قال لهم عمرو إنه لم يمت ولكن دخل في الصخرة، ثم أمرهم بعبادتها، وأن يبنوا عليها بيتا يسمى اللات، ويقال دام أمره وأمر ولده على هذا بمكة ثلاثمائة سنة، فلما هلك سميت تلك الصخرة: اللات مخففة التاء واتخذ صنما يعبد) (١) .. وكانت التلبية في عهد إبراهيم: لبيك لا شريك لك، حتى كان عمرو بن لحي. فبينما هو يلبي تمثل له الشيطان في صورة شيخ يلبي معه. فقال عمرو: لبيك لا شريك لك. فقال الشيخ: إلا شريكا هو لك. فأنكر ذلك عمرو وقال: وما هذا؟ فقال الشيخ: قل: تملكه وما ملك، فإنه لا بأس: بهذا، فقالها عمرو، فدانت بها العرب) (٢).
إنها الطاعة العمياء التي تقود إلى الضلال، فإعظام العرب عمرو بن لحي دفعهم إلى طاعته في كل ما شرع، ودفعهم إلى الشرك بالله. كما كان الأحبار والرهبان يفعلون باليهود والنصارى.
يقول ابن تيمية: (وقال سبحانه عن النصارى (٤: ١٧١): ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله﴾.وقال (٥: ١٦ و ٧٢): ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم﴾ إلى غير ذلك من المواضع.
ثم إن الغلو في الأنبياء والصالحين: قد وقع في طوائف من ضلال المتعبدة والمتصوفة حتى خالط كثيرا منهم من مذاهب الحلول والاتحاد ما هو أقبح من قول النصارى أو مثله أو دونه. وقال تعالى: (٩: ٣١) ﴿اتخذوا
стр. 37
أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم ..﴾ وفسره النبي ﷺ لعدي بن حاتم ﵁ بأنهم «أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم، وحرموا عليهم الحلال فاتبعوهم»، كثير من أنواع المتعبدة يطيع بعض المعظمن عنده في كل ما يأمره به، وإن تضمن تحليل تحريم أدر تحريم حلال) (١).
عناية الإسلام بسد ذرائع الشرك:
وبعد أن بعث الله تعالى نبيه محمدا بالحق والهدى، وبالآيات البينات، سد طرائق الشرك وذرائع الشيطان التي يتوصل بها للانحراف بالناس.
فلقد حفظ كتابه من الزيادة والتحريف وتكفل جل وعلا به بينما كان الربانيون والأحبار من أهل الكتاب هم المستحفظون على كتبهم ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء ..﴾ (٢).
أما القرآن الكريم فـ ﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد﴾ (٣) ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ (٤).
والسنة النبوية المصدر الثاني للتشريع قد تكفل العلماء بجمعها وتحقيقها، فقاموا بهذا الأمر خير قيام، وأدوا أمانة الاستحفاظ عليها خلال القرون،
стр. 38
وحفظوها من كيد الكائدين: وغرض المغرضين، وبذلك بقيت أصول الشريعة نقية من كل شائبة، محفوظة من كل دخل، لتقوم الحجة على الناس إلى قيام الساعة «تركتكم على البيضاء نقية ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ» (١). «تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض» (٢).
وفي حفظ أصول الشريعة وينابيعها يكشف كل زيغ وضلال وشرك. وربط الله تعالى طاعة أولي الأمر وقادة الأمة بطاعة الله تعالى ورسوله، فهم يطاعون بما ينفذون من حكم الله، ولا يطاعون لأشخاصهم وأعيانهم، وفي القرآن الكريم: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ (٣).
وفي الوقت الذي يأمر الله تعالى ورسوله المؤمنين بطاعة أولي الأمر مهما كانوا ما أقاموا كتاب الله، ونفذوا شريعته: «ولو كان عبدا حبشيا كأن رأسه زبيبة» (٤).
وفي الوقت نفسه يأمر الله تعالى ورسوله المؤمنين أن يأخذوا على يد الظالم
стр. 39
وأن يقاتلوا من خرج على شريعة الله، وأنتهك حرمات الله تعالى. بل يجعل أقرب القربات له سبحانه أن يقتل المسلم وهو يذود عن دينه في وجه الطغاة والمتنفذين «سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر أمره فنهاه فقتله» (١) «ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرا، ولتقصرنه على الحق قصرا» (٢).
والصالحون من الأمة مهما على شأنهم في الدنيا فهم عبيد لله تعالى، ورسول الله ﷺ سيد العابدين «لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم فإنما عبد الله ورسوله» (٣).
وإذا كان هو ﵊ في أعظم مقامات العبودية، فلن يرتفع مخلوق فوقه في هذا الوجود عن هذا المقام.
وإذا كان سيد ولد آدم ﵊ وهو بشر لن يرتفع عن مقام العبودية، فالأشياء مهما سمت من مواقع وأماكن هي من آثاره ﷺ ، فليس لها قداسة ترتفع بها إلى أن تعبد من دون الله.
وأعظم ما في هذا الوجود من الأشياء هو بيت الله الحرام، والكعبة المشرفة، والحجر الأسود هو قمة التشريف فيها. وكان رسول الله ﷺ يقبله فقط.
стр. 40
(وهذا كما أنه قد ثبت باتفاق أهل العلم أن النبي ﷺ لما حج البيت لم يستلم من الأركان إلا الركنين ايمانيين. فلم يستلم الركنين الشامين ولا غيرهما من جوانب البيت، ولا مقام إبراهيم ولا غيره من المشاعر، وأما التقبيل فلم يقبل إلا الحجر الأسود.
وقد اختلف في الركن اليماني فقيل: يقبله، وقيل: يستلمه ويقبل يده، وقيل: لا يقبله ولا يقبل يده .. والأقوال الثلاثة مشهورة في مذهب أحمد ورغيره.
والصواب: أنه لا يقبله ولا يقبل يده، فإن النبى ﷺ لم يفعل هذا ولا هذا كما تنطق به الأحاديث الصحيحة.
ثم هذه مسألة نزاء، وأما مسائل الإجماع فلا نزاع بين الأئمة الأربعة ونحوهم من أئمة العلم أنه لا يقبل الركنين الشاميين، ولا شيئا من جانب البيت. فإن النبي ﷺ لم يستلم إلا الركنين اليمانيين، وعلى هذا عامة السلف. وقد روي «أن ابن عباس ومعاوية طافا بالبيت فاستلم معاوية الأركان الأربعة، فقال ابن عباس: إن رسول الله ﷺ لم يستلم إلا الركنين اليمانيين، فقال معاوية: ليس شيئا من البيت متروكا. فقال ابن عباس: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، فرجع إليه معاوية») (١).
стр. 41
الفصل الرابع
نبذة عن حياة العرب
أصول العرب:
وأما أصول العرب فقد قسمها المؤرخون إلى ثلاثة أقسام بحسب السلالات التي ينحدرون منها:
(١) العرب البائدة: وهما العرب القدامى الذين لم يمكن الحصول على تفاصيل كافية عن تاريخهم مثل عاد وثمود وطسم وجديس وعملاق وسواها.
(٢) العرب العاربة: وهم العرب المنحدرة من صلب يعرب بن يشجب بن قحطان وتسمى بالعرب القحطانية.
(٣) العرب العدنانية: قال ابن إسحاق: فمن عدنان تفرقت القبائل من ولد إسماعيل بن إبراهيم ﵉، أما العرب العاربة- وهي شعب قحطان- فمهدها بلاد اليمن، وقد تشعبت قبائلها وبطونها فاشتهرت منها قبيلتان:
(أ) حمير: وأشهر بطونها زيد الجمهور، وقضاعة، والسكاسك.
(ب) كهلان: وأشهر بطونها همدان، وأنمار، وطيئ ومذحج وكندة ولخم، وجذام والأزد والأوس والخرزج وأولاد جفنة ملوك الشام.
стр. 42
وهاجرت بطون كهلان عن اليمن، وانتشرت في أنحاء الجزيرة، وكانت هجرة معظمهم قبيل سيل العرم حين فشلت تجارتهم لضغط الرومان وسيطرتهم على طريق التجارة البحرية، وإفسادهم طريق البر بعد احتلالهم بلاد مصر والشام.
وأما قيدار بن إسماعيل فلم يزل أبناؤه بمكة يتناسلون هناك حتى كان منه عدنان وولده معد، ومنه حفظت العرب العدنانية أنسابها. وعدنان هو الجد الحادي والعشرون في سلسلة النسب النبوي، وقد ورد أنه ﷺ كان إذا انتسب فبلغ عدنان يمسك ويقول: (كذب النسابون) (١) فلا يتجاوز.
وروي عن عروة بن الزبير أنه قال: ما وجدنا أحدا يعرف ما بين عدنان وإسماعيل، وعن ابن عباس ﵁ قال: بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أبا لا يعرفون (١).
وولد عدنان رجلين معد بن عدنان، وعك بن عدنان.
قال ابن هشام: فصارت عك في دار اليمن .. وترتفرقت بطون معد من ولده نزار. فكان لنزار أربعة أولاد تشعبت منهم أربع قبائل عظيمة: إياد وأنمار وبيعة ومضر وهذان الأخيران هما اللذان كثرت بطونهما واتسعت أفخاذهما. فكان من ربيعة: أسد، وعنزة، وعبد القيس، وابنا وائل بكر وتغلب
وحنيفه وغيرها ..
стр. 43
وتشعبت قبائل مضر إلى شعبتين عظيمتين: قيص عيلان بن مضر وبطون إلياس بن مضر. فمن قيس عيلان: بنو سليم، وبنو هوازن، وبنو غطفان، ومن غطفان: عبس وذبيان وأشجع وغنى.
ومن إلياس بن مضر: تميم بن مرة، وهذيل بن مدركة، وبنو أسد بن خزيمة، وبطون كنانة بن خزيمة، ومن كنانة قريش وهم أولاد فهر بن مالك بن النضر بن كنانة.
وأنقسمت قريش إلى قبائل شتى من أشهرها جمح وسهم وعدي ومخزوم وتيم وزهرة وبطون قصي بن كلاب وهي عبد الدار بن قصي وأسد بن عبد العزى بن قصي، وعبد مناف بن قصي. وكان من عبد مناف أربع فصائل: عبد شمس ونوفل والمطلب وهاشم .. وبيت هاشم هو الذي اصطفى الله منه سيدنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم ﷺ ).
قال ﷺ : «إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» (١).
ولما تكاثر أولاد عدنان تفرقوا في أنحاء شتى من بلاد العرب متتبعين مواقع القطر ومناقب العشب.
فهاجرت عبد القيس، وبطون من بكر بن وائل، وبطون من تميم إلى البحرين فأقاموا بها وخرجت بني حنيفة إلى اليمامة فنزلوا بحجر قصبة اليمامة،
стр. 44
وأقامت سائر بكر بن وائل في طول الأرض من ايمامة إلى البحرين إلى سيف كاظمة إلى البحر، فأطراف سواد العراق فهيت. وأقامت تغلب بالجزيرة الفراتية. ومنها بطون كانت تساكن بكرا. وسكنت بنو تميم ببادية البصرة، وأقامت بنو سليم بالقرب من المدينة، من وادي القرى إلى خيبر إلى شرقي المدينة إلى حد الجبلين إلى ما ينتهي إلى الحرة.
وسكنت ثقيف بالطائف، وهوازن في شرق مكة بنواحي أوطاس وهي على الجادة بين مكة والبصرة، وسكنت بنو أسد شرقي تيماء وغربي الكوفة بينهم وبين تيماء ديار بحتر من طيئ وبينهم وبين الكوفة خمس ليال.
وسكنت ذبيان بالقرب من تيماء إلى حوران.
وبقي بتهامة بطون كنانة، وأقام بمكة وضواحيها بطون قريش وكانوا متفرقين لا تجمعهم جامعة حتى نبغ فيهم قصي بن كلاب، فجمعهم وكون لهم وحدة شرفهم ورافقت من أقدارهم) (١).
الحالة الدينية:
انتشرت عبادة الأصنام عند العرب حتى ملأت كل فج فيهم.
فهذيل بن مدكة اتخذوا سواعا، وكلب بن وبرة اتخذوا ودا بدوحة الجندل، وأنعم من طيىء وأهل جرش من مذحج اتخذوا يغوث الجرش، وخيوان بطن من همدان اتخذوا يعوق، وذو الكلاع من حمير اتخذوا نسرا بأرض حمير،
стр. 45
ولبني ملكان صنم اسمه سعد ولقريش هبل صنم على جوف الكعبة. واتخذوا أسافا ونائلة على موضع زمزم.
(وكان أساف ونائلة رجلا وامرأة من جرهم، فوقع أساف على نائلة في الكعبة فمسخهما الله حجرين).
(قال ابن إسحاق: واتخذ أهل كل دار في دارهم صنما يعبدونه، فإذا أراد الرجل سفرا تمسح به حين يركب. فكان ذلك آخر ما يصنع حين يتوجه إلى سفره. وإذا قدم من سفره تمسح به فكان ذلك أول ما يبدأ به قبل أن يدخل على أهله. فلما بعث الله رسوله محمدا ﷺ بالتوحيد قالت قريش: أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب.
الطواغيت: وكانت العرب قد اتخذت مع الكعبة طواغيت وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة، لها سدنة وحجاب، وتهدي لها كما تهدي الكعبة، وتطوف بها كطوافها بها، وتنحر عندها. وهي تعرف فضل الكعبة عليها لأنها قد عرفت أنها بيت إبراهيم الخليل ومسجده) (١).
فكانت لقريش وبني كنانة العزى بنخلة، وكان سدنتها وحجابها بنو شيبان من سليم حلفاء بني هاشم.
وكانت اللات لثقيف بالطائف. وكان سدنتها وحجابها بنو معتب من ثقيف.
وكانت مناة للأوس والخزج ومن دان بدينهم من أهل يثرب على ساحل البحر.
стр. 46
وكان ذو الخلصة لدوس وخثعم وبجيلة. وكانت فلس لطيىء ومن يليها بجبلي طيىء.
وكان لحمير وأهل اليمن بيت بصنعاء يقال له رئام. وكان رضاء بيتا لبني ربيعة بن كعب.
وكان ذو الكعبات لبكر وتغلب ابني وائل.
أما اليهودية والنصرانية، فقد انتشرتا على نطاق واسع في اليمن، وفي يثرب كان لليهود تجمع ضخم. وفي خيبر كذلك. ولهم وجود على مستوى فردي في غير هذه الأمكنة. وللنصرانية وجود كذلك عند الغساسنة وقبائل تغلب وطيىء. وأعتنقها بعض ملوك الحيرة.
والحنفاء هم الذين كانوا لا يقرون عبادة الأصنام ويؤمنون بالله الواحد الأحد، وبعضهم كان من أهل الكتاب، وبعضهم كان يعتبر نفسه على دين إبراهيم ﵊، وينتظر قدوم نبي يأتيه الوحي من السماء ليتبعه.
الحالة السياسية:
(أ) الملك باليمن: لقد مر الملك باليمن بمراحل متعددة:
الأولى: في عهدهم الزاهر أيام السد ﴿لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور﴾ (١).
стр. 47
ويقدر المؤرخون أن هذا الأمر كان قبل قرابة سبعة قرون قبل الميلاد، واستمر ثلاثة قرون بعده.
الثانية: وهي خلال عهدهم الزاهر أيام ملك سليمان ﵇ وقصة ملكة سبأ مذكورة في القرآن وكانوا قد انحرفوا عن التوحيد وصاروا يعبدون الشمس. ﴿فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين * إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم * وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون﴾ (١).
ويشير القرآن الكريم إلى لباقة بلقيس وحصافه عقلها، وحزمها وانتشار الشووى الواعية في حكمها ﴿قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم * إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم * ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين * قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون * قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين * قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون * وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون﴾ (٢).
ثم يحدثنا عن إسلامها ودخولها في دين الله ﴿قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين﴾ (٣).
ويحدتنا ابن هشام عن عك بن عدنان الذين رحلوا إلى اليمن وعاشوا أيام
стр. 48
السد، وعن خروج عمرو بن عامر لما رأى ملامح انهياره.
والذي يوضحه القرآن أنهم كانوا على هدى من الله، وبارك الله لهم في أرضهم وزرعهم وضرعهم.
الثالثة: بعد أن انهار السد وتفرق كلهم في كل صقع ﴿فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل * ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور * وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين * فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور * ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين * وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك وربك على كل شيء حفيظ﴾ (١).
ويقدر المؤرخون أن هذا الأمر قد تم قبل ثلاثة قرون من البعثة النبوية، وهي صورة لحضارة قامت على أساس العقيدة وانهارت حين خرجت على منهج الله بعد أن عاشت قرنا طوالا.
الرابعة: وهي مرحلة استيلاء أبي كرب تبان أسعد على ملك اليمن، وامتداد نفوذه حتى وصل إلى مكة والمدينة وهو الذي ساق الحبرين من يهود المدينة إلى اليمن. وعمر البيت الحرام وكساه، وكان ملكه قبل ملك ربيعة بن نصر. وهو الذي أدخل النصرانية إلى اليمن. وجاء بعده ابنه حسان الذي امتد نفوذه إلى العراق وبعده أخوه عمرو.
стр. 49
الخامسة: مرحلة دخول النصرانية إلى نجران والتي صادفت وجود ذي نواس على رأس الحكم والذي كان يهوديا، وسار بجنوده فدعاهم إلى اليهودية وخيرهم بين القتل وبين الدخول في دينه فاختاروا القتل. وقصة الغلام والساحر والراهب والملك التي رواها الإمام مسلم (١) والترمذي تدل على عظمة هوتاء المسلمين وثباتهم على الحق في وجه الطاغية ذي نواس.
وحكى الله قصتهم في قوله سبحانه: ﴿قتل أصحاب الأخدود * النار ذات الوقود * إذ هم عليها قعود * وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود * وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد * الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد * إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق﴾ (٢).
السادسة: انهيار حكمهم بعد ذلك وابتداء استيلاء الأجنبي على أرضهم حيث استولى الأحباش عليها ثأرا من ذي نواس باسم النصرانية عام ٥٢٥ م. وبقوا على ذلك حتى استعادوا استقلالهم بمعونة الفرس بقيادة معد يكرب بن سيف بن ذي يزن الحميري، الذي اغتيل من الحبشة الذين أبقاهم لخدمته، وبموته انقطع الملك عن بيت ذي يزن، وولى كسرى غلاما فارسيا على صنعاء وجعل اليمن ولاية فارسية فلم تزل الولاة من الفرس تتعاقب على اليمن حتى كان آخرهم باذان الذي اعتنق الإسلام سنة ٦٣٨ م. وبإسلامه انتهى نفوذ فارس على بلاد اليمن.
стр. 50
الملك بالحيرة (١):
في عهد ملوك الطوائف قبل قرنين من الميلاد هاجر القحطانيون وسكنوا ريف العراق. وتبعهم بعض العدنانيين وعندما استعاد الفرس قوتهم عام ٢٢٦ م على عهد أردشير استولوا على العرب المقيمين على تخوم ملكه ورأى أنه لا يستطيع أن يحكم العرب ما لم يجعل عليهم رجلا منهم له عصبة تؤيده وتمنعه. وكان عمرو بن عدي أول ملوك الحيرة وتتابع الملوك بعد وكان أشدهم النعمان بن المنذر الذي غضب عليه كسرى بسبب وشاية دبرها له زيد بن عدي العبادي، وكانت وقعة ذي قار المشهورة بين العرب والعجم حيث انتصر فيها العرب وكان ذلك في أيام ولادة النب ﷺ . وولى كسرى بعدها على الحيرة حاكما فارسيا ثم أعاد الملك إلى آل لخم عام ٦٣٢ م حتى تولى المنذر الملقب بالمعرور ولم تزد ولايته على ثمانية أشهر حتى قدم خالد بن الوليد ﵁ بعساكر المسلمين.
لقد كان لهم مظاهر الملك، أما في حقيقة الأمر فكانوا صنيعة بيد الفرس، يحاربون بهم الغساسنة العرب في الشام لتهيئة مصالح فارس، ولا نزال
стр. 51
نذكر قول المثنى بن حارثة الشيباني الذي التقى مع وفد بني شيبان قبل الإسلام برسول الله ﷺ وقال له: (... وإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب دون ما يلي أنهار كسرى فعلنا. فإنا إنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى أن لا نحدث حدثا، ولا نؤوي محدثا، وإني أرى هذا الأمر الذي تدعونا إليه مما تكرهه الملوك.
فقال رسول الله ﷺ : «ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم في الصدق، وإن دين الله لن ينصره إلا من أحاط به من جميع جوانبه. أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلا حتى يورثكم الله أرضهم وأموالهم ويغرسكم نساءهم تسبحون الله وتقدسونه» فقال النعمان بن شريك: اللهم لك ذا ..) (١).
الملك بالشام:
(لما خرج عمرو بن عامر إلى اليمن مع قومه تفرقوا في البلدان فنزل آل جفنة ابن عمرو بن عامر الشام ونزلت الأوس الخزرج يثرب. ونزلت خزاعه مرا، ونزلت أزد السراة السراة. رنزلت أزد عمان عمان، ثم أرسل الله تعالى على السد السيل فهدمه) (٢).
وانتهت ولاية الضجاعمة من قضاعة على الشام بعد قدوم آل جفنة (الغسانيين) إليها فولتهم الروم ملوكا على عرب الشام، وكانت قاعدتهم دومة الجندل. ولم تزل تتوالى الغساسنة على الشام بصفتهم عمالا لملوك الروم حتى كانت وقعة اليرموك سنة ١٣ هـ. وانقاد للإسلام آخر ملوكهم جبلة بن الأيهم
стр. 52
الغساني في عهد عمر أمير المؤمنين ﵁. وهو الذي ارتد وذهب إلى قيصر عندما أراد عمر ﵁ أن ينتصف للأعرابي منه. وقال له: الإسلام سوى بينكما.
الإمارة بالحجاز: بقي إسماعيل ﵊ وولداه ثابت ثم قيدار على إمرة مكة، ثم رجع أمر مكة إلى مضاض بن عمرو الجرهمي جدهما. وبقي الأمر في جرهم قرابة عشرين قرنا من الزمان ثم غلبتهم خزاعة بعد بغيهم وصار أمر مكة لها حيث استمرت ثلاثمائة عام. إلى أن جاء قصي بن كلاب الذي تزوج بنت حليل بن حبشة الخزاعي. وانتقل أمر مكة له بعد حرب عنيفة احتكموا بعدها ليعمر بن عوف أحد بني بكر، فقضى بأن قصيا أولى بالكعبة وبأمر مكة من خزاعة وكان هذا في القرن الخامس للميلاد.
ونظم قصي بعبقريته أمر مكة، وقطعها رباعا بين قومه، وأسس دار الندوة، وكانت مجمع قريش وفيها تفصل مهام أمورها وتفض مشاكلها، وجمع مآثر قومه، بيده اللواء فلا تعقد الحرب إلا بيده. والحجابة فلا يفتح باب الكعبة أحدا إلا هو. وسقاية الحاج، حيث يملأ حياض مكة بالماء ويقذف التمر والزبيب ليشرب من شاء أن يشرب، ورفادة الحاج وهو طعام يصنع للحجاج على طريقة الضيافة، ثم توزعت هذه المآثر بعدها في قريش، فكانت السقاية والرفادة لهاشم بن عبد مناف، والحجابة واللواء لبني عبد الدار، حتى جاء الإسلام فأبقى الحجابة لهم كما قال ﵊ في فتح مكة: «ألا وإن كل ربا في الجاهلية أو دم أو مال أو مأثرة فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج» (١).
стр. 53
الحياة الاجتماعية والخلقية:
لا شيء أوضح في وصف الحالة الاجتماعية والخلقية من حديث المغيرة بن شعبة ﵁ بين يدي يزدجرد:
يقول يزدجرد: إني لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى ولا أقل عددا ولا أسوأ ذات بين منكم، قد كنا نوكل بكم قرى الضواحي ليكفونناكم، لا تغزون فارس ولا تطمعون أن تقوموا لهم. فإن كان عدكم قد كثر، فلا يغرنكم منا، وإن كان الجهد دعاكم فرضنا لكم قوتا إلى خصبكم وأكرمنا وجوهكم وكسوناكم وملكنا عليكم ملكا يرفق بكم، فأسكت القوم.
فقام المغيرة بن شعبة فقال: أيها الملك ....
فأما ما ذكرت من سوء الحال فما كان أسوأ حالا منا. وأما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع، كنا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيات، ونرى ذلك طعامنا. وأما المنازل فإنما هي ظهر الأرض، ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل، وأشعار الغنم ديننا أن يقتل بعضنا بعضا، وأن يبغي بعضنا على بعض، وإن كان أحدنا ليدفن ابنت هـ وهي حية كراهية أن تأكل من طعامه، وكانت حالتنا قبل اليوم على ما ذكرت لك ..) (١).
وقول جعفر بن أبي طالب ﵁ بين يدي النجاشي: (أيها الملك .. كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف ..) (٢).
стр. 54
وما رواه أبو داود عن عائشة ﵂ في موضوع النكاح والزنا يضيء جانبا آخر: فعن عروة بن الزبير أن عائشة ﵂ أخبرته أن النكاح في الجاهلية على أربعة أنحاء:
فنكاح منها نكاح الناس اليوم يخطب الرجل إلى الرجل وليته فيصدقها ثم ينكحها.
ونكاح آخر أن يقول الرجل لامرأته إذا طهرت من طمثها: أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها لا يمسها أبدا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إن أحب وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح يسمى نكاح الاستبضاع.
ونكاح آخر يجتمع الرهط دون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها فإذا حملت ووضعت ومر ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطع منهم رجل أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها فتقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت وهو ابنك يا فلان فتسمي من أحبت منهم باسمه، فيلحق به ولدها.
ونكاح رابع يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها وهن البغايا. كن ينصبن على أبوابهن رايات يكن علما لمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت فوضعت حملها جمعوا لها ودعوا لهم القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون فالتاطه ودعي ابنه لا يمتنع من ذلك، فلما بعث الله محمدا ﷺ هدم نكاح أهل الجاهلية كله إلا نكاح الإسلام اليوم) (١).
стр. 55
هذا وضع الطعام واللباس والمأوى والنكاح في المجتمع الجاهلي ووضع الحكم كذلك، حيث يبغي بعضهم على بعض ويأكل القوي الضعيف
وأحيانا على بكر أخينا ... إذا ما لم نجد إلا أخانا
والعصبية الجاهلية لها الحكم الفصل والتي مثلها ومثلهم المشهور: انصر أخاك ظالما أو مظلوما.
والخضوع لأعراف القبيلة وتقاليدها سواء أكانت حسنة أم قبيحة
وما إنا إلا من غزية إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد
وكانت أهدافهم لا تعدو ملذاتهم خمر وسيف ونساء
ولولا ثلاث هن من عيشة الفتى ... وحقك لم أحفل متى قام عودي
فمنهن سبقي العاذلات بشربة ... كميت متى ما تعل بالماء تزيد (١)
وتبكير يوم الدجن والدجن معجب ... ببهنكة تحت الفراش المورد (٢)
وكري إذا نادى المضاف مجنبا ... كسيد الغضا نبهته المتورد) (٣)(٤)
الحالة الاقتصادية:
أما الزراعة فكانت قائمة في أطراف الجزيرة العربية وخاصة في اليمن
стр. 56
والشام، وبعض الواحات المنتشرة في الجزيرة العربية.
لكن الغالب على البادية رعي الإبل والغنم وقصد مواقع الكلأ والتنقل لانتجاعه حيث لا يعرفون الاستقرار إلا في مضارب خيامهم، بينما كان أهل المدن الكبرى يعملون أحيانا في الزراعة.
وأما الصناعات فكانوا أبعد الأمم عنها، وكانوا يأنفون منها، ويتركون العمل فيها للأعجام والموالي، ويكفي أن نعلم أنهم عندما أرادوا بنيان الكعبة، وهي أقدس شيء عندهم استعانوا برجل قبطي نجار كان مقيما في مكة كما يذكر ابن إسحاق (١) ويقول الأموي في مغازيه: كانت هذه السفينة لقيصر ملك الروم تحمل آلات البناء من الرخام والخشب والحديد سرحها قيصر مع باقوم الرومي إلى الكنيسة التي أحرقها الفرس للحبشة، فلما بلغت مرساها في جدة بعث الله عليها ريحا فحطمتها) (٢).
لكن التجارة كان لها النصيب الأوفى وخاصة في مكة وقريش كما ذكر القرآن الكريم: ﴿لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتاء والصيف * فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف﴾ (٣).
غير أن هذه التجارة غير آمنة، وهي تتعرض للسلب والنهب في أي وقت، وقد تقع الحروب العنيفة من أجل ذلك، وما حرب الفجار عنا ببعيد، والتي قامت لأن عروة الرحال من هوازن أجار تجارة للنعمان بن المنذر على بني
стр. 57
كنانة، وقتل عروة الرحال على يدي البراض بن قيس، وهاجت الحرب بين القبيلتين (١)، وقد أدت هذه التجارة إلى تكوين طبقة من الأثرياء والمترفين مقابل طبقة من الفقراء والمعدمين المنبوذين.
ولا أدل على ذلك مما يعرضه القرآن من صورة الملأ المكذبين بالدين المترفين مقابل ما يعانيه الفقراء والمعذبون الذين تمثلوا بالمساكين والذين لا يجدون قوتهم الضروري ولا كسوتهم التي تقيهم حر الصيف وقر الشتاء. بل أوقف الملأ من قريش سماعهم للدعوة على ضوء إبعاد العبيد والموالي والفقراء من مجلسهم مع رسول الله ﷺ ) (٢).
الحالة الخلقية:
(لا ينكر أن أهل الجاهلية كانت فيهم دنايا ورذائل وأمور ينكرها العقل السليم ويأباها الوجدان، ولكن كانت فيهم من الأخلاق الفاضلة المحمودة ما يروع الإنسان ويفضي به إلى الدهشة والعجب، فمن تلك الأخلاق:
(١) الكرم، وكانوا يتبارون في ذلك ويفتخرون به، وقد استنفذوا فيه نصف أشعارهم بين ممتدح به ومثن على غيره. كان الرجل يأتيه الضيف في شدة البرد والجوع، وليس عنده من المال إلا ناقته التي هي حياته وحياة
стр. 58
أسرته، فتأخذه هزة الكرم، فيقوم إليها ويذبحها لضيفه، ومن آثار كرمهم أنهم كانوا يتحملون الديات الهائلة والحمالات المدهشة، يكفون بذلك سفك الدماء، وضياع الإنسان، ويمتدحون بها مفتخرين على غيرهم من الرؤساء والسادات.
وكانت من نتائج كرمهم أنهم كانوا يمتدحون بشرب الخمور، لا لأنها مفخرة في ذاتها، بل لأنها سبيل من سبل الكرم .. وإذا نظرت إلى دواوين شعراء الجاهلية تجد ذلك بابا من أبواب المديح والفخر، يقول عنترة بن شداد العبسي في معلقته:
ولقد شربت من المدامة ... بعدما ركد الهواجر بالمشوف المعلم
فإذا شربت فإنني مستهلك ... مالي، وعرضي وافر لم يكلم
وإذا صحوت فما أقصر عن ندى ... وكما علمت شمائلي تكرمي (١)
ومن نتائج كرمهم اشتغالهم بالميسر، فإنهم كانوا يرون أنه سبيل من سبل الكرم لأنهم كانوا يطعمون المسكين ما ربحوه، أو ما كان يفضل عن سهام الرابحين. ولذلك ترى القرآن الكريم لا ينكر نفع الخمر والميسر وإنما يقول ﴿وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ (٢).
(٢) ومن تلك الأخلاق الوفاء بالعهد، فقد كان العهد عندهم دينا يتمسكون به، ويستهينون في سبيله بقتل أولادهم، وتخريب ديارهم، وتكفي في
стр. 59
معرفة ذلك قصة هانئ بن مسعود الشيباني، والسموأل بن عادياء، وحاجب ابن زراة التميمى (١).
(٣) ومنها عزة النفس وإباء عن قبول الخسف والضيم، وكان من نتائج هذا فرط الشجاعة، وشدة الغيرة، وسرعة الانفعال، فكانوا لا يسمعون كلمة يشمون منها رائحة الذل والهوان إلا قاموا إلى السيف والسنان، وأثاروا الحرب العوان وكانوا لا يبالون بتضحية أنفسهم في هذا السبيل.
(٤) ومنها المضي في العزائم، فإذا عزموا على شيئ يرون فيه المجد والافتخار لا يصرفهم عنه صارف، بل كانوا يخاطرون بأنفسهم في سبيله.
(٥) ومنها الحلم والأناة والتؤدة، كانوا يمتدحون بها إلا أنها كانت فيهم عزيزة الوجود، لفرط شجاعتهم وسرعة إقدامهم على القتال.
(٦) ومنها السذاجة البدوية، عدم التلوث بلوثات الحضارة ومكائدها. وكان من نتائجه الصدق والأمانة والنفور من الخداع والغدر.
نرى أن هذه الأخلاق الثمينة- مع ما كان للجزيرة العربية من الموقع الجغرافي بالنسبة إلى العالم- كانت سببا في اختيارهم لحمل عبء الرسالة العامة، وقيادة الأمة الإنسانية والمجتمع البشري، لأن هذه الأخلاق وإن كانت
стр. 60
بعضها يفضي إلى الشر، ويجلب الحوادث الموتمة إلا أنها كانت في نفسها أخلاقا ثمينة، تدر المنافع العامة للمجتمع البشري بعد شيء من الإصلاح، وهذا الذي فعله الإسلام) (١).
يقول ابن تيمية ﵀: (وسبب هذا الفضل إما بالعلم النافع، وإما بالعمل الصالح ..
وأما العمل فإن مبناه على الأخلاق، وهي الغرائز المخلوقة في النفس، وغرائزهم (أي العرب) أطوع للخير من غيرهم. فهم أقرب للسخاء والحلم والشجاعة والوفاء، وغير ذلك من الأخلاق المحمودة، لكن كانوا قبل الإسلام طبيعة قابلة للخير، معطلة عن فعله، ليس عندهم علم منزل من السماء، ولا شريعة موروثة من نبي، ولا هم أيضا مشتغلون ببعض العلوم العقلية المحضة .. فلما بعث الله محمدا ﷺ بالهدى .. وتلقوه عنه بعد مجاهدته الشديدة لهم، ومعالجتهم على نقلهم من تلك العادات الجاهلية، والظلمات الكفرية، التي كانت قد أحالت قلوبهم عن فطرتها .. فأخذوا هذا الهدي العظيم بتلك الفطرة الجيدة، فاجتمع لهم الكمال بالقوة المخلوقة فيهم، والكمال الذي أنزله الله إليهم: بمنزلة أرض جيدة في نفسها، لكن هي معطلة عن الحرث، أو قد نبت فيها شجر العضاه والعوسج، وصارت مأوى الخنازير والسباع، فإذا طهرت من المؤذي من الشجر والدواب، وازدرع فيها أفضل الحبوب والثمار جاء فيها من الحرث ما لا يوصف مثله. فصار السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار أفضل خلق الله بعد الأنبياء، وصار أفضل الناس بعدهم من تبعهم بإحسان إلى يوم القيامة من العرب والعجم) (٢).
стр. 61
محمد ﷺ قبل البعثة
стр. 62
الفصل الخامس
اختياره من بيت شرف ونسب
عن شداد أنه سمع واثلة بن الأسقع يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» (١).
عن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: قلت: يا رسول الله إن قريشا جلسوا فتذاكروا أحسابهم بينهم، فجعلوا مثلك كمثل نخلة في كبوة من الأرض. قال النبي ﷺ : (إن الله خلق الخلق فجعلني من خيرهم، من خير فرتهم وخير الفريقين، ثم تخير القبائل فجعلني من خير قبيلة، ثم تخير البيوت فجعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفعسا وخيرهم بيتا) (٢).
وعن المطلب بن أبي وداعة قال: جاء العباس إلى رسول الله فكأنه سمع شيئا. فقام النبي ﷺ على المنبر فقال: «من أنا؟! قالوا: أنت رسول الله عليك السلام، قال: «أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب إن الله خلق الخلق فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم فرقتين فجعلني في خيرهم فرقة.، ثم
стр. 63
جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا وخيرهم نفسا» (١).
(وعن ابن عمر ﵄ قال: إنا لقعود بفناء النبي ﷺ إذ مرت بنا امرأة فقال بعض القوم: هذه ابنة الرسول ﷺ . فقال أبو سفيان: مثل محمد في بني هاشم مثل الريحانة في وسط النتن، فانطلقت المرأة فأخبرت النبي ﷺ فجاء النبي ﷺ يعرف في وجهه الغضب، فقال: «ما بال أقوال تبلغني عن أقوام؟ إن الله خلق السموات سبعا فاختار العليا منها، وأسكنها من شاء من خلقه، ثم خلق الخلق فاختار بني آدم، واختار من بني آدم العرب، واختار من العرب مضر، واختار من مضر قريشا، واختار من قريش بني هاشم، واختارني من بني هاشم. فأنا خيار من خيار من خيار فمن أحب العرب فبحبي أحبهم ومن ابغض العرب فببغص ابغضهم») (٢).
وعن سلمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا سلمان لا تبغضني فتفارق دينك» قلت: يا رسول الله، كيف أبغضك، وبك هداني الله، قال: «تبغض العرب فتبغضني» (٣).
...
стр. 64
أي شك بعد هذه الأحاديث الصريحة الواضحة يمكن أن يرد في شرف نسب النبي ﷺ ؟؟
إنه سيد ولد آدم، وخيرهم خلقا، وخيرهم فرقة، وخيرهم قوما، وخيرهم بيتا، وخيرهم نفسا .. وما كان أحد يماري في هذا الفضل في جاهلية ولا إسلام إلا أن يكون مبغضا حاسدا، أو ذا غرض وهوى.
لقد كانت العرب تعرف لهم هذا الفضل.
(.. ودفع ﷺ هو وأبو بكر ﵁ إلى مجلس من مجالس العرب فتقدم أبو بكر فسلم وقال: ممن القوم؟ قالوا: من ربيعة (١) قال: وأي ربيعة من هامتها أو لهازمها (٢)؟ قالوا: بل الهامة العظمى، قال: من أيها؟ قالوا: من ذهل الأكبر. قال: منكم حامي الذمار ومانع الجار فلان؟ قالوا: لا. قال: منكم قاتل الملوك وسالبها فلان؟ قالوا: لا. قال: منكم صاحب العمامة المفردة فلان؟ قالوا: لا. قال: فلستم من ذهل الأكبر، أنتم ذهل الأصغر. فقام إليه شاب حين بقل وجهه (أي طلع شعر وجهه) فقال له: إن على سائلنا أن نسأله.
يا هذا إنك قد سألتنا فأخبرناك، فمن الرجل؟ فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: أنا من قريش، فقال الفتى: بخ بخ أهل الشرف والرياسة، فمن أي قريش أنت؟ قال: من ولد تيم بن مرة. فقال الفتى: أمكنت. ثم قال:
стр. 65
أمنكم قصي (١) الذي كان يدعى مجمعا، قال: لا. قال: منكم هاشم (١) الذي هشم الثريد لقومه؟ قال: لا. قال: فمنكم شيبة الحمد عبد المطلب مطعم طير السماء الذي كأن وجهه القمر يضيء في الليلة الظلماء؟ قال: لا ...) (٢).
فقد كانت ربيعة تعلم فضل مضر وقريش وبني هاشم.
والمشهور أن (عمر بن الخطاب ﵁ لما وضع ديوان العطاء «كتب الناس على قدر أنسابهم فبدأ بأقربهم نسبا إلى رسول الله ﷺ . فلما انقضت العرب ذكر العجم» هكذا كان الديوان على عهد الخلفاء الراشدين وسائر الخلفاء من بني أمية وولد العباس إلى أن تغير الأمر بعد ذلك) (٣).
وعندما وضع عمر الديوان ﵁ «قالوا: يبدأ أمير المؤمنين بنفسه، فقال: لا. ولكن ضعوا عمر بحيث وضعه الله تعالى. فبدأ بأهل بيت رسول الله ﷺ ثم من يليهم. حتى جاءت نوبته في بني عدي وهم متأخرون عن أكثر بطون قريش» (٤).
وهذه الشهادة كذلك قدمها جعفر بن أبي طالب أمام النجاشي «حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه» (٥).
стр. 66
وقدمها المغيرة بن شعبة الثقفي بين يدي يزدجرد:
أيها المك، إن هوتاء رؤوس العرب ووجوههم، وهم أشراف يستحيون من الأشراف، وإنما يكرم الأشراف الأشراف، ويعظم حقوق الأشراف الأشراف.
ثم قال:
(فبعث الله إلينا رجلا معروفا، نعرف نسبه ونعرف وجهه ومولده، فأرضه خير أرضنا، وحسبه خير أحسابنا، وبيته أعظم بيوتنا، وقبيلته خير قبائلنا. وهو بنفسه كان خيرنا ..) (١).
وعندما قال لوط ﵊ لقومه وقد أرادوا إيذاءه في ضيفه:
(لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد﴾ (٢).
قال رسول الله ﷺ تعقيبا على قوله: «رحم الله لوطا كان يأوي إلى ركن شديد، وما بعث الله بعده نبيا إلا وهو في ثروة من قومه» (٣).
وشعيب ﵊ كان في منعة من قومه وهم الذين خافهم الكافرون فقالوا: ﴿يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز﴾ (٤).
стр. 67
إنها سنة الله تعالى إذن في رسله أن يبعث الرسول في منعة من قومه، وأن يكون من بيت حسب ونسب وشرف. وشاءت إرادته تعالى أن يحوز محمد ﵊ الشرف كله في المخلوقات ثم الشعوب ثم القبائل ثم البيوت ثم النفوس. فهو أشرف مخلوق في هذا الوجود.
ومن أجل هذا رأينا المرحلة المكية كلها والتي استمرت ثلاثة عشر عاما، كان رسول الله ﷺ يحياها في منعة من قومه وعشيرته الأدنين، من بني هاشم والمطلب، بينما وقف بنو عبد شمس وبنو نوفل على الحياد، وهما من بني عبد مناف، وخاضت قريش بعدها الحرب ضد النبي ﷺ ، لكنها لم تتمكن من النيل منه وهو في هذه الأرومة.
وأشد ما رأينا من كيد قريش يوم كتبوا الصحيفة القاطعة الظالمة:
تعاقدوا فيها على (ألا يناكحوا بني هاشم وبني عبد المطلب ولا يبايعوهم ولا يكلموهم لا يجالسوهم حتى يسلموا إليهم محمدا ﷺ (١).
فماذا كان الموقف؟ وماذا فعلت العصبة القبلية؟
«انحازت بنو هاشم وبنو عبد المطلب مؤمنهم وكافرهم ليلة هلال المحرم سنة سبع من النبوة- إلا أبا لهب وولده فإنهم ظاهروا قريشا على بني هاشم- فصاروا في شعب أبي طالب محصورين مضيقا عليهم أشد التضييق نحوا من ثلاث سنين، وقد قطعوا عنهم الميرة والمادة فكانوا لا يخرجون إلا من موسم إلى موسم حتى بلغهم الجهد، وكان حكيم بن حزام (٢) بن خويلد تأتيه العير تحمل
стр. 68
الحنطة من الشام فيقبلها الشعب ثم يضرب أعجازها فيدخل عليهم. فيأخذون ما عليها من الحنطة، (١).
وما انتهى الحصار بعد ثلاث سنين إلا من خلال العصبية القبلية:
«ثم سعى في نقض الصحيفة أقوام من قريش، وكان أحسنهم في ذلك بلاء هشام بن عمرو (٢) مشى في ذلك إلى زهير بن أبي أمية (٣)، وإلى مطعم بن عدي (٤)، وإلى أبي البختري بن هشام (٥)، وإلى زمعة بن الأسود (٦). وكان سهل بن بيضاء (٧) الفهري هو الذي مشى إليهم حتى اجتمعوا عليه، واتعدوا خطم الحجون بأعلى مكة وتعاهدوا هناك على نقض الصحيفة وما زالوا حتى شقوها ..» (٨).
وأن ينحاز المسلمون إلى شعب أبي طالب مع رسول الله ﷺ ويلقوا ما يلقوا من الجهد فأمر طبيعي مع الدعاة في الأرض. لكن صبر كفار بنى هاشم
стр. 69
وكفار بني المطلب على هذا الجهد ثلاث سنين- حتى كانوا يأكلون الخبط (١) وورق السمر (٢) حتى أن أحدهم ليضع كما تضع الشاة كما في الصحيح) (٣) - هذا الصبر بدافع العصبية القبلية. هو الأمر الذي يستحق العجب.
ولولا عظمة رسول الله ﷺ في نفوسهم وإجلاله في قلوبهم- على الرغم من ثباتهم على كفرهم- لما صبروا على هذا البلاء العظيم طيلة ثلاث سنين، وقد نزل بهم الجهد كما وصف سعد حالهم ﵁:
(خرجت ذات يوم أبول فسمعت قعقعة تحت البول، فإذا قطعة من جلد بعير يابسة فأخذتها وغسلتها، ثم أحرقتها ثم رضضتها، وسففتها بالماء فقويت بها ثلاثا) (٤).
(وكانوا إذا قدمت العير مكة يأتي أحدهم السوق ليشتري شيئا من الطعام لعياله فيقوم أبو لهب عدو الله فيقول: يا معشر التجار: غالوا على أصحاب محمد. حتى لا يدركوا معكم شيئا، فقد علمتم مالي ووفاء ذمتي. فأنا ضامن أن لا خسار عليكم، فيزيدون عليهم في السلعة، قيمتها أضعافا حتى يرجع إلى أطفاله، وهم يتضاغون من الجوع، وليس في يديه شيء يطعمهم به) (٥).
стр. 70
إنها معادن الرجال النفيسة التي حدثنا رسول الله ﷺ عنها، وحين زال عنها الران وانكشفت الحجب. كانت تظهر بجودة جوهرها ونفاسة معدنها: «الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» (١).
وعندما فقه العشيرة الأقربون، وعندما فقهت قريش أصبحت هي عز الإسلام وموطنه، والذائدة عنه والحامية له.
أما بنو المطلب وبنو هاشم، فقد مضوا في التاريخ جميعا من أهل البيت جزاء هذه المواقف العظيمة من نصرة النبي ﷺ ، كما قال ﵊ «أما بنو المطلب فلم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام».
وأما قريش. فقد مضيا في التاريخ سادة المسلمين في الأرض. فالعرب لا تدين إلا لقريش.
والقرشية شرط أساسي من شروط الخلافة العظمى- علما أرجح الآراء اعتمادا على الحديث الصحيح-.
و «الأئمة من قريش، أبرارها أمراء أبرارها، وفجارها أمراء فجارها، وإن أمرت عليكم قريش عبدا حبشيا مجدعا فاسمعوا له وأطيعوا، ما لم يخير أحدكم بين إسلامه وضرب عنقه. فإن خير بين إسلامه وضرب عنقه فليقدم عنقه» (٢).
وما أحوج الدعاة إلى الله تعالى اليوم أن يفقهوا هذا المعنى في تخيرهم
стр. 71
للمعادن النفيسة من الرجال والنساء فيضمونهم إلى ركب الدعاة فينتصرون للإسلام، وينتصرون به.
والمعنى الأدق من ذلك أن في صفوف الكافرين نماذج تحمل الصفات الخلقية الكريمة وذات مواقع حساسة من القوة في المجتمع الجاهلي، وشخصية الداعية التي تجذب هذه النماذج بخلقها وتضحياتها، وتغزوها في أعماقها. تدفع هذه النماذج من الكافرين إلى أن يكونوا حماة- للدعوة والداعية. ومن خلال مركز القوة الذي تملكه ومن خلال بعض الأعراف والقوانين الجاهلية، تستطيع أن تحتضن الدعوة، وتفسح لها مجال الحرية الطلق لتنمو، وإن كانت في عقيدتها على خلاف عقيدة الإسلام، أو تستطيع هذه النماذج الخيرة أن تحبط شرا يحيق بالمسلمين.
ومنعة العشيرة وشرف القبيلة فيما مضى، والذي كان يرعى الدعوة حتى تبلغ أشدها يمكن أن يظهر في عصرنا الحاضر بشرف النظام ومنعة القانون عند الذين يحرصون عليه من جهة وقد بهرتهم الدعوة من جهة أخرى، ولاقت جوهرا نفيسا عندهم وهم في مواقع المسئولية.
***
стр. 72
الفصل السادس
يتم النبي ﷺ -
المشهور في السيرة أن أبا الرسول ﷺ توفي ولم يزل ﵊ في بطن أمه. وأن أمه توفيت ولما يناهز السادسة من عمره.
لقد كان ﵊ يتيم الأب وهو الجنين في بطن أمه، ويتيم الأم وهو ابن سبع سنين.
(مات عبد الله بن عبد المطلب- ورسول الله ﷺ حمل في بطن أمه- بالمدينة وقيل بالأبواء بين مكة والمدينة والأول هو المشهور. وقيل مات بعد ولادته بثمانية وعشرين يوما، وقيل بسبعة أشهر، وقيل بسنة، وقيل بسنتين، وقيل بشهرين، والأول أثبت) (١).
(وكان رسول الله ﷺ مع أمه آمنة بنت وهب وجده عبد المطلب بن هاشم في كلاءة الله وحفظه، ينبته الله نباتا حسنا. لما يريد به من كرامته، فلما بلغ رسول الله ﷺ ست سنين توفيت أمه آمنة بنت وهب.
قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم:
стр. 73
أن أم رسول الله ﷺ آمنة توفيت ورسول الله ابن ست سنين بالأبواء بين مكة والمدينة. كانت قد قدمت به على أخواله من بني عدي بن النجار تزيره إياهم. فماتت وهي راجعة به إلى مكة) (١).
وعن خالد بن معدان الكلاعي:
(أن نفرا من أصحاب رسول الله قالوا له: يا رسول الله أخبرنا عن نفسك؟ قال: «نعم أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى أخي عيسى، واسترضعت في بني سعد بن بكر» (٢).
رضاعه ﷺ :
عن حليمة بنت الحارث أم رسول الله ﷺ السعدية التي أرضعته قالت: (خرجت في نسوة من بني سعد بن بكر نلتمس الرضعاء بمكة على أتان لي قمراء (٣) قد أذمت بالركب. قال: وخرجنا في سنة شهباء (٤) لم تبق شيئا ومعي زوجي الحارث بن عبد العزى، ومعنا شارف (٥) لنا والله إن يبض (٦) علينا بقطرة من لبن، ومعي صبي لي إن ننام (٧) ليلتنا مع بكائه ما في ثديي ما
стр. 74
يمصه وما في شارفنا من لبن نغذوه إلا أنا نرجو. فلما قدمنا مكة لم يبق منا امرأة إلا عرض عليها رسول الله ﷺ فتأباه، وإنما كنا نرجو كرامة رضاعه من والد المولود. وكان يتيما فكنا نقول: ما عسى أن تصنع أمه. حتى لم يبق من صواحب امرأة إلا أخذت صبيا غيري، وكرهت أن أرجع ولم آخذ شيئا، وقد أخذ صواحبي فقلت لزوجي: والله لأرجعن إلى ذلك فلآخذنه. قالت: فأتيته فأخذته فرجعته إلى رحلي. فقال زوجي: قد أخذتيه. فقلت: نعم والله ذاك أني لم أجد غيره. قال: قد أصبت فعسى الله أن يجعل فيه خيرا. فقالت: والله ما هو إلا أن جعلته في حجري. قالت: فأقبل عليه ثديي بما شاء من اللبن. قالت: فشرب حتى روي، وشرب أخوه- تعني ابنها- حتى روي، وقام زوجي إلى شارفنا من الليل، فإذا هي حافل فحلبت لنا ما شئنا، فشرب حتى روي، وشربت حتى رويت، فبتنا ليلتنا تلك بخير شباعا رواء وقد نام صبينا. قال: يقول أبوه:- يعني زوحها-:
والله يا حليمة ما أراك إلا أصبت نسمة مباركة قد نام صبينا وروي.
قالت: ثم خرجنا- فوالله لخرجت أتاني (١) أمام الركب قد قطعته حتى ما يبلغونها حتى أنهم ليقولون: ويحك يا بنت الحارث كفي علينا. أليس هذه بأتانك التي خرجت عليها فأقول: بلى والله وهي قدامنا حتى قدمنا منازلنا من حاضر بني سعد بن بكر. فقدمنا على أجدب أرض الله. فوالذي نفس حليمة بيده إن كانوا ليسرحون أغنامهم إذا أصبحوا، ويسرح راعي غنمي فتروح غنمي بطانا (٢) لبنا حفلا (٣)، وتروح أغنامهم جياعا هالكة ما بها من لبن. قالت:
стр. 75
فشربنا ما شئنا من لبن. وما في الحاضر أحد يحلب قطرة ولا يجدها، فيقولون لرعاتهم: ويلكم ألا تسرحون حيث يسرح راعي حليمة، فيسرحون في الشعب الذي يسرح فيه رأعينا.
قالت: وكان ﷺ يشب في اليوم شباب الصبي في شهر، ويشب في الشهر شباب الصبي في سنة. فبلغ ستا وهو غلام جفر (١). قال: فقدمنا أمه، فقلنا لها: وقال لها أبوه: لو تركت بني عندي حتى يغلظ. فإنا نخشى عليه وباء مكة. قالت: ونحن أضن بشأنه لما رأينا من بركته، فلم نزل بها حتى قالت: ارجعا به، فرجعنا به، فمكث عندنا شهرين. قال: فبينا هو يلعب وأخوه يوما خلف البيوت يرعيان بهما لنا إذ جاءنا أخوه يشتد فقال لي ولأبيه: أدركا أخي القرشي. قد جاءه رجلان فأضجعاه فشقا بطنه. فخرجنا نحوه نشتد، فانتهينا إليه وهو قائم منتقع لونه، فاعتنقه أبوه واعتنقته. ثم قلنا: ما لك أي بني. قال:
أتاني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني ثم شقا بطني، فوالله ما أدري ما صنعا. قالت: فاحتملناه فرجعنا به. قالت: يقول أبوه: والله يا حليمة ما أرى هذا الغلام إلا قد أصيب، فانطلقي فلنرده إلى أهله قبل أن يظهر به ما نتخوف عليه. قالت: فقلت: لا والله إنا كفلناه وأدينا الحق الذي يجب علينا فيه، ثم تخوفت الأحداث عليه. فقلت: يكون في أهله. قالت: فقالت أمه: والله ما ذاك بكما فأخبراني خبركما وخبره. قالت: فوالله ما نالت بنا حتى أخبرناها خبره فقالت: