الخلاف لأربعة أيام، وفي النهاية اقترح أبو أمية بن المغيرة، وكان أكبر قريش سنا أن يرتضوا شخصا يحكمونه بينهم واتفقوا على أن يحكموا أول من يدخل الحرم، واتفق أن دخل النبي ﷺ ، فرأوه وصاحوا: هذا الأمين (١) رضيناه.
وتصرف النبي ﷺ بذكائه وتفهمه للأمور فأرضى الجميع بتصرفه الحكيم، إذ بسط رداءه ووضع عليه الحجر وطلب من رئيس كل قبيلة أن يقبض على طرف ردائه، ولما انتهوا إلى موضع الحجر، رفعه رسول الله ﷺ ووضعه في ركن الكعبة حيث يكون بدء الطواف حولها -.
وهكذا قضى النبي ﷺ بتصرفه الحكيم والبسيط على حرب دامية، فقد كان العرب في تلك الأيام يتقاتلون على أتفه الأسباب كسقي الإبل، وسباق الفرس، وتفضيل قوم على قوم في الشعر، وقد لا تنتهي مثل هذه الحروب طوال عشرات السنن.
قرب زمن البعثة:
قبل البعثة بسبع سنوات كان رسول الله ﷺ يشاهد نورا ولمعانا (١) وطالما كان يفرح حين يشعر بهذا النور (٢)، لم يقترن هذا النور بصوت أو بصورة، وكلما قرب زمن البعثة كلما مال رسول الله ﷺ إلى العزلة والخلوة، فكان ﷺ يحمل معه في معظم الأحيان الماء والسويق ويذهب إلى مكان في جبل (٣) يبعد عن المدينة عدة أميال يقال له غار حراء،
стр. 39
كان طوله أربعة أذرع وعرضه ذراعان إلا ربع، فيجلس فيه يعبد الله، كان يقوم بحمد الله وتقديسه ويفكر ويتدبر في القدرة الإلهية (١) وكان لا يرجع إلى المدينة حتى ينفد منه الماء والسويق (٢).
البعثة والنبوة:
حين بلغ النبي ﷺ من عمره أربعين (٣) سنة قمرية ويوما، وكان ذلك يوم الاثنين التاسع (٤) من ربيع الأول في العام الواحد والأربعين من ميلاده ﷺ الموافق للثاني عشر من فبراير عام ٦١٠ م، أتاه الروح الأمين بأمر النبوة من عند الله، وكان النبي ﷺ آنذاك في غار حراء.
قال الروح الأمين: يا محمد! أبشر، فأنت رسول الله وأنا جبريل (٥).
ورجع النبي ﷺ بعد هذا الحادث إلى البيت فورا ورقد وطلب من زوجته أن تزمله، وحين هدأ قليلا قال لزوجته إنني أرى أمورا أخاف منها على نفسي (٦).
خديجة في أخلاق النبي ﷺ الحميدة:
قالت خديجة ﵂: لا، علام الخوف، إني أراك تصل الرحم، وتصدق الحديث، وتأخذ بيد الأرامل واليتامى والمحتاجين، وتكرم الضيف، وتعين المصابين، فالله لن يخزيك أبدا (٧).
وأرادت خديجة ﵂ أن يطمئن قلبها فذهبت بالنبي ﷺ إلى ابن عمها ورقة بن نوفل (٨).
стр. 40
وسبق أن ذكرنا في مقدمة هذا الكتاب أن النصرانية كانت قد وصلت إلى الجزيرة العربية بجهود النجاشي وقيصر، ولهذا وجد في الجزيرة العربية قبيل بعثة محمد ﷺ أناس استفادوا من المعلومات المتوفرة لدى علماء اليهود والنصارى، فتركوا دين الجاهلية وظلوا يخبرون الناس بأن رسولا سيظهر قريبا يغلب إبليس وجنوده، والمشتهر من بين هؤلاء الناس عثمان بن حريث، وعبيد وزيد بن عمرو، وورقة بن نوفل.
وكان زيد بن عمرو عم عمر الفاروق هو الذي خرج مسافرا بعيدا بحثا عن الرسول الموعود، وحين عرف آخر الأمر أنه سيولد في مكة، بقي ينتظره إلى أن توفي.
شهادة العالم النصراني ورقة بن نوفل على نبوة رسول الله ﷺ -:
قص النبي ﷺ ، بناء على طلب خديجة ﵂، على ورقة بن نوفل حادثة نزول جبريل وكلامه، فقال ورقة على الفور: إنه الناموس الذي نزل على موسى ﵇، ياليتني كنت شابا ياليتني أكون حيا حين يخرجك القوم.
فقال رسول الله ﷺ : أومخرجي هم؟ قال ورقة: نعم. لم يأت أحد قط في هذه الدنيا بمثل هذا التعليم إلا عودي في البداية، ليتني أبقى حيا حتى الهجرة فأنصرك نصرا عظيما (١).
وبعد أيام (٢) جاء الملك فأقرأ النبي ﷺ الذي لم يتعلم القراءه والكتابة بعد، اسم الله وكلامه المبارك الذي هو مفتاح كل علم وخزانة كل حقيقه. أقرأه الروح
стр. 41
الأمين هذه الآيات:
بسم الله الرحمن الرسم ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم﴾ (١).
بداية الصلاة:
وبعد ذلك أتى الروح الأمين بالنبي ﷺ إلى سفح الجبل، فتوضأ أمام النبي، وتوضأ النبي ﷺ أيضا، وصليا معا وتولى الروح الأمين إمامة الصلاة.
بداية الدعوة:
بدأ النبي ﷺ الدعوة بعد أن وصل إلى البيت، فأسلم في أول يوم كل من زوجه خديجة ﵂ وابن عمه علي ﵁ (عمره ثماني سنوات)، وصديقه أبو بكر ﵁، ومولاه زيد بن حارثة (٢).
إن إيمان أولئك الأشخاص الذين اطلعوا على كل صغيرة وكبيرة في حياة الني ﷺ لأربعين سنة هو أقوى دليل على صدق دعواه ﷺ .
وقد أسلم بلال ﵁ وعمرو بن عنبسة ﵁، وخالد بن سعد بن عاص ﵁ بعد عدة أيام.
كان أبو بكر ﵁ غنيا، يعمل بالتجارة، كان يتجر بالأقمشة في مكة، فكان على صلة وثيقة بالناس، فأسلم بدعوته عثمان ﵁ والزبير وعبد الرحمن ابن عوف وطلحة وسعد بن أبي وقاص ﵃ ثم أسلم بعدهم أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح الذي لقب فيما بعد بأمين الأمة، وعبد الأسد بن هلال، وعثمان بن مظعون، وعامر بن فهيرة الأزدي وأبو حذيفة بن عتبة والسائب بن عثمان بن مظعون والأرقم ﵃. وأسلمت من النساء بعد خديجة أم المؤمنين ﵂ أم
стр. 42
زوجة العباس عم النبي ﷺ ، وأسماء بنت عميس ﵂ وأسماء بنت أبي بكر ﵄ وفاطمة ﵂ أخت عمر الفاروق ﵁، وكان المسلمون في تلك الأيام يذهبون للصلاة في عقبة الجبل.
ظل النبي ﷺ يدعو الناس سرا في سنوات الدعوة الثلاث الأولى، ويحثهم على عبادة الله وحده وترك عبادة الأحجار والأشجار والشمس والقمر.
وهنا جاءه أمر الله:
﴿يا أيها المدثر ... قم فأنذر ... وربك فكبر ... وثيابك فطهر ... والرجز فاهجر ... ولا تمنن تستكثر ... ولربك فاصبر﴾.
أهداف النبوة:
ويتضح من هذه الآيات أن أهداف الرسالة والنبوة هي ما يلي:
١ - تحذير العصاة مما هم عليه وتخويفهم من عاقبة ذلك.
٢ - إعلان ربوبية الله وكبريائه وعظمته وجلاله.
٣ - توجيه الناس إلى التطهر من الأرجاس الظاهرة والخفية في العقيدة والعمل والأخلاق.
٤ - تعليم الطهارة والنظافة والعفة.
٥ - نشر الدعوة الإلهية دون مقابل، بلا من على أحد ودون توقع فائدة من أحد.
٦ - تحمل جميع المصائب والشدائد التي تقع أثناء المضي في هذا السبيل.
ومن يفكر بإمعان في سيرة النبي ﷺ الطاهرة يدرك كيف نجح النبي ﷺ في تحقيق جميع هذه الأهداف.
مراحل الدعوة الخمس:
الأولى: الدعوة في الأقربين وخاصة الأصدقاء.
الثانية: الدعوة في قومه وجميع أهل بلده.
الثالثة: الدعوة في قبائل ضواحي مكة وأطرافها.
стр. 43
الرابعة: الدعوة في مناطق الجزيرة العربية وقبائلها.
الخامسة: الدعوة في جميع الأمم المتحضرة والأديان المعروفة.
وقد ثبت النبي ﷺ في مواجهة جميع أنوع المصائب بثبات عظيم وكمال ورباطة جأش وصبر وتسامح، وأثبت بالدلائل البينة والبراهين المحكمة تعاليمه.
أحوال العالم وقت البعثة:
يجب أن نتذكر أن الزمان الذي بعث فيه النبي ﷺ بدعوته إلى العالم، كان زمانا خيمت فيه ظلمات الجهل على العالم كله. كما سادت الهمجية والوحشية الدنيا كلها وربما شوهدت كلمات الإنسانية والحضارة والأخلاق على صفحات الكتب، إلا أنه لم يكن لها أي أثر على القلوب.
أ - كان بنو إسرائيل قبل المسيح قد استحقوا بأن يسموا بالحيات وأولاد الحيات، وبلعنة المسيح لهم لم يبق فيهم من الإنسانية أثرا إلا شكلها وصورتها الخارجية ودخلت فيهم الوثنية من تأثير الأمم المجاورة لهم.
ب - كانت أوربا تشهد عصر الجهل والبربرية.
وفي إنجلترا كانت تسكن أمم البرتون والسكسون الوحشية، وفي أقاليم إنجلترا المختلفة مثل ناربترلاند، ومدلاند، وكونتيز ونارفوك وساسيكس راجت عبادة الأوثان.
وفي مناطق فرنسا وما حولها سادت الخرافات بينما كان القساوسة يدعون الناس إلى الإتيان بأنواع مختلفة من الفحش والوقاحات.
وظلت فرنسا في حرب دائمة مع أمة السكسون على نهر الألب استمرت إلى ما بعد عام ٧٨٢ م حين قتل من أسرى السكسون حوالي ٤٥٠٠ أسيرا بلا رحمة في مدينة وردن، أما المجر في تلك الفترة فقد وقعت فريسة في يد أمة وصلت في وحشيتها درجة فظيعة، أمة بعيدة تماما عن كل معاني الحضارة والمدنية قامت بإدخالها في عقيدتها (النصرانية) بوسائل وحشية إرهابية ظالمة (١).
ج - كانت المزدكية تسيطر على إيران، دعت إلى الشيوعية في النساء والمال والأرض
стр. 44
فدمرت الأخلاق وأعاقت التقدم الإنساني.
د - وفي الهند كان عصر "بران" (١) قد بدأ، وسيطرت طائفة "بام مارك" التي كانت تدعو النالس إلى مبادئها القذرة، فكانت تماثيل النساء والرجال العارية توضع في المنادر (...)، ليعبدها الناس.
هذا بالإضافة إلى أن جدران دور العبادة وأبوابها كانت مزخرفة بصور فاحشة لا يملك أمامها الإنسان المهذب إلا الشعور بالاشمئزاز والنفور.
هـ - أما سكان الصين فاعتبروا بلدهم مملكة للابن السماوي وهكذا أعرضوا عن الله، وجعلوا لكل أمر من أمور الحياة صنما ووثنا: صنم المطر، صنم الإنجاب، صنم الحرب، صنم السلم، وكان عقاب هذه الأصنام من سلطة الملك، ولم يكن كونفوشيوس، الذي يعد مصلح الصين، قد ظهر بعد.
و- وفي مصر سيطرت النصرانية بقوة، ويوما بعد يوم كانت تظهر معتقدات جديدة فيما يتعلق بالتعريف بشخصية المسيح ﵇ وأبنيته وتحديدهما، وفيما يتعلق بأشكال التوحد والتفرق، وهكذا ظهرت فرق جديدة، تكفر كل واحدة منها الأخرى، ولا تتورع عن قتل أو تحريق معارضيها.
هذا موجز مختصر عن أحوال البلاد التي خضعت لحكومات عظيمة وشرائع، وكانت كل واحدة منها تفخر بعلمها وحضارتها على الأخرى.
ز - وهكذا كان حال الجزيرة العربية كحال البلاد سابقة الذكر، مع ملاحظة أنها لم تخضع لقرون لحكم أي ملك، ولم تتأثر بأي قانون، كما لم يصلها هاد يرشدها إلى الطريق القويم، وبالإضافة إلى الحرية البهيمية (٢) فإن الجهل والانعزال والبعد عن الأمم المتحضرة قد زاد من تدهور الأحوال أكثر فأكثر، وهذه الحالة السيئة للغاية هي التي جعلتهم جديرين بالرحمة، فشاءت إرادة الله تعالى أن تكون الجزيرة العربية هي منطلق الدعوة لإصلاح العالم وهدايته.
стр. 45
الدعوة في عشيرته:
بدأ النبي ﷺ أمر الدعوة العامة حسب التوجيه الرباني، ونزل القرآن الكريم بدعوة العشيرة بصفة خاصة: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ (الشعراء: ٢١٤). وهكذا جمع النبي ﷺ جميع بني هاشم ذات يوم على الطعام، ووصل عددهم حوالي أربعين، ولكن النبي ﷺ لم يتمكن من مخاطبتهم نظرا لثرثرة أبي لهب، ولهذا دعاهم في الليلة التالية، فلما فرغوا من الطعام وشرب اللبن قال ﷺ : "قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة ولا أعلم أحدا في العرب جميعهم جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه فأيكم يؤازرني على هذا الأمر؟ "
فسكت القوم كلهم، فقام علي ﵁ وقال: أنا يا رسول الله، فقال ﷺ لأبي طالب: "فاسمعوا له وأطيعوا". فراح القوم يضحكون ويقولون بسخرية لأبي طالب: انظر قد أمرك محمد أن تسمع لابنك وتطيعه منذ اليوم (١).
موعظة جبل الصفا ودعوه أهل مكة:
صعد النبي ﷺ يوما جبل الصفا وجعل ينادي الناس، فلما جمعوا قال ﷺ : أخبروني أصادق أنا أم كاذب؟ فقال الجميع بصوت واحد: ما سمعنا منك كذبا قط، ونحن على يقين أنك صادق وأمين (٢).
قال النبي: انظروا إني على قمة الجبل وأنتم في سفحه، وأنا أنظر ناحيتي الجبل، فلو قلت لكم إن جماعة مسلحة من قطاع الطرق تبدو من بعيد قادمة لتهجم على مكة فهل تصدقونني؟ قالوا: نعم، فليس عندنا ما يجعلنا نكذب صادقا مثلك لاسيما إذا كان واقفا على مثل هذا المكان العالي يشاهد ناحيتي الجبل.
فقال النبي ﷺ هذا كله كان مثالا لكي تفهموا، فاعلموا أن الموت يتربص بكم، وأنتم حاضرون أمام الله، وإني أرى عالم الآخرة كما ترون الدنيا -.
وكان هدف النبي ﷺ من هذه الموعظة المؤثرة أن يقدم مثالا على النبوة، وكيف يمكن لإنسان أن يرى عالم الآخره بينما آلاف الأشخاص لا يمكنهم رؤيته.
стр. 46
جهود النبي ﷺ في الدعوة:
بدأ النبي ﷺ الدعوة العلنية للجميع، فكان يذهب إلى كل محفل أو جمع وإلى كل طريق أو ممر يدعو الناس إلى التوحيد، وينهاهم عن عبادة الأوثان والأحجار والأشجار، ويمنعهم من قتل بناتهم ومن ارتكاب فاحشة الزنا، ولعب الميسر.
أعظم ما في دعوته:
كان ﷺ يطالب الناس بأن يطهروا أجسامهم من النجاسة وثيابهم من القذارة، وألسنتهم من الفحش وقلوبهم من المعتقدات الكاذبة، وأن يوفوا بوعودهم، وأن يبتعدوا عن الغش والخداع في البيع والشراء، وأن ينزهوا ذات الله من كل عيب ونقص وشين، وأن يؤمنوا إيمانا قاطعا بأن الله هو خالق الأرض والسماء والقمر والشمس، وهو خالق الكبير والصغير، وأن الجميع محتاجون إليه، وهو الذي يسمع الدعاء، ويشفي المرضى ويحقق الآمال، ولا يمكن لأحد أن يفعل شيئا إلا بإذن الله، والملائكة والأنبياء أيضا لا يخالفون حكمه.
واشتهرت في الجزيرة العربية أسواق عكاظ وعيينة ومجنة وذي المجاز يفد إليها الناس من كل مكان، فكان النبي ﷺ يذهب إلى هذه الأماكن ويقوم بدعوة الناس القادمين إلى هذه الأسواق إلى الإسلام والتوحيد.
معارضة قريش:
أما قريش التي اعتبرت نفسها أعظم قبائل العرب وأنها كالحوت في البحر، فلم يعجبها كلام النبي ﷺ ، وكان ذلك لأسباب منها:
١ - كانت قريش قاصرة عن فهم معنى النبوة، فقد استبعدت أن يأتي إنسان بحكم من الله يهدي الناس ويرشدهم.
٢ - لم تكن قريش تؤمن بالثواب والعقاب طبقا للأعمال خيرها وشرها، وهكذا فإن القول بالحساب بعد الموت كان يلقى من قريش كل سخرية واستهزاء.
٣ - كانت قريش في غرور كبير بالنسب وبكرم الآباء، ومن هنا شعرت بأن قبول فكرة المساواة الإسلامية والأخوة الإسلامية هو نوع من التحقير والذل.
стр. 47
٤ - كانت معظم قبائلها في خلاف مع بني هاشم، واتباع تعليم شخص من قبيلة معادية كان بمثابة عار وحقارة.
٥ - اقتنعت قريش تماما بعبادة الأوثان ولم تكن لتتصور أي دين أفضل مما كانت عليه.
٦ - اعتادت قريش التحرر من قيود وضوابط أي قانون واعتادت الزنا والقمار وقطع الطرق، والقتل والحنث بالوعد والدعارة، فرأت في نظام الإسلام عدوا لعاداتها المحببة إليها.
ظلم قريش للمسلمين:
وعليه شمرت قريش عن ساعد الجد لمعارضة دعوة النبي ﷺ وصممت على القضاء على أي بادرة للإسلام واتبعت في ذلك عدة أساليب:
أولا: أسلوب إيذاء المسلمين إيذاء شديدا حتى يرتد من دخل الإسلام، ولا يدخله أحد من جديد. ويصعب هنا تفصيل الحديث عن تلك المظالم التي ألحقتها قريش بالمسلمين، وما أوقعته بهم من صنوف الإيذاء، ونذكر هنا باختصار طرق التعذيب وأحوال بعض المسلمين ممن عذبوا.
١ - كان بلال ﵁ حبشيا وعبدا لأمية بن خلف فلما سمع أمية أن بلالا ﵁ أسلم، اخترع له صنوفا متنوعة من العذاب، كأن يربط حبلا في عنقه ويتركه للصبيان يطوفون به جبال مكة، فكان تأثير الحبل على رقبته ﵁ ظاهرا، كما كان يلقيه على رمل مكة المحرق، ثم يضع حجرا ساخنا على صدره، كما كان يشد يديه ثم يضرب بعد ذلك بالعصيان، وكثيرا ما أجلس تحت أشعة الشمس المحرقة، أو ترك جوعانا بلا طعام، وكان بلال ﵁ في كل هذه الأحوال لا ينطق إلا بعبارة "أحد أحد" وقد اشتراه أبو بكر الصديق ﵁ وأعتقه لله (١).
٢ - أسلم عمار (٢) ووالده ياسر ﵁ ووالدته سمية ﵂ فأذاقهم أبو جهل صنوف العذاب، ورآهم النبي ﷺ وهم يعذبون ذات يوم فقال: "اصبروا ياآل ياسر فإن موعدكم الجنة"، وطعن أبو جهل التعس سمية ﵂ في موضع العفة
стр. 48
فيها بحربة فقتلها (١).
٣ - أما أبو فكيهة واسمه أفلح فقد ربطت قدماه بالحبال وراحوا يجرونه على أرض صخرية (٢).
٤ - وخباب بن أرت ﵁ كان شعر رأسه ينتف وعنقه يلوى، وجسده يكوى بالجمرات الملتهبة (٣).
٥ - أما يعينة وزنيرة ونهدية وأم عبيس فكن جوار مسكينات تعرضن للتعذيب الوحشي الشديد على أيدي مواليهن قساة القلوب.
ولم يكن سلوك قريش هذا مع العبيد والضعفاء فقط، بل اتبعوا هذا السلوك الوحشي مع أبنائهم وأقاربهم المسلمين أيضا (٤).
٦ - ولما بلغ خبر إسلام عثمان بن عفان ﵁ عمه، كان هذا التعس يلف عثمان ﵁ بقعف النخل ويحمى النار من تحته.
٧ - أما مصعب (٥) بن عمير فقد أخرجته أمه من البيت وجريمته في ذلك أنه أسلم.
٨ - وكانت قريش تلف بعض الصحابة رضوان الله عليهم في جلود البقر والإبل، وتلقي بهم تحت وهج الشمس، كما كانت تلبس بعضهم درعا من الحديد ثم تلقى بهم فوق جمرات ملتهبة.
وجملة القول أنهم كانوا يذيقونهم عذابا وحشيا لا يصمد أمامه إلا من آمن بمصداقية الإسلام، فالأمم السابقة قد حبست وقتلت الأنبياء بالدراهم المزيفة (٦).
إساءة قريش للنبي ﷺ -:
وفي أكثر الأوقات كانوا يفرشون طريق النبي ﷺ بالشوك حتى تجرح قدميه في
стр. 49
ظلمة الليل، كما كانت القاذورات ترمي على باب بيته حتى يتأذى ويضطرب خاطره، ولم يكن النبي ﷺ يزيد عن قوله يا بني عبد مناف أي جوار هذا؟ (١).
ويروي ابن عمرو بن العاص، وهو شاهد عيان، إن النبي ﷺ كان يصلي ذات يوم في حجر الكعبة، فقدم عقبة بن معيط فلوى ثوبه وجعله كالحبل، وبينما النبي ﷺ يسجد وضعه حول عنقه وراح يشده فخنقه خنقا شديدا والرسول ﷺ مستمر في سجوده بقلب مطمئن، حتى أقبل أبو بكر الصديق ﵁ فدفع عقبة وأقامه، وهو يسمعه الآية الكريمة: ﴿أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات﴾ (غافر: ٢٨) (٢).
وتعرض بعض الأشرار لأبي بكر وأوسعوه ضربا (٣).
ويذكر أنه في مرة أخرى بينما بدأ النبي ﷺ يصلي في حجر الكعبة ذهبت قريش وجلست في صحن الكعبة، فقال أبو جهل: لقد ذبحت ناقة بناحية في مكة ولا يزال سقطها (٤) ملقى على الأرض فليذهب أحد وليأت به فيلقيه عليه (أي على النبي ﷺ )، وحين كان النبي ﷺ ساجدا وضعوه على ثوبه المبارك، وكان النبي ﷺ مستغرفا في صلاته لله، لا يدري ما حدث، والكفار من حوله يضحكون ويتمايلون ويتساقط بعضهم على بعض (٥).
وكان الصحابي الجليل ابن مسعود ﵁ موجودا، ولم يتمكن من التصرف بعد أن رأى حشد الكفار، فقدمت فاطمة الزهراء ﵂، فألقت بالسقط الذي وضعه الكفار عن ظهر أبيها (٦).
لجان الإيذاء:
رأت قريش مكة أن ما كان يلاقيه النبي ﷺ والمسلمون من ظلم وأذى لا يكفي،
стр. 50
ومن هنا لجأت إلى تكوين لجان ثابتة كبديل عن المحاولات الفردية التي كانت تهدف إلى إيذاء النبي ﷺ وأصحابه.
جماعة المستهزئين:
تكونت لجنة برئاسة أبي لهب، وعضوية خمس وعشرون من رؤساء مكة، وكان السؤال المطروح على تلك اللجنة هو ماذا يقال في حق محمد لأولئك القادمين من مناطق بعيدة خارج مكة حتى لا ينخدع هؤلاء بحديثه فيعترفون بعظمته.
فقال أحدهم: فلنقل أنه كاهن.
فقال وليد بن مغيرة (وكان عجوزا داهية): لقد رأيت الكهان فأين زمزمة الكهان من كلام محمد، لا يجب أن نقول مثل هذا الكلام الذي يجعل قبائل العرب تظن فينا الكذب أيضا.
فقال آخر: نقول أنه مجنون.
فقال وليد: ما هو بمجنون.
فقال ثالث: نقول إنه شاعر
فقال وليد: لقد عرفنا الشعر كله بجميع أنماطه وأشكاله وكلام محمد لا يشبه الشعر.
فقال أحدهم: نقول إنه ساحر.
فقال وليد: إن ما عليه محمد من طهر وعفاف لا يجعل له أي صلة بالسحرة، فأين هو من أوضاعهم النحسة وعاداتهم القذرة.
عجز الأعداء عن وصف الرسول:
بعد أن عجز الجميع قالوا: إذن أخبرنا يا عمنا ماذا نقول؟. فقال وليد، حقا إن لقوله لحلاوة هكذا نقول إن كلامه سحر يفرق به بين الابن وأبيه وبين الأخ وأخيه وبين المرء وزوجه (١)، ولهذا يجب عليهم أن يحذروه.
وفي نهاية الجلسة اتفق المجتمعون على القرارات التالية:
стр. 51
- مضايقة محمد بكل شكل من الأشكال.
- الاستهزاء من جميع ما يقول.
- إيذاؤه عن طريق السخرية منه والاستخفاف به.
- إيذاء كل من آمن به وصدقه إيذاء شديدا.
الهجرة إلى الحبشة:
حين اشتد إيذاء الكفار للمسلمين وزاد عن حده، أذن النبي ﷺ للصحابة رضوان الله عليهم بأن يهاجر إلى الحبشة من يريد منهم أن ينجو بروحه وإيمانه.
وبعد هذا الإذن خرجت في ظلمة الليل قافلة صغيرة تضم اثنا عشر رجلا وأربع نساء. ركبوا السفينة من ميناء "شيبة" متجهين إلى الحبشة (١).
فضيلة سيدنا عثمان ﵁:
كان أمير هذه القافلة الصغيرة عثمان بن عفان ﵁ وكانت معه السيدة رقية (بنت النبي ﷺ )، وقال النبي ﷺ هذا أول زوج (يعني عثمان وزوجه رقية) هاجر في سبيل الله بعد لوط وإبراهيم ﵉ (٢).
قريش تتابع المسلمين حتى الحبشة:
وهاجر من بعدهم من المسلمين ثلاثة وثمانون رجلا وثماني عشرة امرأة وكان من بينهم ابن عم النبي ﷺ جعفر بن أبي طالب، وقد تبعتهم قريش حتى البحر إلا أنهم كانوا قد ركبوا السفينة ومضت بهم.
خطبة جعفر عن الإسلام:
كان ملك الحبشة نصرانيا، ذهب إليه كفار مكة محملين بالهدايا وطلبوا منه أن يسلمهم "المسلمين" الذين فروا من ديارهم، فأحضر المسلمون إلى البلاط، وقام جعفر طيار ابن عم النبي ﷺ فألقى خطبة في بلاط الملك قائلا:
"أيها الملك! كنا قد ابتلينا بالجاهلية، نعبد الأصنام، نغط في النجاسة، ونأكل
стр. 52
الميتة، نأتي الفواحش، نقطع الأرحام، ونسيئ الجوار، لم يكن عندنا قانون ولا نظام، فكنا على ذلك حتى بعث الله فينا رسولا منا، نعرف جيدا حسبه ونسبه وصدقه وأمانته، وتقواه وعفافه، فدعانا إلى التوحيد، وأفهمنا ألا نشرك بالله الواحد الأحد، ومنعنا من عبادة الأحجار والأوثان، وأمرنا أن نصدق الحديث، وأن نفي بالوعد، ونبتعد عن المعاصي، ونهانا عن الفواحش، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصوم، فعادانا قومنا لما نحن عليه، وراحوا يعذبوننا بكل ما استطاعوا ليردونا عن عبادة الله وحده لا شريك له إلى عبادة الأوثان، وذقنا على أيديهم الأذى والظلم، وحين أردنا الهجرة اخترنا أن نهاجر إلى بلدك" (١).
فقال النجاشي بعد أن سمع الخطبة: أسمعني القرآن، فأسمعه جعفر ﵁ سورة مريم، فتأثر النجاشي وبكى، وقال: "محمد هو الرسول الذي أخبر به يسوع المسيح، الحمد لله على أنني عاصرت زمان هذا الرسول" وأمر النجاشي بإخراج كفار مكة من البلاط -.
ولما رأى كفار مكة أن الذهاب حتى إلى الحبشة لم يعد عليهم بفائدة. قالوا: تعالوا نغري محمدا أولا وبعدها نهدده فسوف يوافقنا بشكل ما.
بعد هذه المشورة قدم أحد رؤساء مكة من الأغنياء الموسرين ويدعى عتبة بن ربيعة إلى النبي ﷺ ، وقال له:
"يا ابن أخي! إن كنت تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا وثروة، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد شرفا سودناك علينا، وإن كنت تريد ملكا، جعلناك ملكا على العرب أجمعين، نحن على استعداد أن نلبي لك كل ما تريد على أن تترك هذا الطريق، وإن كان بعقلك مس، فأخبرنا حتى نطلب علاجك".
قال النبي ﷺ : "ما قلته عني ليس فيه شيء من الصواب، لاحاجة لي بالمال أو الشرف أو الثروة أو الملك، وليس بعقلي مس، ويمكنك أن تعرف حقيقة دعوتي من آيات القرآن الكريم التالية: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون
стр. 53
وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون﴾ (فصلت ١ - ٨).
وطرأ على عتبة ذهول وشغف من سماعه لآيات الذكر الحكيم، فألقى بيديه خلف ظهره مستندا عليهما وهو يسمع، وفي النهاية نهض لا ينطق بشيء ومضى إلى قريش التي كانت تنتظر بشوق متلهفة لمعرفة نتيجة اللقاء، والتف الجميع حول عتبة يسألونه ماذا رأى وماذا سمع؟ (١).
ولما فشلت حيلة الإغراء، اجتمع رؤساء جميع القبائل وذهبوا إلى عم الرسول ﷺ أبي طالب - وقالوا له:
"لقد وقرناك واحترمناك، وها هو ابن أخيك يعيب آلهتنا التي ظل آباؤنا يعبدونها، ونحن لا نستطيع الصبر على هذا، فلتنصحه حتى يسكت وإلا قضينا عليه وأنت وحدك لا يمكنك أن تواجهنا جميعنا".
وبعد أن رأى العم الرحيم عداوة قريش كلها لابن أخيه رق له قلبه فبعث إلى النبي وطلب منه ألا يسيئ إلى أوثان قريش، لأنه بذلك لا يستطيع أن يدافع عنه.
قال النبي ﷺ : يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته (٢).
بعد هذا الفشل تشاور قريش مكة، ورأوا أن يبعثوا للنبي ليجتمعوا به ويكلموه، وهكذا اجتمعوا داخل الكعبة، فجاءهم النبي ﷺ مسرورا فقد تمنى أن يكونوا قد فكروا في دعوته لهم للإيمان بالله الواحد، وحين وصل النبي ﷺ جلس إليهم فقالوا له:
"يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنكلمك، والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه (من المشكلات) مثل ما أدخلت على قومك، فإن كنت تطلب مالا جمعنا لك من أموالنا حتى لا يبقى لدينا منها شيئا، وإن كنت تطلب الشرف فينا سودناك علينا، وإن كنت
стр. 54
تريد ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك جنا غلب عليك بذلنا لك من أموالنا حتى نبرئك منه أو نعذر فيك".
فقال لهم رسول الله ﷺ : "ما بي ما تقولون، ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا فبلغتكم رسالات ربي ونصحتكم فإن تقبلوا مني ما جئتكم به، فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله، حتى يحكم الله بيني وبينكم".
قالت قريش: يا محمد! إن كنت غير قابل منا شيئا مما عرضناه عليك فإنك تعلم أنه ليس من الناس أحد أضيق بلدا ولا أقل ماء ولا أشد عيشا منا، فسل لنا ربك أن يسير عنا هذه الجبال حتى يبسط لنا بلدنا (١)، وليفجر لنا فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا وأجدادنا على أن يكون فيمن يبعث لنا منهم قصي (٢) بن كلاب، لأنه كان شيخنا وكان صادقا، فنسأله عما تقول، فإن صدقك وصنعت ما سألناك صدقناك وعرفنا به منزلتك من الله، وأنه بعثك رسولا كما تقول".
قال رسول الله ﷺ : "ما بهذا بعثت إليكم، إنما جئتكم من الله بما بعثني به، وقد بلغتكم رسالات الله، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله تعالى حتى يحكم الله بيني وبينكم"
قالت قريش: "فإن لم تفعل هذا لنا، فخذ لنفسك، وسل ربك:
١ - أن يبعث معك ملكا، كي يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك.
٢ - وأن يجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك تبتغي فإنك تقوم في الأسواق وتلتمس الرزق، وذلك حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولا" (٣).
стр. 55
فقال رسول الله ﷺ : ما أنا بفاعل، وما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، فقد بعثني الله بشيرا ونذيرا، فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإلا صبرت لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم".
قالت قريش: "إذن اسقط علينا كسفا من السماء، كما زعمت أن ربك إن شاء فعل، فإنا لا نؤمن لك إلا أن تفعل" (١).
قال رسول الله ﷺ : "ذلك إلى الله، إن شاء أن يفعله بكم فعل".
قالت قريش: "يا محمد. أما علم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه ونطلب منك ما نطلب، فيعلمك ما تراجعنا به، إنه قد بلغنا أنك إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له "الرحمن" (٢) وإنا لا نؤمن بالرحمن أبدا، فقد أعذرنا إليك يا محمد وإنا (والله) لا نتركك وما بلغت منا حتى نهلك أو تهلكنا" ووصل الحديث إلى أن قال أحدهم: "لن نؤمن لك يا محمد حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا".
فلما سمع النبي هذا الكلام تركهم ومضى وكان معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة وهو ابن عمته (ابن عاتكة بنت عبد المطلب) ققال له: يا محمد! عرض عليك قومك ما عوضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورا ليعرفوا بها منزلتك من الله كما تقول، فلم تفعل ثم سألوك أن تجعل لهم بعض ما تخوفهم به من العذاب فلم تفعل، وهكذا فأنا لا أؤمن بك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلما ثم ترقى فيه وأنا أنظر إليك حتى تأتيها ثم تأتي معك بأربعة من الملائكة يشهدون لك .. لو فعلت ذلك ما ظننت أني مصدقك (٣).
стр. 56
استمر النبي ﷺ في دعوته لقريش حتى بعد هذا الرفض والإنكار وكان يقول: إن في دعوتي كل ما تريدون، والعقلاء الذين آمنوا والتزموا بالتربية النبوية نالوا من المعارف والفوائد أكثر من تلك التي كان سألها كفار قريش.
وبهذه المناسبة نذكر ما ورد في الإنجيل من أن الشيطان سأل المسيح عدة أسئلة ليختبره، فأجاب عنها المسيح بالنفي (١). والحقيقة أن رسل الله المصطفين يقدمون تعاليمهم إثباتا لصدقهم ولم يكونوا يقدمون المعجزات أو الخوارق لأن صفة الإيمان بالغيب تفقد بعدها ميزتها. هذا رغم أن المعجزات تتوالى منهم بعد ذلك وبكثرة في أوقات أخرى وطبقا للضرورة أو الحاجة.
إسلام حمزة:
يذكر أنه في السنة السادسة من البعثة النبوية، وبينما كان النبي ﷺ جالسا على جبل الصفا، مر به أبو جهل، فشتم النبي ﷺ ، فلم يرد النبي وسكت، حينئذ رماه أبو جهل بحجر في رأسه فجرى الدم منه، فبلغ ذلك حمزة عم النبي ﷺ ولم يكن قد أسلم بعد، فأخذته حمية النسب فانطلق إلى أبي جهل حتى إذا وصل إليه رفع قوسه وشج رأس أبي جهل، وذهب حمزة إلى النبي ﷺ وقال له: " يا ابن أخي أيسرك أني قد انتصرت لك من أبي جهل؟ " قال النبي ﷺ : يا عم إني لا أفرح بمثل هذا، نعم أفرح إذا أسلمت، فأعلن حمزة ﵁ إسلامه على الفور.
стр. 57
إسلام عمر الفاروق ﵁:
بعد إسلام حمزة ﵁ بثلاثة أيام، أسلم عمر بن الخطاب وكان رجلا شجاعا قويا، وكان سفير قريش إلى البلدان الخارجية واعتمادا على شجاعته خرج من بيته عاقدا العزم على قتل النبي ﷺ وقد حمل جميع أسلحته، وفي الطريق عرف أن أخته وزوجها ابن عمه قد أسلما (١)، فاتجه من فوره إلى بيت أخته، فضربهما ضربا مبرحا فقالت له أخته فاطمة: يا عمر اسمع أولا الكتاب الذي آمنا به بعد أن سمعناه، فإن لم يعجبك فاقتلنا - قال عمر: "طيب" في ذلك الوقت كان في البيت أحد صحابة النبي ﷺ اختفى بعد مجيء عمر، فقرأ الركوع الأول (٢) من سورة طه، وظل عمر ينصت إلى القرآن الكريم، ثم انخرط باكيا ولم يتمالك نفسه، وهكذا آمن عمر منذ ذلك الوقت بالنبي وبالقرآن الذي أنزل عليه، وصار من خرج يريد قتل النبي هو أكثر الناس اعتزازا بفداء النبي والدين الحنيف، وأطلق عليه فيما بعد لقب "الفاروق". وكان المسلمون حتى ذلك الوقت يصلون خفية في بيوتهم فصاروا الآن يصلون في الكعبة، ورأى الكفار حال المسلمين فازدادوا غضبا وعيظا وبدأوا في إيذاء المسلمين إيذاء شديدا، كما تعرضوا للنبي ﷺ بالأذى والسب والشتم.
حصار النبي مع عشيرته في شعب أبي طالب لثلاث سنوات:
حين رأى الكفار أن النبي ﷺ ثابت على دعوته، وأن نشاطه مستمر بشجاعة لا نظير لها وعزيمة لا تلين، اتفقوا في السنة السابعة من البعثة النبوية على أن يقاطعوا بني هاشم قبيلة النبي ﷺ رغم أنها لم تسلم، ولم تساند النبي ﷺ على ألا يناكحوهم ولا يبيعوهم ولا يشتروا منهم شيئا (٣).
وعقدت معاهدة بذلك وعلقت على الكعبة.
وبقى النبي ﷺ وعشيرته محاصرين محبوسين في الشعب وقطعت عنهم قريش إمدادات الغذاء، ووصل الجوع بأطفال بني هاشم لدرجة أن صوت بكائهم سمع من وراء الشعب (٤).
стр. 58
عاش النبي ﷺ وعشيرته هكذا لثلاث سنوات وظل من أسلم محبوسا في بيته، وفي موسم الحج حين كاد الكفار يحرمون القتال، كان النبي ﷺ يخرج من الشعب يدعو الناس إلى الإيمان بالله، وكان الشقي التعس أبو لهب يمضي خلف النبي ﷺ ويقول: أيها الناس، هذا مجنون لا تسمعوا لحديثه، ومن يسمع له ويصدقه يهلك.
وتحمل النبي ﷺ هذه الشدة بصبر لا ينفذ لثلاث سنوات، وحين أنزلت قريش الصحيفة التي كتبت فيها المعاهدة سابقة الذكر وجدوا الأرضة قد أتت عليها - إلا ذكر الله وبعدها خرج النبي ﷺ من الشعب وبدأ يباشر دعوته.
وذات يوم دخل النبي ﷺ المسجد الحرام حيث كان يجلس رؤساء المشركين، فلما رأى أبو جهل النبي ﷺ قال ساخرا "ها هو نبيكم قد جاء يا بني عبد مناف".
قال عتبة بن ربيعة: وما تنكر أن يكون منا نبي أو ملك؟
فسمع النبي ﷺ بذلك فأتاهم، وخاطب في البداية عقبة فقال:
"عقبة! ما حميت لله ورسوله، ولكن حميت لأنفك".
ثم قال لأبي جهل:
"والله لا يأتي عليك غير كبير من الدهر حتى تضحك قليلا وتبكي كثيرا"
ثم قال لقريش: "والله لا يأتي عليكم غير كبير من الدهر حتى تدخلوا فيما تنكرون" (١).
وسوف يرى القراء كيف تحقق قول الرسول ﷺ .
وفاة أبي طالب وخديجة:
في السنة العاشرة من البعثة النبوية، توفي أبو طالب عم النبي ﷺ ووالد علي المرتضى ﵁، وكان أبو طالب هو الذي ربى النبي ﷺ منذ صباه، وحماه وأيده حين بدأ الدعوة إلى عبادة الله وحده، ولهذا حزن النبي ﷺ لوفاته حزنا شديدا. وبعد ذلك بثلاثة أيام توفيت زوجته خديجة ﵂، وكانت قد وهبت نفسها لمؤازرة النبي كما ضحت بمالها ومتاعها في سبيل الله، وكانت أول من أسلم، وقد بلغها جبريل
стр. 59
السلام من الله، ولهذا كانت وفاتها صدمة شديدة ومؤثرة على النبي ﷺ .
وهنا بدأت قريش تزيد من إيذائها للنبي ﷺ ، فقام أحد الأشرار بإلقاء التراب على رأسه، ودخل النبي ﷺ بيته والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى بناته تغسل عنه التراب وهي تبكي، فقال لها النبي ﷺ : "لا تبك يا بنيتي، فإن الله مانع أباك".
خروج النبي ﷺ لدعوة القبائل:
رغم فقد الرسول لنصرة عمه أبي طالب، ورغم فقدان الرسول لخديجة ﵂ زوجته التي شاركته مصائبه ومتاعبه، رغم هذا بدأ النبي ﷺ في الدعوة إلى الله بحماس أكبر ونشاط أعظم، وهكذا حج نبي الله بعد أيام قليلة من مكة واتجه للدعوة في خارج مكة، وكان معه في سفره هذا زيد بن حارثة ﵁، عرض النبي ﷺ الدعوة على القبائل التي كانت تسكن بين مكة والطائف، ووصل إلى الطائف راجلا يدعو إلي التوحيد. وكانت تسكنها بنو ثقيف وقد حملها خصوبة أراضيها وبرد روابيها على الغرور الذي فاق الحد، التقى النبي ﷺ بقادتها وكانوا ثلاثة أخوة هم عبد ياليل، ومسعود وحبيب، ودعاهم إلى الإسلام.
فقال أحدهم: إني أمرط أمام الكعبة إن كان الله أرسلك.
وقال الآخر: ما وجد الله أحدا يرسله غيرك، لا يجد حتى دابة يركبها. إن كان الله مرسل رسولا، أرسله من بين الحكام أو الرؤساء.
وقال الثالث: والله لا أكلمك أبدا. فلئن كنت رسول الله كما تقول فمن الخطر أن أرد كلامك ولئن كنت تكذب على الله فما ينبغي لي أن أكلمك.
فقال النبي ﷺ : لا أريد منكم سوى أن تكتموا ما لديكم حتى لا يبلغ بقية القوم فيكون سببا في زللهم.
واستمر النبي ﷺ في الدعوة إلى الإسلام، وأبلغ هؤلاء عبيدهم وسفهاءهم بما دار بينهم، فراح هؤلاء يلقون الحجارة على النبي ﷺ حتى سالت الدماء وتجمدت في خفه حتى صعب عليه خلعه من قدميه للوضوء.
ومرة اجتمع عليه السفهاء والأوباش يسبونه ويصيحون به حتى التجأ نبي الله ﷺ إلى حائط لعتبة وشيبة بن ربيعة، ورأوه على هذا الحال فأمرا غلاما لهما يدعى عداس أن
стр. 60
يحمل طبقا به عنب إلى رسول الله، فوضع الغلام العنب أمام النبي ﷺ ، فمد النبي يده إلى العنب وهو يقول: "بسم الله" ثم أكل.
فنظر عداس (وكان نصرانيا) إلى النبي ﷺ وهو في حيرة ثم قال: "هذا كلام لا يقوله أهل هذه البلدة - فقال النبي ﷺ : "من أي بلاد أنت وما دينك؟ " فقال عداس: "أنا نصراني من سكان نينوى" فقال النبي ﷺ : "من قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟ " - فقال عداس: "وما يدريك عن يونس بن متى؟ - قال النبي ﷺ : "ذاك أخي، كان نبيا، وأنا نبي" فانتفض عداس وراح يقبل رأسه ويديه ورجليه، فرأى عقبة بن شيبة غلامه من بعيد يفعل ما يفعله فقال لأخيه: "لقد فسد الغلام" وحين رجع إليهما عداس، قالا له: ماذا أصابك ما لك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟
قال عداس: يا سيدي لا يوجد على وجه الأرض خير من هذا الرجل، لقد أخبرني بأمر لا يعلمه إلا نبي" - فقالا: ويحك يا عداس لا يصرفنك عن دينك فإن دينك خير من دينه" (١).
وقد واجه الرسول ﷺ ضربات في هذه المنطقة وهو يعظ الناس حتى أنه أغمي عليه وسقط على الأرض فحمله زيد على ظهره، وذهب به خارج العمران، فأفاق ﷺ بعد أن نضح عليه الماء.
ومع ما كابده الرسول ﷺ في هذا السفر من أذى وألم، فقد كان ما آلمه أكثر هو ألا يسلم أحد ممن دعاهم، ولكن قلب النبي ﷺ كان مملوءا بحب الله وعظمته، فدعا الله بالكلمات التالية:
«اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني إلى بعيد (٢) يتجهمني أو إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك» (٣).
стр. 61
وقال النبي ﷺ وهو عائد من الطائف: "لماذا أدعو هؤلاء الناس، ماذا لو لم يؤمنوا بالله؟ وإني لأرجو الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله الواحد".
خروج النبي ﷺ للدعوة في مناطق مختلفة:
بعدما رجع النبي ﷺ إلى مكة بدأ يذهب إلى مساكن مختلف القبائل، أو يذهب خارج مكة .. ويلتقي بالمسافرين هنا وهناك يدعوهم إلى الإيمان وعباده الله وحده، وقد أتى أيضا قبيلة بني عبد الله، فقال لهم إن أباكم كان عبد الله، فكونوا اسما على مسمى (١)، وذهب إلى منازل قبيلة بني حنيفة، فلم يكن أحد من العرب أقبح ردا عليه منهم، كما أتى قبيلة بني عامر بن صعصعة. وكان رئيس القبيلة يدعى بحيرة بن فراس، وكان قد سمع عن دعوة الإسلام، فسأل النبي ﷺ : حسنا لو آمنا بما جئت به ثم انتصرت على مخالفيك، فهل تعدنا أن يكون لنا الأمر من بعدك؟ - فقال النبي ﷺ : الأمر لله يضعه حيث يشاء، فقال بحيرة: أنضع نحورنا للعرب الآن فإذا ظهرت كان الأمر لغيرنا، لا حاجة لنا بأمرك، وكان معه في سفره هذا رفيقه أبو بكر الصديق ﵁.
إيمان سويد بن صامت:
في تلكم الأيام التقى النبي ﷺ السويد بن صامت وكان يلقب في قومه بالكامل، فدعاه النبي ﷺ إلى الإسلام، فقال سويد: "فلعل الذي معك مثل الذي معي". فسأله النبي ﷺ "وماذا معك؟ " فقال: "حكمة لقمان" فقال النبي ﷺ : "أعرضها علي" فأسمعه بعض الأشعار الجيدة. فقال النبي ﷺ هذا كلام حسن، ولكن معي القرآن أفضل منه، هدى ونور ثم تلا عليه النبي ﷺ آيات من القرآن الكريم، فأسلم على الفور، وحين رجع إلى يثرب (المدينة) قتلته الخزرج (٢).
الدعوة في سفارة يثرب وهداية إياس بن معاذ:
وفي تلك الأيام قدم إلى مكة أبو الحيسر أنس بن رافع وكان برفقته بعض شباب بني عبد الأشهل، ومن بينهم إياس بن معاذ، جاءوا يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، فأتاهم النبي ﷺ وقال لهم:
стр. 62
"هل لكم رغبة في شيء يكون فيه خيركم" قالوا: "وما ذاك؟ قال: أنا رسول الله، بعثني إلى العباد أدعوهم إلى الله أن يعبدوا الله ولا يشركوا به، أنزل الله علي الكتاب).
ثم أوضح لهم أصول الإسلام وتلا عليهم القرآن الكريم، فقال إياس بن معاذ وكان لا يزال شابا صغيرا: "يا قومي! هذا والله خير مما جئتم له".
عندئذ أخذ أبو الحيسر أنس بن رافع حفنة من التراب فضرب بها وجه إياس بن معاذ وقال: "اسكت، ما جئنا لهذا"، فنهض رسول الله ﷺ وانصرف. كان هذا قبل حرب بعاث بين الأوس والخزرج، ورجع إياس ومات بعدها بعدة أيام. وعند موته ظل يهلل الله ويكبره ويحمده ويسبحه. فقد غرست في قلبه بذرة الإسلام حين سمع كلام رسول الله ﷺ (١) وأثمرت حين مات.
وفي تلك الأيام أيضا قدم مكة ضماد وكان من أهل اليمن، واشتهر بين العرب برقياه لمن مسه الجن، فسمع أن محمدا ﷺ به أثر من جن، فقال لقريش: يمكنني أن أعالج محمدا، فحضر إلى النبي ﷺ وقال: يا محمد، سمعت أن بك مس، فقال له النبي ﷺ اسمعني أولا:
"الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، أما بعد .. "
وحين سمع ضماد ما قاله النبي ﷺ انطلق قائلا أعد علي كلماتك هؤلاء، فأعادها عليه رسول الله ﷺ مرتين أو ثلاث مرات، فقال: لقد سمعت قول الكهنة والسحرة والشعراء، فما سمعت مثل هذه الكلمات، ولقد بلغن ناعوس البحر، يا محمد، هات يدك أبايعك على الإسلام" (٢).
المعراج:
في السابع والعشرين من شهر رجب من السنة العاشرة من البعثة أسرى الله تعالى بالنبي ﷺ وأراه ملكوت السماوات والأرض، فذهب أولا من المسجد الحرام إلى بيت المقدس وهناك صلى بالأنبياء إماما ثم عرج به إلى السماوات والتقى بالأنبياء كل في مقامه
стр. 63
إلى أن وصل إلى سدرة المنتهى والبيت المعمور، ثم نال شرف القرب من الحضرة الإلهية فأوحى الله إلى عبده ما أوحى (١).
كتب شاه ولي الله في كتابه حجة الله البالغة: (٢)
وأسرى به إلى المسجد الأقصى ثم إلى سدرة المنتهى وإلى ما شاء الله، وكل ذلك بجسده ﷺ في اليقظة، ولكن ذلك كان في موطن هو برزخ بين المثال والشهادة جامع لأحكامهما، فظهر على الجسد أحكام الروح، وتمثل الروح والمعاني الروحية أجسادا ولذلك فإن كل واقعة من تلك الوقائع تعبير.
١ - أما شق الصدر وملؤه إيمانا فحقيقته غلبة أنوار المليكة وانطفاء لهب الطبيعة وخضوعها لما يفيض عليها من حظيرة القدس.
٢ - وأما ركوبه على البراق فحقيقته استواء نفسه النطفية على السمة التي هي الكمال الحيواني، فاستوى راكبا على البراق كما غلبت أحكام نفسه النطفية على البهيمية وتسلطت عليها.
٣ - وأما إسراؤه إلى المسجد الأقصى فلأنه محل ظهور شعائر الله ومتعلق همم الملإ الأعلى ومطمح أنظار الأنبياء ﵈ فكأنه كوة إلى الملكوت.
٤ - وأما ملاقاته مع الأنبياء صلوات الله عليهم ومفاخرته معهم فحقيقتها اجتماعهم من حيث ارتباطهم بحظيرة القدس وظهور ما اختص به من بينهم من وجوه الكمال.
стр. 64
٥ - وأما رقيه إلى السماوات سماء بعد سماء فحقيقته الانسلاخ إلى مستوى الرحمن منزلة لعد منزلة، ومعرفة حال الملائكة الموكلة بها ومن لحق بهم من أفاضل البشر والتدبير الذي أوحاه الله فيها والاختصام الذي يحصل في ملأها.
٦ - وأما بكاء موسى فليس بجسد ولكن مثال لفقده عموم الدعوة وبقاء كمال لم يحصل مما هو في وجهه.
٧ - وأما سدرة المنتهى فشجرة الكون وترتب بعضها على بعض وانجماعها في تدبير واحد، كانجماع الشجر في الغاذية والنامية ونحوهما، ولم تتمثل حيوانا لأن التدبير الجملي الاجمالي الشبيه للسياسة الكلي أفراده (...)، وإنما أشبه الأشياء به الشجرة دون الحيوان فإن الحيوان قوى تفصيلية والإرادة فيه أصرح من سنن الطبيعة.
٨ - وأما الأنهار في أصلها رحمة فائضة في الملكوت حذو الشهادة وحياة وإنماء فلذلك تعين هنالك بعض الأمور النافعة في الشهادة كالنيل والفرات.
٩ - وأما الأنوار التي غشيتها فتدليات إلهية وتدبيرات رحمانية تلعلعت في الشهادة حيثما استعدت لها.
١٠ - وأما البيت المعمور فحقيقته التجلي الإلهي الذي يتوجه إليه سجدات البشر وتضرعاتها يتمثل بيتا على حذو ما عندهم في الكعبة وبيت المقدس.
١١ - ثم أتى بإناء من لبن وإناء من خمر فاختار اللبن، فقال جبريل هديت للفطرة ولو أخذت الخمر لغوت أمتك. فكان هو ﷺ جامع أمته ومنشأ ظهورهم، وكأن اللبن اختيارهم الفطرة والخمر اختيارهم لذات الدنيا.
١٢ - وأمر بخمس صلوات بلسان التجوز، لأنها خمسون باعتبار الثواب ثم أوضح الله مراده تدريجا ليعلم أن الحرج مرفوع وأن النعمة كاملة، وتمثل هذا المعنى مستندا إلى موسى ﵇. فإنه أكثر الأنبياء معالجة للأمة ومعرفة بسياستها (١).
стр. 65
إسلام طفيل بن عمرو الدوسي:
وفي هذه الأيام قدم الطفيل بن عمرو، رئيس قبيلة دوس، إلى مكة، وقد عرفت أسرته في نواحي اليمن بالحكم والرئاسة وكان طفيل نفسه رجلا شاعرا ذكيا، وقد خرج أهل مكة لاستقباله خارجها، وبالغوا في الحفاوة به، وطبقا لرواية طفيل "قال لي أهل مكة، خرج فينا رجل، يأتيه السحر، فرق بين المرء وابنه وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، فرق جماعتنا وشتت أمرنا وأنا لا نريد أن يصيب قومك ما أصابنا وننصحك بشدة ألا تذهب إليه. وألا تكلمه وألا تسمع منه ... ".
وظلوا يلحون علي بذلك حتى إنه حين أردت دخول الكعبة أغلقت أذناي بقطعة من القطن حتى لا أسمع شيئا مما يقول محمد، وغدوت إلى الكعبة ذات يوم وكان النبي ﷺ يصلي، وكانت مشيئة الله أن يصل صوته إلى سمعي، فسمعته يقول كلاما عجبا، ورحت ألوم نفسي فأنا نفسي شاعر، عالم، أميز بين الحسن والقبيح، فلأي سبب وماذا يمنعني من أن أسمع كلامه، فإن كان ما يقول حسنا قبلت وإلا رفضت.
وانتظرت بعد قراري هذا، وانصرف النبي ﷺ إلى بيته فمضيت خلفه، ودخل بيته فدخلت عليه وأخبرته بما قال القوم وبما فعلته حتى لا أسمع صوته وما حدث بعد ذلك هو أن شاءت إرادة الله أن سمع ما جرى على لسانه الكريم، وطلبت منه أن يسمعني كلامه. فقرأ النبي ﷺ القرآن، ووالله ما سمعت كلاما أطهر منه، ولا أحسن منه ولا أمرا أعدل منه".
وهكذا أسلم طفيل على الفور وهو الذي كانت قريش تصفه بالمخدوم المطاع، وهكذا أصبح بقلبه وروحه خادما ومطيعا لمحمد ﷺ . وقد شق إسلام طفيل على قريش كثيرا (١).
إسلام أبي ذر الغفاري ﵁:
كان أبو ذر ﵁ يقيم في مدينة يثرب، فلما بلغته بعض الأخبار المتناثرة عن النبي ﷺ ، قال لأخيه: اذهب إلى مكة وقابل هذا الرجل.
стр. 66
وكان أنيس وهو أخو أبي ذر شاعرا فصيحا ذائع الشهرة، فقدم مكة ولقي النبي ﷺ ورجع إلى أبي ذر فقال له: "رأيت محمدا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر".
فقاد أبو ذر: ما شفيتني مما أردت، وانطلق راجلا ووصل إلى مكة، لم يكن أبو ذر ﵁ يعرف النبي ﷺ كما أنه كره أن يسأل أحدا عنه، فشرب من ماء زمزم واستراح في الكعبة، وبينما هو كذلك إذ قدم علي ﵁، فوقف عنده وقال: يبدو أن هنا غريب، فقال أبو ذر، نعم، فقال علي المرتضى ﵁، اتبعني فتبعه، ولم يسأله علي ﵁ شيئا، كما أن أبا ذر لم يقل شيئا، وطلع الصباح، فذهب أبو ذر مرة ثانية إلى الكعبة عازما على البحث عن النبي ﷺ ، ولكنه لم يسأل أحدا، فمر به علي مرة ثانية، فقال له: لعل الرجل لم يجد مناله؟ قال أبو ذر ﵁: "نعم" فذهب به علي ﵁ وسأله عمن يكون وما الذي أقدمه؟ فقال أبو ذر: إن حفظت السر أخبرتك، فعاهده علي ﵁ على ذلك، فقال أبو ذر ﵁: سمعت أن في هذه البلدة رجلا يقول إنه نبي الله، فأرسلت أخي، فلم يأتني بما يشفيني ولهذا جئت بنفسي.
قال علي ﵁، لقد أحسنت بمجيئك وكان خيرا إن لقيتني، إني ذاهب إليه فامض معي، سأدخل أولا لأرى هل الوقت مناسب للقاء ... والخلاصة أن أبا ذر ﵁ وصل مع علي المرتضى ﵁ إلى النبي ﷺ فسأل النبي ﷺ عن الإسلام، وأجابه النبي ﷺ فأسلم أبو ذر على الفور. فقال له النبي:
"يا أبا ذر احفظ عليك هذا الأمر، وارجع إلى قومك حتى يأتيك أمري".
فقال أبو ذر "والله لأعلن هذا بين هؤلاء الأعداء". وانطلق أبو ذر ناحية الكعبة، واجتمعت قريش فنادى بأعلى صوته: "أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله" فقال كفار قريش: اضربوا هذا الصابئ وبدأوا في ضربه إلا أن العباس قدم وأكب عليه قائلا ويلكم هذا رجل من قبيلة غفار من حيث تمضي تجارتكم إلى الشام، فتراجع الناس، وفي اليوم التالي عاد لمثلها فضربوه فخلصه العباس، ثم عاد أبو ذر ﵁ إلى قومه (١)
стр. 67
أسباب الهجرة:
يذكر أنه في السنة الحادية عشرة للبعثة النبوية، وفي موسم الحج، سمع النبي ﷺ في ظلام الليل في مكان يبعد عن مكة عند العقبة (١) أناسا يتكلمون فوصل النبي إلى مكان الصوت فوجد ستة رجال (٢) كانوا قد قدموا من يثرب، فذكر لهم النبي ﷺ عظمة الله وجلاله. وأضاء قلوبهم بنور الله، ونفرهم من الأوثان، وأرشدهم إلى الخير والعفاف ومنعهم عن المعاصي والمنكرات، ونور قلوبهم بآيات القرآن الكريم، ومع أن هؤلاء الناس كانوا وثنيين، إلا أنهم طالما سمعوا من يهود مدينتهم مرة بعد مرة أن نبيا سيبعث قريبا (٣)، ولهذا أسلموا من فورهم وعادوا إلى قومهم وقد أصبحوا من دعاة دين الحق المخلصين.
كانوا يبشرون بأن ذلك النبي (٤) الذي كان ينتظره الجميع قد ظهر وقد سمعنا كلامه بأسماعنا ورأينا طلعته بأبصارنا وأنه قد هدانا إلى الحي القيوم، فصارت الحياة والموت في هذه الدنيا بالنسبة لنا لا شيء.
بيعة العقبة الأولى:
كان من نتيجة دعوة هؤلاء الناس وبشارتهم أن فشا في كل بيت من بيوت يثرب ذكر النبي ﷺ وفي العام التالي أي الثاني عشر للنبوة حضر إلى مكة اثنا عشر رجلا من يثرب (٥)
стр. 68
فنالوا شرف الإسلام على يد النبي ﷺ وبايعوه على ما يلي:
١ - أن نعبد الله وحده لا شريك له ولا نشرك به.
٢ - ألا نسرق ولا نزني.
٣ - وألا نقتل أولادنا (بناتنا).
٤ - وألا نأتي ببهتان ولا نسعى بالنميمة والوشاية.
٥ - وأن نطيع النبي ولا نعصيه في معروف.
مصعب بن عمير:
وحين انصرف القوم (١) عائدين بعث معهم النبي ﷺ مصعب بن عمير، وكان قد تربى في بيت غني، وكان حيثما يركب الفرس يتبعه غلامه، ولم يكن يخرج إلا وعليه الملابس الفخمة الغالية، ولكنه حين عاش في جو الإيمان الرائع تخلى فورا عن حياة الراحة والدعة، فحينما راح يدعو في المدينة إلى دين الحق يبلغ الإسلام كان يضع على كتفه قطعة من القماش يمسكها بالشوك.
بيعة العقبة الثانية:
نزل مصعب ﵁ في المدينة في بيت أسعد بن زرارة ﵁، وكان أهل المدينة يسمونه "المقرئ" (٢)، وقد اجتمع مصعب وأسعد يوما على بئر مرق ومعهما بعض ممن أسلموا، يفكرون في دعوة بني عبد الأشهل وبني ظفر إلى الإسلام وكان سعد ابن معاذ وأسيد بن حضير رؤساء قبيلتيهما وكانا مشركين، فلما عرفا ذلك قال سعد بن معاذ لأسيد بن حضير:
"في أي غفلة أنت، هذان الرجلان اللذان قدما إلى دارنا ليسفها ضعفاءنا، اذهب إليهما وازجرهما وحذرهما أن يأتيا ديارنا، أنا نفسي أفعل هذا ولكني سكت لأن أسعد ابن خالتي.
فحمل أسيد بن حضير سلاحه، فقال أسعد ﵁ لمصعب؛ انظر هذا
стр. 69
رئيس القبيلة قد جاءك، فلندعو الله أن يهديه لما ندعوه إليه. قال مصعب، إن يجلس أكلمه، وحينئذ وصل أسيد ﵁ وراح يشتم ويسب وهو واقف، ويقول، ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا؟
إسلام أسيد بعد سماعه دعوة مصعب:
قال مصعب: ليتك تجلس فتسمع، فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره - قال أسيد: حسنا فأفهمه مصعب ما الإسلام، وتلا عليه القرآن الكريم، وسمع أسيد كل شيء وهو صامت، ثم قال: كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قالا له تغتسل ثم تطهر ثيابك، وتنطق شهادة الحق، وتصلي ركعتين، ثم قال لهما: إن ورائي رجلا، إن اتبعكما لن يبق لكم من معارض وها أنا ذاهب سأرسله إليكما، وانطلق أسيد، ولما نظر إليه سعد بن معاذ مقبلا قال، لقد جاءكم أسيد بن حضير بغير الوجه الذي ذهب به، وحين وصل أسيد وجلس سأله سعد عما جرى. فقال أسيد: كلمت الرجلين فقالا نفعل ما أحببت، ولكن شيئا وقع فقد قدم بني حارثة يريدون قتل أسعد بن زرارة لأنه أخوك، وسمع سعد بن معاذ هذا فغضب وحمل حربته ووقف، خشية أن يقتل بنو حارثة أخاه، وقال وهو يمضي، والله ما أراك أغنيت شيئا.
إيمان سعد بن معاذ بعد سماعه دعوة مصعب:
وصل سعد إلى مصعب وأسعد فرآهما يجلسان في هدوء وطمأنينة ففهم أن أسيدا إنما أراد أن يرسله لهما ليسمع كلامهما بنفسه، فوقف يشتم ويسب، وقال لأسعد بن زرارة: لولا ما بيننا من قرابة، ما رمت هذا مني، تغشانا في دارنا (بما نكره) وقال أسعد لمصعب، جاءك سيد قومه إن يتبعك لم يخالف عليك منهم اثنان، فقال مصعب لسعد، أو تقعد فتسمع فإن رضيت أمرا قبلته وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره، ووضع سعد حربته وجلس، فعرض عليه مصعب حقيقة الإسلام، وتلا عليه القرآن الكريم، وفي النهاية سأله سعد ﵁، كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين؟ قالا: تغتسل وتطهر ثوبك وتنطق بشهادة الحق ثم تصلي ركعتين.
فقام سعد واغتسل وطهر ثيابه ونطق الشهادة وصلى النفل وحمل حربته وعاد إلى نادي قومه ونادى فيهم: يا بني عبد الأشهل كيف ترون أمري فيكم؟ قال الجميع: أنت سيدنا وأفضلنا رأيا وأيمننا نقيبة.
قال سعد: فاسمعوا إن كلام رجالكم ونسائكم حرام علي حتى تؤمنوا بالله ورسوله.
стр. 70
إسلام القبيلة كلها في يوم واحد:
وهكذا كان لكلامه من التأثير أن أسلمت قبيلة بني عبد الأشهل في يوم واحد، وانتشر الإسلام بدعوة مصعب ﵁ حتى عم قبائل الأنصار كلها (١)، وكان من نتيجة ذلك أنه في العام الثالث عشر من البعثة قدم إلى مكة ٧٣ رجلا وست نساء في قافلة من يثرب، وكان مؤمنو يثرب قد أرسلوهم حتى يقوموا بدعوة رسول الله ﷺ إلى مدينتهم وليحصلوا على موافقة النبي على هذه الدعوة.
وصلت هذه الجماعة الصادقة إلى هذه البقعة الطاهرة التي كان يجتمع فيها المخلصون من يثرب منذ سنتين، وكان وصولها في ظلمة الليل، ووصل رسول الله المختار هناك مع عمه العباس ﵁ (٢).
فقال العباس (ولم يكن قد أسلم آنذاك) كلمة هامة، قال: أيها الناس تعرفون عداوة قريش مكة لمحمد، فإن عاهدتموه وبايعتموه فاعرفوا أن الأمر جد خطير، لأنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود (٣). فلتفكروا فيما أنتم مقدمون عليه. وإلا تراجعتم عن ذلك.
فلم تجب الجماعة على العباس وأرادت أن تسمع ما يقوله الرسول ﷺ .
وعظ الرسول في العقبة الثانية:
فتلا عليهم رسول الله ﷺ كلام الله، رسالة الله إلى الإنسان، وبسماع التلاوة امتلأ هؤلاء بنور الإيمان واليقين، وأبدى الجميع رغبتهم في أن يقيم النبي ﷺ في مدينتهم حتى يمكنهم أن ينالوا من فيض دعوته، فقال النبي ﷺ :
١ - هل تنصرونني في نشر دين الحق؟
٢ - وحين أقيم في مدينتكم هل تمنعونني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم؟
قال المؤمنون: وما جزاؤنا عن هذا؟ (٤).
стр. 71
قال النبي ﷺ : لكم الجنة (النجاة ورضاء الله في الآخرة).
قال المؤمنون: يا رسول الله، طمئنا بألا تتركنا يا رسول الله.
قال النبي ﷺ : لا أترككم، محياي ومماتي معكم.
وما أن سمع هؤلاء الفقرة الأخيرة حتى نهضوا فرحين مغتبطين يبايعونه على الفداء والإخلاص (١) وكان البراء بن معرور ﵁ أول من بايعه في تلك الليلة.
ورأى شيطانا من الشياطن هذا المشهد من فوق القمة فصرخ ينادي أهل مكة: تعالوا إن محمدا وجماعة من أناسه يتشاورون على حربكم.
فقال رسول الله ﷺ : لا تبالوا بهذا الصوت، فقال العباس بن عبادة: لو أذنت لنا لأعملنا سيوفنا في أهل مكة غدا فقال رسول الله ﷺ : "لا، لم يؤذن لي في الحرب بعد" (٢).
نقباء النبي ﷺ -:
ثم اختار النبي ﷺ من بينهم اثنى عشر نقيبا، وقال لهم: مثلما اتخذ عيسى بن مريم لنفسه اثنى عشر نقيبا، اختاركم حتى تذهبوا إلى أهل يثرب فتنشروا فيهم الإسلام، وأما أهل مكة فأنا أنشر الإسلام فيهم.
وكان النقباء تسعة من الخزرج هم: أسعد بن زرارة، ورافع بن مالك، وعبادة بن الصامت (وكانوا في العقبة الأولى أيضا) وسعد بن الربيع، ومنذر بن عمرو، وعبد الله ابن رواحة وبراء بن معرور، وعبد الله بن عمرو بن حرام، وسعد بن عبادة وثلاثة من الأوس هم: أسيد بن حضير، وسعد بن خيثمة، وأبو الهيثم بن تيهان.
قريش تقبض على مسلمين من يثرب:
ولما أصبحت قريش، عرفت بما جرى، فخرجت تطلب أهل يثرب، ولكن قافلتهم كانت قد رحلت مبكرا، فأدركت قريش سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو، فأما المنذر ففلت من قريش ولم يتمكنوا منه وأما سعد فقبضوا عليه، وربطوا يديه إلى عنقه
стр. 72
بنسع راحلته، وأتوا به إلى مكة، يضربونه ويشدون شعر رأسه وكان طويلا، لقد كان سعد بن عبادة ﵁ قد اختاره النبي من بين الاثني عشر نقيبا - وطبقا لروايته فإنه حين أوسعته قريش ضربا طلع عليه رجل أبيض وضيء شعشاع حلو من الرجال فنظرت إليه وقلت في نفسي: إن يكن عند أحد من القوم خير فعند هذا، فلما اقترب مني لطمني لطمة شديدة، فتأكدت أنه ليس فيهم بعد هذا خير.
وبينما هو كذلك قدم عليه رجل آخر، تأثر مما أنا فيه وقال: أما بينك وبين أحد من قريش جوار ولا عهد؟ ".
يقول: فقلت: بلى، لقد كنت أجير لجبير بن مطعم وحارث بن أمية حفيد عبد مناف، فقد كنت أجير تجارتهم في بلادي مرات ومرات.
قال: فاهتف باسم الرجلين.
قال: وهكذا فعلت وخرج ذلك الرجل إليهما وقال لهما إن رجلا من الخزرج يضرب وأنه ليهتف بكما - فسألاه: ومن هو؟ قال: سعد بن عبادة - قالا: صدق، إن له علينا إحسان وفضل، فجاءا وخلصا سعد بن عبادة وانطلق إلى يثرب (١).
الإذن للمسلمين بالهجرة:
بعد بيعة العقبة الثانية أذن النبي ﷺ للمسلمين، الذين لم يغادروا مكة، والذين واجهوا صنوف الأذى والعذاب حتى أصبح وطنهم بالنسبة لهم جحيما، في الهجرة إلى يثرب، ولم يحزن هؤلاء المؤمنون على الإطلاق لفراقهم الوطن والأقارب، والأب والأخ والزوجة والابن، بل فرحوا لأنهم سيتمكنون من عبادة الله وحده لا شريك له بحرية كاملة.
стр. 73
مصاعب الهجرة:
وكان المهاجرون والذين تركوا ديارهم يواجهون مقاومة شديدة من قريش بمكة:
١ - حين أراد صهيب الرومي ﵁ الهجرة، جاءه كفار قريش وقالوا له: أتيتنا مفلسا حقيرا، فكثر مالك عندنا، ثم تريد أن تخرج من هنا وتريد أن تأخذ معك كل هذا المال، لا يكون هذا أبدا.
فقال لهم صهيب، أرأيتم إن جعلت لكم مالي، أتتركوني أمضي. قالت قريش، نعم.
فأعطاهم قريش جميع ماله، وهاجر إلى يثرب، وسمع النبي ﷺ بالقصة فقال: ربح صهيب، ربح صهيب! (١).
٢ - تقول أم سلمة ﵂، أراد زوجي أبو سلمة الهجرة، فحملني إلى بعيره، وفي حضني طفلي سلمة، وحين بدأنا السير قدم إليه رجال بني المغيرة وقالوا له: يمكنك أن تذهب، ولكنك لا يمكن أن تأخذ ابنتنا، وقدم بنو عبد الأسد أيضا وقالوا لأبي سلمة، يمكنك أن تذهب ولكن الطفل طفل القبيلة لا يمكن أن تأخذوه فنزعوا خطام البعير من أبي سلمة وأناخوها، وسلب بنو عبد الأسد الطفل من حضن أمه، وأخذ بنو مغيرة أم سلمة، أما أبو سلمة الذي يعتبر الهجرة في سبيل الدين فرض، فقد انطلق إلى يثرب دونما زوجه وطفله.
وكانت أم سلمة ﵂ تخرج مساء كل يوم في المكان الذي انفصلت فيه عن زوجها وطفلها، فلا تزال تبكي لساعات ثم تعود، وظلت على هذا الحال سنة، حتى مر بها رجل من بني عمها فرق لحالها، فتحدث مع القبيلتن حتى سمح لها باللحاق بزوجها. وأعيد لها طفلها أيضا، فارتحلت أم سلمة على بعير متجهة إلى المدينة وحيدة مع طفلها (٢)، وأصاب مثل ذلك تقريبا كل صحابي.
٣ - يقول عمر الفاروق ﵁: إن عياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاصي
стр. 74
رضي الله عنهما أرادا الهجرة معي، وفي وقت الرحيل وصل عياش إلا أن هشام لم يصل فقد بلغ كفار قريش خبره فحبسوه.
ولم يكد عياش ﵁ يصل إلى المدينة حتى وصل إليها أبو جهل والحارث، وعياش بن أبي ربيعة ابن عمهما وأخاهما لأمهما. فقال أبو جهل والحارث لعياش: لقد ساء حال أمك بعد رحيلك وأقسمت ألا يمس رأسها مشط ولا تستظل من شمس حتى تراك فلتذهب معنا يا أخي حتى تستريح أمك.
قال عمر الفاروق ﵁: يا عياش يبدو أنها خدعة ولو آذى القمل أمك لامتشطت ولو اشتد عليها حر مكة لاستظلت، فلا تذهب.
قال عياش: لا، أعود أبر بقسم أمي.
قال عمر الفاروق: إذا كان الأمر كذلك، فخذ ناقتي هذه فإنها نجيبة ذلول فالزم ظهرها فإن رابك من القوم ريب فانج عليها.
فأخذ عياش ﵁ الناقة، ومضى الثلاثة، وذات يوم وهم في الطريق بالقرب من مكة قال أبو جهل: لقد استغلظت بعيري هذا، أفلا تعقبني على ناقتك هذه؟ قال عياش: بلى.
ولما أناخ كل منهم رحله، واستووا بالأرض عدوا عليه فأوثقاه وربطاه ثم دخلا به مكة هكذا. وكانا يقولان بفخر: انظروا هكذا فليكن عقاب سفهائكم وهكذا سجن عياش ﵁ مع هشام بن العاص وحين وصل النبي ﷺ إلى المدينة، قام الوليد بن المغيرة بتحقيق أمنيته رسول الله ﷺ فخرج إلى مكة وأخرجهما من محبسهما (١).
وتكفي هذه القصص الثلاث لبيان المشكلات والمصاعب التي واجهت المسلمين أثناء الهجرة، فترك الوطن والبيت ليس بالامتحان والابتلاء السهل.
الهجرة:
حين لم يبق في مكة من المسلمين إلا القليل، ولم يبق من مشاهير الصحابة إلا أبو بكر وعلي ﵄، رأت قريش مكة أن الفرصة قد حانت لقتل محمد.
стр. 75
تشاور رؤساء قريش لقتل النبي ﷺ -:
عقد رؤساء قريش جلسة سرية في دار الندوة لتدبير قتل النبي، وكان قصي بن كلاب قد بناها لتكون بمثابة إيوان لبرلمان قريش، وقد حضر هذه الجلسة أيضا شيطان نجد العجوز المحنك [في هيئة شيخ جليل] واجتمع فيها رؤساء قبائل قريش المشهورين وهم:
١ - من بني عبد شمس، شيبة وعقبة ابنا ربيعة وأبو سفيان بن حرب.
٢ - من بني نوفل طعيمة بن عدي وجبير بن مطعم والحارث بن عامر.
٣ - من بني عبد الدار النضر بن حارث بن كلدة.
٤ - ومن بني أسد بن عبد العزى، أبو البختري بن هشام، وزمعة بن الأسود، وحكيم بن حزام.
٥ - ومن بني مخزوم أبو جهل بن هشام.
٦ - ومن بني سهم نبيه ومنبه ابنا الحجاج.
٧ - ومن بني جمح أمية بن خلف (١).
قال أحدهم: اقبضوا عليه وضعوا في عنقه طوقا وسلاسل واحبسوه في مكان وأغلقوا عليه الباب حتى يذوق موت زهير والنابغة ومن مضى منهم.
فقال الشيخ النجدي: لا، لا لئن حبس محمد فسيخرج أمره لأصحابه، فيسعون لتخليصه ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم ويقضوا عليكم.
فقال آخر: نحمله على بعير جامح وننفيه من هنا، فلا نبالي إذا غاب عنا وفرغنا منه وليمت كما يشاء.
فقال الشيخ النجدي: لا، لا، ما هذا لكم برأي، أنسيتم حلاوة حديث محمد، فهو غالب بسهولة على قلوب من حدثهم، فهو أنى ذهب غلب على الناس بذلك حتى يتبعوه ويكونوا معه وفي النهاية يأتون إليكم لينتقموا لنبيهم.