها في حق الرفقة قولين، كالقولين فيما إذا شهد لنفسه ولشريكه، فإن شهادته لنفسه مردودة، وفي شهادته لشريكه قولان، وهذه الطريقة حكى الإمام مثلها في كتاب اللعان فيما إذا شهد: أنه قذفه وأجنبياً. والصحيح الأول، ولم يورد العراقيون سواه. وما قاله ابن كج من جريان القولين في سماع الشهادة بالنسبة إلى الشريك عند الشهادة لنفسه ولشريكه، مذكور في ((الإشراف)) أيضًا.

стр. 9355

لكن المشهور- وبه جزم صاحب ((التهذيب))، و ((الكافي)) في باب حد قاطع الطريق-: المنع، كما تقدم، ومثلاه بما إذا قال: أشهد أن العبد لنا نصفين، وقد حكينا أن القاضي أبا الطيب وغيره جعلوا من مسائله ما إذا شهد أنه قذف أمهما وأجنبية. وعزى البندنيجي ذلك في كتاب اللعان إلى نص الشافعي في ((الأم)). وحكى الإمام [ثم] في هذه الصورة طريقة قاطعة عن رواية الشيخ أبي علي: أنها ترد في الجميع، لأن قذف الأم يورث العداوة، وقد حكاها القاضي الحسين ثم أيضًا، وصححها، ولم يحك في باب حد قاطع [الطريق] غيرها، وتبعه الإمام. والطريقان يجريان- كما حكاه الإمام في كتاب اللعان- فيما إذا شهد بقذف زوجته وامرأة أجنبية. فرع: إذا كان لشخص دين على شخص، وله به بينة، فضاه بعضه، ثم مات، أو جحد، فأراد صاحب الحق [إقامة] البينة عليه- فكيف يشهد؟ قال فقهاء زماننا: إن شهد الشاهد على إقراره بباقي الدين، فقد شهد بخلاف ما وقع، وإن شهد على إقراره بكل الدين، شهد بما استشهد عليه و [ما] لم يستشهد فيه، فيكون في ذلك خلاف مبني على [أن] من شهد قبل الاستشهاد، هل يصير مجروحًا، أم لا كما سيأتي؟ فإن قلنا: يصير مجروحًا، بطلت جملة الشهادة، وإلا خرج على الخلاف السابق. فالطريق أن يقول: أشهد على إقراره بكذا من جملة بكذا، ليكون منبهًا على صورة الحال، [وما قالوه في الحالة] الثانية قد رأيت مثله في ((الإشراف)) فيما إذا ادعى ألفًا، فشهد له شاهد بألف، وآخر بألفين. وفي ((البحر)) في الفروع المذكورة قبل كتاب الشهادات: أنه إذا ادعى تسعة، فشهد له شاهد على إقرار المدعى عليه بعشرة-[فالشهادة] زائدة على الدعوى، فتبطل في الزيادة، وهل تبطل في الباقي؟ قولان، بناء على القولين في تبعيض الإقرار، لكنه قال قبل ذلك في الفروع- أيضًا-: إن البينة لو خالفت

стр. 9356

الدعوى في الجنس لا تسمع، وإن خالفتها في القدر إلى نقصان، حكم في القدر بالبينة دون الدعوى، وإن خالفتها إلى زيادة، حكم في القدر بالدعوى دون البينة، ما لم يكن من المدعي تكذيب البينة في الزيادة، فإن أكذبها فيه، ردت، ولم يحكم بها. وهذا قد ذكره الماوردي في باب ((ما على القاضي في الخصوم، وهو موافق لما في ((أدب القضاء)) للزبيلي، فإنه قال: لو ادعى عشرة، فشهدت له البينة بعشرين، صح له العشرة، ولا يكون طعنًا على الشهود، لأنه لم يكذبهم بما فوق العشرة، بل صدقهم في العشرة، وسكت عما فوقها، وذلك يحتمل أن يقول: كان في الأصل عشرون، وكنت قضيت منها عشرة، فادعيت الباقي، وشهد الشهود على الأصل، إذ لم يعلموا بقبضي، فلا يكون ذلك تكذيبًا للبينة. وعندى: أن الشهادة على إقراره بالقدر الباقي لا تمتنع، لأن من أقر بالعشرة فقد أقر بكل جزء منها، كما قال أصحابنا: من ادعى عشرة فقد ادعى كل جزء من أجزائها، ومما يؤيد ذلك أمران: أحدهما: [أنه] لو شهد له شاهد بعشرين، وشاهد بثلاثين، [لفق بين الشهادتين، وتثبت العشرون على الأصح. ولولا أن من شهد بالثلاثين] شهد بعشرين، لما تلفقتا، وثبتت العشرون. الثاني: أن من اشترى عينًا بعشرة، هل يجوز [له] أن يقول: اشتريتها بتسعة؟ فيه وجهان حكيناهما في المرابحة: فإن قلنا: يجوز، فهاهنا كذلك. وإن قلنا: لا يجوز، فإنما كان ذاك، لأن العقد الواقع بعشرة مخالف للعقد الواقع بتسعة، لأنه يقتضي أن الدرهم من العشرة في الصورة الأولى مقابل لعشر المبيع، وفي الصورة الثانية مقابل لتسع المبيع، ولذلك لو شهد بالعقد بعشرة، والآخر شهد بالعقد بعشرين، وأضافا إلى وقت واحد، وعين واحدة- لم يلفق، وهذا منتف في الإقرار. وقد حكى الإمام في كتاب الإقرار: أنا [إذا] رددنا الشهادة [في الألف الزائد، لوقوع الشهادة] [به] قبل الدعوى لا لأجل الحرج، كما سنذكره

стр. 9357

وجهًا، فهل نردها في الألف المدعى به؟ فيه طريقان: أحدهما: القطع بالقبول. والثاني: طرد القولين. قال: وإذا أعتق عبدين، ثم شهدا على المعتق: أنه غصبهما- لم تقبل شهادتهما. قال القاضي أبو الطيب في مسائل الدور من كتاب الإقرار: لأن إثبات شهادتهما يؤدي إلى إسقاطها، [لأنه إذا حكم بشهادتهما لم ينفذ العتق، وإذا لم ينفذ العتق بقيا على رقهما، وإذا بقيا على رقهما لم تصح شهادتهما، فلما كان إثباتها يؤدي إلى إسقاطها، لمن نقبلها. وهكذا الحكم فيما إذا ورثهما شخص عن أخيه، فأعتقهما، وشهدا بابن للميت- لم تسمع. وكذا [الحكم] لو أعتقهما المالك في مرض موته، فشهدا عليه بدين يستغرق التركة- لم تسمع، لما ذكرناه. [ثم] في مسألة الكتاب ليس لمن نسبا ملكهما إليه تسليم رقهما، لما فيه من إبطال الولاء على المعتق، وهل له أخذ أكسباهما؟ فيه وجهان، وجه المنع: أن استحقاق الأكساب فرع الرق، وأنه لم يثبت، كذا أخذته من كلام الرافعي في كتاب الإقرار. وقد حكى الإمام في كتاب الغصب فيما إذا كان في يد رجل عبد، فباعه، وأعتقه المشتري، فادعاه آخر، وصدقه البائع والمشتري والعبد- أن العتق لا يبطل، ولو مات هذا العبد، وترك مالًا، ولم يكن له قريب وارث- فميراثه للمصدق. قال: و [قد] ينقدح في المسألة تفصيل، فنقول: ما يصح من اكتسابه من غير إذن المولي، وخيار التصرف إليه، فإن يبين أن يكون كسب عبده، وما ثبت في يد

стр. 9358

العبد عن جهة لا يصح استبداد العبد بها، فالوجه الحكم أن المقر له لا يستحقه، فإنه ينكر الملك فيه برد عتق المشتري. قال: وهذا مما لابد منه، وهو مستقر المسألة، والأئمة وإن لم يذكروا هذا التفصيل فلاشك أنهم عنوه، ولو عرض عليهم لم ينكروه. قلت: ولاشك في إجرائه في مسالة الكتاب في الكسب في حال حياتهما إذا قلنا بالتسلط على أخذه، وكذا بعد موتهما، إذا لم يكن لهما قريب، واعترف المعتق بالغصب، والله أعلم. قال: ومن ردت شهادته لمعصيته غير الكفر، أو لنقصان مروءة، فتاب- أي: ذكر أنه تاب- لم تقبل شهادته حتى يستمر على التوبة، أي: بإثباتها بالضد مما كان عليه، وهو صلاح العمل، لأن ما ادعاه من أعمال القلوب كما سنذكره، وهي لا مطلع عليها، وهو متهم في قوله، لأنه قد يريد ترويج شهادته وإصلاح حاله، فاعتبر الشرع مع دعواه إصلاح العمل الظاهر، ليدل على [صدقه فيما] ادعاه، قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ الآية [الفرقان:٧٠]، وقال تعال: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ [النساء:١٦]. قال: سنة، [لأن] لمضي الفصول الأربعة تأثيرًا بينا في تهييج النفوس، وانبعاثها لمشتهياتها، فإذا مضت على السلام، أشعر ذلك بحسن السريرة. وأيضًا: فإن لها اعتبارًا في الشرع في مدة العنة، وفي الزكاة، والدية، والجزية، وهذا ما حكاه الماوردي والبندنيجي والقاضي الحسين والبغوي عن الأصحاب، ورجحه ابن الصباغ. قال في ((الحاوي)): لكن اعتبار السنة، هل هو تحقيق أو تقريب؟ فيه وجهان. وقد حكى القاضي أبو الطيب وغيره وراء ذلك وجهين: أحدهما: أن المعتبر مضي ستة أشهر، وقد حكاه القاضي الحسين- أيضًا- في موضع آخر، وقال الرافعي: إنه منسوب إلى النص.

стр. 9359

قلت: ولعله أخذ من قول الشافعي في الأم: ((أشهر))، قال أبو الطيب: وهذا لا معنى له، فإنه لم يرد في الشرع تقدير بستة أشهر في الأحكام. والثاني: أن المعتبر مضي مدة يغلب على ظن الحاكم فيها صلاحه، [وذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فإذا غلب على ظنه صلاحه] وتوبته، قبلت شهادته، وهذا ما صححه القاضي الحسين، وتبعه الإمام والعبادي. وقال الإمام في تضعيف سواه: وكيف المطمع والتقدير لا يثبت إلا توقيفًا؟! أما إذا كانت المعصية كفرًا، كما إذا ارتد من هو مسموع القول في الشهادة فلا يشترط في قبول شهادته استبراء بإصلاح العمل بلا خلاف، بل يكفيه النطق بالشهادتين، والتبرؤ من كل دين خالف [دين] الإسلام مع التوبة الباطنة، كما سنذكرها. قال الأصحاب: والفرق: أنه إذا أسلم فقد أتى بضد الكفر، فلم يبق بعد ذلك احتمال، وليس كذلك إذا كان قد زنى، أو شرب، ثم تاب، لأن التوبة ليست مضادة لمعصيته بحيث تنفيها من غير احتمال، فلهذا اعتبرنا في سائر المعاصي صلاح العمل، هكذا قاله القاضي أبو الطيب وغيره. وقال الماوردي: إن الحكم كذلك إذا تاب من الردة عفوًا غير متق بها القتل، أما إذا أسلم عند إثباته للقتل، لم تقبل شهادته، إلا أن تظهر منه شروط العدالة، باستبراء حاله، وصلاح عمله. ثم ظاهر كلام الشيخ يقتضي أمرين: أحدهما: أنه لا فرق فيما ذكره من اعتبار الاستبراء بين أن تكون المعصية قذفًا أو غير قذف، وهو في غير القذف موافق لما [أورده الأصحاب، كما حكاه

стр. 9360

ابن يونس عن بعض أصحابنا وجهًا: أنه لا يشترط في شهادة الزور الاستبراء، وفي القذف]- قاله الشافعي في كتاب الشهادات من ((الأم)) -: أنه لابد من إصلاح العمل، وهو الذي جزم به في ((التهذيب))، لكن ظاهر النص في ((المختصر)): أنه لا يحتاج فيه إلى استبراء، فإنه قال: والتوبة إكذابه نفسه، لأنه أذنب حين نطق بالقذف، والتوبة منه أن يقول: القذف باطل، كما تكون الردة بالقول والتوبة عنهابالقول، فإن كان عدلًا قبلت شهادته، وإلا فحتى يختبر حاله. واختلف الأصحاب- لأجل ذلك- في المسألة على طريقين: إحداهما- وهي التي أوردها الماوردي والبندنيجي والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ-: أن المسألة على قولين: أحدهما: أنه لا يشترط، لأن القاذف يحتمل أن يكون صادقًا، فلا حاجة فيه إلى التشديد. وأصحهما في ((الرافعي)): الاشتراط، وهو المختار في ((المرشد))، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ [النور:٥]، فصار كما في سائر المعاصي. قال أبو الطيب: والقائلون بالأول حملوا الآية على التأكيد. والثانية: تنزيل النصين على حالين، والقائلون بها اختلفوا: فمنهم من حمل ما في ((الأم)) على ما إذا صرح بتكذيب نفسه، وما في ((المختصر)) على ما إذا لم يصرح. ومنهم من حمل ما في ((الأم)) على ما إذا لم يطل الزمان بعد القذف، [وما في ((المختصر)) على ما إذا طال الزمان بعد القذف] وحسنت سيرته، ثم تاب بالقول، كما سنذكره. ومنهم من حمل ما في ((الأم)) على ما إذا قذف سبًا وإيذاء كما هي صورة مسألتنا، وما في ((المختصر)) على ما إذا جاء شاهدًا ولم يتم العدد، وأوحينا عليه الحد، فإنه لا خلاف- كما قال القاضي أبو الطيب، وتبعه ابن الصباغ وصاحب ((البحر)) -: في أنه لا يجب في حقه الاستبراء وهو الذي أورده الماوردي

стр. 9361

والبندنيجي، واستدلوا لذلك بقول عمر- ﵁ لأبي بكرة: ((تب، أقبل شهادتك))، ولم ينكره أحد. وفرقوا بينه وبين القاذف سبًا وإيذاء بأن القاذف سبًا مقطوع بفسقه، بنص الكتاب، والفسق عند الشهادة غير مقطوع به، ولهذا اتفقوا على قبول روايته، وعدم قبول رواية ذاك، وعلى هذا قال ابن الصباغ والروياني: من كانت شهادته تقبل بنفس توبته، فالإمام أن يقول له: تب، أقبل شهادتك، كما فعل عمر- ﵁. وقال الإمام: الوجه عندنا أن يقال: إذا صرح بتكذيب نفسه فلا يخرج [على] هذا التفصيل وترديد القول، بل يقطع فيه بالاستبراء. وإذا جاء شاهدًا، في الاستراء قولان مرتبان على ما إذا جاء قاذفًا، وهذه الصورة أولى بالا يشترط الاستراء فيها. وقال الغزالي: الصواب أن نقول: إن علم-[أي:] القاذف سبًا- أن ذلك حرام، فهو فاسق، فيستبرأ. وإن ظن أن هذا الصدق مباح، فلا حاجة إلى الاستبراء، ويكفي قوله: تبت. الأمر الثاني: أنه لا يشترط قبول الشهادة بعد التوبة، والإصلاح في العمل أمر آخر، وهو فيما عدا شهادة الزور وما في معناها، والقذف موافق لما أورده الأصحاب إذا كان مقبول الشهادة قبل ذلك. وأما في شهادة الزور، فقد قال في ((المهذب)): لابد أن يقول: كذبت فيما فعلت، ولا أعود إلى مثله. قال الرافعي: وقضية ذلك أن يطرد في الغيبة والنميمة. وفي ((الحاوي)) في بابا ما على القاضي في الخصوم: أنه هل يحتاج إلى النداء عليه بالتوبة من شهادة الزور، كما ينادى عليه عند الحكم بفسقه، لأجل ذلك؟ فيه وجهان، وعلى المنع فالفرق أن ظهور التوبة بأفعاله أقوى. ولأن في النداء بذلة لا تليق بحال العدل، بخلاف الفسق. وأما في القذف، فقد ذكرنا عن الشافعي أنه قال: ((والتوبة إكذابه نفسه ...)) إلى

стр. 9362

آخره، واختلف الأصحاب في مراد الشافعي بذلك: فقال الإصطخري: مراده: ما اقتضاء ظاهر كلامه، وهو أن يقول: كذبت بما قذفته به ولا أعود إلى مثله، لأنه روى [أن النبي] ﷺ قال: ((توبة القاذف إكذابه نفسه))، قال: ويقول ذلك وإن كان صادقًا في قذفه، لأن الله تعالى قال: ﴿فَإِذْ لَمْ يَاتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور:١٣]، فهذا لقب أثبته الشرع، فيكذب القاذف على هذا التأويل نفسه، فإن الشرع سماه: كاذبًا. قال الإمام: وهذا بعيد، لا أصل له. وقال أبو إسحاق وابن هريرة وجمهور الأصحاب- كما قال الرافعي، وادعى البندنيجي وابن الصباغ وغيرهما: أنه المذهب-: لا يكلف أن يقول ذلك، فإنه قد يكون صادقًا، فكيف نأمره بأن يكذب، والآية التي ذكرها الإصطخري نزلت في قصة الإفك، وعائشة- ﵂ كانت مبرأة مما قالوا، فلذلك سماهم الله تعال: كاذبين، ولكن يقول: القذف باطل، وإني نادم على ما فعلت، أو يقول: ما كنت محقًا في قذفي، وقد تبت منه، وما أشبه ذلك. والخبر محمول على الرجوع والإقرار ببطلان ما صدر منه، فإنه نوع إكذاب، وكذلك لفظ الشافعي، ويؤيده قوله بعد ذلك: ((والتوبة منه أن يقول: القذف باطل))، وعلى هذا قال في ((الحاوي)): هل يحتاج أن يقول في التوبة: ((لا أعود إلى مثله))، أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يحتاج [إليه]، لأن العزم على ترك مثله يغني عنه. والثاني: لابد أن يقول: لا أعود إلى مثله، لأن القول في هذه التوبة معتبر، والعزم ليس بقول. قال الرافعي بعد حكاية قول أبي إسحاق: ولا فرق في ذلك بين القذف على

стр. 9363

سبيل السب والإيذاء، وبين القذف على صورة الشهادة، [إذا] لم يتم عدد الشهود، وقلنا: يوجب الحد على من شهد. ويشبه أن يشترط في هذا الإكذاب جريانه بين يدي القاضي. وما ذكره في القاذف على سبيل السب [لا نزاع] فيه، وأما القاذف على صورة الشهادة، فقد قال البندنيجي وابن الصباغ: إنه يكفي في توبته أن يقول: ندمت على ما كان مني، ولا أعود إلى ما أتهم فيه، فإذا قال هذا، زال فسقه، وثبتت عدالته، وقبلت شهادته. وقال الماوردي: يعتبر في توبته من الشروط المتقدمة في قذف السب أن يقول: قذفي باطل، ولا يحتاج إلى الندم وترك العزم وترك العزم، لأنه شهادة في حق الله تعال، ولا أن يقول: إنني كاذب، ولا يقول: لا أعود إلى مثله، لأنه لو كمل عدد الشهود لزمه أن يشهد. أما إذا لم نوجب الحد عليه، فلا حاجة به إلى التوبة. وكذا نقول فيما إذا قذف سبًا وإيذاء، ثم أتى ببينة تشهد بالزنى، أو على الإقرار به، أو كان زوجًا، فلاعن، ولم تلاعن المرأة- لا يحتاج إلى التوبة في قبول الشهادة، كما جزم به الماوردي وابن الصباغ. وفي ((النهاية)) وجه آخر: أنه لابد منها، لأنه ليس له أن يقذف، ثم يأتي بالبينة، بل كان ينبغي أن يجئ مجئ الشهود. ومن هذا التعليل يظهر لك أنه لا يطرد في قذف الزوج إذا لا عن بعده، لأنه قد يضطر إليه. أما إذا لاعنت المرأة أيضًا، قال في ((الحاوي)) في كتاب اللعان: فيحتمل في ارتفاع فسقه وجهين، لأن لعانها معارض للعانه. فإن قلت: ما ذكرته لا يرد على الشيخ، لأن إكذاب القاذف وغيره نفسه فيما أتى به، من جملة شرائط التوبة وأركانها، كما أفهم ذلك كلام الشافعي وغيره، والشيخ، فقد قال: ((لم تقبل شهادته حتى يستمر على التوبة))، فاندرج ما ذكرته تحت كلامه.

стр. 9364

قلت: كلام الأصحاب كالمصرح بأن هذا غير معتبر في التوبة الباطنة بين العبد وربه، وإنما هو معتبر في التوبة الظاهرة، وقول الشيخ: ((ثم تاب))، المراد به: التوبة الباطنة، وقوله: ((لم تقبل شهادته حتى يستمر على التوبة))، يعود إلى التوبة الأولى، لأنه أتى فيها بالألف واللام، فعادت إلى ما ذكر أولًا، كما في قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥،١٦]. وإذا كان ذلك اتجه السؤال، لكن للمعترض أن يقول: مراد الشيخ بقوله: ((ثم تاب)): التوبة الظاهرة التي تشمل ما ذكرته وغيره، لأن قوله بعد ذلك: ((حتى يستمر على التوبة سنة))، يعود إلى الأولى. وقد اتفق الأصحاب على أن التوبة الظاهرة بما ذكرناه لابد منها مع التوبة الباطنة، فتعين أن المراد بما ذكره أولًا: التوبة الظاهرة، وعلى [هذا] ينتفي السؤال، وهو الأحسن، لأن الدعوى أن مراد الشيخ بالتوبة التي ذكرها أولًا: الباطنة لا دليل عليه، والله أعلم. واحترز الشيخ بقوله: ((ومن ردت شهادته، لمعصية غير الكفر، أو لنقصان مروءة)) عما إذا ردت شهادته، لأجل الغلط، فإنه لا يستبرأ، كما صرح به البغوي والرافعي، وعما إذا ردت شهادته، لحرصه على أدائها قبل الاستشهاد، إذا قلنا: إنه يصير به مجروحًا، كما سنذكره، فإنه لا يحتاج إلى استبراء، كما صرح به البغوي. لكن في ((النهاية)) في باب الشهادة على الجناية: أن الأصحاب قالوا: يستبرأ أيضًا، ولا يبلغ استبراؤه مبلغ استبراء الفاسق، بل يقرب. [وحد القاضي ذلك في ((تعليقه)) بيومين أو ثلاثة،] فإن الغرض يحصل لنا بأن يبين لنا شبهة لإقامة الشهادة في حينها ووقتها، وترك ما يدل على غرضه في الثبوت والابتداء. وهذا المسلك وإن كان ظاهرًا فليس علي أوثره وأحبه، وهذا ذكره تفريعًا على قولنا: إنه لو أعاد تلك الشهادة لم تقبل، وأنه يشترط على هذا- أيضًا- أن يتوب عما جرى منه، ويذكر أنه لا يعاود مثله، ولا يبادر الشهادة قبل الاستشهاد، والله أعلم.

стр. 9365

ثم قد يقال: إنه احترز بما ذكره عما إذا ردت شهادته في القذف، لنقصان العدد إذا أوجبنا عليه الحد، فإنه لا يجب الاستبراء عند الجمهور، ولا يقال: إن نفس إقدامه على الشهادة بذلك معصية، لأن العدد لو تم عمل بقوله، ولو كان نفس الإقدام معصية لما عمل به، لما سنذكره عند الكلام في حد شهود القذف، لكن إطلاق الأصحاب القول بتفسيقه بناء على إيجاب الحد عليه يدل على أنه معصية، وحينئذ فيكون كلام الشيخ يشمله، ويقتضي وجوب الاستبراء، وهو خلاف ما أورده الأصحاب كما عرفته. واعلم أن التوبة في الباطن التي تتبعها التوبة في الظاهر المرتب عليها غفران الذنب وغيره تحصل- كما قال الأصحاب فيما إذا كانت المعصية لا يتعلق بها حد لله تعالى، ولا مال، ولا حق للعباد: كوطء الأجنبية فيما دون الفرج، وتقبيلها، والاستمناء، ونحو ذلك- بأمرين: الندم على ما كان، والعزم على ألا يعود إلى ذلك في المستقبل. قال القاضي أبو الطيب: وقد يعبر عن ذلك بعبارة أخرى، فيقال: أن يستغفر الله تعالى عما مضى، ويترك الإصرار في المستقبل، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٣٥]، هذا هو العزم على ألا يعود، كذا قاله البندنيجي والقاضي أبو الطيب والماوردي وابن الصباغ والبغوي. وذكر الرافعي وغيره من المتأخرين أمرًا ثالثًا: وهو ترك مثل ذلك في الحال، فإذا فعل ذلك لله تعالى قبل الحشرجة والمعانية، قبلت توبته عما ذكرناه وعن فإذا فعل ذلك لله تعالى قبل الحشرجة والمعاينة، قبلت عما ذكرناه وعن غيره بالشرط الذي سنذكره، لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الآية] [الشورى:٢٥]، وقوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١]، وقوله تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر:٣]، وقوله- ﵇: ((التائب من الذنب كمن لا ذنب له)).

стр. 9366

وقد روى عن عمر أنه قال: بقية عمر المرء لا قيمة له يدرك [به] ما فات، ويحيي به ما مات، ويبدل حسناته سيئات. أما إذا فعل [ذلك] بعد الحشرجة والمعاينة فلا ينفعه ذلك، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾ الآية [النساء:١٧]. واحترز الرافعي بقوله: ((ترك مثل ذلك في الحال)) عن الإقلاع عن معصية [خاصة] يوقعها بشخص [دون شخص]، فإن التوبة لا تحصل منها، وفيه تنبيه على مذهبنا: أنه لا يشترط في صحة التوبة عن معصية الإقلاع عن كل المعاصي كما حكاه القاضي أبو الطيب، خلافًا للمعتزلة، فإنهم اشترطوا ذلك. وإن تعلق بالمعصية حق مالي: كمنع الزكاة، وكذا الكفارات- كما قاله البندنيجي، وفيه نظر إن لم نوجبها على الفور- وكالغضب والجنايات الموجبة للمال، فيعتبر [مع] ما ذكرناه في صحة التوبة: أن يخرج من ذلك الحق حسب الإمكان، فيؤدي الزكاة، ويرد المغصوب على الوجه المأمور به شرعًا إن كان باقيًا، وبدله إن كان تالفًا، أو يستحل فيبرئه المغصوب منه إن كان حيًا، فإن كان قد مات فعل ذلك مع وارثه. وإن غاب وانقطع خبره، دفعه إلى قاض يعرف سيرته وديانته، فإن تعذر تصدق به على الفقراء بينة الغرامة له، [كذا] ذكره العبادي في ((الرقم))، والغزالي في غير كتب الفقه، وهذا إذا كان موسرًا، فلو كان معسرًا، عزم على الأداء إذا أيسر. قال أبو الطيب: ومتى أيسر أداه. فلو مات قبل أن يغرم، قال الرافعي: فالمرجو من فضل الله- تعالى جده- المغفرة. وإن تعلق بالمعصية حق غير مالي، فإن كان حدًا لله تعالى: كما إذا زنى، أو سرق أو شرب الخمر- فإن لم يظهر ذلك بشهادة، قال القاضي أبو الطيب: فالأفضل أن يستر نفسه.

стр. 9367

وقال القاضي الحسين: يكره أن يظهر ذلك، لقوله- ﵇: ((من أصاب من هذه القاذورات [شيئًا] فليستتر بستر الله تعال، فإن من بيد [لنا] صفحته نقم فيه حد الله))، وفي هذه الحالة تحصل التوبة بما ذكرناه في الصورة الأولى. قال الأصحاب: ولو أراد أن يبدي ذلك، ليقام عليه الحد، لم يحرم قال البندنيجي: اللهم [إلا] أن يتقادم عهد ذلك، ونقول: إن الحد يسقط بتقادم العهد، كما حكيناه قولًا في بابه، فلا يحل له التمكين من الاستيفاء، لأنه ليس هناك حد فيستوفى منه. قال ابن الصباغ: وهكذا نقول على هذا القول: إذا اشتهر ذلك بين الناس، ولم تقم به بينة عند الحاكم. نعم، لو ظهر بالشهادة عليه، فإنه يجب عليه أن يظهر ذلك للإمام، ليقيم عليه الحد، ولا يجوز له أن يكتم ويستر على نفسه، لأنه لا غرض له في كتمانه وقد قامت به البينة. وفي هذه الحالة تتوقف التوبة على فعل ذلك مع ما تقدم، فإن لم يستوف منه صحت توبته، كما قاله الماوردي، وتبعه في ((البحر))، وكان المأثم في ترك الحد على من يلزمه [استيفاؤه] من الإمام أو من ينوب عنه، ولا يجري الخلاف السابق في [أن] الحد هل يسقط أم لا بتقادم العهد والتوبة، لأن محله إذا لم يثبت عند الحاكم- كما قاله الماودري هنا- أما إذا ثبت- كما صورنا- فلا يسقط قولًا واحدًا، وقد تكلمنا على ذلك في باب حد الخمر. وإن كان حقًا للعباد، قال الماوردي: فإن لم يكن ذلك حدًا: كمن تعدى فضرب إنسانًا فآلمه، احتاج- مع ما ذكرناه في الحالة الأولى في صحة التوبة- إلى استحلال المضروب باستطابة نفسه، ليزول عنه الإثم في حقه، فإن أحله منه، وإلا مكنه من نفسه، ليقابله على مثل فعله، [لأن ذلك ما في وسعه] كما

стр. 9368

فعل عمر- ﵁[في الذي] ضربه حين رآه يصلي مع النساء. وكلام القاضي الحسين موافق لذلك، وقال: إن صاحب هذا الحق إذا كان قد مات لا يأتي إلى وارثه، بل يستغفر لذلك الميت. وإن [كان] ذلك الحق قصاصًا في نفس أو طرف أو حد قذف، فالتوبة- كما قالوا-: أن يأتي بما تقدم، ويأتي المستحق ويمكنه من الاستيفاء، فإن لم يعلم المستحق، فيجب في القصاص أن يخبره، ويقول: أنا الذي قتلت أباك، ولزمني القصاص، فإن شئت فاقتص، وإن شئت فاعف. وفي حد القذف: هل يخبر؟ الذاي أجاب به العباد وغيره هاهنا: نعم، كما في حق القصاص. وحكى الغزالي فيما إذا أتى ببعض كنايات القذف، وأراد القذف، ولم يحلفه المقذوف على النية- ترددًا في أنه هل يخبره بذلك، أو يخفيه ولا يؤديه؟ قال الرافعي: وفي مثله في الغيبة رأيت في ((فتاوى)) الحناطي: أنها [إذا] لم تبلغ المغتاب، كفى الندم والاستغفار، وإذا بلغته، أو طرد طارد قياس القصاص والقذف فيها- فالطريق: أن يأتي المغتاب، ويستحيل منه، فإن تعذر بموته، أو عسر لغيبة فيها مشقة- فيستغفر الله تعالى، ولا اعتبار بتحليل الورثة، كذلك ذكره الحناطي وغيره. قال العبادي: والحسد كالغيبة، وهو أن يهوى زوال نعمة الغير، فيأتي المحسود، ويخبره بما أضمره، ويستقيله ويسأل الله تعالى أن يزيل عنه هذه الحالة. قال الرافعي: [و] في إلزام الإخبار عن مجرد الإضمار بعد. فرع: إذا قصر الشخص فيما عليه من الدين والمظلمة، ومات المستحق، واستحقه وارث بعد وارث- فمن المستحق له في الآخرة؟ قال القاضي الحسين في ((تعليقه)): إن كان صاحب الحق قد ادعاه فجحده من هو عليه، وحلف عليه- فلا خلاف أنه يكون للأول في القيامة. وإن كان صاحب الحق لم يحلفه، فثلاثة أوجه: أحدها: أنه للأول، وهو الصحيح، وعليه ينطبق قول أبي عبد الله الحناطي

стр. 9369

لما سئل عن ذلك حيث قال: يرثه الله تعالى بعد موت الكل، ويرد إليه في القيامة. والثاني: أنه يكون للكل. والثالث: أن ذلك يكون للأخير، وأن لمن فوقه إلى الأول ثواب المنع، ويقرب من هذا ما حكي عن ((الرقم)): أنه يكتب الأجر لكل وارث، ثم يكون الثواب لمن بعده. وقد حكي عن رواية أبي عبد الله الحناطي وجه: أنه لآخر من مات من الوارثين. ولا خلاف- كما قاله القاضي الحسين وغيره- في أنه لو دفع [الحق، أو خرج منه إلى بعض الوارثين عند انتهاء الاستحقاق إليه، أنه يخرج] عن المظلمة إلا بما سوف وماطل، وكذا إذا أبراه ذلك الوارث، والله أعلم. قال: وإذا شهد الكافر، أو الصبي، أو العبد في حق، فردت شهادتهم، ثم أسلم الكافر، وبلغ الصبي، وعتق العبد، وأعادوا تلك الشهادة- قبلت، لأنه لا عار على هؤلاء فيما لأجله ردت شهادتهم، فإن الكافر يناظر على دينه، ويفتخر به، والصبي والعبد ليس الصبا والرق إليهما، فإذا كان كذلك لم يلحقهم تهمة في الإعادة في حال الكمال. وأيضًا: فإن [رد] شهادتهم ثابت بالنص، ولم يكن للاجتهاد فيه مساغ، ولم يجب الإصغاء إليها، فكان جودها كعدمها، ولو لم ترد حتى أسلم، وبلغ، وعتق- قبلت، فكذلك في هذه الحالة، وهذا يوضحه ما ذكرناه عند الكلام في قول الشيخ: فإن كانوا فساقًا، قال للمدعي: زدني في الشهود. ثم لا فرق فيمن ردت شهادته للكفر ثم أسلم وأعادها بين أن يكون متظاهرًا بكفره أو كاتمًا له. وعن كتاب ابن كج حكاية وجهين في قبول شهادة المتكاتم. وقال الرافعي: إن قضية كلام الأصحاب تقتضي المنع. وكذا لا فرق فيمن ردت شهادته للرق، ثم أعادها بعد الحرية بين أن يكون قنًا

стр. 9370

أو مكاتبًا، يشهد لسيده أو لغيره، كما قاله القاضي الحسين. قال: وإن شهد الفاسق، أو من لا مروءة له، فردت شهادته، ثم تاب، وحسنت طريقته، وأعاد تلك الشهادة- لم تقبل، لأنه يتغير برد شهادته بسبب فسقه الصادر منه، فلا يؤمن أنه أصلح حاله [وأرى] الناس العدالة، ترويجًا لشهادته، ولدفع العار عن نفسه. قال القاضي الحسين: ولأن رد شهادة الفاسق إنما كان بالاجتهاد، ويجوز أن يكون هو صادقًا في الشيء المشهود به، فرده تعلق باجتهاد القاضي، فلو قبلت شهادته المعادة، لأجل عدالته، وهي أيضًا مدركة بالاجتهاد- لأدى إلى نقض الاجتهاد [بالاجتهاد]، وهذا ما نص عليه الشافعي في الصورتين. وعن المزني وأبي ثور: أن شهادة الفاسق إذا تاب، وأعادها، قبلت، كما في شهادة الكافر ونحوه. والفرق على المذهب ما ذكرناه. قال ابن الصباغ: وقد ذكر في ((التعليق)) فرقًا آخر: وهو أن المانع من قبول الشهادة في حق الكافر والصبي والعبد قد زال قطعًا، بخلاف الفاسق. قال: وهذا ليس بصحيح، لأنهم سواء في قبول شهادتهم في غير هذه الشهادة، وإن اختلفا فيما ذكر، والراجح عن الشهادة [أداءً حكمه] في إعادة تلك الشاهدة حكم الفاسق فيما ذكرناه. ثم ظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه لا فرق في الفاسق بين المتكلم لفسقه، أو المتظاهر به والمعلن، وهو ما جزم به القاضي أبو الطيب حيث ذكر حكم المتكاتم كما ذكرناه، وألحق به المتظاهر بالفسق. وقال القاضي الحسين في موضع: إنه لا خلاف في قبول شهادة المعلن بالفسق، المعادة بعد التوبة. وهو قضية التعليل الذي حكيناه عنه، لأن الرد في هذه الحالة لم يكن بالاجتهاد، بل هو ملحق برد شهاد الكافر، ولذلك قال الماوردي بعد ذكره [مثل] ما ذكرناه عن القاضي في تعليل المسألة الثانية:

стр. 9371

وقضية هذه العلة سماع شهادة المعلن بالفسق إذا أعادها بعد التوبة، ولو قيل به لكان وجهًا. لكن هذا الكلام منه يقتضي أن المذهب عدم القبول فيه. وكذلك حكى الرافعي: أن الروياني اختاره بعد أن قال: إنه ينسب إلى ابن أبي هريرة، وروى وجهًا آخر معه، وذكر أنه منسوب إلى أبي إسحاق: أنها تقبل، وأن القاضي أبا الطيب اختاره. والرافعي في ذلك متبع لابن الصباغ، فإنه [قال: إن] القاضي أبا الطيب قال: إنها تسمع، كشهادة الكافر. والذي رأيته في ((تعليقه)) ما ذكرته أولًا، [ولا] فرق بينه وبين الكافر ومن في معناه، لأن ذلك لا يتغير بأول شهادة ردت [له]، ولا ما بعدها، بخلاف المعلن بالفسق، فإنه إذا ردت شهادته في أول مرة تلحقه منقصة. وقد حكى القاضي الحسين في المسألة الوجهين أيضًا في موضع آخر، كما حكاهما غيره من المراوزة. فرع: إذا ردت شهادة شاهدي الفرع لفسق شاهد الأصل، ثم حسنت حاله، فأعادا تلك الشهادة، أو أعادها هو بنفسه- لم تقبل. قال القاضي الحسين: وكذا لو شهد على شهادته غير هذين الشاهدين قبل أن ترد شهادة هذين، أو بعده، فجاءا فشهدا- لم تقبل. وقد نسب الرافعي هذا النقل إلى ((أمالي)) أبي الفرج، وقال: إن شهادة شاهدي الفرع لو ردت، لفسقهما، ثم أعادها شاهد الأصل، أو غيرهما- قبلت، وهو كذلك في ((تعليق)) القاضي أيضًا. فرع: إذا شهد العدو على عدوه، فردت شهادته، ثم زالت العداوة، وأعادها فعن أبي إسحاق: أنها لا تقبل، وهو الذي صححه- كما قال الرافعي- في ((المهذب))، و ((التهذيب)). وعن أبي إسحاق: أنها تقبل، كذا قاله القاضي الحسين، ولم يورد البندنيجي في كتاب اللعان غير الوجه الأخير.

стр. 9372

قال: وإن شهد الوارث لمورثه بالجراحة قبل الاندمال، فردت شهادته، ثم اندمل الجرح، وأعاد [تلك] الشهادة- فقد قيل: تقبل، لأن شهادته إنما ردت خشية من موته من تلك الجراحة، فيكون كأنه شهد لنفسه، فإذا برئ زال هذا [المعنى، وهذا] ما اختاره في ((المرشد)). وقيل: لا تقبل، كشهادة الفاسق إذا أعادها بعد التوبة، لأنهما جميعًا ردا، لأجل التهمة، وهذا ما قال به أبو إسحاق، واختاره النواوي، وقيل: إنه ظاهر المذهب، ولم يحك القاضي الحسين في باب الشهادة على الجناية غيره، وطرده فيما إذا شهد بالجراحة قبل الاندمال وهو وارث، ثم حدث للمجروح ابن يحجبه، فأعاد تلك الشهادة. وفي ((الحاوي)) حكاية الوجهين في هذه الصورة أيضًا. قال القاضي أبو الطيب: والقائلون بالأول فرقوا بأن العلة المانعة لقبول شهادته قد زالت يقينًا، وهو كونها غير مندملة، خشية حصول المشهود به [له]، وليس كذلك الفسق. وقد نسب القاضي الحسين هاهنا القول بعدم القبول إلى القفال، وقال: إن أصحابنا ذكروا في المسألة وجهين، كالسيد إذا ردت شهادته لمكاتبه، فعتق، وأدى السيد تلك الشهادة، هل تقبل أم لا؟ فيه قولان. وفي ((الشامل)) حكاية القبول في مسألة المكاتب عن بعض الأصحاب، ومقابله إلى تخريج ابن القاص، ولأجل ذلك حكى الفوراني وغيره الخلاف في المسألة وجهين، واختار في ((المرشد)) منهما القبول. وكذا الخلاف يجري- كما حكاه القاضي عن ابن سريج- فيما إذا شهد المولى لعبده بما لا يعود نفعه إليه: كالنكاح، فردت شهادته، ثم عتق العبد، فأعاد السيد تلك الشهادة، فهل تقبل؟ فيه قولان: والأصح: لا، لأن الرد كان للتهمة. ومقابله منسوب في ((الرافعي)) إلى ابن القاص. والخلاف جارٍ- أيضًا، كما قال الرافعي- فيما لو شهد اثنان من الشفعاء بعفو

стр. 9373

شفيع ثالث قبل أن يعفوا، فردت شهادتهما، ثم أعادها بعد عفوهما. ومن ردت شهادته لوقوعها قبل الاستشهاد، ثم أعادها بعده، هل تسمع؟ سيأتي الكلام فيها، إن شاء الله تعالى. قال: ويقبل في المال وما يقصد به المال: كالبيع، والإجارة، والرهن، والإقرار، والغصب، وقتل الخطأ- رجلان، ورجل وامرأتان، لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة:٢٨٢]، فكان محمولًا على عمومه في كل حق إلا ما خصه دليل، قال القاضي أبو الطيب: ولأنه إجماع. ولا فرق في شهادة الرجل والمرأتين بين أن تتقدم شهادة الرجل أو تتأخر، صرح به القاضي أبو الطيب، والحسين، والإمام. وكذا لا فرق بين أن يقدر على رجلين، أو لا يقدر إلى على رجل وامرأتين، لم يختلف أصحابنا في ذلك. والخنثى المشكل في هذا المقام كالمرأة. قال: وشاهد ويمين المدعي، لما روى الشافعي بسنده عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس: ((أن رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد))، قال عمرو: في الأموال. وهذا الخبر وإن كان منقطعًا، لأن عمرًا لم يلق ابن عباس، فقد رواه خالد

стр. 9374

الزنجي، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس، كما خرجه مسلم. ورواه الشافعي من حديث آخر عن أبي هريرة: ((أن رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد)). وروى من طريق آخر عن علي بن أبي طالب: ((أن النبي ﷺ قضى بالشاهد الواحد مع يمين من له الحق)). وروي عن غيره- أيضًا- ومجموع من رواه من الصحابة عن رسول الله ﷺ كما قال الماوردي- ثمانية: علي، وابن عباس، وأبو هريرة، وجابر، وعبد الله بن عمرو ابن العاص، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وسعد بن عبادة، ﵃.

стр. 9375

وروى الدارقطني في ((سننه)) حديثًا أسنده إلى أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((استشرت جبريل- ﵇ في القضاء [باليمين مع الشاهد]، فأشار علي بذلك في الأموال لا يعدو يذلك)). وهذا هو ظاهر المذهب، كما قال في ((البحر))، سواء تمكن من البينة الكاملة أو لم يتمكن. ولم يحك القاضي [أبو الطيب] في باب عدد الشهود في ضمن تعليل الحكم في مسألة منه سواه. وفي ((الحاوي): أن هذا إذا لم يتمكن من البينة الكاملة، وهي شهادة رجلين، أو رجل وامرأتين، فإن تمكن من ذلك ففي الحكم بالشاهد واليمين وجهان. وعلى المشهور: هل يشترط تقديم شهادة الشاهد وتزكيته [على اليمين، أم يجوز تقديم اليمين على شهادة الشاهد وتزكيته؟] المذهب في ((تعليق)) القاضي أبي الطيب- وقال: إنه الذي عليه عامة أصحابنا-: الأول، ولم يحك القاضي الحسين والإمام ومن تبعه سواه. وحكى القاضي أبو الطيب والبندنيجي وغيرهما عن ابن أبي هريرة: أنه يجوز أن يحلف قبل إقامة الشهادة وقل التزكية. وللإمام احتمال في جواز الحلف بعد إقامة الشهادة وقبل التزكية.

стр. 9376

قلت: ويمكن بناء الوجهين [على الوجهين] في أن المدعي هل يحتاج في يمينه على تصديق الشاهد، فيقول: والله إن شاهدي لصادق فيما شهد [لي] به، وإني مستحق لكذا، أو يكفيه الاقتصار على الحلف على الاستحقاق؟ وفيه خلاف حكاه صاحب ((البحر)) هاهنا، والماوردي في باب صفة اليمين، وحكيته عن رواية الإمام في باب صفة القضاء عند الكلام في [باب] القضاء على الغائب. فإن قلنا بالاحتياج إلى تصديق الشاهد كما حكيته عند الكلام في نكول المدعي عن اليمين عن القفال، وهو الذي أورده [ابن] الصباغ في باب الامتناع من اليمين والإمام هنا، [و] ادعى أن الأصحاب لم يختلفوا فيه، وتبعه الغزالي، والرافعي، ووجه ذلك بأن اليمين والشاهد حجتان مختلفتا الجنس، [فاعتبر] ارتباط إحداهما بالأخرى، لتصيرا كالنوع الواحد- فيظهر أن يقال: لا بد من تقدم الشهادة، ليقع التصديق بعدها. وإن قلنا: لا نحتاج إلى تصديق الشاهد، كما حكاه ابن أبي الدم عن الإصطخري، ووجهه الماوردي بأن يمينه بمثابة الشاهد الآخر، وليس يلزم الشاهد أن يشهد بصدق الآخر- فيظهر أن يقال بمجيء الخلاف في جواز تقديم اليمين على الشهادة. [ثم] قال الإمام تفريعًا على الاحتياج إلى تصديق الشاهد في اليمين: ولو قد ذكر الحق، وأخر تصديق الشاهد، فلا بأس، ولم أر أحدًا يضايق فيه. فرع: إذا حصل القضاء عند وجود الشاهد واليمين، فهل يستند إلى الشاهد فقط، أو إلى اليمين فقط، أو إليهما؟ فيه ثلاثة أوجه، أصحها: ثالثها، وهو الذي ينتظم عليه تعليل الأصحاب اشتراط التعرض لصدق في اليمين، كنا قال الرافعي. وتظهر فائدة الخلاف في الغرم عند الرجوع، فإن قلنا بالشاهد فقط كان الغرم عليه عند رجوعه، وإن قلنا باليمين فقط فلا شيء على الشاهد، وللإمام احتمال فيه أخذه من تغريم شهود التزكية، لأن به حصل ترويج اليمين، كما

стр. 9377

حصل بهم ترويج شهادة الشاهد. وإن قلنا باليمين والشاهد، كان عليهما. وقال ابن أبي الدم: إن الشيخ أبا على قال: إذا قلنا: إن القضاء استند إلى الشاهد فقط، فلا صائر إلى أنه يغرم الكل، وهذا يدل على ضعف هذا الوجه. وقد عد الأصحاب مما يثبت بالشاهد واليمين حق الخيار، والفسخ بالرد بالعيب، والإقالة، والفلس، والضمان، والشفعة، والمساقاة، والمسابقة، وحصول السبق فيها، وقبض المال، والرجوع في التدبير، وعجز المكاتب عن أداء النجوم، ووجوب المهر بوطء الشبهة، وكذا بتسميته في النكاح بعد التوافق عليه، وثبوت طاعة المرأة، لاستحقاق النفقة، واستحقاق الصيد بإزمانه، والسلب بقتل الكافر، وجناية العمد التي لا توجب قصاصًا، لاقتران، المسقط بها: كقتل الوالد الولد، والمسلم الكافر، والحر العبد، وكالجائفة، والهاشمة، والمنقلة إذا لم يتقدمها إيضاح، وكذا ما قبل الموضحة إذا لم نوجب فيه القصاص. أما إذا كانت [الجناية] توجب القصاص، لكنه عفى عنه، وأراد إثباتها باليمين مع الشاهد، أو بالرجل [والمرأتين- فوجهان]: أصحهما في الحاوي: الثبوت، لأنه لا قصاص، والمقصود المال. قلت: ويؤيده ما ذكرناه: أن الجديد: أن الواجب في قتل العمد أحد الأمرين، وأنه إذا اختار أحدهما حكمنا بأنه الذي كان وجب بالقتل. وأصحهما في الرافعي، ولم يحك القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وكذا البندنيجي غيره، وعزاه إلى نصه في ((الأم)) -: المنع. وحكى عن أبي بكر الطوسي طريقة قاطعة به، لأنها في نفسها موجبة للقصاص لو ثبت، ولأنه ينبغي أن يثبت القصاص حتى يكون للعفو اعتبار. ولو أقام على الهاشمية والمنقلة المسبوقة بالإيضاح شاهدًا وامرأتين، أو شاهدًا ورام الحلف معه- فالنص: أنه لا يثبت أرش الهاشمة والمنقلة بذلك، بل لابد من شهادة رجلين. والنص فيما إذا رمى إلى زيد، ومرق السهم منه، وأصاب غيره: أنه يثبت

стр. 9378

الخطأ الوارد على الثاني برجل وامرأتين، وبشاهد ويمين. وفيهما طريقان: أحدهما: أن فيهما قولين: أحدهما: ثبوت الهشم، وقتل الخطأ برجل وامرأتين، وإن لم تثبت الموضحة وقتل العمد. والثاني: المنع، لاشتمال الجناية على ما يوجب القصاص: وهو الموضحة، وقتل العمد، وهما لا يثبتان برجل وامرأتين. وقد حكى الماوردي هذين القولين في باب الشهادة بالجناية، وفي باب اليمين مع الشاهد [في الصورتين منصوصًا] عليهما في ((الأم)) وصحح القول بثبوت قتل الخطأ بالشاهد واليمين، وعلى ذلك جرى الرافعي، فقال: أصح] الطريقين: تقرير النصين، لأن الهشم المشتمل على الإيضاح جناية واحدة، وإذا اشتملت الجناية على ما يوجب القصاص، احتيط لها، ولم تثبت إلا بحجة كاملة. وفي صورة مروق السهم، حصلت جنايتان لا تتعلق إحداهما بالأخرى. وذكر الإمام أن المدعي لو قال: أصاب سهمه الرجل الذي قصده، ونفذ منه إلى أبي، فقتله، ولم تكن الجناية الأولى متعلق حق المدعي- فيجب القطع بثبوت الخطأ بالبينة الناقصة، ومحل التردد ما إذا كانت الجناية الأولى متعلق حق المدعي. قال: وفيه احتمال، لأن الجناية في الجملة عمد منفض إلى خطأ. وذكر أنه لو ادعى [أنه] أوضح رأسه، ثم عاد وهشمه- ينبغي أن يثبت موجب الهاشمة رجل وامرأتين، لأنها لم تتصل بالموضحة، ولم تتحد الجناية. وذكر في ((الوسط)): أنه لا خلاف: أنه لو ادعى قتل عمرو خطأ، فشهدوا، وذكروا مروق السهم إليه من زيد- لم يقدح في الشهادة، لأن زيدًا ليس مقصودًا بها. وإذا قلنا بثبوت الهاشمة المسبوقة بالإيضاح، وأوجبنا أرشها- فعن صاحب ((التقريب)): أن في ثبوات القصاص في الموضحة وجهين: وجه الثبوت: التبعية، كما أن الولادة على الفراش إذا تثبتت بشهادة النسوة ثبت

стр. 9379

النسب [تبعًا، وإن لم يثبت النسب] بشهادتهن ابتداءً، واستضعف الشيخ أبو علي والأئمة ذلك، وقالوا: الأقرب أن يقال: لا يجب قصاص الموضحة، وفي أرشها وجهان: وجه الوجوب: أنا وجدنا متعلقًا لثبوت المال، فلا يبعد أن يستتبع مال مالًا. وقد أبعد بعض الأصحاب فقال: إذا ادعى مدع قصاصًا ومالًا من جهة لا تتعلق بالقصاص، وأقام على الدعويين رجلًا وامرأتين- لا يثبت المال، كما لا يثبت القصاص. والمذهب المشهور: أن المال يثبت وإن لم يثبت القصاص. وقد عد مما يثبت بالشاهد واليمين: الديون، والحوالة، والإبراء حتى من نجوم الكتابة: الأول منها والأخير، ولم يحك العراقيون سواه. وعن رواية الموفق بن طاهر عن الربيع: أن الإبراء لا يثبت إلا بشاهدين [ذكرين، وعن غيره حكاية وجه في أن النجم الأخير من نجوم الكتابة لا يثبت إلا بشاهدي،] لترتب [العتق عليه]. والأصح في ((التهذيب)) خلافه. والأجل يثبت بالشاهد واليمين عند العراقيين، كالخيار. وقيل: [إنه] لا يثبت إلا بشاهدين، لأنه ضرب من السلطة، فكان كالوكالة. قال القاضي الحسين: وهو مأخوذ من كلام الشافعي، لأنه شرط في المال الانتقال من مالك إلى مال، والأجل لا ينتقل، لأن من عليه الأجل إذا مات بطل. والصحيح الأول. والقراض ملحق في ((الشامل))، وكذا في ((تعليق)) أبي الطيب في باب الشهادة على الجناية- بما المقصود منه المال. والشركة في ((الوسيط)) ملحقة به أيضًا. وحكى ابن أبي الدم: أن القاضي الحسين قال: عقد القراض والشركة لا يثبت إلا بشاهدين، وبه أجاب في ((التهذيب)).

стр. 9380

وقال الرافعي: إنه الأظهر، لأنه إثبات وكالة على المال المشترك. قال ابن أبي الدم: وهذا يقوله القاضي تفريعًا على المذهب، وإلا فمن مذهبه، أن الوكالة بالمال تثبت بالشاهد والمرأتين، والشاهد واليمين، فعقد القراض والشركة أولى. وعن رواية القاضي ابن كج حكاية وجه: أن الرهن لا يثبت إلا بشاهدين. والتقويم ملحق عند أبي إسحاق المروزي بما نحن فيه، فيثبت بالشاهد [والمرأتين، والشاهد] واليمين. وقال ابن أبي هريرة: [لا مدخل للنساء فيه]. وقال الزبيلي: قال أبو الحسن: والأولى قول أبي إسحاق. قال: وأما الوقف فقد قيل: يقبل فيه ما يقبل في المال، أي: وإن قلنا: إنه ينتقل إلى الله تعالى، لأن المقصود منه تمليك الموقوف عليه منفعة الوقف، فأشبه الإجارة، وهذا قول ابن سريج وأبي الطيب بن سلمة، وينسب إلى النص هاهنا، ورجحه الإمام والبغوي والنواوي. وقيل: إن قلنا: إنه ينتقل إلى الآدمي قبل، [كالبيع]. وإن قلنا: [إنه] ينتقل إلى الله تعالى، لم يقبل، كالعتق، وهذا قول أبي إسحاق. قال الرافعي: وإلى ترجيحه مال العراقيون، ونسبوه إلى عامة الأصحاب. وقال الغزالي: إنه بعيد غير معتد به. وكلام الماوردي يقتضى ترجيح الأول، فإنه قال: إن القائلين به فرقوا بين بين الوقف على القول بالانتقال إلى الله تعالى، وبين العتق بفرقين:

стр. 9381

أحدهما: أن أحكام الملك باقية على الوقف في ضمانه باليد، وغرامته بالقيمة، وزائلة عن المعتق، لأنه لا يضمن باليد، ولا يغرم بالقيمة. والثاني: أن المقصود بالوقف تمليك المنفعة التي هي مال، والمقصود بالعتق كمال أحكامه في ميراثه، وشهادته، وولايته. وفي ((حلية)) الشاشي في كتاب الوقف طريقة أخرى، وهي إن قلنا: إن الوقف ينتقل إلى الله تعالى، لم يقبل إلا شاهدان، وإن قلنا: إنه ينتقل للموقوف عليه، فوجهان. ولا خلاف أنه لو ادعى ورثة ميت على رجل أنه غصب هذه الدار، وكانت لأبينا وقفها علينا، أو على فلان منا، وأقاموا شاهدًا، وحلفوا معه-: أنه يثبت الغصب بذلك، وكذا الوقف إن قلنا: إنه يثبت بالشاهد واليمين، [وإن قلنا: لا يثبت بالشاهد واليمين]، كان ثبوته في هذه الصورة بالإقرار. وقد فرع الشافعي على القول بثبوت الوقف بالشاهد واليمين فروعًا، وذلك مما يدل على أنه رآه الصحيح، لأن الأصحاب قالوا ذلك: فمنها: إذا ادعى شخص أن أبي وقف داره هذه علي وعلى أخوي [دون غيرنا] من ورثته، فإذا انقرضنا فعلى أولادنا ما بقوا، ثم على الفقراء، وصدقه أخواه، وكذبهم بقية الورثة، فأقاموا شاهدًا واحدًا بذلك. هكذا صور المسألة ابن سريج، وأبو إسحاق، والقاضي أبو حامد، وقالوا: إن كلام الشافعي محمول عليها، قال الأصحاب: وهو الصحيح، ولهم [بعد ذلك] ثلاث أحوال: إحداها: أن يحلفوا معه، فيثبت لهم مدة حياتهم، فإذا انقرضوا في حالة وحدة، انتقل إلى أولادهم، لكن بيمين من جهتهم، أم يكفيهم يمين آبائهم؟ فيه وجهان في الطريقين، وبناهما القفال وطوائف من الأصحاب على أن الوقف ينتقل إلى البطن الثاني من الواقف كما انتقل للبطن الأول منه، أو ينتقل إليهم من البطن الأول؟ وفيه خلاف مشهور. فعلى الأول: يحتاجون إلى الحلف، كما احتاج إليه البطن الأول، وهو الذي [قال به] ابن سريج، كما حكاه الماوردي وغيره.

стр. 9382

وقال البندنيجي: إن ابن سريج حكاه وجهًا، وإنه ليس بشيء. وقضية البناء المذكور أن يكون هو الصحيح، لأن الصحيح أنهم يتلقون من الواقف، وسنذكر عن ابن الصباغ ما يعضده. وعلى الثاني لا يحتاجون إلى اليمين كما لو كان ذلك في ملك، ثم انتقل إلى وارث الحالف، فإنه لا يحتاج إلى اليمين، ولأن البطن الأول قد استقلوا بإثباته، فأشبه ما لو أقاموا شاهدين، وهذا قول أبي إسحاق وغيره، وهو ظاهر المذهب، والأصح عند الماوردي، والشيخ أبي حامد ومن في طبقته، ولأجل ذلك قال البندنيجي والقاضي أبو الطيب: إنه المذهب الصحيح. وعلى هذا الخلاف يتفرع ما إذا انقرض البطن الثاني، وانتهى المال إلى الفقراء، فعلى قول أبي إسحاق، يصرف المال إليهم، وعلى قول ابن سريج: فيه وجهان: أحدهما: يصرف إليهم، للضرورة. والثاني: لا حق لهم فيه، ويعود ملكًا طلقًا، قاله الماوردي والبندنيجي وغيرهما. وفي ((الشامل)): أن القاضي أبا الطيب ذكر في ((المجرد)) وجهًا ثالثًا حكاه الغزالي أيضًا: أن يكون وقفًا يرجع إلى قرابة الواقف، لعدم استحقاق الفقراء، كالمنقطع الآخر. قال القاضي الحسين: وهذا الخلاف إذا كان الفقراء غير متعينين، أما إذا كانوا متعينين، فعندي حكمهم حكم الأولاد، وهذا ما أورده البغوي، وتبعه الرافعي. قال الإمام: ولا خلاف أن البطن الثاني إذا قلنا: لابد من يمينهم، فلم يحلفوا-[أنه] لا يعود مطلقًا، ولا يسلم لمن كان في يده إذا كان البطن الأول قد ادعوه على من هو في يده، كما سنذكره. ولو كان انقرض الإخوة واحدًا بعد واحد، فنصيب الأول يعود إلى أخويه، ونصيب الثاني يعود إلى الباقي، إذا كان الواقف قد شرط أن من مات انتقل نصيبه إلى من بقي في طبقته، وكذا لو أطلق على أحد الوجهين في ((الحاوي))،

стр. 9383

لكن هل يحتاج من انتقل إليه شيء أن يحلف؟ إن قلنا بقول أبي إسحاق، فلا. وإن قلنا بقول ابن سريج، فوجهان: أصحهما في ((الوسيط)) وغيره: أنه لا يحلف أيضًا، لأنه قد حلف مرة على الجملة، بخلاف الأولاد. والوجه الآخر في حالة إطلاق الوقف: أن نصيب الميت يستحقه الفقراء والمساكين حتى ينقرض جميعهم، فيستحقه البطن الثاني، وهذا يظهر أن يكون قائله يرى بمذهب أبي إسحاق، أبو بمذهب ابن سريج، ويرى أنه يصرف الريع إلى الفقراء عند انقراض البطن الثاني، للضرورة. والحالة الثانية: أن ينكل الإخوة الثلاثة عن اليمين، فتكون الدار تركة [في] الظاهر، فإن كان على الميت دين يستوعبها، قضى من ثمنها، وبطل وقفها. وإن لم يكن دين، وكان ثم وصايا، قضى منها ما يحتمله الثلث. وإن لم يكن وصايا ولا ديون، صار نصيب الثلاثة منها وقفًا بإقرارهم، وكذلك نصيبهم بعد إخراج الموصى به، وقضي الدين إن كان لا يستوعب التركة، وإذا انقرضوا انتقل إلى البطن الثاني بغير يمين، وينتقل من بعدهم للفقراء، كذا قاله الماوردي والقاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ. قال الرافعي: والذي ذكره القاضي ابن كج والإمام والبغوي في كتبهم: أنها لا تصرف إلى أولادهم بغير يمين، يعنون: على سبيل الوقف، ولا يكون إقرار الأولين لازمًا عليهم. قال الرافعي: ويمكن أن يكون هذا الاختلاف مبينًا على أن البطن الثاني يتلقون من الواقف، أو من البطن الأول؟ قلت: كلام الإمام يأباه، لأنه نفي استحقاقهم عند عدم حلفهم بلا خلاف، وقال فيما إذا حلفوا: في استحقاقهم قولان، بناء على أنهم يتلقون من الواقف، أو من البطن الأول؟ فعلى الأول: يستحقون، إذا حلفوا، وعلى الثاني: لا، [وكذا قاله البغوي والغزالي في ((الوسيط)).

стр. 9384

وقضية كلام الرافعي على الثاني: نعم، بل الجمع بين النقلين أظهر من ذلك، لأن صورة المسألة التي قال فيها الماوردي وغيره ما ذكرناه: إذا ادعى بعض الورثة أن أباهم وقفها عليهم دون باقي الورثة، وهي في يد الورثة، وصورة المسألة التي قال فيها الإمام ما ذكرناه: إذا ادعى ثلاثة على رابع في يده دار: أن أباهم وقفها عليهم، وكانت ملكه إلى حين الوقف، ونكلوا، وماتوا، فلا تصرف للبطن الثاني بلا يمين، لأن البينة لم تكمل حتى تنتزع الدار من صاحب اليد المدعي ملكها، بخلاف الصورة السابقة، لأن للناكلين عن اليمين بعد دعوى الوقف يدًا على بعضها، فلذلك حكم عليهم بموجب إقرارهم. ولو مات الباقون من الورثة قبل موت الإخوة الثلاثة- والصورة كما ذكرنا أولًا- وعاد نصيبهم إلى الثلاثة، صار جميع الدار وقفًا بإقرارهم. وكذا إذا عاد إليهم من نصيب بقية الورثة شيء كان هذا حكمه، ولهم تحليف الوارث على نفي العلم [بالوقف]، وهل للبطن الثاني الحلف مع الشاهد عند نكول الثلاثة فيما نحن نتكلم فيه؟ فيه قولان: قال بعضهم: إنهما منصوصان. وبعضهم قال: هما مبنيان على أن الوقف المنقطع الابتداء، هل يصح أو يبطل؟ فإن قلنا: يبطل، لم يحلف البطن الثاني، لأنه بطل بنكول البطن الأول، وإن قلنا: لا يبطل، حلفوا. وقضية هذا البناء أن نقول: لا يكون نصيب الناكلين وقفًا عليهم بإقرارهم، لأنه بطل بنكولهم عن اليمين، وهذا لم أره لأحد. [وبعضهم] قال: هما مبنيان على أن البطن الثاني يتلقون من البطن الأول، أو من الوقف؟ فإن قلنا بالأول، لم يحلفوا، كما [لو] أقام شخص بملك له شاهدًا، ونكل عن اليمين، ثم مات، فإن وارثه لا يحلف [كما حكاه القاضي الحسين، ولم يورد الإمام سواه]. وإن قلنا بالثاني حلفوا، وحلفهم رآه الماوردي أظهر، وقال القاضي أبو الطيب

стр. 9385

وابن الصباغ: إنه الصحيح، واختيار الشافعي: ثم في محل هذين القولين وجهان: أحدهما- عن أبي إسحاق-: أنه إذا انقرض البطن الأول، فإن لم ينقرضوا فلا يحلفون قولًا واحدًا. والثاني- عن ابن أبي هريرة-: أنه عند بقاء البطن الأول، فإذا انقرضوا حلفوا قولًا واحدًا. قال الماوردي: وقول أبي إسحاق أشبه بالصواب. الحالة الثالثة: أن يحلف واحد من الثلاثة، وينكل الباقيان، فتصير ثلث الدار وقفًا عليه، والثلثان ميراثًا للأخوين، وبقية الورثة، ولا يرث الحالف معهما شيئًا، قاله الماوردي والبندنيجي والمحاملي والبغوي وغيرهم. وفي ((الشامل)): أن الفاضل بعد قضاء الدين والوصايا من الثلثين يقسم على جميع الورثة، ما يحصل للبنين الثلاثة يكون وقفًا على الناكلين، لأن الحالف يعترف لهم بذلك. كذا حكاه الرافعي عنه، وهو أفقه. وقال الماوردي وغيره: إن الذي يكون وقفًا عليهما حصتهما من الميراث بمقتضى إقرارهما. وقال: إن في حلف البطن الثاني القولين. والإمام لما صور المسألة بما ذكرناه قال: يكون ثلث الدار وقفًا على الحالف، ولا يثبت للناكلين حق، بل تترك حصتهما في يد المدعى عليه، فإنه لم تقم عليه حجة في ذلك المقدار. وإذا مات الإخوة الثلاثة- والصورة كما ذكرنا أولًا- انتقلت حقوقهم إلى البطن الثاني، [لكن] نصيب من لم يحلف من الإخوة يكون منتقلًا إليهم بغير يمين، ونصيب من حلف هل ينتقل إليهم بيمن أو بغير يمين؟ [فيه الوجهان السابقان. ولو كانت الصورة كما صورها الإمام- كان قضية قوله السابق: أن نصيب من قد حلف هل ينتقل بيمين أو بغير يمين؟ فيه الخلاف، ونصيب من لم يحلف لا
следующие страницы →