← Сира

Сира · id 14328

رحمة للعالمين (مترجم) - المنصورفوري

محمد سليمان المنصورفوري

Полный текст (1 002 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

قال النبي ﷺ : لكم الجنة (النجاة ورضاء الله في الآخرة). قال المؤمنون: يا رسول الله، طمئنا بألا تتركنا يا رسول الله. قال النبي ﷺ : لا أترككم، محياي ومماتي معكم. وما أن سمع هؤلاء الفقرة الأخيرة حتى نهضوا فرحين مغتبطين يبايعونه على الفداء والإخلاص (١) وكان البراء بن معرور ﵁ أول من بايعه في تلك الليلة. ورأى شيطانا من الشياطن هذا المشهد من فوق القمة فصرخ ينادي أهل مكة: تعالوا إن محمدا وجماعة من أناسه يتشاورون على حربكم. فقال رسول الله ﷺ : لا تبالوا بهذا الصوت، فقال العباس بن عبادة: لو أذنت لنا لأعملنا سيوفنا في أهل مكة غدا فقال رسول الله ﷺ : "لا، لم يؤذن لي في الحرب بعد" (٢). نقباء النبي ﷺ -: ثم اختار النبي ﷺ من بينهم اثنى عشر نقيبا، وقال لهم: مثلما اتخذ عيسى بن مريم لنفسه اثنى عشر نقيبا، اختاركم حتى تذهبوا إلى أهل يثرب فتنشروا فيهم الإسلام، وأما أهل مكة فأنا أنشر الإسلام فيهم. وكان النقباء تسعة من الخزرج هم: أسعد بن زرارة، ورافع بن مالك، وعبادة بن الصامت (وكانوا في العقبة الأولى أيضا) وسعد بن الربيع، ومنذر بن عمرو، وعبد الله ابن رواحة وبراء بن معرور، وعبد الله بن عمرو بن حرام، وسعد بن عبادة وثلاثة من الأوس هم: أسيد بن حضير، وسعد بن خيثمة، وأبو الهيثم بن تيهان. قريش تقبض على مسلمين من يثرب: ولما أصبحت قريش، عرفت بما جرى، فخرجت تطلب أهل يثرب، ولكن قافلتهم كانت قد رحلت مبكرا، فأدركت قريش سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو، فأما المنذر ففلت من قريش ولم يتمكنوا منه وأما سعد فقبضوا عليه، وربطوا يديه إلى عنقه

стр. 72

بنسع راحلته، وأتوا به إلى مكة، يضربونه ويشدون شعر رأسه وكان طويلا، لقد كان سعد بن عبادة ﵁ قد اختاره النبي من بين الاثني عشر نقيبا - وطبقا لروايته فإنه حين أوسعته قريش ضربا طلع عليه رجل أبيض وضيء شعشاع حلو من الرجال فنظرت إليه وقلت في نفسي: إن يكن عند أحد من القوم خير فعند هذا، فلما اقترب مني لطمني لطمة شديدة، فتأكدت أنه ليس فيهم بعد هذا خير. وبينما هو كذلك قدم عليه رجل آخر، تأثر مما أنا فيه وقال: أما بينك وبين أحد من قريش جوار ولا عهد؟ ". يقول: فقلت: بلى، لقد كنت أجير لجبير بن مطعم وحارث بن أمية حفيد عبد مناف، فقد كنت أجير تجارتهم في بلادي مرات ومرات. قال: فاهتف باسم الرجلين. قال: وهكذا فعلت وخرج ذلك الرجل إليهما وقال لهما إن رجلا من الخزرج يضرب وأنه ليهتف بكما - فسألاه: ومن هو؟ قال: سعد بن عبادة - قالا: صدق، إن له علينا إحسان وفضل، فجاءا وخلصا سعد بن عبادة وانطلق إلى يثرب (١). الإذن للمسلمين بالهجرة: بعد بيعة العقبة الثانية أذن النبي ﷺ للمسلمين، الذين لم يغادروا مكة، والذين واجهوا صنوف الأذى والعذاب حتى أصبح وطنهم بالنسبة لهم جحيما، في الهجرة إلى يثرب، ولم يحزن هؤلاء المؤمنون على الإطلاق لفراقهم الوطن والأقارب، والأب والأخ والزوجة والابن، بل فرحوا لأنهم سيتمكنون من عبادة الله وحده لا شريك له بحرية كاملة.

стр. 73

مصاعب الهجرة: وكان المهاجرون والذين تركوا ديارهم يواجهون مقاومة شديدة من قريش بمكة: ١ - حين أراد صهيب الرومي ﵁ الهجرة، جاءه كفار قريش وقالوا له: أتيتنا مفلسا حقيرا، فكثر مالك عندنا، ثم تريد أن تخرج من هنا وتريد أن تأخذ معك كل هذا المال، لا يكون هذا أبدا. فقال لهم صهيب، أرأيتم إن جعلت لكم مالي، أتتركوني أمضي. قالت قريش، نعم. فأعطاهم قريش جميع ماله، وهاجر إلى يثرب، وسمع النبي ﷺ بالقصة فقال: ربح صهيب، ربح صهيب! (١). ٢ - تقول أم سلمة ﵂، أراد زوجي أبو سلمة الهجرة، فحملني إلى بعيره، وفي حضني طفلي سلمة، وحين بدأنا السير قدم إليه رجال بني المغيرة وقالوا له: يمكنك أن تذهب، ولكنك لا يمكن أن تأخذ ابنتنا، وقدم بنو عبد الأسد أيضا وقالوا لأبي سلمة، يمكنك أن تذهب ولكن الطفل طفل القبيلة لا يمكن أن تأخذوه فنزعوا خطام البعير من أبي سلمة وأناخوها، وسلب بنو عبد الأسد الطفل من حضن أمه، وأخذ بنو مغيرة أم سلمة، أما أبو سلمة الذي يعتبر الهجرة في سبيل الدين فرض، فقد انطلق إلى يثرب دونما زوجه وطفله. وكانت أم سلمة ﵂ تخرج مساء كل يوم في المكان الذي انفصلت فيه عن زوجها وطفلها، فلا تزال تبكي لساعات ثم تعود، وظلت على هذا الحال سنة، حتى مر بها رجل من بني عمها فرق لحالها، فتحدث مع القبيلتن حتى سمح لها باللحاق بزوجها. وأعيد لها طفلها أيضا، فارتحلت أم سلمة على بعير متجهة إلى المدينة وحيدة مع طفلها (٢)، وأصاب مثل ذلك تقريبا كل صحابي. ٣ - يقول عمر الفاروق ﵁: إن عياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاصي

стр. 74

رضي الله عنهما أرادا الهجرة معي، وفي وقت الرحيل وصل عياش إلا أن هشام لم يصل فقد بلغ كفار قريش خبره فحبسوه. ولم يكد عياش ﵁ يصل إلى المدينة حتى وصل إليها أبو جهل والحارث، وعياش بن أبي ربيعة ابن عمهما وأخاهما لأمهما. فقال أبو جهل والحارث لعياش: لقد ساء حال أمك بعد رحيلك وأقسمت ألا يمس رأسها مشط ولا تستظل من شمس حتى تراك فلتذهب معنا يا أخي حتى تستريح أمك. قال عمر الفاروق ﵁: يا عياش يبدو أنها خدعة ولو آذى القمل أمك لامتشطت ولو اشتد عليها حر مكة لاستظلت، فلا تذهب. قال عياش: لا، أعود أبر بقسم أمي. قال عمر الفاروق: إذا كان الأمر كذلك، فخذ ناقتي هذه فإنها نجيبة ذلول فالزم ظهرها فإن رابك من القوم ريب فانج عليها. فأخذ عياش ﵁ الناقة، ومضى الثلاثة، وذات يوم وهم في الطريق بالقرب من مكة قال أبو جهل: لقد استغلظت بعيري هذا، أفلا تعقبني على ناقتك هذه؟ قال عياش: بلى. ولما أناخ كل منهم رحله، واستووا بالأرض عدوا عليه فأوثقاه وربطاه ثم دخلا به مكة هكذا. وكانا يقولان بفخر: انظروا هكذا فليكن عقاب سفهائكم وهكذا سجن عياش ﵁ مع هشام بن العاص وحين وصل النبي ﷺ إلى المدينة، قام الوليد بن المغيرة بتحقيق أمنيته رسول الله ﷺ فخرج إلى مكة وأخرجهما من محبسهما (١). وتكفي هذه القصص الثلاث لبيان المشكلات والمصاعب التي واجهت المسلمين أثناء الهجرة، فترك الوطن والبيت ليس بالامتحان والابتلاء السهل. الهجرة: حين لم يبق في مكة من المسلمين إلا القليل، ولم يبق من مشاهير الصحابة إلا أبو بكر وعلي ﵄، رأت قريش مكة أن الفرصة قد حانت لقتل محمد.

стр. 75

تشاور رؤساء قريش لقتل النبي ﷺ -: عقد رؤساء قريش جلسة سرية في دار الندوة لتدبير قتل النبي، وكان قصي بن كلاب قد بناها لتكون بمثابة إيوان لبرلمان قريش، وقد حضر هذه الجلسة أيضا شيطان نجد العجوز المحنك [في هيئة شيخ جليل] واجتمع فيها رؤساء قبائل قريش المشهورين وهم: ١ - من بني عبد شمس، شيبة وعقبة ابنا ربيعة وأبو سفيان بن حرب. ٢ - من بني نوفل طعيمة بن عدي وجبير بن مطعم والحارث بن عامر. ٣ - من بني عبد الدار النضر بن حارث بن كلدة. ٤ - ومن بني أسد بن عبد العزى، أبو البختري بن هشام، وزمعة بن الأسود، وحكيم بن حزام. ٥ - ومن بني مخزوم أبو جهل بن هشام. ٦ - ومن بني سهم نبيه ومنبه ابنا الحجاج. ٧ - ومن بني جمح أمية بن خلف (١). قال أحدهم: اقبضوا عليه وضعوا في عنقه طوقا وسلاسل واحبسوه في مكان وأغلقوا عليه الباب حتى يذوق موت زهير والنابغة ومن مضى منهم. فقال الشيخ النجدي: لا، لا لئن حبس محمد فسيخرج أمره لأصحابه، فيسعون لتخليصه ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم ويقضوا عليكم. فقال آخر: نحمله على بعير جامح وننفيه من هنا، فلا نبالي إذا غاب عنا وفرغنا منه وليمت كما يشاء. فقال الشيخ النجدي: لا، لا، ما هذا لكم برأي، أنسيتم حلاوة حديث محمد، فهو غالب بسهولة على قلوب من حدثهم، فهو أنى ذهب غلب على الناس بذلك حتى يتبعوه ويكونوا معه وفي النهاية يأتون إليكم لينتقموا لنبيهم.

стр. 76

مؤامرة قتل النبي ﷺ -: وفي النهاية اقترح أبو جهل خطة وافق عليها المجتمعون كلهم وتلخص اقتراحه وخطته فيما يلي: ١ - أن يختار فتى من كل قبيلة من القبائل المشهورة. ٢ - أن يكمن هؤلاء الفتيان في ظلمة الليل أمام بيت محمد. ٣ - حين يخرج محمد ﷺ لصلاة الفجر يقوم الفتية إليه فيضربوه بسيوفهم ضربة رجل واحد. وتكمن فائدة هذه الخطوة في أن القتل الذي ستشترك فيه جميع القبائل لن يمكن قبيلة محمد ﷺ من حرب القوم مجتمعين كما لن يمكن المؤمنين بمحمد ﷺ من المطالبة بالثأر والانتقام. التدبير الإلهي في مواجهة التدبير الإنساني: وهنا يأتي دور التدبير الإلهي والحماية الربانية في مواجهة التدبير الإنساني، فحين أحاط أولئك الناس ليلا ببيت النبي ﷺ ، في ذلك الوقت طلب نبي الله من أخيه علي ﵁ أن ينام في فراشه وأن يتسج ببردته، وألا يقلق أبدا، فلن يخلص إليه شيء يكرهه من هؤلاء، فنام علي ﵁ نوما هادئا تحت ظلال السيوف وخرج رسول الله في حفظ الله، ونثر التراب على رؤوس هؤلاء الناس الذين عمت قلوبهم. وهو يتلو سورة يس، وخرج سالما فلم يره أحد وهو يمضي حيث أراد (١) وكانت هذه الواقعة يوم الخميس السابع والعشرين من صفر عام ١٣ من البعثة الموافق للثاني عشر من سبتمبر ٦٦٢م. أتى نبي الله ﷺ بيت صديقه ورفيقه أبي بكر، فأعد متاع السفر اللازم على عجل،

стр. 77

وحلت أسماء بنت أبي بكر نطاقها فجعلته عصاما للسفرة، وفي ظلمة تلك الليلة انطلقا حتى وصلا غار ثور على بعد حوالي أربعة أميال من مكة وكانت الطريق وعرة حتى أدمى قدمي رسول الله ﷺ وأصابه الألم من الركض، فحمله أبو بكر ﵁ على كتفه. حتى وصلا في النهاية إلى غار، فدخل أبو بكر أولا فنظفه وسد جحوره بمخاريق من ثوب جسده وبعدها طلب من النبي ﷺ أن يدخل. وطلع الصبح واستيقظ علي ﵁ كعادته كل يوم وجاءته قريش وسألته عن محمد فأجاب علي وما أدراني أكنت عليه رقيبا، أمرتموه بالخروج فخرج، فانتهروا عليا وعنفوه من غضبهم وضربوه وأخذوه إلى الجعبة وحبسوه لفترة ثم تركوه (١). وقدم هؤلاء إلى بيت أبي بكر، فدقوا بابه، فخرجت أسماء بنت أبي بكر إليهم، فسألها أبو جهل: أين أبوك يا ابنة أبي بكر؟ فقالت والله لا أعلم. فرفع أبو جهل - وكان فاحشا خبيثا - يده ولطم خدها لطمة طرحت منها قرطها (٢). القوة الإيمانية لأسماء بنت أبي بكر: وهناك أمر بسيط يتعلق بالهجرة تجدر الإشارة إليه هنا، تقول أسماء بنت أبي بكر الصديق، لما خرج أبي حمل معه ماله كله، وكان خمسة آلاف أو ستة آلاف درهم. وجاءني جدي أبو قحافة (٣) بعد رحيل أبي فقال: إني أراه قد فجعكم بماله مع نفسه فقد ذهب هو وأخذ معه ماله. تقول أسماء، لا يا جدي، لقد ترك لنا مالا وافرا وأخذت أسماء أحجارا وضعتها في كوة البيت ووضعت عليها ثوبا وأخذت بيد جدها الذي كف بصره إلى الكوة وهي تقول له ضع يدك. المال موجود، فقال العجوز، لا بأس إذا كان قد ترك لكم المال، ولا حزن الآن على ذهاب أبي بكر، حسنا فعل أبو بكر، فهذا يكفيك. تقول أسماء. لقد أردت أن أسكن الشيخ بذلك، فقد حمل والدي كل شيء معه

стр. 78

(من أجل النبي ﷺ ) (١). وبقيت الشمس ومعها القمر كلاهما في الغار لثلاثة أيام (٢). وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما بالطعام، وكان عبد الله بن أبي بكر يخبرهما بما يقوله أهل مكة (٣)، أما عامر بن فهيرة وهو مولى عبد الله أخي عائشة ﵂ والمسئول عن قطيع أبي بكر كان يرعى الغنم، ويحمل إلى رسول الله ﷺ ما يحتاج إليه من حليب، ويعفى آثار القادمين بقطيع الغنم (٤). وقد أثاب الله أبا بكر على صدقه وإخلاص أن قال تعالى: ﴿إن الله معنا﴾ فكان مع النبي ﷺ في معية الله. الخروج من الغار: وفي الليلة الرابعة خرج من بيت أبي بكر ﵁ بعيران أعدا إعدادا جيدا لهذا السفر، فركب النبي ﷺ ومعه أبو بكر على أحدهما، بينما ركب على الآخر عامر بن فهيرة وعبد الله بن الأريقط (الذي استؤجر ليكون دليل السفر)، واتجه الركب إلى المدينة في غرة ربيع الأول، يوم الاثنين (١٦ سبتمبر ٦٢٢ م) وكانت هجرة النبي ﷺ اقتداء بسنة الأنبياء السابقين فقد ورد ذكر هجرة إبراهيم خليل الرحمن، وموسى وداود ﵈ في التوراة، وقد تحقق نصر الله تعالى للنبي الكريم بعد الهجرة، مثلما كان يحدث للأنبياء السابقين. وترك الدليل الطريق الوسطى واتخذ المضي بمحاذاة ساحل البحر، وحين كان النبي ﷺ يمر بالمنطقة التي تتوسط قلعة رابغ الحالية وساحل البحر، خرج سراقة بن جعثم يتعقبه، يقول عبد الرحمن بن مالك المدلجي وهو ابن أخي سراقة: "بينما سراقة يجري بفرسه لابسا البيضة آخذا بالرمح مدججا بالسلاح إذ أبصر

стр. 79

بالنبي ﷺ ، فظن أنه قد نجح، فإذا به قد عثرت فرسه فخر عنها، فنهض وأقام فرسه، ومضى، والنبي ﷺ يمضي وهو يتلو القرآن الكريم يطلب من الله الخير، فإذا بأصحابه يخبرونه بإدراك عدوهم إياهم، فيقول النبي ﷺ : "اللهم فقنا شره" ولم تكد كلماته المباركة تخرج من فمه حتى ساخت يدا فرس سراقة في الأرض، فخر عنها سراقة، وعلم أن الرعاية الإلهية لنبيه غالبة لا محالة، فطلب الأمان فأمنه رسول الله ﷺ ، وتقدم سراقة وقال إني أمنع منك كل طالب يطلبك، وقام عامر بن فهيرة بناء على طلبه وعلى أمر رسول الله ﷺ فكتب له خطاب الأمان (١). وبعد الخروج من الغار مر هذا الركب المبارك في أول يوم بخيمة أم معبد وهي امرأة من خزاعة، اشتهرت بكرمها وحفاوتها بالمسافرين تطعمهم وتسقيهم، وكان المسافرون يستريحون عندها. وصل الركب عندها فسألها النبي ﷺ هل عندها شيء من طعام، فقالت، لا، لو كان عندي شيء لأحضرته لكم. استراحة النبي ﷺ في خيمة أم معبد: فرأى النبي ﷺ في ركن الخيمة شاة، فسألها، ما هذه الشاة؟ قالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم، فقال النبي ﷺ أتأذنن لي أن أحلبها؟ قالت أم معبد"إن رأيت بها حلبا فاحلبها". فمسح النبي ﷺ بيده على ضرعها وسمى الله ودعا ودعا بإناء فحلب فيه حتى علته الرغوة وسقط على الأرض، فشرب الرسول وأصحابه، ثم حلب الشاة فامتلأ الإناء فشرب أصحابه، وحلبها للمرة الثالثة وترك الإناء لأم معبد وارتحلوا. وحضر زوج أم معبد بعد قليل، فلما رأى اللبن عجب وقال: من أين لك هذا؟ فقالت أم معبد، مر بنا رجل مبارك وكان هذا اللبن من بركة قدومه علينا، فقال: إنه

стр. 80

لصاحب قريش الذي تطلبه صفيه لي يا أم معبد. فقالت: صفة رسول الله ﷺ -: ظاهر الوضاءة أبلج الوجه حسن الخلق، لم تعبه ثجلة ولم تزر به صلعة وسيم قسيم في عينيه دعج، وفي أشفاره وطف، وفي صوته صحل وفي عنقه سطع، أحور، أكحل أزج أقرن، شديد سواد الشعر، إذا صمت علاه الوقار وإن تكلم علاه البهاء، أجمل الناس وأبهاهم من بعيد وأحسنه وأحلاه من قريب حلو المنطق، فصل، لا نزر ولا هذر، كان منطقه خرزات نظم ينحدرن ربعة لا تقحمه عين من قصر ولا تشنؤه من طول غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرا وأحسنهم قدرا له رفقاء يحفون به إذا قال استمعوا لقوله أو إذا أمر تبادروا إلى أمره محفود ومحشود لا عابس ولا مفند. فقال أبو معبد بعد أن سمع وصفها، والله هذا صاحب قريش (١).

стр. 81

ثلاث عشرة سنة للنبوة في مكة مكانة السابقين الأولين: كما مر وعرضنا باختصار، يجب أن نتذكر أنه رغم أن عدد المسلمين لم يتجاوز في تلك الفترة عدة مئات إلا أن النجاح الكبير تمثل في وجود مثل هؤلاء المؤمنين: ١ - العظماء الكبار علي ﵁ وأبو بكر وعثمان وعمر ﵃، الذين عرفوا بفضيلة العلم، وقوة العمل، ويقظة الضمير وسمو الكفاءة، وهي صفات جعلتهم نبراسا للعالم كله. ٢ - ومصعب بن عمير، وجعفر الطيار، وأبو عبيدة بن الجراح ﵃ بما لهم من أهلية وكفاءة فأسلم بدعوتهم أهل يثرب والحبشة ونجران. ٣ - وعبد الله بن مسعود وعبد الرحمن بن عوف ﵄ اللذان عرفا برواياتهم العلمية التي حوت مئات اللطائف العلمية. ٤ - والزبير وطلحة وعمار بن ياسر ﵃، ممن لم يعرف التاريخ مثلهم في الفداء وحب الحق. ٥ - وبلال وسمية وياسر وكعب وخباب الذين أنهكوا الظالمين الطغاة بثباتهم وصبر واستقامتهم على الحق. ٦ - والسكران وشموس وأم حبيبة وخنيس بما عرف عنهم من همة عالية جعلتهم يؤثرون الإقامة في الحبشة تاركين أهلهم وآقاربهم ووطنهم، في سبيل الحفاظ على دينهم. ٧ - ووليد وسويد بن الصامت الملقب بالكامل وأنيس شقيق أبي ذر ممن بلغوا في الفصاحة والبلاغة مبلغا عظيما حتى إنهم كانوا يؤثرون في العديد من القبائل بخطبة أو قصيدة واحدة، ولم يعرف أحد في الدنيا فاقهم في معرفتهم للحقائق وفهمهم للمعاني واطلاعهم على سرائر النفس البشرية. وفي تلك الأيام كان الإسلام قد انتشر خارج مكة أيضا، ونذكر على سبيل المثال: ١ - طفيل بن عمرو الدوسي وكان ملكا على منطقة باليمن، أسلم في مكة ونتيجة

стр. 82

لإسلام طفيل انتشر الإسلام في ملكه أيضا. ٢ - أبو ذر الغفاري وأخوه أنيس وأمهما ونصف قبيلة غفار. ٣ - عشرون شخصا من نصارى نجران. ٤ - ضماد الأزدي كاهن مشهور باليمن. ٥ - قبيلة بني الأشهل. ٦ - تميم ونعيم وبعض سكان الشام. ٧ - كثير من أهل الحبشة وغيرهم. إسلام بريدة ومعه ٧٠ شخصا: بينما كان النبي ﷺ متوجها إلى يثرب، لقيه في الطريق بريدة الأسلمي، وكان رئيس قومه، وكان قد خرج يبحث عن النبي ﷺ طمعا في الحصول على الجائزة التي رصدتها قريش لمن يقبض على النبي، وكانت الجائزة مائة من الإبل. إلا أنه حين مثل أمام النبي ﷺ وواتته الفرصة ليستمع إلى كلام النبي، أسلم من فوره مع سبعين رجلا كانوا معه، ثم خلع عمامته وجعلها راية بيضاء ترفرف من فوق رمحه، تبشر بقدوم الأمن، حامي السلام ناشر العدل والإنصاف في الدنيا، وفي الطريق لقي النبي ﷺ الزبير بن العوام وكان قادما من الشام وكان معه تجار من المسلمين، فكسا النبي ﷺ وأبا بكر ثيابا بيضا (١). وصول النبي ﷺ إلى قباء: وصل النبي ﷺ إلى قبا يوم الاثنين (٢) الثامن (٣) من ربيع الأول عام ١٣ من البعثة الموافق ٢٣ سبتمبر ٦٢٢م والموافق ١٠ تشري سنة ٤٣٨٣ يهودية. وكان أهل يثرب حين سمعوا أن النبي ﷺ خرج من مكة، راحوا منذ الصباح الباكر يتوقعون قدومه المبارك، وظلوا جلوسا إلى ما قبل الظهر، ولم يكد هؤلاء يعودون إلى بيوتهم حتى وصل النبي ﷺ ، واجتمع الناس على صياح رجل، كما سمعت الأناشيد ترحب بمقدم النبي ﷺ ،

стр. 83

ولم تكن عيون معظم المسلمين قد اكتحلت برؤية صاحب الرسالة، وما كانوا يعرفونه من أبي بكر الصديق حتى قام أبو بكر فأظل النبي بردائه فعرفوه (١). وبقى رسول الله ﷺ في تلك البقعة إلى يوم الخميس وكان أول عمل أنجزه أثناء إقامته في هذه الأيام الثلاثة (٢) هو بناء مسجد لعبادة الله وحده لا شريك له. وقد وصل إلى ذلك المكان علي المرتضى ﵁ وقدم إلى رسول الله ﷺ بعد أن وصل من مكة، التي بقي فيها عدة أيام بناء على طلب من النبي ﷺ لكي يؤدي الأمانات الموجودة في بيت النبي ﷺ إلى أهلها. وفي يوم الجمعة الثاني عشر من ربيع الأول السنة الأولى للهجرة ركب النبي ﷺ من قباء ولم يكد يصل إلى بيوت بني سالم حتى أدركته الجمعة فصلاه مع مائة شخص فكانت أول جمعة في الإسلام. الخطبة: خطب رسول الله ﷺ في أول جمعة جمعها بالمدينة في بني سالم بن عوف. فقال: الحمد لله، أحمده وأستعينه وأستغفره وأستهديه وأؤمن به، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى والنور والموعظة على فترة من الرسل وقلة من العلم وضلالة من الناس وانقطاع من الزمان ودنو من الساعه وقرب من الأجل. من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى وفرط وضل ضلالا بعيدا، أوصيكم بتقوى الله فإن خيرا ما أوصي به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة وأن يأمره بتقوى الله، فاحذروا ما حذركم الله من نفسه، ولا أفضل من ذلك نصيحة ولا أفضل من ذلك ذكرا وإن تقوى الله لمن عمل به على وجل ومخافة من ربه عون صدق على ما يبغون من أمر الآخرة، ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمره في السر والعلانية لا ينوي بذلك إلا وجه الله، يكن له ذكرا في عاجل أمره وذخرا فيما بعد الموت حين يفتقر المرء إلى ما قدم.

стр. 84

وما كان سوى ذلك يود لو أن بينه وبينها أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد، والذي صدق قوله وأنجز وعده لا خلف لذلك فإنه يقول ﴿ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد﴾. فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله، في السر والعلانية، فإنه من يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا، ومن يتق الله فقد فاز فوزا عظيما، وإن تقوى الله يبيض الوجوه ويرضي الرب ويرفع الدرجة. خذوا حظكم ولا تفرطوا في جب الله، قد علمكم الله كتابه ونهج لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين فأحسنوا كما أحسن الله إليكم وعادوا أعداء الله وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وسماكم المسلمين ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيى عن بينة ولا قوة إلا بالله فأكثروا ذكر الله واعملوا لما بعد اليوم، فإنه من يصلح ما بينه وبين الله يكفه الله ما بينه وبين الناس، ذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه ويملك من الناس ولا يملكون منه. الله أكبر ولا قوة إلا بالله العظيم" (١). دخول المدينة: بعد صلاة الجمعة، دخل النبي ﷺ يثرب من ناحيتها الجنوبية، ومنذ ذلك اليوم صار اسمها "مدينة النبي" ويطلق عليها اختصارا "المدينة". وكان لدخوله المدينة شأن عظيم. فكانت الشوارع والطرقات تصدح بكلمات التحميد والتقديس، وراح الرجال والنساء والشيوخ والشباب يرنون بعيونهم إلى بهاء "نور الله" وقد فهم أهل الكتاب بعدما رأوا عظمة وجلال قدوم النبي ﷺ أن ذلك هو تفسير ما ورد في كتاب النبي حبقوق (الأصحاح ٣: ٤) "الله جاء من تيمان والقدوس، من جبل فاران (٢) جلاله غطى السماوات والأرض

стр. 85

امتلأت من تسبيحه" ([ص:١٢٣١]) وكانت بنات الأنصار البريئات ينشدن بصوت عذب وبنغمة حبيبة هذه الأشعار (١). طلع البدر علينا ... من ثنيات (٢) الوداع وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع أيها المبعوث فينا ... جئت بالأمر المطاع وبنات الأنصار اللاتي أنشدن هذا النشيد، هن بنات من ذهبوا إلى مكة المكرمة في أعوام ١١، ١٢، ١٣ من البعثة وبايعوا النبي ﷺ ، أو هن بنات من أسلموا في المدينة المنورة بدعوة مصعب بن عمير أو ابن مكتوم ﵁. والأنصار (٣) الكرام لم يكونوا أصحاب ثروة أو أرض أو عقار ولكنهم كانوا يمتلكون غنى القلب، والتضحية في سبيل الإسلام، وقد وصل مبلغ تضحيتهم في سبيل أخوتهم المسلمين أن المهاجر كان حين يلجأ إلى المدينة ظمآنا ناجيا بنفسه أمام السيف المسلول والسهم المشدود في قوسه (٤). كان كل أنصاري يرغب في استضافة هذا المهاجر حتى أنهم

стр. 86

كانوا يقترعون على ذلك، فالآية الخامسة عشرة من الآيات السابق ذكرها تذكر المهاجرين الذين هربوا بأرواحهم وإيمانهم أمام بطش قريش ووصلوا إلى المدينة. فمن وقعت عليه القرعة كان المهاجر من حظه فيأخذه إلى بيته ويتقاسم معه كل ما يملك في نفس اليوم، ويظل على استعداد لخدمته ليل نهار، ويقدم شكره لله تعالى على حسن حظه حين جعل أخا له في الدين قسيما له في كل ما يملك. مقارنة بين أحوال مكة والمدينة: كانت السيادة في مكة لقريش دون غيرها، وكانت في معظمها، إن لم تكن كلها على الوثنية، أما في المدينة فقد وجدت قبائل مختلفة وأديان متنوعة، وجدت فيها الوثنية، واليهودية وقلة من النصارى، ومن قبائل اليهود القوية بنو النضير، وبنو قينقاع، وبنو قريظة، وكانت تسكن في قلاع منفصلة خاصة بها، وكانت تمتلك مالا وافرا نتيجة لعملها بالتجارة وكذا التعامل بالربا. ومنذ أن بشر (١) نبي الله موسى ﵇ اليهود في وعظه بأن الله تعالى يخلق من

стр. 87

بين إخوة موسى نبيا مثل موسى، واليهود تأمل في أن يكون هذا منهم وعلى هذا الأمل أقاموا في المدينة فلعل نبي بني إسرائيل القادم يزيل عنهم تدهورهم القومي ويحيي لهم مجدهم الضائع وبأسهم وسلطتهم التي زالت، ومنذ إخراج اليهود من الشام، ضربت عليهم الذلة والعبودية، ومنذ ذلك الوقت واليهود ينتظرون بأمل أكبر ظهور النبي الموعود.

стр. 88

والآن فرحت اليهود بصفة خاصة بعد أن سمعوا بمقدم نبي إسماعيلي إلى المدينة، ولكن حين رأوا أنه يصدق المسيح ﵇، ويصدق تعاليمه، ويجعل الإيمان بالمسيح ﵇ جزءا لا يتجزأ للإيمان بالإسلام ويخطئ اليهود بتمجيده إياه (١). عندئذ صار اليهود كلهم أعداء لنبينا ﷺ . نصارى المدينة والنبي الموعود: منذ أن بشر عيسى المسيح عبد الله المختار في آخر موعظة له بمجيء نبي آخر يبقى مع الدنيا دائما، ويعلم الدنيا كل شيء، وأوصى النصارى باتباعه، منذ ذلك الوقت والنصارى في انتظار هذا النبي، الذي سيقتص لهم من اليهود، ويمنح النصارى الجلال والعظمة، ويظهر صدق المسيح، ولكن حين رأوا النبي ﷺ يرد على النصارى القضايا التي اصطنعوها (٢).

стр. 89

مثل البنوة والتثليث والكفارة والرهبانية والسلطة الإلهية (المطلقة) للبابا، صاروا أيضا أعداء للنبي ﷺ . وللاطلاع على أحوال المدينة ينبغي أن نلقي نظرة موجزة على أحوال عبد الله بن أبي ابن سلول، كان هذا الشخص - بالإضافة إلى اليهود - رجلا ممتازا ذا تأثير في أهل المدينة، كان يخشى تماما قبيلتي الأوس والخزرج وكان يتوقع أن يصبح أكبر قوة وسلطة في المدينة بمساعدة هاتين القبيلتن القويتين، وحين رأى أن الأوس والخزرج دخلتا في الإسلام، قام - في الظاهر - (بعد غزوة بدر) بالانضمام إلى المسلمين، ولكن حين رأى أن اليهود خالفوا النبي ﷺ ، أراد أن يبقي على أثره السابق على اليهود، وأن تبقى له السيطرة على القبائل التي أسلمت، فاتبع أسلوب التودد إلى المسلمين والجلوس إليهم ومصاحبتهم، ثم يدعى أمام الأمم الأخرى أنه معهم وأنه حليفهم. ولما كان يرى أن الإسلام - في الحقيقة - قد خيب آماله فقد كان لا يتورع عن إيذاء المسلمين وإلحاق الضرر بهم - وقد سمى المسلمون هذه الطائفة "بالمنافقين". وحالة المدينة تلك توضح مدى الصعوبات والعراقيل التي واجهت الدعوة الإسلامية وواجهت صاحب الدعوة والإنسان المنصف يستطيع أن يحكم ويقرر كيف كان تخطى هذه العراقيل والمصاعب أكبر دليل على صدق الإسلام والنجاح الذي تحقق للنبي ﷺ في نشر الإسلام في المدينة المنورة مقارنة بما تحقق في مكة المكرمة مما قد ورد ذكره قبلا في القرآن الكريم. يقول تعالى: ﴿وللآخرة خير لك من الأولى﴾.

стр. 90

الباب الأول معاهدة بين الأمم لاستتباب الأمن، مؤامرات قريش وهجماتها على المسلمين، نقض اليهود للعهد، نجاح المسلمين، وحرية الدعوة إلى الإسلام، انتشار الإسلام، استتباب الأمن •---------------------------------• سبق أن ذكرنا أن المدينة كانت عامرة بأناس من مختلف الأجناس، تعددت دياناتهم وتباينت، وكان هناك عدد من قبائل اليهود يتمتع بقوة كبيرة، وكانت هذه القبائل تسكن في حصون منفصلة خاصة بها. وحين وصل النبي ﷺ المدينة رأى في السنة الأولى من الهجرة أن من المناسب عقد معاهدة بين سائر الأقوام على أصول عالمية حتى يؤسس وحدة قومية داخل الأمم متعددة النسل متعددة الأديان، فيتحقق التعاون والتكاتف بين الجميع في سبيل الحضارة والمدنية. وفيما يلي أهم فقرات هذه المعاهدة (١): "هذا كتاب من محمد النبي ﷺ بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم". إنهم أمة واحدة. وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين. وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم. وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.

стр. 91

وأن بطانة يهود كأنفسهم. وأنه لم يأثم امرؤ بحليفه. وأن النصر للمظلوم. وإن يثرب حرام جرفها لأهل هذه الصحيفة وأن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم. وأن ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله ﷺ . دخول قبائل ضواحي المدينة في المعاهدة: وقع على هذه المعاهدة جميع أقوام المدينة، وبعدها أراد النبي ﷺ أن يضم إلى المعاهدة القبائل التي تسكن ضواحي المدينة فيتحقق بذلك فائدتان: ١ - إخماد شعلة الحروب الأهلية التي كانت تدور دائما بين القبائل، وتلطخ أرض الله بدم عباد الله. ٢ - لن يتمكن قريش مكة من تحريض المعاهدين ضد المسلمين. - وقد سافر النبي ﷺ في العام الأول للهجرة لتحقيق هذا الهدف السامي إلى ودان (وتقع بين مكة والمدينة)، فوقع على هذه المعاهدة قبيلة بني ضمرة بن بكر بن عبد مناف، كما وقع أيضا على هذه المعاهدة عمرو بن مخشي الضمري (١). - كما ذهب النبي ﷺ لتحقيق هذا الهدف في شهر ربيع الأول عام ٢ هـ إلى ناحية رضوى فألحق أهل جبل بواط بالمعاهدة. - كما خرج النبي ﷺ في جمادى الآخرة من نفس السنة فبلغ ذا العشيرة وهي بناحية ينبع بين ينبع والمدينة فألحق بني مدلج في المعاهدة وعاد إلى المدينة. ولو سنحت فرصة كافية ووجد الوقت الكافي لتحقيق هذا الهدف الميمون لرأي العالم أن رسول الرحمة لم يأت إلى الدنيا لاستخدام السيف، بل لنشر الأمن والسلام بين

стр. 92

العالمين (١). قريش والهجوم على المسلمين في المدينة: كان عداء قريش كله للمؤمنين وللنبي ﷺ عداء شديدا حتى أنها لم يقر لها قرار رغم هجرة المسلمين لوطنهم واستيطانهم المدينة على بعد ثلاثمائة ميلا، وقد سبق لقريش أن حاولت استرجاع المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة، إلا أنهم لم يتمكنوا من ذلك لعدل حاكم الحبشة، ولوجود البحر حائلا بينهم وبين تحقيق هدفهم. وهكذا لم يتمكنوا من اتخاذ أي إجراء أكثر مما قاموا به، وحين بدأ المسلمون الهجرة إلى المدينة، عقدت قريش جميعها النية على مهاجمة المدينة، فكتب قريش مكة بذلك إلى عبد الله بن أبي ورفقائه من الأوس والخزرج ممن كانوا يعبدون الأوثان. المؤامرة الأولى ضد المسلمين: كتبوا إليه ما يلي: "إنكم آويتم صاحبنا، وإنا نقسم بالله لتقاتلنه أو لتخرجنه أو لنسيرن إليكم بأجمعنا حتى نقتل شبابكم ونستبيح نساءكم". فلما وصل هذا الخطاب إلى عبد الله بن أبي ورفاقه، عزموا على قتال النبي ﷺ ، وعلم النبي ﷺ بالخبر، فخرج إليهم في "مجمع" وناقشهم في الأمر. قال النبي ﷺ : لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ ما كانت تكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم، لأنكم إن قاتلتم المسلمين، فإنما تقاتلون أبناء كم وأخواتكم، وإذا أجبرتم على قتال قريش فإنما تقاتلون من هم غير أهلكم" فلما سمعوا خطبة النبي ﷺ تأثروا بها وتفرقوا (٢). المؤامرة الثانية: وبعد ذلك بدأت قريش مكة في التآمر سرا مع يهود يثرب، ولما تمكنوا من ضمهم إليهم خفية، أرسلوا إلى المسلمين - وهم يعتمدون على نجاحهم هذا - يقولون لهم

стр. 93

لا يغرنكم فراركم ناجين من مكة فإننا يمكن أن نقضي عليكم في المدينة، وبعد هذا البلاع، بدأت قريش مناوشاتها. هجوم قريش على المسلمين: في ربيع الأول من العام الثاني للهجرة وصل أحد رؤساء قريش ويدعى كرز بن جابر الفهري - إلى يثرب، وسلب مواشي أهل المدينة التي كانت ترعى في الوديان، وخرج سالما وكأنه يود أن يبين لأهل المدينة قوته وكيف تمكن من الوصول من على بعد ثلاثمائة ميل ليسلب مواشيها ويمضي سالما دون أن يتعرض له أحد. وفي رمضان من نفس العام أشاع أبو جهل في مكة أن المسلمين يريدون نهب قافلتنا المحملة بالمال والمتاع القادمة من الشام وكان هدف هذه الإشاعة جمع كل من له مال في هذه القافلة مع ذويهم وأقاربهم وكذا من يحملون كراهية للمسلمين، على حرب المسلمين وقتالهم، وقد تحقق لهم ذلك. عدد جيش قريش والتأكد من إرادته: خرج أبو جهل في جيش يتكون من ألف مقاتل متعطش للدماء، منهم سبعمائة على بعيرهم وثلاثمائة على فرسهم، وكانت القافلة التي اجتمع هذا الجيش لحمايتها قد وصلت إلى مكة سالمة إلا أن أبا جهل واصل تقدمه إلى المدينة، وهنا لم يعد لدى المسلمين أي شك في أن قريشا تريد الهجوم على المسلمين. فاستشار النبي ﷺ صحابته في هذا الأمر، فأجاب المهاجرون إجابة مطمئنة، ثم استشارهم ثانية فأجابوا إجابة مطمئنة، ثم استشارهم مرة ثالثة ففهمت الأنصار أن النبي ﷺ يعنيهم وينتظر ردهم، فقال سعد بن معاذ لعل النبي ﷺ يخشى أن تكون الأنصار ترى حقا عليها أن لا ينصروك إلا في ديارها. وإني أقول عن الأنصار، فاظعن حيث شئت وصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت وخذ من أموالنا ما شئت واعطنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت وما أمرت فيه من أمر فأمرنا نتبع لأمرك، فوالله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان لنسيرن معك، ووالله لئن استعرضت بنا هذا البحر خضناه معك. وقال المقداد:

стр. 94

يا رسول الله لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: "اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون" ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك ومن بين يديك ومن خلفك. ولم يكن المسلمون بداية على استعداد للقتال، وقد وصل عدد الأنصار والمهاجرين معا القادرين على الذهاب إلى ميدان المعركة ثلاثمائة وثلاث عشرة رجل. عدم الإذن للمسلمين بالقتال: لم يكن الإذن بالقتال قد أعطي بعد للمسلمين، لأنه لا صلة للإسلام بالحرب، فمادة كلمة الإسلام "سلم" تعني الصلح والسلام والدين الذي جاء للدنيا برسالة السلام، والدين الذي أمر أتباعه المؤمنين بالتواضع واللين، كيف له أن يأمر بالحرب؟ ضرورة الحكم بالجهاد: وكان هذا هو السبب الذي جعل المسلمين الأولين يتركون بيوتهم وأملاكهم في مكة ويهاجروا في صمت إلى الحبشة والمدينة ولكن الوضع قد تغير الآن ولم يعد هناك مفر من الحرب، ولو جلس المسلمون واضعين يدا على يد فالنتيجة الحتمية هي أنهم سيذبحون كالخراف، والخسارة الكبرى هنا أنه لن يبقى في الدنيا أحد من الموحدين، فبعد أن ظل المسيح ﵇ يعظ الناس لثلاث سنوات إلا ثلاثة أشهر، أجبرته الضرورة على أن يأمر حواريه بأن يشتروا السلاح عوضا عن الثياب والمال (لوقا ٢٢/ ٣٦) ولهذه الضرورة نفسها رحم الله المسلمين فأمرهم بالدفاع عن أنفسهم ضد أعدائهم ممن يهجمون عليهم، وذلك بعد أن صبروا وتحملوا الظلم لأربع عشرة سنة. الحكم الأول بالإذن بالجهاد: هذا هو الحكم الأول الذي به سمح للمسلمين بالجهاد، يقول تعالى: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا﴾ (الحج ٣٩ - ٤٠). ويتضمن هذا الحكم أو الإذن يالتفصيل الأسباب التي من أجلها سمح (أذن) للمسلمين بالقتال، كما يوضح هذا الحكم أيضا نوعية الحرب هجومية كانت أم دفاعية. السبب الأول: كون المدافعين مظلومين، والمهاجمين ظالمين، وهذا هو السبب الذي

стр. 95

يجيزه قانون الهند الجنائي المعمول به حاليا والمسمى بقانون حماية الاستقلال. السبب الثاني: إخراجهم من الوطن وتجريدهم من أملاكهم وذلك لمجرد الاختلاف في العقيدة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الملك المعظم ادوارد السابع كان قد وجه لرعاياه رسالة بمناسبة الاحتفال بمرور خمسين عاما على حكم الإنجليز في الهند، كان يفخر فيها بمنتهى الاعتزاز (وفخره كان في محله) بأنه لم يحدث وأن أوذي شخص ما لمجرد الاختلاف في العقيدة. إلا أن المسلمين المظلومين جميعهم بلا استثناء أوذوا وشردوا لمجرد تمسكهم بالتوحيد. و السبب الثالث: هو سبب عام يثبت أن المسلمين لم يؤذن لهم بالجهاد تحقيقا لفوائد ذاتية أو قومية أو دينية فحسب بل لأن المسلمين كانوا قد عقدوا معاهدات مع اليهود والنصارى وغيرهم من الأمم الأخرى، على أن يتمتع أتباع كل دين بالحرية الدينية الكاملة والآن إذا لم يدافع المسلمون بأرواحهم في سبيل الحفاظ على هذه المعاهدة فإن حرية جميع الأديان ستصبح في خطر، وتهدم البيع والصوامع فإذا لم توجد أمة تحافظ على المعاهدة فمن ذا الذي يعمل طبقا للمعاهدة؟ كل هذه الأسباب أوجبت على المسلمين، مع قلة عددهم وعتادهم أن يحاولوا صد المهاجمين بعيدا عن المدينة (١). هجوم قريش الثاني على المسلمين أو غزوة بدر: في رمضان عام ٢ هـ خرج النبي ﷺ مع أصحابه المسلمين من المدينة، ويمكن التعرف على مدى عدة وعتاد هذا الجيش، إذا عرفنا أن كل ما لديه كان فرسين وستين بعيرا. ومن المصادفة العجيبة أن عدد أهل بدر كان يساوي جيش طالوت حينما خرج

стр. 96

لمواجهة جالوت (١). ولما وصلوا بدرا وجدوا أن جيش العدو يفوقهم ثلاثة أضعاف في عدد المقاتلين وألف ضعف في العدة والعتاد. وقبل الحرب بيوم استعرض النبي ﷺ ميدان القتال وأنبأ بأن الله تعالى يهلك غدا فلانا هنا وفلانا هنا. ووقعت المعركة يوم الجمعة السابع عشر من رمضان (في السنة الثانية للهجرة) وقبل الحرب دعا النبي ﷺ ، الله تعالى بتضرع وخشوع وقال: "اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد" وكذلك تضرع المسلمون إلى الله بنفس الدعاء. وانهزم أهل مكة بعون الله تعالى وقتل من شجعانهم سبعون وأسر سبعون، وقتل أبو جهل أيضا الذي أثار الناس على المسلمين وتسبب في القتال، وكذلك قتل أحد عشر رجلا من رؤساء مكة الأربعة عشر الذين كانوا قد اجتمعوا في دار الندوة للتشاور في قتل النبي ﷺ ، والثلاثة الناجون أسلموا فيما بعد (٢). وكان قانون الحرب المتبع آنذاك، وتحمس المسلمين المظلومين للانتقام وضرورة إلقاء الرعب القتالي في قلوب بقية القبائل، كان كل هذا يقتضي أن يقتل أسرى الحرب، ولكن نبي الله الرحيم أفرج عنهم جميعا بعد دفع الفدية، وكانت فدية العلماء منهم هي تعليم أبناء المسلمين القراءة والكتابة. وهذه الواقعة توضح التنبؤ الذي ورد في أصحاح أشعياء٢١/ ١٦، ١٧ إذ يقول: "في مدة سنة كسنة الأجير، يفنى كل مجد قيدار وبقية عدد لمحسي أبطال بني قيدار تقل". كما يوضمح ما ورد ذكره في القرآن الكريم حين أذن للمسلمين بالقتال يقول تعالى: ﴿إن الله على نصرهم لقدير﴾ ولهذا ورد اسم هذه الغزوة في القرآن الكريم باسم "يوم الفرقان" لأنه وضح لأهل الكتاب وللمسلمين من خلال هذه التنبؤات الدليل القوي على صدق الإسلام، وقد ذكر الله تعالى في القرآن الكريم هذه الواقعة بالألفاظ التالية: ﴿ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون﴾ (آل عمران: ١٢٣).

стр. 97

مؤامرة قريش الثالثة والاستعداد لقتل النبي ﷺ -: يحكى أنه بعد عدة أيام من غزوة بدر، اجتمع صفوان بن أمية - وكان أبوه قتل في بدر - وعمير بن وهب - وكان ابنه أسيرا في يد المسلمين. في مكان خارج مكة يتشاورون ضد النبي ﷺ . قال عمير: لولا دين علي ليس له عندي قضاء وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي لذهبت إلى المدينة وقتلت محمدا وعدت. قال صفوان: علي دينك أنا أقضيه عنك، وعيالك نفقتهم علي ما دمت حيا. قال عمير، فاكتم علي شأني وشأنك. ثم أمر عمير بسيفه فشحذ له ووضع عليه السم وانطلق من مكة. وصل عمير المدينة ولم يكن ينيخ بعيره أمام المسجد النبوي حتى (برطم) البعير، فرآه عمر الفاروق فعرفه، وفهم أن هذا الشيطان ما جاء إلا لمفسدة، فدخل عمر على النبي ﷺ . وقال له هذا عمير بن وهب جاء متوشحا سيفه، فقال النبي ﷺ أدخله علي. فأخذ عمر ﵁ بحمالة سيفه، في عنقه ودخل به على النبي ﷺ فرآه النبي ﷺ فقال، أرسله يا عمر، أدن يا عمير، فدنا عمير وسلم، فسأله النبي: قل ماذا جاء بك. فقال جئت أعرف أحوال ابني. فسأله النبي، فما بال هذا السيف. فقال عمير: قبحها الله من سيوف وهل أغنت سيوفنا شيئا في السابق فقال النبي ﷺ اصدقني ما الذي جئت له؟. فردد عمير جوابه السابق مرتين. فقال النبي ﷺ : بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر خارج مكة وتحدثتما معا؟ وتحمل لك صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلني له، والله حائل بيني وبينك. فدهش عمير وقال: أشهد أنك رسول الله.

стр. 98

قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء وما ينزل عليك من الوحي وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فالحمد لله الذي هداني للإسلام. فقال النبي ﷺ للصحابة: فقهوا أخاكم في الدين، وأقرءوه وعلموه القرآن وأطلقوا له ابنه. فقال عمير: يا رسول الله إني أحب أن تأذن لي فأقدم مكة فأدعو الناس إلى الإسلام، وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أوذي أصحابك في دينهم. وكان صفوان حين خرج عمير إلى المدينة يقول لقريش: أبشروا بوقعة تأتيكم في أيام تنسيكم صدمة بدر، فلما عرف صفوان خبر إسلام عمير صدم صدمة كبيرة وأقسم ألا يكلمه أبدا ما دام حيا، وألا ينفعه بنفع أبدا (١). وقدم عمير مكة وراح يدعو للإسلام. وأسلم على يده عدد كبير من الناس. هجوم قريش الثالث وغزوة السويق أو قرقرة الكدر (السبت ٧ شوال سنة ٣ هـ): بعد هزيمة بدر أقسم أبو سفيان بن حرب ألا يغتسل أو يتطهر، حتى ينتقم من المسلمين، وهكذا خرج في مائتي من مكة، وحين وصل بالقرب من المدينة، دخل في جنح الظلام وحده إلى المدينة والتقى بسلام بن مشكم اليهودي وشاوره في الأمر، ويبدو أنهما اتفقا على أن الوقت غير مناسب للمواجهة ولهذا خرج أبو سفيان في عقب ليلته، فأشعل النار في أشجار المسلمين المثمرة وفي نخيلهم وقتل مسلما مع حليفه وعاد. وبعد انتشار الخبر تابعهم المسلمون حتى قرقرة الكدر ولهذا سميت هذه الغزوة باسم قرقرة الكدر، وقد رجع المسلمون وقد فاتهم أبو سفيان وأصحابه وقد رأوا من مزاود القوم قد طرحوه في الحرث يتخففون منه للنجاة ولذلك سميت غزوة السويق (٢). هجوم قريش الرابع (غزوة أحد): وفي العام التالي هاجمت قريش من جديد المدينة، وفي هذه المرة قامت قريش بجمع الأموال والتبرعات من عموم الناس، وكان الشاعر أبو عزة الجمحي يجوب تهامة

стр. 99

يحث بني كنانة على مساعدة قريش، وقد ضم هذا المال خمسين مثقالا من الذهب وألف بعير لم يكن قد تم تقسيمها من تجارة الشام. وهكذا تقدم إلى المدينة جيش مكون من خمسة آلاف (١) مقاتل، منهم ثلاثة آلاف على البعير ومئتان من الخيالة وسبعمائة مقاتل من المشاة المدرعين - وكان رأي النبي ﷺ ألا يخرجوا من المدينة وأن يبقوا بداخلها مدافعين عنها، إلا أن الرأي كان للأغلبية وهكذا خرج المسلمون للقتال عند جبل أحد الأحمر والواقع على بعد تسعة آلاف ياردة من المدينة. وكان جيش المسلمين يتكون من ألف مقاتل، وفي نفس الوقت غدر عبد الله بن أبي بالمسلمين فانسحب بمن معه وكانوا ثلاثمائة مقاتل، وهكذا كانت المواجهة بين خمسة آلاف (امتلأوا حقدا وحنقا) وبين سبعمائة من المسلمين. وفي بداية المعركة هزم المسلمون الأعداء، وقتل اثنا عشر رجلا من حاملي راياتهم (منهم ثمانين قتلوا بيد علي المرتضى ﵁ ولكن رماة المسلمين تركوا مواقعهم التي أمرهم النبي ﷺ بالثبات فيها، وانتهز الكفار اللئام الفرصة فالتفوا حول المسلمين فأحاطوا بهم. وهكذا أصيب جيش المسلمين بخسارة فادحة وتشتت الجزء الأكبر منه. وكان قد بقي مع النبي من الصحابة اثنا عشر صحابيا فقط (٢) منهم أبو بكر ﵁، وعمر وعلي، وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وأبو عبيدة بن الجراح ﵃ وغيرهم. وأخذ الأعداء يرمون نبي الله بالحجارة، فجرحت جبهة النبي ﷺ بحجر ابن قمئة، وجرح عضد النبي ﷺ بحجر ابن هشام وكسرت أربعة أسنان للنبي ﷺ من حجر عتبة، وسقط النبي ﷺ في حفرة، وشاع خبر بأن النبي ﷺ قد قتل، فأقبلت نسوة من المدينة على عجل، فقامت فاطمة البتول ﵂ فغسلت جراح أبيها، ولما رأت أن الدم ينزف من جبهته وضعت عليها قطعة من حصير أحرقتها. وكان علي المرتضى ﵁ يأتي بالماء بينما حملت عائشة وأم سليم القربة تسقيان الجرحى (٣)، واستشهد في ميدان المعركة

стр. 100

سبعون صحابيا (١). ومن أعظم خسائر الحرب، شهادة مصعب بن عمير (٢) الذي قدم المدينة للدعوة وأسلمت بدعوته قبيلتا الأوس والخزرج وكانت زوجة حمنة بنت جحش قد استشهد أخوها وخالها في نفس اليوم، وحين علمت بخبر شهادة أخيها قالت إنا لله وإنا إليه راجعون ودعت له، وحين أخبرت بشهادة زوجها مصعب بن عمير صاحت وولولت، فقال النبي ﷺ إن زوج المرأة منها بمكان. وفي هذه المعركة استشهد حمزة (أسد الله ورسوله) عم النبي ﷺ وقد مثل به الأعداء، وأقبلت صفية أم الزبير بعد المعركة لترى جسد أخيها حمزة، فأوقف الزبير أمه، فقالت صفية ﵂: قد بلغني أنه مثل بأخي، ولكن هذا مدعاة لفخرنا يا بني، لأحتسبن ولأصبرن، سأدعو له الله ثم أعود (٣). تضحية أنس بن نضر: واستشهد في هذه المعركة أنس بن نضر ﵁، وكان قد رأى بعض شجعان المسلمين وقد ألقوا بأسلحتهم وجلسوا يلفهم الحزن والغم، فسألهم عن حالهم فقالوا، مات رسول الله فقال لهم: قوموا وموتوا على ما مات عليه رسول الله، فما تصنعون بالحياة من بعده؟ ثم قاتل حتى قتل وبه سبعون جرحا (٤). رسالة سعد بن الربيع للمسلمين عند وفاته: وفي هذه المعركة استشهد سعد بن الربيع، وقد أرسل النبي ﷺ بعد انتهاء القتال من يبحث عنه، فوجده أحدهم يلفظ أنفاسه بين الجرحى، فسأله عن حاله فقال سعد، اعتبرني الآن في عداد الموتى، أبلغ رسول الله عني السلام وقل له جزاك الله خير ما جزى به نبي عن أمته وأبلغ عني قومك السلام وقل لهم إنه لا عذر لكم عند الله وفيكم عين تطرف (٥).

стр. 101

وعن رجل من الصحابة أنه دخل على أبي بكر، وعلى صدره بنت صغيرة يقبلها، فسألت، من هذه؟ فقال هذه بنت سعد بن الربيع هي خير مني، وهو يعد من النقباء يوم القيامة (١). عمارة بن زياد ولذة الوت: واستشهد في هذه المعركة أيضا عمارة بن زياد، وقد أسلم الروح وخده عند قدم رسول الله ﷺ (٢) وما أحسن ما قاله شاعر بالأردية عن هذه الواقعة: "رأسي تحت قدمه وقت الذبح، الله أكبر ما أسعد هذا الحظ، هذا موضع الغنيمة". شجاعة أبي دجانة وحنظلة وعلي وطلحة: وقد برزت وقائع عظيمة تشهد على الشجاعة البالغة والفداء والتضحية من جانب أبي دجانة وحنظلة (غسيل الملائكة) وطلحة وعلي ﵃، حمى طلحة النبي ﷺ من السهام الموجهة إليه ورمى بسهم في يده فشلت يده على الدوام. قوة إيمان امرأة من بني دينار: كانت امرأة من بني دينار، استشهد أبوها وأخوها وزوجها في هذه المعركة، كانت تقول أخبروني عن حال الرسول، وحين أخبرها الناس بأنه بفضل الله بخير وبعافية، قالت: أرونيه، فإذا ما رأته قالت من فورها: "كل مصيبة بعدك جلل" (٣). رحمة للعالمين وعفوه: قال بعض الصحابة لرسول الله (وكان قد أصيب بعدة جروح) ليتك تدعو على هؤلاء المشركين، فقال ﷺ : "إني لم أبعث لعانا ولكن بعثت داعيا ورحمة (٤)، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون" (٥).

стр. 102

مؤامرة قريش الرابعة وقتل عشرة من دعاة الإسلام: اتخذ الأعداء بعد غزوة أحد عدة سبل لإنزال الخسائر بالمسلمين وهكذا، وفي سنة ٤ للهجرة: ١ - أرسلت قريش سبعة أشخاص من قبيلة عضل وقارة إلى النبي في المدينة ليخبروه أن أهل قبيلتهما على استعداد للدخول في الإسلام، وليطلبوا منه أن يرسل معهما من يفقهوهم في الدين، فأرسل رسول الله ﷺ معهم عشرة من الصحابة وأمر عليهم عاصم ابن ثابت (١)، وحين وصل الصحابة إلى مكان بين عسفان ومكة هجم عليهم مائتا رجل من الرماة يريدون أن يعتقلوهم أحياء فصدهم الصحابة واستشهد منهم ثمانية، واعتقل خبيب بن عدي وزيد بن دثنة فأخذهما سفيان الهزني إلى مكة وباعهما لقريش. خبيب وزيد في الأسر: وسجنتهما قريش عدة أيام في بيت الحارث بن عامر، وفي يوم من الأيام كان للحارث طفل يلهو بمدية حادة وجاء عند خبيب فأجلس الطفل على ركبتيه، وأخذ المدية، وحين رأت أم الطفل أن الطفل أخذ المدية وراح عند الأسير الذي لم يطعم شيئا ولم يسقى شيئا منذ أيام، صرخت دون أن تدري، فقال خبيب، هل تظنين أنني قاتل الطفل ... ألا تعرفين أن الغدر ليس من طبع المسلمين. وقام الظالمون من قريش بعد عدة أيام فوضعوا خبيبا وصاحبه تحت الصليب وقالوا لهما: لو تركتما الإسلام لنجوتما بروحيكما فقال الصحابيان الجليلان: إذا فقدنا الإسلام فماذا نفعل إذا امتلكنا روحينا". فسألتهما قريش عما يتمنياه، فقال خبيب: ذروني أركع ركعتين، فأمهل حتى أدى الصلاة، ثم قال: لولا أن تظنوا أن ما بي جزع لطولتها (٢). وقام القساة بصلبهما وأمروا الطاعنين بطعنهما في كل موضع في جسميهما. الله أكبر! كم كان ثبات قلوبهم على الإسلام! وكم كانت استقامتهم على دين الحق. وكم كان إيمانهم بالنجاة الأبدية وبرضا الله تعالى، حتى تحملوا كل هذه الآلام

стр. 103

وكل هذا الإيذاء ولم ينطقوا بكلمة أو حتى يتأوهوا. مقارنة بين حب النفس وحب الرسول: قام أحد الظالمين القساة بضرب خبيب في كبده وسأله: قل أتحب أن محمدا عندنا الآن نضرب عنقه وأنت في أهلك، فأجاب خبيب في حماس، يعلم الله ما أحب أن محمدا الآن تصيبه شوكة في قدمه وأنا أنجو بنفسي (١) وانطلق العبد الصالح وفتى الفتيان ينشد هذه الأبيات على البديهة وهو في مقتله تحت الصليب ووسط جموع المتفرجين وهي تصور بصدق ذلك المشهد العظيم وتبين مدى صدق إيمان الصحابي الجليل خبيب ومدى حبه للإسلام. لقد جمع (٢) الأحزاب حولي وألبوا ... قبائلهم واستجمعوا كل مجمع وكلهم مبدي العداوة جاهد ... علي لأني في وثاق بمصيع وقد جمعوا أبناءهم ونساءهم ... وقربت من جذع طويل ممنع إلى الله أشكو غربتي ثم كربتي ... وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي فذا العرش صبرني على ما يراد بي ... فقد بضعوا لحمي وقد يئس مطعمي وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع وقدخيروني الكفر والموت دونه ... وقد هملت عينا لي من غير مجزع وما بي حذر الموت إني لميت ... ولكن حذاري حجم نار ملفع ولست أبالي حين أقتل مسلما ... على أي شق كان في الله مصرعي فلست بمبد للعدو تخشعا ... ولا جزعا إني إلى الله مرجعي وكان آخر كلام خبيب هذا الدعاء اللهم إنا قد بلغنا رسالة رسولك فبلغه الغداة ما يصنع بنا.

стр. 104

وكان سعيد بن عامر ﵁ (وهو من عمال عمر بن الخطاب على الشام) تصيبه أحيانا غشية، فسأله عمر الفاروق ﵁ عن السبب فقال: ما بي من بأس ولكني كنت فيمن حضر خبيب بن عدي حين قتل وسمعت دعوته، فوالله ما خطرت على قلبي وأنا في مجلسي قط إلا غشي علي. مؤامرة أخرى وقتل سبعين من دعاة الإسلام: وقد خدع أبو براء عامر بمثل ذلك أيضا، فقد قدم على النبي ﷺ وطلب منه أن يرسل معه بعض دعاة الإسلام إلى أهل نجد، وكان ابن أخيه رئيس نجد، وأكد عامر على أنه سيتولى حماية الدعاة، فأرسل معه النبي المنذر بن عمرو على رأس جماعة تتكون من سبعين صحابيا من خيار المسلمين فضلا وعلما وقراءة للقرآن، وحين وصلوا إلى بئر معونة وكانت منطقة بني عامر نزلوا هناك، ثم بعثوا بحرام بن ملحان بكتاب النبي ﷺ إلى عامر ابن طفيل الذي أمر بقتل السفير، وكان جبار بن سلمى هو الذي طعنه بالحربة من خلفه على إثر إشارة هذا الحاكم الظالم، فلما نفذت الحربة قال وهو يسقط "فزت ورب الكعب" ووقعت هذه العبارة في نفس القاتل وأثرت فيه حتى إنه أتى النبي ﷺ وأعلن إسلامه. وأمر الحاكم بقتل الدعاة كلهم جميعا، وقدم كعب بن زيد - الذي بقى على قيد الحياة ونجا بعد طعنه بالخنجر - فأخبر النبي ﷺ بما حدث. هجوم قريش الخامس ونقض العهد أو فتح مكة: وفي نفس العام الثامن من الهجرة اضطر المسلمون للهجوم على مكة في شهر رمضان وذلك لأن المعاهدة التي عقدتها قريش مع النبي ﷺ في الحديبية سنة ٦ هـ، كان من بين بنودها ما يلي: "أن توضع الحرب عشر سنين فمن أحب أن يدخل في عهد الرسول وعقده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عهد قريش وعقدهم دخل فيه" وبناء عليه دخلت بنو بكر في عقد قريش ودخلت خزاعة في عقد رسول الله ﷺ . ولم تمض سنتان على المعاهدة حتى هاجمت بنو بكر خزاعة وقامت قريش فأمدت بني بكر بالأسلحة، وقاتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفيا مثل عكرمة بن أبي

стр. 105

جهل وسهيل بن عمرو وهو الذي وقع صلح الحديبية وصفوان بن أمية (١). وطلبت خزاعة الأمان واتخذت من الكعبة ملجأ وقالت: إلهك إلهك. فقيل. لا إله اليوم (٢) - يا بني بكر أصيبوا ثأركم. ووصل أربعون نفرا من هؤلاء المظلومين الذين فروا بأرواحهم إلى النبي ﷺ في المدينة، وقصوا على النبي قصة ما تعرضوا له من ظلم ودمار، ونظم عمرو بن سالم الخزاعي تلك الأحداث وجاء من بين ما قاله: إن قريشا أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكدا وجعلوا لي في كداء رصدا ... وزعموا أن لست أدعو أحدا وهم أذل وأقل عددا ... هم بيتونا بالوتير (...) هجدا ... فقتلونا ركعا وسجدا ... (٣) والتزاما بالمعاهدة، وانتصارا للمظلوم، وحماية للقبائل المحالفة انطلق رسول الله ﷺ إلى مكة في عشرة آلاف من المسلمين (٤) وبعد أن ساروا مرحلتين لقيهم أبو سفيان بن

стр. 106

الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن أبي أمية، وكانوا من الذين بالغوا في إيذاء النبي ﷺ وحاولوا كثيرا القضاء على الإسلام، فرآهما الرسول ﷺ وأعرض عنهما. فقالت له أم سلمة: يا رسول الله أبو سفيان ابن عمك، وعبد الله ابن عمتك وبعدها قال علي لأبي سفيان أن يأتي النبي بمثل ما قاله إخوة يوسف وذلك طلبا لعفو الرسول، فجاء أبو سفيان وقرأ للنبي الآية: ﴿تا الله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين﴾ فقال له الرسول ﷺ ﴿لا تثريب عليكم اليوم. يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين﴾. ولما سمع أبو سفيان ذلك أنشد هذه الأشعار وقد اعتراه حماس وسرور ونشوة: لعمرك إني حين أحمل راية ... لتغلب خيل اللات خيل محمد لكالمدلج الحيران أظلم ليلة ... فهذا أواني حين أهدي فأهتدي هداني هاد غير نفسي ودلني ... على الله من طردت كل مطرد فقال النبي ﷺ : نعم أنت طردتني كل مطرد (١). وكان النبي ﷺ يحب أن يباغت أهل مكة فكان كذلك (٢). إذ لم يعلموا بقدومه

стр. 107

المبارك إلا حين وصل مكة وضرب خيامه خارجها وأمر بإيقاد النار إعلاما منه بالوصول. وفي اليوم التالي أمر النبي ﷺ بدخول الجيوش مكة من طرق مختلفة وأن تلتزم الجيوش بالأحكام التالية: ١ - أن لا يقتل من ألقى السلاح. ٢ - أن لا يقتل من دخل الكعبة. ٣ - أن لا يقتل من بقي جالسا في بيته. ٤ - أن لا يقتل من دخل دار أبي سفيان. ٥ - أن لا يقتل من دخل دار حكيم بن حزام. ٦ - أن لا يعقب الهارب. ٧ - أن لا يقتل الجريح. ٨ - أن لا يقتل الأسير. ولم تصدر مقاومة للفرق التي دخلت مكة إلا لتلك التي قادها خالد بن الوليد، وقد انتهت بفرار المقاومين، وقد قتل في هذه المواجهة اثنان من المسلمين وثمانية وعشرون من غير المسلمين.

стр. 108

ودخل رسول الله مكة في العشرين من رمضان، خاشعا خاضعا لله (١) يتلو سورة الفتح، متوجها إلى بيت الله على ناقته (٢) وأردف معه أسامة بن زيد مولاه، ولما وصل ﷺ هناك قام أولا بتطهير بيت الله من الأصنام، وكان فيه آنذاك ٣٦٠ صنما، فكان ﷺ يوقع صنما صنما بقضيب في يده وهو يتلو قول الحق: ﴿جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا﴾ (الإسراء: ٨١). ﴿جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد﴾ (سبأ:٤٩). فما أن فرغ من ذلك حتى دعا عثمان بن أبي طلحة، وكان مفتاح الكعبة لدى أسرته منذ مدة. وفي بداية أيام النبوة أمر النبي ﷺ عثمان بن أبي طلحة أن يفتح بيت الله، فرفض، فقال رسول الله ﷺ ، لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدي أضعه حيث شئت، فقال عثمان أهلكث قريش يومئذ وذلت؟ فقال النبي ﷺ : "بل عمرت وعزت" (٣). أخذ النبي ﷺ مفتاح باب بيت الله وفتحه، وكبر في نواحيه وصلى لله شكرا وسجد لله تضرعا وإنابة. وتجمع في ذلك الوقت جميع رؤساء مكة وكبارها ممن: ١ - قتلوا أو أمروا بقتل عشرات المسلمين. ٢ - آذوا مئات المسلمين وأخرجوهم من بيوتهم. ٣ - سافروا إلى الحبشة والشام ونجد واليمن للقضاء على الإسلام والمسلمين. ٤ - هاجموا المدينة مرات عديدة فأقلقوا حياة المسلمين بعد أن اضطروهم للهجرة بعيدا عن ديارهم (٣٠٠ ميل).

стр. 109

أي جميع أولئك الناس الذين بذلوا قصارى جهدهم بالمال والجهد والحيلة والسلاح والغش والخدل، من أجل "إبادة المسلمين"، طوال واحد وعشرين سنة، إلا أن رسول الله الذي بعثه الله رحمة للعالمين، جلس بعد الصلاة، فطلب العباس (عم الرسول) أن يعطى مفتاح بيت الله لبني هاشم، فقال النبي ﷺ : "اليوم يوم البر والوفاء" واستدعى عثمان بن أبي طلحة، وسلمه مفتاح الكعبة وقال: "لا ينزعها منكم إلا ظالم" (١). خطبة النبي ﷺ بعد فتح مكة أمام المهزومين والأعداء: ثم توجه النبي ﷺ إلى الجماعة التي استوجبت القتال وقال: "يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس من آدم "وآدم خلق من تراب" ثم تلا هذه الآية: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ ثم قال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء" (٢). بيعة المسلمين وشروطها: ثم توجه النبي ﷺ إلى جبل الصفا فجلس يتلقى البيعة على الإسلام، وكان عمر ابن الخطاب يأخذ على الناس واحدا واحدا وتضمنت البيعة ما يلي: ١ - إني لا أشرك بالله أحدا في ذاته وصفاته واستحقاقه للعبادة والاستعانة. ٢ - لا أسرق ولا أزني ولا أقتل نفسا بغير حق، ولا أقتل البنات ولا آتي ببهتان. ٣ - إني أطيع النبي ﷺ في أمور الحق على قدر الاستطاعة. وبايع النساء على ما بايع الرجال وزاد: "ألا يخمشن الوجوه حدادا على أحد، ولا يلطمنها ولا يثرن الرؤوس ولا يشققن الجيوب ولا يلبسن السواد ولا يجلسن على القبور حزنا". وكان النبي ﷺ إذا بايع النساء وضع يده في إناء فيه ماء ثم أخرجها، فتأتي من تريد مبايعته فتضع يدها فيه، وفي مناسبات أخرى كان يأخذ عليهن البيعة بالقول فقط. ويذكر أنه في اليوم التالي من الفتح وبينما كان النبي ﷺ يطوف بالكعبة إذا بفضالة

стр. 110

ابن عمير الملوح يراها فرصة ويعزم على قتل النبي، فلما دنا منه قال النبي ﷺ : أفضالة؟ فقال فضالة: نعم. فقال النبي ﷺ : ماذا كنت تحدث به نفسك الآن؟ قال فضالة: لا شيء، كنت أذكر الله. فضحك النبي ﷺ وقال: استغفر ربك، ثم وضع يده على صدره. يقول فضالة: والله ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيء أحب إلي منه. فرجعت إلى أهلي فمررت بامرأة كنت أتحدث إليها، فقالت، هلم يا فضالة إلى الحديث، فقلت لا - يأبى الله والإسلام ذلك (١). وبيان سيرة النبي ﷺ لا يعد كاملا إذا لم يذكر عفوه عن الإساءات التي تعرض لها في مكة، ومن الواضح أنه ﷺ أمر جميع جيشه قبل دخول مكة ألا يهاجموا أحدا، ولكنه ﷺ أمر بقتل أربعة رجال وامرأتين وجب القصاص منهم لجرائمهم السابقة، فقتل من الرجال الأربعة ابن خطل فقط، وكان مسلما (وارتد) وقد قتل غلامه لأنه لم يعد له الطعام في وقته وفر هاربا إلى مكة - وأصدر العفو عن الثلاثة الآخرين عكرمة بن أبي جهل، وهبار بن الأسود وعبد الله بن أبي سرح. ١ - أما عكرمة فبالإضافة إلى أنه ابن أبي جهل، فقد قاتل المسلمين مرارا وكان سببا فيما أصاب بني خزاعة حلفاء المسلمين. ٢ - وأما هبار فهو الذي عرض للسيدة زينب بنت رسول الله ﷺ وهي تركب الهودج من مكة إلى المدينة فنخس بها حتى سقطت وأسقطت جنينها وتوفيت في النهاية من جراء هذه الصدمة، وقد أسلم فيما بعد وحسن إسلامه. ٣ - وأما عبد الله بن أبي سرح فكان يزعم أن الوحي يأتيه وأن محمدا يتلقى منه ثم يملي عليه الله أكبر، ما أرحم نبي الرحمة الذي عفا عن هؤلاء المجرمين. ومن بين المرأتين نفذ القصاص في امرأة ارتكبت جريمة القتل العمد وصدر العفو عن هند زوجة أبي سفيان، وهي التي مضغت كبد حمزة عم النبي ﷺ وجدعت أنفه وأذنه
следующие страницы →