Полный текст (9 685 стр.). Показаны 9381–9420 · переход к 9386.
стр. 9381
أحدهما: أن أحكام الملك باقية على الوقف في ضمانه باليد، وغرامته بالقيمة، وزائلة عن المعتق، لأنه لا يضمن باليد، ولا يغرم بالقيمة.
والثاني: أن المقصود بالوقف تمليك المنفعة التي هي مال، والمقصود بالعتق كمال أحكامه في ميراثه، وشهادته، وولايته.
وفي ((حلية)) الشاشي في كتاب الوقف طريقة أخرى، وهي إن قلنا: إن الوقف ينتقل إلى الله تعالى، لم يقبل إلا شاهدان، وإن قلنا: إنه ينتقل للموقوف عليه، فوجهان.
ولا خلاف أنه لو ادعى ورثة ميت على رجل أنه غصب هذه الدار، وكانت لأبينا وقفها علينا، أو على فلان منا، وأقاموا شاهدًا، وحلفوا معه-: أنه يثبت الغصب بذلك، وكذا الوقف إن قلنا: إنه يثبت بالشاهد واليمين، [وإن قلنا: لا يثبت بالشاهد واليمين]، كان ثبوته في هذه الصورة بالإقرار.
وقد فرع الشافعي على القول بثبوت الوقف بالشاهد واليمين فروعًا، وذلك مما يدل على أنه رآه الصحيح، لأن الأصحاب قالوا ذلك:
فمنها: إذا ادعى شخص أن أبي وقف داره هذه علي وعلى أخوي [دون غيرنا] من ورثته، فإذا انقرضنا فعلى أولادنا ما بقوا، ثم على الفقراء، وصدقه أخواه، وكذبهم بقية الورثة، فأقاموا شاهدًا واحدًا بذلك. هكذا صور المسألة ابن سريج، وأبو إسحاق، والقاضي أبو حامد، وقالوا: إن كلام الشافعي محمول عليها، قال الأصحاب: وهو الصحيح، ولهم [بعد ذلك] ثلاث أحوال:
إحداها: أن يحلفوا معه، فيثبت لهم مدة حياتهم، فإذا انقرضوا في حالة وحدة، انتقل إلى أولادهم، لكن بيمين من جهتهم، أم يكفيهم يمين آبائهم؟ فيه وجهان في الطريقين، وبناهما القفال وطوائف من الأصحاب على أن الوقف ينتقل إلى البطن الثاني من الواقف كما انتقل للبطن الأول منه، أو ينتقل إليهم من البطن الأول؟ وفيه خلاف مشهور.
فعلى الأول: يحتاجون إلى الحلف، كما احتاج إليه البطن الأول، وهو الذي [قال به] ابن سريج، كما حكاه الماوردي وغيره.
стр. 9382
وقال البندنيجي: إن ابن سريج حكاه وجهًا، وإنه ليس بشيء.
وقضية البناء المذكور أن يكون هو الصحيح، لأن الصحيح أنهم يتلقون من الواقف، وسنذكر عن ابن الصباغ ما يعضده.
وعلى الثاني لا يحتاجون إلى اليمين كما لو كان ذلك في ملك، ثم انتقل إلى وارث الحالف، فإنه لا يحتاج إلى اليمين، ولأن البطن الأول قد استقلوا بإثباته، فأشبه ما لو أقاموا شاهدين، وهذا قول أبي إسحاق وغيره، وهو ظاهر المذهب، والأصح عند الماوردي، والشيخ أبي حامد ومن في طبقته، ولأجل ذلك قال البندنيجي والقاضي أبو الطيب: إنه المذهب الصحيح.
وعلى هذا الخلاف يتفرع ما إذا انقرض البطن الثاني، وانتهى المال إلى الفقراء، فعلى قول أبي إسحاق، يصرف المال إليهم، وعلى قول ابن سريج: فيه وجهان:
أحدهما: يصرف إليهم، للضرورة.
والثاني: لا حق لهم فيه، ويعود ملكًا طلقًا، قاله الماوردي والبندنيجي وغيرهما.
وفي ((الشامل)): أن القاضي أبا الطيب ذكر في ((المجرد)) وجهًا ثالثًا حكاه الغزالي أيضًا: أن يكون وقفًا يرجع إلى قرابة الواقف، لعدم استحقاق الفقراء، كالمنقطع الآخر.
قال القاضي الحسين: وهذا الخلاف إذا كان الفقراء غير متعينين، أما إذا كانوا متعينين، فعندي حكمهم حكم الأولاد، وهذا ما أورده البغوي، وتبعه الرافعي.
قال الإمام: ولا خلاف أن البطن الثاني إذا قلنا: لابد من يمينهم، فلم يحلفوا-[أنه] لا يعود مطلقًا، ولا يسلم لمن كان في يده إذا كان البطن الأول قد ادعوه على من هو في يده، كما سنذكره.
ولو كان انقرض الإخوة واحدًا بعد واحد، فنصيب الأول يعود إلى أخويه، ونصيب الثاني يعود إلى الباقي، إذا كان الواقف قد شرط أن من مات انتقل نصيبه إلى من بقي في طبقته، وكذا لو أطلق على أحد الوجهين في ((الحاوي))،
стр. 9383
لكن هل يحتاج من انتقل إليه شيء أن يحلف؟ إن قلنا بقول أبي إسحاق، فلا.
وإن قلنا بقول ابن سريج، فوجهان:
أصحهما في ((الوسيط)) وغيره: أنه لا يحلف أيضًا، لأنه قد حلف مرة على الجملة، بخلاف الأولاد.
والوجه الآخر في حالة إطلاق الوقف: أن نصيب الميت يستحقه الفقراء والمساكين حتى ينقرض جميعهم، فيستحقه البطن الثاني، وهذا يظهر أن يكون قائله يرى بمذهب أبي إسحاق، أبو بمذهب ابن سريج، ويرى أنه يصرف الريع إلى الفقراء عند انقراض البطن الثاني، للضرورة.
والحالة الثانية: أن ينكل الإخوة الثلاثة عن اليمين، فتكون الدار تركة [في] الظاهر، فإن كان على الميت دين يستوعبها، قضى من ثمنها، وبطل وقفها.
وإن لم يكن دين، وكان ثم وصايا، قضى منها ما يحتمله الثلث.
وإن لم يكن وصايا ولا ديون، صار نصيب الثلاثة منها وقفًا بإقرارهم، وكذلك نصيبهم بعد إخراج الموصى به، وقضي الدين إن كان لا يستوعب التركة، وإذا انقرضوا انتقل إلى البطن الثاني بغير يمين، وينتقل من بعدهم للفقراء، كذا قاله الماوردي والقاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ.
قال الرافعي: والذي ذكره القاضي ابن كج والإمام والبغوي في كتبهم: أنها لا تصرف إلى أولادهم بغير يمين، يعنون: على سبيل الوقف، ولا يكون إقرار الأولين لازمًا عليهم.
قال الرافعي: ويمكن أن يكون هذا الاختلاف مبينًا على أن البطن الثاني يتلقون من الواقف، أو من البطن الأول؟
قلت: كلام الإمام يأباه، لأنه نفي استحقاقهم عند عدم حلفهم بلا خلاف، وقال فيما إذا حلفوا: في استحقاقهم قولان، بناء على أنهم يتلقون من الواقف، أو من البطن الأول؟ فعلى الأول: يستحقون، إذا حلفوا، وعلى الثاني: لا، [وكذا قاله البغوي والغزالي في ((الوسيط)).
стр. 9384
وقضية كلام الرافعي على الثاني: نعم، بل الجمع بين النقلين أظهر من ذلك، لأن صورة المسألة التي قال فيها الماوردي وغيره ما ذكرناه: إذا ادعى بعض الورثة أن أباهم وقفها عليهم دون باقي الورثة، وهي في يد الورثة، وصورة المسألة التي قال فيها الإمام ما ذكرناه: إذا ادعى ثلاثة على رابع في يده دار: أن أباهم وقفها عليهم، وكانت ملكه إلى حين الوقف، ونكلوا، وماتوا، فلا تصرف للبطن الثاني بلا يمين، لأن البينة لم تكمل حتى تنتزع الدار من صاحب اليد المدعي ملكها، بخلاف الصورة السابقة، لأن للناكلين عن اليمين بعد دعوى الوقف يدًا على بعضها، فلذلك حكم عليهم بموجب إقرارهم.
ولو مات الباقون من الورثة قبل موت الإخوة الثلاثة- والصورة كما ذكرنا أولًا- وعاد نصيبهم إلى الثلاثة، صار جميع الدار وقفًا بإقرارهم.
وكذا إذا عاد إليهم من نصيب بقية الورثة شيء كان هذا حكمه، ولهم تحليف الوارث على نفي العلم [بالوقف]، وهل للبطن الثاني الحلف مع الشاهد عند نكول الثلاثة فيما نحن نتكلم فيه؟ فيه قولان:
قال بعضهم: إنهما منصوصان.
وبعضهم قال: هما مبنيان على أن الوقف المنقطع الابتداء، هل يصح أو يبطل؟ فإن قلنا: يبطل، لم يحلف البطن الثاني، لأنه بطل بنكول البطن الأول، وإن قلنا: لا يبطل، حلفوا. وقضية هذا البناء أن نقول: لا يكون نصيب الناكلين وقفًا عليهم بإقرارهم، لأنه بطل بنكولهم عن اليمين، وهذا لم أره لأحد.
[وبعضهم] قال: هما مبنيان على أن البطن الثاني يتلقون من البطن الأول، أو من الوقف؟
فإن قلنا بالأول، لم يحلفوا، كما [لو] أقام شخص بملك له شاهدًا، ونكل عن اليمين، ثم مات، فإن وارثه لا يحلف [كما حكاه القاضي الحسين، ولم يورد الإمام سواه].
وإن قلنا بالثاني حلفوا، وحلفهم رآه الماوردي أظهر، وقال القاضي أبو الطيب
стр. 9385
وابن الصباغ: إنه الصحيح، واختيار الشافعي:
ثم في محل هذين القولين وجهان:
أحدهما- عن أبي إسحاق-: أنه إذا انقرض البطن الأول، فإن لم ينقرضوا فلا يحلفون قولًا واحدًا.
والثاني- عن ابن أبي هريرة-: أنه عند بقاء البطن الأول، فإذا انقرضوا حلفوا قولًا واحدًا.
قال الماوردي: وقول أبي إسحاق أشبه بالصواب.
الحالة الثالثة: أن يحلف واحد من الثلاثة، وينكل الباقيان، فتصير ثلث الدار وقفًا عليه، والثلثان ميراثًا للأخوين، وبقية الورثة، ولا يرث الحالف معهما شيئًا، قاله الماوردي والبندنيجي والمحاملي والبغوي وغيرهم.
وفي ((الشامل)): أن الفاضل بعد قضاء الدين والوصايا من الثلثين يقسم على جميع الورثة، ما يحصل للبنين الثلاثة يكون وقفًا على الناكلين، لأن الحالف يعترف لهم بذلك. كذا حكاه الرافعي عنه، وهو أفقه.
وقال الماوردي وغيره: إن الذي يكون وقفًا عليهما حصتهما من الميراث بمقتضى إقرارهما.
وقال: إن في حلف البطن الثاني القولين.
والإمام لما صور المسألة بما ذكرناه قال: يكون ثلث الدار وقفًا على الحالف، ولا يثبت للناكلين حق، بل تترك حصتهما في يد المدعى عليه، فإنه لم تقم عليه حجة في ذلك المقدار.
وإذا مات الإخوة الثلاثة- والصورة كما ذكرنا أولًا- انتقلت حقوقهم إلى البطن الثاني، [لكن] نصيب من لم يحلف من الإخوة يكون منتقلًا إليهم بغير يمين، ونصيب من حلف هل ينتقل إليهم بيمن أو بغير يمين؟
[فيه الوجهان السابقان.
ولو كانت الصورة كما صورها الإمام- كان قضية قوله السابق: أن نصيب من قد حلف هل ينتقل بيمين أو بغير يمين؟ فيه الخلاف، ونصيب من لم يحلف لا
стр. 9386
ينتقل إليهم بدون اليمين، وهل ينتقل باليمين؟] فيه الخلاف، وكذلك قال في ((الوسيط)) - فإنه لاحظ تصوير الإمام-: إن ولد الحالف يستحق [إن حلف، وإن لم يحلف فقولان، وولد الناكل لا يستحق] إن لم يحلف، وإن حلف فقولان. وهي عبارة الإمام، وفيها نظر من جهة قوله: ((ولد الحالف ... وولد الناكل))، فإن البطن الثاني يستحقون بشرط الواقف ما كان للبطن الأول عند إطلاق الوقف من غير أن يختص كل واحد بنصيب أبيه، وقد صرح به الماوردي والصورة كما ذكرنا، وقد أشار إلى ذلك الإمام أيضًا في موضع آخر كما سنذكره.
ولو مات الأخوان الناكلان، قال الماوردي: انتقل نصيبهما إلى الأخ الحالف بغير يمين.
وفي ((الرافعي)): أن في احتياجه لليمين- والصورة كما ذكرناه- ما سبق من الوجهين.
قلت: ولا وجه لجريانهما، لأن البطن الثاني في احتياجهم لليمين فيما كان حلف عليه البطن الأول أشد من احتياج بعض البطن الأول إذا عاد إليه ما كان للبعض الآخر إذا كان قد حلف كما تقدم، وقد قلنا: إن نصيب الناكلين ينتقل إلى البطن الثاني بغير يمين، فللأخ الحالف من طريق الأولى.
نعم: لو كانت الصورة كما ذكرها الإمام، كان في احتياجه لليمين الوجهان بلا شك.
ولو مات الأخ الحالف، وبقي أخواه، قال الماوردي: فإن قلنا: إن البطن الثاني يأخذون بغير يمين عند فقط البطن الأول، انتقل إليهما نصيبه.
وإن قلنا: لا ينتقل إليهم إلا بيمين، لم ينتقل نصيبه إليهما، لنكولهما عن اليمين، وفي انتقاله للبطن الثاني إذا حلفوا وجهان.
فإن قلنا: لا يصرف إليهم، فوجهان:
أحدهما: يصرف إلى الفقراء إلى أن ينقرض الأخوان، فيكون للبطن الثاني.
والثاني: يصرف إلى أقرب الناس للواقف، ويستوي فيه الناكلان وغيرهما عند استواء الدرجة.
стр. 9387
وفي ((تعليق)) القاضي أبي الطيب والبندنيجي و ((الشامل)) وغيرهما: أن الحالف إذا مات ففي نصيبه ثلاثة أوجه:
أحدها: ينتقل إلى إخوته، وهل يحلفون؟ فيه وجهان.
والثاني: ينتقل للبطن الثاني، وهل يحلفون؟ فيه الوجهان.
قال الإمام: ولا فرق على هذا بين أولاد الحالف وأولاد الناكلين، بل يصرف للجميع، وهذا أضعف الوجوه عند الإمام، وهو أصحها عند الأكثرين، كما قال الرافعي، وأنهم نقلوه عن إشارته في ((الأم)).
والثالث: ينتقل إلى أقرب الناس للواقف، لأن الأخوين لا يمكن تحليفهما، لنكولههما، والبطن الثاني لا يستحقونه، لعدم انقراض البطن الأول، فصار كالمنقطع.
قال الإمام: وهل يلحفون؟ فيه الوجهان.
ثم إذا انقرض الناكلان، يرجع إلى البطن الثاني، وهل يحلفون؟ قال ابن الصباغ وغيره: فيه الوجهان.
ولو امتنع الناكلان على قولنا: يصرف إليهم باليمين، قال الإمام: انحصر الكلام في أنه [هل] يصرف إلى البطن الثاني، أو إلى أقارب الواقف؟
فلو امتنع البطن الثاني من الحلف- أيضًا- على قولنا: إنه يصرف إليهم باليمين، انحصر النظر إلى الوقف المتعذر المصرف، فإن قلنا: إنه يصرف إلى أقرب الناس إلى الواقف باليمين، فامتنعوا منها، فهذا وقف لا ندري له مصرفًا، وحكمه مستقصًى في كتاب الوقف.
وفي ((تعليق)) القاضي الحسين وجه في أصل المسألة: أن نصيب الحالف يصرف إلى ورثته، لأنا جعلنا الناكلين كالمعدومين.
ولو كانت الإخوة الثلاثة هم المستوعبون لميراث أبيهم، كانت الدار وقفًا عليهم بإقرارهم، لا بالشاهد واليمين، وانتقل الوقف عنهم إلى البطن الثاني بغير يمين.
نعم: لو كان على الواقف دين يحيط بالدار، فإن قضوه من مالهم خلصت وقفًا لهم، وإن لم يقضوه فالقضاء [يقع حينئذ] بالشاهد واليمين إن كان الوقف في
стр. 9388
الصحة، وإن لم يكن لهم بينة، فلهم تحليف أرباب الديون على نفي العلم بالوقف، [فإن حلفوا قضيت الديون من ثمنها، وإن نكلوا حلف الإخوة وثبت الوقف] وأن نكلوا- أيضًا- صرف ثمنها لأرباب الديون.
ومنها: لو ادعى ثلاثة إخوة: أن أباهم وقف هذه الدار عليهم وعلى أولادهم ما تناسلوا، فإذا انقرضوا فعلى الفقراء، وأقاموا بهذه الدعوى شاهدًا، وحلفوا معه، ثم حدث لأحدهم ولد- فإنه يشركهم في الوقف، لكن نصيبه- وهو الربع- يوقف على حلفه بعد البلوغ، كما نص عليه، لأنه من جملة البطن الأول، فكان في الافتقار إلى اليمين كأحد الثلاثة.
وعن أبي الفرج السرخسي: أنه أجرى وجهًا: أن الصغير لا يحتاج إلى اليمين في هذه الصورة، كما لا يحتاج إليها البطن الثاني على وجه، وأنه نقل وجهين في أن الربع الموقوف على النص يوقف في يد الثلاثة أو في يد أمين؟ والأقرب: الثاني.
والصحيح باتفاق الأصحاب: احتياج الصغير إلى اليمين.
قال ابن الصباغ: وهذا يشهد لابن سريج في إيجاب اليمين على البطن الثاني، لأن هذا الولد الحادث إن كان مشاركًا للبطن الأول، فإن الوقف ثبت له بعد ثبوته لهم، فصار بينه وبين الواقف واسطة.
قال الأصحاب: فإن قيل: هلا دفعتم نصيبه إليه من غير يمين، لأن الثلاثة المستحقين قد اعترفوا بذلك، ألا ترى أنه لو كان في يد ثلاثة دار، فاعترفوا لصغير فيها بشرك، فإنه يسلم إلى وليه؟
قال الماودري: لأصحابنا عن ذلك أجوبة:
أحدها- وهو قول أبي الفياض البصري-: أن [جواب] الشافعي محمول على أن الواقف شرط في وقفه أن [من] لم يقبله وفر نصيبه على شركائه، فلذلك حلف الحادث إن صدقه الشركاء، لأنه يصير من أهله بقبوله [وقبوله] يكون بيمينه، لأنه سهمه إذا لم يقبل عائد إليهم.
стр. 9389
ولو لم يشرط الواقف هذا، استحق الحادث سهمه باعتراف شركائه بغير يمين، كالدار المملوكة بين الشركاء الثلاثة إذا اعترفوا بشريك رابع فيها.
الثاني- وهو قول بعض البصريين-: أن جواب الشافعي محمول على إطلاق الوقف، إذا قيل: إن سهم من لم يقبل أو قبل ومات يرجع إلى بقية شركائه، فأما إذا قيل: إن سهمه راجع للفقراء والمساكين، لم يستحلف، ولم يرجع على الشركاء إن لم يحلف، لأن أصحاب الشافعي اختلفوا [في مذهب] في الوقف إذا لم يقبله أحد أربابه، هل يكون نصيبه مع إطلاق شرط الوقف عائدًا على شركائه، أو على الفقراء والمساكين؟ على وجهين.
والثالث- وهو قول الشيخ أبي حامد-: أن جواب الشافعي محمول على الأحوال كلها في أن الحادث لا يستحق نصيبه- وإن اعترف له الشركاء- إلا بيمينه، وفرق بين الوقف وبين الدار المملوكة بفرقين:
أحدهما: أنهم في الوقف [مقرون على الواقف، وفي غير الوقف مقرون على أنفسهم.
والثاني: أن في الوقف] حقًا للبطن الثاني، فلم ينفذ إقرارهم عليهم، وليس في الملك حق لغيرهم، وهذا ما أورده ابن الصباغ وغيره.
ثم إن حلف الصغير بعد بلوغه، صرف إليه ما وقف له، وهو ربع الريع من حين وضع إلى وقت حلفه، ويصير الربع مما يتجدد له ما لم يحدث ولد آخر.
وإن نكل عن اليمين رد نصيبه إلى أبيه وعميه، لأنه صار كالمعدوم، هكذا نص عليه.
فإن قيل: كيف يرد عليهم وهم معترفون بأنه للصغير، ولا حق لهم [فيه]، وقد قال المزني- لأجل ذلك-: إن الربع الموقوف لا يصرف إليهم، بل هو وقف [قد] تعذر مصرفه؟
стр. 9390
قيل: لأنه بامتناعه عن اليمين قد رد الوقف وإذا بطل في حقه، عاد إليهم، كذا قاله ابن الصباغ.
وحكى الرافعي [و] غيره جوابين.
أحدهما: أن صورة النص إذا شرط الواقف شركة من يحدث إن رغب في الوقف، ولم يرده، فإذا لم يحلف مع الشاهد كأنه رده.
فإن أطلق فقد حكى الشيخ أبو حاتم القزويني: أنه لا يعود إليهم، ويكون وقفًا قد تعذر مصرفه، وبه أجاب ابن كج.
وعن آخرين أنه يعود إليهم، وهو الأشهر.
قلت: وهذا منطبق على قول أبي الفياض البصري الذي حكيناه من قبل.
والثاني: أن الواقف جعل الثلاثة أصلًا في الاستحقاق، ثم أدخل من يحدث على سبيل العول، فإذا سقط الداخل فالقسمة على الأصول كما كانت.
وشبهه في ((التهذيب)) بما إذا مات إنسان على ألف، وجاء ثلاثة، وادعى كل واحد ألفًا على الميت، وأقام شاهدًا واحدًا، فإن حلفوا معه فالألف بينهم، وإن حلف اثنان فهو لهما، وإن حلف واحد فهو لذلك الواحد.
لكن قال الإمام: إن المزني لا يسلم المسألة، ويقول: ليس لصاحب الدين الأول إذا لم يحلف الثاني- أي: إذا اعترف بدينه- إلا أخذ حصته. نعم، لو أبرأ الثاني، كان للأول أخذ الجميع، لأن الثاني بطل حقه، والنكول لا يبطل الحق، ألا ترى أنه لو [لم يحلف] مع الشاهد، ثم أتم البينة، سمعت وحكم بها.
وكيفما قدر الجواب، فالظاهر عند الأصحاب موافقة النص.
ورأى الإمام: أن يجعل ما أعرض به المزني قولًا مخرجًا له، واستحسنه، وإذا قيل به، فنصيب المولود وقف تعذر مصرفه، فيجئ فيه الخلاف السابق.
ويجيء مما ذكرناه عن بعض البصريين من قبل وجهًا هاهنا-: أنه لا يصرف نصيب الصغير إليهم إذا كان الوقف مطلقًا كما تقدم.
ولو مات المولود قبل بلوغه، أو بعده وقبل النكول، قام وارثه مقامه، فيحلف، ويستحق الغلة الموقوفة دون ما يحدث بعد موته، فإنه يكون لأبيه وعميه، وهل يحتاجون إلى اليمين.
стр. 9391
قال الإمام: إن فرعنا على ما قاله المزني ففيه الخلاف فيما إذا مات بعض البطن الأول في وقف الترتيب، وقد حلف الكل، هل يحتاج الباقون إلى التجديد؟ فإن فرعنا على النص، فلا حاجة إلى التجديد، فيقدر أن المولود لم يكن.
ولو مات الولد بعد بلوغه ونكوله، لم يستحق ورثته شيئًا من الغلة الموقوفة، لأنه أبطل حقه منها، ويكون حكمها ما تقدم.
وقد ألحق الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب بهذه الصورة ما إذا كان لأحدهم ولد صغير حالة دعواهم الوقف.
قال ابن الصباغ: وليس بصحيح، لأنا قد ذكرنا في المسألة قبلها إذا كانوا ثلاثة بالغين، فحلف اثنان، وامتنع الثالث- كان نصيبه مقسومًا بين الورثة بعد قضاء الدين منه والوصية، ولا فرق بين البالغ الممتنع وبين الصغير إذا امتنع بعد بلوغه، ويفارق ما نص عليه في الولد الحادث، لأن بأيمان الثلاثة مع شاهدهم حكمنا بأن جميع الدار وقف، فلا يبطل ذلك بامتناع من حدث، وفي الموجود لا يمكن الحكم بوقف جميعه بيمين بعض الموقوف عليهم، وعلى هذا يكون الحكم كما ذكرنا في نكول أحد الإخوة، صرح به الماوردي.
قال: وما لا يقصد به المال، أي: وهو مما يطلع عليه الرجال: كالنكاح والطلاق، والعتاق، والنسب، والولاء، والوكالة، والوصية إليه، وقتل العمد- الذي يقصد به القصاص، وسائر الحدود غير حد الزنى- لا يقبل فيه إلا شاهدان ذكران، لأن الله تعالى نص في الشهادة سوى الأموال على الرجال دون النساء في ثلاثة مواضع: في الطلاق، والرجعة، والوصية، فقال تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢]، وقال تعالى: ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة:١٠٦]، قوال ﷺ : ((لا نكاح إلى بولي مرشد وشاهدي عدل))، فنص الله تعالى ورسوله ﷺ على شهادة الرجال، فلم يجز أن يقبل فيها شهادة النساء، كالزنى.
وأيضًا فقد روى مالك عن عقيل عن ابن شهاب، قال: مضت السنة من
стр. 9392
رسول الله ﷺ أنه لا تجوز شهادة النساء في الحدود، ولا في النكاح، ولا في الطلاق. وهذا وإن كان مرسلًا [فهو لازم] للخصم- وهو أبو حنيفة وأصحابنه- لأن المراسيل حجة عندهم.
وقال [الزهري: جرت] السنة من النبي ﷺ والخليفتين من بعده ألا تقل شهادة النساء في الحدود.
ولأن كل ما لم يقصد منه المال إذا لم تقبل فيه شهادة النسوة على الانفراد، لم تقبل فيه شهادتهن مع الرجال، كالقصاص، وقد وافق الخصم عليه.
قال الماوردي: فإن اعترضوا بالوكالة والوصية، وقالوا: المال يتعلق بهما، فهلا كان إثباتهما بشاهد وامرأتين.
قلنا: ليس عقد الوصية والوكالة بمال، ولا أريد بهما المال، وإنما هما تولية أقيم الرجل فيها مقام غيره، ولهذا يقع المال لغير المتصرف.
على أن القاضي الحسين قال في الوكالة في الأموال: لا نص فيها، ولا يبعد ثبوتها بالشاهد والمرأتين. وقد حكاه ابن القاص في ((أدب القضاء)) له عن ابن سريج، كما حكاه ابن أبي الدم.
وعن الشيخ أبي عاصم نقل قول غريب: أن القذف إنما يثبت بشهادة أربعة، لأنه نسبه إلى الزنى، فكان كالإقرار على قول.
وقد عد مما لا يثبت إلا بشاهدين ذكرين: الإسلام، والردة، والبلوغ، وانقضاء العدة، والعفو عن القصاص، والحد، والحد، والإيلاء، والظهار، والموت، والإعسار على المذهب، والخلع من جانب المرأة، والتدبير، والاستيلاد، وكذا الكتابة على الأصح- وحكى ابن كج وجهًا: أنها تثبت برجل وامرأتين- والقضاء، والولاية- إن أحوجنا فيهما إلى البينة- والوديعة، كما حكاه أبو الطيب في باب الشهادة بالجناية، والشهادة على كتاب القاضي كما تقدم، والشهادة على الشهادة كما سيأتي، والإحصان، وكفالة البدن، والشهادة برؤية غير رمضان، وبهلال رمضان- محل الكلام فيهما كتاب الصيام- وجرح الشهود، وتعديلهم، اللهم
стр. 9393
إلا أن يدعي تكذيب [المدعي] لشهوده، فإنه يحكم في ذلك بالشاهد واليمين.
قال في ((البحر)): لأن تكذيب المدعي لبينته يوجب سقوط حقه، ولا يوجب جرح الشهود.
و [حكى ابن أبي الدم: أن الشيخ أبا علي حكى عن ابن خيران أن جرح الشهود] بالمال يثبت بالشاهد واليمين على وجه.
وقد ألحق القاضي أبو الطيب بهذا القسم قطع اليد من الساعد عمدًا.
وقال الشيخ أبو حامد: إنه يثبت بالشهد واليمين، لأنه لا قصاص فيه.
قال أبو الطيب: وهو غلط، لأن له أن يستوفي القصاص من الكوع، فلا يثبت ذلك بالشاهد واليمين.
وقد نص الشافعي على أنه لا يقبل شاهد وامرأتان، وشاهد ويمين في الهاشمة، والمأمومة- أي: المشبوقة بالإيضاح- لأن المشجوج لو أراد القصاص من موضحته، كان له ذلك.
وجواب الشيخين يتخرج على القولين السابقين في مسألة الهاشمة.
فرع: لو ادع شخص على آخر أنه غصب منه مالًا، فقال: إن كنت غصبت فامرأتي طالق، فأقام المدعي شاهدًا، وحلف معه، أو شاهدًا وامرأتين على الغصب- ثبت، ويترتب عليه الضمان، ولا يقع الطلاق، نص عليه الشافعي، كما قاله الماوردي.
وشبهه الأصحاب بما إذا قال لزوجته: إن ولدت فأنت طالق، فأقامت أربعًا من النسوة على الولادة- ثبتت الولادة والنسب، ولا يقع الطلاق.
وكذا إذا علق الطلاق على رمضان، فثبتت الرؤية بشاهد واحد- وجب صومه، ولا يقع عليه الطلاق.
ولو كان الغصب قد ثبت برجل وامرأتين، وقضى به القاضي، فقال المدعى عليه: إن كنت غصبت فزوجتي طالق، قال الرافعي: فقد قال ابن سريج- ووافقه عامة الأصحاب- بوقوع الطلاق.
قال القاضي الحسين: لأنا لو منعنا وقوعه، لعرضنا حكم الحاكم للنقض والإبطال، ولا وجه له.
стр. 9394
وعن الشيخ أبي [حامد: أنه] قال: لا يقع كما لو تقدم ((التعليق))، وقد عكس الإمام هذا الترتيب قبيل كتاب الديات، فقال: لو ثبت الغصب بشاهد وامرأتين، وقضى به القاضي، ثم قال المحكوم عليه: إن كنت غصبت فامرأتي طالق ثلاثًا، قال: الطلاق يقع، فإن الغصب تمهد.
ولو أنكر الغصب أولًا، وحلف على نفيه، ثم حلف بالطلاق لما ادعى عليه الغصب، وأثبت بالشهد واليمين، واتصل القضاء [به]- ففي وقوع الطلاق خلاف سنذكره في الدعاوى والبينات، والأظهر: أنه لا يقع.
وعهدي أني ذكرت طرفًا [من] الكلام في ذلك في باب الشرط في الطلاق من هذا الكتاب أو غيره، وما يدفع ما قرر به القاضي الروياني كلام ابن سريج هاهنا، فلذلك لم أذكره، فليطلب من ثم.
قال: وإن شهد في قتل العمد شاهد وامرأتان، لم يثبت القصاص، ولا الدية، لأنا على قول نقول: موجب العمد القود لا غير، والدية تثبت بدلًا عنه بالعفو، يدل عليه عدم اجتماعهما، وقد تقدم أن القصاص لا يثبت برجل وامرأتين، وإذا لم يثبت لم يثبت بدله.
وعلى [قول] نقول: الواجب أحد الأمرين لا بعينه: القود، أو الدية، وإنما يتعين بالاختيار، فلو أوجبنا الدية دون القصاص، لأوجبناها معينة، وهذا يخالف موجب هذا القول.
وأبطل الإمام في باب الشهادة بالجناية إيجاب الدية في مسألتنا على قولنا: إن الواجب أحد الأمرين، بأمر آخر، فقال: نحن لا نشك أن المقصود الذي هو الأصل في جراح العمد القصاص، وليس المعنى بقولنا: المال أحد الموجبين، أنه يضاهي القصاص، فإن غرض الشرع إثبات ما يزجر المعتدين، ولا يقع الزجر فيما فهمناه من مقصود الشرع بالغرم المالي، والدية حيث يفوت القصاص إنما تثبت حتى لا تتعطل الجناية، ولا تقع هدرًا.
стр. 9395
ويخرج لنا من هذا: أنا وإن قلنا: [إن] المال موجبه، فلسنا ننكر كون القصاص مقصودًا.
وفي ((الإنابة))، في باب الشهادة بالجناية: أنه لو أقام شاهدًا واحدًا على القتل عمدًا، ولم نجعله لوثًا، ورام أن يحلف معه يمينًا واحدًا، ويستحق الدية، تفريعًا على قولنا: إن اليمين لا تتعدد في مثل هذه الصورة، فإن قلنا: موجب العمد القود فقط، فليس له أن يحلف مع الشاهد الواحد، وإن [قلنا]: موجب العمد أحد الأمرين، فهل يستحق الدية؟ فعلى قولين، بناء على أن من ادعى موضحة، وأقام شاهدًا واحدًا، وحلف معه- فهل يستحق الأرش؟ فعلى قولين.
وهذا الخلاف هو الذي حكينا في باب [اليمين في] الدعاوي: أن الإمام وعد بذكره في باب الشهادة على الجناية، وقال: إنه مطرد فيما إذا أقام شاهدًا وامرأتين، وهو ظاهر، لأنه إذا جرى في الشاهد واليمين، فجريانه في الشاهد والمرأتين أولى، لأن هذه الحجة أقوى من تلك بالاتفاق.
والغزالي في ((الوجيز)) أطلق القول فيما إذا أقام على العميد رجلا وامرأتين بأن المال يثبت وإن لم تثبت العقوبة، وهذا منه محمول على ترجيحه القول بأن الواجب في قتل العمد أحد الأمرين، كما ذكرنا أنه الجديد، وترجيح أحد القولين اللذين حكاهما الفوراني، وأشار إليهما إمامه.
والرافعي قال: إنه غلط ولا محمل له إلا السهو، فإن الذي نص عليه الأصحاب: أن الدية لا تثبت، والله أعلم.
قال: وإن شهد في السرقة شاهد وامرأتان، لم يثبت القطع، ويثبت المال، لأن في السرقة حقين:
أحدهما: للآدمي، وهو المال.
والثاني: لله تعالى، وهو القطع.
والأموال تستحق بشاهد وامرأتين، والحد لا يجب إلا بشاهدين كما تقدم، وليس الغرم هاهنا بدلًا من القطع، بدليل اجتماعهما، بخلاف الدية مع القود، كما تقدم.
стр. 9396
ولأن المال في السرقة أصل، والقطع فرع، فجاز أن يثبت حكم الأصل مع سقوط حكم الفرع، ويخالف الدية، فإن القود في القتل أصل، والدية فرع، فلم يجز أن يثبت حكم الفرع مع سقوط أصله.
وهكذا الحكم فيما إذا شهد له بالسرقة رجل، وحلف معه، وهذا ما ادعى الإمام في كتاب السرقة الوفاق عليه.
وقد شبه الأصحاب هذا بما ذكرناه في مسألة الغصب، وهو إذا حلف بالطلاق: أنه ما غصب، فقام على الغصب شاهد وامرأتان، أو شاهد وحلف معه- فإنه يثبت الغرم، ولا يقع الطلاق، لكنا قد حكينا عن الإمام في هذه الصورة من الغصب رواية وجه في أن الطلاق يقع، وقضية التشبيه أن يحكم بالقطع في مسألة السرقة على وجه، وقد حكاه الإمام في باب الشهادة على الجناية، حيث قال: حكى من يوثق به عن القاضي أنه لو شهد رجل وامرأتان على سرقة توجب القطع، قال: يثبت المال، وفي القطع وجهان، وهذا على نهاية البعد، فإن إثبات القطع- وهو حق لله تعالى- بشهادة رجل وامرأتين محال.
ثم قال: وهذا بمثابة ما لو أقر العبد بسرقة مال، فالقطع يثبت، وفي المال قولان. انتهى.
وما ذكرناه من ثبوت المال هو المنصوص، و [هو] الصحيح عند المراوزة، وبه جزم العراقيون، وقال الإمام في كتاب السرقة: إن بعض أصحابنا أبعد فلم يثبت المال إذا تضمنت الدعوى سرقة، ولو ثبت لأوجبت القطع، وحكاه الفوراني والبغوي وغيرهما.
فرع: لو شهد رجل وامرأتان على صداق في نكاح ادعته المرأة، ثبت الصداق وإن لم يثبت النكاح، فإن الصداق [مال] ينفك عن النكاح، وهذا ما أورده الجمهور، وحكام الإمام في أواخر باب الرجعة عن شيخه، وأن الشيخ أبا علي قال: لا يثبت الصداق، لأن النكاح لم يثبت، وهو فرع له.
قال الإمام: وهو أفقه.
стр. 9397
قال: وإن كان في يد رجل جارية لها ولد، فادعى رجل أنها أم ولده، وولدها منه- أي: علقت في ملكه، وقد غصبها من هي في يده، [وأقام-أي:] على ذلك- شاهدًا وامرأتين، أو شاهدًا وحلف معه، قضي له بها، لأمرين:
أحدهما: أن أحكام الرق جارية عليها في استخدامها، والاستمتاع بها، وإجارتها، وتملك منافعها، وأخذ قيمتها من قاتلها، والرق مال يحكم فيه بالشاهد واليمين، والشاهد والمرأتين.
[والثاني: أنه] لما حرم عليه بيعها، صار الملك والدعوى مقصورًا على منافعها، والمنافع في حكم الأموال تثبت بالشاهد والمرأتين، والشاهد واليمين.
قال: [وتعتق بموته]، عملًا بإقراره الذي تضمنه دعواه وإن كان إذ ذاك غير صاحب اليد، كما نقول فيمن ذكره حرية عبد، ثم ملكه ببيع أو إرث، فإنه يعتق، كذا قاله القاضي أبو الطيب وغيره.
وفي ((الحاوي)): أن أصحابنا اختلفوا في عتقها، هل حصل بإقراره أو البينة؟ وأن مأخذ الاختلاف التعليل الساق.
قال: وفي نسب الولد وحريته قولان.
القولان ينبنيان- كما قال الأصحاب- على أنه هل يحكم له بالولد بهذه البينة، أو لا يحكم له؟ وفيه قولان:
أحدهما: نص عليه في ((الأم))، ونقله المزني في ((المختصر)): أنه لا يحكم له به، لأنه ليس يدعي الملك والرق في الولد، وإنما يدعي نسبه وحريته، وهما لا يثبتان بالشاهد والمرأتين، والشاهد واليمين، وهذا ما أجاب به الروياني في ((الحلية))، وهو الصحيح.
والقول الثاني- قال المزني: ((إن الشافعي قاله في موضع آخر))، ولم يوجد في شيء من كتبه، كما قاله الماوردي-: أنه يحكم له به تبعًا لأمه، لأنها في الدعوى أصل متبوع، وهو فيها فرع تابع، فأوجب ثبوت الأصل ثبوت فرعه كما لو ثبت غصب
стр. 9398
جارية، فإنه يحكم لمدعيها بالولد الحاصل منها في يد الغاصب.
قال الإمام: ولأن الولد في دعواه جزء من الجارية، وبه يثبت الاستيلاد، فإذا اختص بالجارية على صفة أمية الولد تعدى الاختصاص إلى الولد، وهذا ما اختاره المزني، كما قاله القضاة: أبو الطيب والحسين والماوردي، والبندنيجي والفوراني وابن الصباغ، وغيرهم، وأنه استشهد له بأن الشافعي نص على أن الشخص إذا ادعى عبدًا في يد غيره يسترقه: أنه كان عبده، وأنه أعتقه، وغصبه صاحب اليد بعد حريته، وأقام بما ادعاه من الملك والعتق شاهدًا وامرأتين، أو شاهدًا وحلف معه- أنه يقضي له وإن كان مقصود الدعوى استحقاق الولاء، لأنه تابع لدعوى رق وعتق، كذا دعوى الولد، لأنه تابع لرق أمه، فإنه جزء منها.
واختلف الأصحاب في مسالة الاستشهاد على طريقين:
إحداهما- وبها قال ابن سريج-: أن فيها أيضًا قولين، [وما ذكره الشافعي تفريع على أحد القولين].
والثانية- وبها قال أبو إسحاق، وجمهور أصحابنا، كما قال الماوردي، ولم يحك القاضي الحسين والبغوي والروياني سواها-: أن المسألة على قول واحد، كما قاله المزني، [لكن] الفرق بينهما وبين ولد أم الولد: أن العبد المدعى هناك مدعيه يدعي ملكًا متقدمًا في العبد، وحجته تصلح لإثبات الملك، وإذا ثبت الملك ترتب عليه العتق بإقراره، وفي صورة الاستيلاد إنما قامت الحجة على ملك الأم، لا جرم رتبنا العتق عليه إذا جاء وقته بإقراره، وأما الولد فقضية الدعوة والحجة كونه حر الأصل نسيبًا، والحرية النسب لا يثبتان بهذه الحجة، فلذلك افترقا.
نعم، لو أن المدعي في مسألة الاستيلاد قال لصاحب اليد: استولدتها في ملكك، ثم اشتريتها مع الولد، فيعتق الولد علي، وأقام عليه حجة ناقصة فالعتق الآن يترتب على الملك الذي قامت به الحجة الناقصة، فيكون على الطريقين:
стр. 9399
فإن قلنا بالقول الأول، لم يحكم بحرية الولد، وكذا بنسبه، كما نص عليه في كتاب الدعاوي والبينات، كما قال الفوراني.
وقيل: إنه يحكم بنسبه خاصة، بناء على جواز استلحاق عبد الغير.
قال الفوراني- كما نص عليه في التقاط المنبوذ-: وإن قلنا بالقول الثاني، ثبت نسب الولد وحريته بإقراره، كأمية الولد.
وقد سلك الإمام، وتبعه الغزالي في مسألة الكتاب والمسألة المستشهد بها طريقًا آخر، فقال: اختيار المزني: أن حرية الولد لا تثبت، ولا تقبل هذه الحجة في حق الولد، وأن النص الذي نقله في مسألة العبد: أن المدعي لا يثبت، ويقر العبد في يد المدعى عليه، وأنه احتج به فقال: إذا لم يثبت العتق فيها مع أن قضية دعواه وحجته ترتيبه على الملك، وتواردهما على شخص واحد، فلألا يثبت في الولد- وهو شخص مستقل بقيام الحجة على الملك في الأم- كان أولى.
ثم قال: إن للأصحاب طريقين في مسالة العبد:
إحداهما: طرد القولين.
والثانية: القطع بأنه لا يثبت المدعى، ولا ينزع العبد، ولا يحكم بعتقه، لأن في مسألة الاستيلاد الحجة صالحة للاستيلاد يقتضي ولدًا، وفي عتق العبد لا [شيء] يتعلق به الحجة والقياس: القطع في المسألتين، فإنه حرية الولد وعتق العبد لا يثبت.
قال الرافعي: هذا كله محال عن وجهه، وإن شئت فراجع ((المختصر))، تتيقن أن الأمر على ما حكاه غيره.
قال: ولا يقبل في حد الزنى واللواط وإتيان البهيمة إلا أربعة من الرجال.
ووجهه في حد الزنى واللواط قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَاتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء:١٥]، وقوله تعالى]: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ بالنور:١٣]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ الآية [النور:٤]، فجعل التخلص من حد القذف بأن يشهد أربعة شهداء بالزنى، وإنما
стр. 9400
يتخلص من القذف بثبوت الزنى، فدل على أن الزنى لا يثبت بأقل من أربعة، ويؤيده ما روى مسلم عن أبي هريرة أن سعد بن عبادة قال لرسول الله ﷺ : ((لو وجدت مع امرأتي رجلا أمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال: نعم)).
ولأن الزنى واللواط لما كانا من أغلظ الفواحش المحظورة وأضرها، كانت الشهادة فيهما أغلظ، ليكون أستر للمحارم، وأنفى للمعرة، وإنما لم تسمع فيهما شهادة النسوة، لأن سماع شهادتين رخصة فيما خف، فلم يجز أن تسمع في مواضع التغليظ.
وأما في إتيان البهيمة، فلأنه إثبات وطء هو فاحشة، أو إتيان فرج في فرج يوجب الغسل، فأشبه وطء القبل، وهذا ظاهر النص.
وقيل: إن قلنا: إن الواجب في إتيان البهيمة التعزيز، قبل فيه شاهدان، لخروجه عن حكم الزنى في الحد، فخرج عن حكمه في الشهادة، وهذا قول المزني وابن خيران، وحكاه الماوردي قولًا، وقد قال بمثله المراوزة في اللواط، بناء على إيجاب التعزيز فيه.
قال: وليس بشيء، لأن نقصان العقوبة لا يدل على نقصان الشهادة: كزنى الأمة.
والقولان جاريان- كما قال الماودري- في باب حد الزنى في الشهادة على إتيان المرأة فيما دون الفرج، وكلام القاضي الحسين يقتضي أنه لا خلاف في ذلك، لأنه حكى أن ابن خيران قال في إتيان البهيمة: يثبت بشاهدين كالمفاخذة والقبلة. [وفرق بأن ذلك من جنس إيلاج الفرج في الفرج، بخلاف المفاخذة والقبلة].
ولا فرق عندنا في شهود الزنى بين أن يشهدوا مجتمعين أو مفترقين، ولا بين أن يشهدوا به عن قرب عهد به أو [عن بعد] عهد.
قال: وإن شهد ثلاثة بالزنى، وجب على الشهود حد القذف في أحد القولين، لما روي أن المغيرة بن شعبة كان أميرًا على البصرة من قبل عمر، وكان مناكحًا، فخلا بامرأة في دار كان ينزلها، وينزل معه فيها أبو بكرة، وناقع، ونفيع، وزياد بن أمية، وكان جميعهم من ثقيف، فهبت ريح، ففتحت الباب على المغيرة،
стр. 9401
فرأوه على بطن المرأة يفعل بها كما يفعل الرجل بامرأته، فلما أصبحوا تقدم المغيرة ليصلي، فقال أبو بكرة: تنح عن مصلانا. وانتشرت القصة، فبلغت عمر، فكتب أن يرفعوا جميعًا إليه، فلما قدموا إليه، وحضروا مجلسه، بدأ أبو بكرة، فشهد بالزنى، ووصفه، فقال علي للمغيرة: ذهب ربعك، ثم شهد بعده نافع، فقال علي: [ذهب] نصفك، ثم شهد بعده شبل بن معبد، فقال علي للمغيرة: ذهب ثلاثة أرباعك، فقال عمر: أدوا الأربعة، فأقبل زياد ليشهد، فقال عمر: إيهًا أبا العفان، قل ما عندك، وأرجو ألا يفضح الله أحدًا على يدك من أصحاب رسول الله ﷺ ، فتنبه زياد، فقال: رأيت أرجلًا مختلفة، وأنفاسًا عالية، ورأيته على بطنها، وأن رجليها على كتفيه كأنهما أذنا حمار، ولا أعلم ما وراء ذلك.
ورواية أبي بكر بن المنذر: [أنه] لما أقبل زياد قال عمر: جاء رجل لا يشهد إلا بالحق، فقال زياد: رأيت مجلسًا قبيحًا، وابتهارًا، ولا أدري أنكحها أم لا، فقال عمر: الله أكبر، قم يا يرفأ فاجلد هؤلاء، فجلد الثلاثة حد القذف، فقال عمر لأبي بكرة: تب أقبل شهادتك، فقال: والله لا أتوب، والله زنى، والله زنى، والله زنى، فهم عمر بجلده، فقال له علي: أراك إن جلدته رجمت صاحبك، فتركه.
стр. 9402
ولم يخالف في هذه القصة أحد من الصحابة، فصار إجماعًا، ويدل عليه من طريق المعنى شيئان:
أحدهما: أن الشهادة بالزنى أغلظ من القذف به، لأنه يقول في القذف: زنيت، ولا يصفه، وفي الشهادة بالزنى يقول: زنيت، ويصفه، والقذف لا يوجب حد المقذوف، والشهادة توجبه، فلما كانت أغلظ كانت بوجوب الحد إذا لم يتم العدد أولى.
والثاني: أن سقوط الحد عنهم ذريعة إلى تسرع الناس إلى القذف إذا أرادوه أن يخرجوه مخرج الشهادة حتى لا يحدوا، ففي حدهم صيانة للأعراض في توقي القذف، فكان أولى وأحق، وهذا ما صححه النواوي، وهو الأظهر في ((الحاوي)) في باب حد الزنى، وقال: إنه المنصوص عليه في أكثر كتبه من قديم وجديد، وعلى هذا: لا تقبل شهادتهم حتى يتوبوا كما تقدم، وهل تقبل روايتهم قبل التوبة؟ فيه وجهان في ((الحاوي)):
المشهور [منهما]- كما تقدم-: القبول، وينسب إلى أبي حامد.
وأقيسهما- كما قال-: عدم القبول، كالشهادة.
والقول الثاني: [أنهم] لا يحدون، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور:٤] فبين أن الزاني الذي يجب عليه الحد هو الذي يحتاج إلى أربعة، وكل واحد من هؤلاء لا يحتاج إلى أربعة، وإنما يحتاج إلى ثلاثة، فوجب ألا يكون ممن يجب عليه حد القذف.
ولأن نقصان العدد معنى لا يمكن الشاهد الاحتراز منه، فوجب ألا يتعلق به وجوب الحد، أصله: رجوع أحدهم عن الشهادة، فإن الشافعي قد نص على أن الواحد منهم إذا رجع لا يجب على الثلاثة حد، وإن وجب الحد على الراجع على أحد القولين، كما قاله أبو الطيب.
ودعوى الإجماع غير مسلمة، لأن أبا بكرة مخالف، وخلاف الواحد يمنع انعقاد الإجماع.
стр. 9403
والفرق بينه وبين من جاء قاذفًا: أنهم ثم لو كثروا لم يندفع الحد عنهم، وهنا بخلافه.
[و] لأن القاذف عاص بقذفه، فاسق بفعله، لأنه فعل ما نهي عنه، وليس كذلك الشاهد، فإن الشهادة إما مأمور بها أو مباحة مأذون [له] فيها، وهذا ما ادعى الماوردي أنه مخرج.
والقولان يجريان فيما لو حضر الرابع، وتوقف، وفيما لو شهد اثنان أو واحد، كما صرح به الماوردي والإمام في باب حد الزنى، وقد تعلق بما ذكرناه أمران:
أحدهما: ما معنى قول علي لعمر: ((أراك إن جلدته رجمت صاحبك؟)) قال الماوردي معناه: إن كان هذا القول غير القول الأول، فقد كملت الشهادة، فارجم صاحبك، وإن كان هو الأول فقد جلدته بغير استحقاق، فارجم صاحبك بغير استحقاق.
الثاني: قال العلماء: الصحابة عدول، وهذه القصة تقتضي الطعن في المغيرة، أو فيمن شهد عليه، فما العذر؟
قيل: إن المغيرة كان يرى جواز نكاح السر، واعتمده في هذه القصة، فهو شبهة في حقه وإن كان يحد عليه.
وقد قيل: إن كان يبتسم عند الشهادة عليه، فقيل له في ذلك، فقال: إني أعجب مما أريد أن أفعل بعد شهادتهم، قل: وما تفعل؟ قال: أقيم البينة أنها زوجتي.
стр. 9404
فرع: لو شهد اثنان على إقرار شخص بالزنى، وقلنا: لا يثبت الإقرار بالزنى بشهادة رجلين- قال القاضي الحسين في ((فتاويه)): فلا حد على الشاهدين، لأنهما لم ينسباه إلى الزنى.
قال: وإن شهد أربعة أحدهم الزوج- أي: ولم يتقدم منه قذف- فقد قيل: يحد الزوج قولًا واحدًا، لأنه ليس من أهل الشهادة على هذا الزنى، فكان كما لو أتى به بغير صيغة الشهادة.
ولأنه روى عن ابن عباس أنه قال في أربعة شهدوا على امرأة: أنها زنت، وأحدهم زوجها، فقال: يلاعن الزوج، ويحد الثلاثة، فلم يجعل لشهادة الزوج حكمًا، وأوجب عليه أن يلاعن، وهو قول صحابي لم يظهر مخالفه، فإن قد اشتهر فهو إجماع، وإلا فهو حجة على الخصم، لأنه يترك القياس به، كا هو قول قديم للشافعي، وهذا نصه في كتاب اللعان، كما قال ابن الصباغ، وقال الماوردي ثم: إنه قول أبي إسحاق.
قال: وفي الثلاثة قولان سبق توجيههما.
وقيل: في الجميع قولان، لإتيانهم بلفظ الشهادة، وهذا القائل يجعل نقصان الصفة بمثابة نقصان العدد.
أما إذا تقدم على شهادة الزوج قذفه، قال ابن الصباغ: حد قولًا واحدًا.
وعلى كل حال إذا قلنا بوجوب الحد عليه وعلى الشهود، فهل يجوز إقامة الحد على الشهود قبل لعان الزوج ولعانها؟ فيه وجهان مبينان على خلاف الأصحاب في أن الزوج إذا لاعن وحدت، هل تسقط حصانتها بالنسبة إلى الأجانب كما سقطت بالنسبة إلى الزوج أم لا؟
فعند ابن سريج: لا، فعلى هذا يجوز إقامة الحد على الشهود قبل اللعان.
وعند أبي إسحاق: نعم، فعلى هذا لا يحد الشهود إلا بعد لعان الزوج ولعانها، قال الماوردي في كتاب اللعان.
فرع: لو شهد بدل الزوج عبدٌ أو كافر أو امرأة أو فاسق، فما حكمه وحكمهم؟ الكلام في ذلك ينبني على ما لو كان الأربعة عبيدًا أو فساقًا أو أعداء للمشهود عليه.
стр. 9405
وفي ((الحاوي)): فيهم في باب حد الزنى ثلاث طرق:
إحداها: أن في حدهم القولين.
والثانية: لا يحدون قولًا واحدًا وإن حدوا عند نقصان العدد، لأن نقصان العدد نص، ونقصان الصفة اجتهاد، وهذه نسبها في باب اللعان إلى الإصطخري، وضعفها.
والثالثة- حكاها الشيخ أبو حامد-: أنه إن كان الرد بنقصان الصفة بأمر ظاهر: كالرق، والفسق، جرى مجرى نقصان العدد، فيكون في حد الجميع قولان.
وإن كان بأمر خفي: كالعداوة والفسق الخفي، فلا يصيرون قذفة، و [لا] يحدون قولًا واحدًا، لأن الظاهر منه كالنص ترد به الشهادة قبل سماعها، والخفي منه اجتهاد ترد به الشهادة بعد سماعها.
وجزمٍ القاضي الحسين بأن العبيد إذا انفردوا بالشهادة، أو الكفار، أو النسوة حدوا قولًا واحدًا.
وأما المعلنين بالفسق الذي لا يتوصل إليه بالاجتهاد، قال الإمام: ففيهم قولان ذكرهما ابن سريج، وحكاهما القاضي أيضًا:
أحدهما: أن الحكم كذلك.
والثاني: أنهم لا يحدون، فإن من العلماء من يجعل الفاسق من أهل الشهادة.
وحكى الإمام فيما لو كان فسقة في الباطن دون الظاهر وجهين مرتبين على ما لو كانوا معلنين بالفسق، وقال: هاهنا أولى بألا يجب الحد، بل هو ظاهر المذهب، لأنهم لو شهدوا في مال، فردت شهادتهم، ثم تابوا، وأعادوها- لم تقبل، ولو جاء عند مجيء الشهود، فردت شهادته، ثم عتق، فأعادها، قبلت.
ولو ردت شهادة المعلن بالفسق، ثم أعادها بعد التوبة، ففي سماعها وجهان.
قال: ويمكن أن يجعل هذا ضابطًا فيما نحن فيه، فيقال: كل من ردت شهادته، فإذا زايل حاله [حالة]، ثم أعاد الشهادة، لا تقبل شهادته المعادة، فإذا شهد على الزنى مع كمال العدد، ثم اطلع على تلك الصفة، وردت شهادته- فلا يكون قاذفًا، ولو كان على صفة لو شهد عليها، ثم زايلته فأعادها، قبلت، فإذا شهد على الزنى، فردت شهادته، للصفة التي ذكرناها- فهو قاذف، لأنه ليس من أهل الشهادة.
стр. 9406
وقضية هذا الضابط: أن يكون فيمن ردت شهادتهم مع كمال العدد، لأجل العداوة وجهان، لأن في قبول شهادتهم المعادة وجهين، وقد ألحقهم بمن ردت شهادتهم بفسق مجتهد فيه، وقد ادعى أنه لو ردت شهادتهم بفسق مجتهد فيه: [أنه لا خلاف في] أنهم لا يحدون، وهو [فيه] متبع للقاضي.
عدنا [إلى ما] نحن فيه: قال الماوردي: فإن قلنا: إنه لا حد عليهم عند نقصان العدد، فهاهنا أولى، وإن قيل بوجوبه عند نقصان العدد، فهاهنا ثلاثة أوجه:
أصحها: أنه لا حد على جميعهم، لقوة الشهادة بكمال العدد، وبكمال صفة الأكثرين.
والثاني: يحد الجميع، لرد شهادتهم.
والثالث: يحد من نقصت صفته بالرق والفسق، ولا يحد من كملت صفته بالعدالة.
وقال القاضي أبو الطيب: إن ردت شهادة الرابع بأمر ظاهر: كما إذا كان عبدًا، أو كافرًا، أو امرأة، أو فاسقًا ظاهرًا- كان ذلك بمنزلة نقصان العدد، لا يختلف أصحابنا فيه، لأن وجود ذلك الواحد وعدمه سواء، وظاهر كلامه يعود إلى الثلاثة، وأما الرابع فقد سكت عنه.
وقضية كلام القاضي الحسين والإمام: أنه يحد قولًا واحدًا إن كان رد شهادته لغير الفسق، [وإن كان للفسق] الظاهر فيجيء فيه القولان.
وقال النبدنيجي: إن القولين جاريان في الذي ردت شهادته كيف كان.
قال القاضي أبو الطيب: ولو كان رد شهادة الرابع بأمر خفي مثل أن يكون فاسقًا في الباطن دون الظاهر، فقد اختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: هذه- أيضًا- بمنزلة نقصان العدد.
منهم من قال: لا يحدون قولًا واحدًا، لأن الفسق إذا كان باطنًا لا تفريط من جهتهم في الشهادة معه، وكانوا معذورين، فلم يحدوا، وليس كذلك نقصان العدد، أو سقوط العدالة بأمر ظاهر مشهور، فإنه مفرطون فيه، فحدوا بسببه.
стр. 9407
وقد حكى ابن الصباغ هاتين الطريقين أيضًا، وقال البندنيجي: إن الثانية هي المذهب، ونسب القائل بالأولى إلى الشذوذ، وقال: إن الذي ردت شهادته ظاهر المذهب- أيضًا- أنه لا حد عليه.
قال ابن الصباغ: لأنه قد لا يعلم أنه ترد شهادته.
ولو فسق واحد من الأربعة بعد الشهادة، قال البندنيجي: فلا حد عليه، ولا على الباقين، كما لو مات- يعني: قبل أن يشهد- فإنه لا حد على الباقين، كما حكاه أبو الطيب عن الشافعي.
ووجهه بأنه يحتمل أنه لو شهد، شهد بما يتم به النصاب، ويشبه أن يكون فيهم ما ذكرناه فيما إذا رجع واحد منهم، وأصر الباقون.
قال: وفي الإقرار بالزنى قولان:
أحدهما: يثبت بشاهدين- أي: ذكرين- كغيره من الأقارير، [وهذا أصح عند القاضي الروياني، وصاحب ((المرشد))، والنواوي].
والثاني: لا يثبت إلا [بأربعة، لأنه إقرار بفعل، فلا يثبت إلا] بما يثبت به ذلك الفعل، لاستوائهما في الموجب، وهذا حكاه الماوردي في كتاب اللعان عن القديم، ونسب الأول إلى الجديد، وفرق بينه وين الشهادة بالزنى بأن المقر بالزنى لا يتحتم حده، لأن له إسقاطه بالرجوع، والمشهود عليه بفعل الزنى يتحتم الحد عليه، فغلظت البينة في الفعل، وخففت في الإقرار، وسائر الحقوق يستوي فيها حالة الإقرار وحالة ثبوت الفعل بالبينة، فلذلك لم تختلف البينة فيها.
فرع: هل يعتبر في صحة الإقرار بالزنى التفسير كما يعتبر في الشهادة [به]؟ فيه وجهان تقدمت حكايتهما، ولا يبعد تخريجهما من القولين هنا.
قال: ويقبل فيما لا يطلع عليه الرجال: كالرضاع- أي: من الثدي- والولادة، والعيوب [التي] تحت الثياب- أي: كالرتق، والقرن، والبرص، وغيره، سواء في ذلك ما تحت الإزار غيره مما يباح للمحارم النظر إليه خاصة، كما قاله في الحاوي، و ((البحر)) - شهادة رجلين، ورجل وامرأتين، وأربع نسوة.
стр. 9408
أما قبول شهادة النساء منفردات في ذلك وما في معناه، فالأصل فيه ما روي عن الزهري أنه قال: مضت السنة بأن يجوز شهادة النساء في كل شيء لا يليه غيرهن.
ولأن الرجال لا يطلعون على ذلك غالبًا، فلو لم تقبل فيه شهادة النسوة منفردات، لتعذر إثباته.
وأما اعتبار الأربع، فلأنه قد تقرر أنا ما ليس بمال ولا يقصد منه المال لا يثبت إلا برجلين، وهذا منه، وإنما جوز فيه شهادة النساء لما ذكرناه، فاقتضى ذلك اعتبار الأربع، لأن الله تعالى أقام المرأتين مقام الرجل، وقال ﷺ : ((النساء ناقصات عقل ودين))، قيل: يا رسول الله، وما نقصان عقلهن؟ قال: ((أما نقصان عقلهن، فإن شهادة المرأتين بشهادة رجل واحد))، وروي: ((أليس شهادة المرأة بنصف شهادة الرجل)).
فإذا ثبت قبول شهادتهن منفردات كان قبول شهادة الرجل والمرأتين والرجلين من طريق الأولى.
وقد حكى الإمام في أواخر الرضاع أن صاحب ((التقريب)) حكى عن الإصطخري أنه كان يقول: لا يثبت الرضاع ولا عيوب النساء الباطنة، وإنما تثبت بشهادة النساء المتمحضات، وهذا متروك [عليه] غير معتد به.
وقد ألحق البندنيجي بما ذكرناه استهلال المولود إذا ولد، وقال: إن شهادة النساء مقبولة في هذه المواضع الأربعة. فأفهم إيراده عدم قبولها فيما عداها.
وقد ألحق غيره بها البكارة، والثيابة، والحيض.
وحكي عن الربيع أنه قال: في الاستهلال قول آخر: أنه لا يقبل فيه [النساء على] الانفراد.
قال البندنيجي: وهذا من [كيسه].
قال البندنيجي والقاضي الحسين والبغوي: ولا يلتحق بذلك الجراحات الصادرة على العورات في الحمامات، بل [كل] ذلك لا يثبت إلا بما يثبت الجرح [به] على غير العورة وإن كان لا يطلع عليه الرجال بحال، لأن أصل
стр. 9409
الجراحات مما يطلع عليه الرجال غالبًا، وهذا ما أشار إليه الأصحاب عند الكلام مع الإمام مالك في منع شهادة الصبيان على الجراحات.
وادعى القاضي أبو الطيب ثم الإجماع على ذلك.
[ثم] قال البندنيجي والبغوي: فإن كان ذلك الجرح مما يوجب القود فلا يثبت إلا بعدلين ذكرين، وإن كان لا يوجب القود ثبت بشاهدين، وشاهد وامرأتين، وشاهد ويمين.
واعترض الرافعي على ما ذكر من العلة بأن جنس العيب- أيضًا- مما يطلع عليه الرجال غالبًا، وإنما الذي لا يطلعون عليه العيب الخاص، وكذلك الجراحة الخاصة.
أما الرضاع من لبن حلب في آنية، ففي ((التتمة)) في كتاب الرضاع: أنه لا يثبت إلا بشهادة رجلين، لأن هذا مما لا يختص النساء بالاطلاع عليه.
نعم، الشهادة على [أن] اللبن المحلوب في الأواني من لبن هذه المرأة تقبل فيه شهادتهن، لأن الرجال لا يطلعون على حلب اللبن في الغالب.
وقد أغرب في [آخر] كتاب الشفعة فقال إذا أخبر الشفيع نسوة بالبيع: إن ذلك ينبني على أن النسوة هل تقبل شهادتهن على الانفراد أم لا؟ إن قلنا: تقبل، فهو كما لو شهد عدلان، وإن قلنا: لا تقبل، فهو كما لو شهدت امرأة واحدة.
ولعل ما ذكره محمول على ما تقبل شهادتهن منهن على وجه التبعية، كما حكيناه عن الماوردي في باب اللقيط فيما إذا ادعى رجل رقه: أنه تسمع شهادة أربع نسوة بالولادة في ملكه، وتكون شهادتهم بملك الأم عند الولادة [مقبولة تبعًا للشهادة بالولادة].
والعبوب في الوجه والكفين من النساء، ادعى الماوردي في باب شهادة النساء: أنه لا [تقبل] فيها إلا شهادة الرجال دون النساء إجماعًا، ولم يفصل بين الحرة والأمة، وقد صرح به القاضي الحسين فيهما، ووافقهما البغوي على ذلك في
стр. 9410
الحرة، وقال: إن العيب إذا كان في وجه الأمة، أو بموضع من بدنها يبدو في المهنة- يثبت برجل وامرأتين، وبشاهد ويمين، لأن المقصود منه المال.
وقال القاضي الحسين فيما إذا كان العيب على ظهر الأمة أو بطنها، هل يثبت بشهادة النسوة؟: فيه وجهان ينبنيان على أن النظر إلى بطن الأمة وظهرها هل يجوز؟ وفيه وجهان.
تنبيه: سكوت الشيخ في هذا النوع عن ذكر اليمين يفهمك أنه لا يثبت بشاهد ويمين، ولا بامرأتين ويمين، كما صرح به الماوردي في الرضاع، وابن خيران فيه، وفي غيره مما يثبت بشهادة النسوة.
قال الرافعي: وهو الموافق لإطلاق عامة الناقلين.
وحكى ابن أبي الدم أن الشيخ أبا علي قال في ((شرحه الكبير)): إن أبا الطاهر الزيادي قال: يثبت الرضاع والولادة بشهادة امرأتين، ويمين المدعي، لأن هذه شهادة توقفت على امرأتين، فجاز أن يقوم اليمين فيها مقام امرأتين، كالشاهد الواحد في المال.
وأن القفال قال: إنه خطأ، لأن اليمين دخلت في الأموال لخفتها، ودخول البدل فيها، وثبوت الرضاع والولادة بشاهد وامرأتين لم يكن لخفة ذلك، بل للحاجة إليه.
أما ما تحت إزار النساء من العيوب لا يثبت إلا برجلين، أو رجل وامرأتين، وأربع نسوة، ولا يثبت بشاهد ويمين. انتهى.
وهذا يفهم اختصاص الخلاف بالرضاع والولادة.
وقد حكى الرافعي في باب الشاهد واليمين عن رواية السرخسي عن طائفة- منهم الشيخ أبو علي- إجراء الوجه المذكور في كل ما يسمع فيه شهادة النسوة منفردات، بخلاف الأموال، حيث لا تقبل فيها شهادة امرأتين ويمين المدعي بلا خلاف، لأن المنضم إلى اليمين إذا شهدت امرأتان في الأموال أضعف شطري
стр. 9411
الحجة، فلا يقنع بانضمام الضعيف إلى الضعيف، كما لا يقنع بانضمام امرأتين إلى امرأتين فيه، وهاهنا المنضم إلي اليمين شطر تام من الحجة لا أضعف الشطرين.
والقائلون بالأول قالوا: المنصوص على جواز الحلف معه أقوى الشطرين، وليس الأقوى ثابتًا هنا، فلم يكن ذلك في معنى المنصوص عليه.
فرع: ما قبلنا فيه شهادة النسوة على فعله لا نقبل فيه شهادتهن على الإقرار، صرح به المتولي وغيره في الإقرار بالرضاع، والله أعلم.
وقد نجز شرح مسائل الباب، ولنختمه بفرعين:
أحدهما: قال صاحب ((التقريب)): لو اجتمع طائفة، فشهد اثنان منهم لاثنين بوصية في تركة، ثم شهد المشهود لهما للشاهدين بوصية في تلك التركة- قال الشافعي: لا تقبل شهادتهما، فإنهم متهمون، وهذه رواية الربيع، قاله [في ((الإشراف))]، وأن به أجاب الزجاجي.
قال صاحب ((التقريب)): وكذلك لو كان لرجل ديون على طائفة من الغرماء، ولقوم عليهم ديون- أيضًا- فتناوبوا في الشهادة على الصورة التي ذكرناها- فالشهادة مردودة.
قال الإمام: وعندي أن ما ذكروه مشكل، والقياس: القطع [بقبول الشهادة]، ومن أحكم الأصول لم يخلف [عنه] ما ذكرناه، ولم أر ما حكاه صاحب ((التقريب)) في شيء من الكتب.
قلت: وقد حكاه القاضي الحسين في ((تعليقه)) أيضًا، وقال: إن أصحابنا قالوا: لو شهد بعضهم لبعض بالدين على رجل واحد، نظر:
إن كان [الرجل] مفلسًا لا يقبل، لأنهم يشتركون في ماله، وإن [لم يكن] مفلسًا قبل، وهذا على ظاهر المذهب الذي لا يقبل شهادة الشريك في حصة
стр. 9412
شريكه إذا كان له فيه شريك
الثاني: إذا ادعى شخص على آخر شيئًا في يده، وأقام بينة، فأقام المدعى عليه شاهدين على أن الشيء له، فعاد شهود المدعي، وشهدوا بجرح شاهدي المدعى عليه- قال في ((البحر)) قبل كتاب الشهادات: الأظهر أن هذه الشهادة مسموعة، إذ لا مانع من قبولها من قرابة وعداوة وغيرهما.
وقال بعض أصحابنا: لا تقبل هذه الشهادة، لأنهم متهمون في تنفيذ شهادتهم، وهذا ضعيف، لأن شاهد الفرع إذا عدل [شاهد] الأصل قبل، وإذا شهد الرجل مع ابنه بحق قبل، وما ذكروه من التهمة الضعيفة موجود في هذين الموضعين، والله أعلم.
стр. 9413
باب تحمل الشهادة وأدائها، والشهادة على الشهادة
ولا يصح التحمل إلا بما يقع به العلم، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٦] فشرط في الشهادة أن تكون بحق معلوم، فدل على أنها لا تجوز بحق غير معلوم، ولا أن تكون بمعلوم ليس بحق، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ﴾ [الإسراء:٣٦] أي: لا تتبع، من قولهم: قفا فلان أثر فلان، إذا تبعه، ويقال: هو مقتف أثر فلان، وقاف أثره، ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦]، ومعنى ذلك: لا تقل في شيء بما لا تعلمه، فإن جوارحك شواهد عليك، كذا قاله أبو الطيب.
وفي ((البحر)): أن قتادة قال في تفسير هذه الآية: لا تقل: سمعت ولم تسمع، ورأيت ولم تر، وعلمت ولم تعلم. وهو قريب مما في ((الحاوي))، فإنه قال: الآية دليل على أنه يشهد بما علمه بسمعه، وبصره، وفؤاده، فالسمع للأصوات، والبصر للمرئيات، والفؤاد للمعلومات، فجمع في العلم بين جميع أسبابه، ليخرج من غلبة الظن إلى حقيقة العلم، وقد روي [عن] عطاء وطاوس عن ابن عباس قال: سئل رسول الله ﷺ عن الشهادة، فقال: ((هل ترى الشمس [طالعة]؟ قال: نعم، قال: [على] مثلها فشاهد، أو فدع)).
ولأن الشهادة مشتقة من المشاهدة التي هي أقوى الحواس دركًا، وأثبتها علمًا، لم يجز أن يشهد إلا بأقوى أسباب العلم في التحمل والأداء، وهذا هو الأصل في الشهادة، وقد يلحق الظن بالعلم في بعض الصور، للحاجة كما ستعرفه.
قال-[﵀ ولا يصح التحمل إلا بما يقع به العلم] فإن كان فعلًا:
стр. 9414
كالزنى والغصب، لم يصح التحمل فيه إلا بالمشاهدة، أي: ولا يصح بالاستفاضة، لأن بالمشاهدة يصل إلى العلم به من أقصى جهاته، وما أمكن الوصول إلى علمه بالأقوى، لم يجز أن يشهد به إذا وصل إليه بالأضعف، لما ذكرناه من الأدلة السالفة.
ومن هذا القسم: الرضاع، والولادة، والاصطياد، والإحياء، وكون المال في يد الشخص، والقتل، والقطع، وشرب الخمر، والسرقة، واللواط، ونحو ذلك.
ويسمع في هذه الأشياء شهادة الأصم.
قال: وإن أراد أن يتعمد النظر إلى ما تحت الثياب، لتحمل الشهادة، جاز على ظاهر النص، لأن سعد بن عبادة قال لرسول الله ﷺ : أرأيت لو وجدت مع امرأتي رجلًا أمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال: ((نعم))، فدل على أن للشهود أن يتعمدوا النظر إلى موضع الزنى.
قال الأصحاب: ولأن الذين شهدوا بزنى المغيرة بن شعبة تعمدوا النظر إلى فرج المغيرة والمرأة، ولم ينكر [ذلك عليهم] أحد، وهذا ما اختاره صاحب ((التلخيص))، وأبو إسحاق، وابن أبي هريرة، وهو مأخوذ من قول الشافعي: ((وتقبل شهادة النساء فيما لا يجوز للرجل غير ذي المحارم أن يتعمدوا النظر إليه لغير شهادة))، فإن هذا يقتضي أنه يجوز تعمد النظر إليه للشهادة.
وقيل: لا يجوز، لأن الزنى مندوب إلى ستره، والعيوب التي تحت الثياب تقبل فيها شهادة النساء منفردات، فلا حاجة إلى تعمد النظر إلى العورات، هذا قول أبي سعيد الإصطخري، واختاره في ((المرشد))، وقال: إن الذين شهدوا على المغيرة وقع بصرهم عليه اتفاقًا.
وقيل: لا يجز في غير الزنى- أي: كالرضاع، والعيوب، ويجوز في الزنى، والفرق: أن الزانيين هتكا حرمة أنفسهما، وليس كذلك المرضعة وذات العيب.
ولأن شهادة النسوة تقبل فيما عدا الزنى، فلا حاجة بنا إلى تعمد الرجال العورات لأجله، ولا كذلك الزنى، فإن شهادة النسوة لا تقبل فيه، فلو لم نجز
стр. 9415
للرجال أن يتعمدوا النظر لإقامة الشهادة عليه، لأدى إلى بطلان حد الزنى، فإن وقوع البصر على ذلك اتفاقًا نادر.
وقيل: يجوز في غير الزنى، ولا يجوز في الزنى، لأن الزنى مندوب إلى ستره، وهو حق لله تعالى، وهو مبنية على المساهلة والدرء والإسقاط ما أمكن، وغير الزنى بخلاف ذلك.
والصحيح في ((البحر)) و ((الرافعي)) وغيرهما: الأول.
قال ابن القاص: وكان ابن سلمة يقول بالوجه الثالث، لأجل ما ذكر من الفرق حتى وجد في ((أحكام القرآن)): أن شهادة الرجال في الرضاع والولادة جائزة رأوه مفاجأة أو تعمدوا قاصدين به أداء الشهادة. فرجع عنه.
وأيد ذلك صاحب ((التلخيص)) بأنه لو وقعت في يد امرأة أكلة، جاز للرجل أن يداويها، وينظر إليها وإن كان يتهيأ طلب امرأة تداويها، فكذلك ما نحن فيه.
قال في ((الحاوي)) في باب ما يجب على المرء من القيام بالشهادة: ويستحب توقف الشهادة على تحمل الشهادة بالزنى، والشرب، ونحو ذلك. ولا خلاف في أنه يجوز أن يتعمد النظر إلى الوجه عند تحمل الشهادة لها، أو عليها، وكذا عند الأداء إذا كان لا يعرفها، ليضبط حلاها وإن كانت في غاية الجمال، إلا أن يخاف الفتنة، فلا ينظر، ويكف عن الشهادة إلا أن تكون متعينة عليه، فإنه ينظر بعد ضبط نفسه، كما قاله الماوردي، والرافعي.
نعم، لو تعمد النظر للوجه من غير حاجة بشهوة، فسق به، ولو كان بدون شهوة، ففي جوازه خلاف مذكور في ((الوسيط)) وغيره في كتاب النكاح.
стр. 9416
وقال الماوردي هنا: إنه مبني على خلاف ذكره العلماء في تأويل قوله ﷺ لعلي: ((لا تتبع النظرة النظرة، فإن الأولى لك، والثانية عليك ...)).
فمنهم من قال: يريد لا تتبع نظر عينك نظر قلبك، فعلى هذا لا يأثم بالنظر بغير شهوة، ويكون على عدالته، وقد حكى الإمام هذا عن الجمهور.
ومنهم من قال: لا تتبع النظر الأولى التي وقعت سهوًا بالنظرة الثانية التي أوقعتها عمدًا، فعلى هذا يكون بمعاودة النظر آثمًا يخرج به عن العدالة، فلا تقبل شهادته إلا بعد التوبة، وهذا ما ذهب إليه طوائف من الأصحاب.
وقال الإمام في أول كتاب النكاح: إن إليه ميل العراقيين.
ثم إذا جاز أن ينظر إلى وجهها، ليعرفها في الشهادة لها عليها، قال في ((البحر)): قال جمهور الفقهاء: يجوز أن ينظر إلى جميع وجهها، لأن جميعه ليس بعورة، وعلى هذا هل يجوز النظر إلى كفيها؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، لأنه ليس بعورة.
والثاني- وهو قول الأكثرين-: لا يجوز، لاختصاص المعرفة بالوجه.
وقال في ((الحاوي)) بعد حكاية أقوال العلماء فيما يباح النظر إليه من الوجه عند التحمل أوردها الروياني [أيضًا]: والصحيح أنه ينظر إلى ما [يعرفها به]، فإن كان لا يعرفها إلا بالنظر إلى جميع وجهها، جاز له النظر إلى جميعه، وإن كان يعرفها بالنظر إلى بعض وجهها، لم يكن له أن يتجاوزه إلى غيره.
وفي ((الرافعي)): إن الصميري ذكر أنه لو نظر إلى أكثر وجهها وسمع كلامها، جاز، ولعله محمول على إحدى هاتين الحالتين.
قال الماوردي: ولا يزيد على النظرة الواحدة إلا ألا يتحقق إثباتها إلا بنظرة ثانية، فيجوز [منه]، وسنذكر من بعد شيئًا يتعلق بذلك.
قال: وإن كان عقدًا- أي: [من] بيع ونحوه، وطلاق ونحوه، أو إقرارًا- فلابد من مشاهدة العاقد، والمقر، وسماع كلامهما- أي: ولا يكتفي في ذلك بالتسامع- لأن ما أمكن إدراكه بعلم الحواس، لم يجز أن يعمل فيه بالاستدلال المفضي إلى غالب الظن.
стр. 9417
تنبيه: المفهوم من قول الشيخ أن العاقد والمقر لو كان امرأة فلابد من مشاهدته، والمشاهدة إنما تحصل بسفر النقاب، وكشف الوجه.
وعبارة الإمام في ذلك: أنه لا يحل تحمل الشهادة على منقبة.
وقريب منها قول الغزالي: لا يجوز تحمل الشهادة على امرأة منقبة.
قال الرافعي: إن لك أن تقول: ما ينبغي أن يتوقف جواز التحمل على كشف الوجه، لأن حضور امرأة، أو شخص تحت النقاب، وإقرار ذلك الحاضر متيقن، فإذا رفعت المرأة إلى القاضي، والمتحمل يلازمها يتمكن من الشهادة على عينها بأنها أقرت بكذا، وهو نظير صورة الضبط في شهادة الأعمى.
وقد يحضر قوم يكتفي بإخبارهم في التسامع، قبل أن تغيب المرأة- إذا لم يعتبر في التسامع طول المدة، كما سيأتي- فيخبرون عن اسمها، ونسبها، فيتمكن من الشهادة على اسمها ونسبها، بل ينبغي أن يقال: لو شهد اثنان تحملا الشهادة على امرأة لا يعرفانها أن امرأة حضرت يوم كذا بمجلس كذا، فأقرت لفلان بكذا، وشهد عدلان أن المرأة المحضرة يومئذ في ذلك المكان هذه- كان يثبت الحق بالبينتين، [أليس] لو قامت بينة على أن فلان بن فلان الفلاني أقر بكذا، وقامت بينة أخرى على أن هذا الحاضر هو فلان بن فلان- ثبت الحق، فما الفرق بين تعريف المشهود عليه المطلق باسم ونسب، وبين تعريفه بزمان ومكان، وإذا اشتمل التحمل على هذه الفوائد، وجب أن يجوز مطلقًا، ثم إن لم يعرض ما يفيد جواز الشهادة على العين، أو على الاسم والنسب، ولم ينضم إليه ما يتم به الإثبات، فذاك شيء آخر.
قلت: وما ذكره فقه ظاهر لا ينكره ذو فطنة، لكن مراده الأصحاب بأنه لا يجوز التحمل على المرأة المنقبة، ليؤدي ما تحمله، اعتمادًا على معرفة صوتها، كما أشار إليه الروياني في بعض كلامه هنا، ولا يقدح في ذلك ما قاله المتولي في كتاب النكاح: أنه لو قال: زوجتك هذه، وهي منقبة، لا يصح، لأنها مجهولة، كما لا يتحمل الشهادة عليها إلا بعد مشاهدتها، لأن حالة التحمل في النكاح ملحقة بحالة الأداء في غيره، لوجوب ذلك.
ولكن لقائل [أن] يقول: قد حكى الماوردي أن الناس اختلفوا في جواز تحمل الشهادة عمن لا يعرفه، ولمن لا يعرفه.
стр. 9418
فمنع منه قوم، لأن المقصود بالشهادة أداؤها، ومع الجهالة لا يصح، فصار الشاهد غارًا.
وقال قوم: يكفي المقر أن يأتيه بمن يعرفه، ثم يشهد عليه بعد التعريف، ولا يشهد عليه قبله.
والذي عليه الجمهور: أنه يجوز أن يشهد على من لا يعرفه، ولمن لا يعرفه إذا أثبت صورتهما، وتحقق أشخاصهما، ثم إن عرفهما عند أداء الشهادة أدى، وإلا لم يجز [له إقامتها.
ثم ظاهر إطلاق الغزالي وإمامه يقتضي منع التحمل على المرأة المنقبة مطلقًا].
وقد قال في ((الحاوي)) و ((العدة)): إن هذا مخصوص بما إذا لم يعرفها الشاهد فيه، فإن عرفها منتقبة لم تكشفه.
فإن قلت: قد حكينا فيما لو كان العاقد أو المقر من وراء ثوب خفيف مشف في جواز التحمل عليه وجهان:
أحدهما- وهو الأصح في ((الرافعي)) -: الجواز، لأنه لا يمنع من مشاهدة ما وراءه.
والثاني: لا يجوز، لأن الاشتباه معه يجوز، وهذه الصورة أولى أن يجري فيها [هذا] الخلاف، لأن البشرة ثم مشاهدة، وليست هنا كذلك.
قلت: الفرق أن البشرة ثم وإن شوهدت فمن وراء حائل لا يمنع الاشتباه كما ذكرنا، وهنا المنتقبة بعض وجهها مكشوف، وهو المعتمد في المعرفة، فلا اشتباه معه.
فرع: لو دخل رجلان بيتًا لا ثالث معهما فيه، وقد عرف ذلك شخص، وجلس على بابه، فسمعهما يتعاقدان عقدًا- قال البندنيجي: قال أصحابنا: صار متحملًا للشهادة، لأنه يقطع أنه ليس في البيت سواهما.
قال: وهذا عندي فاسد، [لأنه] وإن قطع أنه لا أحد سواهما، فهو لا يعرف البائع من المشتري منهما.
стр. 9419
قال: إن كان نسبًا، أو موتًا، أو ملكًا مطلقًا- جاز أن يتحمل [بالاستفاضة] من غير معارضة، أي: ويؤدي.
هذا [الفصل] ينظم ثلاث مسائل:
الأولى- النسب:
ووجه جواز التحمل فيه بذلك: أن النسب لا يدرك قطعًا ويقينًا، وثبوته من طريق الظاهر، فلم يكلف تحقيقه فيه، لأن ذلك يؤدي إلى إسقاط الشهادة عليه.
قال في ((الإشراف)): ويجوز أن يشهد على النسب وإن لم يعرف المنسوب إليه بعينه.
واعلم أن بان يونس قال: ما ذكره الشيخ في النسب من جانب الأب، أما إذا كان من جانب الأم، فهو كالنكاح. وهو في هذه العبارة متابع للغزالي، وفيها نظر، لأن النسب مأخوذة من الانتساب، وهو إلى الأب لا إلى الأم، ويدل [عليه] ما ذكره الأصحاب عند قولهم: إن الولد لا يزوج أمه، ولذلك لما أراد الإمام حكاية الخلاف في جانب الأم، قال: إن من أصحابنا من يلحق الانتماء إلى الأم بالانتساب إلى الأب، وهذا التقرير لا يحوج كلام الشيخ إلى تقييد، بل يكون على إطلاقه كما أطلقه غيره من العراقيين.
ثم قال الإمام: وهذا الخلاف قريب [المأخذ] من تردد الأئمة في أن المرأة كما تقدم.
وقد قال في ((الوجيز)): الأصح ثبوت الانتماء إلى الأم بالاستفاضة.
وحكى في ((الوسيط)) عن بعضهم القطع به.
قلت: وقد يقال: إن في كلام الشيخ ما يدل عليه، لأنه يجوز تسمية الانتماء إلى الأم نسبًا، على سبيل المجاز.
стр. 9420
وفي كلام الشيخ ما يدل عليه، لأنه قال بعد ذكر النسب والموت والملك المطلق: جاز أن يتحمل بالاستفاضة من غير [معاينة، ومعاينة] ذلك من جانب الأب محال، فدل على إرادة جانب الأم.
لكن جوابه: أن المراد معاينة النسب، وهو الولادة على الفراش، لا معاينة النسب نفسه، ويدل على ذلك أنه قال ذلك في الملك، والملك لا يشاهد، إنما المشاهد أسبابه من البيع والهبة والاحتطاب، ونحو ذلك، وهي التي أراد الشيخ أنه لا يحتاج إلى معاينتها، والله أعلم.
الثانية: الموت:
قال القاضي أبو الطيب: ووجه جواز التحمل فيه بالاستفاضة: أنه لا يكاد يدرك حقيقة، لأنه ربما لحقته سكتة، وقد أمر بتعجيل الدفن، فلا يمكن تركه حتى يتحقق موته، لوقوعه في الأسفار- وهي كثيرة- والبراري، والقفار.
وقال غيره: لأن أسبابه كثيرة خفية، وظاهرة، يتعذر الوقوف عليها، فاكتفى فيه بالاستفاضة، كالنسب.
[قال في ((الإشراف)): يجوز أن يشهد به من لم يعرف الميت بعينه]، وهذا ما أورده الجمهور.
وحكى القاضي الحسين أن من أصحابنا من يلحق الموت بالمختلف فيه، فإنه على الجملة يمكن فرض العيان فيه.
قال الإمام: وهذا وإن كان منقاسًا فلا تعويل عليه، فإن موت الإنسان مما يشتهر ويقع في أفواه الناس كالنسب، وعماد تحمل الشهادة هذا.
الثالثة: الملك المطلق:
ووجه جواز التحمل فيه بالاستفاضة فقط: أنه لا يتصور العلم فيه وإن تصور الإحاطة بأسبابه، لأن حصوله بالبيع ونحوه فرع كون البائع مالكًا، وكذلك الكلام مملوكًا، فانفلت من مالكه، ومن احتطب أو احتش احتمل أن يكون من شيء مملوك جهل حاله، وإذا كان كذلك التحق بالنسب، وهذا ما أورده العراقيون، والفوراني.
следующие страницы →