للمعادن النفيسة من الرجال والنساء فيضمونهم إلى ركب الدعاة فينتصرون للإسلام، وينتصرون به.
والمعنى الأدق من ذلك أن في صفوف الكافرين نماذج تحمل الصفات الخلقية الكريمة وذات مواقع حساسة من القوة في المجتمع الجاهلي، وشخصية الداعية التي تجذب هذه النماذج بخلقها وتضحياتها، وتغزوها في أعماقها. تدفع هذه النماذج من الكافرين إلى أن يكونوا حماة- للدعوة والداعية. ومن خلال مركز القوة الذي تملكه ومن خلال بعض الأعراف والقوانين الجاهلية، تستطيع أن تحتضن الدعوة، وتفسح لها مجال الحرية الطلق لتنمو، وإن كانت في عقيدتها على خلاف عقيدة الإسلام، أو تستطيع هذه النماذج الخيرة أن تحبط شرا يحيق بالمسلمين.
ومنعة العشيرة وشرف القبيلة فيما مضى، والذي كان يرعى الدعوة حتى تبلغ أشدها يمكن أن يظهر في عصرنا الحاضر بشرف النظام ومنعة القانون عند الذين يحرصون عليه من جهة وقد بهرتهم الدعوة من جهة أخرى، ولاقت جوهرا نفيسا عندهم وهم في مواقع المسئولية.
***
стр. 72
الفصل السادس
يتم النبي ﷺ -
المشهور في السيرة أن أبا الرسول ﷺ توفي ولم يزل ﵊ في بطن أمه. وأن أمه توفيت ولما يناهز السادسة من عمره.
لقد كان ﵊ يتيم الأب وهو الجنين في بطن أمه، ويتيم الأم وهو ابن سبع سنين.
(مات عبد الله بن عبد المطلب- ورسول الله ﷺ حمل في بطن أمه- بالمدينة وقيل بالأبواء بين مكة والمدينة والأول هو المشهور. وقيل مات بعد ولادته بثمانية وعشرين يوما، وقيل بسبعة أشهر، وقيل بسنة، وقيل بسنتين، وقيل بشهرين، والأول أثبت) (١).
(وكان رسول الله ﷺ مع أمه آمنة بنت وهب وجده عبد المطلب بن هاشم في كلاءة الله وحفظه، ينبته الله نباتا حسنا. لما يريد به من كرامته، فلما بلغ رسول الله ﷺ ست سنين توفيت أمه آمنة بنت وهب.
قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم:
стр. 73
أن أم رسول الله ﷺ آمنة توفيت ورسول الله ابن ست سنين بالأبواء بين مكة والمدينة. كانت قد قدمت به على أخواله من بني عدي بن النجار تزيره إياهم. فماتت وهي راجعة به إلى مكة) (١).
وعن خالد بن معدان الكلاعي:
(أن نفرا من أصحاب رسول الله قالوا له: يا رسول الله أخبرنا عن نفسك؟ قال: «نعم أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى أخي عيسى، واسترضعت في بني سعد بن بكر» (٢).
رضاعه ﷺ :
عن حليمة بنت الحارث أم رسول الله ﷺ السعدية التي أرضعته قالت: (خرجت في نسوة من بني سعد بن بكر نلتمس الرضعاء بمكة على أتان لي قمراء (٣) قد أذمت بالركب. قال: وخرجنا في سنة شهباء (٤) لم تبق شيئا ومعي زوجي الحارث بن عبد العزى، ومعنا شارف (٥) لنا والله إن يبض (٦) علينا بقطرة من لبن، ومعي صبي لي إن ننام (٧) ليلتنا مع بكائه ما في ثديي ما
стр. 74
يمصه وما في شارفنا من لبن نغذوه إلا أنا نرجو. فلما قدمنا مكة لم يبق منا امرأة إلا عرض عليها رسول الله ﷺ فتأباه، وإنما كنا نرجو كرامة رضاعه من والد المولود. وكان يتيما فكنا نقول: ما عسى أن تصنع أمه. حتى لم يبق من صواحب امرأة إلا أخذت صبيا غيري، وكرهت أن أرجع ولم آخذ شيئا، وقد أخذ صواحبي فقلت لزوجي: والله لأرجعن إلى ذلك فلآخذنه. قالت: فأتيته فأخذته فرجعته إلى رحلي. فقال زوجي: قد أخذتيه. فقلت: نعم والله ذاك أني لم أجد غيره. قال: قد أصبت فعسى الله أن يجعل فيه خيرا. فقالت: والله ما هو إلا أن جعلته في حجري. قالت: فأقبل عليه ثديي بما شاء من اللبن. قالت: فشرب حتى روي، وشرب أخوه- تعني ابنها- حتى روي، وقام زوجي إلى شارفنا من الليل، فإذا هي حافل فحلبت لنا ما شئنا، فشرب حتى روي، وشربت حتى رويت، فبتنا ليلتنا تلك بخير شباعا رواء وقد نام صبينا. قال: يقول أبوه:- يعني زوحها-:
والله يا حليمة ما أراك إلا أصبت نسمة مباركة قد نام صبينا وروي.
قالت: ثم خرجنا- فوالله لخرجت أتاني (١) أمام الركب قد قطعته حتى ما يبلغونها حتى أنهم ليقولون: ويحك يا بنت الحارث كفي علينا. أليس هذه بأتانك التي خرجت عليها فأقول: بلى والله وهي قدامنا حتى قدمنا منازلنا من حاضر بني سعد بن بكر. فقدمنا على أجدب أرض الله. فوالذي نفس حليمة بيده إن كانوا ليسرحون أغنامهم إذا أصبحوا، ويسرح راعي غنمي فتروح غنمي بطانا (٢) لبنا حفلا (٣)، وتروح أغنامهم جياعا هالكة ما بها من لبن. قالت:
стр. 75
فشربنا ما شئنا من لبن. وما في الحاضر أحد يحلب قطرة ولا يجدها، فيقولون لرعاتهم: ويلكم ألا تسرحون حيث يسرح راعي حليمة، فيسرحون في الشعب الذي يسرح فيه رأعينا.
قالت: وكان ﷺ يشب في اليوم شباب الصبي في شهر، ويشب في الشهر شباب الصبي في سنة. فبلغ ستا وهو غلام جفر (١). قال: فقدمنا أمه، فقلنا لها: وقال لها أبوه: لو تركت بني عندي حتى يغلظ. فإنا نخشى عليه وباء مكة. قالت: ونحن أضن بشأنه لما رأينا من بركته، فلم نزل بها حتى قالت: ارجعا به، فرجعنا به، فمكث عندنا شهرين. قال: فبينا هو يلعب وأخوه يوما خلف البيوت يرعيان بهما لنا إذ جاءنا أخوه يشتد فقال لي ولأبيه: أدركا أخي القرشي. قد جاءه رجلان فأضجعاه فشقا بطنه. فخرجنا نحوه نشتد، فانتهينا إليه وهو قائم منتقع لونه، فاعتنقه أبوه واعتنقته. ثم قلنا: ما لك أي بني. قال:
أتاني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني ثم شقا بطني، فوالله ما أدري ما صنعا. قالت: فاحتملناه فرجعنا به. قالت: يقول أبوه: والله يا حليمة ما أرى هذا الغلام إلا قد أصيب، فانطلقي فلنرده إلى أهله قبل أن يظهر به ما نتخوف عليه. قالت: فقلت: لا والله إنا كفلناه وأدينا الحق الذي يجب علينا فيه، ثم تخوفت الأحداث عليه. فقلت: يكون في أهله. قالت: فقالت أمه: والله ما ذاك بكما فأخبراني خبركما وخبره. قالت: فوالله ما نالت بنا حتى أخبرناها خبره فقالت:
стр. 76
فتخوفتما عليه؛ كلا والله إن لابني هذا لشأنا، ألا أخبركما عنه! إني حملت به فلم أر حملا كان أخف ولا أعظم بركة منه، ثم رأيت نورا كأنه شهاب خرج مني حين وضعته أضاءت لي أعناق الإبل ببصرى، ثم وضعته فما وقع كما تقع الصبيان، وقع واضعا يده بالأرض، رافعا رأسه إلى السماء، دعاه والحقا بشأنكما) (١).
قال ابن إسحاق: وكان رسول الله ﷺ يقول: «أنا أعربكم، أنا قرشي واسعترضعت في بني سعد بن بكر».
وعن أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك. ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ثم لأمه (٢)، ثم أعاده إلى مكانه وجاء الغلمان يسمعون إلى أمه (يعنى ظئره) (٣) فقالوا: إن محمدا قد قتل. فاستقبلوه وهو منتقغ اللون (٤) قال أنس: كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره) (٥).
وعن كندي بن سعد عن أبيه قال:
стр. 77
(حججت في الجاهلية، فإذا رجل يطوف في البيت وهو يرتجز ويقول:
رب رد راكبي محمدا ... رده لي واصطنع عندي يدا
قلت: من هذا يعني. قال: عبد المطلب بن هاشم ذهبت إبل له فأرسل ابن ابنه في طلبها فاحتبس عليه، ولم يرسله في حاجة قط إلا جاء بها. قال: فما برحت حتى جاء النبي ﷺ ، وجاء بالإبل. فقال: يا بني: لقد حزنت عليك كالمرأة حزنا لا يفارقني أبدا) (١).
«وعن أم أيمن قالت: (كنت أحضن النبي ﷺ (أي أقوم بتربيته) فغفلت عنه يوما فلم أدر إلا بعبد المطلب قائما على رأسي يقول: يا بركة. قلت: لبيك. قال: أتدرين أين وجدت ابني؟ قلت: لا أدري. قالت: وجدته مع غلمان قريبا من السدرة، لا تغفلي عن ابني فإن أهل الكتاب ومنهم سيف بن ذي يزن (١) يزعمون أنه نبي هذه الأمة، وأنا لا آمن عليه منهم. وكان لا يأكل- يعني عبد المطلب- طعاما إلا يقول: علي بابني فأحضروه. وكان عبد المطلب إذا أتى بطعام أجلس رسول الله ﷺ إلى جنبه، وربما أقعده على فخذه، فيؤثره بأطيب طعامه) (٢).
(قال ابن إسحاق: فكان رسول الله ﷺ مع جده عبد المطلب بن هاشم، وكان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة، فكان بنوه يجلسون
стр. 78
حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له. قال: فكان رسول الله ﷺ يأتي وهو غلام جفر، حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول عبد المطلب: إذا رأى ذلك منهم: دعوا ابني فوالله إن له لشأنا، ثم يجلس معه على الفراش، ويمسح ظهره بيده، ويسره ما يراه ويصنع) (١).
(قال ابن إسحاق: فلما بلغ رسول الله ﷺ ثماني سنين هلك عبد المطلب بن هاشم وذلك بعد الفيل بثمان سنين) (٢).
(وقد قيل له ﷺ : يا رسول الله أتذكر موت عبد المطلب؟ قال:: ((نعم: وأنا يومئذ ابن ثمان سنين)) (٣).
(وعن أم أيمن أنها كانت تحدث أن رسول الله ﷺ كان يبكي خلف سرير عبد المطلب وهو ابن ثمان سنين) (٤).
(وقد جاء أنه ﷺ لما هاجر إلى المدينة ونظر إلى تلك الدار- التي نزل بها مع أمه- عرفها وقال: (ها هنا نزلت بي أمي، وفي هذه الدار قبر أبي عبد الله، وأحسنت العوم في بئر بني عدي بن النجار)) (٥).
...
стр. 79
ومن فقه طفولته ويتمه في هذه المرحلة نلحظ ما يلي:
١ - شاءت إرادة الله تعالى أن يجعل نبيه محمدا ﷺ يتيما، حتى لا تتدخل يد بشرية في تربيته وتوجيهه كما قال الله تعالى لموسى ﴿واصطنعتك لنفسي ..﴾ (١) ﴿.. ولتصنع على عيني﴾ (٢) فيكون الله تعالى هو الذي يتولى تربيته، ولا يتلقى أو يتلقن من مفاهيم الجاهلية وأعرافها شيئا، إنما يتلقى من لدن الحكيم الخبير.
٢ - وحتى يكون من أفصح الخلق، كما قال أبو بكر ﵁: يا رسول الله ما رأيت أفصح منك. فقال:: ((وما يمنعني، وأنا من قريش وأرضعت من بني سعد)) (٣)، هيأ الله تعالى له تلك الرضاعة ليحمل إلى البشرية أفصح كتاب في أنصع بيان، واحتاج موسى ﵊ وهارون وزيرا له ليبلغ الدعوة عنه ﴿وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون﴾ (٤).
٣ - وهناك في الصحراء حيث فصاحة اللسان، وسلامة الجسد وعافيته من وباء المدينة، كان كذلك شق صدره ﵊ وإخراح العلقة السوداء منه وهي حظ الشيطان منه، ليكون ربانيا خالصا لله سبحانه، فلا أثر لشيطان جن أو شيطان إنس عليه، ويمثل مجامع الحمد في هذا الوجود.
стр. 80
٤ - وعاد إلى مكة وقد خلص من حظ الشيطان لينعم بجوار والدته قرابة سنتين، فيلقى حنان الأم ويعاني بعدها فقدان هذا الحنان، ويشهد وفاة
أمه في الصحراء حيث يشهد يتما جديدا. وتحتضنه أم أيمن لقد أحسن ﵊ بمرارة اليتم ذكرى بالنسبة للأب، لكن معاناة بالنسبة للأم، وبكى لفقدان أمه، ثم بكى لفقدان جده، كما شهدته الحاضنة الرؤوم أم أيمن، وبذلك يحس واقعا لا حديثا بآلام اليتامى وأنات المعذبين، فيكون أبا لكل يتيم في هذا الوجود، ويقول كلمته الخالدة:: ((أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين)) (١).
٥ - ولقد من الله تعالى على نبيه بهذا الفضل: ﴿... ألم يجدك يتيما فآوى * ووجدك ضالا فهدى * ووجدك عائلا فأغنى﴾ (٢) وذلك وحد أن كرمه بأعظم ما يكربم به مخلوق ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ (٣).
إنه ابتداء يتيم الأب والأم، فالله تعالى هو الذي آواه، وسخر له جده وعمه لتهيئة الجانب المادي، بينما كانت التربية النفسية الخلقية والفكرية تعهدا ربانيا، ورعاية إلهية، حتى ليشق بطنه، ويغسل بالثلج وماء زمزم بعد نزع حظ الشيطان منه بيد جبريل ﵊، وقد وجده الله ضالا فهداه. أو عندما ضل ولقيه ورقة بن نوفل آخذا بغصن شجرة. أو يوم بعثه جده ليحضر الإبل المفقودة وتأخر عنه.
أما الجوع والفاقة:
стр. 81
(وذكر كون النبي ﷺ في كفالة عمه يكلؤه ويحفظه فمن حفظ الله له في ذلك أنه كان يتيما ليس له أب يرحمه، ولا أم ترأمه (١) لأنها ماتت وهو صغير، وكان عيال أبى طالب ضففا (٢)، وعيشهم شظفا (٣). فكان يوضع الطعام له وللصبية من أولاد أبي طالب، فيتطاولون إليه، ويتقاصر هو، وتمتد أيديهم، وتنقبض يده تكرما منه لاستحياء ونزاهة نفس، وقناعة قلب، فيصبحون غمصا رمصا (٤) مصفرة ألوانهم، ويصبح هو- ﵇ صقيلا دهينا كأنه في أنعم عيش، وأعز كفاية لطفا من الله- به، كذلك ذكره القتيبي في غريب الحديث) (٥).
وشاء الله تعالى لعبده وأحب خلقه إليه اليتم والفقر ليكون على يديه فيما بعد هداية الإنسانية وشفائها من آلامها المادية كاليتم والفقر، والمعنوية التي تتمثل بالضلال والتيه. ولهذا كان التوجيه الرباني له على ضوء عطائه له.
﴿فأما اليتيم فلا تقهر * وأما السائل فلا تنهر * وأما بنعمة ربك فحدث﴾ (٦) والدعاة الذين لم يعانوا من هذه الآلام والهموم والمحن، غير
стр. 82
قادرين على فهمها والإحساس فيها بله معالجتها عندما يملكون ناصية المعالجة.
٦ - وفي طفولة النبي ﷺ لا يمكن أن ننسى تلك البركة التي رافقته منذ المهد. فقد اعشوشبت الأرض، وحفلت أضراع الناقة باللبن، وقويت الأتان، ودر ثدي حليمة ﵂ بعد أن كان ما يبض بقطرة، وكان جده يعرف ذلك منه، وعمه يعرف ذلك منه، وقومه يعرفون ذلك منه.
وعندما استسقى عبد المطلب لقومه أخذ بيد ابنه محمد ﷺ معه (١)، وعندما استسقى أبو طالب لقريش (أخذه فألصق ظهره بالكعبة ولاذ أي طاف بإصبعه الغلام .. فأقبل السحاب من هاهنا وهاهنا وأغدودق، وانفجر له الوادي .. وفي ذلك يقول أبو طالب من قصيدة يمدح بها النبى ﷺ :
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل (٢)
والبركة فيض رباني يعطيه الله تعالى لمن أحب من خلقه وكان على طاعته ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون﴾ (٣).
стр. 83
الفصل السابع
عمله ب الرعي والتجارة
الرعي:
(عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال:: ((ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم)) فقال أصحابه: وأنت؟ فقال:: ((نعم كنت أرعاها على قراريط (١) لأهل مكة)) (٢).
قال ابن إسحاق: وكان رسول الله ﷺ يقول: ((ما من نبي إلا وقد رعى الغنم)) قيل:: ((وأنت يا رسول الله؟ قال: ((وأنا)) (٣).
قال السهيلى: (وذكر قول النبي ﷺ : ((ما من نبي إلا وقد رعى الغنم)) قيل: وأنت يا رسول الله؟ قال: ((وأنا)) وإنما أراد ابن إسحاق بهذا الحديث رعايته الغنم في بني سعد مع أخيه من الرضاعة، وقد ثبت في الصحيح أنه رعاها بمكة أيضا على قراريط لأهل مكة ذكره البخاري، وذكر البخاري عنه أيضا أنه قال: ((ما هممت بشيء من أمر الجهلية إلا مرتين))
стр. 84
وروى أن إحدى المرتين كان في غنم يرعاها هو وغلام من قريش. فقال لصاحبه: اكفنى أمر الغنم حتى آتي مكة ... وفي المرة الثانية قال لصاحبه مثل ذلك. وألقى عليه النوم فيها كما ألقى في المرة الأولى. ذكر هذا المعنى ابن إسحاق في غير رواية البكائى. وفي غريب الحديث للقتبي:: ((بعث موسى ﷺ وهو راعي غنم، وبعث داود ﷺ وهو راعي غنم، وبعثت وأنا راعي غنم أهلي بأجياد)). وإنما جعل الله هذا في الأنبياء تقدمة لهم، ليكونوا رعاة الخلق، ولتكون أممهم رعايا لهم. وقد رأى رسول الله ﷺ : ((أنه ينزع على قليب (١) وحولها غنم سود، وغنم عفر (٢). قال: ثم جاء أبو بكر ﵁ فنزع نزعا ضعيفا والله يغفر له. ثم جاء عمر فاستحالت غربا (٣) (يعني الدلو)، فلم أر عبقريا يفري فريه)) (٤) فأولها الناس الخلافة لأبي بكر وعمر ﵁، ولولا ذكر الغنم السود والعفر لبعدت الرؤيا عن معنى الخلافة والرعاية، إذ الغنم السود والعفر عبارة عن العرب والعجم. وأكثر المحدثين لم يذكروا الغنم في هذا الحديث، ذكره البزار في مسنده، وأحمد بن حنبل في مسنده، وبه يصح المعنى، والله أعلم) (٥).
التجارة:
عن جابر بن سمرة أو رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: (كان النبي
стр. 85
- ﷺ يرعى غنما، فاستعلى الغنم، فكان في الإبل هو وشريك له فأكريا (١) أخت خديجة، فلما قضوا السفر بقي لهم عليها شيء. فجعل شريكه يأتيها فيتقاضاها ويقول لمحمد انطلق فيقول اذهب أنت فإني أستحي، فقالت مرة وأتاهم: فأين محمد؟ قال: قد قلت له فزعم أنه يستحي فقالت: ما رأيت رجلا أشد حياء ولا أعف ولا ولا فوقع في نفس أختها خديجة ..) (٢).
قال الكلاعي: (وذكر الواقدي بإسناد له إلى نفيسة بنت منية أخت ليلى بن منية. وقد رويناه أيضا من طريق أبي علي بن السكن، وحديث أحدهما داخل في حديث الآخر مع تقارب اللفظ، وربما زاد أحدهما الشيء اليسير، وكلاهما ينمي إلى نفيسة: قالت: لما بلغ رسول الله ﷺ خمسا وعشرين سنة وليس له بمكة اسم إلا الأمين، لما تكاملت فيه من خصال الخير، قال أبو طالب: يابن أخي أنا رجل لا مال لي، وقد اشتد علي الزمان، وألحت علينا سنون منكرة، وليس لنا مادة ولا تجارة، وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام، وخديجة بنت خويلد تبعث رجالا من قومك في عيرها، فيتجرون لها في مالها ويصيبون منافع. فلو جئتها، فعرضت نفسك عليها لأسرعت إليك وفضلتك على غيرك، لما بلغها عنك من طهارتك، وإن كنت لأكره أن تأتي الشام وأخاف عليك من يهود، ولكن لا تجد من ذلك بدا.
وكانت خديجة ﵂ امرأة تاجرة ذات شرف ومال كثير وتجارة
стр. 86
تبعث بها إلى الشام، فيكون عيرها كعامة عير قريش، وكانت تستأجر الرجال وتدفع لهم المال مضاربة، وكانت قريش قوما تجارا، ومن لم يكن تاجرا من قريش فليس عندهم بشيء. فقال رسول الله ﷺ : ((فلعلها ترسل إلي في ذلك)) فقال أبو طالب: إني أخاف أن تولي غيرك، فتطلب أمرا مدبرا.
فافترقا وبلغ خديجة ما كان من محاورة عمه له. وقبل ذلك ما قد بلغها من صدق حديثه، وعظم أمانته وكرم أخلاقه، فقالت: ما علمت أنه يريد هذا.
ثم أرسلت إليه فقالت: إنه دعاني إلى البعثة إليك ما بلغني من صدق حديثك وعظم أمانتك وكرم أخلاقك، وأنا أعطيك ضعف ما أعطي رجلا من قومك.
ففعل رسول الله ﷺ ، ولقي أبا طالب، وذكر له ذلك فقال: إن هذا لرزق ساقه الله إليك.
فخرج مع غلامها ميسرة حتى قدم الشام، وجعل عمومته يوصون به أهل العير .. ثم حضر رسول الله ﷺ سوق بصري فباع سلعته التي خرج بها وأشترى سلعة .. ثم انصرف أهل العير جميعا ..
ودخل عليها رسول الله ﷺ فخبرها بما ربحوا فسرت بذلك .. قالوا: وقدم رسول الله ﷺ بتجارتها، فربحت ضعف ما كانت تربح، وأضعفت له ما سمت له) (١).
...
стр. 87
من فقه عمله كسبه ﵊:
١ - ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم. حكمة ربانية يتعلم النبي من خلالها رعاية الأمم صبرا وعناية ورحمة وحماية. بل يرافقه خلق اللين والعطف والحدب ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ..﴾ (١) ((السكينة في أهل الشاء)) (٢).
وكما ذكر ﵊ أن موسى وداود ومحمدا عليهم الصلاة والسلام بعثوا وهم يرعون الغنم.
٢ - ورعيه ﷺ كان في طفولته في بادية بني سعد، ثم كان في فتوته بأجياد في مكة على قراريط. وهو أجر زهيد يتكسب به ﷺ ويعف نفسه، ثم كان في التجارة في شبابه وهي دعوة كريمة لكل شاب مسلم وداعية، أن يعمل بجهده، ويكسب من عرق جبينه. فالعمل شرف ولا يضر نوع العمل ولو كان عند الناس وضيعا. لكنه عظيم عند الله .
فـ ((إن الله يحب المؤمن المحترف)) (٣) ويحب الذي يأكل من كسب يده ((وأن نبي الله تعالى داود كان يأكل من كسب يده)) (٤).
والداعية الذي يتكفف الناس، ويتطلع إلى أموالهم وأرزاقهم، وينتظر إحسانهم. لن يتمكن من كسب قلوبهم، وتغيير واقعهم، ومن
стр. 88
أجل هذا وجدنا سنة الله تعالى في الأنبياء جميعا أن يقولوا: ﴿... قل ما سألتكم من أجر فهو لكم ..﴾ (١) ﴿وما تسألهم عليه من أجر ..﴾ (٢) ﴿ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله ..﴾ (٣) ﴿يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون﴾ (٤).
٣ - ولا شك أن العمل الحر بالنسبة للداعية إلى الله تعالى أعون له على دعوته، وأقوم له على أن يقول الحق ويصدع فيه، وكم من الناس يطأطئون للطغاة، ويسكتون على باطلهم، ويجارونهم في أهوائهم خوفا على وظائفهم عندهم، إنهم يدهنون في دينهم، ويبيعون دينهم بدنياهم، بل يصل الانحراف إلى صميم عقيدتهم حين يرون أن هوتاء الطغاة يرزقون أو يمنعون رزقا، والرازق هو الله تعالى.
٤ - وأصحاب رسول الله ﷺ ، وسادات هوتاء الأصحاب، كانوا يعملون بأيديهم، ويتاجرون للحصول على الرزق الحلال، وذاك عمر ﵁ يقول: (أخفي على أمر رسول الله ﷺ ؟!! ألهاني الصفق في الأسواق) (٥).
стр. 89
ويقول قتادة ﵁: (كان القوم يتبايعون ويتجرون، ولكنهم إذا نابهم حق من حقوق الله لم تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الله حتى يؤدوه إلى الله) (١).
وتقولي عائشة ﵂: كان أصحاب رسول الله ﷺ عمال أنفسهم) (٢).
...
стр. 90
الفصل الثامن
حفظ الله تعالى لنبيه قبل البعثة
لقاؤه مع بحيرا الراهب:
عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه قال: (خرج أبو طالب إلى الشام، وخرج معه النبي ﷺ في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب هبطوا فحلوا رحالهم، فخرج إليهم الراهب، وكان قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم ولا يلتفت قال: فهم يحلون رحالهم، فجعل يتخللهم الراهب حتى جاء فأخذ بيد رسول الله ﷺ قال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، يبعثه الله رحمة للعالمين. فقال له أشياخ من قريش ما علمك، فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق حجر ولا شجر إلا خر ساجدا ولا يسجدان إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف في كتفه مثل التفاحة، ثم رجع فصنع لهم طعاما، فلما أتاهم به وكان هو في رعيه الإبل. قال: أرسلوا إليه، فأقبل وعليه غمامة تظله، فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيىء الشجرة، فلما جلس مال فيىء الشجرة عليه. فقال: انظروا إلى فيىء الشجرة مال عليه، قال: فبينما هو قائم عليهم وهو يناشدهم ألا يذهبوا به إلى الروم، فإن الروم إذا رأوه عرفوه بالصفة فيقتلونه. فالتفت فإذا بسبعة قد أقبلوا من الروم، فاستقبلهم فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا أن هذا النبي خارج في
стр. 91
هذا الشهر، فلم يبق طريق إلا بعث إليه بأناس. وإنا قد أخبرنا خبره بعثنا إلى طريقك هذا. فقال: هل خلفكم أحد هو خير منكم؟ قالوا: إنما اخترنا خيرة لك لطريقك هذا. قال: أفرأيتم أمرا أراد الله أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس رده؟ قالوا: لا. قال: فبايعوه وأقاموا معه. قال: أنشدكم الله أيكم وليه؟ قالوا: أبو طالب. فلم يزل يناشده حتى رده أبو طالب، وبعث معه أبو بكر بلالا (١). وزوده الراهب من الكحل والزيت) (٢).
أمره بستر عورته:
عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (لما بنيت الكعبة ذهب النبي ﷺ ، وعباس ينقلان الحجارة، فقال عباس للنبي- ﷺ : اجعل إزارك على رقبتك يقيك من الحجارة. فخر إلى الأرض، وطمحت عيناه إلى السماء، ثم أفاق فقال: ((إزاري إزاري))، فشد عليه إزاره) (٣).
وقال ابن إسحاق: (وكان رسول الله- ﷺ فيما ذكر لي- يحدث عما كان الله يحفظه في صغره وأمير جاهليته أنه قال: ((لقد رأيتني في غلمان
стр. 92
قريش ننقل حجارة لبعض ما يلعب به الغلمان (١)، كلنا قد تعرى، وأخذ إزاره فجعله على رقبته يحمل عليه الحجارة. فإني لأقبل معهم وأدبر، إذ لكمني لاكم ما أراه لكمة وجيعة ثم قال: شد عليك إزارك: فأخذته وشددته علي. ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي، وإزاري علي من بين أصحابي)) (٢).
أمر الجاهلية:
(وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يهمون به من الغناء إلا ليلتين، كلتاهما عصمني الله فيهما، قلت ليلة لبعض فتيان مكة- ونجن في رعاء غنم أهلها- فقلت لصاجي: أبصر لي غنمي حتى أدخل مكة أسمر فيها كما يسمر الفتيان. فقال بلى. قال: فدخلت حتى جئت أول دار من دور مكة، فسمعت عزفا بالغرابيل والمزامير فقلت: ما هذا؟ قالوا: تزوج فلان فلانة. فجلست أنظر، وضرب الله على أذني، فولله ما أيقظني إلا مس الشمس، فرجعت إلى صاحبي، فقال: ما فعلت؟ فقلت: ما فعلت شيئا، ثم أخبرته بالذي رأيت. ثم قلت ليلة أخرى: أبصر لي غنمي حتى أسمر ففعل، فدخلت، فلما جئت مكة سمعت مثل الذي سمعت تلك الليلة، فسألت فقيل
стр. 93
نكح فلان فلانة. فجلست أنظر، وضرب الله على أذني فوالله ما أيقظني إلا مس الشمس، فرجعت إلى صاحبي فقال: ما فعلت؟ فقلت: لا شيء ثم أخبرته الخبر، فوالله ما هممت ولا عدت بعدهما لشيء من ذلك حتى أكرمني الله تعالى بنبوته)) (١).
وذكر الواقدي عن أم أيمن قالت: كانت بوانة صنما تحضره قريش وتعظمه وتنسك له، وتحلق عنده، وتعكف عليه يوما إلى الليل كل سنة، فكان أبو طالب يحضره مع قومه، ويكلم رسول الله ﷺ أن يحضر ذلك العيد معهم فيأبى ذلك، قالت: حتى رأيت أبا طالب غضب عليه، ورأيت عماته غضبن يومئذ أشد الغضب وجعلن يقلن: إنا لنخاف عليك مما تصنع من اجتناب آلهتنا. ويقلن: ما تريد يا محمد أن تحضر لقومك عيدا، ولا تكثر لهم جمعا؟!
فلم يزالوا به حتى ذهب فغاب عنهم ما شاء الله، ثم رجع مرعوبا فزعا، فقلن له: ما دهاك؟ قال: ((إني أخشى أن يكون بي لمم)). فقلن: ما كان الله ليبتليك بالشيطان وفيك من خصال الخير ما فيك. فما الذي رأيت؟ قال: ((إني كلما دنوت من صنم تمثل لي رجل أبيض طويل يصيح بي: وراءك يا محمد لا تمسه)).
стр. 94
قالت: فما عاد إلى عيد لهم حتى نبىء صلوات الله عليه) (١).
وذكر البخاري عنه ﷺ أنه قال: ((ما هممت بسوء من أمر الجاهلية إلا مرتين)).
وقوفه بعرفات:
وثبت في الحديث أنه كان لا يقف بالمزدلفة ليلة عرفة. بل كان يقف مع الناس بعرفات. كما قال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق ... عن جبير ابن مطعم قال: لقد رأيت رسول الله ﷺ وهو على دين قومه، وهو يقف على بعير له بعرفات (٢) من بين قومه حتى يدفع معهم، توفيقا من الله ..
وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن .... عن جبير بن مطعم قال: أضللت بعيرا لي بعرفة فذهبت أطلبه، فإذا النبي ﷺ واقف. فقلت: إن هذا من الحمس ما شأنه هاهنا؟
وأخرجاه من حديث سفيان بن عيينة عنه) (٣).
...
وهذه الرعاية الربانية في غنى عن أي تعليق. فهو مصطفاه الذي برأه ورعاه منذ أن كان يتنقل في الأرحام الطاهرات، وما ناله من سفاح الجاهلية شيء إلى أن تولاه بالوحي والرسالة، إلى أن مضى إلى الرفيق الأعلى.
стр. 95
الفصل التاسع
مشاركته في أحداث قومه
حضوره حرب الفجار (١):
قال ابن إسحاق: هاجت حرب الفجار ورسول الله ﷺ ابن عشرين سنة وإنما سمي حرب الفجار؛ بما استحل هذان الحيان- كنانة وقيس عيلان- فيه من المحارم بينهم وكان قائد قريش وكنانة حرب بن أمية بن عبد شمس، وكان الظفر في أول النهار لقيص على كنانة، حتى إذا كان وسط النهار كان الظفر لكنانة على قيس) (٢).
(وقال ابن هشام: فلما بلغ رسول الله ﷺ أربع عشرة سنة أو خمس عشرة سنة فيما حدثني به أبو عبيدة النحوي عن أبي عمرو بن العلاء هاجت حرب الفجار بين قريش ومن معهم من كنانة وبين قيس عيلان ...) (٣).
وشهد رسول الله ﷺ بعض أيامهم أخرجه أعمامه معهم. وقال
стр. 96
رسول الله ﷺ : ((كنت أنبل على أعمامي أي أرد عليهم نبل عدوهم إذا رموهم بها)) (١).
(ووضعت الحرب أوزارها، فانصرفت قريش وقيس. قال رسول الله ﷺ وذكر الفجار فقال: ((قد حضرته مع عمومتي، ورميت فيه بأسهم، وما أحب أني لم أكن فعلت)) (٢).
(وكان أبو طالب يحضر أيام الفجار، وكانت أربعة أيام ومعه رسول الله ﷺ وهو غلام، فإذا جاء هزمت قيس، وإذا لم يجيىء هزمت كنانة، فقالوا: لا أبا لك لا تغب عنا ففعل) (٣).
شهوده حلف الفضول:
قال ابن هشام: وأما حلف الفضول فحدثني زياد بن عبد الله البكائي عن محمد بن إسحاق قال: (تداعت قبائل قريش إلى حلف، فاجتمعوا في دار عبد الله بن جدعان .. لشرفه وسنه، فكان حلفهم عنده: بنو هاشم، وبنو المطلب، وأسد بن عبد العزى، وزهرة بن كلاب، وتيم بن مرة، فتعاقدوا وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم ممن دخلهما من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته. فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول) (٤).
стр. 97
(قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن زيد بن المهاجر بن قنفذ التيمي أنه سمع طلحة بن عبيد الله بن عوف الزهري يقول: قال رسول الله ﷺ : ((لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت)) (١).
(قال السهيلي: ولكن في الحديث ما هو أقوى منه وأولى. روى الحميدي عن سفيان عن عبد الله عن محمد وعبد الرحمن ابني أبي بكر قالا: قال رسول الله ﷺ : ((لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا لو دعيت به في الإسلام لأجبت، تحالفوا أن ترد الفضول إلى أهلها، وألا يعز ظالم مظلوما)).
وكان حلف الفضول بعد الفجار، وذلك أن حرب الفجار كانت في شعبان، وكان حلف الفضول في ذي القعدة قبل المبعث بعشرين سنة) (١).
وكان حلف الفضول أكرم حلف سمع به وأشرفه في العرب. وكان أول من تكلم به ودعا إليه الزبير بن عبد المطلب، وكان سببه أن رجلا من زبيد قدم مكة ببضاعة، فاشتراها منه العاص بن وائل فحبس عنه حقه. فاستعدى عليه الزبيدي الأحلاف (٢) .. فأبيا أن يعينوه وزبروه- أي انتهروه- فلما رأى الزبيدي الشر أوفى على أبي ما قبيس عند طلوع الشمس، وقريش في أنديتهم حول الكعبة فنادى بأعلى صوته:
стр. 98
يا آل فهر لمظلوم بضاعته ... ببطن مكة نائي الدار والنفر
ومحرم أشعث لم يقض عمرته ... يا للرجال وبين الحجر والحجر
إن الحرام لمن تمت كرامته ... ولا حرام لثوب الغادر الفجر
فقام في ذلك الزبير بن عبد المطلب وقال: ما لهذا مترك. فاجتمعت هاشم وزهرة وتيم في دار عبد الله بن جدعان فصنع لهم طعاما، وتحالفوا في ذي القعدة في شهر حرام، فتعاقدوا وتعاهدوا بالله ليكونن يدا واحدة مع المظلوم على الظالم حتى يؤدي إليه حقه .. ثم مشوا إلى العاص بن وائل فانتزعوا منه سلعة الزبيدي فدفعوها إليه) (١).
(وعن عبد الرحمن بن عوف عن النبي ﷺ قال: ((شهدت حلف المطيبين مع عمومتي وأنا غلام فما أحب أن لي حمر النعم وأني أنكثه)) (٢).
بناء الكعبة والتحكيم:
(ولما بلغ رسول الله ﷺ خسما وثلاثين سنة اجتمعت قريش لبنيان الكعبة.
قال موسى بن عقبة: وإنما حمل قريشا على ذلك أن السيل كان أتى من فوق الردم الذي صنعوا فأخربه، فخافوا أن يدخلها الماء) (٣).
стр. 99
قال ابن إسحاق: وكانوا يهمون بذلك ويهابون هدمها. وإنما كانت رضما (١) فوق القامة، فأرادوا رفعها وتسقيفها. وذلك أن نفرا سرقوا كنز الكعبة، وإنما كان يكون في بئر في جوف الكعبة .. وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جدة لرجل من تجار الروم فتحطمت فأخذوا خشبها، فأعدوه لتسقيفها. وكان بمكة رجل قبطي نجار، فتهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحها. فلما أجمعوا أمرهم في هدمها وبنائها قام أبو وهب بن عمرو بن .. مخزوم، فتناول من الكعبة حجرا فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه، فقال: يا معشر قريش لا تدخلوا في بنائها من كسبكم إلاطيبا، لا يدخل فيها من بغي ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس.
ثم إن قريشا جزأت الكعبة، فكان شق الباب لبني عبد مناف وزهرة، وكان ما بين الركن الأسود والركن اليماني لبني مخزوم، وقبائل من قريش انضموا إليهم. وكان ظهر الكعبة لبني جمح وسهم، وكان شق الحجر لبني عبد الدار ولبني أسد ولبني عدي وهو الحطيم.
ثم إن القبائل من قريش جمعت الحجارة لبنائها كل قبيلة تجمع على حدة، ثم بنوها حتى بلغ البنيان موضع الركن، فاختصموا فيه كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى حتى تحاوزوا (٢) وتحالفوا وأعدوا للقتال، فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما، ثم تعاقدوا هم وبنو عدي على الموت وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة، فسموا لعقة الدم، فكانت قريش
стр. 100
على ذلك أربع ليال أو خمسا، ثم إنهم اجتمعوا في المسجد، وتشاوروا وتناصفوا. فزعم أهل الرواية أن أبا أمية بن المغيرة .. وكان عامئذ أسن قريش كلها قال:
يا معشر قريش، اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم فيه، ففعلوا، فكان أول داخل عليهم رسول الله ﷺ . فلما رأوه قالوا: هذا الأمين. رضينا، هذا محمد، فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر، قال ﷺ : ((هلم إلي ثوبا)) فأتي به، فأخذ الركن فوضعه فيه بيده، ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعا، ففعلوا حتى إذا بلغوا موضعه، وضعه هو بيده، ثم بنى عليه) (١).
وقال الإمام أحمد: عن السائب بن عبد الله، أنه كان فيمن بنى الكعبة في الجاهلية قال: وكان لي حجر، أنا نحته أعبده من دون الله، كنت أجيىء باللبن الخاثر الذي آنفه على نفسي فأصبه عليه، فيجيىء الكلب فيلحسه، ثم يشغر فيبول عليه قال: فبنينا حتى بلغنا موضع الحجر ولا يرى الحجر أحد. فإذا هو وسط أحجارنا مثل رأس الرجل، يكاد يترايا منه وجه الرجل. فقال بطن من قريش نحن نصنعه. وقال آخرون نحن نصنعه. فقالوا: اجعلوا بينكم حكما. فقالوا: أول رجل يطلع من الفج. فجاء رسول الله ﷺ فقالوا: أتاكم الأمين. فقالوا له. فوضعه في ثوب، ثم دعا بطونهم فرفعوا نواحيه فوضعه هو ﷺ ) (٢).
стр. 101
وإلى قضية التحكيم يشير هبيرة بن أبي وهب المخزومي:
تشاجرت الأحياء في فصل خطبة ... جربت بينهم بالنحس من بعد أسعد
تلاقوا بها بالبغض بعد مودة ... وأوقد نارا بينهم شر موقد
فلما رأينا الأمر قد جد جده ... ولم يبق شيء غير سل المهند
رضينا وقلنا العدل أو طالع ... يجيء من البطحاء من غير موعد
ففاجأنا هذا الأمين محمد ... فقلنا رضينا بالأمين محمد (١)
...
ومن فقه هذين الفصلين نلحظ ما يلي:
١ - ظاهرة بشارة أهل الكتاب والكهان برسول الله ﷺ ، بلغت حد التواتر ومعرفته بشخصه ﷺ أنه نبي هذه الأمة، ومحاولات اليهود والكهان قتله، أمر أصبح من الشهرة والاستفاضة بحيث لا يغيب على بال أي باحث. ومحمد ﷺ في الكتب المقدسة. أصبح موضع تآليف كتب في هذا المجال، والقاعدة الأساسية فيه ذكر القرآن الكريم لهذا الأمر: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون﴾ (٢) وما لقاء بحيرا الراهب مع رسول الله في هذا السن المبكر، ولقاء نسطورا الراهب بعد ذلك، وموقف ورقة بن نوفل إلا بعض النماذج التي تؤكد هذا المعنى.
стр. 102
٢ - وحفظ الله تعالى نبيه محمدا ﷺ من أمر الجاهلية. سواء أكان ذلك في ستر عورته أم كان في إلقاء النوم عليه يوم قرر السمر في مكة، أم كان في بعده عن الأصنام وبغضه لها، أم كان في وقوفه في عرفات من دون قومه، وهو درس لكل داعية في الأرض أن يكون على منهج الله تعالى في سلوكه وعمله، ولو كلفته الاستقامة على هذا المنهج، العنت من الناس، واللوم والإعراض منهم، والأذى والتشهير كذلك.
وبعد الآيات البينات من القرآن الكريم والسنة المطهرة فلا عذر للداعية في مجاراة قومه في منكر عاداتهم، وضلال سلوكهم، وانحراف عقيدتهم.
وما لم يكن الداعية قواما على الحق في قومه، فلن يستطيع أن يقودهم إلى النور، ويخرجهم من الظلمات، والتميز والمفاصلة في السلوك والموقف والعقيدة. أمر أساسي بالنسبة للدعاة إلى الله.
والذين يضعفون أمام إغراءات الجاهلية يسقطون في مجتمعاتهم قبل أن يسقطوا في نفوسهم.
٣ - لكن هناك خطا فاصلا واضحا يحسن أن يتبينه الدعاة إلى الله؛ هذا الخط هو الذي يحدد التعامل مع المجتمع الذي يعيشون فيه، فالمشاركة في أمور الخير والعمل لدفع الأذى والظلم، والعطف على آلام الناس والشعور بأحاسيسهم والتعايش مع أفراحهم، والموأساة في أحزانهم- ما لم يكن في ذلك منكر أو إثم- هذه واجبات على الداعية أن يؤديها، ويساهم فيها، وليست تفضلا يتفضل به على الناس.
стр. 103
هذا الخط الواضح يمكن أن نعبر عنه بكلمة جامعة هو المشاركة في الفضائل، والتنزخ عن الجهالات (١) والرذائل، والترفع عن سفاسف الأمور، ومباذلها الرخيصة.
نفقه ذلك من خلال مشاركة النبى ﷺ لقومه في حرب الفجار، وبناء الكعبة وحلف الفضول، والتحكيم في الحجر الأسود، وهو المحفوظ من الله تعالى، والمصنوع على عينه. فلو كان في هذه الأمور خطأ أو خلل لنزه الله تعالى نبيه عن ذلك، كما رأينا في الفقرة الأولى في صرفه ﵊ من ربه عن انحرافات الجاهلية وعباداتها وعقائدها وممارساتها.
٤ - والمشاركة للناس في أفراحهم وأحزانهم خاصة، لها أثر طيب في نفوسهم. وليس الأصل الامتناع عن المشاركة حين يكون فيها بعض المنكرات، بل الأصل محاولة إزالة هذه المنكرات، والمشاركة بعد ذلك وقد يكون جاه الداعية في مجتمعه لاحترامه وتقديره هو الذي يحول دون وجود هذه المنكرات لو حضر مثل هذه المناسبات، لكنه عندما ينعزل عن مجتمعه وبيئته يستسهل الناس اقتراف المنكر، والتسمك بالعادات الذميمة، وفي الوقت نفسه تكبر الفجوة بينهم وبين الداعية ويسقطونه من حسابهم.
стр. 104
لقد بقي الرسول ﷺ يلعب مع الغلمان مشدودا عليه إزاره وحده من دون رفاقه، وبقي يشارك في بناء الكعبة مع لداته وأعمامه وقد شد عليه إزاره وستر عورته- ولم يكن أوحي إليه بعد أو أمر بالتبليغ والدعوة-.
٥ - بينما ألقي عليه النوم ﷺ حين مضى يسمر في مكة مع السامرين. وحيل بينه وبين سماع اللهو والمعازف، فلا ينفع في هذه الأمور الحلول الوسط، والتساهل من الدعاة في هذه الجوانب هو الذي مكن من التساهل في استعمال التلفاز في كل بيت، وهو الذي يحوي الغث والثمين، والمعازف فيه تكاد تملأ معظم برامجه، وقلما ينجو من إثم هو أو أحد أهل بيته وهو يستمع لها أو يسكت على سماعها.
٦ - وحضور رسول الله ﷺ لحلف الفضول وهو من الممثلين لبني هاشم فيه مع أعمامه وهو الفتى الحدث، فقد كان عمره قرابة العشرين عاما، ليدل دلالة واضحة على رجحان وزنه في قومه، ومدى شعوره بالتزامه بمبادىء هذا الحلف، خاصة أن الذي دعا له عمه الزبير بن عبد المطلب. ولو أعطي حمر النعم فلن ينكث فيه، ولو دعي فيه في الإسلام لأجاب، فقد كان الحلف المذكور واحة في تيه الجاهلية التي تنطلق من نصرة الأخ ظالم أو مظلوم. وكان توطئة لقدوم الإسلام الذي ضرب الجاهلية من جذورها وأتاهما من قواعدها.
وما أحوج الدعاة إلى الله أن يفقهوا هذا الدروس، فيكونوا المنارة الهادية في مجتمعهم في محاربة الظلم، ومواجهة الظالمين، ودفع الأذى عن المضطهدين والمظلومين.
стр. 105
فقد يكون الدعاة في مجتمع لا تحكمه شريعة الله، وقد يكونون في مجتمع يحارب الدعاة إلى الله ويسعى الطغاة فيه لإبادتهم، فلا يجوز أن يقف الدعاة في مثل هذه الحالة مكتوفي الأيدي، ينتظرون التصفية والإبادة، لا بد أن يتحركوا تحت أي ستار يصلون من خلاله إلى حمايتهم، وحماية دعوتهم، وإذا كانت القوانين السائدة، والأعراف الحاكمة تهيىء لهم هذه الحماية، وتمنع عنهم هذه التصفية، فحري بهم أن يستفيدوا منها، ويدفعوا المجتمع إلى التحرك من خلالها لحماية الدعوة ونصر المستضعفين.
إن الظلم مرفوض بأي صورة من الصور، ولا يشترط الوقوف ضد الظالمين فقط عندما ينالون من الدعاة إلى الله، بل مواجهة الظالمين قائمة، ولو وقع الظلم على أقل الناس، وأبعدهم عن الدعوة، لأن منع الظلم في كل أشكاله هو الذي يحول دون وصوله إليهم ونحرهم بمديته.
ويبقى هذا المبدأ العظيم الخالد هو الذي يحكم الدعاة في كل عصر.
(أ) ((ما أحب أن لي به حمر النعم)) لما يحقق من عدل، ويمنع من ظلم، أو النكث به مقابل حمر النعم.
(ب) ((ولو دعيت به في الإسلام لأجبت)) طالما أنه يردع الظالم عن ظلمه.
وأن يكون لرسول الله ﷺ حمر النعم، وتكون قد فاتته هذه المآثر لما أحب ذلك.
٧ - والخلق الكريم الذي حبا الله تعالى به نبيه ﷺ ، وما زال يزكو وينمو
стр. 106
حتى أصبح محط أنظار مجتمعه، وصار مضرب المثل فيهم، حتى ليلقبوه بالأمين. وتهفو قلوب الرجال والنساء إليه على السواء- رغم العجيج الفارغ للمتبذلين والفاسقين- يعطينا صورة حية عن قيمة الأخلاق في المجتمع، وعن احترام صاحب الخلق ولو في المجتمع المنحرف.
وهذه المقدمات هي التي مكنت الرسول ﷺ من إيقاف حرب مدمرة في قومه من خلال التحكيم في وضع الحجر الأسود، فقد اغتبط الجميع أن كان الداخل الأمين، وأعلنوا رضاءهم بحكمه قبل أن يصدر حكمه لثقتهم بنزاهته، وتجرده وموضوعيته.
كيف استطاع بعبقريته ﷺ أن يطرح بهذه البداهة والحكمة والحزم فكرة وضع الحجر في الثوب، ومساهمة الجميع في حمله وتشرفهم في وضعه في مكانه.
لقد كان جزءا من قومه حين وقع الاعتداء عليهم، فدافع عنهم، ورمى بأسهم وأنبل لأعمامه في حرب الفجار.
وكان جزءا من قومه يوم شارك في عقد حلف الفضول وأن يكونوا يدا واحدة على الظالم، وحمى قومه من حرب عنيفة قد تأكل الأخضر واليابس، وأحل الوئام مكان الخصام، وغدا قلب مجتمعه، وصاحب السيادة فيه.
ولا بد أن يكون الداعية في مجتمعه إذن إيجابيا فاعلا، يفتقده الناس إذا غاب، ويصغون له ويطيعونه إذا حضر، لا أن يكون رقما من الأرقام على هامش الأحداث في بيئته ومجتمعه.
стр. 107
وحين يكون صاحب الكلمة الفصل فيهم عن حب وإعجاب واحترام، يكون قادرا على أن يوظف هذا الجاه كله لخدمة دعوته، ولنشر الإسلام في صفوف عشيرته وقومه، ويكون قد هيأ الأرض الخصبة للبذرة الصالحة التي يغرسها فتنمو وتترعرع، ثم تزهر وتثمر، وتعطي أحسن الجني، وأطيب الثمار.
٨ - ويستوقف المسلم قول أبي وهب بن عمرو بن مخزوم: (لا تدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيبا، لا يدخل فيها مهر بغي، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس).
فقد كان الجاهليون يدكرون في حسهم مفهوم الحلال والحرام، وحين يقدمون على أمثال هذه المعاملات- المذكورة آنفا- يعلمون أنهم يقدمون على إثم أو على شيء خبيث، ومن أجل ذلك وتشريفا للكعبة- زادها الله شرفا- حرصوا على أن لا يدخل في بنائها هذا المال الحرام، الذي هو ثمرة زنا أو ربا أو مظلمة لأحد من الناس، وهذا خبيث كله لأن غيره هو الكسب الطيب.
وإن كان الجاهليون يدركون هذه المعاني من حيث الفطرة السوية التي تنفر من هذا الخبيث كله، والتي تعرف أنه ظلم وبغي، أو يدركونه من بقايا الحنيفية دين إبراهيم، وهي الفطرة الأولى ﴿ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين﴾ (١) فالنتيجة واحدة، والممارسات الخاطئة
стр. 108
لا تحول الخبيت طيبا، والحرام حلالا، وما يدعيه اليوم دعاة الجاهلية الحديثة في تبرير الزنا، وأنه عملية بيولوجية بحتة، لا علاقة لها بالآخرين، طالما أنها تمت برضا الطرفين، ويشرعون القوانين في تحليلها وما يدعونه في تبرير الربا وأنه حق مكتسب للمال ويشرعون القوانين لإحلاله .. ليس هذا الادعاء أو هذا التشريع قناعة قائمة في النفس، بمقدار ما هو تغطية وتبرير للظلم، يعرفون في أعماقهم حرمته ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا﴾ (١).
...
стр. 109
الفصل العاشر
زواجه من خديجة
(قال ابن إسحاق:
(.. فلما قدم مكة على خديجة بمالها باعت ما جاء به، فأضعف أو قريبا، وحدثها ميسرة عن قول الراهب .. وعما كان يرى من إظلال الملكين له، وكانت خديجة امرأة حازمة شريفة لبيبة، مع ما أراد الله بها من كرامته. فلما أخبرها ميسرة بما أخبرها به، بعثت إلى رسول الله ﷺ فقالت له- فيما يزعمون-: يا ابن عم إني قد رغبت فيك لقرابتك، وسطتك (١) في قومك، وأمانتك وحسن خلقك، وصدق حديثك، ثم عرضت عليه نفسها، وكانت خديجة يومئذ أوسط نساء قريش نسبا، وأعظمهن شرفا، وأكثرهن مالا، كل قومها كان حريصا على ذالك منها لو يقدر عليه.
فلما قالت ذلك لرسول الله ﷺ ذكر ذلك لأعمامه فخرج معه عمه حمزة (٢) بن عبد المطلب ﵁، حتى دخل على خويلد بن أسد،
стр. 110
فخطبها إليه فتزوجها) (١) ..
(وعن نفيسة بنت منية قالت: كانت خديجة بنت خويلد امرأة حازمة، وهي يومئذ أوسط نساء قريش نسبا، وأعظمهن شرفا، وأكثرهن مالا، وكانت تدعى في الجاهلية بالطاهرة، كل قومها كان حريصا على نكاحها لو قدر على ذلك، قد طلبوها وذكروا لها الأموال فلم تقبل. فأرسلتني دسيسا (٢) إلى محمد ﷺ بعد أن رجع في عيرها من الشام، فقلت: يا محمد ما يمنعك أن تتزوج؟ فقال: ((ما بيدي ما أتزوج به)) قلت: فإن كفيت ذلك ودعيت إلى المال والجمال والشرف والكفاية ألا تجيب؟ قال: ((فمن؟)) قلت: خديجة. قال: ((وكيف لي بذلك؟)) قلت: بلى وأنا أفعل، فذهبت فأخبرتها، فأرسلت إليه أن ائت الساعة كذا كذا، فأرسلت إلى عمها عمرو بن أسد ليزوجها، فحضرت، ودخل رسول الله ﷺ في عمومته فزوجه أحدهم) (٣).
وعن ابن عباس فيما يحسب حماد أن رسول الله- ﷺ ذكر خديجة وكان أبوها يرغب عن أن يزوجه، فصنعت طعاما وشرابا فدعت أباها ونفرا من قريش فطعموا وشربوا حتى ثملوا، فقالت خديجة: إن محمد بن عبد الله يخطبني