المملكة العربية السعودية
وزارة التعليم العالي
جامعة أم القرى
معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي
مركز بحوث الدراسات الإسلامية
مكة المكرمة
ـ[سلسلة بحوث الدراسات الإسلامية (٥)]ـ
فقه السيرة النبوية
تأليف
منير غضبان
стр. 2
جامعة أم القرى ١٤١٩هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر.
غضبان، منير محمد
فقه السيرة النبوية- مكة المكرمة
٧٥٢ ص ٢٤. ١٧ سم (سلسلة بحوث الدراسات الإسلامية"٥").
ردمك: ٥ - ٤٤٤ - ٠٣ - ٩٩٦٠
١ - السيرة النبوية ٢ - الحديث - أحكام أ- العنوان ب- السلسلة ديوي ٢٣٩ ٣٤٧٠/ ١٩
رقم الايداع ٣٤٧٠/ ١٩
ردمك: ٥ - ٤٤٤ - ٠٣ - ٩٩٦٠
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 4
بين يدي البحث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار بسيرته، ودعا بدعوته إلى يوم الدين.
وبعد:
فهذا كتاب في فقه السيرة النبوية تم تأليفه وفق منهج مرسوم محدد.
حرصنا فيه على أن يحقق الهدف المرجو من وراء تأليفه. ولن أدخل بين الكتاب والقارئ إلا بمقدار ما أرسم له بعض المعالم يستضيء بها وهو يعيش معه.
١ - لا شك أن الطابع التعليمي يحكمه إذ هو معد أصلا ليكون بين يدي الدارسين.
٢ - لكن هذا لا يمنع أبدا أن تشارك العاطفة العقل في العمل. فليس الحديث في السيرة عن نظرية في الكيمياء أو مسألة في الرياضيات أو بحث في تاريخ الرومان. إنه حديث عن أحب ما في هذا الوجود لقلب المسلم. والذي لا يكمل إيمانه ولا يجد لذة لهذا الإيمان إلا به. فأين تخنق العاطفة والمشاعر. وأنت تتحدث عمن هو أحب إليك من ولدك ووالدك والناس أجمعين، وحتى من نفسك التي بين جنبيك؟
стр. 5
٣ - ولكن هذه العاطفة الموارة بقيت ضمن وهج المنهج المحدد، وحرصت على أن يكون المنبع الثر الأول هو القرآن الكريم. والمنبع الثر الثاني هو الحديث النبوي الشريف، فكان العمود الفقري لكل بحث من خلال كتب الحديث، لا كتب السيرة.
٤ - وحرصت على توثيق ما أكتبه - ما وسعني ذلك - وإعادته إلى مصادره. وعندما يكون الحديث، خارج إطار كتابي إمامي المحدثين البخاري ومسلم فإني أعتمد البحث عن درجة الحديث وصحته، وقد أسعفني الجامع الصغير وتخريج الأستاذ الألباني عليه في أحاديث الكتب الستة، ثم مجمع الزوائد للهيثمي في بقية الكتب. بحيث كان جل اعتمادي على هذين المصدرين.
٥ - وبعد الانتقال من رياض الحديث النبوي الشريف كنت أحرص على إتمام البناء من خلال كتب السيرة المنوعة. وكانت السيرة لابن كثير ذات الاهتمام الأول. لأنها كذلك اعتمدت كتب الحديث أساسا في العرض، وخاصة البيهقي في سننه ودلائله، ومسند الإمام أحمد.
٦ - ولا شك أن ابن إسحاق ﵀ في سيرته التي وصلتنا من خلال ابن هشام يبقى أكبر وأوسع مصدر للسيرة. وما من إمام كتب في السيرة إلا وكان ابن إسحاق عمدته، وله فضل عليه. لكني أضفت جديدا هو محاولة توثيق روآيات ابن إسحاق التي تعتمد السند، وتعتمد تصريح ابن إسحاق عمن حدث عنه. فيرتفع التدليس، وتصبح الحادثة موثقة بشكل أكثر.
стр. 6
٧ - ولم يمنعني بعد استيفاء البناء للحدث والحادثة أن أستأنس بروآيات غير محققة أو فيها شيء خفيف من الضعف، لا تعارض الصحيح المعتمد لتجلي جوانب مبهمة من السيرة، وتغذي التربية المطلوبة للنفس. وقد درج العلماء الثقات الأفذاذ على الأخذ بها في مجال السيرة.
٨ - لا بد أن أشير إلى أن الخطأ والنقص قرينان للنفس البشرية، فقد يكون الزلل في فهم أو استنتاج أو عرض أو رؤية لا أعلمه ويعلمه إخوان آخرون مضطلعون في هذا العلم، فأرجو أن يسعفوني بنصحهم وملاحظاتم، ورحم الله امرءا أهدى إلي عيوبي.
٩ - "ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله " (١)؛ فللمسؤولين في جامعة أم القرى، وافر الشكر والتقدير على ما هيأوا لي من مصادر ومراجع وتوجيهات، وعلى رأسهم معالي مديرها الدكتور راشد الراجح حفظه الله، وللمسؤولين في معهد البحوث العلمية في الجامعة وافر الشكر والتقدير كذلك وعلى رأسهم سعادة الدكتور حمزة الفعر عميد المعهد، على ما أولاني من عناية ورعاية ليأخذ هذا البحث طريقه إلى النور. وسعادة الدكتور رويعي الرحيلي مدير مركز الدراسات الإسلامية، الذي ذلل الصعوبات وبذل جهده متابعا حتى تمت طباعة الكتاب.
١٠ - وأخيرا أرجو الله جلت قدرته أن يجعل هذا الكتاب في صحيفة حسناتي
стр. 7
يوم القيامة يوم تعز الحسنات، وأن ينفع به ويكون خالصا لوجهه سبحانه، ويغفر لي ما به من زلات، فلا معصوم إلا المصطفى صلوات الله عليه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،،،
الباحث في جامعة أم القرى
منير محمد غضبان
في ١٠/ ٢/ ١٤٠٨ هـ
стр. 8
أولا
مباحث تمهيدية
стр. 9
الفصل الأول
معنى السيرة النبوية وأهميتها
تعريف بالسيرة النبوية:
السيرة لغة: السنة والطريقة والهيئة والحالة التي يكون عليها الإنسان وغيره.
والسيرة النبوية وكتب السيرة: مأخوذة من السيرة بمعنى الطريقة، وأدخل فيها الغزوات وغير ذلك. ويقال قرأت سيرة فلان: أي تاريخ حياته (١).
السيرة النبوية المطهرة تبحث:
- أولا: في حياة رسول الله ﷺ منذ إرهاصات مولده حتى انتقاله إلى الرفيق الأعلى.
- ثانيا: في حياة صحابته الذين جاهدوا معه، وصدقوا ما عاهدوا الله عليه.
- ثالثا: في تاريخ انتشار هذا الدين الذي ابتدأ بكلمة اقرأ في غار حراء نزل بها الأمين جبريل ﵇ على الأمين محمد ﷺ إلى أن دانت الجزيرة العربية به، ودخل الناس في دين الله أفواجا.
стр. 10
أهمية السيرة النبوية:
أما الموضوع الأول؛ وهو حياة رسول الله ﷺ فيمثل حياة سيد ولد آدم على ظهر هذه المعمووة «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومنذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول شافع، وأول مشفع، ولا فخر» (١).
وهل في الدنيا حدث أعظم من حياة سيد ولد آدم فيها، ندرسه ونطلع عليه ونتابع كل صغيرة وكبيرة فيه؟!
والموضوع الثاني وهو حياة صحابته الذين جاهدوا معه، فهم الذين شهد الله تعالى لهم أنهم خير أمة أخرجت للناس ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ..﴾ (٢).
وشهد لهم رسول الله ﷺ بقوله: «خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ...» (٣).
والموضموع الثالث وهو انتشمار الإسلام على هذه الأرض؛ الإسلام الذي كمله الله تعالى ورضيه لهذه الأمة إلى يوم القيامة، كما يقول :
стр. 11
﴿... اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ...﴾ (١).
فنحن إذا حين ندرس السيرة النبوية المطهرة. ندرس سيرة خير نبى اصطفاه ربه، وندرس سيرة خير أمة أخرجت للناس، وندرس تاريخ خير رسالة أنزلت للناس.
دراسة السيرة عبادة:
يقول تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا﴾ (٢).
فنحن مكلفون بالاقتداء برسول الله ﷺ ولن نتمكن من الاقتداء والتأسي به ما لم نفقه سيرته وندرسها ونتعرف عليها.
وإن كانت السيرة النبوية هي ما ورد عن رسول الله ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة، فأفعال النبي ﷺ تبرز أكثر ما يكون في السيرة.
ونحن مكلفون باتباع خيرة هذه الأمة، وأن لا نخرج على سنتهم وهديهم ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم﴾ (٣)
стр. 12
كيف نتبع سلف هذه الأمة ما لم نطلع على أعمالهم وجهادهم وسلوكهم؟!
ومن القواعد الشرعية المقررة: إن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ وقد اهتم الجيل الأول من الصحابة والتابعين وتابعيهم بهذه السيرة، كما روى محمد ابن عمر الواقدي عن عبد الله بن عمر بن علي بن الحسين عن أبيه قال: سمعت علي بن الحسين يقول: كنا نعلم مغازي النبي ﷺ كما نعلم السورة من القرآن (١).
مصادر السيرة:
أولا: القرآن الكريم:
فكتاب الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه هو المصدر الأول والأهم والأوثق في هذا الوجود للسيرة، وما نزل من القرآن قبل الهجرة يحمل بين ثناياه صورا واضحة عن السيرة النبوية. عن طفولة النبي ﷺ ، وعن بعثته، وعن جهاده للمشركين، وعن الحوار المستمر بين الرسول ﷺ وخصومه، ودعوتهم لدين الله تعالى، ومواقفهم من هذه الدعوة، ويعرض الجوانب النفسية والفكرية، عندهم، ويعرض صورا من ثبات المؤمنين، وتضحياتهم وإخلاصهم وجهادهم في سبيل الله بالكلمة الطيبة، وتحمل الأذى في الله ورسوله. وما نزل من القرآن بعد الهجرة كذلك يعرض صورا واضحة من السيرة.
стр. 13
فمواقف اليهود من الدعوة في المدينة، والرد على افتراءاتهم ودسهم وإثارة الشبه بما عندهم من علم في الكتاب يحرفون به الكلم عن مواضعه، ويكتمون ما آتاهم الله من البينات والهدى، ويؤمنون ببعض، ويكفرون ببعض.
ومواقف المنافقين من الرسول ﷺ ودعتهه والدين الذي جاء به، وتآمرهم على جماعة المؤمنين، وكيدهم لها، وإظهار الإيمان، وإبطان الكفر، وتلاحمهم في السر مع اليهود والمشركين ضد المسلمين، وأساليبهم الماكرة في الغدر وكشف هوياتهم ليكون المؤمنون منهم علاى حذر.
ومواقف المؤمنين وثباتهم مع رسول الله ﷺ ، وكيف برزت جلية في بدر واحد والخندق والحديبية وتبوك .. كيف كان يعتريهم الضعف البشري، وتنزل بهم المحن، ثم يتداركهم الله برحمته ويصفهم بقوله: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا﴾ (١).
ثانيا كتب السنة:
وهي الأصل الثاني بعد القرآن الكريم التي تستقى منها أحداث السيرة النبوية، إذ لا يوجد كتاب من الصحاح أو المسانيد إلا وأفرد للسيرة بابا يتناول فيه أحداثها وقد تم توثيقها فيما تم من نقد الأحاديث على ضوء علم مصطلح الحديث والجرح والتعديل.
هذا غير الأحاديث المتناثرة في أبواب أخرى مما يتعلق بالسيرة النبوية
стр. 14
المطهرة، كتب المناقب المنبثة في كتب الحديث تعتبر رافدا رئيسيا من روافد السيرة النبوية.
وتحسن الإشارة إلى محاولتين مهمتين في مجال استخلاص السيرة من القرآن والسنة:
- الأولى: هي محاولة استخلاص السيرة النبوية من القرآن الكريم وقد قام بها الأستاذ عزة دروزة تحت عنوان: السيرة النبوية، صور مقتبسة من القرآن الكريم. ووفق في ذلك إلى حد بعيد.
ولا شك أن كتب التفسير- وخاصة الطبري وابن كثير في تفسيرهما لآيات الجهاد- والتي وردت فيها غزوات النبي ﷺ قد أغنت السيرة غناء كبيرا.
ولعل ما كتبه صاحب الظلال سيد قطب ﵀ في ظلال هذه الآيات يعتبر من أجود ما كتب في السيرة في العصر الحديث.
- الثانية: ما كتبه المحدث ابن الديبع الشيباني في السيرة وسماه حدائق الأنوار ومطالع الأسرار، اعتمد أوثق الروايات وأصحها فقط في عرض السيرة النبوية. ولكنه لم يتمكن من سد الفجوات كلها في عرض السيرة النبوية المطهرة.
ثالثا: كتب السير والتراجم:
وهي المصدر المباشر الذي تستقى منه أحداث السيرة عادة. والسيرة النبوية لابن هشام تعتبر من الناحية العلمية أوفى كتاب يتداوله الناس، وأقدم
стр. 15
كتاب بين أيدينا كذلك، وسنعرض له فيما بعد ضمن الحديث عن اهتمام المسلمين بالسيرة.
وفي مجال التراجم فالطبقات الكبرى لابن سعد، والإصابة في تاريخ الصحابة هما الكتابان العمليان اللذان يرفدان السيرة النبوية في توضيح بعض الجوانب الغامضة فيها.
رابعا: كتب الدلائل والشمائل والمعجزات والخصائص:
وهذه تتناول جانبا من حياة الرسول ﷺ ، ولكنها تعرض السيرة بشكل غير مباشر وبصورة مختصرة في كثير من الأحيان، ومن أشهرها: دلائل النبوة للبيهقي، والشمائل للترمذي، والخصائص الكبرى للسيوطي.
خامسا: كتب التاريخ والأدب:
وهي أكثر من أن تحصى، ومعظم كتب التاريخ الإسلامي تفرد للسيرة النبوية جزءا أو أكثر تعرضها بتسلسلها التاريخي، وإن كانت السيرة النبوية لابن كثير قد أفردت في طبعة مستقلة حققها الدكتور مصطفى عبد الواحد حفظه الله، وتتميز السيرة عند ابن جرير الطبري ﵀ بوجود السند المتصل فيها، لكن هذه الأسانيد لم تنل حظها من العناية والتوثيق شأنها شأن كتب التاريخ الإسلامي كله.
مدى عناية المسلمين بها:
لما كانت أيام معاوية، أحب أن يدون في التاريخ كتاب، فاستقدم
стр. 16
عبيد بن شرية الجرهمي من صنعاء، فكتب له كتاب الملوك لأخبار الماضين.
(بعد هذا رأينا أكثر من واحد من العلماء يتجهون إلى علم التاريخ من ناحيته الخاصة لا العامة وهي سيرة الرسول ﷺ ، ولعلهم وجدوا في تدوين ما يتعلق به ﵊ شيئا يحقق ما في أنفسهم من تعلق به، وحب لتخليد آثاره، فجاء أكثر من رجل كلهم محدث، فدونوا في السيرة كتبا نذكر منهم عروة بن الزبير بن العوام (١) الفقيه المحدث، الذي مكنه نسبه من قبل أبيه الزبير وأمه أسماء بنت أبي بكر أن يروي الكثير من الأخبار والأحاديث عن النبي ﷺ وحياة صدر الإسلام.
وحسبك أن تعلم أن ابن إسحاق، والواقدي، والطبري أكثروا من الأخذ عنه، ولا سيما فيما يتعلق بالهجرة إلى الحبشة، والمدينة، وغزوة بدر، وكانت وفاة عروة- فيما يظن- سنة ٩٢ هـ.
ثم أبان بن عثمان بن عفان (٢) المدني المتوفى سنة ١٠٥ هـ فألف في السيرة
стр. 17
صحفا جمع فيها أحاديث حياة الرسول ﷺ .
ثم وهب بن منبه (١) اليمني المتوفى سنة ١١٠ هـ، وفي مدينة هيدلبرج بألمانيا قطعة من كتابه الذي ألفه في المغازي.
وغير هوتاء كثير، ممن قضى نحبه قرب تمام الربع الأول من القرن الثاني كشرحبيل بن سعد (٢) المتوفى سنة ١٢٣ هـ، وابن شهاب الزهري (٣) المتوفى سنة ١٢٤ هـ، وعاصم بن عمر بن قتادة (٤) المتوفى سنة ١٢٠ هـ، ومنهم من جاوزه بسنين كعبد الله بن أبي بكر بن حزم (٥) المتوفى سنة ١٣٥ هـ، وكان هوتاء الأربعة ممن عنوا بأخبار المغازي، وما يتصل بها.
ومنهم من عاش حتى أوشك أن يدرك منتصف القرن الثاني أو جاوزه بقليل؛ كموسى بن عقبة (٦) المتوفى سنة ١٤١ هـ، ثم معمر بن راشد (٧) المتوفى
стр. 18
سنة ١٥٠ هـ، ثم شيخ رجال السيرة محمد بن إسحاق (١) المتوفى سنة ١٥٢ هـ.
وجاء بعد هوتاء غيرهم، نذكر منهم زيادا البكائي (٢) المتوفى سنة ١٨٣ هـ، والواقدي (٣) صاحب المغازي المتوفى سنة ٢٠٧ هـ، ومحمد بن سعد (٤) صاحب الطبقات الكبرى المتوفي سنة ٢٣٠ هـ، وقبل أن تستأثر المنية بابن سعد عدت على ابن هشام في سنة ٢١٨ وابن هشام هو الرجل الذي انتهت إليه سيرة ابن إسحاق فعرفت أو شاع ذكره بها) (٥).
كلمة عن ابن إسحاق (٦) وسيرته
(ولد ابن إسحاق في المدينة، وترجح كتب التاريخ أن مولده كان سنة ٨٥ هـ أما وفاته فالأقوال فيها محصورة بين سنة ١٥٠ هـ وبين ١٥٣ هـ لا تكاد
стр. 19
تعدو هذه السنين الأربع.
ترك ابن إسحاق المدينة ورحل إلى غيرها متنقلا في أكثر من بلد، وفي ظننا أن رحلته إلى الإسكندرية التي كانت سنة ١١٥ هـ هي أولى رحلاته التي بدأ بها. وفي الإسكندرية حدث عن جماعة من أهل مصر منهم: عبيد الله بن المغيرة، ويزيد بن أبي حبيب، وثمامة بن شغي، وعبيد الله بن أبي جعفر، والقاسم بن قزمار، والسكن بن أبي كريمة، وانفرد ابن إسحاق برواية أحاديث عنهم لم يروها لهم غيره.
ثم كانت رحلته إلى الكوفة والجزيرة والري والحيرة وبغداد، وفي بغداد على الأرجح ألقى عصا الترحال ... ورواة ابن إسحاق من هذه البلدان أكثر ممن رووا عنه من أهل المدينة، بل المعروف أنه لم يرو له من أهل المدينة غير إبراهيم ابن سعد، وعاش ببغداد ما عاش حتى وافته منيته فدفن في مقبرة الخيزران) (١).
كان ابن إسحاق من أعلام القرن الثاني، وكان له علمه الواسع، وإطلاعه الغزير في أخبار الماضين، وشاءت المقادير أن يدخل ابن إسحاق على المنصور، ببغداد- وقيل بالحيرة- وبين يديه ابنه المهدي، فقال له المنصور: أتعرف هذا يابن إسحاق؟ قال: نعم، هذا ابن أمير المؤمنين، قال: اذهب فصنف له كتابا منذ خلق الله تعالى آدم ﵇ إلى يومك هذا.
فذهب ابن إسحاق، فصنف له هذا الكتاب، فقال له: لقد طولته
стр. 20
يابن إسحاق، اذهب فاختصره، فاختصره، وألقي الكتاب الكبير في خزانة أمير المؤمنين.
ولكن بعض الدارسين يرى أن ابن إسحاق لم يؤلف كتابه بأمر من الخليفة، ولا في بغداد أو الحيرة، وإنما ألفه في المدينة قبل إقامته لدى العباسيين.
(وتبين من سيرة ابن هشام، وما اقتطفه الطبري وغيره من سيرة ابن إسحاق أنها كانت أصلا مقسمة إلى ثلاثة أجزاء: المبتدأ، المبعث، والمغازي. أما المبتدأ فيتناول تاريخ ما قبل الإسلام، وينقسم إلى أربعة فصول: يتناول أولها تاريخ الرسالات السابقة على الإسلام، وثانيها تاريخ اليمن في الجاهلية، وثالثها تاريخ القبائل العربية وعباداتها، والرابع تاريخ مكة وأجداد الرسول ﷺ . ولا يعنى ابن إسحاق في هذا الجزء بأسانيد أخباره إلا نادرا. ويستقى من الأساطير والإسرائيليات.
أما المبعث فيشمل حياة النبي ﷺ في مكة، ونرى المؤلف فيه يصدر الأخبار الفردية بموجز حاو لها .. ويعنى بالترتيب الزمني للحوادث، كما تزداد عنايته بأسانيد الأخبار.
وأما المغازي، فتتناول حياة النبي في المدينة، وما جرى فيها. على أن يبدأ الخبر بموجز حاو لمحتوياته، ثم يتبعه بخبر من جميع الأقوال التي أخذها من رواته، ثم يكمله بما جمعه هو نفسه من المصادر المختلفة .. ويلتزم إيراد الإسناد، والترتيب الزمني) (١)
стр. 21
ومحمد بن إسحاق ﵀ ثبت في الحديث عند أكثر العلماء، وأما في المغازي والسير فلا تجهل إمامته فيهما (١).
(قال ابن شهاب الزهري: من أراد المغازي فعليه بابن إسحاق. ذكره البخاري في التاريخ وذكر عن سفيان بن عيينة أنه قال: ما أدركت أحدا يتهم ابن إسحاق في حديثه، وذكر أيضا عن شعبة بن الحجاج أنه قال: ابن إسحاق أمير المؤمنين، يعني في الحديث) (٢).
وذكر أبو يحيى الساجي ﵀ بإسناد له عن الزهري أنه قال: خرج
стр. 22
إلى قريته باذام، فخرج إليه طلاب الحديث، فقال لهم: أين أنتم من الغلام الأحول (يعني ابن إسحاق). وذكر عن يحيى بن معين وأحمد بن حنبل ويحيى بن سعيد أنهم وثقوا ابن إسحاق واحتجوا بحديثه. وذكر علي بن عمر الدارقطني في السنن حديث القلتين من جميع طرقه وما فيه من الاضطراب ثم قال في حديث جرى: وهذا يدل على حفظ محمد بن إسحاق وشدة إتقانه. قال الموتف: وإنما لم يخرج البخاري عنه وقد وثقه، وكذلك وثقه مسلم ابن الحجاج ولم يخرج عنه أيضا- إلا حديثا واحدا في الرجم- من أجل طعن مالك فيه. وإنما طعن فيه مالك فيما ذكر أبو عمر ﵀ عن عبد الله ابن إدريس الأودي؛ لأنه بلغه أن ابن إسحاق قال: هاتوا حديث مالك فأنا طبيب بعلله؛ فقال مالك: وما ابن إسحاق إن هو إلا دجال من الدجاجلة أخرجناه من المدينة.
وذكر الخطيب أحمد بن علي بن ثابت في تاريخه أنه روى عن سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وأبي سلمة بن عبد الرحمن. وروى عنه سفيان الثوري والحمادان، حماد بن سلمة بن دينار، وحماد بن زيد بن درهم، وشعبة. وذكر عن الشافعي ﵁ أنه قال: من أراد أن يتبحر في المغازي فهو عيال على ابن إسحاق (١).
وأما الرواة الذين رووا هذا الكتاب عنه فكثيرون منهم يونس (٢) بن بكير
стр. 23
الشيباني، ومحمد بن فليح (١)، والبكائي، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (٢)، وعبد الله بن إدريس (٣)، وسلمة بن الفضل الأسدي (٤).
ونذكر البكائي لأنه شيخ ابن هشام وهو: أبو محمد زياد بن عبد الله بن طفيل بن عامر القيسي العامري وهو ثقة خرج له البخاري في كتاب الجهاد، وخرج له مسلم في مواضع من كتابه، وحسبك بهذا تزكية، وقد روى زياد عن حميد الطويل، وذكر البخاري في التاريخ عن وكيع قال: زياد أشرف من أن يكذب في الحديث (٥).
قام العلامة الأستاذ محمد بن حميد الله بنشر أجزاء من سيرة ابن إسحاق الأصلية والتي وجدت مخطوطاتها في المغرب ودمشق. وليس بين يدينا من سيرة ابن إسحاق إلا هذه القطع المتناثرة، وهي لم يدخلها تهذيب ابن هشام بل بقيت على الأصل، وكان هذا في عام ١٣٩٦ للهجرة، ويوجد بعض المخطوطات المتناثرة يقال أنها من سيرة ابن إسحاق في قسم المخطوطات بجامعة أم القرى في مكتبة معهد البحوث العلمية تحتاج إلى تحقيق وتوثيق.
стр. 24
وكلمة عن ابن هشام وعمله في سيرة ابن إسحاق:
هو أبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري .. نشأ في البصرة، ثم نزل مصر .. والقول في وفاته غير مقطوع فيه برأي بين ٢١٣ هـ أو ٢١٨ هـ وكان إماما في النحو واللغة العربية، ويحدثنا عنه الذهبي وابن كثير أنه حين جاء إلى مصر اجتمع به الشافعي، وتناشدا من أشعار العرب: أشياء كثيرة.
وأما عمله في السيرة فكما قال عن نفسه: وأنا إن شاء الله مبتدئ هذا الكتاب بذكر إسماعيل بن إبراهيم ومن ولد رسول الله ﷺ من ولده، وأولادهم لأصلابهم، الأول فالأول، من إسماعيل إلى رسول الله ﵌، وما يعرض من حديثهم، وتارك ذكر غيرهم من ولد إسماعيل على هذه الجهة للاختصار إلى حديث أسرة رسول الله ﷺ ، وتارك بعض ما يذكره ابن إسحاق في هذا الكتاب مما ليس لرسول الله ﷺ فيه ذكر، ولا نزل فيه من القرآن شيء، وليس سببا لشيء من هذا الكتاب، ولا تفسيرا له ولا شاهدا عليه، لما ذكرت من الاختصار، وأشعارا ذكرها لم أر أحدا من أهل العلم بالشعر يعرفها، وأشياء بعضها يشنع الحديث به، وبعض يسوء بعض الناس ذكره، وبعض لم يقر لنا البكائي بروايته ومستقص إن شاء الله تعالى ما سوى ذلك منه بمبلغ الرواية له والعلم به.
السيرة النبوية خلال القرون:
كان المشتغلون بالسيرة أولا محدثين ناقلين. ثم رأينا من جاء بعدهم جامعين مبوبين، ولما استوى للمتأخرين ما جمع المتقدمون، جاء طور النقد
стр. 25
والتعليق وعلى سبيل المثال لا الحصر نذكر:
١ - المغازي لمحمد بن عمر الواقدي المتوفى سنة ٢٠٧ هـ وقد طبعت بتحقيق الدكتور مارسذن جونس.
٢ - ابن فارس اللغوي المتوفى بالري سنة ٣٩٥ هـ وللسيرة التي كتبها نسختان مخطوطتان بدار الكتب المصرية ونسخة في مكتبة السليمانية باستانبول.
٣ - جوامع السير لابن حزم المتوفى سنة ٤٥٦ هـ.
٤ - الدرر في اختصار المغازي والسير لابن عبد البر المتوفى سنة ٤٦٣ هـ.
٥ - الاكتفاء في مغازي رسول الله ﷺ والثلاثة الخلفاء للكلاعي المتوفى سنة ٦٤٣ هـ.
٦ - ابن سيد الناس المصري الشافعي وكتابه عيون الأثر، والمتوفى سنة ٧٣٤ هـ.
٧ - شهاب الدين الرعيني الغرناطي المتوفى سنة ٧٧٩ هـ له رسالة في السيرة والمولد النبوي بدار الكتب الوطنية بمصر.
٨ - ابن جابر الأندلسي المتوفى سنة ٧٨٠ هـ وكتابه رسالة في السيرة والمولد بدار الكتب المصرية.
٩ - محمد بن يوسف الصالحي صاحب السيرة الشامية، ويطبعها مجمع البحوث الإسلامية في ثلاثة عشر جزءا المتوفى سنة ٩٤٢ هـ.
١٠ - علي بن برهان الدين صاحب السيرة الحلبية والمتوفى سنة ١٠٤٤ هـ.
***
стр. 26
الفصل الثاني
النبوة
حاجة البشر إلى الأنبياء:
خلق الله تعالى آدم ﵇، وأهبطه إلى الأرض، وأهبط الشيطان معه ﴿قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون * والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ (١).
وإبليس منذ أن عصى ربه: ﴿قال أنظرني إلى يوم يبعثون * قال إنك من المنظرين * قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم * ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين﴾ (٢).
وقد أوصى إبليس ذريته بهذه المهمة أن يفسدوا فطرة بني آدم ويضلوهم ويغووهم «.. وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم (٣) عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا» (٤).
стр. 27
وشاءت حكمته تعالى أن لا يدع البشر نهبة للشياطين، إنما أرسل إليهم الرسل ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ..﴾ (١).
وبذلك تقوم الحجة على الخلق كافة ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ..﴾ (٢) .. ﴿... وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾ (٣) .. ﴿رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ..﴾ (٤).
(ومن ها هنا تعلم اضطرار العباد فوق كل ضرورة إلى معرفة الرسول، وما جاء به، وتصديقه فيما أخبر به، وطاعته فيما أمر، فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا على أيدي الرسل عليهم الصلاة والسلام، ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلا من جهتهم، ولا ينال رضا الله البتة إلا على أيديهم، فالطيب من الأعمال والأقوال والأخلاق ليس إلا هديهم. وما جاؤوا به، فهم الميزان الراجح الذين على أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم توزن الأقوال والأعمال والأخلاق، وبمتابعتهم يتميز أهل الهدى من أهل الضلال، فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها، والروح إلى حياتها، فأي ضرورة وحاجة فرضت، فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير) (٥).
стр. 28
حاجتهم إلى خاتم الأنبياء:
وشاءت إرادته سبحانه أن يختم الأنبياء والرسل في الأرض بمحمد ﷺ لأن يختم الرسالات بالإسلام الذي نزله عليه، لأن يكون بشيرا ونذيرا للناس كافة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ويوم أن كانت بعثة النبي ﷺ كانت الأرض قد ظهر فيها الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، ونخرت الأرض بالضلالات. حتى آذن الله تعالى بإشراق شمس الإسلام التي بددت الظلمات المتكاثفة بعضها فوق بعض، وكانت البعثة النبوية إيذانا ببزوغ فجر جديد ليضيئ بنوره الخافقين «وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم (١) عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب (٢) وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظان ..» (٣).
لقد كانت البشرية على شفا الهاوية فأنقذها الله بمحمد ﷺ ﴿... وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون﴾ (٤).
(وما ظنك بمن إن غاب عنك هديه وما جاء به طرفة عين فسد قلبك ولكن لا يحس بهذا إلا قلب حي «وما لجرح بميت إيلام»، وإذا كانت
стр. 29
السعادة معلقة بهديه ﷺ فيجب على كل من أحب نجاة نفسه أن يعرف هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به من خطة الجاهلين) (١).
الإيمان هو الأصل والشرك طارئ:
خلق الله تعالى الخلق كافة على الفطرة، قد جبلها الله على التوحيد ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون﴾ (٢).
ولا عذر لمشرك بعد هذا الميثاق، وبعد التذكير به على لسان الرسل جميعا على مدار التاريخ والمخلوق الذي يخلق إنما يخلق حنيفا مسلما على فطرة التوحيد ابتداء «كل مولود يولد على الفطرة، حتى يعرب لسانه، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه» (٣).
والشياطين هي التي اجتالت بني آدم وحرفتهم عن التوحيد إلى الشرك كما مر في الحديث السابق وأحلت لهم ما حرم عليهم، وحرمت عليهم ما أحل الله لهم، وأمرتهم أن يشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا.
ويستوي في ذلك شياطين الإنس والجن ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا
стр. 30
شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون﴾ (١).
وهذه صورة من صور هذا الإيحاء: (عن ابن عباس ﵄ قال: صارت الأوثان التي في قوم نوح في العرب بعد .. أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت) (٢).
(وذكر الطبري هذا المعنى وزاد: أن سواعا كان ابن شيث، وأن يغوث كان ابن سواع، كذلك يعوق ونسر كلما هلك الأول، صورت صورته، وعظمت لموضعه من الدين، ولما عهدوا في دعائه من الإجابة، فلم يزالوا هكذا حتى خلفت الخلوف، وقالوا: ما عظم هوتاء آباؤنا إلا لأنها ترزق وتنفع وتضر، واتخذوها آلهة) (٣).
النبوة اجتباء من الله تعالى واصطفاء:
﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون﴾ (٤).
стр. 31
والمراد بالاختيار الاجتباء والاصطفاء. وهو المتفرد بالخلق، وهو المتفرد بالاختيار فإنه أعلم بمواقع اختياره، كما قال تعالى: ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته ..﴾ (١)، وكما قال: ﴿وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم (٢) * أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ..﴾ (٣).
فأنكر سبحانه عليهم تخيرهم، وأخبر أن ذلك إلى الذي قسم بينهم معيشتهم ورفع بعضهم فوق بعض درجات .. وكما خلقهم اختار منهم هوتاء، وهذا الاختيار راجع إلى كلمته سبحانه وعلمه بمن هو أهل له لا إلى اختيار هوتاء واقتراحهم.
وهذا الاختيار العام من أعظم آيات ربوييته، وأكبر شواهد وحدانيته وصفات كماله وصدق رسله.
ومن هذا اختياره من الملائكة المصطفين منهم كما قال النبى ﷺ :
«اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» (٤).
كذلك اختياره سبحانه الأنبياء من ولد آدم، لاختياره الرسل منهم
стр. 32
واختياره أولي العزم منهم، وهم الخمسة المذكورون في سورتي الأحزاب والشورى (١) واختياره منهم الخليلين إبراهيم ومحمدا ﷺ أجمعين، ومن هذا اختياره سبحانه ولد إسماعيل من أجناس بني آدم، ثم اختار منهم بني كنانة من خزيمة، ثم اختار من ولد كنانة قريشا، ثم اختار من قريش بني هاشم، ثم اختار من بني هاشم سيد ولد آدم محمدا ﷺ ، واختار أمته على سائر الأمم.
كما في المسند عن معاوية بن حيدة مرفوعا: «أنتم توفون سبعون أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله» (٢).
...
стр. 33
الفصل الثالث
لمحة عن أصل العرب وعقيدتهم
أصل العرب وعقيدتهم:
قال ابن هشام: (فالعرب كلها من ولد إسماعيل وقحطان. وبعض أهل اليمن يقول: قحطان من ولد إسماعيل، ويقول: إسماعيل أبو العرب كلها) (١).
(ومن جعل العرب من إسماعيل قالوا فيه " أي في قحطان " هو ابن تيمن بن قيذر بن إسماعيل، وقد احتجوا لهذا القول بقول النبي ﷺ «ارموا يا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا» قال هذا القول لقوم من أسلم بن أفصى. وأسلم أخو خزاعة وهم من سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان) (٢).
وأي الرأيين كان في انتساب العرب كلها لإسماعيل ﵊، أو لقحطان وإسماعيل فإن مما لا شك فيه أن أول من نطق بالعربية الفصحى هو إسماعيل ﵊، لقوله ﷺ : «أول من فتق لسانه بالعربية المبينة إسماعيل وهو ابن أربع عشرة سنة» (٣) (وإسماعيل بن
стр. 34
إبراهيم نبي الله تعالى أرسله الله تعالى إلى أخواله من جرهم، وإلى العماليق الذين كانوا بأرض الحجاز فآمن بعض وكفر بعض) (١).
ولا شك أن إسماعيل وبنيه هم أشرف العرب فهم الذين اختارهم الله تعالى ليكونوا أصل النبي ﷺ كما في الحديث الصحيح «إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة ..» (٢).
طروء الشرك عليهم:
وبقي المؤمنون على دين إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام موحدين حنفاء إلى أن جاء عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف فأدخل الشرك في الحنيفية السمحاء.
فعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لأكثم ابن الجون الخزاعي: «يا أكثم، رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه (٣) في النار، فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به، ولا بك منه» فقال أكثم: عسى أن يضرني شبهه يارسول الله؟ قال: «لا، إنك مؤمن وهو كافر، إنه كان أول من غير دين إسماعيل، فنصب الأوثان (٤)، وبحر
стр. 35
البحيرة (١)، وسيب السائبة (٢)، ووصل الوصيلة (٣)، وحمى الحامي (٤)».
قال ابن هشام: (حدثني بعض أهل العلم أن عمرو بن لحي خرج من مكة إلى الشام في بعض أموره، فلما قدم مآب من أرض البلقاء، وبها يومئذ العماليق .. رآهم يعبدون الأصنام، فقال لهم: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون؟ قالوا له: هذه أصنام نعبدها، فنستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا، فقال لهم: أفلا تعطوني منها صنما، فأسير به إلى أرض العرب، فيعبدوه؟ فأعطوه صنما يقال له هبل، فقدم به مكة، فنصبه، وأمر الناس بعبادته وتعظيمه) (٥).
(وكان عمرو بن لحي حين غلبت خزاعة على البيت، ونفت جرهم من مكة قد جعلته العرب ربا لا يبتدع لهم بدعة إلا اتخذوها لشرعة لأنه كان يعظم الناس ويكسو في الموسم، فربما نحر في الموسم عشرة آلاف بدنة، وكسا عشرة آلاف حلة، حتى ليقال: إنه اللات التي يلت السويق للحجيج على صخرة معروفة تسمى صخرة اللات، ويقال أن الذي يلت كان من ثقيف، فلما مات
стр. 36
قال لهم عمرو إنه لم يمت ولكن دخل في الصخرة، ثم أمرهم بعبادتها، وأن يبنوا عليها بيتا يسمى اللات، ويقال دام أمره وأمر ولده على هذا بمكة ثلاثمائة سنة، فلما هلك سميت تلك الصخرة: اللات مخففة التاء واتخذ صنما يعبد) (١) .. وكانت التلبية في عهد إبراهيم: لبيك لا شريك لك، حتى كان عمرو بن لحي. فبينما هو يلبي تمثل له الشيطان في صورة شيخ يلبي معه. فقال عمرو: لبيك لا شريك لك. فقال الشيخ: إلا شريكا هو لك. فأنكر ذلك عمرو وقال: وما هذا؟ فقال الشيخ: قل: تملكه وما ملك، فإنه لا بأس: بهذا، فقالها عمرو، فدانت بها العرب) (٢).
إنها الطاعة العمياء التي تقود إلى الضلال، فإعظام العرب عمرو بن لحي دفعهم إلى طاعته في كل ما شرع، ودفعهم إلى الشرك بالله. كما كان الأحبار والرهبان يفعلون باليهود والنصارى.
يقول ابن تيمية: (وقال سبحانه عن النصارى (٤: ١٧١): ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله﴾.وقال (٥: ١٦ و ٧٢): ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم﴾ إلى غير ذلك من المواضع.
ثم إن الغلو في الأنبياء والصالحين: قد وقع في طوائف من ضلال المتعبدة والمتصوفة حتى خالط كثيرا منهم من مذاهب الحلول والاتحاد ما هو أقبح من قول النصارى أو مثله أو دونه. وقال تعالى: (٩: ٣١) ﴿اتخذوا
стр. 37
أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم ..﴾ وفسره النبي ﷺ لعدي بن حاتم ﵁ بأنهم «أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم، وحرموا عليهم الحلال فاتبعوهم»، كثير من أنواع المتعبدة يطيع بعض المعظمن عنده في كل ما يأمره به، وإن تضمن تحليل تحريم أدر تحريم حلال) (١).
عناية الإسلام بسد ذرائع الشرك:
وبعد أن بعث الله تعالى نبيه محمدا بالحق والهدى، وبالآيات البينات، سد طرائق الشرك وذرائع الشيطان التي يتوصل بها للانحراف بالناس.
فلقد حفظ كتابه من الزيادة والتحريف وتكفل جل وعلا به بينما كان الربانيون والأحبار من أهل الكتاب هم المستحفظون على كتبهم ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء ..﴾ (٢).
أما القرآن الكريم فـ ﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد﴾ (٣) ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ (٤).
والسنة النبوية المصدر الثاني للتشريع قد تكفل العلماء بجمعها وتحقيقها، فقاموا بهذا الأمر خير قيام، وأدوا أمانة الاستحفاظ عليها خلال القرون،
стр. 38
وحفظوها من كيد الكائدين: وغرض المغرضين، وبذلك بقيت أصول الشريعة نقية من كل شائبة، محفوظة من كل دخل، لتقوم الحجة على الناس إلى قيام الساعة «تركتكم على البيضاء نقية ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ» (١). «تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض» (٢).
وفي حفظ أصول الشريعة وينابيعها يكشف كل زيغ وضلال وشرك. وربط الله تعالى طاعة أولي الأمر وقادة الأمة بطاعة الله تعالى ورسوله، فهم يطاعون بما ينفذون من حكم الله، ولا يطاعون لأشخاصهم وأعيانهم، وفي القرآن الكريم: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ (٣).
وفي الوقت الذي يأمر الله تعالى ورسوله المؤمنين بطاعة أولي الأمر مهما كانوا ما أقاموا كتاب الله، ونفذوا شريعته: «ولو كان عبدا حبشيا كأن رأسه زبيبة» (٤).
وفي الوقت نفسه يأمر الله تعالى ورسوله المؤمنين أن يأخذوا على يد الظالم
стр. 39
وأن يقاتلوا من خرج على شريعة الله، وأنتهك حرمات الله تعالى. بل يجعل أقرب القربات له سبحانه أن يقتل المسلم وهو يذود عن دينه في وجه الطغاة والمتنفذين «سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر أمره فنهاه فقتله» (١) «ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرا، ولتقصرنه على الحق قصرا» (٢).
والصالحون من الأمة مهما على شأنهم في الدنيا فهم عبيد لله تعالى، ورسول الله ﷺ سيد العابدين «لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم فإنما عبد الله ورسوله» (٣).
وإذا كان هو ﵊ في أعظم مقامات العبودية، فلن يرتفع مخلوق فوقه في هذا الوجود عن هذا المقام.
وإذا كان سيد ولد آدم ﵊ وهو بشر لن يرتفع عن مقام العبودية، فالأشياء مهما سمت من مواقع وأماكن هي من آثاره ﷺ ، فليس لها قداسة ترتفع بها إلى أن تعبد من دون الله.
وأعظم ما في هذا الوجود من الأشياء هو بيت الله الحرام، والكعبة المشرفة، والحجر الأسود هو قمة التشريف فيها. وكان رسول الله ﷺ يقبله فقط.
стр. 40
(وهذا كما أنه قد ثبت باتفاق أهل العلم أن النبي ﷺ لما حج البيت لم يستلم من الأركان إلا الركنين ايمانيين. فلم يستلم الركنين الشامين ولا غيرهما من جوانب البيت، ولا مقام إبراهيم ولا غيره من المشاعر، وأما التقبيل فلم يقبل إلا الحجر الأسود.
وقد اختلف في الركن اليماني فقيل: يقبله، وقيل: يستلمه ويقبل يده، وقيل: لا يقبله ولا يقبل يده .. والأقوال الثلاثة مشهورة في مذهب أحمد ورغيره.
والصواب: أنه لا يقبله ولا يقبل يده، فإن النبى ﷺ لم يفعل هذا ولا هذا كما تنطق به الأحاديث الصحيحة.
ثم هذه مسألة نزاء، وأما مسائل الإجماع فلا نزاع بين الأئمة الأربعة ونحوهم من أئمة العلم أنه لا يقبل الركنين الشاميين، ولا شيئا من جانب البيت. فإن النبي ﷺ لم يستلم إلا الركنين اليمانيين، وعلى هذا عامة السلف. وقد روي «أن ابن عباس ومعاوية طافا بالبيت فاستلم معاوية الأركان الأربعة، فقال ابن عباس: إن رسول الله ﷺ لم يستلم إلا الركنين اليمانيين، فقال معاوية: ليس شيئا من البيت متروكا. فقال ابن عباس: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، فرجع إليه معاوية») (١).