← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

كفاية النبيه شرح التنبيه الجزء الثالث المحتوى تتمة كتاب الصلاة

стр. 947

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ باب استقبال القبلة سميت [القبلة] قبلة؛ لأن المصلي يقابلها وتقابله، وهي الكعبة، روى البخاري عن ابن عباس أن النبي ﷺ ركع [في] قُبُل البيت [ركعتين]، وقال:"هذه القبلة"،

стр. 948

وسميت-: كعبة؛ لارتفاعها عن الأرض، ومنه كعبة الرجل.

стр. 949

وقيل: سميت بذلك؛ لاستدارتها وعلوها، وقد بنيت خمس مرات، آخرها بناية الحجاج، وسنوضح ذلك في" [باب] صفة الحج" إن شاء الله تعالى. وهي المسجد الحرام، قال الله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٩٧]، وقد كان النبي ﷺ لما فرضت الصلاة بمكة يستقبل بيت المقدس؛ كما قاله المتولي وغيره. وقال الإمام: إنه كان يستقبل الصخرة من بيت المقدس؛ فإنها قبلة الأنبياء قبله، وهذا مروي عن الزهري، ولم يوجد له إسناد صحيح، ومشهور: أن إبراهيم-﵇-كانت قبلته الكعبة، وكذا إسماعيل-﵇-يدل عليه قوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة:١٢٥]. واختلف العلماء [وكذلك أصحابنا] في أنه-﵇[كان] يستقبل ذلك برأيه واجتهاده أو عن أمر من ربه على قولين: ووجه الأول-قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. ووجه الثاني: قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْه﴾ [البقرة: ١٤٣]. نعم، هل [كان] ذلك بقرآن أو بغير قرآن؟ أفهم كلام الأصحاب خلافاً فيه، واستدل أبو الطيب على [أنه] كان واجباً بالقرآن بقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً﴾ الآية [يونس: ٨٧] وكان – ﵇-مدة مقامه بمكة يجعل الكعبة بينه وبينها، فيقف بين الركنين اليمانيين، ويستقبل الكعبة وبيت المقدس معاً؛ فيجمع في الاستقبال بين قبلة إبراهيم ﵇-وغيره من الأنبياء ﵈ فلما هاجر إلى المدينة لم يمكنه ذلك إلا باستدبار الكعبة؛ [لأن المدينة عن يسار الكعبة، فشق ذلك عليه، واختلف في سببه: فقيل: لأنه كان يحب أن يصلي إلى قبلة أبيه إبراهيم ﵇ وهو ما رواه

стр. 950

ابن جرير الطبري بإسناده عن ابن عباس. وقيل: لأن اليهود-لعنهم الله-قالوا: يخالفنا محمد، ويتبع قبلتنا، وهذا قول مجاهد. وبعضهم يقول: لأن اليهود-لعنهم الله-قالوا: يخالفنا محمد، ويتبع قبلتنا، وهذا قول مجاهد. وبعضهم يقول: لأن اليهود عيرته، وقالوا: هو على ديننا، ويصلي إلى قبلتنا. والأول أقوم، ثم الثاني إن صح فهو مثول بمعنى: أنه على ديننا في القبلة. ولما شق ذلك على النبي ﷺ سأل جبريل أن يسأل ربه أن يجعل قبلته الكعبة؛ فعرج جبريل لذلك؛ فكان النبي ﷺ يقلب وجهه في السماء؛ فأنزل [الله] عليه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية [البقرة:١٤٤] قال بعضهم: وكان بمسجد بني سلمة، وقد صلى بأصحابه ركعتين من الظهر، فتحول في الصلاة، واستقبل الميزاب فسمي ذلك [المسجد] بمسجد القبلتين. وقد جاء في البخاري ما يدل على أن ذلك [كان] قبل العصر؛ فإنه قال في حديث البراء: "وصلى، ثم خرج بعد ما صلى، فمر على قوم من الأنصار في صلاة العصر نحو بيت المقدس، فقال: هو يشهد أنه صلى مع رسول الله ﷺ وأنه نحو الكعبة". [لكن] روى مسلم عن البراء من طريق، [و] عن عبد الله بن عمر: بينما الناس في صلاة الصبح بقباء إذ جاءهم آت، فقال: إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، [وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة]. وهكذا رواه مالك، والشافعي، والترمذي، وقال:

стр. 951

"وانحرفوا وهم ركوع". وفي البخاري عن البراء: أن أول صلاة صلاها رسول الله ﷺ صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن صلى معه، فمر على أهل مسجد وهم ركوع، فقال: أشهد بالله لقد صليت [مع] رسول الله ﷺ قبل مكة، فداروا كما هم [قبل البيت]. والجمع بين هذه الرواية وما ذكرناه أولاً: أن تحمل هذه الرواية على أن أول صلاة صلاها كاملة إلى الكعبة صلاة العصر. وقد اختلف العلماء في أي شهر كان [ذلك]؟ فقيل: كان في رجب قبل بدر بشهرين. وقيل: بل في شعبان. وسبب ذلك اختلاف الرواية في مدة صلاته إلى بيت المقدس حين تحول إلى الكعبة، والذي جاء في مسلم أن ذلك ستة عشر شهراً، وفي البخاري ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، وروى أبو داود عن قتادة ثمانية عشر شهراً. وفي رواية شاذة عن معاذ بن جبل ثلاثة عشر شهراً. واتفقوا على أن ذلك في سنة اثنتين. قال ابن عباس: وأول ما نسخ من القرآن فيما [ذكر لنا]-والله أعلم- بيان

стр. 952

القبلة، والصيام الأول. وأول من صلى [إلى الكعبة]، وأوصى بثلث ماله، وأمر أن يوجه إلى الكعبة-البراء بن معرور. وقد دل كلام ابن عباس على أن استقبال بيت المقدس كان ثابتاً بالقرآن؛ فحينئذ يكون القرآن قد نسخ بالقرآن، ومن قال: إنه كان بالسنة من أصحابنا، قال: أصح قولي الشافعي: أن القرآن ينسخ السنة؛ كذا حكاه أبو الطيب وهو خلاف المنقول عنه في كتب الأصول. قال: واستقبال القبلة شرط في صحة الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، وسيأتي بيان معنى الشطر إن شاء الله تعالى، والاستقبال لا يجب في غير الصلاة؛ فتعين أن يكون [المراد] في الصلاة، ويدل عليه من السنة قوله-﵇-للمسيء في صلاته كما سنذكره في "باب فروض الصلاة": "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، واستقبل القبلة، وكبر"، فأمره بالوضوء، والاستقبال، والوضوء شرط إجماعاً؛ فكذلك الاستقبال. وقيل: إنه ركن، وليس بشرط، وسنذكر وجهه في "باب فروض الصلاة"، وسنذكر من كلام الأئمة في الباب ما يدل على أنه ليس بركن ولا شرط، [بل] واجب مع الذكر فقط.

стр. 953

قال: إلا في شدة الخوف، أي: عند التحام القتال والاضطرار إلى ترك الاستقبال، كما سنبينه في "باب صلاة الخوف"، نعم: لو قدر على أني صلي قائماً إلى غير القبلة، وراكباً إلى القبلة، صلى إلى القبلة راكباً، ولم يجز أن يصلي إلى غير القبلة قائماً؛ لأن استقبال القبلة أوكد من فرض القيام؛ أن فرض القيام يسقط في النافلة مع القدرة من غير عذر، بخلاف فرض الاستقبال. قال: وفي النافلة في السفر، أي: حيث لا يمكنه التوجه إلى القبلة، فإنه يصليها حيث توجه، أما إذا كان راكباً؛ فلقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]،وروى سعيد بن جبير عن ابن عمر أنه قال: نزلت هذه الآية في المتطوع خاصة حيثما [توجه بك] بعيرك. وروى الشافعي عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ يصلي على راحلته [في السفر] حيثما توجهت به. وروى بسنده عن جابر قال: رأيت رسول الله ﷺ وهو يصلي على راحلته النوافل في كل جهة.

стр. 954

وجاء أنه ﵇ كان يسبح على راحلته حيث كان وجهه يومئ برأسه، أخرجه البخاري ومسلم. قال مسلم: إلا أنه لا يصلي عليها المكتوبة. وقال البخاري: إلا الفرائض. وأما الماشي: فبالقياس على الراكب؛ لأن المشي أحد السفرين، وأيضاً: فقد استويا في صلاة الخوف؛ فكذا في صلاة النفل. والمعنى في جواز ذلك إلى غير القبلة في السفرين؛ كما قال الخضري-: أن بالناس حاجة إلى الأسفار، وهي مظنة المشاق، فلو شرط فيها الاستقبال، لترك الناس التنفل فيها، فعفي عنه؛ كما عفي عن القيام. [وعكس أبو زيد] ذلك، فقال: ولو لم يجز للناس ذلك، لترك الناس السفر؛ لاشتغالهم بأورادهم. قال القفال: فانظر إلى فضل [ما بين] الاعتقادين؛ فإن أبا زيد كان رجلاً زاهداً يقدم أمر الآخرة، والخضري كان مشغولاً بأمر الدنيا؛ فكان يصلي كما يصلي الفقهاء في العادة؛ فلهذا قدم أمر الدنيا، وهذا هو المشهور. وعن الصيدلاني: أنه لا يجوز صلاة العيد والاستسقاء والكسوف على الراحلة، أي: وإن قلنا: إنها سنة؛ لندرتها. تنبيه: الألف واللام في كلام الشيخ في "السفر" لا للمعهود-وهو السفر الذي يجوز فيه القصر-بل هما لتعريف الماهية؛ فإن السفر الطويل والقصير في هذه

стр. 955

الرخصة سواء عند العراقيين والماوردي؛ عملاً بقوله في "الأم": و"طويل السفر وقصيره سواء"، وهو أصح القولين عند المراوزة؛ لأن المعنى المجوز لترك الاستقبال المشقة اللاحقة [له] بسبب انقطاعه عن السفر، واستكمال النوافل، وهذا موجود في طويل السفر وقصيره؛ كالتيمم، وبهذا فارق القصر. والقول الثاني: أنه يشترط أن تبلغ مسافة القصر؛ لأنه تغيير ظاهر في الصلاة، وهو ترك استقبال القبلة؛ فهو حري بأن يشبه بالقصر وغيره من خصائص السفر الطويل، وهذا أخذوه من قوله في البويطي: "وقيل لا يتنفل على دابته إلا في سفر يقصر [في مثله] الصلاة". والعراقيون قالوا: هذا ذكره حكاية عن مذهب مالك، وليس قولاً له، وهو ظاهر اللفظ. وقال في "التتمة": إنه منصوص في القديم؛ وعلى هذا قال المراوزة: ويشترط أن يكون [له] صوب واحد، فراكب التعاسيف لا يترخص بهذه الرخصة؛ لفقد ذلك في حقه؛ لأنه الذي يستقبل تارة ويستدبر أخرى؛ إذ ليس له صوب ومقصد معين. نعم: لو كان لمقصده صوب، ولكن لم يسلك طريقاً معلوماً، فقولان. ثم المراد من السفر الذي هذا حكمه: السفر الذي لا يمكنه معه الاستقبال إلا بمشقة؛ يدل عليه قوله: "وإن كان ماشياً أو على دابة ... " إلى آخره، وحينئذ ينحصر في السفر في البر على الراحلة التي لا محمل عليها يمكن المصلي فيه الاستقبال ونحوه، وهي مقطَّرة، سائرة كانت أو واقفة، وكذا غير المقطرة إذا لمتنك طوعاً له، وبه صرح العراقيون، ومنه يظهر لك الحكم في مسألتين: أحداهما: أن سفر البحر لا يجوز إلى غير القبلة، بل يشترط فيه الاستقبال في جميع الصلاة، كما في الفرض، وبه صرح الأصحاب كافة، وخص الماوردي وصاحب "العدة" بما إذا لم يكن المتنفل مسير المركب، فإن كان سقط عنه

стр. 956

فرض التوجه وصلى إلى جهة مسيره، ثم غير المسير يجو له أن يصلي الفريضة فيها قائماً إن استطاع، واقفة كانت أو سائرة، وينحرف إلى جهة القبلة عند انحرافها في أثناء صلاته. ولو هبت ريح، فحولت السفينة، فتحول بها [وجه المصلي عن القبلة- لم تبطل صلاته. قال القاضي الحسين: وهذا بخلاف ما لو حول شخص وهجه عن جهة القبلة فنها تبطل]؛ لأن ذلك نادر، وهو في السفينة غالب. وغيره قال: أما إن أمال قاهر المصلي عن القبلة، فإن كثر بطلت صلاته؛ لأنه يندر، وإن قل فوجهان. قال الغزالي: وهذا بخلاف جماح الدابة؛ [فإن الظاهر] أنه إذا حدث ذلك لا تبطل صلاته؛ لأنه عام. وما ذكرناه من جواز إقامة الفريضة في السفر في البحر لا يختص بالسفر؛ بل يجوز لمن هو مقيم ببغداد وغيرها، وكذا في الزوارق-وهي المراكب اللِّطاف-إذا كانت مشدودة مع الوفاء بإتمام الشرائط والأركان وتحرك الزورق تصعداً أو تسفلاً كتحرك السرير وغيره تحت المصلي. نعم، لو كانت سائرة، فهل يصلي الفريضة فيها مع تمام الاستقبال والأفعال؟ قال الإمام: فيه تردد ظاهر واحتمال؛ فإن الأفعال تكثر بجريان الزورق، وهو قادر على دخول الشط وإقامة الصلاة، فليتدبر الناظر ذلك. الثانية: أن الراكب على ظهر بعير أو دابة أو بغل أو حمار، في كنيسة أو محمل ونحوهما على صفة يمكنه التوجه إلى القبلة، ويتسع له الركوع، والسجود بجبهته-يكون التوجه في حقه شرطاً، [وعليه ينطبق] قول البندنيجي: إن التنفل عليها كالتنفل في المركب. وحكى الماوردي والقاضي الحسين وجهاً آخر: أنه لا يلزمه ذلك؛ لأن فيه إضرار بركوبه.

стр. 957

وابن كج حكاه عن النص. وعلى هذا يكون كالراكب في غيره. وفي "حلية الشاشي": أن الأول هو الصحيح، ولا يجوز له أداء الفرض عليها في محمل ولا غيره وإن تمكن من القيام أيضاً؛ كما حكاه الشيخ أبو حامد، وفرق بينه وبين المركب حيث يجوز له إقامة الفريضة فيها: بأن السفينة لا اختيار لها؛ فلا يخشى فيها الانحراف عن جهة القبلة، وللبهيمة اختار، وتسير بنفسها؛ فلا نأمن الانحراف. والبغوي فرق: بأن سير الدابة منسوب إلى راكبها؛ بدليل أنه يجوز الطواف عليها، بخلاف السفينة؛ فإنها كالدار يقام فيها. وهذا فيه نظر؛ لأنه لو فرض سيل حول الكعبة حتى ركب شخص في شيء فيه وطاف، لم يظهر إلا صحة طوافه، وحينئذ فلا فرق. والقاضي الحسين فرق: بأن العادة جارية بأن الشخص يبقى في السفينة شهراً أو دهراً؛ فجعلت في حقه من البحر كالبيت من الدار في حق البري، وما جرت العادة بأن يبقى على ظهر الدابة أكثر من يوم أو نصف يوم. وهذه الطريقة لمي حك الإمام غيرها موجهاً لها بأن الدابة لا تراد للاستقرار، وهو معنى كلام القاضي. وطرد لأجل ذلك المنع في صلاة المكتوبة على الأرجوحة المربوطة بالحبال؛ فنها لا تعد في العرف مكان التمكن، وهو مأمور بالتمكن والاستقرار. وحكى ابن الصباغ عن القاضي أبي الطيب أنه قال: يجوز فعل الفريضة على الراحلة الواقفة إذا تمكن من تمام الاستقبال، والركوع والسجود والقيام؛ كما يجوز فعلها على سرير يحمله أربعة؛ وهذا ما جزم به القاضي الحسين، والبغوي، وغيرهما، وقالوا: لو كانت الدابة سائرة، فهل يجوز فعلها عليها؟ فيه وجهان. وقضية قياس القاضي الحسين على السرير: أنه لا خلاف فيه، والذي أورده [الإمام] فيه: المنع. والبغوي أجرى الوجهين في الصلاة عليه إذا كانوا سائرين به.

стр. 958

وإذا جمعت ما قيل في الصلاة المكتوبة على المحمل ونحوه على الدابة واختصرت، قلت: فيه ثلاثة أوجه، ثالثها: إن كانت واقفة جاز، وإن كانت سائرة فلا. والمنصوص عليه في "الإملاء": المنع. قال: فإن كان، أي: المسافر ماشياً، أو على دابة-أي: سائرة-يمكنه توجيهها إلى القبلة، أي: مثل أن يكون زمامها بيده، وهي طوع-لم يجز حتى يستقبل القبلة في الإحرام والركوع والسجود. وهذا الفصل مسوق لباين ما هو مستثني من كلامه الأول، وبه يعرف صحة ما أسلفناه من بيان مراده، وهو ينظم مسألتين: الأولى: الماشي في السفر إذا أراد التنفل، لم يجز حتى يستقبل القبلة في الإحرام والركوع والسجود؛ لأن المعنى الذي لأجله لم يجب الاستقبال في النافلة المشقة في الانقطاع عنه، وزمن هذه يسير؛ فلا مشقة فيه تلزمه؛ وهذا ما أورده العراقيون والبغوي والفوراني والمتولي. قال بعضهم: وهو ما لم يختلف المذهب فيه. قال البندنيجي: وعليه نص في القديم و"الإملاء"؛ فكأنه اعتبر أن يتوجه إلى القبلة في كل ركن يفتتح بالتكبير. قلت: وفي قول بعضهم: إن هذا مما لم يختلف المذهب فيه، فيه نظر؛ لما ستعرفه من تفريع ما خرجه ابن سريج أو غيره، وقيل: إنه منصوص للشافعي. وإن خرجت على ظاهر قوله في "الوسيط": "إن حكم الماشي في الاستقبال حكم راكب بيده زمام الناقة"-لم يحتج إلى نظر، بل نقول: هذا غير صحيح؛ لأن في استقبال الراكب خلافاً يأتي، لكن هذا من الغزالي ليس يجري على إطلاقه، بل هو محمول على أنه لا يشترط في حق الماشي الإتيان بالركوع والسجود بالفعل، بل بالإيماء، كما هو وجه-أو قول-ستعرفه، وبذلك صرح الإمام، وألا فلا خلاف في طريقهم: أن الراكب لا يلزمه الاستقبال فيما عدا تكبيرة الإحرام والسلام، وفي تكبيرة الإحرام والسلام خلاف، والظاهر في الماشي اشتراط الاستقبال في حال تكبيرة

стр. 959

الإحرام؛ [هذا ملخص ما في "الرافعي"]. ثم الماشي يجب عليه أن يركع مطمئناًّ، ويسجد على الأرض كذلك؛ لأنه يتيسر عليه، بخلاف الراكب في [غير] محمل ونحوه؛ كما سنذكره-ولا يجب عليه الجلوس للتشهد عند العراقيين والمتولي، وهو ظاهر المذهب عند الرافعي؛ لطول زمانه، كالقيام وعن الشيخ أبي محمد حكاية نص عن [الشافعي]: أنه يلزمه أن يقعد فيه، ويسلم، ولا يمشي إلا في حال القيام، وبه قال الإمام ومن تبعه، وحكى هو وغيره عن ابن سريج تخريج قول: أنه لا يلزمه شيء من ذلك، ويقتصر على الإيماء في الركوع والسجود، كي لا يتعطل مقصود السفر، ويحكي هذا عن القفال أيضاً، ويقال: إنه وجد منصوصاً للشافعي، والمشهور في كتبه: الأول. وقد أفهم كلام الشيخ: أنه لا [يجب عليه] الاستقبال فيما عدا الأحوال الثلاثة؛ وهذا ما حكاه ابن الصباغ. وفي "حلية" الشاشي و"الحاوي": أنه يجب عليه-أيضاً- في حالة الجلوس بين السجدتين، وهو قضية قول البندنيجي السالف، فكأنه اعتبر أن يتوجه إلى القبلة في كل ركن يفتتح بالتكبير، وخالف هذا القيام عند الرفع من الركوع حيث لا يشترط فيه الاستقبال، فإن مشى القائم يسهل [عليه]؛ فسقط عنه التوجه فيه؛ ليمشي فيه شيئاً من سفره قدر ما يأتي بالذكر المسنون فيه، ومشى الجالس لا يمكن إلا بالقيام، وقيامه غير جائز؛ فكان عليه التوجه فيه؛ كذا قاله في "التهذيب" وغيره، وقد حكينا عن رواية الشيخ أبي محمد عن النص: أنه يجلس حال تشهده؛ وعلى هذا يستقبل القبلة، وبه صرح الرافعي وغيرهن وإذا قلنا به فلابد من الاستقبال حال السلام، وإذا قلنا بمقابله، فلايحتاج إلى الاستقبال حال التسليم. وفيه وجه حكاه الماوردي عن البصريين من أصحابنا: أنه يلزمه الاستقبال فيه كما لزمه حال تبكيرة الإحرام؛ قياساً على النية، وهو ضعيف.

стр. 960

والفرق بينه وبين وجوب النية في السلام: أن السلام بصورته مناقض للصلاة، فيفتقر إلى صارف يصرفه إلى مقصود الصلاة والتحلل؛ فاعتبرت النية صارفاً، وهذا لا يتحقق في الاستبدال. وإذا قلنا بأنه يكفيه الإيماء كان حكم الماشي في حكم الاستقبال، حكم راكب بيده الزمام كما تقدم. المسألة الثانية: الراكب على دابة يمكنه توجيهها إلى القبلة يلزمه الاستقبال في الإحرام والركوع والسجود فقط؛ لما ذكرناه في الماشي؛ وهذا ما صدر به الروياني كلامه في "التلخيص"، وحكاه القاضي أبو الطيب وجهاً في المسألة، وعليه ينطبق قول البندنيجي: إنه إذا كان على دابة سهلة تطيعه، كان استقباله كالماشي. قال أبو الطيب: والصحيح: أنه لا يلزمه الاستقبال إذا كانت جهة سيره إلى غيره القبلة؛ لأن في تحويل الدابة عن جهة سيره مشقة. وفي "الشامل": أن هذا الراكب هل يلحق بالماشي حتى يستقبل القبلة حال الإحرام، أو لا يلزمه [شيء من] ذلك؟ فيه وجهان. وهذا يفهم أن الخلاف في وجوب الاستقبال حال الإحرام فقطن وبه صرح الماوردي، ونسب القول بعدم الوجوب إلى البصريين، وصححه، وقال في "المهذب": إنه المذهب. ونسب مقابله إلى البغداديين، وعليه نص في "الأم"، وصححه الروياني؛ لما روى أنس أن النبي ﷺ كان إذا سافر وأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة، وكبر، ثم صلى حيث كان وجهه ركابه، رواه أحمد في مسنده وأبو داود. وقال ابن الصباغ: والقياس على هذا: أنه مهما دام واقفاً فلا يصلي إلا [إلى القبلة]، فإذا أراد السير انحرف إلى طريقه؛ وهذه الطريقة مذكورة في "التتمة" مع أخرى قاطعة بالوجوب؛ لأنه قال: لا خلاف [في] أنه ليس عليه أن يصرف وجه الدابة إلى القبلة في شيء من أركان صلاته غير التكبير، [فأما حالة التكبير] هل

стр. 961

يلزمه ذلك أم لا؟ قال الشافعي في موضع: يفتتح الصلاة إلى القبلة. وفي آخر: إن كان وجه الدابة إلى القبلة يفتتح الصلاة إلى القبلة، وإن كان وجهها إلى الطريق يفتتح إلى الطريق، وإن لم يكن وجهها إليهما، واختلف الأصحاب: فمنهم من قال: المسألة على قولين: أحدهما: ليس عليه استقبال القبلة [وقت التكبير]؛ كما في باقي الأركان. والثاني: يجب؛ لأنها حالة العقد؛ فيعتبر فيها وجود الشرائط، ثم يجعل ما بعدها تابعاً لها، كما قلنا في النية. ومن أصحابنا من قال: المسألة على حالين: إن كان زمام الناقة ولجام الفرس في يده، فعليه أن يستقبل حالة الافتتاح؛ لأنه لا يشق عليه ذلك، وإن كانت الجمال مقطرة، وهو راكب واحداً منها، فلا لأن ذلك يشق. والقاضي الحسين قال: إن كان وجه دابته إلى غير جهة سيره وإلى غير القبلة، فلا بد من توجيهها إلى القبلة حالة الإحرام، وإن كان وجهها إلى جهة سيره، وليست جهة القبلة، فقد نص في موضع على أنه يلزمه الاستقبال عند الافتتاح، وفي آخر: على أنه لا يلزمه ذلك. واختلف الأصحاب في ذلك على طريقين هما المذكوران في "التتمة". وفي "الوسيط" في وجوب الاستقبال في ابتدءا الصلاة أربعة أوجه، ثالثها: إن كان العنان بيده، وجب الاستقبال، وإن كانت مقطرة فلا، والرابع: إن كان وجه الدابة إلى القبلة، فلا يجوز تحريفها عنها، وإن كان إلى الطريق [فلا يلزمه تحريفها] إلى القبلة، وإن كان إلى غيرهما، فلابد من التحريف، فليحرفها إلى القبلة، ثم إلى جهة سيره. قال: ثم من اشترط الاستقبال حال الإحرام، تردد في وجوبه في وقت السلام كما في النية، وقد تقدم الرد على ذلك. ولا يلزم المتنفل الراكب في غير محمل ونحوه تحقق الركوع والسجود، بل يومئ بهما، ويكون سجوده أخفض من ركوعه، ولو تمكن من أن يمس جبهته شيئاً من

стр. 962

إكاف الدابة ونحوه، لم يلزمه؛ لأن نزغات الدابة لا تؤمن. وللإمام احتمال في اشتراط الانحناء إلى حيث يساوي الساجد على الأرض. قال: والظاهر ندي أنه لا يتعين؛ لما ذكرناه من التعليل. ولو قيل: ينحني إلى حيث لا يتوقع ذلك في حال الغفلات، لم يبعد. تنبيه: الألف واللام في "الصلاة" في قول الشيخ: "شرط في صحة الصلاة"، لاستغراق الجنس؛ فلهذا حسن بعده الاستثناء، وهو يقتضي مع الاستثناء أن الاستقبال شرط فيما عدا ما استثناه، وحينئذ يدخل فيه صور، ننبه على ما قد يخفى منها. فمنها: المحرم إذا خاف إن صلى فوت الوقوف، وإن مضى ليقف بعرفة خرج وقت الصلاة، لا يصلي إلى غير القبلة ماشياً، بل قوله:"ولا يعذر أحد من أهل فرض الصلاة في تأخيرها عن الوقت ... " إلى آخره يقتضي أنه يصلبها في الوقت وإن فاته الوقوف. وللأصحاب [في المسألة] ثلاثة أوجه ذكرتها في صلاة الخوف. ومنها: النافلة في الحضر لابد من الاستقبال فيها كما في الفريضة. وعن الإصطخري أنه جوزها على الراحلة ونحوها إلى حيث تتوجه إذا كانت سائرة؛ للحاجة إلى ذلك. ويقال: إنه كان يفعله في صكوك بغداد وهو محتسب بها. وحكى البندنيجي والروياني عنه: أنه جوز ذلك للماشي في الحضر أيضاً. وقال القاضي الحسين: تنفل الماشي في الحضر يترتب على الراكب، فإن قلنا [ثم]:لا يجوز، فالماشي أولى، وألا فوجهان. والفرق: أن الماشي يمكنه أن يدخل إلى المسجد، ويصلي فيه من غير ضرر يلحقه، بخلاف ما لو كان راكباً. والجواز في الحالين هو مختار القفال، كما حكاه في "التتمة". وقال الشيخ أبو محمد: إن القفال كان يختار جواز التنفل على الراحلة إن كان

стр. 963

يستقبل القبلة في جميع صلاته، وألا [فلا يجوز]. قال الإمام: وهذا يلتفت إلى أن المتنفل القادر على القيام له أن يتنفل مضطجعاً، والمذهب: المنع. أما إذا لم يكن المقيم في البلد سائراً، فقد أفهم كلام بعضهم أنه لا يجوز بلا خلاف على مذهب الإصطخري. وكلام الإمام كالصريح [في] أنه لا يشترط على هذا المذهب أن يكون سائراً كما لا يشترط ذلك في المسح على الخفين يوماً وليلة في الحضر، ون كان الترخص بالمسح شرع إعانة للسائر على مقاصده. ومنها: الغريق على لوح يخاف إن توجه إلى القبلة غرق، والمربوط على خشبة إلى غير القبلة، والمريض العاجز عن الحركة إذا لم يجد من يوجهه إلى القبلة-أن الاستقبال في حقه في [النفل والفرض] شرط. وقد قال الرافعي: إن من هو على اللوح في اللجة كمن هو في شدة الخوف، وكذا سائر وجوه الخوف [ملحقة] به، وليس القتال معنيًّا لعينه، وإنما المعتبر الخوف. وأما المربوط والمريض الذي لا يقدر على التحول فهو معذور؛ فلا يكلف بما ليس في وسعه؛ [الأجل هذا] قال بعض الشارحين: ينبغي أن تستثني هذه الأحوال من كلام الشيخ. قلت: وليس الأمر كذلك؛ فإن المنقول في المربوط إلى غير القبلة: أنه يلزمه الإعادة، وهو المشهور في الغريق إذا صلى إلى غير القبلة أيضاً والمريض، ولزوم الإعادة يدل على أن الاستقبال شرط؛ إذ لو لم يكن شرطاً لما لزمته الإعادة، كما في صلاة شدة الخوف، ويشهد لذلك أن الطهارة لما كانت شرطاً حال وجود الماء أو التراب وعدمهما، ألزمناه الإعادة عن فقد الماء والتراب، ولما لم تكن السترة شرطاً حال عدمها، لم تلزمه الإعادة إذا صلى عرياناً؛ للعدم على الصحيح.

стр. 964

وفي "التتمة": [أن من الأصحاب] من قال في الغريق: إذا صلى على اللوح إلى غير القبلة، في الإعادة قولان بالنقل والتخريج. ومنهم من قطع بالإعادة كما في المربوط على خشبة. وحكى في "الإبانة" الطريقة الأولى وطردها فيما إذا صلى إلى القبلة أيضاً. والمريض العاجز، منهم من ألحقه بالغريق. ومنهم من قال: تجب الإعادة قولاً واحداً؛ لندرته؛ حكاها المتولي وشيخه. ومنها: من خاف فوت الرفقة أو على ماله-فقد قال الأصحاب: إنه يصلي على حسب حاله، ويعيد. وقال القاضي الحسين: هل يعيد؟ يحتمل وجهين. ومنها: صلاة الجنازة في الحضر والسفر؛ لأنها فرض كفاية، وعليه نص في "الأم"، ومنه يؤخذ أنه لا يجوز فعلا على الراحلة؛ إذ لو جاز لم يشترط فيها الاستقبال، وهو الصحيح. والغزالي وجهه بأن معظم أركانها القيام، ومقتضاه: أنه [لو تمكن] من القيام عليها أن يجوز، خصوصاً إذا قلنا: إن فعل الفريضة على الراحلة [إذا تأتَّى الإتيان بجميع شرائطها وأركانها تامةً-يجوز. وقد قال الإمام ها هنا: الظاهر الجواز. وإن قال في الفريضة: إنه لا يجوز مطلقاً.

стр. 965

وحكى ابن الصباغ عن صاحب "التقريب" جواها على الراحلة] مطلقاً إذا لم يتعين عليه، وهو قول البصريين؛ كما قال الماوردي. وفيه وجه آخر: أنه يجوز وإن تعينت. ومنها: الصلاة المنذورة وهو المحكي عن نصه في "الأم"، والأصحاب قالوا: هو جواب على أن لانذر كواجب الشرع، كما هو الصحيح. أما إذا قلنا: إنه كجائزه؛ فتجوز على الراحلة، كما في النفل. وفي "الرافعي" حكاية وجه آخر: أنه إن أوجبها وهو بالأرض لا يصليها على الراحلة، وإن أوجبها وهو راكب أجزأه فعلها على الدابة. ومنها: ركعتا الطواف، وذلك ظاهر، إذا قلنا: إنهما [فرض، أما إذا قلنا: إنهما سنة]، فقد قال الرافعي والمتولي والفوراني: إنه يجوز فعلهما على الراحلة. والذي رأيته لغيرهم: أنه لا يجوز- أيضاً-[لفقد السير حال] الإتيان بهما مع كونه في البلد، والأصحاب متفقون على أنه لايجوز للمسافر وهو في البلد أن يتنفل على الدابة في حال سكونه، بل لو قدم بلداً أو قرية وهو في أثناء الصلاة على

стр. 966

الراحلة، ينزل ويبني على صلاته، سواء كان البلد مقصده أو في طريقه. نعم: لو كان البلد طريقه، ولا أهل له فيه ولا مال، ولم يقف للنزول، بنى عليها؛ لأنه [مسافر سائر]؛ فكان جوف البلد كالصحراء؛ وهذا بخلاف ما لو وصل إلى مقصده؛ فإنه لا يجوز له الإتمام على الدابة وإن كان سائراً؛ لأن سفره انقطع؛ فينزل، ويتم صلاته إلى القبلة كالمقيم. وإن كان له في البلد الذي مر به أهل أو مال، فهل يكون كوصوله إلى مقصده؟ فيه وجهان في "تعليق القاضي الحسين" جاريان في أنه هل يقصر فيه أم لا؟ وقالوا: لو أنه وقف في أثناء الطريق للاستراحة أو لانتظار رفقة-لزمه الاستقبال ما دام واقفاً، فإن سار بعد ذلك، نظرت: فإن كان سيره لأجل سير الرفقة، أتم صلاته إلى جهة سفره، وإن كان هو المختار لذلك من غير ضرورة، لم يجز [أن يسير] حتى تنتهي صلاته؛ لأنه بالوقوف قد لزمه فرض التوجه. وإذا [قد] عرفت أن استقبال القبلة شرط في صحة الصلاة إلا ما استثنى، فاعلم: أنه واجب في جميع الصلاة، فلو ولاها ظهره في شيء منها عمداً، بطلت صلاته، وإن انحرف عنها يميناً وشمالاً، فكلام الشافعي [الآتي] يدل على أنها لا

стр. 967

تبطل إن لمي تعمد ذلك، بل وقع منه سهواً، والذي ذكره العراقيون: أنها [لا تبطل، طال زمن] استدباره لذلك أو قل، لكنه إن طال سجد للسهو، وإن لم يطل فلا يسجد. وحكى المراوزة في البطلان ند طول الفصل وجهين، أصحهما البطلان، وهو الذي ذكره الصيدلاني وصاحب "التهذيب"، وقال القاضي الحسين: [إن عليه نص] الشافعي. ووجهه بأن الصلاة لا تحتمل [الفصل] الطويل، وهذا من [كلامهم] يدل على أنه في حال عدم استقبال القبلة ساهياً ليس في الصلاة، ومنهي ظهر أن قول من قال: إن الموالاة في الصالة ركن- ما ستعرفه-غير صحيح. والخلاف في البطلان في هذه الصورة مشبه عندهم بالكلام الكثير ناسياً، وسيأتي مثلها عن حكاية الماوردي في نظير المسألة. ولو كان المُحَرِّف له عن القبلة غيره قهراً: فإن طال الزمان، بطلت، وإن قصر، فوجهان، أصحهما: البطلان. والفرق بني السهو وقهر الغير: أن النسيان مما يكثر ويعم، والإكراه في مثل ذلك يندر؛ ولهذا قلنا: لو أكره على الكلام في صلاته تبطل على الصحيح، بخلاف النسيان. ثم جهة مسير المتنفل راكباً وماشياً إذا اكتفينا بها عن جهة القبلة مقامة في حقه مقام القبلة في حق غيره مطلقاً- على وجه- حتى لو عدل عنها إلى جهة القبلة عمداً تبطل صلاته، حكاه في "التتمة"، وصورة ذلك ما إذا أدار وجهه إلى دبر الدابة. وهذا الخلاف أبداه القاضي الحسين في "فتاويه" احتمالين. والمشهور: [أن] عدوله إلى جهة الكعبة لا يقدح في صلاته؛ لأن ذلك هو الأصل وترك رفقاً به، فإذا عدل إليه لم يضره. نعم: لو عدل [عن جهة سيره، ولست جهة القبلة، فالأمر كما لو عدل عن القبلة

стр. 968

إلى غيرها] إن فعل ذلك عمداً-قال الشافعي-:بطلت صلاته، كما إذا ولى ظهره القبلة. قال أبو الطيب: وهذا يدل على أنه إذا انحرف يميناً وشمالاً لا تبطل. وإن لم يتعمده، بل فعله ساهياً أو جاهلاً بالطريق، لم تبطل عند العراقيين، طال الزمان أو قصر. [قال الشافعي: ويسجد للسهو إن طال زمن ذلك دون ما إذا قصر]. وقال المراوزة: في بطلان صلاته عند طول الفصل القولان: فإن قلنا: لا تبطل، سجد للسهو، وكذا عند قصر الفصل؛ لأن فعل ذلك عمداً يبطل، فاقتضى سهوه السجود. وغلبة الدابة له بحيث أمالته عن جهة سيره عند الشيخ أبي حامد وأتباعه كالنسيان. وقال الماوردي: إن عدلت به عن جهة مسيره إلى جهة القبلة، فهو بالخيار بين [أن يبقيها وبين أن يردها إلى جهة [سيره]. ولو عدلت به إلى غير جهة القبلة، فهو بالخيار بين أن يردها إلى جهة القبلة أو إلى جهة] مقصده، فإن عدل إلى إحدى الجهتين في الحال، أجزأته صلاته، وفي سجود السهو وجهان. وإن لم يردها إلى إحدى الجهتين مع القدرة، بطلت، ومع العجز: إن قصر الزمان، لم تبطل، وفي السجود وجهان، وإن طال، ففي البطلان وجهان، كما في الكلام الكثير ناسياً. والغزالي جعل جماح الدابة عن جهة قصده بمنزلة إحالة الشخص عن القبلة، فقال: إن طال الزمان، بطلت صلاته، وإن قصر، ففي البطلان وجهان. وقال الإمام: الظاهر عدم البطلان؛ فإن نفرة الدابة وجماحها مع ردها على قرب مما يعم وقوعه، وتظهر البلوى به، ولو قضينا ببطلان الصلاة بقليل ذلك؛ لأثر هذا في قاعدة الرخصة.

стр. 969

وأما صرف الرجل الرجل عن [جهة] القبلة فنادر، لا يعهد وقوعه إلا في غاية النذور، ولهذا قطع الأئمة بأن جماح الدابة في زمان قريب لا يبطل الصلاة، ولم أر ما يخالف هذا للأصحاب. قال الرافعي: وأنت إذا تصفحت كتب الأصحاب وجدت الأمر كما قال، وإذا جمعت بين كلام الماوردي والغزالي واختصرته، قلت: في بطلان صلاته [عند] انحرافه عن جهة سيره بسبب جماح الدابة [ثلاثة أوجه]، ثالثها: إن طال [الفصل] أبطل، وألا فلا. وإذا قلنا: لا يبطل، فهل يسجد للسهو؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها- وهو ما اختاره الصيدلاني، ومال إليه الإمام [لا يسجد]؛ لأن سجود السهو لا يثبت إلا عند سهو المصلي بترك شيء أو فعل شيء، ولم يوجد من المصلي شيء. والثاني: يسجد؛ لجبر ما وقع من خلل [في] صلاته. والثالث: إن طال الفصل سجد، وألا فلا، وهو ما حكاه الشيخ أبو حامد عن النص. قال: والفرض في القبلة إصابة العين- أي: عين الكعبة-لقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٤٤]، أي: نحوه، وجهته، قال الشاعر: ألا من مبلغِّ عمراً رسولاً وما تغني الرسالة شطر عمرو أراد: نحو عمرو، وتقول العرب: شاطرنا بيوت بني فلان، أي: حاذينا البيوت. وحديث البخاري الذي قدمناه في أول باب يدل عليه، ويدل-أيضاً-على أن استقبال الحجر وإن ثبت بالسنة أنه من البيت [لا] يكفي، وهو أصح الوجهين في

стр. 970

"الحاوي" وقد قال القاضي أبو الطيب في كتاب الحج: إن الحنفية قالوا: إن ذلك مجمع عليه بيننا وبينهم. قال: وهذه المسالة لانعرف عن الشافعي ولا عن أحد من أصحابنا نصًّا فيها؛ فيحتمل ألا نسلمه، وإن سلمناه، فنقول: إنما لم يسقط الفرض عن المصلي بالتوجه إليه؛ لأن قدر الخارج من البيت مختلف فيه؛ لما اختلف فهي قلنا: لا يسقط الفرض عن المصلي إلا بيقين، وهو أن يتوجه إلى البنية. قلت: وهذا التوجيه فيه نظر؛ لان الكلام فيما اتفقت الروايات على أنه من البيت إذا استقبله لا ما وقع الاختلاف فيه. نعم: العلة الصحيحة ما قالها الماوردي: أن الحجر ليس ثابتاً من البيت قطعاً وإحاطة، وإنما هو بغلبة الظن؛ فلم يجز العدول عن [اليقين] والنص لأجله. ثم إصابة عين الكعبة تتحقق بمقابلة كل البدن لها، وهل يكفي مقابلتها [ببعض البدن؟ ينظر:] فإن كانت المقابلة ببعض العرض في كل الطول؛ بأن وقف مقابلة بعض الأركان، وبعض بدنه خارجاً عن سمتها-فهل يصح؟ حكى القاضي الحسين فيه قولين كالقولين فيمن لم يقابل الحجر بجميع بدنه في ابتداء الطواف: هل [يعتد به] أم لا؟ والذي ذكره الروياني في "تلخيصه": أنه لا يكفي، وهو ما حكى الإمام عن الصيدلاني القطع بهن والأصح في الرافعي. [و] إن كنا الاستقبال بكل العرض لكن ببعض الطول، مثل: أن وقف داخل الكعبة [واستقبل ما شخص من العتبة]، والباب مفتوح، ففيه-أيضاً- خلاف بين الأئمة، والذي حكاه بعضهم عن الشيخ أبي حامد: أنه يكفي، سواء كان الشاخص قدر مؤخرة الرحل أو دونه. وحكى الإمام عن رواية العراقيين وجهاً: أنه لا يكفي ما لم يكن ما يستقبله قدر قامة المصلي.

стр. 971

[قال: وهو منقاس حسن. ورأيت في "زوائد العمراني": أن الطبري قال في "عدته": هل يشترط أن يكون الشاخص بقدر قامة المصلي؟] فيه وجهان ذكرهما أبو حامد: أحدهما: نعم؛ لأنه إذا لم يكن كذلك لا يكون مستقبلاً بجميع بدنه. والثاني: لا يشترط، بل إذا كان قدر مؤخرة رحل البعير جاز، ودونه لا يجوز، وهذا هو المشهور، ولم يذكر المسعودي غيره. ومؤخرة الرحل، سنذكر عند الكلام في المرور بين يدي المصلي حدها. و [القاضي] أبو الطيب رأى [أن] المعتبر قدر ذراع، فلو نقص عنه لم تصح صلاته، ولم يحك سواه؛ لاعتقاده أن مؤخرة الرحل ذراع، والقائلون بهذا الوجه، قال الإمام: كأنهم راعوا في هذا القدر أن يكون [في] سجوده يسامت بمعظم بدنه ذلك الشاخص، لكنه فيه شيء؛ من جهة أنه في حال قيامه خارج بدنه عن مسامته ذلك الشيء، وقد تردد الأصحاب في الخروج ببعض البدن عن المحاذاة، ولكن هؤلاء نزلوا هذا منزلة ما لو استعلى الواقف والكعبة أسفل منه، ومع هذا ففيه نظر، فإن جميع الكعبة إذا تسفل، فهو القبلة بلا مزيد؛ فينزل عليه اسم الاستقبال، وهذا الشاخص في حق الواقف أمامه جزء من الكعبة، وفيه من تبعيض الأمر في المحاذاة ما ذكرناه. [وجميع] ما ذكرناه في العتبة جار كما قال الأصحاب فيما إذا صلى على ظهر الكعبة وبين يديه سترة متصلة. وقال الإمام: إننا إذا اعتبرنا قدر قامة المصلي؛ فيجب طرده في اعتبار عرضه أيضاً. قال: فمن قرب منها، لزمه ذلك-أي: إصابة العين- بيقين؛ لقدرته عليه، ولا يسوغ له الاجتهاد، كما لا يسوغ لمن قدر على النص في واقعة أن يجتهد فيها؛ لاحتمال تطرق الخطأ إليه.

стр. 972

ثم اليقين تارة يحصل بالمشاهدة حال دخوله في الصلاة، وتارة يكون بعلمه ذلك بالمشاهدة قبل الدخول، فإن لم توجد المشاهدة حال دخوله في الصلاة؛ لظلمة ونحوها، وقف في موضع وقوفه حال المشاهدة. قال: ومن بعد عنها، لزمه ذلك بالظن في أحد القولين؛ لأن المطلوب في المكان القريب والبعيد واحد؛ قال الله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]،وقد ثبت بذلك أن فرض القريب من الكعبة التوجه إلى عينها؛ فكذا فرض البعيد، لكن [القريب] يمكنه اليقين؛ فلزمه، والبعيد لا يمكنه اليقين؛ فتعين الظن، وهذا ما نص عليه في "الأم"، واختاره البغوي، وهذا [الظن طريق] تحصيله عند عدم مخبر بالمشاهدة-الاجتهاد. قال: و [في] القول الآخر الفرض لمن بعد الجهة؛ لقوله ﵇: "ما بين المشرق والمغرب قبلة" أخرجه الترمذي، وقال: إنه حسن صحيح.

стр. 973

ولأنه لو كان فرضه العين، لما صحت صلاة الصف الطويل؛ لأن فيهم من يخرج عن العين لو مد خيط مستقيم من عين الكعبة إليه، وهذا ظاهر ما نقله المزني؛ ولأجله قال بعضهم: إنه الجديد، واختاره في "المرشد". وقال الشيخ أبو حامد وأتباعه: [إنه] لا يعرف للشافعي، وإنما [هو] مذهب للمزني وجهة القبلة لمن هو بمصر ما بين المشرق والمغرب، فإذا جعل المصلي المشرق على يساره والمغرب على يمينه كان مستقبلاً جهتها. وقد أجاب القائلون بالأول عن الخبر بما قاله [ابن الصلاح]: أنه قيل: إنه موقوف على عمر. قال: وهو المشهور، والصف الطويل إنما صحت صلاتهم عند البعد عن الكعبة؛ لأن مع البعد يتسع الصف المحاذي؛ فنه لو اشتعلت نار على رأس جبل، ووقف جماعة يهم كثرة على بعد منها؛ فإن كلا منهم يرى النار في محاذاته، ولو مد من موضعه خيطاً إليها تهيأ. وهذا الجواب كلام الإمام يأباه، فإنه قال: لو وقف صف في آخر المسجد بحيث لو قاربوا الكعبة يخرج بعضهم عن السمت، صحت صلاة جميعهم، بخلاف ما لو كانوا بالقرب من الكعبة؛ فإنه لا تصح صلاة من خرج عن سمتها. قال: مع أنا نعلم بالقطع أن حقيقة المحاذاة لا تختلف بالقرب والبعد: فتعين أن يكون المتبع في ذلك وفي نظائره حكم الإطلاق والتسمية لا حقيقة المسامتة، فمن يطلق عليه اسم الاستقبال عند البعد تصح صلاته، وإن كان لو قرب يخرج عن السمت. قال: وعلى ذلك بنى الشافعي تفصيل القول في الصلاة على ظهر الكعبة، فقال: إن لم يكن على طرف السطح شيء شاخص من بناء الكعبة- لا تصح صلاته؛ فإن من علا شيئاً لا يسمى مستقبلاً، [ولو وقف على أبي قبيس، فالقبلة مستقلة]

стр. 974

عن موقفه، وصلاته صحيحة؛ لأنه يسمى مستقبلاً. وقال بعضهم: إنما صحت صلاة الصف الطويل؛ لأنه لم يتعين الخارج منه عن السمت. وإلى هذا يميل كلام ابن الصباغ؛ لأنه قال بعد حكاية صحة صلاة الصف الطويل: وهذا لعمري يكون مع [تقوس الصف، فأما مع] الاستواء فلا يمكن المحاذاة، وإنما طريقه الظن، فإذا لم يتعين المخطئ؛ فلا يجب على واحد القضاء. قلت: وقول ابن الصباغ "وهذا لعمري يكون مع تقوس الصف" مؤذن بأن محل الكلام إذا كان بمكة، وألا فلا معنى للتقوس. وقوله: "إن مأخذ الصحة عند الاستواء الظن"، فيه نظر؛ لأنه يلزم منه ألا تصح صلاة من في [آخر] الصف إذا كان بينه وبين إمامه أكثر من قدر عرض الكعبة؛ لأنه دائر بني أن يكون هو خارجاً عن الكعبة أو إمامه، وأياً ما كان فلا تصح القدوة، ولم يمنع من ذلك أحد، وحينئذ فلا مأخذ إلا ما قاله الأولون والإمام. واعلم أن قول الشيخ: "في أحد القولين" يعود إلى ما ذكرناه من أول الفصل إلى قوله: "بالظن"، فكأنه قال: الفرض [في القبلة] في أحد القولين إصابة العين، فمن قرب منها، لزمه ذلك بيقين، ومن بعد عنها، لزمه ذلك بالظن؛ ولذلك [عبر عنه] العجلي بأن الواجب على ظاهر المذهب إصابة العين على حسب الوسع.

стр. 975

وفي القول الآخر: الفرض لمن بعد الجهة. وقد أطلق الشيخ القرب والبعد ولم يحده، [ولعل مراده] بالقرب أن يكون بموضع [يمكن] أن يرى الكعبة منه، وبالبعد ما إذا كان في موضع لا يمكن أن يرى الكعبة [منه] عادة لا لحائل موجود. فإن قلت: لو كان [هذا] مراده، لكان مقتضاه لزوم طلب اليقين عند إمكان الرؤية، لولا ما بينهما من حائل. وقد قال الأصحاب: إنه إذا كان بمكة وبينه وبين الكعبة حائل خلقي: كالجبال، والتلال-جاز له الاجتهاد عند فقد المخبر [كما سنذكره]. وإن كان الحائل طارئاً: كالبناء، فهل يلزمه طلب اليقين، أو يجوز له الاجتهاد، كما لو كان الحائل خلقيًّا؟ فيه وجهان. قال في "المهذب" و"التتمة": إن ظاهر المذهب منهما الثاني، وهو المختار في "التهذيب" و"المرشد". وقال القاضي أبو الطيب: إنه أشبه بالصواب. وقال الغزالي: إنه بعيد؛ إذ كيف يرجع إلى الاجتهاد مع إمكان درك اليقين في عين المطلوب.

стр. 976

وهذا الاعتراض وارد على ما إذا كان الحائل خلقيًّا، والوجه الأول هو الذي حكاه البندنيجي عن الأصحاب حيث قال: إن الشافعي ذكر في أول استقبال القبلة من "الأم": "فكلما كان يقدر على رؤية [البيت] ممن بمكة في مسجدها أو منزل منها أو سهل أو جبل، فلا تجزئه صلاته حتى يستقبل البيت بالصواب". وقال بعد مسائل من هذا الكتاب: "ومن كان بمكة لا يرى البيت، أو خارجاً من مكة؛ فلا يحل له كلما أراد المكتوبة أن يدع الاجتهاد [في طلب] صواب الكعبة بالدلائل من الشمس والنجوم والقمر والجبال ومهب الريح، وكلما كان عنده دلائل على القبلة". قال أصحابنا: وليست على قولين، بل على اختلاف حالين: فقوله الأول [محمول] على ما إذا كان الحائل حادثاً. وقوله الثاني [محمول] على ما إذا كان الحائل خلقياً. قلت: لا شك أن [ظاهر] كلامه يقتضي إيجاب طلب اليقين عند القرب، سواء وجد الحائل أو لم يوجد، لكن قوله من بعد: "ومن غاب عنها ... " إلى آخره يدل على أن مراده بما ذكره ها هنا إذا لم يغب عنها، وبه يعرف أن قوله: "أو غاب عنها"، لا فرق فيه بين أن يكون بسبب حائل أصلي أو حادث، وهو ظاهر المذهب؛ كما حكيناه عن "المهذب" وغيره. ثم ظاهر كلام من حكى الخلاف والوفاق عند وجود الحائل: أنه لا فرق في ذلك بين المكي وغيره وبين من هو بمكة [أو خارجاً عنها قريباً منها، وبالثاني صرح الروياني وغيره]، وقال أبو الطيب: إن من كان بمكة ففرضه [طلب] اليقين، سواء كان الحائل أصلياً أو طارئاً، ومن كان خارجاً عنها: فإن كان مكياً، ففرضه-أيضاً- طلب اليقين كيف كان الحائل، وإن كان غريباً، فإن كان الحائل أصليًّا، ففرضه الاجتهاد، وإن كان حادثاً ففيه الوجهان.

стр. 977

قال: ومن صلى في الكعبة أو على ظهرها وبين يديه سترة متصلة، جازت صلاته: أما في الأولى؛ فلما روى البخار يعن عبد الله بن عمر – ﵄ أن رسول الله ﷺ دخل الكعبة هو وأسام بن زيد وعثمان بن طلحة وبلال بن رباح- ﵃-فأغلقها عليه، ومكث فيها. قال ابن عمر: فسألت بلالاً حين خرج: ما صنع رسول الله ﷺ ؟ فقال: "جعل عموداً عن يساره وعمودين عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه- وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة-ثم صلى". وأخرجه مسلم لكن قال: "عمودين عن يساره". وإذا ثبت جواز ذلك في النفل، جاز في الفرض؛ لأن الاستقبال شرط في [النفل كما هو] في الفرض ولأنه صلى إلى جزء من البيت؛ فصحت صلاته كما لو صلى خارج الكعبة قبالة الباب وهو مفتوح. وأما في الثانية: فلأنه متوجه إلى جزء من البيت؛ فصحت صلاته، كما في الكعبة، والاتصال يحصل بالبناء والتسمير، وهل يحصل بغرز خشبة ونحوها؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأنها تندرج تحت مطلق بيع الدار؛ فدل على اتصالها. والثاني: لا؛ إلحاقاً لذلك بالشيء الموضوع بين يديه؛ وهذا ما صححه البغوي والإمام. والكلام في قدر السترة قد تقدم. أما إذا لم يكن سترة [ثَمَّ] لم تصح صلاته, ووجهه فيما إذا كان على السطح قوله-﵇: "سبعة مواطن لا يجوز الصلاة فيها ... " وذكر منها: فوق بيت الله العتيق.

стр. 978

ولأنه صلى عليه من غير عذر؛ فلم يصح؛ كما لو وقف على طرف السطح، واستدبر باقيه. وفيما إذا كان في الكعبة، فبالقياس على العلو؛ بجامع ما اشتركا فيه من عدم الصلاة إليها، ويتصور ذلك بما إذا وقف قبالة الباب، واستقبله وهو مفتوح، ولا شاخص من العتبة ولا غيرها. ولو تهدم البيت-والعياذ بالله-ولم يبق من جدرانه شيء شاخص، [فالواجب] أن يستقبل جميع العرصة [وهواءها]، فلو وقف بوسط العرصة، واستقبل باقيها، لم يصح. وعن ابن سريج: أنه يصح، كما لو وقف خارجها، واختاره في "المرشد"، وهو خلاف النص. والصحيح [ما] قال الإمام: "ولا شك وأن تخريج ابن سريج يجري فيما لو صلى على ظهر الكعبة"، وهذا منه دال على أن ابن سريج إنما نص على الجواز في العرصة، وكذا حكاه بعضهم، وصرح في "التهذيب" عنه بنفي الجواز على ظهر الكعبة. والفرق لائح؛ إذ لا شيء عند انهدامها يستقبل غير العرصة، فقام بعضها مقام

стр. 979

كلها، كما قام بعض البناء مقام كله، ومع بقائها لا تستقبل عرصتها؛ فلذلك امتنعت الصلاة على ظهرها من غير شاخص، ولا خلاف [في] أنه لو وقف على طرف العرصة عند انهدامها، وجعل باقيها خلفه، لا تصح صلاته، وتلال الرمل [والتراب] في العرصة كالبناء، حتى تصح صلاته باستقبالها؛ كذا قاله في "التهذيب"، وصرح به في الشجرة أيضاً والزرع. وفي "النهاية" أن الحشيشة إذا علت في أرض الكعبة لا حكم لها في الاستقبال. وحكى في "الزوائد" عن رواية الطبري فيما إذا نبتت شجرة في البيت، وارتفعت على السطح، فاستقبلها، هل تصح أم لا؟ وجهان. ولو حفر [حفرة] في أرض الكعبة وصلى فيها، صحت صلاته. قال في "الذخائر": هكذا أطلقه بعض الأصحاب، وذلك إذا لم يجاوز

стр. 980

الحفر قواعد البيت، فإن جاوزها بحيث لا يحاذي بأعلى بدنه شيئاً [منها]، [لم تصح، وألا] فهو كالصلاة على ظهرها إلى سترة قصيرة. قلت: وفيما قاله نظر من وجهين: أحدهما: ما ظهر لك مما حكيناه عن الإمام في تعليل ما اكتفى به الأصحاب من الشاخص. والثاني: أن المعتبر عند فقد البناء [الظاهر] العرصة، لا ما بها من أساس؛ ولهذا لو أزيلت القواعد-والعياذ بالله-كان حكم الاستقبال باقياً [كما] عند بقائها، وحينئذ فلا فرق بين أن يتجاوز القواعد أو لا، كما أطلقه الأصحاب. واعلم: أنا حيث جوزنا الصلاة في الكعبة، صلاة النفل فيها أفضل منها خارجها، وكذا الفرض إن لم يرج جماعة، وإن رجاها فخارجها أفضل؛ قاله في "الروضة"؛ وهذا يؤخذ من قوله في "المهذب": "والأفضل أن يصلي الفرض خارجها؛ لأنه يكثر الجمع؛ فكان أفضل، وفيه نظر؛ لأن من قاعدة الشافعي: أنه إذا دار الأمر بين إدراك فضيلة [وبين بطلان العبادة، على اعتقاد غيره-كان ترك الفضيلة] إذا حصلت العبادة مجمعاً عليها أولى، دليله: ما ستعرفه في القصر ونحوه. قال: ومن غاب عنها، فأخبره ثقة-[أي: حر أو عبد، رجل أو امرأة عن علم-

стр. 981

[عمل به]؛ كالمفتي إذا أخبره ثقة] في الواقعة بخبر لا يجتهد، بل يعمل به. [وصورة ذلك] إذا كان بينه وبين الكعبة جبل، عليه شخص يراها، فأخبره بها. وكذا لو كان يعلم أن الكعبة حيث تغيب الشمس في وقت مخصوص، فأخبره [من] على موضع عال: أنه رآها غربت في هذا الموضع، ونحو ذلك. أما لو أخبره عن اجتهاد، وهو من أهل الاجتهاد، ولم يضق الوقت-لا يقلده؛ لما تقدم في المواقيت. وكذا لو ضاق الوقت على المذهب، [بل] يصلي على حسب حاله في الوقت، [ويعيد] إذا عرف جهة الصواب، وإن كان قد وافق بصلاته الأولى القبلة. وعن ابن سريج: أنه يقلد غيره، ولا إعادة عليه، وطرده في الحاكم؛ كما ستعرفه في موضعه. وقال الماوردي: إنه يقلده بلا خلاف، وهل يعيد أم لا؟ قال الشافعي فيه كلاماً محتملاً، فقال ها هنا: "ومن خفيت عليه الدلائل، فهو كالأعمى"، وظاهره يقتضي سقوط الإعادة، وقال في موضع آخر حكاه [[عنه] المزني] ها هنا: " [ومن دله من المسلمين، وكان أعمى، لزمه اتباعه]،ولا يسع بصيراً خفيت عليه الدلائل اتباعه"، وظاهره يقتضي سقوط وجوب الإعادة. [و] اختلف أصحابنا فيه على ثلاث طرق: إحداها-وهي طريقة المزني وأبي الطب بن سلمة وأبي حفص بن الوكيل، وهي التي صححها في "المهذب"-: أن وجوب الإعادة على قولين: على الخلاف الظاهر في الموضعين، واختار المزني منهما عدم الإعادة. والطريقة الثانية-طريقة ابن سريج-: أنه لا إعادة عليه قولاً واحداً، وحمل قول الشافعي: "ولا يسع بصيراً خفيت عليه الدلائل اتباعه"- على ما إذا كان الوقت واسعاً. والطريقة الثالثة-طريقة أبي إسحاق المروزي-: أن الإعادة واجبة عليه قولاً واحداً، وحمل قوله: " [فهو] كالأعمى" على وجوب الاتباع، لا على سقوط الإعادة.

стр. 982

والغزالي قال تبعاً لإمامه: [إن] الحكم كما لو تناوب [مع] جمع على بئر، وعلم أن النوبة لا تنتهي إلهي إلا بعد خروج الوقت. وقد أفهم كلام الشيخ: أنه إذا أخبره غير ثقة- وهو الفاسق- بالقبلة: انه لا يرجع إلى قوله، وهو وجه في المسألة مقيس على ما لو أخبر عنه ﵇، و [لم] يحك الإمام غيره. وحكى القاضي الحسين [وغيره وجها] [آخر]: أنه يرجع إليه. وقال في "التتمة": إنه المذهب؛ لأنهم لا يتهمون في ذلك. ولا يقبل خبر الكافر [بحال]. وفي قبول رواية الصبي في ذلك وجهان، وقيل: قولان؛ لأن القاضي الحسين قال: إن القفال سأل أبا زيد عن ذلك، فقال: [إن الشافعي نص على قبول روايته؛ إذا كان مراهقاً، وانه سأل أبا عبد الله-أعني: الخضري-عن ذلك، فقال:] لا يجوز له تقليده نصاًن فأخبرته بقول أبي زيد، فقال: أنا لا أتهمه في ذلك. ويحتمل أن [يكون] الشافعي أراد بذلك [النص] إذا دله فإنه يجوز، وبالنص الثاني إذا أخبره بجهة القبلة باجتهاد من قبله. وبالجملة: فمعظم الأصوليين على عدم قبول روايته، والفوراني قال في كتاب الصيام: إن الأصح قبولها. قال [الإمام]: وعلى هذا يشترط أن يكون مميزاً، ولا يكون كذاباً. قال: وكذلك إذا رأى محاريب المسلمين في بلد صلى إليها، ولم يجتهد. قال ابن الصلاح: لأن الإجماع منعقد على اتباعها والعمل بها؛ فإن السلف والخلف مجمعون على [أن] من انتهى إلى بلد صلى إلى قبلة أهله، ولم يجتهد؛ وعلى ذلك يحمل ما حكاه ابن الصباغ من الإجماع، وبعضهم حمله على الإجماع

стр. 983

على نصها، فقال: لعل ذلك فيما إذا تكرر عليها الزمان، ووقف عليها العدد الكثير، وعدم الطاعنون والمنكرون؛ فإن ذلك ينزل منزلة إجماعهم عليها، وإلا يجوز [أن يكون] [الوضع] عن اجتهاد، والمخبر عن اجتهاد لا يعمل بخبره القادر عليه. والحكم في القرية الكبيرة المطروقة كالبلد، بل قال في "التهذيب": لو وجد محراباً، أو علامة للقبلة [في طريق] جادة المسلمين، وجب عليه التوجه إليها. وكذلك لو أخبره عدل بأنه رأى جماعة من المسلمين اتفقوا على هذه الجهة، فعليه قبوله، وليس بتقليد، بل هو قبول الخبر من أهله، كما لو أخبره أني رأيت الشمس طالعة. وإذا ثبت هذا الحكم في محاريب بلد صلى إليها المسلمون، ففي محراب رسول الله ﷺ بالمدينة وبكل موضع صلى فهي أولى؛ لأنه لا يقر على الخطأ، وبه صرح الأصحاب كافة، وقالوا: حكم ذلك حكم الكعبة فيما ذكرناه، ولا يجوز أن يجتهد فيه بالتيامن والتياسر. ولو تخيل عارف بأدلة القبلة: أن الصواب في ذلك أن يتيامن أو يتياسر قليلاً فخياله باطل. وهل يجوز أن يجتهد في محاريب المسلمين بالتيامن والتياسر؟ وفيه وجهان: ظاهر المذهب منهما في "النهاية" الجواز، وهو الذي أورده القاضي الحسين والفوراني والبغوي والمتولي والأكثرون، [كما] قال الرافعي. والمذكور في "الحاوي" مقابله، وهو ما حكاه الإمام عن شيخه. وقال بعض المتأخرين: إنه الصحيح؛ إذ لو جاز لمنع من الصلاة بدونه، ولا قائل به. وعبارة الإمام: أن من قال بالجواز، يلزمه أن يقول: حق على من يرجع إلى بصيرة إذا دخل إلى بلد أن يجتهد في صوب قبلته، وقد يلوح له [أن] التيامن وجه الصواب. قال: وهذا إن ارتكبه مرتكب، ففيه بعد ظاهر.

стр. 984

وقال القاضي الروياني وغيره: قبلة الكوفة يقيناً كقبلة المدينة؛ لأنه صلى إليها الصحابة، بخلاف قبلة البصرة. قال الرافعي: وقضية هذا جواز الاجتهاد في التيامن والتياسر في قبلة البصرة دون الكوفة، وفيما نقل عن ابن يونس القزويني: أن قبلة الكوفة قد صلى إليها عليّ مع عامة الصحابة، ولا اجتهاد مع إجماع الصحابة. قال: واختلف أصحابنا [في قبلة البصرة]: فمنهم من قال: هي كقبلة الكوفة. ومنهم من جوز فيها الاجتهاد؛ لأن ناصبها عتبة بن غزوان وناصب قبلة الكوفة عليّ، والصواب في فعل على أقرب. وألحق القاضي الحسين بالمحاريب الكوَّةَ الواحدة في المسجد، وقال: لو كان فيه كوى على نمط واحد على جوانب المسجد، يصلي ويعيد، اللهم [إلا] أن يكون بجانب واحدة منها علامة المحراب كالوتد للسراج ونحوه؛ فنه يصلي نحوه، ولا يعيد. وقد احترز الشيخ بقوله: "محاريب المسلمين" [عما] إذا رأى محاريب بلد خراب [لنكه] لا يعلم من أسسه؛ فإنه لا يجوز أني صلي إليها من غير اجتهاد، كما قال البندنيجي، ومحاريب القرية التي لا يدري: [أبناها] الكفار أم المسلمون بذلك أولى؛ صرح به في "التهذيب". وبقوله: "في بلد" عن القرية الصغيرة التي يجوز أن يتطرق الخطأ لأهلها إذا لم

стр. 985

يكثر المرور عليها- فإن محاريبها لا تمنع من الاجتهاد، بل لا يجوز إلا عن اجتهاد. نعم، لو نشأ فيها قرون من المسلمين، كان حكمها حكم البلد؛ قاله في "التهذيب"؛ وكذا إذا دخل إلى دار إنسان [يستخبر صاحبها]، ولا يجتهد. قال: وإن كان في برية، واشتبهت عليه القبلة، اجتهد في طلبها بالدلائل، أي: إن كان يعرفها، والوقت متسع؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا﴾ [الأنعام: ٩٧] وقال عز من قائل: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل:١٦]، ولأن له طريقاً يتوصل بها إلى معرفة المطلوب، وهي الاجتهاد، فلزمه سلوكه؛ كالحاكم إذا لم يجد في الحادثة نصًّا. ومما ذكرناه يظهر الفرق بين ما نحن فيه وبين ما إذا شك: هل صلى ثلاثاً أو أربعاً؟ أو نسي صلاة من الخمس، حيث قلنا: إنه يبني على اليقين فيهما؛ لأنه لا مجال للاجتهاد يهما؛ لفقد العلامات، وهي موجودة هنا. وإذا كان عليه طلبها بالدلائل، فلو تركه، وصلى [بالاجتهاد] إلى جهة، ثم ظهر أنها جهة [القبلة أو] غيرها، وجبت عليه الإعادة بلا خلاف. قال في "الذخائر": [وهذا بخالفي ما لو اشتبه عليه إناء طاهر، فهجم، وتوضأ بواحد من غير اجتهاد، فظهر أنه طاهر قبل شروعه في الصلاة-فإنه يصح وضوءه على الصحيح من المذهب؛ لأن المقصود من الوضوء الصلاة وقد وجد حال الدخول فيها العلم بها، بخلاف ما نحن فيه. وإذا اجتهد وغلب على ظنه في جهة [أنها القبلة] صلى إليها، ولا إعادة عليه، إلا أن يظهر خلافه، كما سيأتي. والدلائل، قد حكينا عن الشافعي أنه قال: هي الشمس، والقمر، والنجوم، والجبال، ومهب الرياح، ونحو ذلك. ونسب الإمام عد الريح منها إلى الصيدلاني، وقال: إنه بعيد جداً؛ فإن الرياح
следующие страницы →