← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

[عمل به]؛ كالمفتي إذا أخبره ثقة] في الواقعة بخبر لا يجتهد، بل يعمل به. [وصورة ذلك] إذا كان بينه وبين الكعبة جبل، عليه شخص يراها، فأخبره بها. وكذا لو كان يعلم أن الكعبة حيث تغيب الشمس في وقت مخصوص، فأخبره [من] على موضع عال: أنه رآها غربت في هذا الموضع، ونحو ذلك. أما لو أخبره عن اجتهاد، وهو من أهل الاجتهاد، ولم يضق الوقت-لا يقلده؛ لما تقدم في المواقيت. وكذا لو ضاق الوقت على المذهب، [بل] يصلي على حسب حاله في الوقت، [ويعيد] إذا عرف جهة الصواب، وإن كان قد وافق بصلاته الأولى القبلة. وعن ابن سريج: أنه يقلد غيره، ولا إعادة عليه، وطرده في الحاكم؛ كما ستعرفه في موضعه. وقال الماوردي: إنه يقلده بلا خلاف، وهل يعيد أم لا؟ قال الشافعي فيه كلاماً محتملاً، فقال ها هنا: "ومن خفيت عليه الدلائل، فهو كالأعمى"، وظاهره يقتضي سقوط الإعادة، وقال في موضع آخر حكاه [[عنه] المزني] ها هنا: " [ومن دله من المسلمين، وكان أعمى، لزمه اتباعه]،ولا يسع بصيراً خفيت عليه الدلائل اتباعه"، وظاهره يقتضي سقوط وجوب الإعادة. [و] اختلف أصحابنا فيه على ثلاث طرق: إحداها-وهي طريقة المزني وأبي الطب بن سلمة وأبي حفص بن الوكيل، وهي التي صححها في "المهذب"-: أن وجوب الإعادة على قولين: على الخلاف الظاهر في الموضعين، واختار المزني منهما عدم الإعادة. والطريقة الثانية-طريقة ابن سريج-: أنه لا إعادة عليه قولاً واحداً، وحمل قول الشافعي: "ولا يسع بصيراً خفيت عليه الدلائل اتباعه"- على ما إذا كان الوقت واسعاً. والطريقة الثالثة-طريقة أبي إسحاق المروزي-: أن الإعادة واجبة عليه قولاً واحداً، وحمل قوله: " [فهو] كالأعمى" على وجوب الاتباع، لا على سقوط الإعادة.

стр. 982

والغزالي قال تبعاً لإمامه: [إن] الحكم كما لو تناوب [مع] جمع على بئر، وعلم أن النوبة لا تنتهي إلهي إلا بعد خروج الوقت. وقد أفهم كلام الشيخ: أنه إذا أخبره غير ثقة- وهو الفاسق- بالقبلة: انه لا يرجع إلى قوله، وهو وجه في المسألة مقيس على ما لو أخبر عنه ﵇، و [لم] يحك الإمام غيره. وحكى القاضي الحسين [وغيره وجها] [آخر]: أنه يرجع إليه. وقال في "التتمة": إنه المذهب؛ لأنهم لا يتهمون في ذلك. ولا يقبل خبر الكافر [بحال]. وفي قبول رواية الصبي في ذلك وجهان، وقيل: قولان؛ لأن القاضي الحسين قال: إن القفال سأل أبا زيد عن ذلك، فقال: [إن الشافعي نص على قبول روايته؛ إذا كان مراهقاً، وانه سأل أبا عبد الله-أعني: الخضري-عن ذلك، فقال:] لا يجوز له تقليده نصاًن فأخبرته بقول أبي زيد، فقال: أنا لا أتهمه في ذلك. ويحتمل أن [يكون] الشافعي أراد بذلك [النص] إذا دله فإنه يجوز، وبالنص الثاني إذا أخبره بجهة القبلة باجتهاد من قبله. وبالجملة: فمعظم الأصوليين على عدم قبول روايته، والفوراني قال في كتاب الصيام: إن الأصح قبولها. قال [الإمام]: وعلى هذا يشترط أن يكون مميزاً، ولا يكون كذاباً. قال: وكذلك إذا رأى محاريب المسلمين في بلد صلى إليها، ولم يجتهد. قال ابن الصلاح: لأن الإجماع منعقد على اتباعها والعمل بها؛ فإن السلف والخلف مجمعون على [أن] من انتهى إلى بلد صلى إلى قبلة أهله، ولم يجتهد؛ وعلى ذلك يحمل ما حكاه ابن الصباغ من الإجماع، وبعضهم حمله على الإجماع

стр. 983

على نصها، فقال: لعل ذلك فيما إذا تكرر عليها الزمان، ووقف عليها العدد الكثير، وعدم الطاعنون والمنكرون؛ فإن ذلك ينزل منزلة إجماعهم عليها، وإلا يجوز [أن يكون] [الوضع] عن اجتهاد، والمخبر عن اجتهاد لا يعمل بخبره القادر عليه. والحكم في القرية الكبيرة المطروقة كالبلد، بل قال في "التهذيب": لو وجد محراباً، أو علامة للقبلة [في طريق] جادة المسلمين، وجب عليه التوجه إليها. وكذلك لو أخبره عدل بأنه رأى جماعة من المسلمين اتفقوا على هذه الجهة، فعليه قبوله، وليس بتقليد، بل هو قبول الخبر من أهله، كما لو أخبره أني رأيت الشمس طالعة. وإذا ثبت هذا الحكم في محاريب بلد صلى إليها المسلمون، ففي محراب رسول الله ﷺ بالمدينة وبكل موضع صلى فهي أولى؛ لأنه لا يقر على الخطأ، وبه صرح الأصحاب كافة، وقالوا: حكم ذلك حكم الكعبة فيما ذكرناه، ولا يجوز أن يجتهد فيه بالتيامن والتياسر. ولو تخيل عارف بأدلة القبلة: أن الصواب في ذلك أن يتيامن أو يتياسر قليلاً فخياله باطل. وهل يجوز أن يجتهد في محاريب المسلمين بالتيامن والتياسر؟ وفيه وجهان: ظاهر المذهب منهما في "النهاية" الجواز، وهو الذي أورده القاضي الحسين والفوراني والبغوي والمتولي والأكثرون، [كما] قال الرافعي. والمذكور في "الحاوي" مقابله، وهو ما حكاه الإمام عن شيخه. وقال بعض المتأخرين: إنه الصحيح؛ إذ لو جاز لمنع من الصلاة بدونه، ولا قائل به. وعبارة الإمام: أن من قال بالجواز، يلزمه أن يقول: حق على من يرجع إلى بصيرة إذا دخل إلى بلد أن يجتهد في صوب قبلته، وقد يلوح له [أن] التيامن وجه الصواب. قال: وهذا إن ارتكبه مرتكب، ففيه بعد ظاهر.

стр. 984

وقال القاضي الروياني وغيره: قبلة الكوفة يقيناً كقبلة المدينة؛ لأنه صلى إليها الصحابة، بخلاف قبلة البصرة. قال الرافعي: وقضية هذا جواز الاجتهاد في التيامن والتياسر في قبلة البصرة دون الكوفة، وفيما نقل عن ابن يونس القزويني: أن قبلة الكوفة قد صلى إليها عليّ مع عامة الصحابة، ولا اجتهاد مع إجماع الصحابة. قال: واختلف أصحابنا [في قبلة البصرة]: فمنهم من قال: هي كقبلة الكوفة. ومنهم من جوز فيها الاجتهاد؛ لأن ناصبها عتبة بن غزوان وناصب قبلة الكوفة عليّ، والصواب في فعل على أقرب. وألحق القاضي الحسين بالمحاريب الكوَّةَ الواحدة في المسجد، وقال: لو كان فيه كوى على نمط واحد على جوانب المسجد، يصلي ويعيد، اللهم [إلا] أن يكون بجانب واحدة منها علامة المحراب كالوتد للسراج ونحوه؛ فنه يصلي نحوه، ولا يعيد. وقد احترز الشيخ بقوله: "محاريب المسلمين" [عما] إذا رأى محاريب بلد خراب [لنكه] لا يعلم من أسسه؛ فإنه لا يجوز أني صلي إليها من غير اجتهاد، كما قال البندنيجي، ومحاريب القرية التي لا يدري: [أبناها] الكفار أم المسلمون بذلك أولى؛ صرح به في "التهذيب". وبقوله: "في بلد" عن القرية الصغيرة التي يجوز أن يتطرق الخطأ لأهلها إذا لم

стр. 985

يكثر المرور عليها- فإن محاريبها لا تمنع من الاجتهاد، بل لا يجوز إلا عن اجتهاد. نعم، لو نشأ فيها قرون من المسلمين، كان حكمها حكم البلد؛ قاله في "التهذيب"؛ وكذا إذا دخل إلى دار إنسان [يستخبر صاحبها]، ولا يجتهد. قال: وإن كان في برية، واشتبهت عليه القبلة، اجتهد في طلبها بالدلائل، أي: إن كان يعرفها، والوقت متسع؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا﴾ [الأنعام: ٩٧] وقال عز من قائل: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل:١٦]، ولأن له طريقاً يتوصل بها إلى معرفة المطلوب، وهي الاجتهاد، فلزمه سلوكه؛ كالحاكم إذا لم يجد في الحادثة نصًّا. ومما ذكرناه يظهر الفرق بين ما نحن فيه وبين ما إذا شك: هل صلى ثلاثاً أو أربعاً؟ أو نسي صلاة من الخمس، حيث قلنا: إنه يبني على اليقين فيهما؛ لأنه لا مجال للاجتهاد يهما؛ لفقد العلامات، وهي موجودة هنا. وإذا كان عليه طلبها بالدلائل، فلو تركه، وصلى [بالاجتهاد] إلى جهة، ثم ظهر أنها جهة [القبلة أو] غيرها، وجبت عليه الإعادة بلا خلاف. قال في "الذخائر": [وهذا بخالفي ما لو اشتبه عليه إناء طاهر، فهجم، وتوضأ بواحد من غير اجتهاد، فظهر أنه طاهر قبل شروعه في الصلاة-فإنه يصح وضوءه على الصحيح من المذهب؛ لأن المقصود من الوضوء الصلاة وقد وجد حال الدخول فيها العلم بها، بخلاف ما نحن فيه. وإذا اجتهد وغلب على ظنه في جهة [أنها القبلة] صلى إليها، ولا إعادة عليه، إلا أن يظهر خلافه، كما سيأتي. والدلائل، قد حكينا عن الشافعي أنه قال: هي الشمس، والقمر، والنجوم، والجبال، ومهب الرياح، ونحو ذلك. ونسب الإمام عد الريح منها إلى الصيدلاني، وقال: إنه بعيد جداً؛ فإن الرياح

стр. 986

التفافها في مهابها أكثر من اشتدادها. ثم لا يتأتى التمييز فيها، والعلامات تختلف باختلاف البلاد؛ فالنجم المسمى بالقطب الشمالي يجعله المصلي بمصر على عاتقه الأيسر، وبالعراق على الكتف الأيمن. قال بعضهم: فيكون مستقبلاً باب الكعبة إلى المقام، وباليمن قبالة المستقبل مما يلي الجانب الأيسر، وبالشام يكون وراء المصلي، وقيل: ينحرف بدمشق وما قاربها إلى الشرق قليلاً، وكلما قرب من الغرب كان انحرافه أكثر. قيل: وأعدل القبلة قبلة حران؛ فإن القطب بها يكون خلف ظهر المصلي من غير انحراف، وهو نجم صغير واقع بين الجدي والفرقدين، ومحله النصف من الخط الخارج بالوهم من الجدي إلى [الكوكب المنير] بين الرقدين. وطريق معرفة القبلة بمصر [أن يستقبله ثم] ينزع رجليه من نعليه ويتركهما بحالهما، ويدير قدميه مستدبراً له، وذلك خط الاستواء. [قالوا]: والواقف فيه كذلك يكون مستقبلاً للجنوب مستدبراً للشمال، والمغرب على يمينه، والمشرق على يساره-ثم يميل قدمه اليسرى إلى شماله قدر شبر، ثم يلحقها الأخرى فيكون متوجهاً للقبلة، والله أعلم. قال: فإن لم يعرف الدلائل، [أو كان أعمى، قلد بصيراً يعرف]؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] وقال-﵇ في قصة المشجوج "هلا سألوا إذا لم يعلموا؛ إنما شفاه العي السؤال". فلو وجد بصيرين يعرفان، واتفق اجتهادهما فلا كلام، وإن اختلف: فهل يجب عليه تقليد أعلمهما وأعرفهما وأوثقهما عنده، أم يجوز [له تقليد] الآخر؟ فيه وجهان: الذي حكاه القاضي أبو الطيب عن نصه في "الأم": الأول؛ فإنه قال: [قال] في "الأم": "عليه أن يقلد أوثقهما وأعلمهما عنده"، وغيره نسب ذلك إلى ابن سريج،

стр. 987

وطرده في العامي إذا اختلف الفقهاء في واقعة له، يجب عليه أن يأخذ بقول الأفقه، وقد حكاه أبو الطيب عن ابن سريج. والذي حكاه في "المهذب" والبندنيجي والأكثرون: الثاني، وعليه يدل قول الشيخ: "قلد بصيراً يعرف". ولو كانا عنده في العلم سواء، قال في "الحاوي": فهو كالبصير إذا تساوت عنده جهات، فيكون على وجهين: أحدهما: يكون متخيراً في الأخذ بقول من شاء منهما. [والثاني: يأخذ بقولهما] ويصلي إلى جهة [كل] واحد منهما. وقال القاضي الحسين: إنه يصلي إلى أي الجهتين شاء، ويعيد. وقد اقتضى كلام الشيخ أمرين: أحدهما: أنه لا فرق في البصير الذي لا يعرف الدلائل بين أن يكون قادراً على تعلمها والوقت واسع لذلك وللاجتهاد، أو غير قادر؛ إما لكونه لا يتأتى منه تعلم ذلك، أو لكونه يتهيأ منه لكنه لم يجد من يعلمه. ولا شك في أنه كالأعمى من كل وجه إذا لم يقدر على التعلم، أما إذا قدر على التعلم والوقت واسع له للاجتهاد، فالذي قاله [القاضي] أبو الطيب: أنه يجب عليه أن يتعلم، ويجتهد لنفسه، فإن قلد غيره وصلى، كان كمن قدر على تعلم الفاتحة [في الوقت، وصلى بالبدل، وسيأتي حكمه، وهذا من القاضي يدل على وجوب تعلم دلائل القبلة على كل احد، كما يجب عليه تعلم الفاتحة]. وقد حكى المراوزة في وجوب تعلم دلائل القبلة وجهين: أحدهما: أن ذلك فرض عين، وقال في "التهذيب": إنه الأصح. والثاني: أنه فرض كفاية. قال القاضي الحسين: وهما مستنبطان من نصين ذكرناهما في أن من هو من أهل الاجتهاد هل يقلد غيره ند ضيق الوقت، ولا يقضي أو لا؟ فإن قلنا بالأول، [فهو فرض كفاية، وألا] فهو فرض [عين].

стр. 988

وحكى الإمام أن من لا يعرف الدلائل إن قلنا: لا يجب عليه تعلم الأدلة، قلد [وصلى]، ولا إعادة [عليه]. وإن قلنا: يجب عليه التعلم، فقد فرط؛ فيلزمه القضاء، ثم يصلي؛ لحق الوقت من غير تقليد أو بتقليد؟ فيه تردد. وفي "الإبانة": هل يجوز أن يقلد في القبلة؟ إن قلنا: يجب، تعلم [لدلائل القبلة]، فلا يجوز التقليد، وإلا جاز. قال الإمام: والوجه المذكور في وجوب التعلم خاص بالمسافر، وإذا قلنا به قال الفوراني: فيكفي فيه الرجوع إلى قول واحد، ولا يكون ذلك تقليداً [كما أنه يرجع في خبر النبي ﷺ إلى الراوي الواحد، ويجتهد هو فيما يدل عليهن ولا يكون تقليداً]. قال [الماوردي]: ويجوز أن يتعلمها من كافر إذا وقع في قلبه صدقه. والأمر الثاني: أنه لا فرق في جواز تقليد البصير الذي يعرف بين أن يكون كافراً أو مسلماً، ثقة أو غير ثقة، ذكراً أو أنثى، بالغاً أو صبياً ولا خلاف في أنه يشترط أن يكون مسلماً، ولايشترط أن يكون ذكراً، وهل يشترط فيه الأمانة والبلوغ؟ فيه ما تقدم. قلت: ويمكن أن يقال: قول الشيخ ثَمَّ: "فأخبره ثقة عن علم، عمل به" يؤخذ منه: أنه لابد في المقلد أن يكون ثقة؛ لأنه إذا اشترط ذلك فيما يخبر عنه يقيناً، ففيما يخبر عنه ظناً أولى، وإذا كان كذلك، استلزم –أيضاً- اشتراط الإسلام والبلوغ؛ لأن الكافر لا يوثق به، وكذا الصبي؛ لأنه لا [يخشى عقاباً] فيما يخبر به كذباً؛ فانتظم كلامه حينئذ على ما قاله الأصحاب. والغزالي مال إلى أنه لا تشترط فيه العدالة؛ لأنه قال: قلد مكلفاً مسلماً عارفاً بأدلة القبلة، وهو ما ادعى في "التتمة" أنه المذهب. وقول الغزالي: "قلد مكلفاً مسلماً" يدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة

стр. 989

عنده، وفيه ما تقدم، والله أعلم. فرع: إذا أبصر الأعمى في أثناء الصلاة، فإن ظهر له حين أبصر أنه على جهة القبلة؛ بأن رأى محراباً أو نجماً يعرف به جهة القبلة، أتمها، وألا استأنف؛ لأن فرضه في هذه الحالة الاجتهاد دون التقليد، وزمن الاجتهاد يطول؛ فأبطل الصلاة، كما لو وجد العاري في أثناء الصلاة بالبعد منه سترة؛ قاله الماوردي وغيره. وقال القاضي الحسين: إن ذلك ينبني على أنه لو كان بصيراً: هل يجوز أن يقلد غيره عند عجزه؟ فإن قلنا: يجوز، مضى [في صلاته، وإلا فوجهان: أحدهما-وهو الصحيح-: أنها تبطل. والثاني: لا تبطل؛ لأن صلاته] انعقدت في الابتداء بالتقليد، ففي الدوام مثله؛ لأن الدوام ينبني على الابتداء وقال في "التتمة" فيما إذا لم يظهر له جهة الصواب حين بصره، ينظر: فإن بان له يقين الخطأ، فهو كالبصير يظهر له ذلك في أثناء صلاته، وسنذكره. وإن وقع له أن الجهة غيرها بالاجتهاد، [قال]: فينحرف، وحكمه حكم بصير تغير اجتهاده. وإن لم يعرف، أو لم تظهر له الدلائل، فوجهان ذكرناهما عن القاضي. وعكس هذا الفرع: لو اجتهد بصير وصلى، ثم كف بصره في أثناء الصلاة، مضى عليها، إلا أن يعلم أنه انحرف عنها؛ فحينئذ تبطل، ولا يصلي غيرها إلا بتقليد. قال بعضهم: اللهم إلا أن يبقى مكانه فيأتي [فيه] الخلاف الذي سنذكره في البصير. قال: فإن لم يجد من يقلده، أي: إما لفقد المجتهدين، أو لوجودهم ولم

стр. 990

يظهر لهم جهة القبلة-صلى على حسب حاله، أي: على ما حدد حاله في الفقد أو في الجهل-فإن الحسب مأخوذ من "الحساب"، وهو بفتح السين، ووجهه: قوله ﵇: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم". قال: وأعاد، أي: إذا وجد من يقلده، سواء صادف جهة القبلة أو خالفها؛ لأن الشرط في حقه التقليد؛ فإنه المحصل لغلبة الظن بجهة القبلة، وقد فقد؛ فكان كمن لم يجد ماء ولا تراباً، يصلي لحرمة الوقت، ويعيد إذا قدر على أحدهما؛ لفقد الشرط في الأولى. قال الجيلي: ويجري الخلاف المذكور ثَمَّ هاهنا. والصحيح في الموضعين ما ذكره الشيخ. وقد أفهم كلام الشيخ في هذه الحالة: "وأعاد": أن في الحالة الأولى وهي إذا وجد من يقلده، لا يعيد، وهو في الأعمى كذلك، وأما في البصير الذي لا يعرف الدلائل، ففيه ما أسلفناه من التفصيل والخلاف، والبصير العارف بدلائل القبلة إذا اجتهدن ولم يظهر له جهة القبلة، أو كان محبوساً في مطمورة ولم يجد من يقلده- يصلي على حسب حاله أيضاً، ويعيدن فإن وجد من يقلده، كما إذا كان الاشتباه على شخصين، فأدى اجتهاد أحدهما إلى جهة القبلة، ولم يظهر للآخر جهتها- ففيه ما ذكرناه من الطرق الثلاثة، والمذكور منها، في "التهذيب" طريقة أبي إسحاق، وهو المذهب في "تعليق البندنيجي". وقال في "الوسيط": الأصح: أنه يقلد ويعيد؛ لأن هذا عذر نادر، وما قاله يتركب مما حكيناه عن الماوردي وغيره من قبل. والطرق الثلاث تجري-كما قال البندنيجي-فيمن ضاق عليه الوقت عن التعليم والاجتهاد. قال: ومن صلى بالاجتهاد، أعاد الاجتهاد للصلاة [الأخرى]؛ كالحاكم إذا حكم في واقعة باجتهاد، ثم وقعت له-أيضاً- لا يحكم فيها إلا بعد الاجتهاد؛ لاحتمال تغيره؛ وهذا ما نص عليه في "الأم"، ومثله يجري في المقلد إذا وقعت له واقعة واستفتى فيها، ثم وقعت له مرة أخرى لا يجوز أن يعمل فيها بما قاله [له]

стр. 991

المفتي الأول، بل لابد [أن يعيد] الاستفتاء؛ قاله [القاضي] أبو الطيب. وكلام القاضي الحسين يقتضي تخصيص ذلك بما إذا كانت المسألة مجتهداً فيها، أما لو كان المفتي حين أفتاه قال له ذلك عن نص، [قال]: فلا يحتاج إلى الإعادة، بل قال: إن للعامي أن يفتي فيها بما ذكر له. ثم ظاهر كلام الشيخ: أن محل ما ذكره إذا لم ينتقل عن مكانه، وإذا انتقل من طريق الأولى. وقيل: [إنه] إذا لم ينتقل منه، ولم يتغير اجتهاده، لا يلزمه الإعادة، وقد تقدم مثله في التيمم، ولا خلاف في جواز صلاة النفل بالاجتهاد الأول. وما ذكرناه في المجتهد مثله يجري في المقلد إذا قلد في صلاة، ثم دخل عليه وقت صلاة أخرى، فلابد له من التقليد ثانياً على المذهب، كما قال البندنيجي. وقال الروياني في "تلخيصه": إن الأعمى لو كان له مسجد يصلي فيه على الدوام، فدخل إليه، وجس محرابه بيدهن لا يجوز أن يصلي إليه حتى يقلد بصيراً يعرفه الصواب. والقاضي الحسين: قال: إنه إذا دخل مسجداً، فوجد المحراب في أحد جوانبه الأربع بالمس باليد، فله أن يصلي إليه، و [هو] ما حكاه في "المهذب" [و"التهذيب" و"التتمة"]. وحكى الرافعي عن صاحب "العدة": أنه إنما يعتمد على لمس المحراب إذا شاهد المحراب قبل العمى، أما لو لم يشاهده، فلا يعتمد عليه. قال: فإن تغير اجتهاده، عمل بالاجتهاد الثاني فيما يستقبل؛ لأنه الصواب في ظنه الناجز، ولا يعيد ما صلى بالاجتهاد الأول؛ لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد؛ بدليل الحاكم. وقيل: يعيده فقط، حكاه الإمام. وقيل: [يعيد] الكل؛ لأنه صلى بعض ذلك إلى غير القبلة؛ فصار كمن

стр. 992

نسي صلاة من الخمس ولم يعرف عينها، وهذا ما حكاه القاضي الحسين والمتولي عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفرائيني، والإمام حكاه عن صاحب "التقريب"، وهو مفرع على قولنا: إنه إذا تيقن الخطأ في صلاة معينة يجب قضاؤها. [و] قال القاضي الحسين: والفرق على الأول بين ذلك وبين ما قاس عليه: أنه ها هنا [ما] من صلاة يؤديها [إلا] وهو يعتقد سقوط ما عليه بها؛ فلهذا لا يلزمه قضاء الكل، ولا كذلك من نسي صلاة [من الخمس]؛ لأنه إذا صلى صلاة أو صلاتين لا يعتقد أنه [أدى الصلاة] المنسية، وأنها سقطت عنه قطعاً؛ لاحتمال أنها في الصلوات التي لم يقضها، والأصل شغل ذمته بها. [وما] ذكره الشيخ مصور في "تعليق القاضي الحسين" بما إذا كان الاجتهاد الثاني أقوى من الأول. أما لو كان دون الأول، فلا عبرة به، ويصلي إلى الجهة التي صلى إليها أولاً، وإن كان مثله فإنه يكون كالمتحير يصلي إلى أي الجهتين شاء، ويقضي الصلاة الثانية دون الأولى و [لكن] لا يعصي. نعم: لو صلى إلى جهة ثالثة عصى، وهكذا الحكم فيما إذا دخل عليه صلاة ثالثة ورابعة [وأكثر]، وهذا [لو] تغير اجتهاده بعد الفراغ من الأولى، فلو تغير اجتهاده في أثنائها، وكان الاجتهاد الثاني مثل الأول أو أقوى منه، أتمها على موجب الاجتهاد الأول على وجه حكاه الماوردي. وقيل: يلزمه أن يعدل عن الأول قولاً واحداً، إذا كان الثاني أقوى، وهي طريقة البندنيجي، وهل يلزمه أن يستأنفه أم لا؟ قال في "المهذب" وغيره: فيه وجهان، المذهب منهما في "تعليق" البندنيجي: البناء، وهو ما حكاه الماوردي، وبه يحصل في المسألة ثلاثة أوجه. [وقصة] أهل قباء تشهد له، وهو مطرد-كما قال القاضي الحسين-فيما لو صلى إلى أربع جهات بأربعة اجتهادات أربع ركعات، والقائلون بالاستئناف

стр. 993

هاهنا، قالوا: الفرق بين ما نحن فيه، وبين أهل قباء- إن قلنا: إن النسخ يثبت قبل العلم به على رأي-:أنهم كانوا على قبلة صحيحة بالنص، ولم يصلوا باجتهاد، وإنما صلوا بناء على الأصل؛ فلم يلزمهم طلب الناسخ، وهذا مطالب بالاجتهاد في طلب الصواب، وقد ظهر تقصيره. وخالف هذا ما لو صلى أربع صلوات إلى أربع جهات حيث لا يقضي على المذهب؛ لأن الصلاة الواحدة عبادة واحدة لا تتجزأ في البطلان والصحة، بل آخرها متصل بأولها ويتداعى فساد آخرها إلى فساد أولها؛ فجاز أن يقال بأنها تبطل بتغير الاجتهاد فيها، وليس كذلك الصلوات؛ لأن كل واحدة منهن لا تكون مرتبطة بالأخرى. وحكم الأعمى في تغير اجتهاد مقلِّده بعد الصلاة وفي أثنائها حكم المجتهد في نفسه، والله أعلم. قال: فإن تيقن الخطأ، أي: ووجد الصواب بعد الفراغ من الصلاة، لزمه الإعادة في أصح القولين؛ لأن الله تعالى أمر باستقبال البيت الحرام، وقد بان أنه لم يستقبله؛ فلم يعتد بما أتى به، كالحاكم إذا حكم بالاجتهاد، ثم وجد النص بخلافه. ولأن ما لا يسقط بالنسيان من شروط الصلاة لا يسقط بالخطأ، كالطهارة، والوقت. قال في "المهذب" وغيره: ولأنه تيقن الخطأ فيما يؤمن مثله في القضاء؛ فلم يعتد بما مضى، كالحاكم إذا حكم، ثم وجد النص بخلافه، وهذا ما نص عليه في "الأم"، وفي استقبال القبلة من الجديد. ومقابله: أنه لا يلزمه الإعادة؛ لأنه روي عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه قال: كنا مع رسول الله ﷺ في ليلة مظلمة؛ فخفيت علينا القبلة؛ فجمع كل واحد منا أحجاراً، وصلى إليها، فلما أصبحنا إذا نحن على غير القبلة، فذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥].

стр. 994

ولأنه صلى إلى جهة مأمور بالصلاة إليها؛ فسقط الفرض بالصلاة إليها؛ كما لو صلى إلى غير القبلة في شدة الخوف، وهذا ما نص عليه في القديم، والصيام من الجديد؛ [كما] قال الماوردي وغيره، واختاره المزني، وقال: إن الآية محمولة على

стр. 995

حالة العلم، وفارق الحاكم، لأن الخطأ منه يندر؛ فكان نقضه أحق، وهو يتعلق بحق [العبد؛ فاحتيط] له، ولا كذلك هاهنا. والفرق بين الطهارة من الحدث والخبث: أنها أغلظ؛ بدليل أنه لو توضأ بالإناءين اللذين وقع الاشتباه فيهما، أو صلى بالثوبين اللذين وقع الاشتباه فيهما صلاتين باجتهادين- وجب عليه إعادتهما. ولو صلى إلى جهتين باجتهادين، لم تجب الإعادة. والقائلون بالأول، قالوا: الخبر لا يعرف إلا من طريق أشعث السمان، وقد قال الترمذي: إنه ضعيف الحديث، ولو صح فهو معارض بقول ابن عمر: إن الآية نزلت في صلاة النفل في السفر. أو نحمله على الخطأ من العين إلى الجهة. والفرق بين ما نحن فيه وصلاة شدة الخوف: أنا نأمره ثم بالصلاة إلى غير القبلة مع تحققها، ولا كذلك هاهنا، وإنما لم تجب الإعادة على المصلي إلى جهتين؛ لأنه لم يتعين له الخطأ في إحداهما. وما ذكرناه من [تصوير] محل القولين اتبعنا فيه البندنيجي والقاضي الحسين والغزالي، وإليه يرشد ما ذكرناه عن "المهذب" وغيره من علة [القول الأول؛ إذ] لو كانت المسألة مصورة بما إذا تيقن الخطأ، ولم يتحقق جهة الصواب- لم يحسن ذلك. نعم: لو تيقن الخطأ، وظهرت له جهة الصواب بالاجتهاد، ففي "الوسيط" و"التتمة": أن القولين يأتيان بالترتيب، وأولى بعدم وجوب القضاء؛ لأن الخطأ غير مأمون في القضاء؛ فلا تجب [كما] في خطأ الحجيج، وهذا ما حكاه

стр. 996

الإمام عن شيخه، وقال: إنه خطأ عندي، فإنه يمكنه أن يصير إلى بقعة يتيقن فيها جهة الصواب [ولا عس] في ذلك بخلاف خطأ الحجيج. وما قاله الإمام فيه نظر من حيث إن ذلك يوجب المصير إليها في الابتداء، ويمنع الاجتهاد. وابن الصلاح قال في تقرير الترتيب: إنه لو وجب القضاء، [لجاز على [الفور حال] الاجتهاد؛ فإنه لا يجب تأخيره، وحينئذ فلا يؤمن الخطأ في القضاء]؛ فحسن الترتيب، وكلام المتولي صريح في أنه على [أحد] القولين يعيد في الوقت بالاجتهاد، ولو تيقن الخطأ، [ولم تبن له جهة الصواب] أصلاً فطريقان: منهم من قال: لا يعيد قولاً واحداً، ومنهم من قال: [إنه] على القولين. [قال بعضهم]: وهو الأصح. وقد جمع الفوراني والروياني بين الطرق، وقالا: اختلف أصحابنا في محل القولين على طرق: فقيل: محلهما إذا تيقن [مع الخطأ جهة الصواب] أما إذا لم يتيقنها فلا تجب قولاً واحداً. وقيل: محلهما إذا [لم يتيقن] جهة الصواب، فإن تيقنها، وجبت قولاً واحداً؛ وهذه الطريقة يفهمها كلام أبي الطيب. وقيل: القولان في الحالين، وهو الذي نقله الشيخ أبو محمد والماوردي. أما لو ظهر له يقين الخطأ ووجه الصواب في أثناء الصلاة: فإن قلنا: [إنه] إذا تيقن ذلك بعد الفراغ يعيد، فها هنا يستأنف، [وإلا] فوجهان أو قولان. قال الفوراني: ومنهم من قطع بأنه يستأنف؛ لما ذكرناه من الفرق من قبل. ولو ظهر [له] في أثناء الصلاة الخطأ يقيناً أو بالاجتهاد، ولم يبن له جهة

стр. 997

الصواب- قال ابن الصباغ: بطلت صلاته، وهو نظير ما حكيناه عن الماوردي وغيره فيما إذا أبصر الضرير في أثناء الصلاة، ولم تبن له جهة الصواب. وقال غيره: إن عجز عن درك الصواب بالاجتهاد مع طول الفصل، بطلت. وإن قصر فوجهان، سواء مضى ركن أو لم يمض؛ كذا قاله ابن الصلاح، وأن المرجع في القصر والطول إلى العرف، وأن فيما علقه بخراسان في الدروس تحديد طويل الزمان [بأن يمضي] ركن أو وقت مضى ركن. قال: وهذا غير مرضي. قلت: والأشبه: أن يأتي فه ما ذكرناه عن القاضي والمتولي في مسألة إبصار الضرير. إذا قال له خلاف مقلده بعد الفراغ من الصلاة: قد أخطأ [بك] مقلدك- فإن كان عن علم أو بلغ المخبرون حد التواتر – كان في وجوب القضاء عليه القولان، وإن [لم] يبلغ المخبرون حد التواتر: قال الماوردي: فعند أبي إسحاق لا تلزمه الإعادة؛ لأنه لا يتيقن الخطأ بخبرهم، كما يتيقنه البصير بمشاهدته. وقد قال غيره من أصحابنا: في الإعادة عليه القولان، كما لو كان المخبر له مقلده. قال أبو علي بن أبي هريرة: وقد كنت أذهب إلى ما قاله أبو إسحاق حتى وجدت للشافعي ما يدل على التسوية بين مقلده وغيره. وإن قال له خلاف مقلده وهو في الصلاة: أخطأ بك مقلدك: فإن كان مثل مقلده او دونه، لم يرجع إليه، وإن كان أرفع من مقلده في العلم والأمانة صار [إلى قوله]. قال أبو الطيب والبندنيجي: ثم ينظر: فإن أخبره عن اجتهاد بني على صلاته. قال الماوردي: قولاً [واحدا]. وفي "تلخيص الروياني" حكاية وجه آخر: أنه يستأنف. وإن كان عن يقين، انحرف إلى الجهة التي قالها [له]، وهل يبني أو يستأنف؟

стр. 998

[فيه] قولان؛ بناء على ما لو صلى باجتهاد نفسه، ثم تبين له يقين الخطأ [هل] يقضي أم لا؟ فإن قلنا: يقضي، استأنف، وإلا بنى. قلت: والذي يظهر، إنه إذا أخبر عن علم بالخطأ ألا يفرق في المخبر بين أن يكون دون مقلده أو أعلى منه، وكلام أبي الطيب وغيره الذي ذكرناه يقتضي التفرقة. ولا جرمن قال الإمام: إنه إذا اخبره عن يقين من هو دون مقلده أو مثله، رجع إلى قوله، اللهم إلا أن يكون مقلده أيضاً قد قطع بالجهة أنه جهة الصواب؛ فلا يرجع إلى غيره، ولعل هذا مراد من أطلق ممن ذكرنا، والله أعلم. وقد حكى بعضهم وجهاً فيما إذا كان المخبر مثل مقلده: انه يعمل بقوله. ثم ظاهر كلام الشيخ أن المراد بيقين الخطأ: خطأ العين؛ إذا قلنا: إنها الفرض، أو خطأ؛ إذا قلنا: إنها الفرض، وهو ما حكاه الروياني في "تلخيصه"، وكلام الماوردي مصرح بأن محل الخلاف إذا اخطأ من جهة إلى جهة، أما إذا أخطأ من العين إلى الجهة، فلا يضره ذلك. وحكاه عند حكايته القولين في أن الفرض العين أو الجهة عن نص الشافعي في "الأم". ولو ظهر له أنه انحرف عن الجهة يميناً أو شمالاً، والجهة واحدة بعد الفراغ من الصلاة-فلا يضره ذلك؛ قاله في "المهذب" وغيره.

стр. 999

وإن كان في الصلاة: فإن بانت له جهة الصواب يقيناً، انحرف إليها، وبنى على [النص]. وخص الروياني ذلك بما إذا لم يتفاحش انحرافه إلى حيث يقارب الجهتين، ووجه ذلك بأنه لا يكاد ذلك يتيقن. وإن كان من جهة الاجتهاد، قال الروياني: فقد قال بعض أصحابنا: إنه يستأنف. وهو غلط، بل يبني على صلاته، وهل يعدل إلى الثاني أو يستمر على ما كان عليه أولاً؟ فيه وجهان حكاهما الماوردي. وقال الإمام: إن العراقيين حكوا وجهين في أنه هل يمكن إدراك الانحراف عن الجهة يقيناً [أو لا] يدرك إلا ظناً؟ والأقرب: الثاني. وقال في "الوسيط": إنه لو ظهر له الخطأ في التيامن والتياسر، فهل يؤثر؟ فيه خلاف مبني على أن المطلوب جهة الكعبة أو عينها؟ هكذا قاله الأصحاب، وفيه نظر من حيث إن الجهة لا تكفي؛ بدليل أن القريب من الكعبة إذا خرج عن محاذاة الركن لا تصح صلاته، مع القطع باستقبال الجهة، ومحاذاة العين ليست بشرط؛ بدليل صحة صلاة الصف الطويل. قال: ولعل مراد الأصحاب أن بين موقف المحاذي الذي يقول الحاذق فيه: إنه على السداد، وبين موقفه الذي يخرج عن الاستقبال بالكلية- مواقف بعضها أسد من بعض، فهل واجبه طلب الأسد مع حصول مسمى الاستقبال بدونه، أو يكفيه السديد؟ قال ابن الصلاح: [وحاصله]: أنه يجب على المجتهد أن يطلب باجتهاده استقبال عين الكعبة ومحاذاتها من حيث الاسم، لا من حيث الحقيقة التي من شأنها أنه لو مد خيطاً مستقيماً من موقفه إلى الكعبة لانتهى إلى نفسها. ورد الخلاف

стр. 1000

المذكور إلى أنه هل يجب طلب الأقوم والأسد مما يشمله اسم الاستقبال، أو يكفي مجرد ما هو سديد يشمله اسم الاستقبال وإن لم يكن بالأسد، وهي طريقة اخترعها إمام الحرمين، واتبعه هو فيها مع تصرف يسير، والذي عليه نقلة المذهب: الأول، وما شكك فيه يندفع بأن الحكم يدور مع اسم الاستقبال نفياً وإثباتاً، والمعتبر مع الحضور تحقق الاسم [بالإضافة إلى العين؛ لعدم المشقة، والمعتبر في الغيبة على القول الأول تحقق الاسم] بالإضافة إلى العين؛ لعدم المشقة، والمعتبر في الغيبة على القول الأول تحقق الاسم] بالإضافة [إلى العين، وعلى مقابله: تحقق الاسم بالإضافة إلى] الجهة، ولا إشكال في ذلك، وهو ظاهر نص الشافعي ومذهبه. وقد نجز شرح مسائل الباب، ولنختمه بفروع تتعلق به: إذا اجتهد جمع في القبلة، فأدى اجتهاد كل واحد، إلى جهة- لا يجوز أن يقتدي بعضهم ببعض، وإن جوزنا اقتداء الشافعي بالحنفي؛ لأن المخالفة ها هنا ظاهرة، بخلافها ثَمَّ. ولو اختلف اجتهادهم بالتيامن والتياسر، فهل يجوز أن يقتدي بعضهم ببعض؟ فيه وجهان في "تعليق القاضي الحسين" وغيره. ولو أدى اجتهادهم إلى جهة واحدة، جاز أن يقتدي بعضهم ببعض، فلو تغير اجتهاد المأمومين في أثناء الصلاة دون الإمام، [و] قلنا: يمضون على موجب الاجتهاد الثاني- نَوَوْا مفارقته، وهي مفارقة بعذر، وفيها ما ستعرفه من الخلاف في البطلان. ومنهم من يقول: إنها مفارقة بغير عذر؛ لأنهم مفرطون في الاجتهاد. وإن تغر اجتهاد الإمام دونهم، نووا مفارقته أيضاً. ومنهم من يقول: الحكم في البطلان كما في المسألة قبلها. ومنهم من قال: الصحيح أنهم يبنون على صلاتهم قولاً واحداً؛ لأنهم معذورون في ذلك؛ [لأنهم] لا يمكنهم أن يتحفظوا من اجتهاد الإمام؛ قاله القاضي الحسين، والله أعلم.

стр. 1001

باب صفة الصلاة هذا الباب مسوق لبيان صفة الصلاة الكاملة الشاملة للفرض والسنة، وتفصيل ذلك يأتي في الباب بعده، وقد تعرض في هذا الباب [إلى] ما ليس بصفة للصلاة، بل هو صفة لبعض المصلين كما سنبينه. قال: إذا أراد الصلاة، قام إليها، أي: القادر على القيام، وقعد العاجز عنه، القادر على القعود، ونحو ذلك، بعد فراغ المؤذن من الإقامة؛ لأن الإقامة بجملتها إعلام، وإنما يثبت حكمها في الإجابة إلى المدعو بعد التمام؛ [لأنه قبل التمام] مشغول بالإجابة، كما تقرر في موضعه، وهذا ما حكاه البندنيجي قبل [باب] صلاة المسافر عن نصه في "الأم"،ولفظه: "ووقت القيام إلى الصلاة وقت الافتتاح بعد فراغ المؤذن من كمال الإقامة بكل حال". [وقال الماوردي في باب الأذان: إن هذا في [حق الشاب] السريع النهضة، فأما الشيخ البطيء النهضة، فينبغي أن يقوم عند قوله: "قد قامت الصلاة"، والجمهور على عدم التفصيل]. فإن قيل: كيف يصح قول المؤذن: "قد قامت الصلاة" قبل عقدها؟ قيل: المراد: قد قارب قيامها، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٤]، وقوله-﵇: ["من وقف بعرفة فقد تم حجه" أي: قارب التمام، وكذا

стр. 1002

..............................................................

стр. 1003

..............................................................

стр. 1004

قوله- ﵇] لابن مسعود لما علمه التشهد:"إذا قلت هذا فقد تمت صلاتك"، وأراد مقاربة التمام. وبعضهم قال: قيام الصلاة عَرْضُ مراتب الثواب ببذل الدخول فيها على ذوي الرغبات، كما يقال: قامت السوق عند الأخذ في النداء والعرض وإن [لم] يجر عقد، والعرض حاصل بالشروع في الإقامة. ومن قول الشيخ: "بعد فراغ المؤذن من الإقامة" يُعرَف أن مراده بالصلاة: الصلاة المفروضة إذا أقيمت في جماعة؛ إذ هي التي تشرع لها الإقامة. فرع: من دخل المسجد والمؤذن في الإقامة- قال الشيخ أبو حامد-: المستحب أن يقعد ثم يقوم إلى الصلاة؛ ليكون قيامه خالصاً للصلاة. قال القاضي الحسين: والذي عندي أن المستحب أن يدوم قائماً حتى يفرغ المؤذن من الإقامة، ولا يقعد؛ ليحوز فضيلة الانتظار للعبادة، ولأنه إذا قعد فقد ترك تحية المسجد، والسنة ألا يشتغل بشيء بعد حصوله في المسجد حتى يصلي تحية المسجد. قال: ثم يسوي الصفوف إن كان إماماً [أي: بأن] يقول-ملتفتاً يميناً وشمالاً-: أقيموا صفوفكم، [أو سووا صفوفكم] رحمكم الله؛ لما روى أنس قال: أقيمت الصلاة، فأقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه، فقال: "أقيموا صفوفكم وتراصوا، فإني أراكم من وراء ظهري" أخرجه البخاري.

стр. 1005

وقال ﵇: "سووا صفوفكم؛ فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة" أخرجه البخاري ومسلم. وقد كان لعمر قوم موكلون بتسوية الصفوف، فإذا رجعوا إليه كبر. وهذا والذي قبله من السنن المختصة ببعض المصلين: أما الأولى؛ فلأنها تختص بمن يصلي في جماعة، ولم يكن مؤذنا، وأما الثانية؛ فلأنها تختص بالإمام، ولما كانا كذلك لم يذكرها الشيخ في الباب بعده؛ لأنه مرسوم لبيان ما يشترك فيه كل مصل، وإنما قلنا: إنه سنة؛ لأنه هيئة في سنة؛ فلا يزيد عليه. وقد ذهب بعض أصحابنا كما قال الروياني في "تلخيصه"- إلى أنه يسوي الصفوف في آخر الإقامة، فإذا فرغ المؤن منها كبر، وهو خلاف النص. قال: ثم ينوي المصلي الصلاة بعينها إن كانت الصلاة مكتوبة أو سنة راتبة، فإن كانت نافلة غير راتبة أجزأته نية الصلاة. هذا الفصل يشتمل على شيئين: أحدهما: إتيان المصلي بالنية، والأصل فيه قبل الإجماع من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، قال الماوردي: والإخلاص في كلامهم هو النية. ومن السنة قوله-﵇: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما [لكل امرئ] ما نوى"، أخرجه مسلم. ومن جهة المعنى: أن الصلاة قربة محضة، فلم تصح من غير نية؛ كالصوم، والنية قد تقدم شرحها في [باب] صفة الوضوء، وشرطها: العلم بالمنوي؛ إذ لا يصح قصد الشيء ما لم يعرف، فلو نوى الشخص الصلاة، ولم يعرفما يفعل فيها، لم تصح.

стр. 1006

نعم: لو عرف جملة أفعالها، لنكه اعتقد أن جميعها فرض، صحت. قال في "التتمة": لأن النفل يتأدى بنية الفرض. وفيه وجه: أنها لا تصح، حكاه البغوي. وادعى القاضي الحسين في أول "تعليقه": أنه المذهب [الصحيح]، وهو مستمد –كما قال غيره-مما إذا تحرم بالظهر قبل الزوال. ولو عرف جملة أفعالها، لكنه لم يعرف أبعاضها وأركانها وسننها وهيآتها، فهل تصح؟ فيه وجهان في "تعليق القاضي الحسين": أحدهما: لا، كما لو جهل فرضية أصل الصلاة، وهذا ما حكى في "الروضة" القطع به، وعزاه إلى القاضي الحسين والمتولي والبغوي. والثاني: نعم؛ لأن هذا مما يشتبه على العوام، ويخفي على أكثر الناس، ولو لم تصح صلاتهم أدى ذلك إلى الفساد، بخلاف الجهل بفرضية أصل الصلاة؛ فإنها لا تخفى إلا على حديث عهد بالإسالم. وعن "فتاوي الغزالي": أنه يصح بشرط إلا يفعل ما هو فرض بقصد النفل، فإن فعله بذلك لم يعتد به، وإن غفل عن التفصيل أجزأه. ومحل النية القلب -[قيل]-: ولأجل ذلك سميت: نية؛ لأنها تفعل بأنأى عضو في الجسد، وهو القلب، والله أعلم. الثاني: ما ينوي من الخصوصيات، والعلة فيه: أن النية شرعت؛ لتمييز رتب العبادات من العادات، أو تمييز رتب العبادات، والصلاة [مراتب]: فرض، وسنة مقيدة، وسنة مطلقة؛ فلذلك احتاجت الصلاة المكتوبة، والسنة المقيدة-التي عبر عنها الشيخ بالراتبة- إلى التعيين، وكفى في النافلة المطلقة نية الصلاة؛ لأن بها يتحقق كون الفعل قربة، ولا خصوص لها يفتقر إلى أن يخصه بالقصد.

стр. 1007

وحينئذ فينوي في المكتوبة فعل الظهر، والعصر، ونحو ذلك. [ولا فرق بي أن يكون بالغاً أو صبياً، كما حكاه ابن الصباغ قبل صفة الصلاة]. ولا يقوم مقام ذلك نية فرض الوقت على أصح الوجهين في "التهذيب"؛ لأن من قضى فائتة في قوت الظهر والعصر ونحوها، كانت فرض ذلك الوقت؛ لقوله-﵇: "فإن ذلك وقتها لا وقت لها غيره". ووجه مقابله: أن الحالة تصرف فعله إلى الأداء، دون القضاء. وفيما ينويه في الجمعة كلام يأتي في بابها. وينوي في السنة الراتبة في صلاة عيد الفطر سنة عيد الفطر، وفي عيد الأضحى: سنة عيد الأضحى، وفي الوتر عند إتيانه بالركعة المفردة: الوتر، وفيما ينويه عند إتيانه بالشفع قبلها خلاف يأتي في موضعه، وفي ركعتي الفجر: سنة الفجر، أو سنة الصبح، وقبل الظهر وبعده: [سنة الظهر]، وكذا قبل العصر: سنة العصر، ونحو ذلك، وفي رمضان: قيام شهر رمضان، وعند الضحى: ركعتي الضحى أو سنة الضحى، وفي النافلة المطلقة ينوي فعل الصلاة فقط. وقد اقتضى كلام الشيخ أموراً: أحدها: أنه لايحتاج مع تعيين المكتوبة-كما ذكرنا-إلى شيء آخر، سواء كانت المكتوبة أداء أو قضاء، أتى بها في وقت مكتوبة أخرى، أو في مثل وقتها، وهو وجه للأصحاب، ورواءه وجوه: أحدها-قاله أبو إسحاق المروزي-: أنه لابد مع التعيين في القضاء والأداء من وصف الصلاة بكونها فرضاً؛ لتتميز عن صلاة الصبي والصلاة المعادة في جماعة، وقد حكاه الإمام عن صاحب "التلخيص" أيضاً، وقال الرافعي: إنه الأظهر عند الأكثرين [قال الرافعي عند الكلام في نية الوضوء] وهو يجري في سائر العبادا، -أي: المفروضة-والبندنيجي والماوردي وغيرهما قالوا: إنه لا يجري في الحج

стр. 1008

والعمرة والطهارة؛ لأنه لو غير ذلك إلى نفل لانعقد بالفرض دون النفل، وقد حكاه الإمام ونسبه إلى العراقيين، ولم يحك غيره. قال في "التتمة": وعلى هذا إذا نوى فرض صلاة الظهر أجزأه، وإن نوى فرض الظهر، فوجهان: وجه المنع: أن الظهر اسم للوقت، لا للعبادة، وكلام غيره يقتضي الجزم بمقابله. وما أفهمه كلام الشيخ من عدم اشتراط التعرض [للفرضية]، قد قال ابن أبي هريرة: وهو الأصح في "تلخيص الروياني"، والمختار في "المرشد". ووجهه: أن الظهر ونحوه من المكلف الذي هو مخاطب بفعله، لا يكون إلا فرضاً، وحينئذ فقد تضمنت نيته الفرضية؛ فلا حاجة للتعرض لذلك قصداً، وصلاة الصبي حجة لنا؛ لأن الشافعي نص على أنه إذا صلى في أول الوقت، وبلغ في آخره أجزأه وإن لم ينو الفرض. ومن يعيد الصلاة في جماعة، ينوي الفرضية على الصحيح -كما قال الرافعي من بعد- فلا حاجة [إلى] الاحتراز عنه. قال بعضهم: ووجه أبي إسحاق يجري في صلاة الجنازة والمنذورة؛ إن قلنا: [إنه] يسلك بهما مسلك واجب الشرع، ومثلهما يأتي في التعرض في النافلة

стр. 1009

الراتبة للنفلية، وعليه دل اختلاف كلام الناقلين كما قال الرافعي، وقد اعترض على قول أبي إسحاق فقال: إن عني بالفريضة في هذا المقام كونها لازمة على المصلي بعينه، وجب ألا ينوي الصبي الفريضة بلاخلاف، والأئمة لم يفرقوا بين الصبي والبالغ، بل أطلقوا الوجهين. وأيضاً: فإنهم قالوا فيمن صلى منفرداً، ثم أدرك جماعة [يصلون: الصحيح] أنه ينوي بالثاني الفرض، وهو غير لازم عليه. وإن عني كون الصلاة من الصلوات اللازمة على أهل الكمال [فمن ينوي الظهر أو العصر [فقد] تعرض لأحد الصلوات اللازمة على أهل الكمال]، وكونها [ظهراً] أخص من كونها صلاة لازمة عليهم، والتعرض للأخص يغني عن التعرض للأعم. وإن عني بالفريضة شيئاً آخر، فليلخصه أولاً، ثم يبحث عن لزومه. قال: وبهذا كان التعرض للصلاة مغنياً عن التعرض للفريضة ونحوها من الأوصاف، والله أعلم.

стр. 1010

الوجه الثاني: قاله الشيخ أبو حامد وغيره: أنه لابد من التعرض في الأداء [للأداء]، وفي القضاء للقضاء؛ لتميز أحدهما عن الآخر؛ فإن لكل واحد منهما رتبة عند الله تعالى. وبعضهم ينسب إليه وجوب التعرض للقضاء، ويسكت عن التعرض للأداء، وقد حكاه البندنيجي هكذا عن نص الشافعي في "الأم"، ولم يحك غيره. وادعى الإمام أن ذلك في الحالين أصل متفق عليه، ولا جرم لم يورد في "الوسيط" غيره. وما اقتضاه كلام الشيخ هو ما اختاره القاضي أبو الطيب وصاحب "المرشد"؛ [لأنه] إذا نوى الظهر مثلاً، فقد نوى صلاة وقت بعينه فكيفما وقع قضاء أو أداء أجزأه، ويشهد له أن الشافعي نص في المجتهد في وقت الصلاة والأسير في رمضان إذا وافق فعلهما ما بعد الوقت، أجزأه عن القضاء وإن كان قد نوى الأداء، وكذا نص فيمن ظن خروج الوقت؛ فنوى القضاء، ثم بان أن الوقت باق- يجزئه عن الأداء وقد نوى القضاء. ولو كان تعيين الأداء والقضاء شرطاً، لما اغترف عند

стр. 1011

الجهل؛ كتعيين الصلاة ظهراً أو عصراً. قال الروياني في "تلخيصه": وعلى الوجهين يتخرج ما لو كان عليه [ظهر] قضاء، فأحرم في وقت الظهر بأربع ركعات نوى بها الظهر، ثم صلى ثانياً أربع ركعات نوى بها الظهر- فعلى رأي الشيخ أبي حامد: لا تجزئه واحدة منهما، وعلى رأي القاضي: تجزئه عنهما. ومن رأى من الأصحاب أن خلاف الشيخ أبو حامد خاص بالقضاء، قال في هذه الصورة: تقع الصلاة الأولى عن فرض الوقت؛ لأن الحالة تصرفها إليه، والثانية لم تصح؛ لعدم التعرض للقضاء. قال في "الشامل": ويرد على ما قاله القاضي: أنه لو كان عليه فائتة الظهر، فصلى الظهر قبل الزوال، وهو يعتقد أن الوقت قد دخل، ولم يكن قد دخل- فإن قياس قوله: أن تجزئه عن فائتة الظهر. يعني: وهي لا تجزئه، بل تنقلب نفلاً، كما ستعرفه. والماوردي جزم القول بأنه إذا كان عليه صلاة ظهر فائتة وصلاة الوقت، فأوقع أربع ركعات بنية الظهر- لا تصح ما لم ينو ظهر يومه أو القضاء. ثم القائلون بطريقة أبي حامد اختلفوا فيما ينويه عند أداء فرض الوقت: فمنهم من قال: ينوي أداء الظهر أو أداء فرض الظهر، إن اعتبرنا نية الفريضة أيضاً، وهو ما حكاه الشيخ أبو محمد عن القفال. ومنهم من قال: [إنه] لابد أن ينوي الظهر فرض الوقت؛ لأنه قد يعبر بالأداء عن القضاء؛ فإنك تقول: أديت الدين؛ إذا قضيته. وقال الإمام: إن من اعتقد مثل هذا خلافاً، فليس على بصيرة في الإحاطة بالغرض؛ لأن الألفاظ ليست مجزئة في غرضنا، والمقصود العلوم بالصفات، فإذا حصلت العلوم بحقائق صفات المنوي، فهو الفرض، ثم يقع تجريد القصد إلى ما أحاط به العلم، وإذا لاح هذا فالتناقش في العبارات تخييل خلاف لا حاصل له، ومن هاهنا صح للرافعي سؤال على أصل مقصود في نفسه له تعلق

стр. 1012

بما نحن فيه، وهو أن القضاء: هل يصح بنية الأداء، والأداء هل يصح بنية القضاء؟ فيه وجهان حكاهما المتولي تبعاً للقاضي الحسين: أحدهما: لا؛ لما بينهما من التغاير. وأصحهما: عند الأكثرين- كما قال الرافعي-: الجواز؛ لأن الأداء يعبر به عن القضاء- كما ذكرنا- والقضاء يعبر به عن الأداء، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠] أي: أديتموها. قال المتولي: وهذا ظاهر نصوص الشافعي، وذكر ما حكيناه من الاستشهاد لقول القاضي أبي الطيب من قبل. قال الرافعي: ولك أن تقول: الخلاف في أن نية الأداء [هل تشترط في الأداء؟] [ونية القضاء] هل تشترط في القضاء-منقدح، والخلاف في أن الأداء يصح بنية القضاء، وبالعكس، إن عنيت به ما إذا تعرض في الأداء لحقيقته، ولكنه جرى في قلبه أو على لسانه لفظ القضاء، وفي القضاء تعرض لحقيقته، ولكنه جرى في قلبه أو على لسانه لفظ الأداء-فينبغي أن يقطع بالصحة؛ لأن الاعتبار في النية بما في الضمير ولا عبرة بالعبارات. وإن عنيت به ما إذا تعرض في الأداء لحقيقة القضاء، وفي القضاء لحقيقة الأداء- فلا ينبغي أن يقع نزاع في المنع؛ لأن قصد الأداء مع العلم بخروج الوقت، والقضاء مع العلم ببقاء الوقت هزو وعبث؛ فوجب ألا ينعقد به [الصلاة]؛ كما لو نوى الظهر ثلاث ركعات أو خمساً. وإن عنيت به أمراً آخر فبينه. قلت: وهذا السؤال متجه، ولا يقال: إن ذكره إنما يتم إذا كان صورة محل الخلاف فيمن تعمد ذلك مع العلم بالوقت.

стр. 1013

وكلام المتولي يقتضي أن محله إذا جزم به مع ظنه بقاء الوقت أو خروجه؛ ألا تراه قال: إن وجه الصحة هو ظاهر النص؛ لأجل ما ذكره الشافعي في مسألة الأسير [ونحوها، بل يتعين [أن يكون محله ما إذا فعل ذلك مع العلم ببقاء الوقت] أو خروجه، وألا لزم أن يكون في مسألة الأسير] خلاف في الصحة، ولا قائل بعدم الصحة فيها، وإنما الخلاف بين الأصحاب في أن ما يفعله خارج الوقت باجتهاده هل يكون قضاء أو أداء؟ نعم: قد يقال في الجواب: إنهم عنوا الحالة الأولى، وهي ما إذا أراد شيئاً فسبق لسانه إلى غيره، وسنذكر خلافاً في أن التلفظ بما يجب أن ينويه في الصلاة هل يجب قبل تكبيرة الإحرام أم لا؟ فإن قلنا: لا يجب؛ فلا وجه لإجراء الخلاف كما قال. وإن قلنا: يجب وإن نية الأداء والقضاء لابد منهما، فحينئذ ثار الخلاف: فمن قائل: لا يجزئه؛ لأنه لم يتلفظ [بما وجب عليه أن ينويه، وهو شرط. ومن قائل: إنه يجزئه]؛ لأن أحد اللفظين يعبر به عن الآخر؛ فكأنه نطق به، ولما كان الصحيح عدم اشتراط النطق بالمنوي، كان الصحيح صحة القضاء بنية الأداء والعكس، والله أعلم. ثم الخلاف الذي حكيناه عن الشيخ أبي حامد والقاضي في المكتوبة جار في السنة الراتبة [كما قاله الأصحاب. [قلت:] ولعل ذلك تفريع منهم على] القول بأنها تقضي، أما إذا قلنا: لا تقضي، فيظهر أنه لا يحتاج إلى التعرض للأداء؛ إذ لا شيء غيره حتى يحترز عنه. الثالث -قاله ابن القاص-: أنه لابد من التعرض إلى الإضافة إلى الله تعالى، وقد توجه بقوله تعالى: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى* إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١٩، ٢٠]. وجه الدلالة [منه]: أنه أخبر أن المجازاة لا تقع بمجرد الفعل حتى يبغي به

стр. 1014

الفاعل وجه الله تعالى بإخلاص النية؛ وهذا الوجه قال الغزالي في باب صفة الوضوء: إنه يجري في سائر العبادات. ووجه ما أفهمه كلام الشيخ وهو اختيار الأكثرين كما قال الرافعي: أن العبادة من مسلم لا تكون إلا لله تعالى، ومصداق ذلك قول الشافعي حين لم يشترط التسمية على الذبح: "اسم الله تعالى على قلب المسلم سمى أو لم يسم". الرابع -قاله بعض الأصحاب-: أنه لابد من التعرض لعدد الركعات، وبعضهم أضاف إلى ذلك التعرض لاستقبال القبلة، وجعل ذلك وجهاً واحداً. والفوراني ومن تبعه جزم القول بأن التعرض لعدد الركعات لا يجب، وحكى وجهاً في وجوب التعرض للاستقبال، وغلطه الإمام فيه، والفوراني نفسه استبعده، وهو مع ضعفه جار في النافلة [الراتبة]، وكذا يجري الوجه لوجوب التعرض للاستقبال فقط في النافلة المطلقة. الخامس- قاله [أبو] عبد الله الزبيري من أصحابنا، كما قال الماوردي وغيره-: أنه يشترط النطق بما ينويه في كل صلاة؛ ليساعد اللسان القلب؛ أخذاً من قول الشافعي: "ومن نوى حجا أو عمرة، [أجزأه] وإن لم يتلفظ به، وليس كالصلاة". قال البندنيجي: وهذا إنما يتصور إذا نطق قبل التكبير، ثم كبر ناوياً. وقد اتفق الأصحاب على تغليطه؛ فإن مراد الشافعي: أن الحج والعمرة لا يتوقف انعقادهما على النية والتكبير. نعم: يستحب أن يساعد اللسان القلب. ولا خلاف أنه لا يشترط التعرض لليوم في الصلاة، فلو تعرض له فإن كان في القضاء مثل أن نوى ظهر يوم الخميس [مثلا]، فكان عليه ظهر يوم غيره، لا يجزئه، ولو كان ذلك في الأداء فقال: أصلي ظهر اليوم يوم كذا، وكان غيره-لا يضر ذلك؛

стр. 1015

لأن تعيين الوقت من الصلاة. قال في "التتمة": فإذا عرفت ما ذكرناه، عرفت أن الحالة الكاملة في المكتوبة: أن ينوي صلاة الظهر أداء فرضاً أربع ركعات مستقبل القبلة لله تعالى، [وينطق بذلك قبل] والتكبير. الأمر الثاني: أنه يكفي في تحية المسجد وصلاة الكسوف [والخسوف] والاستسقاء وركعتي الإحرام وركعتي الطواف إذا لم نقل بوجوبهما، ونحو ذلك: نية الصلاة؛ لأنها نافلة غير راتبة؛ فإن الراتب ما كان له وقت معلوم: كتوابع الفرائض، والعيد، والضحى، وقيام رمضان، وهذه الصلوات لا وقت لها، وهذا يظهر لك من قول الشيخ في باب صلاة التطوع: "ومن فاته من هذه السنن الراتبة شيء قضاه في أصح القولين". ولا شك في أن تحية المسجد تحصل بمطلق نية الصلاة؛ لأن المقصود منها شغل البقعة قبل الجلوس بصلاة كيف كانت، وقد حصل، وأما ما عداها [مما ذكرناه] ونحوه فلا يحصل مقصوده ما لم يعين الصلاة، [فينوي سنة] صلاة كسوف الشمس، وخسوف القمر، والاستسقاء، وركعتي الإحرام، وركعتي الطواف، كما ينوي ركعتي الفجر، صرح بذلك الأصحاب. وحينئذ فالعبارة السديدة في ذلك أن يقال: وينوي الصلاة بعينها إن كانت الصلاة مكتوبة أو نافلة مقيدة، وإن كانت نافلة غير مقيدة أجزأته نية الصلاة، وهي عبارة ابن الصباغ، وقد أبدى لنفسه احتمالاً في بعض الرواتب، فقال: "عندي أن السنن التابعة للفرائض لا تفتقر إلى [تعيين النية؛ لأن فعلها قبلها وبعدها يعينها. نعم: ركعتي الفجر لابد فيهما من] التعيين؛ فإنها تفعل سابقة للصلاة في أول طلوع الفجر وإن صلى الفرض في آخره، وكذا يصليها-أيضاً- بعد الفريضة إذا تركها. وهذا الاحتمال أقامه الروياني في "تلخيصه" وجهاً في المسألة. ولا جرم حكاه

стр. 1016

الرافعي وجهاً عن الأصحاب، ولم ينسبه لأحد، وهذا لا وجه له، فإن فعل الصلاة نفلاً مطلقاً قبل فعل الظهر وبعده وقبل صلاة العصر وبعد صلاة المغرب والعشاء -جائز، فكيف ينصرف ما أتى به بنية الصلاة المطلقة إلى الراتب، خاصة ونحن لا نكتفي في صوم رمضان بمطلق نية الصوم وإن كان الوقت لا يقبل غيره؛ لاحتمال أن ينوي غيره؛ فلا يصح واحد منهما، فكيف بك هاهنا مع أن غير السنة الراتبة تصح فيوقتها. وما فرق به بين الفجر وغيره من الرواتب لا يصلح أن يكون فارقاً؛ لأن سنة الظهر التي [قبله كركعتي] الفجر يجوز فعلها [بعده]، وعلى ما ذكره يقتضي أن تكون ركعتا الفجر عند إطلاق نية الصلاة أولى بالحصول؛ لأن [فعل النفل] المطلق قبل الصبح وقبل صلاة الفجر لا يجوز على وجه ادعى هو: أنه ظاهر المذهب، وبعد صلاة الصبح لا يجوز بلا خلاف؛ فكان حمل مطلق الصلاة في هذين الوقتين على ما يسوغ- وهو ركعتا الفجر- أولى من حملها على النفل المطلق؛ فإن الغالب من المتعبد قصد ما ليس بمكروه. الأمر الثالث: أنه في النافلة غير الراتبة إذا أتى بالنية المطلقة فعل ما شاء، وهو الصحيح من المذهب، ولم يحك القاضي الحسين غيره. وعن الشيخ أبي محمد: أنه يصلي أربع ركعات وما دونها، وفي الزيادة عليها تردد. وقيل: يقتصر على ركعتين. وقيل: بل على ركعة؛ لأنها أقل صلاة عندنا. وما عدا الأول ليس بشيء؛ لأنه مع تعيين عدد الركعات له أن يبلغها ما شاء، وكذا عند الإطلاق. نعم: إن كان المخالف يقول: إنه عند إطلاق النية إذا نوى في

стр. 1017

أثناء الصلاة أن يبلغها [أكثر ما] له الاقتصار عليه يجوز أن يفعله كما قلنا عند تعيين العدد، فلما قاله وجه. قال الإمام في كتاب الاعتكاف: والقياس الأول، وهو ما رأيت لشيخي القطع به، والله أعلم. قال: وتكون النية مقارنة للتكبير، لا يجزئه [غير ذلك]. هذا الفصل يتضمن حكمين: أحدهما: أن التكبير لا تنعقد الصلاة بدونه، والدليل عليه قوله ﵇ للمسيء في صلاته: "إذا قمت إلى الصلاة فكبر" رواه البخاري ومسلم، وسنذكر [تتمته]، وقوله ﵇: "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم" رواه أبو داود.

стр. 1018

قال الترمذي: وهو أصح شيء روى في هذا الباب. ووجه الدلالة منه: أن ظاهره للحصر؛ فإن العرب تفرق في لغتها بين قول القائل: زيد صديقي وبين قوله: صديقي زيد، في اقتضاء حصر الصداقة في [زيد في] الصورة الثانية دون الأولى، ونظير قولهم في الأولى، ونظير قولهم في الأولى: "التكبير تحريمها"، ونظير قولهم في الثانية: "تحريمها التكبير". والفرق من حيث المعنى: أن المبتدأ ينبغي أن يكون معلوماً للسامع؛ ليصح أن يسند إليه من الخبر ما لعله مجهول للسامع، فالمبتدأ معتمده البيان، والخبر معتمده الفائدة، فإذا قلت: "زيد صديقي" فـ"زيد" معلوم، والصداقة في زعم المخبر هي المجهولة للسامع، فأثبتها له بخبره، وإذا قلت: صديقي زيد، فالصداقة معلومة، والمجهولمحلها، فإذا كان محلها زيداً وغيره، [لم] يحسن الاقتصار على زيد، وهذا معنى ما أبداه الإمام. قال بعضهم: وتمام التقريب فيه: أن المبتدأ لا يصح أن يكون أعم من الخبر، فلو كانت الصداقة ثابتة لزيد وغيره، لكان أعم، ولا يصدق مع العموم كقولك: الحيوان إنسان، وكذلك تحرمي الصلاة لو صح بغير التكبير، لكان التحريم ثابتاً معه وبدونه، فيكون أعم من خبره، ولا يقال: إنا نجعل "تحريمها" خبراً مقدماً، والمبتدأ هو "التكبير"، وحينئذ يكون الخبر هو الأعم؛ لأن المبتدأ والخبر متى كانا بحيث يصح أن يكون كل واحد منهما خبراً عن الآخر: كقولك: زيد أخوك، وأخوك زيد- فإنه يجب فيه حفظ الترتيب؛ دفعاً للبس، وما نحن فيه كذلك. و [الحكم] الثاني: بيان زمان النية في الصلاة، ودليله: أن التكبير أول أفعال العبادة؛ فيجب أن تكون النية مقارنة له؛ كما في الحج وغيره، وخالف هذا الصوم؛ لأنه يدخل فيه بغير فعله؛ فتشق مراقبة أوله، ولا كذلك الصلاة؛ فإنه يدخل فيها بفعله؛ فلا تشق عليه المراقبة، ولا ترد الزكاة والكفارة حيث جوزنا تقدم النية عليهما على وجه؛ لأن [النيابة تجوز فيهما؛ لمشقة تولي ذلك بالنفس، وحينئذ لم

стр. 1019

يكن بد من تقديم النية عليهما؛ لأن] في اتفاق إجرائها على نية الموكل تغريراً بماله؛ فلهذا أجزنا تقديم النية. فإن قيل: قد جوزتم النيابة في الحج، ولم تجوزوا تقدم النية. [قلنا: في الحج العبادة فعل النائب، وذلك لا يكون عباد إلا بالنية]، وإذا لم ينو عن غيره وقع عن نفسه؛ فاعتبرت نيته عن المنوب عنه، وهاهنا إنما الواجب هو المال، وهو مال المنوب عنه. ولأن الحج ليس فيه تغرير بماله، بخلاف الزكاة. ثم مقارنة الشيء للشيء تكون حقيقة إذا انطبق أوله على أوله وآخره على آخره، وقد قال بذلك بعض الأصحاب هاهنا فاشترط أن يكون أول النية مع أول التكبير، وآخرها مع آخره؛ أخذاً بظاهر قول الشافعي: "وينوي صلاته مع التكبير لا قبله ولا بعده"، وهذا ما حكاه الإمام عن شيخه وغيره. [و] قال الفوراني والمسعودي: إنه قول المتقدمين من مشايخنا، ولم يورد الغزالي في "الخلاصة" غيره، وهو ظاهر كلام الشيخ، وعبارة بعضهم في حكاية ذلك: أنه لو وزع النية على حروف التبكير فقرن أولها بأوله وآخرها بآخره جاز. قال الروياني في "تلخيصه": وهذا قول أصحابنا المتقدمين. والمذهب الصحيح: أنه لا يجوز ذلك، وكذا قاله القاضي الحين، وهو المحكي في "الإبانة" عن القفال، لكن بين القاضي والقفال اختلاف في علة عدم الجواز: فالقاضي يقول: إنما لم يجز ذلك؛ لأنه حينئذ يفتتح التكبير، ولم يوجد منه جميع النية؛ فقد خلا بعض التكبير وهو من أركان الصلاة عن النية الكاملة؛ فلا يجوز، كما لو نوى بعد التكبير. والقفال قال: لأن النية ليست شيئاً يمتد، أي: حتى يكون لها وسط وأول وآخر وجريان في الضمير على ترتيب، وإنما هي قصد واقع في آن أو لحظة واحدة لا يتصور بسطها.

стр. 1020

نعم: الفعل المنوي قد شرطنا أن يكون الناوي حال النية عالماً به وبصفاته، وحصول العلوم بذلك يكون واقعاً في أزمنة في العادة، فإذا حضرت في الذهن، ولم يقع الذهول عن أوائلها توجه القصد إلى العلوم بصفاتها في لحظة واحدة، بلا ترتيب ولا استرسال. وما قاله القفال حسن لا شك فيه، وعلى هذا قول الشافعي: "لا قبله ولا بعده" محمول على ما إذا نوى قبل التكبير، [واستحضر ذلك [ذكراً] إلى أن فرغ من التكبير]؛ صرح بذلك الشيخ أبو علي السنجي، وأبو منصور بن مهران شيخ أبي بكر الأودني، وغيرهما، واختاره القاضي الحسين والمسعودي والفوراني، وإنما كان كذلك حذراً من أن يتأخر أول النية عن أول التكبير. وقولنا: يستحضر ذلك ذكراً، [احترزنا به] عما إذا استصحب ذلك حكماً؛ فإنه لا يكفي، وإنما يكتفي به بعد الفراغ من التكبير إلى آخر الصلاة. وقد وافق هؤلاء القفال على اشتراط تقديم النية على أول التكبير، خالفهم في اشتراط استصحابها إلى آخره، وقال: يكفي أن يكون مستحضراً لها في أوله، ولا يضر
следующие страницы →