Полный текст (9 685 стр.). Показаны 9591–9630 · переход к 9596.
стр. 9591
وأكثر أصحابنا على أنه يلزمه ثلاثة [دراهم] قولًا واحدًا، والفرق ما ذكرناه.
فقوله: ((وأكثر الأصحاب على أنه يلزمه ثلاثة)) يمكن عوده إلى حالة الإطلاق لا إلى حالة الإرادة.
وعلى هذا لو قال: أردت باللفظ الثالث تكرار الأول، فوجهان ذكرهما الإمام هنا، وفي نظير المسألة من الطلاق، وحكاهما القاضي في الطلاق، وألحق به الإقرار، وأظهرهما في ((الرافعي))، وهو المذكور في ((الوجيز)): أنه لا يقبل ويلزمه ثلاثة، لأن التكرار إنما يؤكد به إذا لم يتخلل بينهما فاصل، وهذا ما أورده الأصحاب في نظير المسألة في الطلاق.
وقال الإمام هنا: إن من أصحابنا من منع جريان الوجه الآخر هاهنا، وأجازه في الطلاق، قال: وبه ينتظم في المسألة ثلاثة أوجه.
والفرق على الثالث: أن الطلاق إنشاء صادر عن مصدر، فلا يمتنع التأكيد في وضعه، والإقرار إخبار، فكان أبعد عن التأكيد، بدليل أن الرجل يقول: أنت طالق طلاقًا، ويمتنع مثل ذلك في الإقرار، وهذا خيال لا حاصل له، ولا فرق بين البابين، والله أعلم.
قال: وإن قال: له علي درهم فدرهم، لزمه درهم على المنصوص.
وقيل: فيه قولان:
أحدهما: [يلزمه] درهم.
والثاني: درهمان.
واعلم أن النص في ((المختصر)) في هذه المسألة كما ذكره الشيخ، والنص فيما إذا قال لزوجته: أنت طالق فطالق: وقوع طلقتين.
واختلف الأصحاب لأجل ذلك في المسألتين على طريقين:
إحداهما- وهي المحكية في ((الشامل))، و ((المهذب)) و ((النهاية))، وغيرها عن ابن خيران- تخريج قول من كل مسألة إلى الأخرى، وجعلهما على قولين:
أحدهما: يلزمه درهم، وتقع طلقة واحدة، لأن الفاء تستعمل للعطف
стр. 9592
وتستعمل للصفة، وإذا استعملت للعطف كانت كالواو، وإذا استعملت للصفة، لم يلزمه إلا درهم وطلقة، فيجوز أن يكون أدخلها للصفة بأن يريد: فدرهم جيد، أو رديء، أو لازم، أو يريد فطالق أنت حينئذ، فلا يلزم ما زاد على المحقق بالاحتمال.
والثاني: يلزمه درهمان، وتقع طلقتان، لأن الفاء ظاهرة في العطف كالواو.
وفي ((الحاوي)) أن ابن خيران خرج من مسألة الطلاق [إلى مسألة الإقرار] قولًا: أنه يلزمه درهما، وسكت عن ذكر التخريج من مسألة الإقرار إلى [مسألة] الطلاق، وكذلك فعل في ((الوجيز)).
قال الماوردي: وقد أشار الشافعي إلى مثل ذلك في الإقرار بالحكم الظاهر.
قلت: وإليه أشار ((الرافعي)) بقوله: وقد رأيت في بعض الشروح: أن ابن أبي هريرة نقل قولًا منصوصًا للشافعي أنه يلزمه درهمان.
والثانية- وهي المحكية عن الأكثرين، والصحيحة في ((النهاية))، وغيرها-: تقرير النصين، وفرقوا بوجهين:
أحدهما: أن الدراهم يدخلها التفصيل، فيجوز أن يريد: له علي درهم فدرهم أجود منه، أو أردأ، ومثل ذلك لا ينقدح في الطلاق، لأنه لا يوصف بالجودة والرداءة.
قال أبو علي في ((الإفصاح)): ووزان الإقرار من الطلاق: أن يقول: أنت طالق طلقة فطلقة، ويريد بذلك الصفة، فإنه يقبل منه كالإقرار، كذا حكاه عنه أبو الطيب وغيره.
وفي ((الحاوي)) بعد ذكر هذا الفرق: فإن قيل: فقد يوصف الطلاق بمثل ذلك، فيقال: طلاق سنة، وطق بدعة- قيل: ليس هذا صفة للطلاق، وإنما هو حال يرجع إلى صفات المطلقة والمطلق، لأن حكم الطلاق في الأحوال على السواء.
والثاني: أن الطلاق إنشاء والإقرار إخباره، والإنشاء أقوى وأسرع نفوذًا، ولهذا لو أقر اليوم بدرهم، وغدًا بدرهم، لا يلزمه إلا درهم، ولو تلفظ بالطلاق في اليومين، وقعت طلقتان، بل في الوقت الواحد على أحد القولين.
قال ((الرافعي)): ولابن خيران أن يمنع الفرق الأول، ويقول: يجوز أن يريد
стр. 9593
بـ ((طالق)): مهجورة، أو لا يراجع، ويجوز أن يريد بـ ((طالق)) خبر مثله، وما أشبهه.
وأما الثاني فإنه يناقض الفرق المذكور في مسألة: درهم ودرهم ودرهم، وطالق وطالق وطالق.
ثم هذا الخلاف فيما إذا أطلق المقر، ولم يبين مراده بلفظ الفاء أو قصد به غير العطف، كما أفهمه لفظ القاضي الحسين، حيث قال: إن محله إذا لم يرد العطف، أما إذا أراده لزمه درهمان وطلقتان وجهًا واحدًا، كالواو.
لكن في ((النهاية)) و ((الشامل)) تصوير محل الخلاف إذا قال: أردت غير العطف، وقدرت: علي درهم فدرهم لازم، أو جيد، أو رديء، وهو ظاهر لفظ ((المختصر))، فإنه [قال]: إذا قال: لبه عندي درهم فدرهم، قيل: إن أردت: فدرهم لازم، فهو درهم، والله أعلم.
قال: وإن قال: له علي درهم تحت درهم، أو فوق درهم، أو مع درهم أو قبل درهم، أو بعد درهم-[فقد] قيل: فيه قولان:
أحدهما: درهم، لأنه يحتمل أنه أراد: فوق درهم في الجودة، وتحت درهم في الرداءة ومع درهم لي، وقبل درهم أملكه، وبعد درهم ملكته، فلا يلزمه ما زاد عليه بالاحتمال مع أن الأصل براءة الذمة، وهذا ما نص عليه في الصور الثلاث الأول، وهو في الأخيرتين على ما قال القاضي والإمام مخرج.
وابن الصباغ وغيره قال: إن الربيع رواه فيهما.
والثاني: درهمان، لأن هذه الألفاظ تقتضي ضم درهم إلى درهم، فأشبهت الواو، وهذا ما نص عليه في الأخيرتين، وهو مخرج- كما قال القاضي والإمام- فيما عداهما.
وبعضهم نسبه فيهما إلى رواية الربيع أيضًا.
قال ابن يونس: وكأن مبنى القولين: تعارض الأصل والظاهر.
قلت: ذلك خلاف أصل الشافعي في الإقرار كما تقدم.
стр. 9594
وقيل: [إن قال: فوق درهم، أو تحت درهم، أو مع درهم لزمه درهم.
وإن قال: قبل] درهم، أو بعد درهم- لزمه درهمان، لأن ((قبل))، و ((بعد)) لا يحتمل إلا التاريخ، فالمفهوم التقدم في الوجوب، فصار أحد الدرهمين مضمومًا إلى الآخر، بخلاف ((فوق)) و ((تحت)) و ((مع)) فإن ذلك إشارة إلى المكان، والمقر بشيء لا يكون مقرًا بمكانه، وهذه الطريقة هي التي نص عليها في ((المختصر)).
وقال الصباغ: إن الشيخ أبا حامد لم يذكر غيرها، وهي التي اختارها أكثر الأصحاب، وتبعهم صاحب ((المرشد))، والنواوي، وعليها لو قال: له علي درهم قبله درهم، وبعده درهم، لزمه ثلاثة، حكاه القاضي الحسين.
[قال الرافعي]: ولمن قال بالأولى أن يقول: القبلية والبعدية كما يكونان بالزمان يكونان بالرتبة، ثم هب أنها زمانيان يرجعان إلى الوجوب، لكن يجوز أن يريد: لزيد درهم قل ثبت درهم لعمرو.
وفي المسألة وجه آخر ينسب إلى الداركي: أنه إذا قال: درهم معه درهم، أو فوقه درهم، لزمه درهمان، لرجوع الكناية إلى الأول الذي التزمه، وكذا قال بمثله ابن خيران وغيره فيما إذا قال: قبله أو بعده، دون ما إذا قال: تحت درهم، أو فوق درهم، أو مع درهم، أو قبل درهم، أو بعد درهم، والمشهور أنه لا فرق.
قال: وإن قال: له علي درهم في دينار، لزمه درهم، لأنه يحتمل أنه أراد في دينار لي، أو اقترضت منه درهمًا في ثمن دينار لي.
قال: إلا أن يريد: مع دينار، فيلزمه درهم ودينار، أي: على قول كما تقدم، لأن لفظه ((في)) تستعمل حيث تستعمل ((مع))، قال الله تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر:٢٩]، أي: ((مع)) عبادي، ويقال: جاء الأمير في الجيش، أي: مع الجيش، وفي ذلك تغليظ عليه.
ولو قال: إنه وزن لنفسه درهمًا في ثمن بعض دينار، فهو كما لو قال: له في هذا العبد ألف، وفسره بذلك، وسنذكره، قاله أبو الطيب.
و ((الرافعي)) أحال الكلام في هذه المسألة بجملتها على مسألة العبد.
стр. 9595
فرع: لو قال: لزيد علي درهم مع عمرو، قال الماوردي: فالظاهر أنه مقر لزيد بدرهم هو مع عمرو.
واليقين: أنه مقر بدرهم لزيد وعمرو، فرجع إلى بيانه، فأيهما أراده عمل به.
قال: وإن قال: له علي درهم في عشرة، لزمه درهم، لأنه يحتمل أنه أراد: أنه مختلط في عشرة لي.
قال: إلا أن يريد الحساب، فيلزمه عشرة، لأن ذلك موجبه عند أهل الحساب. فلو أيس من بيانه لم يلزمه غير درهم.
قال ابن يونس: وقيل: يلزمه عشرة، لأنه الظاهر من استعمال هذه اللفظة، وهذا إذا كان يعرف الحساب، أما إذا كان لا يعرفه، فيشبه أن يقال: لا يلزمه غير درهم وإن قال: أردت ما يريده الحساب كما لو أقر العربي بالعجمية، وهو لا يعرف معناها، وهذا يكشفه ما تقدم في الطلاق.
ولو أراد بـ ((في)) هاهنا ((مع)) لزمه أحد عشر درهمًا، قاله ((الرافعي))
قال: ولو قال: له علي درهم، أو دينار، لزمه أحدهما، وأخذ بتعيينه، لأنه إقرار بأحدهما، لأن ((أو)) للترديد.
وقيل: لا يلزمه شيء حكاه الإمام عن رواية الشيخ أبي علي، عن رواية صاحب ((التخليص)) وغيره.
والخلاف جارٍ كما قاله الماوردي- فيما إذا قال: علي ألف لزيد، أو عمرو:
أحدهما: لا يلزمه لأحدهما شيء، وهو ما اختاره في ((المرشد)).
والثاني: أنه مقر لأحدهما به، ويؤخذ بالبيان.
ولو قال: له علي ألف، أو على الجدار، لم يلزمه شيء، قاله في ((العدة))، كما لو قال: له علي ألف، أو على أخي، أو شريكي.
وكذا [لو] قال: له علي ألف أو لا، لم يلزمه شيء، للشك.
قال: وإن قال: درهم بل درهم، لزمه درهم، لأنه يحتمل أنه توهم عليه زيادة، فقصد الاستدراك بقوله: ((بل)) ثم تذكر في الحال أنه لا زيادة له عليه،
стр. 9596
وهكذا الحكم فيما لو قال: لا بل درهم، أو: لكن درهم.
وفي ((الحاوي)) حكاية وجه في مسألة الكتاب: أنه يلزمه درهمان، لأنه إذا لم يزد على الأول لا يكون استدراكًا، وكان رجوعًا، فلزماه معًا، ومن هذا يتخرج وجه فيما إذا قال: له علي درهمان بل من طريق الأولى.
ولو قال: له علي درهم بل لسالم مولاه، وكان سالم مأذونًا له، قال في العدة لزمه الدرهمان، لأنه أقر للسيد أولًا، ثم استدرك إقراره لمن هو دونه، فلا يكون ذلك مالًا واحدًا كما لو كان على المأذون دين، فإن أبا حنيفة وافق فيها.
قال: وإن قال: درهم بل درهمان، لزمه درهمان، لأن الدرهم داخل في الدرهمين، فلم يكن ذلك رجوعًا عن إثبات الدرهم، بل نفى الاقتصار عليه، وألحق به الدرهم الآخر.
وهكذا لو قال: قفيز بل قفيزان، ونحو ذلك.
قال ((الرافعي)): وهذا مشكل بما إذا قال: أنت طالق طلقة بل طلقتين، فإنه تقع الثلاث، ولا أردي لم لم يتصرفوا فيهما هاهنا تصرفهم فيما سبق من المسائل.
قال: وإن قال: درهم لا بل دينار، لزمه درهم ودينار، لأنه استدرك جنسًا آخر، وهو يقتضي إسقاط ما أقر به أولًا، فلم يقبل منه الإسقاط، وقبل منه الإثبات الثاني.
وضابط هذا: أنه متى أقر بشيء في الذمة واستدرك بغيره: إن اختلفا في الصفة والجنس لزمه كلاهما، وإن اتفقا في الصفة والجنس، واختلفا في القدر، لزمه الأكثر منهما.
وقولنا: ((في الذمة)) احترز عما لو قال: لو عنيد هذا الدرهم، بل هذان الدرهمان، فإنه يلزمه الثلاثة، لأن المشار إليه أولًا غير داخل في المشار إليهما ثانيًا، فلزمه الكل.
قال: [وإن قال]: درهمان بل درهم، لزمه درهمان، مؤاخذة له بقوله الأول، وقياس هذا أن يقال فيما لو قال: له علي درهم ودرهم بل درهم: أنه يلزمه درهما، وقد أطلق البغوي وغيره أنه يلزمه ثلاثة، وقد ذكرناه في نظير
стр. 9597
المسألة من الطلاق، فليطلب من ثم إذا رأينا إلحاق الإقرار بالطلاق.
قال: وإن قال: له علي ما بين الدرهم والعشرة، لزمه ثمانية، لأن ((ما)) بمعنى ((الذي))، فكأنه قال: الذي له علي العدد الذي يقع بين الواحد والعشرة، وذلك صريح في إخراج الطرفين، فتخلص للزم ثمانية.
قال الماوردي: وهذا مما لم يختلف فيه أصحابنا.
وقريب منه قول الإمام: إنه الذي أطبق عليه الأصحاب.
وحكى القاضي أبو الطيب ومن تبعه عن رواية صاحب ((التخليص)) في المفتاح عن الشافعي: أنه يلزمه تسعة، لإدخاله العاشر فيه.
وقد نسب القاضي هذا المذهب إلى صاحب ((التخليص)) نفسه، وأنه وجهة بأن الحد إذا كان من جنس المحدود، دخل، والعشر من الجنس، فدخل، وهذا ما اختاره في ((المرشد)).
وفي ((الإشراف)): أن المزني نقل في ((المنثور)) أنه يلزمه عشرة، وقد حكاه أبو خلف السلمي عن القفال، لأن المقصود بيان غاية ما عليه، وبه يحصل في المسألة ثلاثة أقوال، وبعضهم يوردها وجوهًا، ومثلها قد حكاه ((الرافعي)) فيما لو قال: أعطوه ما بين الدرهم والعشرة، وأن الأستاذ أبا منصور حكى عن بعض الأصحاب: أنه إن أراد الحساب، فللموصى له خمسة وخمسون، وإن لم يرد الحساب فله المتفق [عليه] وهو ثمانية.
قال ((الرافعي)): ثم لا شك في اطراد هذا في الإقرار.
стр. 9598
قال: وإن قال: له علي من درهم إلى عشرة فقد قيل: يلزمه ثمانية، لأنه جعل الأول والعاشر حدين، والحد لا يدخل في المحدود، دليله ما لو قال: بعتك من هذا الجدار إلى هذا الجدار لا يدخلان في البيع.
وقيل: [يلزمه] تسعة، لأن لفظة ((من)) لابتداء الغاية، فيدخل الأول، كما تقول: سرت من الكوفة إلى البصرة، ولا يدخل فيه العاشر، لأنه جعله حدًا.
ووجهه الإمام بأن تقدير الحد في الدرهم الأول بعيد وإذا كان الملتزم بالإقرار زائدًا على واحد، فتقدير الواحد في الطرف الأول خارجًا عن اللزوم بعيد، وليس ذلك كالتحديد الراجع إلى الجنس في الأمكنة وغيرها.
ووجهه الشيخ أبو حامد بأنه لو قال لفلان من هذه النخلة [إلى هذه النخلة]، دخلت الأولى في الإقرار دون الآخرة، فكذلك هاهنا وصحح هذا الوجه وكذلك العراقيون، وتبعهم في ((الوجيز)) و ((المرشد))، والنواوي.
وهذان الوجهان لم يورد الماوردي، والقاضي الحسين غيرهما.
وقيل: [يلزمه] عشرة: أما التسعة، فلما ذكرناه، وأما العاشر، فلأن الحد إذا كان من جنس المحدود [دخل، دليله: إدخال المرفق في الغسل، وهذا من جنس
стр. 9599
المحدود] فدخل، وهذا ما صححه البغوي، وحكاه الإمام عن رواية شيخه.
والقاضي أبو الطيب خرجه من النص الذي حكاه في المسألة السابقة عن رواية صاحب ((التلخيص)).
ومثل هذه الأوجه محكي فيما إذا قال: أنت طالق من واحدة إلى الثلاث كما تقدم.
قال: وإن قال: له علي كذا، فهو كما لو قال: له [علي] شيء، لأن ((كذا)) مبهم كما أن لفظ ((الشيء)) مبهم، والتفريع كما تقدم.
وهكذا الحكم فيما لو قال: [له] علي كذا كذا، لأن ذلك بمنزلة قوله: [علي] شيء شيء، والتكرار للتأكيد، لا للتجديد.
قال: وإن قال:] له علي كذا كذا درهمًا، لزمه درهم، لأن حذف حرف العطف يجعل التكرار تأكيدًا، كقوله: شيء شيء، وقد فسر المبهم بدرهم، فصار كما لو قال: لو علي درهم درهم، لا يلزمه غير درهم.
وقد حكى الماوردي وابن الصباغ والإمام عن أبي إسحاق المروزي: أنه يلزمه أحد عشر درهمًا إذا كان يعرف العربية، كما صار إليه محمد بن الحسن فيما يعرفها وغيرها، الإمام نسب ذلك إلى أبي حنيفة، وتمسكوا فيه بأن ذلك أقل عددين ركب أحدهما على الآخر من غير عطف، ونصب الدرهم بعده، وسنذكر ما يبطل ذلك.
وما ذكره الشيخ يجري فيما لو قال: كذا كذا درهم بالرفع، أو الخفض، كما قاله القاضي أبو الطيب، والبغوي، وهذا منهما فيه نظر، لأنهما جزما القول كما ستعرفه فيما لو قال: له على كذا درهم، بالخفض: أنه يلزمه دون الدرهم، وقياس ذلك أن يقولا بمثله هاهنا.
نعم، هذا ظاهر على قولنا: إنه يلزمه بقوله: كذا درهم، بالخفض: [درهم]، والله أعلم.
قال: ولو قال: كذا وكذا درهمًا، فقد قيل: يلزمه درهمان، لأنه ذكر مبهمين، ثم ذكر الدرهم تفسيرًا عقيبهما، فاقتضى أن يكون تفسيرًا لكل واحد منهما، كما لو قال: له على خمسة عشر درهمًا، وهذا ما ادعى البندنيجي في كتاب الوصية أنه المذهب.
стр. 9600
وقيل: فيه قولان:
أحدهما: درهم، لأن ((كذا)) عبارة عن الشيء، وعن بعضه، وقد ذكر الدرهم عقيب المبهمين تفسيرًا لهما، فجاز أن يريد أن نصفه لهذا ونصفه لهذا، فلا يلزم ما زاد عليه بالاحتمال، وهذا ما اختاره المزني، وكذا صاحب ((المرشد)) في حق من لا يعرف العربية.
وعلى هذا لو قال: كذا وكذا وكذا درهمًا، [لم يلزمه إلا درهم].
والثاني: درهمان، لما سبق، وهو الصحيح عند النواوي، والمختار في ((المرشد)) في حق من [لا] يعرف العربية، وهذه الطريقة رواها المزني، وقال ((الرافعي)): إنها مشهورة، واختارها ابن خيران، والإصطخري.
والذي قال به أبو إسحاق وعامة الأصحاب- كما قال في ((المهذب)) - الطريقة الأولى، وهؤلاء اختلفوا على ماذا يحمل نصه على أنه يلزمه درهم واحد: فبعض المتقدمين من الأصحاب- كما قال الماوردي- حملوه على ما إذا نواه، وصرف اللفظ عن ظاهره بالنية.
وابن أبي هريرة حمله على ما إذا قال: كذا كذا درهماً من غير واو، أو شك الحاكم: هل ذكر في إقراره الواو أم لا؟ وقال: إن الشافعي نص على هذا الحكم في الأم.
وأبو إسحاق حمله على ما إذا قال: كذا وكذا درهم بالرفع، فإنه لا يلزمه إلا درهم، لأنه حينئذ يكون خبرًا عن المبهمين، فيكون تقديرهما: درهم.
قال ابن الصباغ: وهذه الطريقة هي الصحيحة.
وغيره قال: إنها منصوص عليها في الإقرار والمواهب.
وقد حكى ((الرافعي)) فيما لو قال: له علي كذا وكذا درهم بالرفع طريقة أخرى حاكية للقولين، لكن الأصح طريقة القطع بأنه لا يلزمه غير درهم، وهي التي أوردها القاضي أبو الطيب.
ووراء ما ذكرناه في مسألة الكتاب قول آخر، ووجه.
فالقول حكاه الإمام: أنه يلزمه درهم وشيء:
стр. 9601
أما الدرهم فلتفسير الجملة الثانية.
وأما الشيء فللأولى الباقية على إبهامها.
وهذا يوافق ما جاء في بعض نسخ ((المختصر)): أنه إذا قال: كذا وكذا درهمًا [قيل: أعطه درهمًا] وأكثر، والمشهور منها: أعطه درهمًا أو أكثر، أي: فسره بدرهم أو بأكثر منه.
والوجه حكاه الماوردي، وابن الصباغ، والإمام عن أبي إسحاق: أنه يلزمه إذا كان يعرف العربية أحد وعشرون درهمًا، كما صار إليه صار إليه محمد بن الحسن في حق من يعرفها وغيره، ونسبه الإمام، والفوراني، والقاضي الحسين إلى أبي حنيفة، تمسكا بأن أقل عددين عطف أحدهما على الآخر، ونصب الدرهم بعده ذلك، وسنذكر ما يبطله.
فرع: لو قال: [له] علي كذا [وكذا]، لزمه شيئان، وله تفسيرها بما شاء.
قال في ((التهذيب)): ويجوز أن يكونا مختلفين.
ولو قال: كذا بل كذا، فوجهان في ((الحاوي)):
أحدهما: يكون إقرارًا بشيء واحد، ويكون الثاني إثباتًا للأول.
والثاني: أنه يكون إقرارًا بشيئين، فيفسرهما بما شاء مما يقبل به تفسير الشيء.
قال: وإن قال: كذا درهم بالخفض، لزمه دون الدرهم، لأن قوله: ((كذا)) عبارة عن بعض الشيء، وعن جملته، فلزمه البعض، لاحتمال إرادته إياه، وهذا ما أورده القاضي أبو الطيب، والبغوي، واختاره ابن الصباغ، و [كذا] صاحب ((المرشد)) في حق من يعرف العربية.
وقيل: يلزمه درهم، لأن قوله: ((كذا)) لا يفهم معنى فيصير وجوده كعدمه، فينزل [جملة] كلامه عليه كقوله: علي درهم، ولو قال ذلك لزمه درهم، رفع أو نصب أو خفض، فكذا هنا، وهذا ما اقتضى إيراد ((الرافعي)) ترجيحه، ولم يحك الماوردي سواه، وهو المعزي في ((الشامل)) [إلى الشيخ] أبي حامد.
وقال في ((التتمة)): إنه لا يتجه غيره في حق من لا يحسن الإعراب، لأن هذه اللفظة لا تذكر في العادة ويراد بها بعض الدرهم.
стр. 9602
وعلى هذا: لو قال: كذا وكذا وكذا درهم بالخفض، يظهر أن يكون الحكم كما لو قال: كذا درهمًا بالنصب، وقد صرح به الماوردي.
وعلى الأول قال القاضي أبو الطيب: له تفسير ما دون الدرهم بحبتين، ودانقين، وغيرهما، ويكون تقدير كلامه: كذا وكذا من درهم.
ولا خلاف في أنه لو قال: كذا درهم، بالرفع، أنه يلزمه درهم، ويكون خبرًا، وتقديره: علي شيء هو درهم.
ولو قال: كذا درهمًا، بالنصب، لزمه درهم.
وحكى الماوردي، وابن الصباغ، والإمام عن ابي إسحاق المروزي: أنه يلزمه عشرون درهمًا، إذا كان يعرف العربية، كما صار إليه محمد بن الحسن فيمن يعرفها وغيره.
ونسبه الإمام وغيره إلى أبي حنيفة، تمسكا بأنه أول اسم ينصب الدرهم المفسر عقيبه.
وأجاب الأصحاب عن ذلك وعما تقدم بأن تفسير الألفاظ المبهمة لا ينظر فيه إلى الإعراب، كما لا ينظر إليه في الأقاوير، ويدل عليه أنه لو قال: لهعلي مائة درهمًا، يلزمه المائة وإن كان ذلك خطأ في اللغة.
ولو قال: له علي [كذا] درهم صحيح، لم يلزمه مائة درهم بوفاق الخصم وإن كانت الموازنة التي ذكرت من اتباع العربية تقتضي لزوم المائة، وإنما كان كذلك لأن المتبحر في اللغة قد يخطئ فيها، فنزلنا الأمر على الظاهر، وأول ما يسبق على الفهم من الكلام عند الإطلاق.
وقولنا في فرض المسألة: درهم صحيح، حتى لا ينصرف اللفظ إلى نصف درهم، وربع درهم.
فإن قيل: قد حكى البندنيجي أن الطحاوي حكى عن بعض أصحاب أبي حنيفة: أنه يلزمه في هذه المسألة مائة درهم، عملا بالموازنة المذكورة، وهو محمد بن الحسن- كما قاله ابن الصباغ- فقد انتفى الإلزام.
قيل: المشهور عنهم الأول، وعلى تقدير تسليم الثاني، فالإلزام يتوجه من طريق آخر، وهو أنه إذا قال: كذا درهماً، [لزمه عشرون، وإذا قال: كذا كذا درهمًا
стр. 9603
لزمه إذًا أحد عشر درهمًا]، وهذا من الغلط العظيم، لأن المقر كرر اللفظ بعينه مرة أخرى، فإن لم يزد ذلك في المقدار، فينبغي ألا ينقص منه، لأنه لا يكون أقل من التأكيد للأول بالثاني، والتأكيد لا يزيده نقصانًا.
ولو قال: كذا درهم، بالوقف، قال ((الرافعي)) وغيره: فهو كما لو ذكره بالخفض، أي: فيجيء فيه الوجهان، وكذا قاله ابن الصباغ.
قال: وإن قال: له علي ألف ودرهم، أو ألف وثوب، لزمه الدرهم والثواب، لتصريحه في الإقرار بهما، ورجع في تفسير الألف إليه، لأنه يجوز العطف على غير الجنس حقيقة، فيقول: رأيت رجلًا وحمارًا، كما يجوز على الجنس، فيقول: رأيت زيدًا وعمرًا، وإذا كان كذلك احتمل أن يريد العطف على الجنس وعلى غيره، فرجع إليه.
ولأن الخصم في مسألة الدرهم- وهو أبو حنيفة، وأبو ثور- وافقنا على أنه إذا قال: ألف وثوب: أنه يرجع في تفسير الألف إليه، وكذا في كل ما لا يتقدر بكيل، ولا وزن، كما قاله الماوردي، وابن الصباغ وغيرهما، فنقول في مسألة الدرهم: معطوف على مبهم، ليس بوصف له، فوجب ألا يفسر ذلك المبهم، أصله: ألف وثوب.
ولأن ما أفاد زيادة على العدد، لم يفد تفسيرًا.
دليله، ما إذا قال: ألف وثوب، أو عبد.
وهكذا الحكم فيما لو قال: ألف ودرهمان أو مائة ودرهم، أو ثوب، أو مائة ودرهمان، أو ثوبان- يلزمه الدرهمان والثوبان، ويرجع في تفسير الألف والمائة إليه، وله أن يفسر ذلك بجنس واحد، وأجناس مما يسوغ تفسير الشيء به، كما لو قال: له علي ألف.
فرع: لو قال: له علي ألفٌ درهمٌ، قال ((الرافعي)): كان له أن يفسر الألف بما لا تنقص قيمته عن درهم، وكأنه قال: الألف مما قيمة الألف منه درهم.
قال: وإن قال: له علي مائة وعشرة دراهم، كان الجميع دراهم، [لأن الدراهم] هاهنا لم تفد زيادة على العدد المذكور، فتعين أن تكون مفسرة وقد
стр. 9604
تعقبت جملتين، كل واحدة محتاجة إلى التفسير، فصرفت إليهما والشاهد لذلك العرف.
وقيل: يلزمه عشرة دراهم، ويرجع في تفسير المائة إليه كالمسألة قبلها، وهذا قول ابن خيران والإصطخري.
وعلى هذا: لو قال: بعتك بمائة وعشرة دراهم، كان البيع باطلًا، للجهل بالمائة. والصحيح الأول، وهو المختار في ((المرشد)).
والخلاف جار فيما لو قال: مائة وخمسة عشر درهمًا، ومائة وثلاثة دراهم، ومائة وخمسون درهمًا، وخمسة وعشرون درهمًا، وألف وخمسون درهمًا، وألف ومائة درهم، وخمسون وألف درهم.
وفي ((الحاوي)) وجه ثالث: أنه إذا كان ما بعد الألف عددًا بلفظ الجمع، كقوله: ألف وثلاثة، أو أربعة دراهم، وهكذا إلى العشرة لم يكن ذلك تفسيرًا للألف. وإن كان ما بعد الألف عددًا منسوبًا للدرهم، كقوله: أحد عشر درهمًا فما زاد، كان تفسيرًا للألف، لأن التمييز أخص بالصفات والنعوت، ويكون تقدير الكلام: له علي ألف وأحد عشر من الدراهم.
قال أبو الطيب وغيره: ولا خلاف بين أصحابنا فيما لو قال: له علي خمسة عشر درهمًا: أن الدرهم تفسير للجميع، لأن الخمسة عشر وإن كان عددين، فإن أحدهما ركب على الآخر، فجريا مجرى العدد الواحد.
وكذا لا خلاف بينهم فيما لو قال: ألفًا إلا ثلاثة دراهم، لا يكون تفسيرًا، لأن ذلك تفسير للاستثناء، وتفسير الاستثناء لا يكون تفسيرًا للمستثنى منه، قاله الماوردي.
فرع: هو عكس مسألة الكتاب- إذا قال: له علي درهم ونصف، أو عشرة
стр. 9605
دراهم ونصف- ففي النصف وجهان:
أحدهما- وبه قال الإصطخري-: أنه مبهم.
والثاني- وبه قال الأكثرون-: أنه نصف درهم، لجريان العادة به.
قال: وإن قال: له علي عشرة، أي دراهم، إلا عشرة، أي: دراهم- لزمه العشرة، لما ذكرناه في كتاب الطلاق.
أما إذا قال: له علي عشرة إلا عشرة كما هو ظاهر لفظ الشيخ- فهو شبيه بما لو قال: له علي شيء إلى شيئًا.
وقد حكى القاضي الحسين وغيره في بطلان الاستثناء وجهين:
أحدهما: يبطل.
والثاني: لا يبطل، لوقوع الشيء على القليل والكثير، فلا يمتنع حمل الثاني على أقل مما حمل عليه الأول.
وهذا يظهر مثله في قوله: عشرة إلا عشرة [لكن الأصحاب الحاكين لهذين الوجهين قاسوا الأول على ما لو قال: له علي عشرة إلا عشرة] وهذا يدل على أن ذلك متفق عليه وهو لا يخلو عن احتمال.
قال الإمام: وفي التردد في مسالة: شيء إلا شيئًا غفلة، لأنا إن ألغينا استثناءه اكتفينا بأقل ما يتمول، وإن صححناه ألزمناه- أيضًا- أقل ما يتمول، فيتفق الجوابان.
قال ((الرافعي)): ويمكن أن يقال: حاصل الجوابين لا يختلف، لكن التردد غير خال عن الفائدة، فإنا إذا أبطلنا الاستثناء. لم نطالبه إلا بتفسير اللفظ الأول، وإن لم نبطله طالبناه بتفسيرهما، وله آثار في الامتناع من التفسير.
قال: وإن قال: له علي درهم ودرهم إلا درهمًا، لزمه درهمان على المنصوص، وقيل: يلزمه درهم.
وقد بينا نظير ذلك في الطلاق على أبلغ وجه، وكذا قاعدة الاستثناء، فليطلب
стр. 9606
من ثم، فإن الحكم في البابين واحد، لكنا قلنا ثم: إن الصحيح هو المنصوص، [وقد قال به الجمهور هنا أيضًا.
وفي ((الحاوي)): أن الصحيح هنا: أنه] يلزمه درهم، وقد شذ عنا ثم فروع، نذكر منها هنا ما يتيسر:
ومنها: إذا قال: لع علي عشرة إلا خمسة أو ستة، قال في التتمة: لا يلزمه إلا أربعة، لأن الدرهم الزائد مشكوك فيه، فصار كما لو قال: له علي خمسة أو أربعة، لا يلزمه إلا أربعة.
قال ((الرافعي)): ويمكن أن يقال: يلزمه خمسة، لأنه أثبت العشرة، واستثنى منها خمسة، واستثناء الدرهم الزائد مشكوك فيه.
قلت: ولا وجه إلا الأول، لما تقدم أن الاستثناء مع المستثنى من كاللفظ الواحد، لأنه أثبت شيئًا، ثم رفعه، ولهذا صح.
وفي ((العدة)) أنه لو قال: له علي ألف درهم إلا مائة درهم، أو خمسين درهمًا، لزمه الألف في أحد الوجهين، لأن الاستثناء المتأخر مشكوك فيه، فلا [يرفع المتقدم] المتيقن، كقوله: إلا مائة درهم، أو عشرة دنانير.
ومنها: لو قال: له على ألف درهم ومائة دينار، إلا مائة [درهم] وعشرة
стр. 9607
دنانير-[لزمه الألف كاملًا، والاستثناءان يرجعان إلى الدنانير في أحد الوجهين.
ولو قال: له علي ألف درهم إلا مائة درهم وعشرة دنانير] إلا قيراطًا، لزمه تسعمائة وعشرة إلا قيراطًا في أحد الوجهين، [قالهما في العدة].
ومنها: لو قال: له علي درهم غير دانق فقضية النحو- وبه قال بعض الأصحاب- أنه إن نصب ((غير))، فعليه خمسة دوانق، لأنه استثناء، وإلا فعليه درهم تام، والمعنى: علي درهم إلا دانق.
وقال الأكثرون: السابق إلى فهم أهل العرف [منه] الاستثناء، فيحمل عليه وإن أخطأ في الإعراب.
ومنها: إذا قال: غصبته عبدًا إلا رأسه، أو إلا يده، ففيه وجهان:
أصحهما في ((الحاوي)): أنه يكون غاصبًا لجميعه، لإحالة ما استثناه.
والثاني: أنه يكون مقرًا بمجهول، ويرجع في بيانه إليه.
قال: وإن قال: له علي ألف درهم إلا ثوبًا، وقيمة الثوب، أي: الذي فسره، دون الألف، أي: ولو بأقل ما يتمول- قبل منه، لأن الاستثناء من غير الجنس، واستثناء الأكثر في الإقرار جائز عندنا، كما هو مقرر في الأصول، وهذا منه. نعم، حكى الماوردي عن أصحابنا وجهين في جواز استثناء الأكثر في غير الإقرار.
وقد قال الغزالي في مسألة الكتاب: إن هذا استثناء من الجنس، لأن تقديره: إلا قيمة ثوب.
نعم: فيه مجاز من حيث ذكر الثوب، والمراد قيمته.
أما إذا فسر الثوب بثوب قيمته ألف فأكثر، فوجهان:
أحدهما: أن التفسير باطل، والاستثناء صحيح، فيلزم أن يفسر بثوب قيمته دون الألف، وهذا ما صححه البغوي.
والثاني: أن الاستثناء باطل، ويلزمه الألف، وهذا ما صححه الإمام وغيره.
ومن هنا يظهر لك أن قول الشيخ: وقيمة الثوب دون الألف شرط لصحة الاستثناء، أو لصحة التفسير ومنه يظهر أن المحذوف في قوله: قبل منه، ماذا.
فرع: لو قال: له علي ألف درهم ومائة دينار إلا خمسين، فإن أراد بالخمسين
стр. 9608
المستثناة جنسًا غير الدراهم أو الدنانير، [قبل منه بالشرط السابق.
وإن أراد أحد الجنسين من الدراهم، أو من الدنانير]، أو منهما قبل.
وإن فات بيانه، عاد إلى المالين، لكن هل يعود إلى كل واحد منهما جميع الخمسين، أو نصفها؟ فيه وجهان في ((الحاوي)).
قال: وإن قال: له علي ألف إلا دينارًا، رجع في تفسير الألف إليه، وأسقط منه الدينار، لما ذكرناه.
ولو فسر الألف بما لا يبقى منه شيء بعد إسقاط الدينار، ففيه وجهان:
أحدهما: يبطل الاستثناء، وهو المختار في ((المرشد)).
والثاني: يبطل التفسير.
وكما يصح استثناء المبهم من المعلوم، والمعلوم من المبهم، يصح استثناء المبهم من المبهم، كما إذا قال: له علي ألف إلا شيئًا، أو إلا عبدًا، ويكلف تفسيرهما معًا، فيبين جنس الأول، ثم يفسر الثاني.
ولو قال: شيء إلا شيئًا، فقد تقدم الكلام فيه، وكما يجوز الاستثناء مرة يجوز مرتين فأكثر، لكنه ينظر:
فإن عطف الثاني على الأول بواو العطف، كانا جميعًا بمنزلة الاستثناء الواحد، إذ لم يلزم من ذلك استغراق، مثاله: إذا قال: له علي عشرة إلا درهمين وإلا درهمًا، فيلزمه سبعة، كما لو قال: له علي عشرة إلا ثلاثة.
[وإن لزم منه استغراق، كما إذا قال: له علي عشرة إلا سبعة وإلا ثلاثة] فهل يلزمه عشرة كما لو قال: له علي عشرة إلا عشرة، أو نخص الثاني بالبطلان حتى يلزمه ثلاثة؟ فيه وجهان جاريان فيما لو قال: له علي عشرة إلا سبعة وثلاثة، وأصحهما في هذه الثاني.
وعن الشيخ أبي علي أنه قطع به في الأولى، وبه يحصل في الصورتين ثلاثة أوجه.
стр. 9609
وإن كان الثاني بغير واو العطف، كان الاستثناء الثاني راجعًا إل ما يليه من الاستثناء الأول، ويعتبر صحته وفساده، لكونه مستغرقًا بالنسبة غليه، لا إلى الأول.
مثاله: إذا قال: له علي عشرة، إلا خمسة إلا اثنين، كان قد استثنى من العشرة خمسة، ومن الخمسة اثنين، والجميع سبعة، فيلزمه ثلاثة، ويشهد لهذه القاعدة قوله تعالى: ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلَّا آَلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ ...﴾ [الحجر:٥٨، ٦٠] فاستثنى ((آل لوط)) من القوم، ثم استثنى امرأته من ((آل لوط)) من غير حرف العطف، فكان راجعًا إلى الاستثناء الذي يليه دون المستثنى منه.
والطريق في معرفة ما يلزمه في مثل ذلك مما لا يلزم إذا تعددت الاستثناءات بعد ما ذكرناه من القاعدة هنا، وما ذكرناه من قاعدة ثانية في كتاب الطلاق: أن الاستثناء من الإثبات نفي، ومن النفي العام إثبات، وكذا من غير العام إذا تقدم النفي، إثبات- أن يجمع كل ما هو إثبات على اليد اليمنى مثلًا، وكل ما هو نفي على اليسرى، ثم يسقط المنفي من المثبت، فما بقي منه هو الجواب.
مثاله: إذا قال: له على عشرة، إلا تسعة، إلا ثمانية، وهكذا إلى الواحد، فالمثبت ثلاثون، والمنفي خمسة وعشرون، فإذا أسقطت خمسة وعشرين من ثلاثين، بقيت خمسة فهي اللازمة له.
قال الإمام: والطريق في تمييز المثبتات من المنفيات أن ينظر إلى العدد المذكور أولًا، فإن كان شفعًا فالأوتار منفية، والأشفاع مثبتة، وإن كان وترًا فبالعكس، ولهذا شرط، وهو أن تكون الأعداد المذكورة على التوالي الطبيعي، ويتلو كل شفع منها وتر، أو بالعكس كما ذكرناه.
وقد احترزنا بقولنا: إن الاستثناء من النفي غير العام إثبات إذا تقدمه إثبات عما إذا قال: ليس له علي عشرة إلا خمسة، فإنه لا يلزمه شيء عند الأكثرين، لأن عشرة إلا خمسة خمسة، فكأنه قال: ليس له [علي] خمسة.
وبقولنا: العام، أدخلنا ما لو قال: ليس له علي شيء إلا خمسة، فإنه يلزمه خمسة.
وفي ((النهاية)) وجه آخر في المسألة الأولى: أنه يلزمه خمسة كهذه.
стр. 9610
وعلى هذا لا نحتاج في قولنا: إن الاستثناء من النفي [إثبات]، إلى شرط. ثم قضية قولنا: إن الاستثناء الثاني إذا وقع بغير حرف العطف يكون صحته وفساده بالنسبة إلى ما يليه من الاستثناء منه أنه إذا قال: لفلان علي عشرة إلا خمسة إلا عشرة: أنه يلزمه خمسة، لأن الثاني باطل، لكونه مستغرقًا، والأول صحيح، لكونه غير مستغرق، فاقتصر عليه.
نعم، لو انعكس الحال، فقال: له علي عشرة إلا عشرة إلا أربعة، ففيه الأوجه المذكورة في نظير المسألة من الطلاق.
قال: وإن قال: له هؤلاء العبيد العشرة إلا واحدًا، لزمه تسليم تسعة، لأن الاستثناء يصح وإن كان مجهولًا، كما لو قال: له علي عشرة إلا شيئًا، فكذلك هاهنا، إذ لا فرق بين العين والدين.
قال: [ويلزمه البيان]، لأن حق الغير تعلق بالمقر به منهم، فلزمه تعيين، كما لو أقر بطلاق إحدى نسائه على التعيين، أو عتق [أحد عبديه]. ثم هو بالخيار بين أن يعين من استثناه، وبين أن يعين المقر بهم التسعة، فإن نازعه المقر له في التعيين، فالقول قول المقر مع يمينه.
وهكذا الحكم فيما لو قال: له هؤلاء العبيد إلا واحدًا، يصح، ويطالب بالبيان، وهو الذي أورده القاضي أبو الطيب، والحسين، وغيرهما حكاية عن النصف في ((المختصر))، ولم يورد في ((الوجيز)) غيره، وقال ((الرافعي)): إنه ظاهر المذهب.
وحكى في ((الوسيط)) فيها وجهًا آخر: أنه لا يصح، لأن الاستثناء إنما ورد في اللسان عن الأعداد، فلذلك يقبل، وإلا فالأصل أن رفع الإقرار السابق باطل.
فإن قلت: هل يجري هذا الوجه في الصورة السابقة؟
قلت: لا إن جردت النظر إلى ما علل به، لأن العدد ثابت فيها.
نعم: يمكن أن يأتي فيها [من مأخذ] سلكه الإمام في تصحيحه في نظير المسألة، وهو ما إذا أشار إلى عشرة دراهم، فقال: هذه الدراهم لفلان إلا هذا وهذا، متمسكًا بأن إضافة الإقرار إلى معين يقتضي الملك فيه نصًا، فإذا أراد الاستثناء في البعض كان راجعًا.
стр. 9611
وأيده بأنه لو قال: له هذا الدرهم، وهذا الدرهم إلا هذا الدرهم، فلا خلاف على بطلان الاستثناء.
ولو قال: له علي درهم ودرهم إلا درهمًا، كان في صحة الاستثناء خلاف. ما ذكره من التصحيح هو ما أورده الغزالي في القسم الثاني من التعليقات من كتاب الطلاق، حيث قال: لو قال: لفلان هؤلاء الأعبد الأربعة [إلا هذا، لم يصح الاستثناء بلا شك، لأن الاستثناء في المعين لا يعتاد، وهذا التعليل يرشد إلى أن هذا مخصوص بما إذا عين المخرج من الجملة، لأنه الذي يعني بالاستثناء، أما إذا لم يعينه، بل أبهمه، كما إذا قال: له هؤلاء الأربعة] إلا واحدًا، فلا، وحينئذ فلا يكون منافيًا لما ذكره هنا.
لكن [لك أن تقول]: الغزالي ساق ذلك لتأييد مذهب القاضي فيما إذا قال لنسائه: أربعتكن طوالق إلا فلانة: أنه لا يصح الاستثناء، لأنه صرح بالأربع، وأوقع عليهن الطلاق، وهذا يدل على أنه عنى بالاستثاء المستثنى منه، وإلا لم يحصل التأييد، وحينئذ تتوجه المؤاخذة.
وقد قال القاضي: لو قال: أربعتكن إلا فلانة طوالق، صح الاستثناء، ونظيره في مسألتنا: أن يقول: هؤلاء الأعبد العشرة إلا هذا لفلان، فيصح جزمًا.
ثم قال الغزالي: والمسألة- أي في الطلاق- محتملة، إذ لا يلوح الفرق بين عدد [المطلقات وعدد] الطلقات، ولا بين التقديم والتأخير.
قال: فإن ماتوا إلا واحدًا، فذكر أنه [هو] المستثنى، قبل منه على المذهب، لاحتمال صدقه، والأصل ثبوت يده عليه، وبقاء تصرفه فيه، وهذا ما حكاه أبو الطيب والماوردي وغيرهما وجهًا، وصححوه، وقال الإمام: إنه الذي قطع به الأصحاب.
وغيرهم قال ما قاله الشيخ.
وقيل: لا يقبل، لأنه يرفع به حكم الإقرار، فأشبه ما لو قال: له [علي] ألف إلا ثوبًا، وفسر الثوب بما يستغرق [قيمة] الألف.
стр. 9612
والقائلون بالأول فرقوا بأن الاستثناء هنا قد صح وقت الإقرار، وتفسيره لا يرفع الجميع، وإنا يظهر به تعذر تسليم المقر به، لموتهم، لا لمعنى يرجع إلى الإقرار، فأشبه ما لو ماتوا بعد البيان، بخلاف المسألة المقيس عليها، فإن التفسير يرفع جملة المقر به.
ولو قتلوا إلا واحدًا، فذكر أنه [هو] المستثنى، قبل وجهًا واحدًا وإن كان الحي أقل قيمة، لأن حق المقر له يتعلق بقيمة المقتولين، وقد ادعى القاضي أبو الطيب في ذلك الإجماع.
ومن هنا يظهر: أنه لو قتلهم من لا ضمان عليه، كان كما لو ماتوا، وأنه لو قال: غصبت هؤلاء العبيد إلا واحدًا، فماتوا كلهم إلا واحدًا، فذكر أنه [هو] المستثنى: أنه يقبل، كما قال الأصحاب كافة، لأن أثر الإقرار يبقى في مطالبته بقيمة الموتى.
فرع: لو مات المقر قبل البيان، قام وارثه مقامه، قاله القاضي الحسين.
قال: وإن قال: له هذه الدار إلا هذا البيت، أو هذه الدار له وهذا البيت لي- قبل منه:
أما في الأولى، فلأن ما أتى به صيغة استثناء، فعمل بموجبه، كما يعمل به عند الاستثناء من الأعداد، وهكذا الحكم فيما لو قال: له هذا الخاتم إلا هذا الفص ونحوه.
وأما في الثانية، فلأنه أخرج البعض بلفظ متصل، فأشبه الاستثناء، بل هو أبين منه، لأنه تصريح بمعنى الاستثناء، فكان أولى بالصحة، وهذا ما حكاه الإمام عن صاحب ((التخليص))، والقاضي الحسين عن القفال، وقال: إنه يشكل بما لو قال: هذه الدار لزيد، وهذا البيت لعمرو، أو هذه الشاة لزيد، وحملها لعمرو- فإنه
стр. 9613
يحكم بالدار والبيت والشاة والحمل لزيد، لأنه لو سكت على قوله: هذه الدار وهذه الشاة لزيد، كان يستحق ذلك [كله، فكان رجوعًا عن بعض الإقرار، بخلاف ما لو استثنى ذلك]، لأن الاستثناء لبيان ما بدأ به من الكلام، كالتخصيص إذا ورد على العموم.
نعم، لو قال: هذا البيت لعمرو والحمل [له] والدار والشاة لزيد، سلم لعمرو البيت والحمل وهذا من القاضي تفريع على أمرين:
أحدهما: أن الإقرار بالشاة إقرار بالحمل، وسنذكر فيه ما يمكن ذكره.
والثاني: أن الإقرار بالحمل المجرد يصح كالإقرار للحمل كما أبداه الماوردي احتمالًا بعد أن حكى أن المزني نقل في ((جامعة الكبير)): أن الإقرار بالحمل باطل، لأنه لا يصح أن يملك منفردًا ببيع ولا هبة ولا ميراث.
قلت: وهذا يظهر أنه مفرع على أن الإقرار المطلق لا يصح إلا إذا أمكن أن يكون سببه من الأسباب الغالبة: كالبياعات والإتلافات، كما تقدم ذكره عند إطلاق الإقرار للحمل.
أما إذا لم يمكن أن يكون سببه إلا نادرًا: كالوصية، فلا، وقد تقدم أن الصحيح صحة الإقرار المطلق إذا أمكن أن يكون له سبب صحيح وإن كان نادرًا، وقضيته أن يكون الصحيح صحة الإقرار بالحمل كما ذكره الماوردي، لأنه تصح الوصية به، ولهذا لو أقر بالحمل وعزاه إلى وصية، صح جزما.
ثم مسألة الكتاب مفرعة على الصحيح في أن الاستثناء من غير الأعداد جائز، وإلا فقد حكى الغزالي الوجه السابق فيها، وطره فيما إذا قال: هذا الخاتم له إلا هذا الفص.
قال: وإن قال: له هذه الدار عارية، فله أن يرجع فيها متى شاء، لأن قوله: له هذه الدار، ليس صريحًا في الملك إلا إذا تجرد، أما إذا اقترن به ما يقدح فيه مع احتماله فلا.
قال الماوردي: فإن قيل: هلا كان على قولين من قوليه فيمن قال: له علي ألف قضيتها؟
стр. 9614
قيل: الفرق: أنه في ادعاء القضاء رافع لكل ما تقدم، فلم يقبل، وهو في قوله: عارية، مثبت لحكم ما تقدم على صفة محتملة، فقبل.
وقال صاحب ((التقريب)): ينبغي أن يتخرج ذلك على ما لو قال: له علي ألف من ثمن خمر، لأن آخر كلامه يرفع أوله.
وليس بشيء، والفرق ما ذكره الماوردي.
وأيضًا: فإن الإضافة إلى العارية حقيقة، بخلاف الخمر، فإنه لا يملك حقيقة، [وهكذا الحكم] فيما لو قال: له هذه الدار هبة عارية.
فرع: لو قال: لك سكنى هذه الدار، قال الماوردي: فهو إقرار لازم، [تلك السكنى عن إجارة في الظاهر، فإن ادعاها، وطلب الأجرة، لزم المقر له دفع الأجرة إن قبل الإقرار،] وإن رده فلا أجرة عليه، كما لا سكنى له.
قال: وإن قال: له هذه الدار هبة، فله أن يمتنع من التسليم، لأن الهبة لا تتم إلا بالقبض، وهو إلى خيرة الواهب، وإقراره لم يتضمنه.
ولا فرق بين أن تكون الدار في يد المقر له بالهبة أو لا.
وعن صاحب التقريب: أن ذلك يتخرج على ما لو قال: له علي ألف من ثمن خمر.
قال الغزالي: وهو فاسد.
وقال القاضي أبو الطيب: إن من أصحابنا من قال: إذا كانت في يد الموهوب له، فالقول قوله في القبض.
قال ابن الصباغ: وعزوه إلى الشافعي، وهو مقول على القول الذي يقول: إذا وهب له شيئًا في يده لا يحتاج إلى الإذن في القبض، وإذا مضى زمان يمكن يه القبض، صار مقبوضًا.
وقد حكي عن رواية الإمام وجه مثله فيما إذا وجد الرهن في يد المرتهن، وقال الراهن: غصبني، وقال المرتهن: بل أنت أقبضتنيه- أن القول قول المرتهن.
والصحيح: أن القول قول الواهب والراهن.
وعلى هذا: لو قال: وهبت منه الدار، وملكها، لم يكن- أيضًا- إقرارًا بالقبض على النص، كما حكيته في باب الهبة، فليطلب من ثم.
ولو قال: وهبتها له، وخرجت إليه منها، قال ((الرافعي)): لم يكن إقرارًا بالقبض
стр. 9615
وعن القفال الشاشي: أنه مقر به.
وفي ((الحاوي)): إن كانت الدار عند الإقرار في يد الموهوب له، كان قوله: ((وخرجت إليه منها)) محمولًا على الإقباض، لأنه الظاهر من معناه، وقد رواه المزني نصًا في ((جامعه الكبير)).
وإن كانت في يد المقر، سئل عن مراده [به]، فإن فسره بشيء محتمل غير القبض قبل.
قال: وإن قال: له علي ألف مؤجلة- أي: إلى وقت كذا- لزمه ما أقر به، أي: مؤجلًا لأن الأجل صفة في الدين كالحلول، وإذا كان كذلك فقد أقر بدين بصفة، فلزمه ما أقر به، كما لو أقر بدراهم نقص تحالف دراهم البلد، أو دراهم مكسرة. ولأنه أحد الصفتين، فقبل قوله فيه، كالحلول.
وقيل: فيه قولان:
أحدهما: يلزمه ما أقر به، لما تقدم.
والثاني: يلزمه ألف حالة، لأنه أقر بحق لغيره، وادعى لنفسه حقًا فقبل فيما عليه دون ما له، كما لو أقر بدار وادعى سكناها لنفسه سنة بإجارة.
ويفارق الإقرار بالحال، لأن ذلك مجرد حق عليه، وعلى هذا يلزم المقر له اليمين على الحلول [عليه] عند الطلب.
والصحيح الأول وإن ثبت الخلاف، وللقائلين به أن يمنعوا كون الإقرار بالحلول مجرد حق عليه، بل فيه حق له، وهو الإجبار على القبض وغيره كما تقدم.
ثم هذا إذا ذكر الأجل متصلًا باللفظ، ولم يبين سبب الدين، أو بينه، وهو يحتمل أن يثبت فيه الأجل، وألا يثبت: كالبيع ونحوه.
فلو ذكره مفصولًا، لم يقبل قوله فيه قولًا واحدًا، وكذا لو ذكره موصولًا وقال: إن سبب الدين قرض.
ولو قال: إن سببه تحمل عقل، فإن صدر به كلامه، فقال: ابن عمي قتل فلانًا خطأ ولورثه ذلك القتيل من ديته في ذمتي كذا مؤجلًا إلى سنة انتهاؤها كذا- فلا خلاف في القبول.
стр. 9616
ولو جعله عجز كلامه، فقال: له علي كذا، من جهة تحمل العقل مؤجلًا إلى وقت كذا، ففيه- تفريعًا على طريقة القولين في المسالة السابقة- طريقان:
إحداهما- وهي التي أوردها في ((الوجيز))، والقاضي الحسين، ونسبها الإمام إلى المحققين- القطع بالقبول.
والثانية: طرد القولين.
قال ((الرافعي)): وهي الأظهر، لأن أول كلامه ملزم لو اقتصرت عليه، وهو في الإسناد إلى تلك الجهة مدع، كما في التأجيل.
فرع: لو شهد عليه شاهدان بألف، فقال: له علي ألف، لكنه مؤجل- حكى ((الرافعي)) في أوائل كتاب الدعاوى عن القفال: أنه تسقط الشهادة، وهو قضية ما حكاه عن القاضي أبي الطيب في أول هذا الباب.
ثم قال القفال: وهذا شخص قد أقر لغيره بدين مؤجل، ففي قبوله في الأجل الخلاف.
وقد قال البندنيجي في كتاب الدعاوى، والقاضي أبو الطيب في أواخر باب الدعوى على كتاب أبي حنيفة: أنه لا يقبل قوله في الأجل قولًا واحدًا، كما لو قامت عليه بينة بعشرة دراهم، فقال: إلا درهم.
قلت: وعلى قضية ما قاله القفال يظهر أن يجيء في المسالة ما حكيته عند الكلام فيما إذا شهد عليه بحد لله تعالى، فأقر به، ثم رجع عنه.
قال: وإن قال: [له] علي ألف من ثمن خمر، أو: ألف قضيتها- ففيه قولان: أحدهما: يلزمه، لأنه وصل بإقراره ما يرفعه، فأشبه ما لو قال: له علي ألف إلا ألفًا، وهذا ما صححه العراقيون، وغيرهم في الأولى، وهو في الثانية من طريق الأولى.
وعلى هذا: للمقر تحليف المقر له على نفي كونه ثمن خمر، وعلى عدم القضاء.
والثاني: لا يلزمه، لأن الكلام إنما يتم بآخره، لا يفصل آخره عن أوله، ولا أوله عن آخره، [كما لو قال: لا إله إلا الله، لا يفصل أول الكلام عن آخره] حتى يكون كفرًا ثم إيمانًا، وقد وصل بالكلمة الأولى ما هو محتمل وجائز عرفًا،
стр. 9617
فوجب ألا يتبعض ولو رفع الأول، كما لو قال: أنت طالق- أو حرة- إن شاء الله تعالى.
ولأن الإقرار إخبار عما جرى، وما ذكره جار بين الناس، فاعتضد قوله بالظاهر، وفراغ ذمته، وهذا ما اختاره المزني وأبو إسحاق
والفرق بين ذلك والاستثناء المستغرق: أنه في الاستثناء وصل الإقرار بما يرفعه من الوجه الذي أثبته، فلم يقبل، وهذا ليس كذلك، ويخالف قوله: علي ألف مؤجل، حيث قطع فيه بالقبول على طريقة، لأنه ثم لم يرفع جملة الإقرار، فقبل كالاستثناء وهنا رفع جملته.
وعلى هذا للمقر له تحليف المقر أنه كان من ثمن خمر، وأنه قضاه.
وقيل في المسألة الثانية: يلزمه قولًا واحدًا، وهي التي صححها الغزالي، وادعى الإمام في [أثناء الكلام في] مسائل التفسير بالوديعة: أنها المذهب، ولم يحك الفوراني غيرها، لتناقض قوله، فإنه يصير كما لو قال: له علي ألف لا يلزمني، وهنا مما لا خلاف فيه، وهو كما لو قال: هذه الدار لفلان، وكانت لي إلى أن أنشأت الإقرار، فإن إقراره بالملك نافذ، وقوله: كانت لي لغو مطرح، كذا قاله الإمام هنا، ويوافقه قوله في آخر كتاب اللقيط: ول أقر بكون الشيء ملكًا له، وعزاه إلى نفسه، ثم أقر به لإنسان من غير أن يتخلل بين الإقرارين ما يتضمن نقل الملك، فإقراره لذلك الإنسان مقبول، وهذا بخلاف ما لو قال: داري أو ثوبي المملوك لي لفلان، فإن الإقرار باطل، نص عليه الشافعي، كما قال الغزالي.
[قال]: ولم يحمل قوله: داري، على إرادة الإضافة بالسكون أو المعرفة وإن كان له اتجاه.
والصحيح عند الجمهور طريقة القولين.
والطريقان جريان فيما لو قال: لفلان علي ألف أبرأني منها.
والقولان جاريان- كما قال الأصحاب- فيما ينتظم لفظه في العادة، ولكنه يبطل حكمه شرعًا، كما إذا أضاف المقر به إلى بيع فاسد: كالبيع بأجل مجهول، أو بخيار مجهول، أو قال: تكفلت ببدن فلان بشرط الخيار، أو ضمنت لفلان كذا
стр. 9618
بشرط الخيار، وما أشبه ذلك، وهما في الحالة الأخيرة منصوص عليهما كما قال الماوردي، وألحق بها ما تقدم من الصور قال ((الرافعي)): وفي كلام الأئمة ذكر مأخذين لهذا الخلاف:
أحدهما: بناؤه على القولين في تبعيض الشهادة إذا شهد لابنه وأجنبي.
ولك أن تقول: هذا لا يشبه مسألة الشهادة، لأ، الشهادة تقول: هذا لا يشبه مسألة الشهادة، لأن الشهادة للأجنبي والشهادة للابن أمران لا تعلق لأحدهما بالآخر، وإنما قرن الشاهد بينهما لفظًا، والخلاف فيها يشبه الخلاف في تفريق الصفقة، وأما هنا فالمذكور أولًا مسند إلى المذكور آخرًا، ولكنه فاسد مفسد للأول، ولهذا لو قدم الإضافة إلى ثمن الخمر، فقال: لفلان من ثمن خمر علي ألف، لا يلزمه شيء بحال.
قلت: كما نص عليه الشافعي، كذا حكاه القاضي الحسين في باب التيمم من ((الفتاوى)).
ويؤيده ما حكاه الماوردي فيما إذا قال: إنما ضمنت لك هذا بشرط الخيار- أنه يقبل قوله قولًا واحدًا، لأن صيغة ((إنما)) تقتضي أن يتصل الضمان بغيره، فصار كالمتقدم ذكره.
قال ((الرافعي)): وفي الشهادة لا فرق بين أن يقدم ذكر الأب أو الأجنبي، ثم هب أنهما متقاربان، لكن ليس بناء الخلاف في الإقرار على الخلاف في الشهادة بأولى من العكس.
والثاني: أنه يجوز بناء هذا الخلاف على الخلاف في حد المدعي والمدعى عليه، فإن قلنا: المدلي [من] لو سكت تركناه وسكوته، فهاهنا لو سكت عن قوله: من ثمن خمر لترك فهو بإضافته إلى الخمر مدعٍ، فلا يقبل قوله، ويحلف المقر له. وإن قلنا: المدعي: من يدعي أمرًا باطنًا، فهو هنا المقر له، لأنه يدعي شغل الذمة، والأصل البراءة، فيكون القول قول المقر.
ولك أن تقول: لو صح هذا البناء لما افترق الحال بين أن يضيفه إلى الخمر موصولًا أو مفصولًا، ولا خلاف في عدم قبوله إذا أضافه مفصولًا، ولوجب أن يخرج التعقب بالاستثناء علي هذا الخلاف.
стр. 9619
وقال الإمام بعد ذكر القولين في الخمر والضمان: وكنت أود لو فصل فاصل بين أن يكون المقر جاهلًا بأن ثمن الخمر لا يلزم، وأن الضمان مع شرط الخيار لا يلزم، وبين أن يكون عالمًا بذلك، فكان يعذر الجاهل دون العالم، ولكن لم يصر إليه أحد من الأصحاب.
واعلم أنه كثيرًا ما يطلب الفرق بين ما حكاه الشيخ هنا من القولين في قوله: له علي ألف [قضيتها]، وبين ما حكاه من الجزم فيما إذا قال: برئت إليه مما يدعيه، أو: قضيته أنه لا يقبل قوله في البراءة والقضاء إلا ببينة كما هو الصحيح، وإن كنا قد حكينا عن البندنيجي وابن الصباغ ثم: أنه علي القولين أيضًا.
ويظهر أن يقال- والله أعلم: إن قوله: برئت إليه، أو: قضيته لفظ واحد تضمن الإقرار والبراءة، والشيء الواحد لا يستعمل في الشيء وضده لغة وعرفًا وشرعًا، فأبطلناه فيما له، وصححناه فيما عليه.
وقوله: له علي ألف قضيتها لفظان، اقتضى أحدهما الشغل، وهو قوله: [له] علي ألف، والآخر البراءة، وهو قوله: قضيتها، وذلك منتظم لفظًا، واقع استعماله فيما نحن فيه عرفًا وإن امتنع شرعًا وعقلًا، فلا جرم خرج على القولين، والله أعلم.
فرع: إذا ادعى عليه مائة درهم، فقال: قضيتك منها خمسين- حكى القاضي أبو الطيب وغيره في أواخر باب الدعوى على كتاب أبي حنيفة: أن الشافعي نص في الأم على أن يكون مقرًا بالخمسين، مدعيًا لقضائها، فأقبل منه الاعتراف دون القضاء.
قال القاضي وغيره: وهذا ينبني على أن من ادعى عليه ألف، فقال: صدقت، ولكني قضيتك إياها، فقد اعترف بالألف وادعى القضاء، وفيه قولان، فإن قبلنا قول المقر في القضاء، لم يلزمه هنا قضاء الخمسين، وإلا لزمه.
وأما الخمسون الأخرى، فإنه ما أقر بها، لأن قوله: منها يحتمل عوده إلى الدعوى، والله أعلم.
قال: وإن قال: له [علي] ألف من ثمن مبيع لم يلزمه حتى يقر بقبض
стр. 9620
المبيع، أي: سواء عين المبيع أو لم يعنيه.
قال الماوردي: لأن عقد المعاوضة جمع ثمنًا ومثمنًا، فلما كان إقراره بالثمن من عبد باعه غير لازم له، إلا أن يقر بقبض ثمنه، كذلك إقراره بثمن عبد ابتاعه غير لازم له، إلا أن يقر بقبض الذي ابتاعه، وتحريره قياسًا: أنه أحد نوعي ما تضمنه العقد من عوض، فوجب أن يكون لزوم الإقرار به موقوفًا على لزوم ما في مقابله، قياسًا على المبيع، وهذا ما نص عليه الشافعي في ((المختصر))، ولم يحك الماوردي، والعراقيون سواه.
وحكى المراوزة فيما إذا قال: له علي ألف من ثمن مبيع لم أقبضه، فإن سلم سلمت- طريقين كما في الإقرار بالدين المؤجل:
أحدهما: القطع بأنه لا يلزمه حتى يقر بقبض المبيع.
والثاني: في المسألة قولان:
أحدهما: هذا.
والثاني: لا يقبل قوله في أنه عن ثمن مبيع، ويلزمه في الحال، وهذا الطريق يجري فيما ذكره الشيخ من طريق الأولى.
والصحيح الأول، وألحق به الماوردي ما إذا قال: أقرضني ألفًا، ثم قال: لم أقبضها، فإن القول قوله عنده، ولا يلزمه الألف، لأن القبض يلزم القرض، فإذا لم يصرح به المقر في إقراره، فليس يقر بلزومه.
قال الفوراني: ولو قال: اشتريت منه سلعة بألف، فإن سلمها لي سلمتها إليه- فقول واحد: إن قوله مقبول.
قال: وإن قال: له علي ألف درهم نقص.
اعلم أن الدرهم [في] حقيقته عبارة عن وزن وقدر معلوم، قد يعبر به عن المضروب، غير أن الحكم فيه متعلق بالقدر منه، كذا قاله الماوردي هنا، وقال في كتاب السرقة: إنه كان للناس قبل الإسلام درهمان: أكبرهما البغلي، وزنه: ثمانية دوانيق، وأصغرهما الطبري، وزنه أربعة دوانيق، فجمع بينهما في الإسلام،
стр. 9621
وأخذ نصفهما، فكان ستة دوانيق، وهي دراهم الإسلام يعدل على عشرة منها سبع مثاقيل، لأن المثقال لم يختلف.
والدانق- كما قال هنا، وتبعه الروياني-: ثاني حبات.
[وحكى ((الرافعي)) عن ابن سريج وأبي عبيد القاسم بن سلام: أنه ثمانية حبات]، وخمسا حبة من الشعير المتوسط الذي لم يتغير، وتكون كل حبة مقطوعًا من طرفها ما دق وطال، وقد قال هنا- وكذا القاضي أبو الطيب، والحسين-: إن لهم درهمًا آخر يسمى: الخوارزمي، وزنه أربعة دوانيق ونصف.
وقال القاضي الحسين إن لهم درهمًا آخر، وزنه سدس أو اقل.
فإذا عرفت ذلك بنيت عليه مسألة الكتاب، وهي إذا قال: له علي ألف درهم نقص، لزمه ناقصة الوزن، لأن وصفه إياها بأنها نقص بمنزلة الاستثناء، لأنه ينقص بعض المقدار الذي أفاده الإطلاق.
وعلى هذا ينظر:
إن كان قوله: نقص متصلًا، يقبل، وإن كان منفصلًا فلا، ويلزمه ألف وازنة من دراهم الإسلام.
وقيل في المسألة قولان، بناء على تبعيض الإقرار:
أحدهما: ما ذكره الشيخ.
والثاني: يلزمه ألف بوزن الإسلام، لأنه أقر بجملة ثم نفاها، وأثبت غيرها، فلم يقبل النفي، كما لو قال: له علي ألف بل خمسمائة، وقد نسبت هذه الطريقة إلى أبي علي بن خيران.
والذي أورده القاضي أبو الطيب الطريقة التي أوردها الشيخ، لكن هل يلزمه من الدراهم الطبرية أو الخوارزمية أو الدراهم الأخرى؟ لم أر فيه نقلًا، ويظهر أن يقال: يرجع إليه في التفسير، فإنه تعذر بيانه، نزل على أقل درهم، لأنا قد قلنا: إن ذلك ينزل منزلة الاستثناء، وقد تقدم أنه لو قال: له علي عشرة إلا خمسة، أو ستة، لزمه الأقل، وهو أربعة، لأنه المحقق، فكذا هنا.
قال: وإن قال: [له علي] ألف درهم، وهو في بلد أوزانهم ناقصة، لزمه من دراهم البلد على المنصوص- أي: في كتاب الإقرار والمواهب- لأنه
стр. 9622
المعروف فيها، فنزل عليه كما ينزل مطلق الثمن في البيع عليه، وهذا ما اختاره القاضي أبو حامد.
وقيل: يلزمه ألف وازنة، حملًا للمطلق على المعهود في الإسلام وأكثر البلدان.
قلت: ويمكن بناء الخلاف في ذلك أن الاصطلاح الخاص هل ينزل منزلة الاصطلاح العام أم لا؟ كما تقدم في مواضع، ومنها: إذا توافق الزوجان على تسمية ألف في عقد النكاح ألفين.
لكن قضية ذلك- لو صح- أن يكون الصحيح لزوم الألف وازنة، لأن الصحيح ثم لزوم الألفين، وقد اختاره الشيخ أبو حامد هنا، وفرق بينه وبين البيع بأن الإقرار إخبار عن حق سابق، وهو يصح مع الجهالة، فلم يكن للعرف فيه مدخل، والبيع إيجاب في الحال تنافيه الجهالة، فأثر فيه العرف، تشوفًا للتصحيح.
لكن الصحيح هو المنصوص، وهو المختار في ((المرشد)).
ثم ظاهر كلام الشيخ يقتضي أن ما ذكره هو الحكم عند الإطلاق، وهو ما أورده في ((الشامل))، تبعًا للقاضي أبي الطيب.
وفي ((المهذب)): أن محل الخلاف عند دعواه إرادة ذلك مفصولًا عن الإقرار، أما عند الإطلاق فيلزمه من دراهم الإسلام، وعلى ذلك ينطلق إيراد الماوردي والقاضي الحسين.
ولا خلاف أنه لو قال- والصورة هذه- له علي ألف درهم نقص: أنه لا يلزمه غيرها، صرح به القاضي الحسين.
وقد فرع ابن القاص على المنصوص ما لو قال: [له علي] ألف درهم، وكان في بلد يتعاملون فيها بالدراهم عددًا: أنه يجب أن يكون عددًا [غير موزونة]، اعتبار بعادتهم.
وقول الشافعي في الإقرار والمواهب: ((إذا قال: له علي مائة عددًا، فيه وازنة)) - مفروض فيما إذا كان ذلك في بلد يتعاملون بالوازنة، ويلزمه أن تكون عددًا بحكم اللفظ، ووازنة بحكم الاسم، لأن كونها عددًا لا ينافي الوزن.
стр. 9623
ولا يشترط أن يكون كل واحد ستة دوانيق، بل المعتبر أن يكون وزن المائة مائة، قاله في ((التهذيب)).
ثم الوجهان في مسألة الكتاب- كما قال القاضي الحسين و ((الرافعي)) - جاريان فيما إذا أطلق لفظ الدراهم في بلد أوزانهم أكثر من دراهم الإسلام: كغزنة، هل يحمل على دراهم تلك البلد، أو على دراهم الإسلام؟
فإن قلنا: يلزمه من دراهم تلك البلد، فقال: أردت دراهم الإسلام، فإن قاله منفصلًا، لم يقبل، وإن قاله متصلًا، ففيه الطريقان.
والأصح- كما تقدم- القبول.
ولو أطلق لفظ الدراهم في بلد أوزانهم وافية، ثم قال- مفصولًا-: أردت النقص، فالمشهور: أنه لا يقبل منه، كما إذا ذكر الاستثناء منفصلًا.
وحكى ((الرافعي)) أن الروياني حكى عن جماعة الأصحاب القبول، واختاره، لأن اللفظ محتمل له، والأصل براءة الذمة، ثم قال: وهو غريب.
قال: وإن قال: له درهم صغير، وهو في [بلد] أوزانهم وافية، لزمه صغير، أي: في القدر- وازن منها، أي: ولا يكون قوله: صغير بمنزلة قوله: درهم ناقص، لأن لفظ الدرهم صريح في الوازن، والوصف بالصغير يجوز أن يكون من حيث الشكل، ويجوز أن يكون بالإضافة إلى الدرهم البغلي، فلا يترك الصريح بالاحتمال.
قال القاضي الحسين: ولأن درهم الإسلام صغير بالنسبة إلى الدرهم البغلي. أما إذا كان في البلد أوزانهم ناقصة، ففي ((الشامل)): أنه يلزمه ناقص منها.
وقضية ما أورده الإمام، ومن تبعه: أن يجيء فيه الخلاف السابق فيما إذا أطلق لفظ الدرهم في بلد أوزانهم ناقصة، لأنهما قالا: إن قوله: له علي درهم [صغير، كقوله: له علي درهم].
قال ((الرافعي)): ويشبه أن يكون هذا هو الأظهر، لأنا لا نفرق بين أن يقول: مال، وبين أن يقول: مال صغير، فكذلك في الدراهم، وهو ظاهر ما ذكره في ((المختصر)).
وعن الشيخ أبي حامد ومن تابعه: أنه إذا قال: درهم صغير، لزمه من الدراهم
стр. 9624
الطبرية، لأنه أصغر من دراهم الإسلام، فتؤخذ باليقين، وأنهم لم يفرقوا بين بلدة وبلدة وهو قضية ما [قاله] في ((الحاوي)).
وقال في ((التهذيب)): إذا قال: له علي درهم صغير، فإن كان بطبرية، يلزمه من نقد البلد، وإن كان ببلد وزنه وزن مكة فعليه وزن مكة، وكذلك إن كان بغزنة.
قال ((الرافعي)): ولك أن تقول: الجواب فيما إذا كان بطبرية لا يلائم الجواب فيما إذا كان بغزنة، لأنا إما أن نعتبر اللفظ، أو عرف البلد:
إن اعتبرنا اللفظ فليجب الوازن بطبرية.
وإن اعتبرنا عرف البلد، فليجب نقد البلد بغزنة.
قلت: الذي أتبعه قسم آخر وهو الظهور، ولا شك في أن الظاهر: إرادته الناقص فيما إذا كان [بطبرية، وأما إذا كان] بمكة، فاحتمال إرادة الصغر في الوزن مساوٍ لاحتمال إرادة الصغر في الجثة، والدرهم- كما ذكرنا- صريح في درهم [الإسلام]، فقوي بذلك أحد الاحتمالين، وبه حصل الظهور.
وإذا كان بغزنة فلا شك أن درهم الإسلام ناقص [وصغير] بالنسبة إلى درهم غزنة، وإذا كان كذلك فاحتمال إرادة الصغر في الوزن مساوٍ لاحتمال إرادة الصغر في الجثة، وقد قلنا: إن الدراهم صريح في الدرهم الإسلامي، فقوي به احتمال إرادة الصغر في الوزن، وذلك يفيد الظهور، والله أعلم.
وقد ألحق الغزالي وإمامه قوله: علي درهم، بقوله: درهم صغير، فيما ذكراه فيه، ووافقهم عليه البغوي.
قال: وإن قال: له [علي] درهم كبير، وفي البلد دراهم كبار القدود، لزمه درهم وازن منها، عملًا بحكم الاسم واللفظ، لأنه أمكن اجتماعهما، وهذا كما قلنا فيما إذا قال: له علي مائة درهم عددًا في بلد أوزانهم وافية.
والقدود- بضم القاف والدال- جمع: قد، وهو الجسم والجرم، والمراد به هنا الاتساع.
قال: وإن قال: ألف درهم زيف، ففسره بما لا فضة فيها- أي:
стр. 9625
كالفلوس المضروبة- لم يقبل، لأن ما [لا] فضة فيها لا تسمى: دراهم.
ولا فرق بين أن يقولك ذلك مفصولًا، أو موصولًا، قاله [القاضيان: أبو الطيب، والحسين].
قال ابن يونس: ومن أصحابنا من قال: إذا قاله موصولًا، قبل.
قال: وإن فسره بمغشوش، قبل على ظاهر المذهب، لأنها تسمى دراهم.
قال القاضي أبو الطيب: ولا فرق في ذلك بين أن يقوله متصلًا، أو منفصلًا.
وقيل: لا يقبل إلا أن يكون متصلًا بالإقرار-[أي: قوله: ((إنها زيف))]، لأن ذلك نقصان فيما أقر به، فاعتبر فيه الاتصال، كالاستثناء.
ومحل هذا الخلاف- كما قال الماوردي-: إذا كان الإقرار في بلد يتعاملون فيها بالمغشوش، فإن كان في بلد لا يتعاملون فيها [به]، لم يقبل تفسيرها منفصلًا قولًا واحدًا، وعليه ينطبق قوله في ((المهذب))، وكذلك ((الرافعي))، تبعًا للشيخ أبي حامد: إن الحكم فيها كالحكم في التفسير بالدراهم الطبرية، لأن هذا حكمها إن وصل التفسير بالناقصة بالإقرار في بلد أوزانهم ناقصة، لم يلزمه غيرها، وإن فصله عنه، فظاهر النص: أن الحكم كذلك.
وقيل: يلزمه ألف وازنة.
وإن قال ذلك في بلد أوزانهم وافية، لم يقبل قولًا واحدًا.
تبنيه: قوله ((زيف)) بضم الزاي، وتشديد الياء المفتوحة، ومجموعة: زائف، يقال: درهم زائف، ودرهم زيف بفتح الزاي وإسكان الياء.
стр. 9626
والمغشوش من الدراهم: هو الذي فيه نحاس، أو غيره، يقال: غشه يغشه غشًا بكسر الغين.
قال: وإن قال: له علي دراهم، ففسرها بسكة غير البلد- قبل منه، كما لو أقر بثوب أو عبد مطلق، لا يلزمه ما هو ملبوس عامة أهل البلد، وجنس عبيدهم.
ولأن الإقرار إخبار عن سابق، والجهالة لا تنافيه، فثبت مجهولًا، ورجع في التفسير إليه، لاحتمال صدقه، وهذا ما نص عليه.
وقال المزني: لا يقبل منه، ويلزمه من نقد البلد، كما لا يقبل تفسيره بالناقصة، وقياسًا على الثمن المطلق في البيع، وقد حكاه الشيخ أبو حامد عن غيره من الأصحاب.
والصحيح: المنصوص، ويخالف ما لو فسر بالناقصة [إن لم نقبل]، لأنه ثم رفع [بعض] ما أقر به، ولا كذلك هنا.
والفرق بينه وبين البيع، حيث ينزل مطلقه على سكة البلد، لأنه إيجاب في الحال، تنافيه الجهالة، فحمل على عرف البلد، تصحيحًا للعقد، بخلاف الإقرار.
والسكة هاهنا: الحديدة المنقوشة، تضرب عليها الدراهم، فعبر الشيخ بالسكة عن الضرب، تبعًا للشافعي، ﵀.
والحكم فيما لو أقر بدراهم في بلد دراهمها بيض النقرة أن له التفسير بقوة السوداء.
قال: وإن قال: له عندي ألف، ففسرها بدين، قبل منه، لأن هذا اللفظ يحتمله، ويستعمل له.
فإن قيل: لفظة ((عندي)) تستعمل في الأعيان، فكيف يقبل التفسير بالدين؟
قيل: قد يكون سببه عينًا مغصوبة، أو أمانة يتعدى فيها.
قال: وإن قال: له علي ألف وديعة، أي: ونازعه المقر له، وقال: الوديعة غيرها- فهي وديعة، لأن لفظة ((على)) تقتضي الإيجاب، والوديعة يجب حفظها،
стр. 9627
والتمكن منها، [فوافق آخر كلامه أوله، فقبل منه.
قال: فإن قال: كان عندي أنها باقية، أي: حين أقررت، فإذا إنها هالكة، لم يقبل، لأنه أقر بوجوب التمكين منها]، فلم يقبل رجوعه عنه.
قال: وإن ادعى أنها هلكت بعد الإقرار، قبل منه، لأن ما ادعاه محتمل، ولا مناقضة بينه وبين إقراره الأول، بل يلائمه، وهذا ما أورده القاضي أبو الطيب، والحسين، وغيرهما.
وحكى الإمام عن المراوزة، وصاحب التقريب في أصل المسألة: أنه لا يلزمه إلا ألف واحد.
ولكن هل تكون مضمونة عليه أم لا؟ فيه قولان.
أحدهما: أنها مضمونة عليه، أخذا بقوله: ((علي)) في أول إقراره، وعلى هذا لا يقبل قوله في التلف بعد الإقرار، ولا في البرد، كما قاله في ((التهذيب)).
والثاني: لا، فإن الكلام بآخره، وعلى هذا يكون الحكم كما ذكره الشيخ. وأصل القولين- كما قال-: له علي ألف مؤجل إلى شهر، هل يقبل قوله في الأجل أم لا؟
وأشار في ((التهذيب)) إلى أنهما مبنيان على أن قبول قوله في لزوم ألف واحد كان لماذا؟ وفيه معنيان:
أحدهما: لأن عليه التخلية بينها وبين المالك.
والثاني: لأنه يحتمل أن يكون قد تعدى فيها، فإن قلنا بالأول، لم تكن مضمونة عليه، وإلا كانت مضمونة، وجزم بأنه إذا أحضرها لا يلزمه غيرها.
وفي ((النهاية)) حكاية عن العراقيين: أنهم قالوا: إذا قلنا فيما إذا قال: له علي ألف، ثم فسرها بوديعة-: لا يقبل، فهاهنا قولان:
أحدهما: يلزمه ألفان.
والثاني: ألف.
وأن مأخذهما ما لو قال: له علي ألف من ثمن خمر، وقد نسبهما ((الرافعي))
стр. 9628
إلى تخريج أبي إسحاق من قوليه فيما إذا قال: كان له علي ألف قضيتها، هل يقبل أم لا.
والمشهور ما ذكره الشيخ، بل ادعى القاضي أبو الطيب إجماعنا مع الخصم عليه، كما سنذكره.
وفي ((العدة)) و ((الإبانة)): أنه لو قال: له علي ألف دفعها إلى وديعة، فالقول قوله.
ولو قال: له علي ألف أخذتها منه وديعة، قال المتقدمون من أصحابنا: هو كما لو قال: دفعها إلى.
وقال أبو حنيفة: لا يقبل قول، لأن [الأخذ يقتضي الغصب ظاهرًا]، فإذا ادعى الوديعة لم يقبل، وأن القفال قال: يحتمل أن يكون هذا مذهبًا.
وفي ((التهذيب)) فيما إذا قال: دفع لي فلان ألفًا، ثم فسره بوديعة، وقال: تلفت- قبل.
وكذلك لو قال: أخذت [أو قبضت] من فلان ألفًا، ثم فسره بوديعة، يقبل.
وقال أبو حنيفة في الثانية: إن القول قول المقر له إذا ادعى الغصب، وبه قال القفال.
ولو قال: أخذت من لافن وديعة، فعند أبي حنيفة لا يقبل التفسير.
وعلى رأي القفال يكون على قولي تبعيض الإقرار، وقد ذكرت هذا الفرع في آخر باب العارية، فليطلب منه.
قال: وإن قال: له علي ألف، ثم فسرها بوديعة- أي: وأحضرها- ونازعه المقر له، فقال: هذه الوديعة، والذي أقررت به غيرها، قبل- أي: التفسير- لأن كلمة ((علي)) كما تقتضي إيجاب شيء [في الذمة، تقتضي إيجاب شيء] معين من وجوب حفظ، وتمكن من رد، أو رد، وقد فسر لفظه بأحد محتمليه، فقبل مع أن الأصل براءة ذمته.
ولأنه يجوز أن يريد بلفظة ((علي)) عندي، وذلك سائغ لغة، قال الله تعالى: ﴿عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ [الشعراء:١٤] أي: عندي.
стр. 9629
ولو قال: له عندي ألف، ثم فسره بوديعة، قبل، فكذلك هاهنا، تحرزًا من إيجاب شيء بالاحتمال، وهذا ما نص عليه في ((المختصر)).
قال الغزالي: وفي موضع آخر فإنه قال: لو قال: له علي شيء، ثم فسره بوديعة- قبل.
و [هذا الحكم] هو الذي أورده صاحب التقريب، والماوردي، والقاضي أبو الطيب، وابن الصباغ، والمراوزة، كما قال الإمام، ومنهم: القاضي الحسين، والفوراني.
وقيل: لا يقبل، لأن كلمة ((علي)) للإيجاب في الذمة، ألا ترى أنه لو قال: الألف التي على فلان علي، كان ذلك ضمانًا، فدل على أنها تقتضي الإيجاب في الذمة، وإذا كان كذلك، فقد التزم تفسير مال في الذمة، وجاء بمال آخر، فلم يسقط به، كما لو أقر بثوب فجاء بعبد، يكون له، ويطالب بالثوب، وهذا ما اختاره في ((المرشد)).
والقائلون بالأول قالوا: قد أجمعنا على أنه لو قال: لفلان علي ألف وديعة، قبل ذلك منه، ولو كانت لفظة ((علي)) تقتضي الذمة لا غير، لوجب ألا يقبل تفسيره بالوديعة، لأنه أقر بألف، وعقبه بما يسقطه، كما لو قال: له علي ألف بل عبد، وما ذكر في مسألة الضمان إنما صح لانحصاره.
وقد حكى في ((المهذب)) هذين الطريقين قولين، تبعًا للشيخ أبي حامد، فإنه حكاهما، ونسبهما إلى نصه في ((الأم))، ولم يحك الإمام عن العراقيين غيرهما، وأنهم صححوا الأول، وعليه فرعان.
أحدهما: قال القاضي الحسين: يحلف بالله، إنه لا يلزمه تسليم ألف أخرى إليه، وما أراد بإقراره إلا هذه، فإن امتنع [من الحلف]، حلف المقر له، واستحق ألفين.
الثاني: لو لم يتفق تسليم الألف الذي أحضره، فهل يكون مضمونًا عليه أم لا؟ ظاهر كلام الشيخ أنه يكون وديعة، لأنه قبل تفسيره بها، وهو ما صرح به ابن الصباغ في موضعين من الباب، تبعًا للقاضي أبي الطيب.
وعلى هذا لو ادعى رده أو تلفه بعد الإقرار قبل قوله مع اليمين، كما في
стр. 9630
المسألة السابقة على الأصح.
وقال الإمام- حكاية عن الأصحاب-: إن الألف يكون مضمونًا عليه، لقوله: ((علي)) فلو ادعى تلفه لم يسقط عنه الضمان، وكذا لو ادعى رده لم يصدق، وهذا ما صرح به القاضي الحسين، ويوافقه قول الفوراني: إنه إذا فسر بوديعة، ولم يأت بها لا يقبل قوله.
قال ((الرافعي)): والمفهوم من كلام الأصحاب الأول.
واعلم أن محل الخلاف في أصل المسألة: إذا لم يقل: إنه تعدى في الوديعة، فلو قال: تعديت فيها، قال القاضي الحسين: قبل قوله، ولم يلزمه [إلا ألف] واحد، لأنها عليه.
وعكس هذا لو فسر إقراره بأنها وديعة، شرط عليها ضمانها أن لو تلفت، وقد تلفت، قال القاضي الحسين- حكاية عن الأصحاب-: لا يقبل قوله، ولا تسمع دعواه، للمناقضة.
ثم قال: والذي عندي: أنه تسمع دعواه، لأنه محتمل، والقول قول المقر له، لأن الظاهر معه، كما لو أقر على نفسه بألف، ثم ادعى أنها من ثمن خمر، تسمع دعواه، للاحتمال.
والإمام حكى الوجهين، وأجراهما في مسألة الخمر أيضًا.
قال: وإن قال: له علي ألف في ذمتى، ثم فسرها بوديعة- أي: وأتى بها- فقد قيل: يقبل، لجواز أن يكون قد تعدى فيها، فكان ضمانها في ذمته.
وقيل: لا يقبل، وهو الأصح، لأنه صرح بأنها في ذمته حالة إقراره، والوديعة لا تكون في ذمته وإن تعدى فيها، وإنما تصير في الذمة بالتلف، ولا تلف، وهذا ما أورده البغوي.
قال الإمام: وعلى هذا: لو أتى بألف، وادعى أنه الذي أقر في ذمته، لأنه وديعة تعدى فيها- ففي قبول قوله وجهان، وهما جاريان فيما لو قاله: له علي ألف درهم دينًا، ثم فسر بوديعة تعدى فيها.
قال الإمام: ولو لم يذكر في هذه الصورة سبب الضمان بعد جدًا الحكم باتحاد الألف.
следующие страницы →