مثلما ظهرت أحوالهن القلبية. ولتوضيح هذا الدليل أكثر يمكن أن ندرج الآية التالية: ﴿وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما﴾ (سورة الأحزاب: ٥٣).
وبما أن الآية الأولى تصرح بأن الصلة بين النبي ﷺ وبين أزواجه أبدية، لهذا ليس له أن يبدلهن، ومن هنا فإن هذه الآية تنص على أنه حرم على الأمة أن ينكحوا أزواجه من بعده.
وفي الآية الأخيرة أمر هام يجب التفكير فيه وهو أن الله نهى المؤمنين عن إيذاء الرسول، وجاء ذكر حقوق أزواجه بوجه خاص. ومن هنا يتضح بجلاء أن أشد ما يمكن أن يؤذي الرسول ﷺ هو النيل من شأن أزواجه والإساءة إليهن. وذلك لأن القرآن خص هذا الأمر بالذكر حين ذكر إيذاء الرسول.
ـ[الفضيلة السابعة]ـ:
قال الله تعالى: ﴿واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة﴾ (سورة الأحزاب: ٣٤).
أضيفت في هذه الآية كلمة "البيوت" إلى ضمير جمع المؤنث وهو "كن"، وفي الركوع السابع من نفس السورة ورد قوله تعالى: ﴿لا تدخلوا بيوت النبي﴾ وأضيفت فيها كلمة "بيوت" إلى النبي ﷺ ، وهذا الدليل صريح على اتحاد الزوجين الطيبين، فقد وصفت هذه البيوت ببيوت النبي ﷺ مرة، وبيوت أزواجه مرة أخرى.
تأملوا في الآية السابقة فقد أثنى الله تعالى فيها على بيوت أزواج النبي ﷺ حيث جعلها مهبطا للوحي الإلهي، ومهدا للحكمة الربانية. ويعرف الجميع أن كرامة البيت، متوقفة على كرامة صاحبه، ولتقدروا الآن ما لأزواج النبي ﷺ من كرامة وعزة عند الله، إنها لفضيلة عظيمة.
ـ[الفضيلة الثامنة]ـ: أنزل الله في شأن أزواج النبي ﷺ آية التطهير. فقال: ﴿وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (...) واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا﴾ (سورة الأحزاب: ٣٣ - ٣٤).
стр. 387
إن المخاطب في هذه الآية من أولها إلى آخرها هم أزواج النبي ﷺ ولذا يختص خطاب أهل البيت بهن كما اختص بهن خطاب بيوتكن.
ويؤيده سياق الآية - وهو السياق المعجز لآيات القرآن الكريم - كما يؤيده العرف العام، فإن أهل البيت يطلق في العرف العام على الزوجة. ولمزيد من التأييد نوجع إلى القرآن الكريم وننظر هل ورد هذا اللفظ في آي من آياته لزوجة نبي من الأنبياء أم لا؟ في قصة إبراهيم ﵇ وهنا نستدل بقصته لأن بينه وبين النبي مشابهة تامة لقوله تعالى: ﴿إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي﴾ - قال تعالى: ﴿وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب (...) قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب (...) قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد﴾ (سورة هود: ٧١ - ٧٣).
في هذه الآية خوطبت سارة زوج النبي إبراهيم بأهل البيت (١).
وهكذا يفهم من الآية ما لأزواج النبي ﷺ من فضيلة عظيمة حيث وعدهن الله بالتطهير، وليعلم بأن كلمة "الآل" و"الأهل" كلمة واحدة، ودليله أن كلمة "الآل" تصغر بالأهيل. والآية المذكورة وإن أريد فيها بأهل البيت أزواج النبي ﷺ خاصة، ولكن كلمة "آل" أو "أهل" ورد استعمالها في الأحاديث الصحيحة بمعنى أوسع وأشمل.
(ألف) ورد استعمال هذه الكلمة أيضا للأزواج. انظر رواية أبي نعيم محمد: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد". ورواية أبي حميد الساعدي: "اللهم صل على محمد وعلى أزواجه".
فالرواية الثانية تفسير للأولى.
(ب) كما ورد استعمالها لبني هاشم وبني المطلب جميعا ممن حرمت عليهم الصدقة.
ففي الحديث: "إنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد".
(ج) وأيضا ورد استعمالها لذرية الرسول ﷺ . روى البيهقي عن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: ... . فدعا رسول الله ﷺ حسنا وحسينا فأجلس كل واحد منهما على فخذه وأدنى فاطمة من حجره وزوجها، ثم لف عليهم ثوبه - وأنا منتبذ - فقال:
стр. 388
"اللهم هؤلاء أهلي (١) ".
وهكذا تدل هذه الأحاديث والآثار على اتساع معنى بني هاشم وبني المطلب وخصوصية معنى آل عباس فهم بموجب قول الرسول، يدخلون في معنى أهل البيت، كما أن أزواج النبي ﷺ هن أيضا من أهل البيت، بموجب قول الله. وإنكار أي من هذه الأمور هو نوع من الجهل بالحديث وعدم الإلمام بنص القرآن.
ـ[الفضيلة التاسعة]ـ:
قال الله تعالى: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم﴾ (سورة الأحزاب: ٦)
من الواضح أن الضمير في "أنفسهم" و"أمهاتهم" يعود على المؤمنين ولذلك لقبت أزواج النبي ﷺ بأمهات المؤمنين ولم يلقبن بأمهات الأمة أو غيره من الألقاب (٢).
أما السر في استعمال كلمة "المؤمنين" في هذه الآية فهو بيان علامات وسمات، يمتاز بها المؤمن من غيره فوردت في الآية علامتان:
الأول: المؤمن من كان النبي ﷺ أحب إليه من نفسه.
الثاني: من يعترف للأزواج بالأمومة، وليست الأمومة الناتجة عن الولادة الحسية بل الأمومة التي ينال شرفها من خلال ولائه للنبي ﷺ ، والرسوخ في الإيمان.
وبالجملة فإن هذه الآية تتضمن بيانا للفضيلة الكبرى لأزواج النبي ﷺ المطهرات حيث ذكر الله فيها شرف النبي ﷺ وعظمته، وأتبعه بذكر شرف وعظمة أزواجه ﷺ ولم يقتصر على قوله ﴿أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ بل جعل من شروط الإيمان الكامل أن أزواجه أمهاتهم.
وقد ورد في صحيح النسائي (٣) حديث في فضيلة الأم: أن جابر ﵁ جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أردت أن أغزو وقد جئت أستشيرك، فقال: "هل لك من أم؟ " قال: نعم. قال لا فالزمها فإن الجنة تحت رجليها".
стр. 389
والغرض من ذكر هذا الحديث أنه إذا كان هذا أجر خدمة أم الإنسان، الذي حصل على أمومتها بالمولد، فأجر خدمة الأمم التي حصل على أمومتها بالإيمان والروح أكبر وأعظم، وذلك مما يسوغه العقل.
نكتفي في هذا الفصل بذكر الفضائل التسعة فقط، ونفصل القول فيما بعد إن شاء الله تعالى.
стр. 390
الفصل الثالث
حسن سلوك النبي ﷺ مع أزواجه المطهرات.
•---------------------------------•
جاء في الحديث: "خيركم خيركم بأهله وأنا خيركم بأهلي".
أوجب النبي ﷺ على كل زوج أن يكون دمث الخلق مع أهله. وكان من عادته ﷺ إذا دخل البيت أن يبادر بالسلام، وإذا سلم ليلا كان ذلك بصوت خافت حتى تسمعه زوجته إن كانت يقظة ولا تستيقظ إن كانت نائمة.
وكان يعدل بين أزواجه في كل شيء من المأكل والملبس والمأوى والنفقة واللقاء، ويزور بيت كل واحدة منهن بعد صلاة العصر ويسأل عن حاجاتهن، ويجتمع بهن في بيت واحد لفترة قصيرة بعد صلاة المغرب، ويبيت مع كل واحدة منهن بالتناوب.
وكان يكرم صواحب أزواجه ويرضي أقاربهن بحسن سلوكه. وإذا أراد سفرا أقرع بين أزواجه فأيهن خرج سهمها أخذها معه. وكان لكل منهن بيت خاص بها. هذه البيوت التي سماها الله حينا "بالحجرات" وحينا "ببيوتكن" وحينا "ببيوت النبي"، كانت متصلة بعضها ببعض، وكانت صغيرة جدا. فحجرة عائشة ﵂، التي كانت نافذتها تطل على جناح المسجد النبوي الذي يسمى روضة من رياض الجنة، كانت صغيرة حتى أنها لم تسع عشرة رجال دخلوها للصلاة على جنازة النبي ﷺ . وكذلك كان الأثاث الذي تشتمل عليه هذه الحجرات قليلا، ففي حجرة حفصة ﵂ كان فراش النبي مسحا تثنيه ثنيتين، وفي حجرة عائشة ﵂ كان فراشه من أدم حشوه ليف. ولما تزوج رسول الله ﷺ أم سلمة ﵂ أعطاها بيت زينب أم المساكين ﵂، وجميع ما وجدته أم سلمة ﵂ من الأثاث في هذا البيت هو الرحى وعدة صاع من الشعير.
وأخبر ابن عباس ﵄ أن الماء في بيت خالته ميمونة ﵂ كان يوضع في سقاية. وذكر أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ كانت له كوب من خشب، تشرب بها صنوف الأشربة. ولما فتح خيبر جعل النبي ﷺ ، لكل زوجة من أزواجه ثمانين
стр. 391
وسقا من تمر وعشرين وسقا من شعير لعام. وأعطى كل واحدة منهن ناقة ذات لبن لتشرب منها، وكانت أزواجه أيضا يتصدقن على الأرامل واليتامى بما زاد عن حاجتهن. وكان رسول الله ﷺ مع حبه لأزواجه، لا يرضى أن تقول زوجة لضرتها كلمة تغض من شأنها الرفيع، ففي إحدى المرات عيرت زينب بنت جحش، صفية ﵂ بأنها يهودية - ولاشك أن نسبها كان ينتهي إلى يهوذا بن يعقوب ولكن لهجتها كانت مهينة - فلم يذهب رسول الله ﷺ إلى بيتها أياما حتى تابت إلى الله فتاب الله عليها.
وحين نرى أن هذا الأمر البسيط قد ورد ذكره في الأحاديث نستيقن طهارة حياة أزواج النبي ﷺ إذ أنه لو قالت إحداهن كلمة أكثر قسوة من الكلمة البسيطة التي ذكرت قبلا لورد ذكرها في الحديث، ولم يكن هذا إلا نتيجة للتربية السامية التي سمت بأزواجه عن الغرائز الطبيعية والجنسية، وربطتهن برباط المحبة الإيمانية الصادقة.
وقد عجز عن إدراك هذا السر من فهم أن حقيقة العلاقة بين الزوجين ما هي إلا إشباع للغريزة الجنسية، ولعل هذا هو السبب الذي جعل النصارى ينكرون استمرار العلاقة الزوجية بين الزوجين في الجنة.
ـ[وظيفة أمهات المؤمنين]ـ: تعليم نساء الأمة، وعرض أمورهن على النبي ﷺ وشرح جوابه لهن، وتبليغ أفعاله وأقواله وعباداته، التي كانت تصدر منه في الحجرات، إلى الناس بدقة وإتقان، وتوجيه أبناء الأمة في المشكلات العلمية.
ـ[مهور أمهات المؤمنين]ـ: ما كانت مهور أزواج النبي ﷺ وبناته أكثر من اثنتى عشرة أوقية وربع أوقية من الفضة (١).
стр. 392
الفصل الرابع
تقارب نسب الأزواج من نسب النبي ﷺ .
•---------------------------------•
بما أن أكثر أزواج النبي ﷺ قريبات منه نسبا نثبت هنا جدولا يتضح منه تقارب نسب كل زوجة من نسبه ﷺ .
___
جدول عمود النسب النبوي واتصال أنساب أمهات المؤمنين به
___
- ... - ... - ... - ... ٢٠ - معد بن عدنان ... - ... - ... - ... -
- ... - ... - ... - ... ١٩ - نزار ... - ... - ... - ... -
- ... - ... - ... - ... ١٨ - مضر. ... - ... - ... - ... -
- ... - ... - ... - ... ١٧ - إلياس. ... - ... - ... - ... عيلان
- ... - ... - ... - ... ١٦ - مدركة. ... - ... - ... - ... قيس
- ... - ... - ... - ... ١٥ - خزيمة. ... - ... - ... - ... خصفة
- ... - ... - ... - ... ١٤ - كنانة .. ... - ... - ... - ... عكرمة
- ... - ... - ... - ... ١٣ - نضر .. ... - ... - ... - ... المنصور
- ... - ... - ... - ... ١٢ - مالك ... - ... - ... - ... هوازن
- ... - ... - ... - ... ١١ - فهر ... - ... - ... - ... بكر
- ... - ... - ... - ... ١٠ - غالب .. ... - ... - ... - ... معاوية
عدي ... - ... - ... - ... ٩ - لؤي. ... - ... - .. ... الأسد ... صعصعة
زراح ... - ... - ... - .. ... ٨ - كعب .. ... عامر ... دودان ... عامر. ... -
قرط ... تيم ... - ... - ... ٧ - مرة ... - ... حسل ... صنم ... الهلال
عبد الله ... سعد ... - ... - ... ٦ - كلاب ... يقطة ... مالك ... كثير ... عبد الله
رباح ... كعب ... - ... - ... ٥ - قصي ... مخزوم ... نصر ... مرة ... روبية
عبد العزى ... عمرو ... - ... عبد شمس ... ٤ - عبد مناف ... عمرو ... عبدود ... صبيرة ... هرم
نفيل ... عامر ... عبد العزى ... أمية ... ٣ - هاشم ... عبد الله. ... عبد شمس ... يعمر ... يجير
الخطاب ... أبو قحافة عثمان ... أسد ... حرب. ... ٢ - عبد المطلب ... المغيرة ... قيس. ... ركاب ... حزن
عمر ... أبو بكر ... خويلد ... أبو سفيان ... ١ - عبد الله ... أبو أمية. ... زمعة ... جحش ... الحارث
حفصة ... عائشة ... خديجة الكبرى ... أم حبيبة ... محمد ... ٥ - أم سلمة ... ٦ - سودة ... ٧ - زينب ... ٨ - ميمونة
стр. 393
الفصل الخامس
تفصيل أحوال أمهات المؤمنين زوجات النبي ﷺ :
أم المؤمنين خديجة الكبرى ﵂: هي خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشية الأسدية. كان أبوها خويلد من كبار تجار العرب وأشراف قريش. أمها فاطمة بنت زائدة. ينتهي نسبها إلى النبي ﷺ من لؤي (انظر الرقم التاسع من شجرة نسب النبي ﷺ ) زوجها عمها عمرو بن أسد من النبي ﷺ وكان صداقها ست إبل، وكان عمرها آنذاك أربعين سنة (١) وعمر النبي ﷺ خمسا وعشرين سنة.
كانت أولا تحت عتيق بن عابد المخزومي (٢) فلم تلد منه ولدا، فلما مات تزوجها أبو هالة هند بن النباش التميمي.
هذا أول نكاح لرسول الله ﷺ خطبت إليه خديجة وعرضت نفسها عليه وكان قد انقطع بعد هذا النكاح إلى التحنث والتعبد في غار حراء ومعه قربة من ماء وجراب من سويق. ثم يرجع إلى خديجة فتصنع له سويقا وزادا.
كانت خديجة تلقب في الجاهلية بالطاهرة، وهي أول من أسلمت ولم يسبقها إلى الإسلام رجل ولا امرأة.
ولما ذكر لها رسول الله ﷺ الوحي قال لها وهو يفكر في مشكلات النبوة: "لقد خشيت على نفسي" فقالت له: كلا والله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم. وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق (٣) ولكي يطمئن قلبها
стр. 394
وينشرح صدرها انطلقت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل وكان نصرانيا وعالما كبيرا ومتبحرا في الإلهيات. فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك. فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي كان ينزل على موسى (١).
والسيدة خديجة من الأربع اللاتي جعلهن رسول الله ﷺ من أحسن النساء في العالمين. وعن عائشة قالت: أثنى رسول الله ﷺ على خديجة فقال:
"آمنت بي حين كفر بي الناس، صدقتني حين كذبني الناس، وأشركتني في مالها حين حرمني الناس، ورزقني الله ولدها وحرم ولد غيرها".
وعن عائشة قالت: جاءت عجوز إلى النبي ﷺ فقال لها: "كيف كنتم بعدنا؟ " فلما خرجت، قلت: يا رسول الله تقبل هذه العجوز هذا الإقبال، قال: "إنها كانت تأتينا أيام خديجة" (٢).
وقد روى الإمام محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه (٣) في باب تزويج النبي ﷺ خديجة وفضلها، عن أبي هريرة قال: "أتى جبريل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! هذه خديجة قد أتت، معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ ﵍ (٤) من ربها ومني وبشرها ببيت في
الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب".
أبناء خديجة الكبرى ﵂:
هالة والطاهر وهند أولاد خديجة من أبي هالة وهم من الصحابة.
١ - ورد ذكر هالة بنت خديجة الكبرى في صحيح البخاري حين استأذن رسول الله ﷺ ليدخل عليه فقال رسول الله ﷺ حين سمع اسمه: "اللهم هالة". وكان اسم ابن هالة هندا وكان يروى عن أبيه أيضا (٥).
стр. 395
٢ - طاهر بن خديجة الكبرى وهو الذي بعثه رسول الله ﷺ عاملا على ريع اليمن وبقي عاملا هناك إلى وفاة النبي ﷺ ، وكانت قبائل عك وكان الأشعريون تحت إمرته، وهم أول من ارتد من قبائل اليمن بعد وفاة النبي ﷺ ، فأمر أبو بكر ﵁ طاهرا بقتالهم فقاتلهم طاهر مع مسروق بن الأجدع، وانتصر عليهم فخمدت هذه الفتنة على الفور. وفي ذلك قال طاهر هذه الأبيات: (١)
فوالله لولا الله لا شيء غيره ... أما فض بالاجراع جمع العثاعث
فلم تر عيني مثل جمع رأيته ... بجنب مجاز في جموع الأخابث
قتلناهم ما بين قنة خاصر ... إلى القيعة البيضاء ذات النبائث
وفئنا بأموال الأخابث عنوة ... جهارا ولم نحفل بتلك الهثاهث (٢)
٣ - هند بن خديجة الكبرى: هو ربيب رسول الله ﷺ كان مع علي بن أبي طالب يوم الجمل فقتل معه يومئذ. وكان فصيحا بليغا وصافا وصف رسول الله ﷺ فأحسن وأتقن.
٤ - هند بن هند: مات بالبصرة في الطاعون فخرجوا به بين أربعة لشغل الناس بموتاهم فصاحت امرأة واهند بن هنداه وابن ربيب رسول الله فازدحم الناس على جنازته وتركوا موتاهم ولم يقم سوق البصرة يومئذ.
ـ[أقاربها]ـ: لخديجة الكبرى أخت، اسمها هالة بنت خويلد وهي صحابية وقد ولدت أبا العاص بن الربيع وهو زوج زينب ﵂، وأول صهر لرسول الله ﷺ . ولها أخت أخرى اسمها رقية، وهي التي ولدت أميمة بنت عبد وهي صحابية، روت عنها ابنتها حكيمة ومحمد بن المنكدر والعوام - شقيق لخديجة - وزبير بن العوام، أحد العشرة المبشرين بالجنة وسائب بن العوام كلاهما ابنا أخي خديجة ﵂.
ـ[أولاد النبي ﷺ ]ـ: أولاد خديجة من رسول الله ﷺ ذكرناهم تحت عنوان "آل النبي"
توفيت خديجة ﵂ في رمضان سنة عشر من النبوة بمكة المكرمة وأقامت
стр. 396
معه أربعا وعشرين سنة وستة أشهر أو خمسا وعشرين سنة.
أم المؤمنين سودة ﵂: هي سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبدود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لوي. وأمها الشموس بنت قيس، وقيس أخ لسلمى زوج هاشم. يعني أن خؤولة سودة خؤولة لعبد المطلب جد النبي ﷺ .
كانت قبل النبي ﷺ تحت السكران بن عمرو بن عبدود أسلمت ثم أسلم زوجها لترغيبها إياه في الإسلام. وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها وأمها. توفي عنها السكران بالحبشة فتزوجها رسول الله ﷺ سنة عشر من النبوة بعد وفاة خديجة لينقذها من بؤس الترمل وشر شماتة أهلها ولحماية عرضها.
وجعلت سودة يومها لعائشة بعد سنوات، وأثرت حبيبة الحبيب على نفسها وامتازت بالإيثار في الحب.
ـ[أقاربها]ـ: عبد الرحمن وعبد ابنا زمعة أخوان لسودة من الأب، وقرظة بن عبد عمرو أخ لها من الأم. وأما مالك بن زمعة فهو شقيقها، أسلم قديما وهاجر مع زوجته عمرة بنت السعدي العامرية إلى الحبشة.
وقد نالت سودة ﵂ مكانة أم المؤمنين لتقدمها هي وأسرتها في الإسلام وهجرتهم إلى الحبشة في سبيل الإسلام.
وقد عرفت سودة ﵂ بدماثة الخلق وحسن العمل منذ البداية. توفيت في آخر خلافة عمر ﵁. رويت عنها خمس روايات في كتب الحديث. رواية في صحيح البخاري وأربع روايات في السنن الأربعة.
أم المؤمنين عائشة ﵂: هي صديقة بنت الصديق (١)، طيبة الزوج الطيب،
стр. 397
حبيبة حبيب الله. أمها أم رومان زينب التي ينتهي نسبها إلى النبي ﷺ من كنانة. تزوجها رسول الله ﷺ في شوال المكرم سنة عشر من النبوة بمكة، وبنى بها في شوال المكرم سنة إحدى عشر من الهجرة بالمدينة. وهي التي تمتاز بين أزواج النبي ﷺ بأنها ولدت من دم إسلامي، وترعرعت بلبن إسلامي، وكان أول نكاحها مع النبي ﷺ . وجاء في الحديث الشريف عن عائشة ﵂ أنها قالت قال رسول الله ﷺ :
стр. 398
"أريتك في المنام ثلاث ليال، جاءني بك الملك في سرقة من حرير، فيقول: هذه امرأتك، فاكشف عن وجهك فإذا أنت هي، فأقول: إن يك هذا من عند الله يمضه" (١)
هذا الحديث يدل على أن نكاح عائشة الصديقة ﵂ كان قد تقرر في حظيرة القدس وأن النبي ﷺ جعل هذا النكاح من عند الله.
ـ[امتحان الحب]ـ: وقد ابتليت عائشة ﵂ بامتحان صعب في حب الرسول ﷺ حين أبطأت ناقتها في الوصول إلى المعسكر في غزوة الأنمار، فقال المنافقون في حقها كلاما سيئا، ومثل هذا الأمر هو للنساء أمر صعب ومصيبة ما بعدها مصيبة. ولكن تجلت هنا قوة إيمانها ونقاء فطرتها في أروع مظاهرها. ولما سألها رسول الله ﷺ عن أمرها قالت لأبويها: لئن قلت لكم إني بريئة لا تصدقوني ولئن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني بريئة منه لتصدقوني فوالله لا أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف حين قال فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون (٢).
وقالت: وايم الله لأنا كنت أحقر في نفسي وأصغر شأنا من أن ينزل الله في قرآنا ولكن قد كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في نومه شيئا يكذب به الله عني، فبينما هم كذلك إذ نزل على النبي ﷺ الوحي، وأنزل الله براءتها وجعلها طيبة، وأخبر بأن لها مغفرة ورزقا كريما وأن الإفك لم يغض من شأنها، بل زادها فضلا ورتبة حتى دوت لنقائها وطهارتها الأرض والسماء وأنزل الله فيها من القرآن ما يتلى في المساجد والمحاريب ويصلى به حتى تقوم الساعة. وكل من يتلو قول الله ﴿الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات﴾ ينظر إلى طهارة عائشة نظرته إلى طهارة النبي ﷺ . ووالله ليس ذاك إلا لما كان في عائشة من تواضع وإنكار الذات حتى أحقرت نفسها من أن ينزل فيها قرآن، وهي تعلم أنها بريئة مظلومة وأن هذا الأمر قد بلغ أذاه إلى أبويها، وتألم له قلب النبي ﷺ وقلوب المؤمنين جميعا. ومع ذلك كله جعلت نفسها أصغر من أن ينزل الله فيها قرآنا، ولكن الله يرفع الذين يتوبون إليه درجات.
стр. 399
ـ[فضلها]ـ: وردت أحاديث كثيرة في فضل عائشة ﵂. فروى البخاري عن أبي موسى الأشعري قوله قال رسول الله ﷺ :
"كمل من الرجال كثيرا ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" (١).
وقد روى البخاري هذه الرواية عن أنس بن مالك أيضا.
ولم تنل عائشة هذا الفضل والشرف إلا لكمالاتها الروحية التي ارتفعت بها درجاتها واستنارت لأجلها بنور النبوة. وهذه الكمالات الروحية قد ورد ذكرها في رواية رواها البخاري عن أم سلمة أم المؤمنين ﵂، قال النبي ﷺ :
"والله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها" (٢).
وهذا هو السبب الذي لأجله أمر النبي ﷺ فاطمة سيدة نساء العالمين بأن تحب عائشة ففي صحيح مسلم قال النبي ﷺ لفاطمة ﵂ "أي بنية ألست تحبين ما أحب؟ " فقالت: بلى، قال: "فأحبي هذه" (١).
ويدل على فضل عائشة ﵂ ما ورد في الصحيحين أن النبي ﷺ قال لها: "إن جبريل يقرأ عليك السلام" قالت قلت: وعليه السلام ورحمة الله (٢).
ومن منن عائشة على الأمة أنها سببت نزول آية التيمم ففي صحيح البخاري عن عائشة: أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت، فأرسل رسول الله ناسا من أصحابه في طلبها فأدركتهم الصلاة فصلوا بغير وضوء، فلما أتوا النبي ﷺ شكوا ذلك إليه فنزلت آية التيمم، فقال أسيد بن حضير: جزاك الله خيرا فوالله ما نزل بك أمر قط إلا جعل الله لك منه مخرجا، وجعل للمسلمين فيه بركة.
وإليكم الآن قصتين أو ثلاثا تدل على حب عائشة للنبي ﷺ :
стр. 400
ففي صحيح مسلم عن عائشة: أن النبي ﷺ كان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه وطارت القرعة لعائشة وحفصة وكان النبي ﷺ إذا كان بالليل سار مع عائشة يتحدث معها، فقالت حفصة لعائشة: ألا تركبين الليلة بعيري وأركب بعيرك فتنظرين وأنظر؟ فقالت: بلى، فركبت فجاء النبي ﷺ إلى جمل عائشة، وعليه حفصة فسلم عليها ثم سار معها، حتى نزلوا فافتقدته عائشة فغارت. فلما نزلوا جعلت رجليها بين الإذخر وتقول: يارب! سلط علي عقربا أو حية تلدغني .. ولا أستطيع أن أقول له شيئا (١).
يروى عن عائشة ﵂ أنه بينما رسول الله يرقع نعليه وأنا أغزل بالمغزل إذا بي أرى العرق يتصبب من جبينه المبارك، وينبعث منه هذا العرق نورا وضاء يتلألأ، فتحيرت من هذا المنظر فنظر إلي النبي ﷺ وقال: يا عائشة مالي أراك في حيرة فقلت يا رسول الله، رأيت العرق يتصبب من جبهة رسول الله، وبداخله نور وضاء يتلألأ، والله لو رأى أبو كبير الهذلي (٢) النبي ﷺ لعرف أن ما رأيته هو مصداق لما قاله من شعر، فقال النبي ﷺ : أي أشعار تلك فقرأت هذه الأشعار على النبي ﷺ :
ومبرئ من كل غير حيضة ... وفساد مرضعة وداء معضل
وإذا نظرت إلى أسرة وجهه ... برقت كبرق العارض المتهلل
فوضع النبي ﷺ ما كان في يده، وقبل جبهة عائشة الصديقة ﵂ وقال: ما سررت مني كسروري منك.
٣ - ومن أمثلة حب عائشة للنبي ﷺ ما قد ظهر حين نزلت آية التخيير يقول تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا (...) وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما﴾ (سورة الأحزاب: ٢٨ - ٢٩).
أخبر النبي ﷺ بها في البداية الصديقة ﵂.
فقال: "إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن لا تستعجلي حتى تستأمري أبويك" فقالت حين سمعت الآية: ففي أي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله
стр. 401
والدار الأخرة (١) فاستن بها بقية أزواجه وقلن كما قالت وهذه فضيلتها ولاشك.
قال عروة بن الزبير وهو كوكب بين الفقهاء السبعة: ما رأيت أحدا أعلم بمعاني القرآن وأحكام الحلال والحرام وأشعار العرب وعلم الأنساب من عائشة (٢). كان الأكابر من الصحابة إذا أشكل عليهم الأمر من الدين استفتوها فيجدودن علمه عندها.
وكانت أم المؤمنين عائشة ﵂ تربي الفقراء والمساكين بجودها وسخائها كما كانت تربي أبناء الأمة بلبان العلم والمعرفة. قال عروة بن الزبير: رأيت عائشة الصديقة أنفقت سبعين ألف درهم في سبيل الله في يوم واحد. وبعث إليها عبد الله بن الزبير بمائة ألف درهم فوالله ما غابت عليها الشمس حتى فرقتها فقالت مولاة لها: لو اشتريت لنا من ذلك بدرهم لحما؟ فقالت: ألا ذكرتني؟ وكانت يومئذ صائمة فأمست وما عندها منه درهم وأفطرت في ذلك اليوم بزيت وخبز وقسمت المال كله حتى لم يبق عندها درهم تشتري منه لحما لإفطارها (٣).
ـ[فضائل خديجة وعائشة ﵄]ـ: تكلم العلامة ابن القيم ﵀ حول تفضيل خديجة على عائشة في كتابه "جلاء الأفهام" (٤). فقال: فيه ثلاثة أقوال: ثالثها الوقف.
وقال: سألت شيخنا ابن تيمية فقال: اختص كل واحد منهما بخاصية فخديجة كان تأثيرها في أول الإسلام، وكانت تسلي رسول الله ﷺ وتثبته وتسكنه، وتبذل دونه مالها، فأدركت غرة الإسلام واحتملت الأذى في الله وفي رسوله وكان نصرتها للرسول في أعظم أوقات الحاجة فلها من النصرة والبذل ما ليس لغيرها. وعائشة تأثيرها في آخر الإسلام فلها من التفقه في الدين وتبليغه إلى الأمة وما قامت به من نشر العلم النبوي وما قدمته من فوائد علمية لأبناء الأمة لم ينافسها فيه أي من زوجات النبي الأخريات.
стр. 402
وجميع الأحاديث التي روتها عائشة تبلغ ٢٢١٠ حديث، منها مائة وأربعة وسبعون حديثا في الصحيحين، وأربعة وخمسون حديثا في صحيح البخاري فقط، وسبعة وستون حديثا في صحيح مسلم فقط، ومنها ٢٠١٧ حديث في كتب الحديث الأخرى المعتبرة، وهذا عدا ما نقل عنها من الفتاوى الشرعية وحل المشكلات العلمية وبيان الروايات العربية والوقائع التاريخية (١).
ـ[الجهاد في سبيل الله]ـ: عن أنس بن مالك قال: ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وأنهما لمشمرتان، أرى خدم سوقهما تنقزان القرب على متونهما، تفرغانه في أفواه القوم، ثم ترجعان فتملأنها، ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم.
وكان لواء النبي ﷺ يوم بدر من مرط عائشة، أي أن الراية التي في ظلها خدم الملائكة الإسلام، والتي فتح الله بها للمسلمين لأول مرة كانت قد اتخذت من مرط عائشة وفي هذا دلالة على ما لعائشة من فضل (٢).
قال حسان بن ثابت (المؤيد بروح القدس) في شأن عائشة:
حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
عقيلة أصل من لوى بن غالب ... كرام المساعي مجدهم غير زائل
مهذبة قد طهر الله خيمها ... وطهرها من كل بغي وباطل
فإن كان ما قد قيل عني قلته ... فلا رفعت سوطي إلى أنامل
وإن الذي قد قيل ليس بلائط ... بها الدهر بل قول أمرء متماحل
فكيف وودي ما حييت ونصرتي ... لآل رسول الله زين المحافل
رأيتك وليغفر لك الله حرة ... من المحصنات غير ذات الغوائل (٣).
стр. 403
وتتمثل في عائشة الصديقة ﵂ غاية صدقها وعدلها حين تظهر رأيها عن ضرائرها.
(ألف) فتقول في مدح زينب بنت جحش:
١ - عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ : "أسرعكن لحوقا بي أطولكن يدا" قالت: فكانت أطولنا يدا زينب لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدق.
٢ - ما رأيت امرأة قط خيرا في الدين من زينب وأتقى لله وأصدق حديثا وأوصل للرحم وأعظم صدقة.
(ب) وتقول في مدح صفية أم المؤمنين ﵂: ما رأيت صانعة طعام مثل صفية.
(ج) وتقول في مدح سودة أم المؤمنين ﵂: ما من الناس أحد أحب إلى من أن أكون في سلاخه من سودة بنت زمعة إلا أن بها حدة.
(د) وتصف جمال جويرية أم المؤمنين ﵂ فتقول: كانت جويرية عليها حلاوة وملاحة لا يكاد يراها أحد إلا وقعت في نفسه.
ـ[أمومة الأمة]ـ: عن بشر بن عقربة قال: استشهد أبي يوم أحد فكنت جالسا أبكي فقال رسول الله ﷺ : "أما ترضي أن تكون عائشة أمك وأكون أنا أباك" (١).
خص النبي ﷺ في هذه الرواية عائشة بالأمومة دون غيرها من نسائه ﷺ .
ـ[عثرة عائشة]ـ: ومن العثرات البشرية التي صدرت عن عائشة حضورها حرب الجمل (٢)
стр. 404
وقد سميت هذه الحرب بحرب الجمل لأن هودج عائشة كان على جمل اسمه العسكر. وكان خصمها في هذه الحرب أمير المؤمنين علي ﵁. ولما انتهت الحرب قالت عائشة: إن مثل ما بيني وبين علي مثل ما بين المرأة وحموها فقال علي، والله هذا لصحيح، قال تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما﴾ (سورة الحجرات: ٩).
وأرى أن هذه أول حرب تقاتلت فيها فئتان مؤمنتان، ونظرا إلى هذا ينبغي لنا أن نقرأ هنا إلى قوله تعالى ﴿إن الله تواب رحيم﴾ فهذا يزيل كثيرا من الشبهات والظنون.
ويؤيد صدق عائشة وحبها لعلي وفاطمة ما ورد في الترمذي عن جميع بن عمير قال: دخلت مع عمتي على عائشة رضي الله تعالى عنها فسئلت: أي الناس كان أحب إلى رسول الله ﷺ ؟ قالت: فاطمة. قيل من الرجال؟ قالت: زوجها" (١).
وكذلك يؤيده حديث عائشة الذي رواه مسلم في صحيحه (٢). وهو: ﴿ليذهب عنكم الرجس أهل البيت﴾.
والمراد بأهل البيت هنا الحسن والحسين وعلي وفاطمة.
وفي الأيام التي بدأت فيها حرب الجمل كان عمار بن ياسر ﵁ قد ألقى في مسجد الكوفة أمام رفقاء علي خطبة جاء فيها:
إني لأعلم أنها زوجة نبيكم في الدنيا والآخرة ولكن الله ابتلاكم لتتبعوه أو إياها (٣).
وننقل هنا بعض ما قالته عائشة ﵂ من الخصائص التي كانت تفتخر بذكرها "توفي النبي ﷺ في بيتي ونوبتي وبين سحري ونحري وجمع الله بين ريقي وريقه، قالت: دخل عبد الرحمن بسواك فضعف النبي ﷺ أخذته فمضضته ثم سننته".
стр. 405
ومن أقوالها أنها قالت: اقرعوا باب الجنة يفتح. قالوا: كيف نقرع؟ قالت: باحتمال شدة الجوع والظمأ. وسألها رجل مرة: متى أظن نفسي صالحة؟ قالت: حين ظننت نفسك سيئة. فقال: متى أظن نفسي سيئة؟ قالت: حين ظننت نفسك صالحة. وكانت عائشة بنت ثماني عشرة سنة حين مات النبي ﷺ ، والعلوم العالية التي تعلمتها منه خلال تسع سنوات، قامت بتبليغها إلى الأبناء الروحيين نحو نصف قرن من الزمان.
ـ[أقاربها]ـ: والدتها أم رومان الكنانية التي توفيت في شهر رمضان سنة ست من الهجرة.
نزل النبي ﷺ في حفرتها، وقال:
"اللهم لا يخف عليك ما لقيت أم رومان فيك وفي رسولك" وقال: "من سره أن ينظر إلى امرأة من الحور العين فلينظر إلى أم رومان" (١).
١ - عبد الرحمن بن أبي بكر شقيقها وكان من شجعان العرب، انتصر المسلمون في حرب اليمن بشجاعته وهو الذي قال لمعاوية: أهرقلية إذا مات كسرى قام كسرى مكانه لا نفعل والله أبدا؟ وذلك حين ذكر معاوية ﵁ إمارة يزيد لجمع من الصحابة وفيهم الإمام الحسين ﵇ وعبد الله بن الزبير ﵁.
وابن عبد الرحمن أيضا من الصحابة. وعلى هذا فأربعة أجيال من أسرة أبي بكر الصديق ﵁ من الصحابة، وإن هذا الشرف لم يحصل لأحد من الصحابة غيره. وقد قالت عائشة الأبيات التالية في وفاته:
وكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
فلما تفرقنا كأني ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
٢ - والطفيل بن سخبرة أخوها لأم.
٣ - وعبد الله بن فضالة الليثي أبوها من الرضاعة يكنى أبا عائشة وكان قاضيا بالبصرة وعبد الله وفضالة كلاهما من الصحابة.
٤ - وأسماء ذات النطاقين أختها من الأب. أسلمت بعد سبعة عشر نفرا، توفيت
стр. 406
في شهر جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين من الهجرة وهي بنت مائة سنة تقريبا.
٥ - وعبد الله بن أبي بكر أخوها لأب، جرح في غزوة حنين فمرض ومات. وهو الذي كتب للنبي ﷺ كتابه إلى أهل نجران في حقوقهم (١). وله أخوات من بطن أسماء بنت عميس التي ولدت بعد وفاة أبي بكر ﵁ بأشهر.
٦ - ومحمد بن أبي بكر أخوها لأب وهو الذي كان ربيبا لعلي ﵁. استعمله علي ﵁ على مصر في خلافته.
٧ - وكانت لها أمة اسمها بريرة. قال عبد الملك بن مروان: كنت أجالس بريرة بالمدينة قبل أن ألي هذا الأمر فكانت تقول لي: يا عبد الملك إني أرى فيك خصالا وإنك لخليق أن تلي هذا الأمر، فإن وليت هذا الأمر فاحذر الدماء، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الرجل ليدفع عن باب الجنة بعد أن ينظر إليها بملأ محجمة من دم يريقه من مسلم بغير حق" (٢).
ـ[إيثار خدمة الإسلام ونسيان الألم الذاتي]ـ: كان معاوية بن خديج قد قتل محمد بن أبي بكر أخا عائشة ﵂، فكان بينها وبين معاوية بن خديج خلاف شديد، ولكن معاوية كان قد اشتهر بفتوحاته الإسلامية وخدماته الدينية في أفريقيا.
عن عبد الرحمن بن شماسة المهري، قال: دخلنا على عائشة فسألتنا: كيف كان أميركم هذا وصاحبكم في غزواتكم تعني معاوية بن خديج؟ فقالوا: ما نقمنا عليه شيئا وأثنوا عليه خيرا. قالوا: إن هلك بعير أخلف بعيرا وإن هلك فرس أخلف فرسا وإن أبق خادم أخلف خادما. فقالت حينئذ: استغفر الله، اللهم اغفر لي إن كنت لأبغضه من أجل أنه قتل أخي، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول:
١ - "اللهم من رفق بأمتي فارفق به ومن شق عليهم فاشقق عليه" (٣).
٢ - وكانت عائشة تطوف بالبيت ومعها أم حكيم بنت خالد وأم حكيم بنت عبد الله فتذاكرتا حسان بن ثابت بالسب فقالت عائشة: ابن الفريعة تسبان؟ إني لأرجو أن يدخله الله الجنة بذبه عن النبي ﷺ بلسانه، أليس القائل:
стр. 407
هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء
فإن أبي ووالدتي وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء
فقالتا: أليس ممن لعنه الله في الدنيا والآخرة بما قال فيك؟ فقالت: لم يقل شيئا (١).
توفيت في سبعة عشر من رمضان سنة سبع وخمسين من الهجرة في سن ثلاث وستين ودفنت بالبقيع.
أم المؤمنين حفصة ﵂: هي بنت عمر بن الخطاب ﵁، كانت قبل رسول الله ﷺ تحت خنيس بن حذافة بن قيس بن عدي السلمي، وكان ممن تقدموا في الإسلام. هاجر هجرتين إلى المدينة، وشهد بدرا وأحدا وأصيب في غزوة أحد فتوفي بالمدينة، وكان أخوه عبد الله بن حذافة السلمي صحابيا وكان شجاعا وشاعرا.
ولما تأيمت حفصة ذكرها عمر لأبي بكر وعرضها عليه فلم يرجع أبو بكر كلمة فغضب من ذلك عمر، ثم عرضها على عثمان حين ماتت رقية بنت رسول الله ﷺ ، فقال عثمان: ما أريد أن أتزوج اليوم. فانطلق عمر إلى رسول الله ﷺ فشكا إليه عثمان وأخبره بعرضه حفصة عليه فقال رسول الله ﷺ :
"يتزوج حفصة من هو خير من عثمان، ويتزوج عثمان من هي خير من حفصة".
ثم خطبها إلى عمر فتزوجها رسول الله ﷺ فلقي أبو بكر عمر بن الخطاب فقال له: لا تجد علي في نفسك فإن رسول الله ﷺ كان ذكر حفصة فلم أكن لأفشي سر رسول الله ﷺ ولو تركها لتزوجتها.
ماتت أم المؤمنين حفصة ﵂ في جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين من الهجرة.
وفي رواية: أن جبريل أثنى عليها فقال: إنها صوامة قوامة وإنها زوجتك في الجنة (٢).
стр. 408
ولدت أم المؤمنين حفصة ﵂ قبل بعثة النبي ﷺ بخمس سنوات (١). ومجموع ما روي عنها ستون حديثا، أربعة أحاديث في صحيح البخاري وستة أحاديث في صحيح مسلم وخمسون حديثا في كتب الحديث الأخرى.
يتباحث بعض الناس فيقولون: إن المراد ببعض الأزواج في قول الله ﴿وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا﴾ حفصة.
وأرى أن الله لما لم يذكر اسما بالتحديد إكراما لأسرة حبيبه ﷺ وإجلالا لها، فليس لنا أن نتجرأ على تحديده. وكذلك يتباحثون في بيان هذا الحديث الذي أسره النبي ﷺ إلى بعض أزواجه، وأعتقد أنه لا يجوز لنا أن نكشف هذا السر ونتدخل فيه.
ـ[أقاربها]ـ:
١ - أبوها عمر الفاروق الذي اشتهر ذكره في الإسلام، تولى الخلافة بعد وفاة أبي بكر الصديق سنة ثلاث عشرة سنة من الهجرة، ولم يخالفه فيها أحد، واستمرت خلافته عشر سنوات وستة أشهر. واستشهد في أربع وعشرين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة. ولما فتش عن قاتله وعلم أنه لؤلؤ النصراني قال: الحمد لله الذي لم يجعل قتلي برجل يحاجني بلا إله إلا الله.
٢ - عبد الله بن عمر: هو شقيق حفصة، توفي بمكة سنة ثلاث وسبعين من الهجرة، روي عنه ٢٢١٠ رواية (٢).
٣ - والدتها زينب بنت مظعون، أسلمت قديما وتوفيت بمكة قبل الهجرة. ينتهي نسبها إلى كعب من النبي ﷺ وكذلك نسب جدتها.
٤ - خالها عثمان بن مظعون أسلم بعد ثلاثة عشر رجلا وهاجر هجرتين، وهو أول رجل مات بالمدينة من المهاجرين. ولما غسل وكفن قبل رسول الله ﷺ بين عينيه ولما توفي إبراهيم بن النبي ﷺ قال رسول الله ﷺ :
стр. 409
"الحق بالسلف الصالح منا" (١).
أم المساكين زينب بنت خزيمة ﵂: كانت تدعى أم المساكين في الجاهلية، تزوجها أولا طفيل ثم تزوجها عبيدة وهما ابنا الحارث بن عبد المطلب عم النبي ﷺ . ثم تزوجها عبد الله بن جحش ابن عمة النبي ﷺ وأخو زينب بنت جحش أم المؤمنين ﵂. فلما استشهد عبد الله بن جحش في غزوة أحد تزوجها النبي ﷺ وعاشت بعد النكاح شهرين أو ثلاثة أشهر وهي أخت أم المؤمنين ميمونة لأم.
أم المؤمنين أم سلمة (هند) ﵂: هي هند بنت أبي أمية المعروف بزاد الركب بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وكانت قبله عند أبي سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وينتهي نسبهما إلى عبد الله بن عمرو المخزومي.
وهي ممن أسلموا قديما وأسلم أبو سلمة بعد عشرة رجال. وكانت أمه برة بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ . ورسول الله ﷺ وحمزة وأبو سلمة كلهم إخوة من الرضاعة. هاجرت مع زوجها إلى أرض الحبشة ثم عادا إلى مكة. ولما أراد أبو سلمة وأم سلمة الهجرة إلى المدينة مع ولدهما سلمة، انتزع أهل أبي سلمة من أبي سلمة ولده وقالوا: اذهب أنت وحدك وليس لك من الابن شيء فإنه منا. وكذلك انتزع منه أهل أم سلمة أم سلمة، وقالوا: ليس لك منها شيء. وكان أبو سلمة رجلا قوي الإسلام، راسخ العزم، فأبى إلا أن يهاجر إلى المدينة المنورة، فأخذ سبيله إلى الله والرسول، وبقيت أم سلمة في مكة، وكانت تخرج كل غداة وتجلس بالمكان الذي كانت فارقت فيه زوجها، وما زالت تبكي طوال السنة.
ثم خرجت أم سلمة مهاجرة إلى المدينة وخرج معها عثمان بن أبي طلحة حامل مفاتيح الكعبة وكان يومئذ كافرا. فكان ينزل بناحية منها إذا نزلت، ويسير معها إذا سارت، ويرحل بعيرها وينتحي إذا ركبت، فلما نظر إلى نخل المدينة قال لها هذه الأرض التي تريدين. ثم سلم عليها وانصرف.
شهد أبو سلمة بدرا وجرح يوم أحد جرحا اندمل ثم انتقض فمات منه - وذلك لثلاث مضين لجمادي الآخرة سنة ثلاث من الهجرة - وكان يقول: اللهم أخلفني في أهلي بخير. وقد خلف وراءه أطفالا صغارا.
стр. 410
ثم تزوج رسول الله ﷺ أم سلمة لحبه لأبي سلمة الذي التزم بالصدق والاستقامة في سبيل الإسلام طوال حياته، هذا بالإضافة إلى ما تحملته أم سلمة من شدائد في سبيل الهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة. وكان عمر وسلمة وزينب ودرة ربيب رسول الله ﷺ ترعرعوا تحت رعايته ﷺ .
ـ[أقاربها]ـ:
١ - عمر بن أبي سلمة: ولد في السنة الثانية من الهجرة واستعمله علي ﵁ على فارس والبحرين. وتوفي سنة ثلاث وثمانين. روى عنه سعيد بن المسيب وأبو أمامة بن سهل بن حنيف وعروة بن الزبير.
٢ - سلمة بن أبي سلمة: زوجه رسول الله ﷺ أمامة بنت حمزة بن عبد المطلب. توفي في خلافة عبد الملك بن مروان ولم يرو له حديث عن النبي ﷺ .
٣ - زينب بنت أبي سلمة: تزوجها عبد الله بن زمعة بن الأسود الأسدي وكانت من أفقه نساء أهل زمانها، ولدتها أمها بأرض الحبشة، ويروى أنها دخلت على النبي ﷺ وهو يغتسل فنضح في وجهها. قال: فلم يزل ماء الشباب في وجهها حتى كبرت وعجزت.
ولما كان يوم الحرة قتل ابنا زينب فحملا ووضعا بين يديها مقتولين فقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون. والله إن المصيبة علي فيهما لكبيرة وهي علي في هذا أكبر منها في هذا، أما هذا فجلس في بيته فكف يده فدخل عليه وقتل مظلوما وأنا أرجو له الجنة، وأما هذا فبسط يده فقاتل حتى قتل، فلا أدري على ما هو في ذلك فالمصيبة به علي أعظم منها في هذا.
٤ - أم كلثوم بنت أم سلمة: حديثها عند موسى بن عقبة عن أمه عن أم كلثوم بنت أبي سلمة قالت: لما تزوج النبي ﷺ أم سلمة قال لها:
"إني قد أهدي للنجاشي أواقى من مسك وحلة وإني لأراه قد مات ولا أرى لهدية إلا لترد إلي، فإذا ردت إلي لهي لك، فكان كما قال النبي ﷺ (١).
٥ - درة بنت أم سلمة: في صحيح البخاري أن أم حبيبة قالت: يا رسول الله إنا
стр. 411
تحدثنا أنك ناكح درة بنت أبي سلمة. فقال رسول الله ﷺ : "أعلى أم سلمة، لو أني لم أنكح أم سلمة لم تحل لي، إن أباها أخي من الرضاعة؟ ".
٦ - زهير وعامر وعبد الله والمهاجر كلهم إخوة أم سلمة، وعبد الله ومعبد ابنا أخيها، وعبد الله بن زمعة ابن أختها.
٧ - عبد الله: أمه عاتكة عمة رسول الله ﷺ . كان شديد العداوة لرسول الله ﷺ ثم إنه خرج مهاجرا إلى النبي ﷺ فلقيه بالطريق وهو يريد مكة عام الفتح فأسلم وحسن إسلامه وشهد مع رسول الله ﷺ فتح مكة مسلما وشهد حنينا والطائف ورمى يوم الطائف بسهم فقتله.
٨ - عامر: وهو من المؤلفة قلوبهم.
٩ - المهاجر: أخو أم سلمة لأبيها وأمها، بعثه رسول الله ﷺ إلى الحارث بن عبد كلال الحميري ملك اليمن واستعمله أيضا على صدقات كندة والصدف، ثم ولاه أبو بكر اليمن وهو الذي افتتح حصن النجير بحضر موت.
توفيت أم المؤمنين أم سلمة ﵂ سنة تسع وخمسين من الهجرة وهي بنت أربع وثمانين سنة. وقيل توفيت سنة ستين من الهجرة. روى عنها في الصحيحين ثلاثة عشر حديثا، وفي صحيح البخاري ثلاثة أحاديث فقط. وفي صحيح مسلم ثلاثة عشر حديثا فقط.
وفي كتب الحديث الأخرى ثلاثمائة وتسعة وأربعون حديثا والمجموع الكلي ثلاثمائة وثمانية وسبعون حديثا. وقالت أم المؤمنين أم سلمة الأبيات التالية في وفاة وليد ابن عمها:
يا عين فابكي الوليد (١) ... ابن الوليد بن المغيرة
قد كان غيثا في السنين ... ورحمة فينا وميرة
ضخم له سعيه ماجدا ... يسمو إلى طلب الوتيرة
مثل الوليد بن الوليد ... إلى الوليد كفى العشيرة
стр. 412
أم المؤمنين زينب بنت جحش ﵂: هي زينب بنت جحش بن رباب بن يعمر ابن صبيرة بن مرة بن كثير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة، وأمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ .
كانت قبل النبي ﷺ تحت زيد بن حارثة الذي ينتهي نسبه إلى قضاعة ونسب أمه إلى معن بن طي. فكأنه كان نجيب الطرفين. لكن جماعة اختطفته وهو صغير وباعته في سوق الحباشة (القريب من مكة والذي يعقد مرة كل عام) فاشتراه منهم حكيم بن حزام لعمته خديجة الكبرى. فلما تزوجها رسول الله ﷺ وهبته له فقبضه رسول الله ﷺ فخرج حارثة وكعب ابنا شرحبيل بفدائه، وقدما مكة فسألا عن النبي ﷺ فدخلا عليه وقالا له: جئناك في ابننا عندك فامتن علينا، وأحسن إلينا في فدائه، فرضي به رسول الله ﷺ ولكن زيد بن حارثة أبى أن يذهب مع أبيه (١) لكثرة أعطاف رسول الله ﷺ وإحسانه إليه. فلما رأى أبوه أنه حل منه محل الابن ولا يعيش عيشة العبيد انصرف عنه، وكان زيد يدعى زيد بن محمد لحب رسول الله ﷺ له، وهذه الأمور كلها كانت قبل بعث النبي ﷺ وبعد النبوة كان من بين الأمور التي أصلها في المجتمع تحسين أوضاع العبيد فكان يقول: أيها الناس متى استعبدتموهم وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا.
وقد أثبت فعلا أن الاستعباد الزائف لا اعتبار له في الإسلام وأن الرجل لا يكون عبدا لرجل بمجرد أن أخذه قهرا وباعه لغيره بدراهم معدودة. وأراد رسول الله ﷺ أن يضرب لذلك مثلا أعلى، فاقترح بأن يزوج زينب بنت جحش زيد بن حارثة، وكان غرضه من هذا النكاح أن يقضي على ذل العبودية للأبد، وأن لا يحرم أحد من حقوقه الإنسانية المشروعة لمجرد أنه بيع أو اشتري في رمن. أما الذين كانوا يفتخرون بعلو نسبهم وسمو مجدهم فما كانوا ليتفقوا مع المصلح الأعظم ﷺ في هذا الأمر، فقد أبت زينب أن تنكح زيد بن حارثة وأبى ذلك أقرباؤها معها (٢). وقد استمر رسول الله ﷺ على ما أراد من إصلاح وضرب مثلا رائعا حتى أن الله قد أنزل عليه: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ (سورة الأحزاب: ٣٦).
стр. 413
وبعد نزول هذه الآية تركت زينب وأقرباؤها أفكارهم القومية والذاتية، وأصبح هذا النكاح منة عظيمة على البشرية كما استحقت زينب الثناء والمدح.
وشاء الله أن يجعل من حياة زينب نفسها إصلاح أمر آخر:
وهو أنه كانت قد جرت العادة في الأقطار المختلفة إذا لم يكن لأحد ولد أخذ ولد غيره ويقال له متبني، وكان التبني لا ينسب نفسه إلى أبيه الحقيقي بل ينسب إلى من أخذه وتبناه.
وكانت هذه العادة خروجا على مشيئة القدرة الإلهية، فكأن من ظفر بولد غيره يقول بلسان حاله لربه: ها أنا ظفرت بولد وإن لم تعطني إياه، هذا بالإضافة إلى عدة أمور منها:
(ألف) كان لهذه العادة تأثير سيء على حقوق الورثة الشرعيين، إذ أنهم كانوا يرثون المال بوثيقة شرعية ويرث معهم هذا الوارث المصطنع أيضا، فيغرس ذلك بذور العداوة والبغضاء داخل الأسرة وتنشأ نزاعات لا نهاية لها.
(ب) والمتبني الذي كان بمثابة فرع منفصل عن شجرة الأسرة كان يتألم لأنه ليست بينه وبين هذه الأسرة الجديدة علاقة دم حقيقية وإنما هي عادة من العادات الشكلية، وكان يحسد إخوته الحقيقين لو كانوا في حالة طيبة بينما كان إخوته الحقيقيون يحسدونه لو كان في حالة طيبة.
(ج) وكان الذي يتبنى ولدا يحبه في صباه ويربيه حتى يكبر وحين يراه بعد بلوغه لا يتصف بصفات أسرته وأنه غريب في طباعه على أقربائه أصيب باليأس والأسى.
(د) وأيضا فإن أباه الحقيقي الذي احتمل الحرمان من ثمرة فؤاده وفلذة كبده والذي لا يمكن أن تنقطع عنه مودته الأبوية إذا رأى ابنه في مصيبة في بيت غيره تحسر وألقى باللائمة على فعله، وتأسف على ما فعل، وهذه الأمور كلها تدل على أن التبني كان ثمرة مرة في أي صورة من صوره، وكأنت هذه الحالة المصطنعة مثلها مثل الخضاب الذي يزول ويكشف ما أخفاه.
وقد شاء الله أن يصلح هذه العادة السيئة ويبرهن رسوله بطلانها بنفسه، وهو رحمة للعالمين وهو المصلح الأعظم لأهل الأرض.
стр. 414
وكان الله قد أنزل قوله من قبل: ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم﴾. (سورة الأحزاب: ٤٠).
وأيضا أنزل الله مثل ذلك قوله: ﴿وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل (...) ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله﴾ (سورة الأحزاب: ٤ - ٥).
وقد صرح الحق تعالى في هاتين الآيتن ببطلان هذه العادة الزائفة التي لم تكن العرب فريستها فحسب، بل كان العالم كله خاضعا لها. وبما أنها كانت قديمة عميقة الجذور تطلب إصلاحها نموذجا عظيم الهمة لهذا اختير النبي ﷺ كنمودج لتحطيم صخرة هذه الجاهلية وردم بطلانها، وذلك لكونه الأسوة الحسنة ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ وقد تم ذلك حين لم ترض زينب بأن تعايش زيدا زوجها، وهو الذي كان يعايش بحلمه وتقواه أم أيمن التي كانت أكبر منه والتي كانت حبشية الأصل، ووصل الأمر إلى أنه شكى ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فقال له الرسول ﷺ : "أمسك عليك زوجك" وحثه على أن يحتمل ذلك فقال: "اتق الله" ولكن العلاقة بين الزوجين علاقة غريبة إذا ساءت لا يحسنها نصح ناصح، فطلق زيد زينب. أما ماذا كان تأثيره على زينب وأسرتها فأمر نستطيع أن نتصوره. إن زينب وأهلها ما كانوا يحسبون زيدا أهلا لهذا النكاح، وإنما فعلوا ذلك امتثالا لأمر الله ورسوله، ولم يكن يخطر لهم ببال أن زينب مع طاعتها لله ولرسوله ستواجه هوان الطلاق وأن الناس سيعيبونها بأنها لا تطيع زوجها.
وماذا كان تأثير هذا الطلاق على النبي ﷺ ؟ لقد أضر أولا بالمصلحة الدينية التي لأجل توطيدها كان النبي ﷺ قد اهتم بهذا النكاح، وأرضى امرأة لها مكانتها في أسرتها بأن تنكح رجلا كان عبدا في زمن، وكان ينادى بالمولى (١). وأحزن ذلك ثانيا قلب النبي ﷺ فقد امتثلت لأمره زينب وأهلها فوقعوا في المصيبة. وفي مثل هذا الأوان الحرج أنزل الله الوحي على النبي ﷺ وأخبره بأن زينب قد أصبحت أم المؤمنين، وهكذا جبر الله تعالى خاطرها بذات النبي ﷺ نفسه.
لقد أتى على زينب حين من الدهر امتنعت عن نكاح زيد نتيجة للتقاليد المتبعة، ثم
стр. 415
أتى على النبي ﷺ حين تردد هو في نكاح زينب نظرا لما كان عليه المجتمع وتقاليده، ولكن تم أمر الله وقبلها النبي ﷺ كزوجة له. فتمزقت أوصال التبني الذي اغتر به العالم زمانا وتحطمت أصنامه، لأن الإسلام كان حرم على الأب أن ينكح زوجة ابنه. والآن لما جعل القرآن زوجة زيد زوجة للنبي ﷺ لم يبق مجال للتأويل في تأييد التبني.
وليس غريبا أن يكون الكفار في ذلك الزمن قد بكوا على ما رأوا من انحلال عادتهم القديمة ووجهوا إلى النبي ﷺ أو القرآن كلمات من اللوم والوقيعة، ولكن الأغرب من ذلك أن النصارى في عصرنا هذا يبدون سخطهم على هذه الواقعة.
ـ[لماذا يعترض النصارى على هذه الواقعة؟]ـ: لنا أن نفركر ما الذي جعل النصارى يتقلبون على الجمر لهذه الواقعة؟ هل جعل الكتاب المقدس التبني حقا أم أن المسيح ﵇ اعترف بجوازه وقال في تأييده ولو كلمة؟ وإذا لم يكن ذلك فلماذا هم مهمومون؟.
نعم! إنهم مهمومون لأن نكاح النبي ﷺ هذا لم يبطل التبني فحسب، بل أبطل عقيدة التثليث أيضا، لأنه إذا أثبت الإسلام أن القول بأن إنسان ما ابن لإنسان آخر دون وجود رابطة الدم هو مجرد كذب وافتراء وبهتان، فإنه يثبت بذلك أن القول بأن الإنسان ابن الله هو بالقطع باطل وافتراء كامل وبهتان صريح وكذب مكشوف، لأن الإنسان لا يشبه الله تعالى في شيء، فكيف يكون هذا الإنسان الذي ركب من جسم وروح وله حوائج بشرية وخلق يوما ولم يكن قبله وسيفنى يوما ابنا لله الحق القيوم صاحب الذات السرمدية وهو الأول والآخر.
هذا ما جعل الدعاة النصارى يسخطون على هذه الواقعة. ولم يكن هدفنا هنا إلا ذكر سيرة زينب ﵂ فلذا ينبغي أن نقصر حديثا على هذا الهدف، إن هذه الواقعة تدل على أن وجود زينب كان ذا بركة في نشر تعاليم الإسلام وإبطال العادات والتقاليد الضالة. ولذلك كانت عائشة ﵂ تقول في شأنها: "هي التي تساويني في المنزلة عند رسول الله".
كانت زينب بنت ست وثلاثين سنة (١) حين تزوجها النبي ﷺ ولم يكن الحكم بالحجاب قد نزل يومئذ، هذان أمران إذا علمهما أحد لا يمكنه أن يصدق ما قد أشيع ضد النبي ﷺ من أنه لما رأى زينب فجأة افتتن بها، مع أن زينب بنت لعمته الحقيقية،
стр. 416
ترعرعت بمرأى ومسمع منه، فكيف يمكن أن تخفى عليه صورتها ولا سيما أن الحجاب لم يكن قد صدر به الحكم بعد؟ ثم إن المرأة التي قضت من حياتها ستا وثلاثين سنة وهي من نساء البلاد الحارة كجزيرة العرب التي سرعان ما يزول فيها شباب المرأة، كيف نسلم في مثل هذه المرأة أن زيدا - وهو العبد المعتق - سئمها وضجر منها، أما النبي ﷺ - وهو سيد الأنبياء، وإمام الأتقياء - فقد افتتن بها؟ إن العقل والتجربة والمشاهدة تكذب هذا الادعاء.
توفيت زينب سنة عشرين من الهجرة (١) وهي في الثانية والخمسين من عمرها وهي تكنى أم الحكم (٢).
ـ[أقاربها]ـ: لها ثلاثة إخوة: هم عبد الله (المجدع في الله) وأبو أحمد عبد الله وعبيد الله، وثلاث أخوات هن: زينب وحمنة وأم حبيبة.
١ - عبد الله بن جحش: ممن سبق إسلامهم وهو ممن هاجر الهجرتين، أمره رسول الله ﷺ على اثنى عشر رجلا من المهاجرين إلى بطن النخلة ولقبه بأمير المؤمنين، شهد بدرا واستشهد يوم أحد ودفن هو وحمزة في قبر واحد.
عن سعد بن أبي وقاص أن عبد الله بن جحش قال له يوم أحد: ألا تأتي فندعو الله فخلوا في ناحية فدعا سعد وقال: يا رب إذا لقيت العدو غدا فلقني رجلا شديدا بأسه شديدا حرده أقاتله فيك، ويقاتلني ثم ارزقني عليه الظفر حتى أقتله وآخذ سلبه، فأمن عبد الله بن جحش ثم قال: اللهم ارزقني غدا رجلا شديدا بأسه شديدا حرده أقاتله فيك ويقاتلني فيقتلني ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني. فإذا لقيت قلت: يا عبد الله! فيم جدع أنفك وأذنك؟ فأقول: فيك وفي رسولك. فتقول: صدقت، قال سعد: كانت دعوة عبد الله بن جحش خيرا من دعوتي لقد رأيته آخر النهار وإن أذنه وأنفه معلقات جميعا في خيط (٣).
وله أبيات تالية في وقعة بطن النخلة:
تعدون قتلا في الحرام عظيمة ... وأعظم منه لو يرى الرشد أرشد
стр. 417
صدودكم عما يقول محمد ... وكفر به والله راء وشاهد
وإخراجكم من مسجد الله أهله ... لئلا يرى الله في البيت ساجد
فإنا وإن عيرتمونا بقتله ... وأرجف بالإسلام باغ وحاسد
سقينا من ابن الحضرمي رماحنا ... بنخلة لما أوقد الحرب واقد (١)
٢ - أبو أحمد، عبد الله. كان شاعرا، هاجر الهجرتين إلى الحبشة وإلى المدينة ولم تكن له أعين ظاهرة في وجهه. كانت رفاعة بنت أبي سفيان تحته. توفي سنة اثنتين وعشرين من الهجرة بعد وفاة أختها أم المؤمنين زينب ﵂، وله أبيات تالية في الهجرة:
لما رأتني أم أحمد غاديا ... بذمة من أخشى بغيب وأرهب
تقول فأما كنت لابد فاعلا ... فيمم بنا البلدان ولتنأ يثرب (٢)
فقلت لها بل يثرب اليوم وجهنا ... وما يشاء الرحمن فالعبد يركب
إلى الله وجهي والرسول ومن يقم ... إلى الله يوما وجهه لا يخيب
فكم قد تركنا من حميم مناصح ... وناصحة تبكي بدمع وتندب
ترى أن وترا فائتا عن بلادنا ... ونحن نرى أن الرغائب نطلب
دعوت بني غنم لحقن دمائهم ... وللحق لما لاح للناس ملحب
أجابوا بحمد الله لما دعاهموا ... إلى الحق دل والنجاح فأوعبوا
وكنا وأصحابا لنا فارقوا الهدى ... أعانوا علينا بالسلاح وأجلبوا
كفوجين اما منهما فموفق ... على الحق مهدى وفوج معذب
طغوا وتمنوا كذبة وأزلهم ... عن الحق إبليس وخابوا وخيبوا
ورعنا إلى قول النبي محمد ... فطاب ولاة الحق منا وطيبوا
تمت بأرحام إلينا قريبة ... ولا قرب بالأرحام إذ لا تقرب
стр. 418
فأي ابن أخت بعدنا يأمنكم ... وأية صهر بعد صهري مرقب
ستعلم يوما أينا إذا تزايلوا ... وزيل أمر الناس للحق أصوب (١).
٣ - عبيد الله بن جحش وهو الذي توجه إلى الحبشة مع إخوته، كان يدمن الخمر، تنصر ومات بها.
٤ - أم حبيب بنت جحش وهي التي اسمها حبيبة، كانت تحت زيد بن حارثة.
٥ - حمنة بنت جحش وهي التي كانت تحت مصعب بن عمير (مقرئ الأنصار) فلما استشهد مصعب يوم أحد تزوجها طلحة بن عبيد الله، فولدت له ابنين محمدا وعمران.
أم المؤمنين جويرية ﵂: هي جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار بن حبيب ابن عائذ بن مالك بن جديمة. وجذيمة هو المصطلق بن خزاعة سباها رسول الله ﷺ يوم المريسيع في سنة خمس من الهجرة، وكانت قد وقعت في سهم ثابت بن قيس (٢) بن شماس فكاتبته على نفسها فأتت رسول الله ﷺ تستعينه على كتابتها فقالت: إني مسلمة (٣)، ثم أخبرت أنها بنت الحارث بن ضرار سيد قومه. فقال لها: "هل لك في خير من ذلك؟ " قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: "أقضي كتابتك وأتزوجك" قالت: نعم، قال: "قد فعلت" وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله ﷺ تزوج جويرية بنت الحارث. فقال الناس: صهر رسول الله ﷺ فأرسلوا ما في أيديهم من سبايا بني المصطلق. قالت عائشة: فما رأينا امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها (٤).
وكانت قبله تحت مسافع بن صفوان المصطلقي، توفيت في ربيع الأول سنة ست وخمسين (٥) وهي بنت خمس وستين أو سبعين سنة (٦).
стр. 419
وعن جويرية أن النبي ﷺ خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة قال: "ما زلت على الحال التي فارقتك عليها" قالت: نعم، قال النبي ﷺ : "لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته" (١).
وعن جويرية بنت الحارث أن النبي ﷺ دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة، قال: "أصمت أمس؟ " قالت: لا، قال: "تريدين أن تصومي غدا؟ " قالت: لا، قال: "فافطري".
وفي الصحيحين "عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ :
"لا يصوم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله أو بعده" (٢).
وكانت جويرية عابدة زاهدة. روت عن النبي ﷺ أحاديث، منها حديثان في "صحيح البخاري" وحديثان في "صححيح مسلم" وثلاثة أحاديث في كتب الحديث الأخرى. مجموعها سبعة أحاديث (٣).
وأخو جويرية عبد الله بن الحارث الذي كان قدم على النبي ﷺ في فداء أسارى بني المصطلق وغيب في بعض الطريق ذودا كن معه وجارية سوداء، فكلم رسول الله ﷺ في فداء الأسارى فقال له رسول الله ﷺ : "فما جئت به؟ " قال: ما جئت بشيء. قال: "فأين الذود والجارية السوداء التي غيبت بموضع كذا" قال: "أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، والله ما كان معي أحد ولا سبقني أحد، فأسلم. فقال رسول الله ﷺ : لك الهجرة (٤) حتى تبلغ برك الغماد" (٥).
ولها أخ غير عبد الله بن الحارث اسمه عمرو بن الحارث. روى عنه أنه قال: "تالله ما ترك رسول الله ﷺ عند موته دينارا أو درهما ولا عبدا ولا أمة ولا شيئا إلا بغلته البيضاء
стр. 420
وسلاحه وأرضا تركها صدقة".
واسم أختها عمرة بنت الحارث التي روت حديث "الدنيا خضرة حلوة" (١).
أم المؤمنين أم حبيبة ﵂: هي أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية ابن عبد شمس بن عبد مناف. وأمها صفية بنت أبي العاص بن أمية.
كانت من بين من سبقوا في الإسلام، وكانت أولا عند عبيد الله بن جحش، وكان قد هاجر إلى أرض الحبشة مسلما، ثم تنصر هنالك وبقيت أم حبيبة مسلمة بأرض الحبشة. تركت أباها وإخوتها وعشيرتها ووطنها في سبيل الإسلام. وكان زوجها وسيلة لها في الغربة ولكنه ارتد فلم يكن لها أحد. ولما بلغ ذلك رسول الله ﷺ أرسل عمرو بن أمية الفهري إلى النجاشي بأن يبلغ أم حبيبة خطبة النبي ﷺ ، فأرسل إليها النجاشي جارية له كانت تقوم على ثيابه ودهنه، وكانت أم حبيبة قد رأت في المنام أن أحدا يناديها بأم المؤمنين، ولما سمعت خبر رسول الله ﷺ شكرت الله وأعطت الجارية سوارين من فضة كانتا عليها وخواتيم من فضة كانت في أصابعها سرورا بما بشرت به، وقد عقد النجاشي نفسه جلسة عقد الزواج وحضرها جعفر بن أبي طالب ومن معه من المسلمين، وخطب النجاشي فقال: "الحمد الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، وأنه الذي بشر به عيسى بن مريم ﷺ . أما بعد! فإن رسول الله ﷺ كتب إلي أن أزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان، فأجبت ما دعا إليه رسول الله ﷺ وقد أصدقتها أربعمائة دينار". ثم سكب الدنانير بين يدي القوم. فتكلم خالد بن سعيد وكان وكيل أم حبيبة، فقال: الحمد لله أحمده وأستعينه، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، أما بعد! فقد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ وزوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان، فبارك الله لرسوله ﵇. ودعا النجاشي بطعام فأكلوا وقد قال النجأشي إن سنة الأنبياء أن تعقد الوليمة بعد عقد انزواج.
توفيت أم المؤمنين أم حبيبة سنة أربع وأربعين من الهجرة بالمدينة. ولما حضرتها الوفاة قالت لعائشة وأم سلمة: إن الضرائر لتكون بينهن مشادة، فإن قلت شيئا فاعفوا
стр. 421
عني. فقالتا: عفونا عنك. فقالت: رضيتا عني فرضي الله عنكما.
وكانت أم حبيبة طيبة النفس حميدة الصفات، وكانت جوادة شجاعة. وعدد ما روي عنها من الأحاديث حديثان في "الصحيحين" وحديث في "صحيح مسلم" واثنان وستون حديثا في كتب الحديث الأخرى.
وحبيبة ابنتها ربيبة النبي ﷺ ولدت بمكة وهاجرت مع أبيها إلى أرض الحبشة. ويدل على فضل أم حبيبة ما رواه ابن إسحاق إمام أهل السيرة وهو: أن أبا سفيان لما قدم المدينة دخل على ابنته أم حبيبة فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته عنه، فقال: يا بنية ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني؟ قالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ ولا يمكن لمشرك أن يجلس عليه، قال: والله لقد أصابك يا بنية بعدي شر.
الله أكبر هذا هو النموذج الأمثل على الإيمان الكامل والذي بسببه حباها رب العباد بالدرجة العليا فجعلها أم المؤمنين، وهذه هي محبة رسول الله التي لا يكتمل إيمان إنسان دون أن تعمر هذه المحبة قلبه يقول ﷺ "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين".
ـ[أقاربها]ـ: أبو سفيان صخر بن حرب أبوها، وكان من أعداء الإسلام وأشراف قريش في الجاهلية، وكان رئيس جيش الكفار يوم أحد.
وكانت إليه راية الرؤساء المعروفة بالعقاب، أسلم قبل فتح مكة بيوم أو يومين وشهد مع رسول الله ﷺ حنينا والطائف، وثبت يوم اليرموك وتقدم بالمسلمين إلى النصارى بجرأة وشجاعة. توفي سنة ثلاث وثلاثين من الهجرة وعمره ثلاث وتسعون سنة، وكانت ولادته قبل عام الفيل بعشر سنين.
ويزيد بن أبي سفيان شقيقها الذي يعرف بيزيد الخير، أسلم يوم الفتح وحسن إسلامه، استعمله أبو بكر ﵁ فيمن استعمله على فتح الشام، توفي سنة تسع عشرة من الهجرة بدمشق وكان آنذاك أميرا على الشام.
وكان معاوية أخاها من أم أخرى، وهو الذي تولى الإمارة التابعة للخلافة بأرض الشام عشرين سنة وحكمها نحو تسع عشرة سنة وأسس حكم بني أمية. توفي في اثنتين وعشرين مضت من رجب سنة ستين من الهجرة وهو حينئذ ابن ثنتين وثمانين سنة.
стр. 422
وحبيبة بنت أم حبيبة ربيبة النبي ﷺ رجعت من الحبشة مع أمها، ولم نجد لحياتها حادثا يذكر.
أم المؤمنين صفية ﵂: هي صفية بنت حيىي بن أخطب بن شعبة بن ثعلبة من سبط هارون بن عمران وأمها برة بنت سموأل.
كانت أولا عند سلام بن مشكم ثم خلف عليها كنانة بن أبي الحقيق فقتل يوم خيبر.
وكانت صفية من سبايا خيبر، ولما جمع رسول الله ﷺ بسبي خيبر جاءه دحية (١) فقال: أعطني جارية من السبي فقال: "اذهب فخذ جارية" فأخذ صفية بنت حيي، فقيل: يا رسول الله إنها سيدة قريظة والنضير ما تصلح إلا لك فأعتقها رسول الله ﷺ فتزوجها. ويروى أن رسول الله ﷺ دخل على صفية وهي تبكي فقال لها: "ما يبكيك؟ " قالت: بلغني أن عائشة وحفصة تنالان مني وتقولان: نحن خير من صفية، نحن بنات عم رسول الله ﷺ وأزواجه. قال: "ألا قلت لهن! كيف تكن خيرا مني وأبي هارون وعمي موسى وزوجي محمد ﷺ " (٢). صلى الله على سيدنا محمد، النبي وعلى هارون، وعلى موسى، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.
وروى أن جارية لها أتت عمر بن الخطاب، فقالت: إن صفية تحب السبت وتصل اليهود فبعث إليها عمر، فسألها فقالت: أما السبت فإني لم أحبه منذ أبدلني الله به يوم الجمعة وأما اليهود فإن لي فيهم رحما وأنا أصلها، قال: ثم قالت للجارية: ما حملك على ما صنعت؟ قالت: الشيطان. قالت: اذهبي فأنت حرة.
وتوفيت صفية في شهر رمضان سنه خمسين من الهجرة (٣).
وعدد ما روي عنها من الأحاديث عشرة أحاديث. حديث في "الصحيحين" وتسعة أحاديث (٤) في كتب الحديث الأخرى. وكان رفاعة بن سموأل خالها من الصحابة، وله
стр. 423
رواية في "كتاب الموطأ" للإمام مالك (١).
أم المؤمنين ميمونة ﵂: هي ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بحير بن الهرم ابن روبية بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصوربن عكرمة بن حفصة بن قيس عيلان بن مضر (٢).
كانت قبل النبي ﷺ تحت أبي رهم بن عبد العزى، وكانت قبل أبي رهم بن عبد العزى عند حويطب بن عبد العزى، كانت قد تأيمت حين خرج النبي ﷺ معتمرا سنة سبع، فذكرها العباس لرسول الله ﷺ فتزوجها النبي ﷺ .
وـ[أخوات ميمونة لأبيها وأمها]ـ أربع:
١ - أم الفضل لبابة الكبرى وهي والدة ابن عباس مفسر القرآن ﵁.
٢ - لبابة الصغرى وهي والدة خالد سيف الله ﵁ (٣).
٣ - عصماء وهي التي كانت تحت أبي بن خلف الجمحي.
٤ - عزة وهي التي كانت تحت زياد بن عبد الله بن مالك الهلالي.
وـ[أخواتها لأمها]ـ أربع:
٥ - سلمى بنت عميس، كانت تحت حمزة بن عبد المطلب فولدت له أمة الله، ثم خلف عليها بعده شداد بن أسامة بن الهادي فولدت له عبد الله وعبد الرحمن.
٦ - أسماء بنت عميس، كانت تحت جعفر بن أبي طالب فولدت له عبد الله وعونا ومحمدا، ثم خلف عليها أبو بكر الصديق فولدت له محمدا، ثم خلف عليها علي بن
стр. 424
أبي طالب فولدت له يحيى (١).
٧ - سلامة بنت عميس كانت تحت عبد الله بن كعب بن منبه الخثعمي.
٨ - أم المؤمنين زينب بنت خزيمة، كانت عند الطفيل بن الحارث ثم خلف عليها أخوه عبيدة بن الحارث، ثم خلف عليها عبد الله بن جحش وكان آخر نكاحها مع رسول الله ﷺ .
ومجموع ما روي عنها من الأحاديث ستة وسبعون حديثا. منها سبعة أحاديث في "الصحيحين" وحديث واحد في "صحيح مسلم" وحديث واحد في "صحيح البخاري" وسبعة وستون حديثا في كتب الحديث الأخرى.
ملحق جدول عن أحوال أمهات المؤمنين ﵅ التاريخية
___
الرقم المسلسل ... أسماء الأزواج ... عام النكاح ... سن أم المؤمنين وقت النكاح ... العمر ... المقبرة ... مدة الإقامة عند النبي (ص) ... عمر النبي (ص) وقت النكاح ... عام الوفاة
___
١ ... خديجة الكبرى ... سنة ٢٥ من مولد النبي ... ٤٠ سنة ... ٦٥ سنة ... مكة المكرمة ... نحو ٢٥ ... ٢٥ عاما ... سنة ١٠ من النبوة
٢ ... سودة ﵂ ... سنة ١٠ من البعثة ... ٥٠ سنة ... ٧٢ سنة ... المدينة المنورة ... ١٤ عاما ... ٥٠ عاما ... سنة ١٩ من الهجرة
٣ ... عائشة ﵂ ... سنة ١١ من البعثة ... ٦ سنين ... ٦٣ سنة ... المدينة المنورة ... ٩ أعوام ... ٥٤ عاما ... سنة ٥٧ هـ في ١٧ رمضان
٤ ... حفصة ﵂ ... شعبان سنة ٣ هـ ... ٢٢ سنة ... ٥٩ سنة ... المدينة المنورة ... ٨ أعوام ... ٢٢ عاما ... سنة ٤١ هـ من جمادى الأولى
٥ ... زينب بنت خزيمة ﵂ ... سنة ٣ هـ ... ٣٠ عاما ... ٣٠ سنة تقريبا ... المدينة المنورة ... ٣ أشهر ... ٥٥ عاما ... سنة ٣ هـ
٦ ... أم سلمة ﵂ ... سنة ٤ هـ ... ٢٩ سنة ... ٨٠ سنة ... المدينة المنورة ... ٧ سنوات ... ٥٦ عاما ... سنة ٦٠ هـ
٧ ... زينب بنت جحش ﵂ ... سنة ٥ هـ ... ٣٦ عاما ... ٥١ سنة ... المدينة المنورة ... ٦ سنوات ... ٥٧ عاما ... سنة ٢٠ هـ
٨ ... جويرية ... شعبان سنة ٥ هـ ... ٢٠ سنة ... ٧١ سنة ... المدينة المنورة ... ٦ سنوات ... ٥٧ عاما ... سنة ٥٦ هـ من ربيع الأول
٩ ... أم حبيبة ... سنة ٦ هـ ... ٣٦ سنة ... ٧٢ سنة ... المدينة المنورة ... ٦ سنوات ... ٥٨ عاما ... سنة ٤٤ هـ
١٠ ... صفية ... جمادى الآخر سنة ٧ هـ ... ١٧ سنة ... ٥٠ سنة ... المدينة المنورة ... ٣/ ٣ / ٤ ... ٥٩ عاما ... سنة ٥٠ هـ
١١ ... ميمونة ... ذي القعدة سنة ٧ هـ ... ٣٦ سنة ... ٨٠ سنة ... بسرف بالقرب من مكة ... ١٣/ ٤ ... ٥٩ عاما ... سنة ٥١ هـ
стр. 425
الباب الثامن
﴿ويومئذ يفرح المؤمنون (*) بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم (*) وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ (سورة الروم: ٤ - ٦)
•---------------------------------•
الغزوات والسرايا
بدأت سلسلة الحروب ضد الرسول ﷺ والمسلمين من قبل أعداء الإسلام حين هاجر الرسول ﷺ من مكة إلى المدينة المنورة. وعاش النبي ﷺ في مكة ثلاث عشرة سنة يدعو الناس إلى الإسلام ويعظ عبدة الأصنام والأوثان أصحاب العقائد ويدعوهم إلى توحيد الله وحده لا شريك له.
والدعوة إلى التوحيد هي التي أثارتهم فأبدوا عداءهم للمسلمين واتخذوا التدابير والوسائل المختلفة ليعرقلوا مسيرة الدعوة والإرشاد، فنظموا جماعة المستهزئين فكانت مهمتها الاستهزاء بكل ما يأتيه الرسول ﷺ من عمل والهمز واللمز، والوقوف أمام الناس القادمين إلى مكة، واستفزازهم ضد المسلمين، حتى لا يكلم أحد منهم رجلا من المسلمين، ولا يلاقي النبي ﷺ . وكان لهذه الجماعة لجان تبذل كل منها جهودها لأداء مهمتها تلك، فكانت مهمة إحدى اللجان أن تحدث الضجيج، وتنشر الفوضى بين الناس إذا قام فيهم الرسول ﷺ واعظا داعيا إلى الإسلام.
بينما كانت مهمة لجنة أخرى أن تطرح على النبي ﷺ الأقذار والأكدار إذا مر بها، وترميه بالحجارة وتضيق عليه الخناق إذا صلى، وتحفر في طريقه الحفر وتطرح أمامه الأشواك وتقذف على بابه الغائط في ظلمة الليل. هذا خلاف جماعة شريرة من الناس كانوا إذا سمعوا برجل أسلم أنبوه وعذبوه، وكانوا إذا تمكنوا من أحد أسلم قتلوه ورموا به في المغارات والكهوف.
فلما رأى المسلمون ما يصيبهم من البلاء خرجوا إلى أرض الحبشة ولم يكن النبي ﷺ قد يئس بعد من أن يهتدي هؤلاء القساة متحجرو القلوب، فبقي في مكة، ولكن أعداء الإسلام تعاهدوا على أن لا يبيع أحد منهم المسلمين وأنصارهم شيئا مما يؤكل. وقد تحمل النبي ﷺ هذه الشدة ثلاث سنوات متصلة، ثم بدأ رحلاته إلى القبائل في ضواحي مكة يدعوهم إلى عبادة الله وحده، ولكنهم كانوا حلفاء قريش فلم يستجيبوا لقول الرسول ﷺ .
وكان أهل مكة يفرحون لما يلاقيه الرسول ﷺ من خذلان وفشل في أمره، ولكنهم تميزوا من الغيظ حين علموا بأن تعاليمه السمحة، بدأت تسحر قلوب أهل يثرب (المدينة) وأيقنوا أن فيها قوة مؤثرة إلى أبعد حد فأرادوا أن يطفئوا نور حياته.