Полный текст (9 685 стр.). Показаны 9416–9455 · переход к 9421.
стр. 9416
وقال الماوردي هنا: إنه مبني على خلاف ذكره العلماء في تأويل قوله ﷺ لعلي: ((لا تتبع النظرة النظرة، فإن الأولى لك، والثانية عليك ...)).
فمنهم من قال: يريد لا تتبع نظر عينك نظر قلبك، فعلى هذا لا يأثم بالنظر بغير شهوة، ويكون على عدالته، وقد حكى الإمام هذا عن الجمهور.
ومنهم من قال: لا تتبع النظر الأولى التي وقعت سهوًا بالنظرة الثانية التي أوقعتها عمدًا، فعلى هذا يكون بمعاودة النظر آثمًا يخرج به عن العدالة، فلا تقبل شهادته إلا بعد التوبة، وهذا ما ذهب إليه طوائف من الأصحاب.
وقال الإمام في أول كتاب النكاح: إن إليه ميل العراقيين.
ثم إذا جاز أن ينظر إلى وجهها، ليعرفها في الشهادة لها عليها، قال في ((البحر)): قال جمهور الفقهاء: يجوز أن ينظر إلى جميع وجهها، لأن جميعه ليس بعورة، وعلى هذا هل يجوز النظر إلى كفيها؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، لأنه ليس بعورة.
والثاني- وهو قول الأكثرين-: لا يجوز، لاختصاص المعرفة بالوجه.
وقال في ((الحاوي)) بعد حكاية أقوال العلماء فيما يباح النظر إليه من الوجه عند التحمل أوردها الروياني [أيضًا]: والصحيح أنه ينظر إلى ما [يعرفها به]، فإن كان لا يعرفها إلا بالنظر إلى جميع وجهها، جاز له النظر إلى جميعه، وإن كان يعرفها بالنظر إلى بعض وجهها، لم يكن له أن يتجاوزه إلى غيره.
وفي ((الرافعي)): إن الصميري ذكر أنه لو نظر إلى أكثر وجهها وسمع كلامها، جاز، ولعله محمول على إحدى هاتين الحالتين.
قال الماوردي: ولا يزيد على النظرة الواحدة إلا ألا يتحقق إثباتها إلا بنظرة ثانية، فيجوز [منه]، وسنذكر من بعد شيئًا يتعلق بذلك.
قال: وإن كان عقدًا- أي: [من] بيع ونحوه، وطلاق ونحوه، أو إقرارًا- فلابد من مشاهدة العاقد، والمقر، وسماع كلامهما- أي: ولا يكتفي في ذلك بالتسامع- لأن ما أمكن إدراكه بعلم الحواس، لم يجز أن يعمل فيه بالاستدلال المفضي إلى غالب الظن.
стр. 9417
تنبيه: المفهوم من قول الشيخ أن العاقد والمقر لو كان امرأة فلابد من مشاهدته، والمشاهدة إنما تحصل بسفر النقاب، وكشف الوجه.
وعبارة الإمام في ذلك: أنه لا يحل تحمل الشهادة على منقبة.
وقريب منها قول الغزالي: لا يجوز تحمل الشهادة على امرأة منقبة.
قال الرافعي: إن لك أن تقول: ما ينبغي أن يتوقف جواز التحمل على كشف الوجه، لأن حضور امرأة، أو شخص تحت النقاب، وإقرار ذلك الحاضر متيقن، فإذا رفعت المرأة إلى القاضي، والمتحمل يلازمها يتمكن من الشهادة على عينها بأنها أقرت بكذا، وهو نظير صورة الضبط في شهادة الأعمى.
وقد يحضر قوم يكتفي بإخبارهم في التسامع، قبل أن تغيب المرأة- إذا لم يعتبر في التسامع طول المدة، كما سيأتي- فيخبرون عن اسمها، ونسبها، فيتمكن من الشهادة على اسمها ونسبها، بل ينبغي أن يقال: لو شهد اثنان تحملا الشهادة على امرأة لا يعرفانها أن امرأة حضرت يوم كذا بمجلس كذا، فأقرت لفلان بكذا، وشهد عدلان أن المرأة المحضرة يومئذ في ذلك المكان هذه- كان يثبت الحق بالبينتين، [أليس] لو قامت بينة على أن فلان بن فلان الفلاني أقر بكذا، وقامت بينة أخرى على أن هذا الحاضر هو فلان بن فلان- ثبت الحق، فما الفرق بين تعريف المشهود عليه المطلق باسم ونسب، وبين تعريفه بزمان ومكان، وإذا اشتمل التحمل على هذه الفوائد، وجب أن يجوز مطلقًا، ثم إن لم يعرض ما يفيد جواز الشهادة على العين، أو على الاسم والنسب، ولم ينضم إليه ما يتم به الإثبات، فذاك شيء آخر.
قلت: وما ذكره فقه ظاهر لا ينكره ذو فطنة، لكن مراده الأصحاب بأنه لا يجوز التحمل على المرأة المنقبة، ليؤدي ما تحمله، اعتمادًا على معرفة صوتها، كما أشار إليه الروياني في بعض كلامه هنا، ولا يقدح في ذلك ما قاله المتولي في كتاب النكاح: أنه لو قال: زوجتك هذه، وهي منقبة، لا يصح، لأنها مجهولة، كما لا يتحمل الشهادة عليها إلا بعد مشاهدتها، لأن حالة التحمل في النكاح ملحقة بحالة الأداء في غيره، لوجوب ذلك.
ولكن لقائل [أن] يقول: قد حكى الماوردي أن الناس اختلفوا في جواز تحمل الشهادة عمن لا يعرفه، ولمن لا يعرفه.
стр. 9418
فمنع منه قوم، لأن المقصود بالشهادة أداؤها، ومع الجهالة لا يصح، فصار الشاهد غارًا.
وقال قوم: يكفي المقر أن يأتيه بمن يعرفه، ثم يشهد عليه بعد التعريف، ولا يشهد عليه قبله.
والذي عليه الجمهور: أنه يجوز أن يشهد على من لا يعرفه، ولمن لا يعرفه إذا أثبت صورتهما، وتحقق أشخاصهما، ثم إن عرفهما عند أداء الشهادة أدى، وإلا لم يجز [له إقامتها.
ثم ظاهر إطلاق الغزالي وإمامه يقتضي منع التحمل على المرأة المنقبة مطلقًا].
وقد قال في ((الحاوي)) و ((العدة)): إن هذا مخصوص بما إذا لم يعرفها الشاهد فيه، فإن عرفها منتقبة لم تكشفه.
فإن قلت: قد حكينا فيما لو كان العاقد أو المقر من وراء ثوب خفيف مشف في جواز التحمل عليه وجهان:
أحدهما- وهو الأصح في ((الرافعي)) -: الجواز، لأنه لا يمنع من مشاهدة ما وراءه.
والثاني: لا يجوز، لأن الاشتباه معه يجوز، وهذه الصورة أولى أن يجري فيها [هذا] الخلاف، لأن البشرة ثم مشاهدة، وليست هنا كذلك.
قلت: الفرق أن البشرة ثم وإن شوهدت فمن وراء حائل لا يمنع الاشتباه كما ذكرنا، وهنا المنتقبة بعض وجهها مكشوف، وهو المعتمد في المعرفة، فلا اشتباه معه.
فرع: لو دخل رجلان بيتًا لا ثالث معهما فيه، وقد عرف ذلك شخص، وجلس على بابه، فسمعهما يتعاقدان عقدًا- قال البندنيجي: قال أصحابنا: صار متحملًا للشهادة، لأنه يقطع أنه ليس في البيت سواهما.
قال: وهذا عندي فاسد، [لأنه] وإن قطع أنه لا أحد سواهما، فهو لا يعرف البائع من المشتري منهما.
стр. 9419
قال: إن كان نسبًا، أو موتًا، أو ملكًا مطلقًا- جاز أن يتحمل [بالاستفاضة] من غير معارضة، أي: ويؤدي.
هذا [الفصل] ينظم ثلاث مسائل:
الأولى- النسب:
ووجه جواز التحمل فيه بذلك: أن النسب لا يدرك قطعًا ويقينًا، وثبوته من طريق الظاهر، فلم يكلف تحقيقه فيه، لأن ذلك يؤدي إلى إسقاط الشهادة عليه.
قال في ((الإشراف)): ويجوز أن يشهد على النسب وإن لم يعرف المنسوب إليه بعينه.
واعلم أن بان يونس قال: ما ذكره الشيخ في النسب من جانب الأب، أما إذا كان من جانب الأم، فهو كالنكاح. وهو في هذه العبارة متابع للغزالي، وفيها نظر، لأن النسب مأخوذة من الانتساب، وهو إلى الأب لا إلى الأم، ويدل [عليه] ما ذكره الأصحاب عند قولهم: إن الولد لا يزوج أمه، ولذلك لما أراد الإمام حكاية الخلاف في جانب الأم، قال: إن من أصحابنا من يلحق الانتماء إلى الأم بالانتساب إلى الأب، وهذا التقرير لا يحوج كلام الشيخ إلى تقييد، بل يكون على إطلاقه كما أطلقه غيره من العراقيين.
ثم قال الإمام: وهذا الخلاف قريب [المأخذ] من تردد الأئمة في أن المرأة كما تقدم.
وقد قال في ((الوجيز)): الأصح ثبوت الانتماء إلى الأم بالاستفاضة.
وحكى في ((الوسيط)) عن بعضهم القطع به.
قلت: وقد يقال: إن في كلام الشيخ ما يدل عليه، لأنه يجوز تسمية الانتماء إلى الأم نسبًا، على سبيل المجاز.
стр. 9420
وفي كلام الشيخ ما يدل عليه، لأنه قال بعد ذكر النسب والموت والملك المطلق: جاز أن يتحمل بالاستفاضة من غير [معاينة، ومعاينة] ذلك من جانب الأب محال، فدل على إرادة جانب الأم.
لكن جوابه: أن المراد معاينة النسب، وهو الولادة على الفراش، لا معاينة النسب نفسه، ويدل على ذلك أنه قال ذلك في الملك، والملك لا يشاهد، إنما المشاهد أسبابه من البيع والهبة والاحتطاب، ونحو ذلك، وهي التي أراد الشيخ أنه لا يحتاج إلى معاينتها، والله أعلم.
الثانية: الموت:
قال القاضي أبو الطيب: ووجه جواز التحمل فيه بالاستفاضة: أنه لا يكاد يدرك حقيقة، لأنه ربما لحقته سكتة، وقد أمر بتعجيل الدفن، فلا يمكن تركه حتى يتحقق موته، لوقوعه في الأسفار- وهي كثيرة- والبراري، والقفار.
وقال غيره: لأن أسبابه كثيرة خفية، وظاهرة، يتعذر الوقوف عليها، فاكتفى فيه بالاستفاضة، كالنسب.
[قال في ((الإشراف)): يجوز أن يشهد به من لم يعرف الميت بعينه]، وهذا ما أورده الجمهور.
وحكى القاضي الحسين أن من أصحابنا من يلحق الموت بالمختلف فيه، فإنه على الجملة يمكن فرض العيان فيه.
قال الإمام: وهذا وإن كان منقاسًا فلا تعويل عليه، فإن موت الإنسان مما يشتهر ويقع في أفواه الناس كالنسب، وعماد تحمل الشهادة هذا.
الثالثة: الملك المطلق:
ووجه جواز التحمل فيه بالاستفاضة فقط: أنه لا يتصور العلم فيه وإن تصور الإحاطة بأسبابه، لأن حصوله بالبيع ونحوه فرع كون البائع مالكًا، وكذلك الكلام مملوكًا، فانفلت من مالكه، ومن احتطب أو احتش احتمل أن يكون من شيء مملوك جهل حاله، وإذا كان كذلك التحق بالنسب، وهذا ما أورده العراقيون، والفوراني.
стр. 9421
وقال الإمام: أنه بعيد، فإن فرض له ثبوت فهو فيه إذا لم يعارض هذا التسامع يد وتصرف من الغير، ووراءه أوجه:
أحدها- حكاه الماوردي عن بعض الأصحاب-: أنه لا يشهد بالملك بمجرد الاستفاضة، وهو الذي حكى الإمام عن القاضي القطع به، وقال: إنه قياس المراوزة.
نعم، إذا رآه يتصرف فيه شهد به، لأنه يجتمع له في العلم به السماع والمشاهدة، فيصل إليه من أقصى نهاية المكنة.
والثاني: أنه لا يشهد بالملك بالاستفاضة والتصرف، بل لابد مع ذلك من أن يكون في يده، وبه أجاب في ((الرقم))، ويحكى عن نصه في ((حرملة))، فإذا اجتمع ذلك جازت الشهادة [به] بلا خلاف، كذا قاله الإمام.
وفي ((البحر)) أن بعض أصحابنا بخراسان قال: في الأملاك قول آخر أنه لا تجوز الشهادة فيها حتى يعلم سبب الملك. وهو أقيس، لكنه خلاف ظاهر المذهب المنصوص.
والاستفاضة المذكورة هنا صورتها أن يستفيض في الناس: أن هذه الدار، أو هذا العبد ملك زيد من غير إضافة إلى سبب، فإن كان المستفيض سبب الملك لم يتحمل عليه، كما تقدم.
قال ابن الصباغ وغيره: إلا أن يكون السبب الميراث، فيجوز، لأن الميراث يستحق بالنسب والموت وكلاهما يثبتان بالاستفاضة.
وقد ألحق الإمام بهذه الصور الثلاث صورة رابعة، وهي الشهادة بالإعسار، فقال: إنه يتحملها بالاستفاضة، لأنه لا مطلع عليه، ولو لم يكن في إثباته طريق لتخلد الحبس على المعسر من غير درك منتهى.
стр. 9422
وفي ((الإشراف)) عند الكلام في الجرح والتعديل: أن الشاشي قال: تسمع في العدالة الشهادة بالشيوع من جماعة وافرة، وهذه صورة خامسة.
قال: وأما النكاح، والوقف، والعتق، والولاء- فقد قيل: يشهد فيها بالاستفاضة، لأن هذه الأشياء إذا ثبتت بقيت ودامت واشتهرت، وشهود المشاهدة [قد] يزولون لطول الزمان، فلو قلنا: لا تثبت بالاستفاضة، لتعطلت غالبًا.
وقد أيد في النكاح بأن أحدًا لا يشك في أن عائشة- ﵂ زوج النبي ﷺ ، والمستند فيه الاستفاضة، وهذا قول صاحب ((التخليص))، و ((الإيضاح))، وابن أبي هريرة، والإصطخري، وقال في ((الشامل)): إنه أقيس، وقال في ((البحر)): إنه أصح عندي، واختاره في ((المرشد))، والنواوي، و [في] ((الحاوي)): أن بعضهم جزم به في الولاء، لقوله ﷺ : ((الولاء لحمة كلحمة النسب)).
وحكى أنه هل يحتاج عند الشهادة بالزوجية إلى أن يرى الزوج داخلًا إليها، وخارجًا من عندها- وجهين كالتصرف في الملك مع تظاهر الخبر.
وقيل: لا يشهد، لأن ذلك نشأ عن لفظ مسموع، فأشبه البيع.
قال البندنيجي: وهذا قول أبي إسحاق وغيره من أصحابنا.
وقال القاضي الحسين: إنه الأظهر. وتبعه الإمام، والغزالي، والقاضي الروياني في ((جمع الجوامع)).
وقال في ((البحر)): إنه الأشبه بمذهب الشافعي [والأصح].
وقال الرافعي: إن به أجاب القفال في ((الفتاوى))، وأن العبادي رجحه أيضًا، وأن هؤلاء قالوا: ما ذكره الأولون يمكن تداركه بالشهادة على شهود الأصل، واستحبوا للحاكم أن يجدد شهود كتب الوقف مهما خاف انقراض الأصول.
قلت: وهو الذي نص عليه الشافي كما حكاه الأصحاب عنه في باب عقد الذمة.
وعن صاحب ((العدة)) أن هذا ظاهر المذهب، لكن الفتوى بالجواز للحاجة. ثم أعلم أن محل الخلاف المذكور فيما إذا استفاض أن هذه زوجة فلان، لا عقد النكاح بينهما، وأن هذا وقف على فلان أو جهة عامة كما قاله الصيدلاني وغيره، لا أن فلانًا أنشأ الوقف.
стр. 9423
وعن الشيخ أبي محمد: أن محله إذا كان الوقف على جهة عامة: كالفقراء، أما الوقف على معين فلا يجز استناد الشهادة فيه إلى الاستفاضة وجهًا واحدًا.
قال الإمام: وهذا لا اعتداد به، لأن الخلاف يجري في النكاح مع اختصاصه بشخص معين.
[و] قال في الإشراف: إنا إذا جوزنا الشهادة بالاستفاضة على الوقف فلا يشهد على المصرف، بل يشهد على المصرف، بل يشهد أنه وقف مؤبد، ثم الأمر بعد ذلك إلى القاضي يصرف غلة الموقوف إلى من يؤدي إليه اجتهاده، وأن هذا عتيق فلان، لا أنه أعتقه، وأن لزيد الولاء على عمرو.
وقد ألحق البندنيجي بهذه الصورة [صورة] خامسة وهي تولية القضاء إذا كان الموضع قريبًا كما تقدم.
والدين لا يثبت بالاستفاضة على الأصح.
وحكى الهروي وجهًا: أنه يثبت وإليه أشار ابن الصباغ عند الكلام في الملك المطلق بقوله: وأصحابنا لا يسلمون عدم ثبوته بالاستفاضة.
قال: وأقل ما يثبت به الاستفاضة اثنان، لأن الحاكم يعتمد على قولهما في الحكم، فكذلك الشاهد، وهذا قول الشيخ أبي حامد وأبي حاتم القزويني، ولم يورد البندنيجي والقاضي أبو الطيب سواه، ونسبه ابن الصباغ إلى المتأخرين من أصحابنا، وحكاه الإمام عن العراقيين، وأنهم قالوا: لا يعتبر في ذلك لفظ الشهادة من المخبرين، وكذا لا يشترط أن يأتي المخبر بصيغة الشهادة على الشهادة، لكن يعتبر أن يكونا عدلين، وتطيب نفس السامع بهما، وقد حكاه غيره.
وقال الماودري: إن هذا وهم من قائله، لأن قول الاثنين من أخبار الآحاد، وأخبار الآحاد لا تبلغ التتابع المستفيض، بل الصحيح أن الاعتبار في ذلك بالعدد المقطوع بصدق مخبره، وهو عدد التواتر المنتفي عن المواطأة والغلط، وعلى جرى [النواوي.
стр. 9424
وقد حكى] الإمام هذا والذي قبله وجهين عن رواية الشيخ أبي علي، وأن القاضي وشيخه وغيرهما لم يوردوا غير الثاني، وقال: إن الأول وإن [كان] بعيدًا عن القياس فهو متجه عندي من جهة أن التواتر إنما يفيد العلم إذا كان مستندًا إلى معاينة المخبرين، هذا مما لابد منه، و [هو] غير ممكن في الأنساب، فإنه لا مستند لها من عيان.
قال الرافعي: وينبغي على الوجه الثاني ألا تعتبر العدالة ولا الحرية ولا الذكورة.
وقد حكى ابن الصباغ: أن كلام الشافعي يقتضي أن تكثر به الأخبار، لأنه شرط تظاهر الأخبار وذلك أن يكون بانتشارها كثيرًا، وكأنه يشير إلى قول الشافعي: ((من شرط جواز الشهادة فيما ذكرناه أن يتظاهر به الخبر زمانًا طويلًا ممن يصدق، ولا يكون هناك دافع يدفعه، ولا منازع ينازع فيه، ولا دلالة يرتاب)).
قال ابن يونس: ومفهوم كلام ابن الصباغ: أنه إذا كثرت الأخبار بحيث يقع في قلبه صدقهم، وإن لم يبلغوا عدد التواتر كفى.
ويقرب من ذلك قول الإمام: الذي أراه أن من اشترط الاستفاضة فربما يكتفي
стр. 9425
[بالإشاعة] من غير تكثير، فإن التواتر إذا كان لا يوجب العلم بالباطن، وهو العلم حقًا، فالعماد أمر يرجع إلى العادة في إثارة غلبات الظنون، وهذا يكفي فيه الإشاعة وعدم التكثير.
وعلى هذا قال في ((البحر)): إذا تظاهر الخبر: إن كان من رجال ونساء، وصغار وكبار، وأحرار وعبيد- فهو الأوكد، لامتزاج من تصح شهادته بمن لا تصح.
ولو انفرد النساء والعبيد، صح به تظاهر الخبر، لقبول خبرهم.
ولو انفرد به الصبيان مع اختلاف أحوالهم، وشواهد الحال بانتفاء التصنع والمواطأة- احتمل في صحة التظاهر بهم وجهان.
وفي ((تعليق)) القاضي أبي الطيب: أنه سئل في الدرس عما إذا سمع من واحد، وسكن إلى قوله، هل يجوز له أن يتحمل الشهادة على ذلك، أم لا؟ فقال: يحتمل أن يقال: يجوز، لأن الاعتبار بما يسكن إليه قلبه، ويغلب على ظنه، وقد حكاه في ((المهذب)) وجهًا، وكذلك أبو الفرح السرخسي، وبه يحصل في المسألة- إن صح حمل النص على ما قاله ابن يونس- أربعة أوجه، وعليها يتخرج ما إذا أخبر شخص بأن هذه المرأة المنتقبة فلانة [بنت فلان]، ولم يكن يعرفها، ولا كشفت عن وجهها، وطلب منه أن يتحمل عليها أو لها شهادة، ويؤديها في غيبتها، فإن كان المخبر له عدد التواتر، انبنى جواز ذلك على خلاف الأصحاب في أن من شرط الاستفاضة تكرار الأخبار، وامتداد مدة السماع أو لا يشترط ذلك، ويكفي أن يخبر الشاهد جماعة لا يرتاب في صدقهم دفعة واحدة؟
فإن قلنا بالأول، وهو الذي أورده كثيرون- كما قال الرافعي، [و] منهم الروياني فإنه قال: الملك المطلق يثبت بسماع الخبر الشائع على اختلاف أحوالهم يقولون: هذه الدار لفلان، وهذه الدابة لفلان، ويتكرر ذلك على مرور الزمان، لا يرى فيهم منكر ولا منازع- فلا يجوز التحمل عليها، ولا لها، وعليه يدل ما حكاه في ((البحر)) - أيضًا- عن الشافعي حيث قال: ويسعه الشهادة على النسب
стр. 9426
إذا سمعه زمانًا ينسب إلى نسب، وينسبه غيره إلى ذلك النسب، ولم يسمع دافعًا، ولا دلالة يرتاب بها، فهذه شروط أربعة: طول الزمان في انتسابه إلى ذلك النسب، ونسبة غيره إياه، وعدم الدافع، وعدم الأدلة التي هي سبب الريبة.
وكذلك قول الماوردي: إن النسب يثبت بسماع الخبر الشائع الخارج إلى حد الاستفاضة في أوقات مختلفة وأحوال مختلفة متباينة من مدح، وذم، وسخط، ورضا يسمع الناس فيها على اختلافهم يقولون: هذا فلان بن فلان، فيخصونه بالنسب إلى أب أدنى، أو يعمونه بنسب أعلى فيقولون: هذا من بين هاشم، أو [من] بني أمية.
وإن قلنا بالثاني- وهو ما روى القاضي ابن كج القطع به- جاز له التحمل. ولو كان المخبر دون عدد التواتر، وفوق الاثنين على النحو الذي رآه الإمام يكون الحكم كما إذا أخبره عدد التواتر.
وعلى رأي الماوردي ومن معه [لا يجز له التحمل.
ولو كان المخبر عدلان، فعلى رأي الشيخ أبي حامد ومن معه] يجوز له التحمل، صرح به الرافعي وغيره، ومنه يظهر أن القائل بهذه الطريقة لا يشترط تكرر الخبر، فإنه لا معنى لاشتراطه مع الاكتفاء بخبر الاثنين.
وللإمام احتمال في منع ذلك أيضًا.
وفي ((أدب القضاء)) لابن أبي الدم: أن الشيخ أبا محمد كان يميل إلى جواز تحمل الشهادة على المرأة المنتقبة بالتعريف، للحاجة إلى ذلك، لا بناء على ثبوت النسب بالتسامع من عدلين إذا لم يكن يراه، [بل] لضرورة الناس إليه في مدايناتهم.
قال القاضي الحسين: وهذه عادة أهل هراة وغيرها من البلدان تأتي المرأة المحتشمة المخدرة مع شاهدين يقولان: نشهد أن هذه بنت فلان، ثم هي تقر بأن لفلان على كذا، فتكتب شهادته على الصك، ثم تودي الشهادة، وقد يحمل على هذا الوجه.
стр. 9427
وعلى الوجه الثاني الذي صار إليه الماوردي: لا يجوز له التحمل، وإليه صار القفال، فإنه استشهد في مثل ذلك، فكتبك أشهدني فلان وفلان: أنها فلانة بنت فلان، وأنها أقرت، فلما طلب للأداء امتنع، وقال: كيف أشهد والشاهدان في السوق، يعني: أن شهادتي شهادة الفرع، وعلى ذلك جرى القاضي الحسين، ولم يورد في ((الوجيز)) سواه.
ولو كان المخبر عدلًا واحدًا، وقد طابت النفس بخبره، فالذي يجيء على الأوجه المذكورة أولًا: أنه لا يشهد عليها، وعلى الأخير يتحمل، وقد حكاه الرافعي عن الشيخ أبي محمد، سلوكًا به مسلك الأخبار، وكذا حكاه ابن أبي الدم عن الهروي عنه.
قال الرافعي: وعليه جرى جماع من المتأخرين منهم القاضي الروياني.
وحكى عن رواية ابن كج عن الإصطخري أنه قال: إذا كان الشخص يعرف نسب امرأة، ولا يعرف عينها، فدخل دارها، وفيها نسوة سواها، فقال لابنها الصغير: أيتهن أمك أو لجاريتها: أيتهن ستك، فأشار إلى امرأة، فسمع إقرارها، جاز أن يشهد: أن فلانة بنت فلان أقرت بكذا، وأنه لم يقم إخبار عدلين بذلك مقام إخبار الصغير والجارية، لأنه أشد وقعًا في القلب وأثبت.
فروع:
أحدها: إذا سمع رجلًا يقول لآخر: هذا ابني، وصدقه الابن، أو: أنا ابن فلان، وصدقه فلان، قال العراقيون- كما حكاه الإمام، وأورده ابن الصباغ-: يجوز أن يشهد على النسب.
وكذا لو استلحق صبيًا أو بالغًا، فسكت.
قال ابن الصباغ: وإنما أقاموا السكوت في النسب مقام النطق، لأن الإقرار على الأنساب الفاسدة لا يجوز.
نعم، لو أنكر المستلحق ذلك لا يثبت النسب، ولا يشهد به.
وفي ((المهذب)) وجه: أنه لا يشهد عند السكوت إلا إذا تكرر منه الإقرار والسكوت.
стр. 9428
وقال الإمام بعد حكاية ما ذكرناه أولًا: وهذا في قياس الفقه خطأ صريح، فإن قول الشخص الواحد من غير إشاعة في حكم الدعوى حيث ذكروه، ونحن وإن كنا نثبت نسب المولود بالدعوى فيستحيل أن يجوز اعتمادها للشهادة على النسب مطلقًا. نعم، يشهد الشاهد على الدعوى، ثم يقع الحكم بموجبها، وعلى هذا جرى الغزالي.
وقال الرافعي: إنه القياس الظاهر، وربما أمكن تنزيل إيراد بعض الناقلين عليه، وهو في ((الحاوي))، لأنه قال: إذا قال رجل لرجل: أن ابنك، وصدقه، ثبت بتصديقه النسب، ويكون ثبوته بينهما بالإقرار، وتكون الشهادة عليه كالشهادة على الإقرار.
وإن لم يصدقه، ولم يكذبه، فإن لم يشهد حال إمساكه بالرضا لم يثبت النسب، و [إن] شهد حال إمساكه بالرضا، فقد قال أبو حامد الإسفراييني: يثبت النسب، لأن الرضا من شواهد الاعتراف، وهذا على الإطلاق ليس بصحيح، والحكم فيه: أنه إن لم يتكرر ذلك لم يكن اعترافًا بالنسب، وإن تكرر وزال عنه شواهد الخوف والرجاء في أحوال مختلفة، صار اعترافًا بالنسب، لأن أكثر الأنساب بمثله تثبت. وهكذا لو ابتدأ أحدهما فقال للآخر: أنا أبوك، اعتبر حال الابن بمثل ما اعتبرت به حال الأب، وكان الجواب فيهما سواء. وهذا منه يدل على أن قول أي حامد في جواز الشهادة على الإقرار بالنسب في حالة السكوت لا على أصل النسب، فإن الصحيح أنه إذا تكرر منه الإقرار والسكوت يجوز أن يشهد على إقراره بالنسب، لأنه لا يريد شواهد حاله بالرضا بالتصديق [على التصديق]، وقد تقدم القول بأن شهادته عند التصديق تكون على الإقرار، وكلام البندنيجي لا يأبى ذلك، فإنه قال: لو سمع رجلًا يقول لمجهول النسب: هذا ابني، أو سمع رجلًا يقول [لرجل]: هذا أبي: والأب ساكت، صار متحملًا للشهادة، لأن سكوت سكوت راضٍ بذلك.
стр. 9429
[الفرع الثاني:] إذا استشهد اثنان بأن فلان بن فلان وكل هذا، كانت الشهادة بالوكالة شهادة بها وبالنسب جميعًا عندنا.
قال في ((البحر)): لأن الشهادة توجب ما تضمنها من مقصود وغير مقصود، كمن شهد بثمن في بيع، كان شاهدًا بالبيع وإن قصد الثمن.
الفرع الثالث: إذا وكل شخص شخصًا بمجلس الحاكم، وغاب، والحاكم لا يعرفه بالنسب، فشهد شاهدان أنه فلان بن فلان- ثبتت الوكالة، وكان للوكيل أن يخاصم في غيبته، بخلاف ما [لو] انتفى ذلك، فإنه لا يخاصم عنه إلا بحضوره.
قال القاضي الحسين- كما ذكرناه في [باب] الوكالة-: ويكتفي القاضي بالعدالة الظاهرة في هذين الشاهدين، ويتساهل في البحث والاستزكاء.
وعن القاضي أبي سعد الهروي أنه يجوز الاقتصاد فيه بمعروف واحد.
قال الرافعي: وليجر مثل ذلك هنا.
واعلم أنه لا يشترط عند الشهادة فيما المستند فيه الاستفاضة التصريح بها.
قال في ((المرشد))، بل يطلق الشهادة بأنه ابنه، أو ملكه، كما يشهد فيما شاهده. وفي أدب القضاء لابن أبي الدم: أنه لو صرح في الشهادة بذلك، فقال: أشهد بالاستفاضة أن هذه الدار ملك زيد، لأني رأيته يتصرف فيها مدة طويلة بالبناء، والتخريب، والإسكان، والإيجار [من غير] منازع، مع شيوع ملكيته لها بين الناس- لا تسمع.
والمذكور في ((الإشراف)) وغيره: أنه لو شهد أن الشيء استفاض بين الناس، لم يرتب على شهادته شيء، لأن الشيء قد يستفيض بين الناس وهو يعلم خلافه.
قال الرافعي: لكن عن الشيخ أبي عاصم أنه لو شهد شاهد بالملك، وآخر بأنه في [يده] مدة طويلة يتصرف فيه بلا منازع- تمت الشهادة، وقضية ذلك
стр. 9430
الاكتفاء به بذكر السبب، كما ذكره الشارح لكلامه، والظاهر الأول.
قال: وإن رأي رجلًا يتصرف في دار، أي: بالسكن، والإسكان، والهدم، والبناء، والرهن، والبيع، والفسخ، مدة طويلة من غير معارضة- أي: منازعة- جاز أن يشهد له باليد والملك، لأن العرف قاض بأن هذا يدل على الملك.
قال الماوردي في كتاب اللقيط: وبالقياس على الحاكم، فإنه يحكم بالملك بذلك، والحكم أوكد من الشهادة، وهذا قول ابن أبي هريرة والإصطخري.
وقال الإمام: إنه الذي ذهب إليه جماهير الأصحاب، وصححه في ((التهذيب))، والنواوي.
وقيل: يشهد له باليد دون الملك، وهو الأصح، لأن هذا التصرف مع طول المدة كما يجوز أن يكون في ملكه أن يكون في ملك غيره، واستفاده بولاية أو نيابة، وذلك يقدح في الجزم بالشهادة.
قال الماوردي ثم: ويخالف الحاكم، لأن للحاكم أن يجتهد، وليس للشهود أن يجتهدوا، وهو قول أبي إسحاق.
وقال الإمام: إنه الذي ذهب إليه القاضي وطائفة من المحققين، والشيخ في تصحيحه متبع لشيخه القاضي الطبري، كما قاله في ((البحر)) وتبعهما فيه.
أما إذا انتفى التصرف، ولم يوجد إلا مجرد اليد، قال القاضي الحسين: فلا خلاف أنه لا يشهد بالملك، وهو ما ادعى الإمام في باب الشهادة بالجناية أنه الرأي الظاهر.
قال الرافعي: ويجوز أن يشهد له باليد.
وفي ((التهذيب)): أنه إنما يشهد له باليد إذا رآه في [يده] مدة طويلة.
وقال الإمام هنا: إن شيخه كان يقول: اليد والتصرف يدلان على الملك مذهبًا واحدًا، واليد الدائمة بمجردها هل تدل على الملك؟ فعلى قولين:
[وليست] آمن صدور هذا عن غير ثبت، فإني لم أر أحدًا من الأصحاب غيره يذكر هذين القولين في اليد المجردة، فلذلك لا أعتد به، ولا أعده من المذهب.
نعم، لو وجد التصرف بالإيجار خاصة مرة بعد أخرى، هل يكفي حتى يجري فيه الخلاف السابق أم لا؟ فيه خلاف.
стр. 9431
وجه المنع- وهو الأصح في ((الوسيط)) -: أن مثل هذا يتفق من المستأجر مدة طويلة، ومن الموصى له بالمنفعة.
وقال الرافعي: إن الموافق لإطلاق الأصحاب الاكتفاء بها، وليجر الوجهان في مجرد التصرف بالرهن مرة بعد أخرى، لأن الرهن قد يصدر من المستعير.
ولو وجد التصرف التام مع اليد لكن في مدة قليلة، قال العراقيون: فلا يشهد بالملك وجهًا واحدًا.
ولو وجدت اليد والتصرف في المدة الطويلة، لكن ثم منازع: فإن كانت له بينة لم يشهد له بالملك وجهًا واحدًا، وإن لم تكن له بينة، فالمفهوم [من] إطلاقهم أنه لا يشهد به أيضًا.
وعن ابن كج رواية وجهين فيه.
ثم ما المراد بالمدة القليلة والطويلة؟
قال الشيخ أبو حامد: القليلة كالشهر والشهرين. وهو الذي أورده ابن الصباغ. وفي ((الزوائد)) أن الطبري قال: القليلة كاليومين والثلاثة.
وعن الشيخ أبي عاصم: أن فيما دون عشرة أيام وجهين، وبهذا يظهر لك اختلافهم في الأكثر.
وفي ((أدب القضاء)) لابن أبي الدم عن الشيخ أبي علي أنه قيل: المدة الطويلة سنة.
قال الرافعي: وهو كوجه ذكرناه في مدة التسامع إذا اعتبرنا امتداد مدته.
وقيل: ستة أشهر.
وقيل: شهران.
وحكى الرافعي عن البغوي وغيره أن المرجع في ذلك إلى العرف، وكأن المعتبر مدة يحصل فيها غلبة الظن.
قال ابن كج: ويجوز للشاهد أن يعتمد في الشهادة باليد على الاستفاضة.
قال الرافعي: وقد ينازع فيه، لإمكان مشاهدة اليد.
واعلم أنه لا فرق في الشهادة على الملك بالتصرف والتسامع واليد بين الدور والعبيد والثياب إذا كان المشهود به يتميز عن أمثاله، كذا قاله الرافعي هنا.
стр. 9432
وحكى في كتاب اللقيط: أنه لو رأى في يد رجل صغيرًا يدعوه بأمره، وينهاه، ويستخدمه، هل [له] أن يشهد له بالملك؟ فيه وجهان عن رواية الشيخ أبي علي، وعن غيره: أنه إن سمعه يقول: هو عبدي، أو سمع الناس يقولون: هو عبده- شهد له بالملك، وإلا فلا.
قال: ومن كانت عنده شهادة لآدمي، لم يشهد بها- أي: ولو بعد الدعوى- حتى يطالب بها صاحب الحق، كي لا يتهم، وقد روي أن النبي ﷺ قال: ((خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو فيه الكذب، فيحلف الرجل اليمين لا يسألها، ويأتي بالشهادة قبل أن يسألها))، وهذا ساقه مساق الذم، فاقتضى المنع.
قد روى أنه ﷺ قال: ((شر الشهود الذين شهدوا قبل أن يستشهدوا))، فلا فرق في ذلك بين أن يكون صاحب الحق قد علم بشهادته [له] أو لا [يعلم].
نعم، إذا لم يعلم يستحب له أن يعلمه [حتى] يستدعيه فيشهد [له].
فإن شهد قبل أن يستشهد، لم تقبل شهادته، للتهمة، الحديث دال عليه. قال الماوردي قبيل باب شروط الذين تقبل شهادتهم: وكان ما فعله مكروهًا.
فإن قيل: فقد روى مسلم وغيره عن زيد بن خالد الجهني أن رسول الله ﷺ قال: ((ألا أخبركم بخير الشهداء: الذي يأتي بشهادته- أو يخبر بشهادته- قبل أن يسألها)) الشك من عبد الله بن أبي بكر أحد الرواة، وهذا يقتضي الندب فضلًا عن الجواز.
قلنا: قد قال بالجواز بعض الأصحاب فيما إذا وقعت الشهادة بعد الدعوى،
стр. 9433
فصحح الشهادة [بعد الدعوى]، اعتمادًا على ظاهر الخبر، ويوافقه ما حكيناه في باب صفة القضاء: أن للقاضي أن يسأل المدعى عليه بعد الدعوى، وكذا الحكم بعد إقامة الشهادة من غير طلبه على رأي فيهما، لأن ذلك مقصود الدعوى.
أما إذا وقعت الشهادة قبل الدعوى، فقد قال هذا القائل: إنها لا تسمع، وعلى هذه الحالة يحمل الحديث الأول، أو على حالة كذبه، لأنه- ﵇ قال: ((ثم يفشو الكذب))، أو على الشهادات التي يقطع بها على المغيب، فيقال: فلان في الجنة، وفلان في النار، ونحو يذلك.
والصحيح الأول، وهو الذي أورده البغوي.
وعلى هذا: فالحديث الثاني إن كانت الرواية فيه أن يخبر شهادته فهو موافق لما ذكرناه، ولا يحتاج إلى تأويل، وإن كانت: أن يأتي بشهادته فهو محمول على ما تسمع فيه شهادة الحسبة من القطع في السرقة، والجلد في الحدود، وغير ذلك مما سنذكره، أو على ما يعلمه دون غيره، ولو لم يظهره لضاع حكم من أحكام الدين، وقاعدة من قواعد الشرع، أو على الشهادة في [الأمانة والحقوق تكون لليتيم والمجنون، والزكاة، والكفارة، فإن الشهادة في] ذلك تسمع عندنا قبل الاستشهاد، كما صرح به في ((البحر)) في الفروع قبل كتاب الشهادات، وفي ((الحاوي)) قبيل باب شروط الذين تقبل شهادتهم، وقالا: إنه يندب إلى ذلك.
أو على سرعة إجابة الشاهد إذا استشهد، فلا يمنعها، ولا يؤخرها كما يقال: الجواد من يعطي قبل السؤال، عبارة عن حسن أدائه وتعجيله.
أو على حالة عدم علم المشهود له، كما ذكره بعض أصحابنا، واقتضى إيراد ابن يونس أن الشهادة تسمع في هذه الحالة وجهًا واحدًا.
وقد ظهر لك مما ذكرناه أن الشهادة قبل الدعوى غير مسموعة، وبعدها وقبل الاستشهاد وجهان، ومحلهما إذا كان المدعى عليه قد أنكر، فلو كان مقرًا لم تسمع وجهًا واحدًا.
стр. 9434
قال الماوردي في باب ما على القاضي في الخصوم: لأن الإقرار أصل هو أقوى، والبينة فرع هو أضعف، ولا يجوز ترك الأقوى بالأضعف.
ولو سكت ولم يقر ولم ينكر، فهل تسمع البينة؟ فيه وجهان في ((الحاوي)) في الموضع المذكور.
وقد يقرب من الخلاف السابق في سماع البينة على المدعي عليه وهو في المجلس دون مراجعته.
وفي ((النهاية)) في باب الشهادة على الجناية في سماع الشهادة في حقوق الآدميين من القصاص والمال قبل الدعوى، ثلاثة أوجه، ثالثها: إن كان صاحب الحق جاهلًا به سمعت، وإلا فلا، والمذهب منها، والأصح- كما قاله في كتاب السرقة-: عدم السماع.
قال: وكان شيخي يقرب الخلاف من أصل [في] الغصوب، وهو أن من رأى مالًا مغصوبًا في يد غاصب، فهل له أن يأخذه، ويحفظه على مالكه من غير إذن من المالك، ولا نصب من الوالي؟ وفيه خلاف، ووجه الشبه بين.
ثم قال: ولو قيل: إن هذا الخلاف يختص جريانه بالمال دون القصاص، أي: فلا يسمع فيه إلا بعد الدعوى- لم يبعد، والوجه التسوية، فإن القصاص مع تعرضه للسقوط بالشبهات خص بمزية في الإثبات لا تجري في الأموال، هي أيمان القسامة.
وفي ((الحاوي)) في باب الشهادة [بالجناية: أن أصحابنا اختلفوا في كيفية سماع الشهادة] قبل الدعوى على ثلاثة أوجه:
أحدها: تسمع إذا كان الولي طفلًا أو غائبًا، ولا تسمع إذا كان بالغًا حاضرًا.
والثاني: تسمع إذا لم يعرف الولي شهوده، ولا تسمع إذا عرفهم.
وهذا والذي قبله جعلهما القاضي أبو الطيب شيئًا واحدًا، فقال: قال بعض أصحابنا: الشهادة مقبولة إذا لم يكن عنده علم بما يشهد به الشاهدان، [أو لمن] لا يعبر عن نفسه مثل الصغير والمجنون.
стр. 9435
والثالث- وهو قول أبي إسحاق المروزي، وأبي علي بن أبي هريرة، والجمهور-: أنها تسمع في الدماء خاصة، ولا تسمع في غير الدماء إلا بعد الدعوى، والفرق من وجهين:
أحدهما: [لتغليظ الدماء] على غيرها من الحقوق.
والثاني: أنها من حقوق المقتول تقضي منه ديونه، وتنفذ منها وصاياه، فجاز للحاكم أن ينوب عنه في سماع الشهادة قبل دعوى أوليائه.
قال: ويجئ على هذا التعليل أن يسمعها في ديون الميت، ولا يسمعها في ديون الحي، وهذا قد حكاه ابن الصباغ والبندنيجي عن أبي إسحاق.
وعلى التعليل الأول لا يسمعها في ديون حي ولا ميت.
وإذا قلنا بالصحيح في عدم السماع مطلقًا، فهل يصير الشاهد مجروحًا بالأداء؟ فيه وجهان، أشبههما في ((الرافعي)): المنع.
ويحكى القطع به عن الشيخ أبي عاصم العبادي، لأن المبادرة قد تكون عن جهل منه.
قال الرافعي: وظاهر الإطلاق أن الخلاف في سقوط عدالته مطلقًا، ويؤيده أن القاضي أبا سعيد قال: الوجهان ينبنيان على أن المبادرة من الصغائر، أو الكبائر.
قلت: وقد صرح به الإمام في أوائل كتاب الدعاوى فيما إذا وقعت الشهادة قبل الدعوى، حيث قال: لو ادعى ألفًا فشهدت له البينة بألفين- فالألف الزائد لا يثبت، وفي ثبوت الألف المدعى وجهان.
وإن لم يثبت، ورددنا الشهادة، فقد ظهر اختلاف الأصحاب في جرح الشهود حتى ترد شهادتهم على وجه عمومًا، وعلى ذلك ينطبق ما قاله البغوي في كتاب الإقرار والصورة هذه، وقد شهد له شاهد بألف وآخر بألفين: إنا إذا قلنا: إن الشاهد بالألف الزائد يصير مجروحًا، إن المدعي يحلف مع شاهد [الألف] ويأخذه، فلو لم يردها عمومًا، لكانت شهادته بالألف المدعى مسموعة إذا أعيدت، فيأمر بإعادتها، ولا يحتاج إلي اليمين، كما صرح به الإمام.
ثم قال الرافعي: لكن منهم من يفهم كلامه وقوع هذا الخلاف في قبول تلك
стр. 9436
الشهادة فيه إذا أعادها، لا في سقوط العدالة مطلقًا، واستأنس فيه بما سنذكره عن الغزالي والبغوي.
قلت: وهو الذي صرح به القاضي الحسين في كتاب الإقرار، حيث قال: لا خلاف أنه لا يصير مجروحًا في غير تلك القضية، وفي تلك القضية وجهان، ولأجل ذلك قال الإمام ثم فيما إذا ادعى ألفًا، وشهد له شاهد بألفين-: إن الألف الزائدة لا يثبت، لأنه حصلت الشهادة به قبل الدعوى.
لكن اختلف أئمتنا فيمن شهد لإنسان بحق قبل أن يستشهد، فهل يصير مجروحًا في تلك القضية أم لا؟
فمنهم من قال: لا يصير مجروحًا، لأن ما جرى منه لم يخرم عدالته، بدليل قبول شهادته في سائر القضايا سوى هذا، وهذا مما لم يختلف فيه المحققون، لكن شهادته [فيه] مردودة، لانعدام الدعوى.
ثم قال: وهذا هو القياس الذي لا يعارض فيه.
ومنهم من قال: يصير مجروحًا في تلك القضية، لأن ابتداره إلى إقامة الشهادة قبل أن يستدعى يشعر بقيام غرض له في نفسه حمله على ذلك، والشهادة قد ترد بالتهم.
ثم لا يمتنع التبعيض في الجرح والعدالة، بدليل أن الفاسق إذا ردت شهادته، ثم تاب، وظهرت عدالته، واستقامت حاله- فشهادته في سائر الخصومات مقبولة.
ولو أعاد الشهادة المردودة، لم تقبل، وبهذا يتحصل في المسألة طريقان:
فإن قلنا: إنه يصير مجروحًا، فقد تقدم الكلام في اعتبار توبته واستبرائه، وتقدم الوعد بأنا نذكر أنه إذا أعاد تلك الشهادة بعد الدعوى هل تقبل أم لا؟
وقد حكى الإمام في كتاب الإقرار في ذلك وجهين ينبنيان على أنه هل يصير مجروحًا، أم لا؟
فإن قلنا: يصير مجروحًا، لم تقبل، كما لا تقبل شهادة الفاسق المعادة بعد التوبة، وهذا أثر الجرح، ولا فرق على هذا بين أن يطول الزمان أو يقصر.
стр. 9437
وإن قلنا: لا يصير مجروحًا، قبلت، وهذا ما ذكره شيخي.
وذكر القاضي: أنا إذا قلنا بعدم القبول، فهذا الرد لا يتأبد، كشهادة الفاسق، بل إذا استبرأه القاضي مدة، وظهر عنده انتفاء التهمة قبل شهادته، وهذا أقيس وأحسن.
وقد [جمع] الغزالي في ((الوسيط)) ذلك في كتاب القسامة، وقال: إذا أعادها هل تقبل؟ فيه ثلاثة أوجه- وهي في ((النهاية)) فيه أيضًا-:
ثالثها: إن أعادها بعد التوبة عما جرى، ويذكر أنه لا يعاود مثله، ولا يبادر للشهادة، واستبرأه كما قاله الإمام فيه- قبلت، إلا فلا.
قال الإمام: والفرق بينه وبين الفاسق أن الفاسق إذا ردت شهادته تلحقه غضاضة تبلغ به الأنفة, وقد يتهم في إعادة تلك الشهادة، وهذا لا غضاضة عليه.
وما حكيناه عن القاضي يقرب منه ما في ((التهذيب)) هنا، فإنه قال: إن قلنا: إنه يصير مجروحًا، فلا تقبل إذا أعادها في ذلك المجلس، وتقبل في غيره، لأنه لا يلحقه بعدم القبول عار يكون متهمًا في الإعادة.
وإن قلنا: لا يصير مجروحًا، قبلت إذا أعادها في ذلك المجلس، وفي غيره.
فرع: شهادة المختفي [مسموعة عندنا] على المشهور، ولا تكون من قبيل الحرص على الشهادة، وصورتها: أن يختفي في موضع يحضره متنازعان في حق، ومن هو عليه ينكره في الظاهر، ويقر به في الباطن، فإذا سمعه شهد عليه.
وحكى الفوراني والقاضي الحسين قولًا للشافعي في القديم: أن شهادته لا تقبل مطلقًا كمذهب مالك، وعليه يخرج ما حكاه في ((الزاوئد)) عن رواية الطبري عن أبي إسحاق أنه قال: لا يجوز أن يشهد على شخص بما لم يشهده على نفسه، كما لا يجوز أن يتحمل الشهادة عنه، وسوى في ذلك بين أن يقر بين يديه بدين، أو عين، أو يراه يعقد عقد بيع، أو إجارة، وسمع كلامه، أو يراه [و] قد قتل شخصًا، أو جرحه، أو أتلف عليه مالًا.
والمحكي عن أبي إسحاق: اشتراط ذلك في الشهادة على الإقرار، والسكوت
стр. 9438
عما عداه، وعليه جرى في ((المهذب)).
فعلى الأول- وهو المذهب- قال الأصحاب: يستحب أن يخبر الخصم بأنه شهد عليه قبل الأداء حتى لا يبادر إلى تكذيبه إذا شهد، فيعزره القاضي.
ولو أحضره رجلان حسابهما، وقالا: لا تتحمل ما تسمعه منا، فسمع منهما شيئًا، صار متحملًا له، ووجب عليه الأداء عند الطلب.
قال ابن أبي أحمد: ولو ترك الدخول في الشهادة على مثل هذا المعنى، كان أحب إلي.
ولو قال الشاهد للمقر: أشهد عليك بذلك، فقال: لا، ففي بطلان شهادته عليه بالإقرار وجهان في ((الحاوي)) في باب الشهادة على الشهادة.
وعلى الثاني: يكفيه في صحة التحمل أن يقول للمقر: أشهد [عليك بذلك؟ فيقول: اشهد علي بذلك، أو قال: نعم.
ولو قال: اشهد]، فثلاثة أوجه حكاها الماوردي في الشهادة على الشهادة: ثالثها: إن قال: اشهد علي كفى، دون ما إذا قال: اشهد.
ويجب عليه عند أداء الشهادة على الإقرار أن يقول: وقد أشهدني بذلك، وعند أداء الشهادة في غيره- كالشهادة على ثمن في بيع حضره، أو قرض أقرضه، ونحو ذلك- يجب أن يذكر السبب، كذا قاله في ((البحر)) في الفروع قبل كتاب الشهادات، وهو في ((الحاوي)) في باب ما على القاضي في الخصوم.
وفي ((البحر)) قبل باب الشهادة على الشهادة: أن صاحب ((الحاوي)) قال: عند الشافعي يجوز تحمل الشهادة على المختبئ إلا أن يكون في غفلة تنفذ عليه الحيلة والخداع، فلا يجوز حينئذ التحمل حتى يراه المقر، أو يعلم به.
قال الروياني: وهذا أصح عندي.
وحكى عنه أنه قال بعد حكاية وجهين في الحاجة إلى الاسترعاء في الإقرار: والأصح عندي من إطلاق الوجهين أن يعتبر حال الإقرار، فإن اقترن به قول أو أمارة تدل على الوجوب، استغنى به عن الاسترعاء، فالقول: أن يقول له: علي ألف درهم بحق واجب، والأمارة: أن يحضر المقر عند الشاهد ليشهده على نفسه، فيعلم بشاهد الحال أنه إقرار بواجب.
стр. 9439
[و] إن تجرد الإقرار عما يدل على الوجوب من قول أو أمارة، افتقر إلى الاسترعاء، ولم يصح تحمل الشهادة به على إطلاقه.
قال: ومن كانت عنده شهادة في حد من حدود الله تعالى، فإن رأى المصلحة في الشهادة، أي: مثل أن يكون مرتكب الجريمة غير نادم عليها، أو في سترها عليه إغراء للغير بالفاحشة، ونحو ذلك.
قال: شهد، رعاية للمصلحة، فلو توقف عن الشهادة والحالة هذه، قال الماوردي في باب ما يجب على المرء من القيام بالشهادة-: كان مكروهًا، وليس بمعصية. وتبعه في ((البحر)).
قال: وإن رأى المصلحة في الستر- أي: مثل أن لم تظهر تلك الفاحشة، ورأى مرتكبها قد ندم- استحب [له] ألا يشهد، لقوله ﵇: ((أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم))، كما أخرجه أبو داود والنسائي.
стр. 9440
وخرجا- أيضًا – عن زيد بن نعيم عن أبيه: أن ماعزًا أتى النبي ﷺ ، فأقر عنده أربع مرات، فأمر برجمه، وقال لهزال: ((لو سترته بثوبك لكان خيرًا لك)).
وسبب ذلك أن مالكًا أبا ماعز أوصى إلى هزال بابنه ماعز، وكان في حجره يكلفه فوقع ماعز على فاطمة جارية هزال، فحث على الإقرار بذلك.
وهزال: بفتح الهاء وتشديد الزاي، وفتحها، بعد الألف لام.
وقد تقدم في باب حد السرقة حكاية وجه: أنه لا يسمع فيها شهادة الحسبة، بناء على شائبة حق الآدمي، كما لأجلها قطع المهادن على قول.
و [قد] أطلق القاضي الحسين والرافعي في باب حد الزنى حكاية وجهين في استحباب كتمان شهادة الشهود في حدود الله تعالى، وأن أصحها المنع كي لا يتعطل.
وقال الماوردي: إن ما ذكرنا مفروض فيما إذا لم يتعلق بترك الشهادة إيجاب حد على غير مرتكب الجريمة، فإن تعلق به كمن شهد عليه ثلاثة بالزنى، فلم تكمل شهادتهم، وجب على الرابع الأداء، وأثم بالتوقف. وتبعه في ((البحر)).
وهذا ما يتعلق بحق الله تعالى في الحدود، وأما حقه في غير الحدود، فتسمع الشهادة فيه من غير دعوى ولا استشهاد، كما ذكرنا أن قوله ﷺ : ((ألا أخبركم
стр. 9441
بخير الشهود ....))، وعنه احترز الشيخ بقوله: ((ومن كانت عنده شهادة لآدمي))، والأصحاب يعبرون عن هذا بشهادة الحسبة، وعدوا من ذلك الشهادة على أرباب الأموال بالزكوات دون الشهادة على المستحقين بقبضها، وكذا الشهادة بالوصية للفقراء غير المحصورين، حتى قالوا: يسمع في ذلك [شهادة] اثنين من الفقراء، لأنهما لا يتعينان للصرف، فإن القاضي يجوز أن يحرمهما، كذا قاله القاضي الحسين في باب الشهادة بالوصية، وقد حكيناه من قبل عن ((التهذيب)) و ((الكافي)). ولو كان الفقراء محصورين لم تسمع.
ومن ذلك الطلاق البائن منه والرجعي، وكذا الخلع ليثبت المال، كما نقله الإمام، وأبدى فيه احتمالًا سنذكره.
وأطلق البغوي القول بمنع شهادة الحسبة فيه.
ومن ذلك بقاء العدة وانقضاؤها، والبلوغ، والإسلام، والردة، والإحصان، والتعديل، والاستيلاد، والعتق، سواء فيه العبد والأمة.
وفي ((الرافعي)) أن في ((الفتاوى)) أن الشهادة بالعتق إنما تسمع عند الحاجة. ومن ذلك الرضاع.
قال الرافعي: وفي ((الفتاوى)): أن الشهادة إنما تسمع به إذا [كان] بينهما نكاح، أو أراد التناكح، فلو لم يقل الشاهدان ذلك لم تسمع.
وكذا لو قامت بينة بالطلاق البائن، ثم شهد اثنان بأن بينهما رضاعًا، لم تسمع.
وفي الشهادة بالتدبير وجهان في ((تعليق)) القاضي الحسين، و ((تعليق)) العتق ملحق به.
وشراء القريب حكى الغزالي فيه وجهين، وتبعه الرافعي.
وقال القاضي الحسين في ((التعليق)) في باب الشهادة بالوصية: الظاهر من المذهب: أنها لا تقبل، لأنهم يثبتون الملك أولًا، ثم العتق يترتب عليه.
ويحتمل أن يقال: تسمع.
وفي ((النهاية)) حكاية الجزم عن القاضي بعدم القبول، ثم قال: وفي القلب منه
стр. 9442
شيء، وليس يبعد أن نقول: تثبت بشهادة الحسبة، لكن الأوجه ما ذكره القاضي، فإن العوض ركن في البيع، فلو أثبتناه لأثبتنا العوض من غير دعوى، ولو أثبتنا العتق من غير مال، لكان هذا إجحافًا، وليس كالخلع، فإن العوض ليس مقصودًا، ولست ابعد في الخلع ثبوت المال تبعًا حتى لا يتعطل حق الزوج بالكلية، ولا أبعد أن يثبت الطلاق، ولا تثبت البينونة، كما لو خالع [الرجل] محجوزًا عليها بالسفه.
والعفو عن القصاص أطلق القاضي الحسين وغيره فيه السماع.
وعن القاضي أبي سعد الهروي حكاية وجه آخر: أنها لا تسمع فيه لأن ترك القاتل الدعوى مع الحرص على الحياة يورث التهمة في شهادتهم.
والوقف على الجهات العامة تسمع فيه شهادة الحسبة.
وعلى المعين قال في ((الوسيط)): الصحيح أنها لا تسمع، وهو قول الصيدلاني، كما قال الرافعي، وبه قطع الروياني في ((جمع الجوامع)).
وفي ((تعليق)) القاضي الحسين: أنا إن قلنا: لا يثبت بالشاهد واليمين سمعت فيه شهادة الحسبة كالعتق. وإن قلنا: لا يثبت بالشاهد واليمين سمعت فيه شهادة الحسبة كالعتق. وإن قلنا: يثبت بهما، فلا، وهذا يقتضي إجراء خلاف في السماع على قولنا: إن الملك لله تعالى، والقطع بالمنع إذا قلنا: إنه للآدمي، وهو موافق لما في ((الوسيط))، لأن الصحيح- كما تقدم- أنه يثبت بالشاهد واليمين، وإن قلنا: إن الملك لله تعالى.
وفي ((النهاية)): أن الصيدلاني قطع بالسماع إذا قلنا: إن الملك لله تعالى، وأن الذي ذهب إليه معظم الأصحاب خلاف ذلك، فإن الغالب على هذا الوقف حظوظ خاصة متعلقة بأشخاص، وهذا موافق لقول القاضي.
والشهادة بالنسب لا تسمع عند القاضي قبل الدعوى، وبه أجاب في ((الوسيط)) في الباب الثالث عند الكلام في الشهادة على المرأة المنقبة.
وعن الصيدلاني فيما إذا شهد شاهدان بأن هذه المرأة ولدت هذا الولد على فراش هذا لستة أشهر، والزوج يقول: أتت به لأقل من ستة أشهر- السماع.
قال الإمام: وهو مخالف لما ذكره القاضي، فحصل في المسألة تردد، والمسألة
стр. 9443
ولا تسمع شهادة الحسبة على الكتابة، ولا على أداء النجم الأخير منها.
قود يقال بالسماع، بناء على أنه لا يقبل في [أداء] النجم الأخير [إلا] شاهدان.
ولا تسمع على وجود الصفة التي علق عليها العتق. نعم: يجب أن يشهد من شاهد أداء النجوم ووجود [الصفة، لأجل] ما شاهده بالعتق حسبة، قاله القاضي الحسين.
قال: [ولو] شهدوا بأن هذه الدار للمسجد الجامع، أو شهدوا بأن هذه الأرض ملك لهذا الرجل، فأقر ملك للمسجد الجامع، أو بأن للمسجد الجامع في ذمته شيئًا- هل تسمع هذه الشهادة أم لا؟
فيه جوابان، بناء على أنه [إذا] أقر للحمل بمال مطلقًا، هل تقبل؟ وفيه قولان،
ووجه الشبه: أنه لا يتصور المعاملة بينه وبين الحمل، كما لا يتصور أن يعامل المسجد.
وكذا الخلاف فيما لو اقر بأن هذه [الدار] التي في يدي للمسجد.
قلت: وما ذكره من جريان الجوابين في حالة قول الشاهدين: نشهد بأن هذه الدار ملك [لهذا] الرجل، فأقر بأنها ملك للمسجد- نظر، لأن كونها ملكه يمنع صحة [إقراره بها للمطلق] التصرف، فيكف للمسجد؟!
فرع: ما تسمع فيه شهادة الحسبة، هل تسمع فيه دعوى الحسبة؟ فيه وجهان ذكرناهما في أول باب الدعاوى، والمنع منسوب إلى القفال، ومقابله للقاضي الحسين، ولعله في غير حدود الله تعالى.
أما في الحدود فقد قال ابن الصباغ وغيره في باب النكون ورد اليمين-: إنه لا تسمع فيها الدعوى إذا لم يتعلق للآدمي بها حق، لأنه يستحب سترها.
وقد يقال: إن هذا التعليل يرشد إلى أن محل المنع، إذا كان الستر مستحبًا، أما إذا كان غير مستحب، وهو في الحالة التي تكون المصلحة في الشهادة عليه [بها] كما تقدم، فتسمع، والله أعلم.
стр. 9444
قال: ومن شهد بالنكاح ذكر شروطه، أي: الذي تقدم ذكرها في الدعوى، إذا قلنا: إن ذكر الشروط واجب في الدعوى، لأن الناس مختلفون في ذلك، فقد يكون الشاهد لا يعتقد شيئًا شرطًا، فيجزم بالشهادة، بناء على اعتقاده، والقاضي يعتقد خلافه، فوجب البيان، لأجل ذلك، وعظم خطر النكاح.
[أما] إذا قلنا: لا يشترط ذكر الشروط في الدعوى، ففي ((النهاية)): أنه لا يحتاج إلى ذكرها في الشهادة- أيضًا- لأن الشهادة تبين الدعوى، فكانت على حسبها، كذا قاله في كتاب الدعاوى.
وعلى الأول هل يحتاج إلى ذكر الشروط في الشهادة على الإقرار بالنكاح؟ فيه وجهان.
قال: ومن شهد بالرضاع، شهد أنه ارتضع [من ثديها]، أو من لبن حلب منها، وذكر عدد الرضاع، ووقته، لاختلاف الناس في ذلك، فإن منهم من [يرى أن إيجار الصبي اللبن لا يحرم، ومنهم من يرى أن القليل يحرم ومنهم من] يرى أن وقوعه بعد الحولين يؤثر، فوجب ذكر صوره الحال، ليعلم القاضي فيه باجتهاده.
قال القاضي أبو الطيب: ويحتاج أن يقول: إنه ارتضع منها، أو أرضعته في الحولين، خمس رضعات متفرقات، في خمسة أوقات مختلفة.
قال ابن الصباغ: وفي قوله: ((متفرقات)) كفاية عن ذلك.
وقال الرافعي: إن في قوله: ((خمس رضعات)) كفاية عن ذكر التفرق، فإنه إذا لم يكن تفريق، لم يكن الحاصل رضعات بل رضعة طويلة. وما قاله فيه نظر، لأن المأخذ في الاشتراط- كما ذكرنا-[كون ذلك] مختلفًا فيه، والناس قد اختلفوا فيما لو انتقل من ثدي امرأة إلى ثدي أخرى في وقت واحد، هل ذلك رضعة، أو أكثر؟ وذكر التفريق ينفي هذا الاحتمال، فلذلك احتيج إليه.
وهل يشترط ذكر وصول اللبن إلى الجوف؟ فيه وجهان ادعى الإمام أنهما
стр. 9445
مأخوذان من فحوى كلام الأئمة:
أحدهما: أنه لا يشترط، لأنه لا يشاهد، وهذا ما اقتضاه كلام الشيخ، وهو الذي يقتضي كلام الإمام ترجيحه.
وأظهرهما عند المتولي وغيره: الاشتراط، وبه قال الصيدلاني، وجزم ابن الصباغ وغيره، قياسًا على اشتراط ذكر الإيلاج في الشهادة بالزنى، وهكذا ظاهر النص في ((المختصر))، فإنه قال: وتوقف حتى تشهد أنه رضع المولود خمس رضعات كلهن إلى جوفه.
وعلى الأول لو استراب القاضي وجوز أن يكون الإرضاع غير مفض إلى وصول اللبن إلى الجوف المعتبر- فله أن يستفصل بلا خلاف.
نعم لو مات الشاهد قبل الاستفصال، فهل يجوز التوقف؟ قال الإمام: هذا هو الذي يظهر فيه تردد الأصحاب.
قلت: ويشهد لهذا التردد ما حكاه ابن أبي الدم: أن الشاهد إذا شهد بحق، وسأله الحاكم [عن] مستند شهادته، وكيفيتها، وهل يعرف المشهود عليه عينًا، أو اسمًا، أو نسبًا، أو يعرف مجموع ذلك، لكونه غير فقيه، أو توهم من الفقيه غفلة دلت عليها قرينة حاله، وارتاب الحاكم في ذلك، يجب على الشاهد تفصيل ما سأل عنه، فإن امتنع مع جهله توقف الحاكم في الإمضاء بشهادته، فلو مات الشاهد قبل التفصيل هل يتوقف؟ فيه خلاف، وسنذكر في الإقرار- إن شاء الله تعالى- تفصيلًا لم يذكره ابن أبي الدم هنا.
وهذا الذي ذكره الشيخ من التعرض لما ذكرناه لم يختلف الأصحاب فيه من العراقيين والمروازة، إذا وقعت الشهادة على فعل الرضاع، وقد صرح به الفوراني [وغيره].
أما إذا وقعت الشهادة بأن بينهما حرمة الرضاع، فقد قال ابن الصباغ: إن الحاكم لا يسمع هذه الشهادة، لما ذكرناه، بل لابد من ذكر الشرائط أيضًا.
стр. 9446
وقال الفوراني وغيره: إنه لا يحتاج إلى ذكر الشرائط. ولأجل ذلك قال الرافعي: قد أطلق جماعة- منهم الإمام- أن الشهادة المطلقة على أن بينهما رضاعًا محرمًا، أو حرمة الرضاع، أو أخوته، أو بنوته- مقبولة، ويؤكده قول الغزالي: ((ثم يشهد على البت: أن بينهما رضاعًا محرمًا)).
لكن الأكثرون على أنه لابد من التفصيل والتعرض للشرائط، وهو ظاهر النص.
وحكى في ((التهذيب)) الوجهين معًا، وقال: إن الصحيح اشتراط التفصيل.
قال الرافعي: ويحسن أن يقال: إن كان المطلق فقيهًا موثوقًا بمعرفته، فيقبل منه الإطلاق، وإلا فلابد من التفصيل، وينزل الكلامان على هاتين الحالتين، أو يخص الخلاف بما إذا لم يكن المطلق فقيهًا، وقد سبق مثله في الإخبار عن نجاسة الماء وغيره.
قلت: إن أراد بالفقيه فقهًا يوافق مذهبه مذهب القاضي في الرضاع فهو قريب، وقد ذكرنا مثله وجهًا ثالثًا فيما إذا شهد الشاهد بأن فلانًا يستحق على فلان كذا.
وإن أراد مطلق فقيه كيف كان، فلا يحسن التفصيل، لأن مادة الاشتراط اختلاف الناس في شرائطه، فقد يكون الفقيه والقاضي مختلفين فيها، فلا يحصل المقصود.
وإذا قلنا بما ذهب إليه الأكثرون فهل تسمع الشهادة على الإقرار بالرضاع مطلقة؟ فيه وجهان حكاهما المتولي وغيره.
ولو قال: هي أختي من الرضاع، فعن ((البحر)) وغيره: أنه لا حاجة إلى التعرض للشرائط إن كان من أهل الفقه، وإلا فوجهان.
وفرق بين الإقرار والشهادة بأن المقر يحتاط لنفسه، فلا يقر إلا عن تحقيق.
واعلم أنا إذا اشترطنا ذكر وصول اللبن إلى الجوف- كما هو ظاهر النص- فالشاهد قد يتيقين ذلك بأن يعاين الحلب وإيجار الصبي المحلوب وازدراده، وحينئذ يشهد به، ولا إشكال، وقد يشاهد القرائن الدالة عليه، وهي التقام الثدي من غير حائل- كما قاله المتولي- وامتصاصها، وحركة الحلق بالتجرع وبالازدراد بعد العلم بأنها ذات لبن، ومشاهدة هذه القرائن قد يفيد اليقين، فيشهد إذ ذاك به، وقد لا يفيده فيفيد الظن القوي، وذلك يجوز الشهادة- أيضًا- كما نقول في الشهادة بالملك المطلق، بناء على التصرف واليد والتسامع.
نعم: لو شاهد التقام الثدي والامتصاص، وهيئة الازدراد، ولم يعرف أن المرأة
стр. 9447
ذات لبن- هل يحل له أن يشهد؟ فيه وجهان عن رواية أبي الفرج السرخسي، وأشبههما: المنع، لأن الأصل عدم اللبن.
ولا خلاف في أنه لا يجوز أن يشهد على الرضاع مستندًا إلى رؤية أخذ المرأة الصبي وجعله تحت ثيابها، وأدنته منها، كما يفعل المراضع وإن سمع صوت الامتصاص، لأنه قد يمص أصبعه، قاله المتولي.
ولو حكى الشاهد صورة الحال المسموعة له، للجزم بالشهادة ولم يجزم بها، لم يترتب على حكايته حكم، إن كنا نعلم أنه لا مستند للشاهد سوى ذلك، لأن معاينة الأحوال تفيد ما لا يمكن أن يعبر عنه، فإذا جزم الشهادة دل على أثرها في الظن، بخلاف ما إذا ذكر الحال من غير جزم.
قال: ومن شهد بالقتل ذكر صفة القتل، لما ذكرناه في الدعوى [به].
قال: فإن قال: ضربه بالسيف، فمات، لم يحكم به، لأنه ليس كل مضروب بالسيف ينجرح به، وإن انجرح احتمل أن يموت بسبب آخر.
قال: حتى يقول: فمات منه، أو يقول: ضربه بالسيف فقتله، لأنه حينئذ ينتفي الاحتمال المذكور.
وفي ((النهاية)): أن في طريق العراق ما يدل على أنه إذا قال: ضربه بالسيف فمات، أن القتل يثبت، وقد أقام [في] ((الوسيط)) ذلك وجهًا.
قال الإمام: وهذا إن لم يكن خلل من النسخة فهو خلل منهم ظاهر غير معتد به.
قال الرافعي: ويدل على الاختلاف أنك لا تجد في طريق [العراق] ذكر هذا الوجه.
ولو قال: ضربه بالسيف، فأنهر الدم، ومات مكانه- ثبت القتل، نص عليه في ((المختصر)).
قال الماوردي: فلو ادعى الجاني: أنه مات بسبب آخر ليس له تحليف الولي.
стр. 9448
قال الشيخ أبو حامد: وهذا بخلاف ما لو قال: ضربه بالسيف، فسال دمه، ومات مكانه، فإنه لا يثبت القتل.
والفرق: أن إنهار الدم سبب ظاهر في الإفضاء إلى الموت، بخلاف السيلان.
قال الرافعي: وفي لفظ الإمام ما يشعر بالنزاع فيما إذا قال: ضربه بالسيف، فأنهر الدم، ومات مكانه، [فإنه قال: لو ضربه بالسيف، وأنهر دمه، ومات مكانه] بتلك [الجراحة]، ثبت القتل، فاعتر أن يقول: ((بتلك الجراحة)).
ويقوي النزاع أنه قال: الشاهد يعرف حصول القتل بقرائن يشاهدها تفيده العلم، فإذا حصل شهد به، فإن لم ير إلا الجراحة، وإنهار الدم، واتصال الموت به، فهذا عندي بمثابة الشهادة على الملك، تعويلًا على اليد، [بل الوجه عندي- وإن كانت مسألة الجرح في الصورة كمسألة اليد]- ألا يتحمل الشهادة على القتل، فإن معاينة القتل ممكنة، وتلقي العلم من قرائن الأحوال ليس يقينًا، والأملاك لا مستند لها، يعني: وغاية المتعلق بها مخايل علامات، على أن الرأي الظاهر: أن مجرد اليد لا يسلط على الشهادة بالملك ما لم ينضم إليها تصرف الملاك.
ولو قال: ضربه بالسيف، فأنهر دمه، ولم يشهد بموته، قال الماوردي: نظر [في موته]:
فإن كان بعد زمان لا يجوز أن تندمل فيه الجراحة، حكم على الجارح بالقتل، فإن ادعى أنه مات من غيرها، فله تحليف الولي.
وإن كان موته بعدها بزمان يجوز أن تندمل فيه الجراحة، حكم عليه بالجراحة، ولم يحكم عليه بالقتل، حتى يقيم وليه البينة: أنه لم يزل ضمنًا مريضًا حتى مات [فيحكم عليه حينئذ بالقتل.
قال القاضي أبو الطيب وغيره: ولو ادعى الجاني في هذه الحالة أنه مات] بسبب آخر، حلف الولي مع شهادتهما: أنه مات منها، لأنه الشهود شهدوا على الألم، ولم يشهدوا على الموت منه فيمينه لا تنافي شهادتهما، لجواز أن يكون ما ادعاه صحيحًا.
стр. 9449
وهكذا الحكم- كما قال القاضي أبو الطيب وغيره- في الشهادة على ما دون النفس إذا قال: أشهد أنه ضربه بالسيف على رأسه عمدًا، واتضح أو فاتضح، أو قال: وجدناه متضحًا- لم تسمع، لأنه يجوز أن يكون ضربه ووجده متضحًا من شيء آخر، بل إنما تسمع إذا قال ضربه بالسيف فأوضحه، أو فاتضح من ضربه، أو وجدناه متضحًا من ضربه، وحينئذٍ يقال للشاهد: عين الموضع المتضح، وبين الطول والعرض، فإن بين ذلك مع آخر، ثبت القصاص، أو الدية عند تعذر القصاص.
وإن لم يعيناها، نظر:
فإن لم يكن على رأسه غير موضحة واحدة، فالحكم كما لو عينا، قاله الماوردي.
وفي ((الرافعي)): أنه لا يثبت القصاص في هذه الحالة، لاحتمال أنه كانت على رأسه موضحة صغيرة، ووسعها، وإنما يجب القصاص إذا قالوا: أوضح هذه الموضحة.
وحكى في إيجاب الأرش وجهين.
وإن كان في رأسه موضحة أخرى فأكثر، حكم للمجني عليه بالدية دون القصاص، أي: إذا عجز الشاهدان عن تعيينها، قاله الماوردي، وهو الذي أورده القاضي أبو الطيب وغيره، واختار الشيخ أبو محمد، وصححه الرافعي، وحكى وجهًا آخر: أنه لا يجب، وهو ما أورده الفوراني وحكاه الإمام عن اختيار القاضي الحسين، لأن هذه الجراحة لو ثبتت صفتها لوجب القصاص، وقد تعذر إثبات القصاص، فلا تثبت الجناية أصلًا، كما لو شهد رجل وامرأتان على موضحة لا يثبت الأرش كما لا يثبت القصاص.
والقائلون بالأول فرقوا بأن القصاص إنما لم يثبت، لتعذر رعاية المماثلة- فإن المحل مقصود فيها- لا لنقص في البينة، فإن الشاهد بها رجال، بخلاف صورة الاستشهاد.
وقد أيد بنص الشافعي في ((الأم)) على أنه لو شهد شاهدان أن فلانًا قطع يد فلان، ولم يعينا، والمشهود له مقطوع اليدين- لا يجب القصاص، وتجب الدية.
стр. 9450
قال الرافعي: ولو كان مقطوع يد واحدة- والصورة هذه- فهل تنزل شهادتهم على ما تشاهد مقطوعة، أو يشترط تنصيصهم؟ يجوز أن يقدر فيه خلاف، والذي حكاه الماوردي الأول.
وقد اعتبر القاضي الحسين، وتبعه الإمام والغزالي في شهادة بالموضحة التعرض لوضوح العظم، [من حيث إن لفظ ((الموضحة)) مأخوذ من ((الإيضاح))، وليس فيها تعرض لإيضاح العظم]، والمطلوب إثبات العظم، وتنزيل لفظ الشاهد على الألقاب التي اصطلح عليها الفقهاء لا وجه له.
نعم، قد يخطر للفطن في هذا المقام: أن الشاهد لو كان فقيهًا وقد علم القاضي منه ذلك، وتبين له أنه لا يطلق الموضحة إلا على ما يوضح العظم فهذا موضع التردد، فيجوز أن يكتفي به، لفهم المقصود، ويجوز أن يقال: لابد من كشف الأمر لفظًا، فإن للشرع تعبدات في ألفاظ الشهادات وإن كان العلم قد يحصل بغيرها.
قال: وإن شهد بالزنى- ذكر الزاني- أي: من رجل وامرأة- لاحتمال أن يكون قد جهل إباحة أحدهما للآخر، لزوجية، أو ملك، فأقدم على الشهادة بذلك، أو رآه يطأ جارية ابنه، أو جارية مشتركة بينه وبين غيره، فظن أن ذلك مما يوجب الحد عليهما.
قال: وكيف زنى بها، لأنه ربما رآه قد وطئ فيما دون الفرج، أو عانق، أو قبل، أو لمس باليد، أو نظر بالعين، فاعتقد ذلك زنى يوجب الحد، لأنه روى أنه ﷺ قال: ((العينان تزنيان، واليدان تزنيان، والفرج يصدق ذلك ويكذبه))، وقد شهد لاعتبار ذكر كيفية الزنى قصة المغيرة، فيحتاج الشاهد به أن يقول: أدخل ذكره، أو غيب حشفته في فرجها، فإن قال مع ذلك: مثل المردود في المكحلة، والخاتم في الإصبع أو الفم، أو الرشاء في البئر- كان آكد، كذا قاله القاضي أبو الطيب.
وقال القاضي الحسين في باب حد الزنى: وقد قيل: إن [ذكر] التشبيه بما ذكرناه واجب، لأنه لما غلظ بالعدد غلظ بالتشبيه، ليكون أبلغ، فلو ترك ذلك لم يجب الحد، وهذا ظاهر نصه في ((المختصر))، فإنه قال: ولا يجوز على الزنى
стр. 9451
واللواط، وإتيان البائهم إلا أربعة يقولون: رأينا ذلك منه يدخل في ذلك منها دخول المردود في المكحلة، ويعضده أن النبي ﷺ قال لماعز حين قال: جامعتها: ((أولجت ذكرك في فرجها كالمرود في المكحلة، والرشاء في البئر؟)) قال: نعم، فأمر برجمه.
وإذا كان هذا في الإقرار ففي الشهادة أولى، لأن الشهادة بينة من غيره.
قال: وفي أي موضع زنى [بها]، لأن الشهود ربما اختلفوا في ذلك، فقال بعضهم: في هذه الزاوية، وقال الآخر: في زاوية أخرى، فيسقط الحد، ومن هنا نأخذ أنه يذكر في أي وقت زنى، وقد اعتبره القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما، وجعلوا ما يصرح به شاهد الزنى أربعة أشياء، هي ما ذكره الشيخ مع هذه، والشيخ في اقتصاره على الثلاثة متبع للشيخ أبي حامد، فإنه لم يذكر سواها كما حكاه في ((البحر)).
وحكى الماوردي ذلك لا عنه، ثم قال: وعلى قياس سؤالهم عن المكان يجب سؤالهم عن زمانه، وليس إطلاق هذا القول عندي صحيح، والواجب أن ينظر: فإن صرح بعض الشهود بذكر الزمان والمكان، وجب سؤال الباقين عنه.
وإن لم يصرح بعضهم به، لم يسألوا عنه، لأنه لو وجب سؤالهم عن المكان والزمان، لوجب سؤالهم عن ثيابه وثيابها، وعن لون المزني بها من بياض أو سواد، وعن سنها من صغر أو كبر، وعن قدها من طول أو قصر، لأن اختلافهم فيه موجب لاختلاف الشهادة، وهذا يؤدي إلى ما لا يتناهى، فهو غير معتبر في السؤال فكذلك في المكان والزمان.
وفي ((البحر)) في الفروع المذكورة قبل كتاب الشهادات ما يقتضي شرطًا آخر في الشهادة بالزنى، وهو تقدم لفظة ((أشهد)) على قوله: ((إنه زنى))، فلو قدم لفظ الزنى على لفظه ((أشهد)) لم تسمع شهادته، لأنه يصير متهمًا في دفع حد القذف عن نفسه.
قال: ويحتمل أن يقال: لا فرق بين تقديم قوله: ((أشهد)) وبين أن يقدم الزنى، ويعقبه بقوله: ((أشهد به))، لأن الكلمة واحدة عند الوصل، ولهذا قوله: ((لا إله إلا الله)) توحيد
стр. 9452
وإن كان لو اقتصر على أوله يكون كفرًا، ويصح ((تعليق)) الأيمان بالصفة والاستثناء، ولا يقال: إنه متهم بوصل الصفة والاستثناء.
قال: فإن لم يبين الشاهد ذلك سأله الحاكم [عنه]، أي: وجوبًا، كما صرح به [القاضي] أبو الطيب، فإن به يندفع المحذور من إقامة الحد، وتبرئة العرض.
ولأن الحد يسقط بالشبهة فلا يجوز إيجابه بمطلق الشهادة، لاحتمال شبهة فيها.
قال في ((البحر)): فإن لم يبينوا حدوا بالقذف، لأنهم قذفة، ولم يصرحوا بالشهادة حتى يندفع حكم القذف، نص عليه الشافعي في ((الأم)).
وإن ذكروا ما ليس بزنى، قال الماوردي: فلا يحد المشهود [عليه]، وهل يحدون؟ ينظر: إن صرحوا في أول الشهادة بأنه زنى، حدوا قولًا واحدًا، [وإلا فلا يحدون قولًا واحدًا].
ولو فسر ثلاثة منهم الشهادة بما هو زنى، وفسر الرابع بما ليس بزنى، ففي حد الثلاثة القولان، والرابع إن قال في أول شهادته: إنه زنى حد قولًا واحدًا، وإلا فلا يحد قولًا واحدًا.؟
فرع: من شهد بالسرقة يحتاج في صحته شهادته أن يذكر جنس المال، وقدر النصاب، وصفة الحرز، وتسمية المسروق منه، كما قاله في ((التهذيب)).
قال القاضي أبو الطيب: ويذكر: أنه لا يعلم [أن] فيه شبهة له.
قال البن الصباغ: وينبغي أن يكون هذا تأكيدًا، لأن الأصل عدم الشبهة.
قال القاضي الحسين: ويحتاج أن يقول: هذا بعينه سرق، لأن الظاهر من مذهب الشافعي أن البينة لا تسمع على الغائب في حدود الله تعالى، وهذا منه يفهمك أمرين:
أحدهما: أن هذا مطرد في جميع الحدود.
الثاني: أنه لو قال: فلان بن فلان الفلاني سرق، وكان حاضرًا مجلس الحكم
стр. 9453
من غير أن يشير إليه، وعرفه القاضي بتلك النسبة- سمعت شهادته، لفقد العلة التي ذكرها، وسنذكر ما ينازع فيه.
فوائد:
أحداها: هل تسمع البينة بالمجهول، ثم يطالب الشاهد بالبيان كما يطالب المقر بالمجهول به، أم لا، لأنها مأخوذة من البيان؟ فيه وجهان في ((الشامل))، و ((المهذب)) في كتاب الإقرار، وجزم ابن الصباغ بقبول الشهادة على الإقرار بالمجهول.
وقد حكيت عن القاضي الحسين في أوائل باب الدعاوى حكاية وجهين في سماع الشهادة على الإقرار بالمجهول، وبذلك يجتمع في المسألتين ثلاثة أوجه، ثالثها: تسمع على الإقرار بالمجهول، ولا تسمع بالشهادة بالمجهول.
الفائدة الثانية: هل تسمع الشهادة على حاضر من غير إشارة إليه؟
قال أبو إسحاق المروزي: نعم. وهذا موافق لما أفهمه كلام القاضي الحسين الذي حكيته من قبل.
وقال غيره من أصحابنا: لا، إذا أمكنت الإشارة إليه. صرح به القاضي أبو الطيب عند الكلام في شهادة الأعمى، وعلى هذا لا تسمع الشهادة على الحاضر بالسرقة من طريق الأولى.
الفائدة الثالثة: يشترط في صحة الشهادة أن يأتي الشاهد بلفظة: ((أشهد)) عند الأداء، فلو قال: ((أعلم))، أو: ((أتحقق))، ونحو ذلك- لم يقم مقام قوله: ((أشهد)) على الأصح تعبدًا كما تعبدنا بالعدد، وهذا ما جزم به الماوردي في [باب] ما على القاضي [في] الخصوم، وصاحب ((البحر)) في الفروع المذكورة قبل كتاب الشهادات.
وفي ((النهاية)) في كتاب الإقرار حكاية وجه أن ذلك يقوم مقام قوله: ((أشهد))، وضعفه.
الفائدة الرابعة: يشترط أن يؤدي كل شاهد ما تحمله من الشهادة مصرحًا به في لفظه حتى لو شهد شهادة صحيحة، فقال الشاهد الآخر: أشهد بمثل ما
стр. 9454
شهد به هذا الشاهد، لم تصح شهادته، قاله الماوردي في أوائل باب ما على القاضي في الخصوم. ووجهه بأنه موضع أداء، وليس موضع حكاية، وبهذا يظهر لك أنه لا فرق عنده بين أن يقول: (([أشهد] بمثل ذلك))، [أو] ((أشهد بذلك))، وإن كان العمل في وقتنا على الثاني.
الفائدة الخامسة: يستحب للشاهد استئذان الحاكم قبل الأداء، ليصغى إليه، فإن الشهادة عنده وهو غافل لا أثر لها، وقد اعتبر أبو عاصم العبادي الاستئذان فقال: لو شهد قبل [الاستئذان لا يعتد بشهادته قال القاضي أبو سعد: ولا وجه له، نعم لو أقام الشاهد الشهادة] قبل الإذن من القاضي، وذكر أنه لم يسمع الشهادة، بل كان ذاهل العقل عنها، فتلك الشهادة باطلة.
قال: وتجوز الشهادة [على الشهادة] في حقوق الآدميين، أي: التي لا تثبت إلا بشاهدين، أو بشاهد وامرأتين، أو بأربع نسوة، لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَابَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ...﴾ [البقرة:٢٨٢]، ولم يفرق بين أن تكون الشهادة أو غيرها من الحقوق، فهو على عمومة.
ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك، فإن شهود الواقعة قد يغيبون، أو يموتون.
ولأن الشهادة من حقوق الآدميين اللازمة للأداء، وحقوق الآدميين تثبت تارة بالإقرار، وتارة بالشهادة، والشهادة على الإقرار مقبولة، فكذلك على الشهادة.
قال: وفي حدود الله تعالى قولان:
أصحهما: أنه يجوز، لأنها من الحقوق التي تثبت بالشهادة، ويجب استيفاؤها إذ ذاك، فجاز أن تثبت بالشهادة على الشهادة كغيرها من الحقوق، وهذا ما [قال] البندنيجي والإمام: إنه أقيس.
ومقابله: [أنه] لا يجوز، لأمرين:
أحدهما: أنها تدرأ بالشبهات.
стр. 9455
والثاني: أنه مندوب إلى سترها، لقوله- لقوله- ﵊: ((من أصاب من هذه القاذورات شيئًا، فليستتر بستر الله، فإن من يبد لنا صفحته نقم عليه حد الله تعالى)).
وإذا كان كذلك لم يكن بنا حاجة إلى سماع الشهادة فيها، وهذا ما صححه البغوي، والرافعي، والنواوي، واختاره في ((المرشد))، و [قد] قيل بطرده في القصاص وحد القذف، نظرًا إلى العلة الأولى، فإن هذه أيضًا تسقط بالشبهات، قاله الماوردي وغيره، ونسبه البغوي إلى تخريج ابن الحداد، وهو ضعيف باتفاق الكل، ومما استدل به على ضعفه: أن الشافعي نص- كما حكاه الإمام وغيره- على السماع في القصاص.
واقتصر في ((الإشراف)) عل حكاية هذه الطريقة الضعيفة، فقال: في جواز الشهادة على الشهادة في العقوبات قولان، سواء كانت لله تعالى أو للآدميين.
ولا يجري [القول] الثاني جزمًا- كما قاله ابن الصباغ- في الشهادة على الشهادة في استيفاء القاضي الحد، لأنها شهادة بحق آدمي، وهو [سقوط الحد عنه].
والقولان في الأصل جاريان في جواز كتاب القاضي إلى القاضي كما تقدم، وصرح به هنا القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ وغيرهم.
وقال ابن القاص: إنهما جريان في الشهادة وكتاب القاضي إلى القاضي: أن يطرد الوجه المذكور في القصاص، وحد القذف في الشهادة على الشهادة في كتاب القاضي إلى القاضي، وقد صرح به الغزالي تبعًا لإمامه، وقال: على هذا لا معنى للدعوى على الغائب بالقصاص. وفيه نظر، لأنه قد يبغي إثباته، ليستوفي
следующие страницы →