← История

История · id 14329

المرآة

حمدان خوجة

Полный текст (260 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

حمدان بن عثمان خوجة المرآة تقديم تعريب وتحقيق د. محمد العربي الزبيري منشورات ANEP

стр. 2

سلسلة التراث: صدر عن نفس المجموعة • مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي لمالك بن نبي • الليلة المتوحشة لمحمد ديب • ليل الإستعمار لفرحات عباس • وجهة العلم الإسلامي لمالك بن نبي • نصوص مختارة لعبد الحميد بن باديس • Le miroir, hamdan Khodja • La nuit coloniale, Ferhat Abbas • lettre aux français, Emir Abdelkader • Les Mémoires de Messali Hadj, Messali Hadj • L'avenir de l'Islam et autres écrits. Si M'hamed Benrahal • Lettre au Président Wilson et autres écrits. Emir Khaled • Visages d'Algérie, Assia Djebar • L'Algérie. Civilisations anciennes du Sahara, Abdelaziz Ferrah • L'Etoile Nord-Africaine, collectif • OEuvre poétique, Bachir Hadj Ali • El Fuldj, captif des Barbaresques, Chukri Khodja • Les poèmes de Si Mohand, Mouloud Feraoun • Les conditions de la renaissance, Malek Bennabi

стр. 3

تصدير وأنا أطوي كتاب حمدان خوجة ـ[المرآة]ـ وهو الأول ضمن سلسلة من عشرة كتب كانت محطات في تاريخ الفكر السياسي في بلادنا منذ أن أرخى عليها (الليل الإستعماري) سدوله، عشرة كتب بادرت المؤسسة الوطنية للإتصال والنشر والإشهار مشكورة بمناسبة الصالون الدولي العاشر للكتاب، بإصدارها مجتمعة في إطار الإحتفال بالذكرى الخمسين لثورتنا التحريرية الوطنية، اعتراني تأثر كبير من حيث أنني مواطن جزائري ورئيس الجمهورية الجزائرية الديموقراطية الشعبية لكن كذلك من حيث أنني مسلم محب للإنسانية، يعتقد الإعتقاد الراسخ أن الثقافات والحضارات على تنوعها العجيب، تنبجس من منبع انساني واحد. وتمثل جوانب مختلفة للحضارة الإنسانية الشاملة، وتستطيع بالتالي، مهما كانت الصعوبات، التحاور فيما بينها. إن كتاب ـ[المرآة]ـ هو بالفعل الوثيقة الوحيدة ذات الأهمية الموضوعة من قبل جزائري، التي وصلت إلينا والتي تشهد على الكارثة التي أوقعها الاحتلال الفرنسي على الجزائر العاصمة وما جاورها، بعد استسلام الداي حسين ورحيله إلى المنفى من قبل حتى أن يتخد التدخل الفرنسي شكل استراتيجية غزو استدماري ممنهج لبلادنا.

стр. 4

لقد سلم كتاب ـ[المرآة]ـ من التدمير والتخريب الشاملين اللذين طالا تراثنا قاطبة بما في ذلك، بل وخصوصا، تراثنا المكتوب، لأن حمدان خوجة نشره بباريس باللغة الفرنسية سنة ١٨٣٣، إنه كتاب يمكن، بل يجب قراءته بصفته شهادة على الغزو الإستدماري وإدانه لما كان عليه منذ مهلته الأولى: أي عملية إبادة للحضارة والتمدن لا يمكن أن تنجح إلا بفناء ساكنة الجزائر وإبادتها. إلا أنه لا ينبغي قراءة كتاب ـ[المرآة]ـ بصفته بيانا مناهضا للاستعمار وكفى. فبالنسبة لهذا الكرغلي المنتمي الى الأقلية الحاكمة التركية، الذي سافر إلى أوروبا والذي كان يحسن الفرنسية والانجليزية، إذا كان الاحتلال الفرنسي أمرا سلبيا على الإطلاق، فإن الإطاحة بالداي حسين. بفعل الاجتياح العسكري الفرنسي، يمكن أن تكون لها آثار إيجابية من حيث أنها تفتح المجال أمام إمكانية تحديث المجتمع الجزائري وانبعاثه وفق نمط الدولة الوطنية. إن مسعى حمدان خوجة وفكره السياسي في مجملهما. إلى غاية ذهابه إلى المنفى باسطنبول سنة ١٨٣٦ والتحاقه بالرفيق الأعلى سنة ١٨٤٢، كان يرومان تحقيق هدف ذي أبعاد ثلاثة، إعادة رسم استقلال الجزائر على أساس إقامة دولة وطنية ومباشرة حوار مع فرنسا يضع حدا لمواصلة حرب الإبادة ومباشرة تحديث المجتمع الجزائري. إن حمدان خوجة، بعيدا عن بعض ما نشهده حاليا من تخوفات وتشنجات، لا يخشى التحديث هذا، خاصة عنى المستوى الفكري والسياسي، بل إنه ينشده، ويتطلع إليه ولايعتبر تحقيقه صعبا مستعصيا: (وفي أثناء رحلتي إلى أوربا، درست مبادئ الحرية الأوروبية التي تشكل أساس الحكم التمثيلي والجمهوري، ووجدت أن هذه المبادئ كانت تشبه المبادئ الأساسية لشريعتنا إذا استثنينا فارقا بسيطا في التطبيق، وعليه فكل من يدرك الشريعتين إدراكا صحيحا يستطيع الموافقة بينهما.

стр. 5

لم يمتد العمر بحمدان خوجة حتى يشهد تجسيد الهدف الثلاثي الأبعاد هذا للجزائر، فجهوده في سبيل ترقية الوحدة الوطنية بإصلاح ذات البين بين أحمد باي، باي قسنطينة، والأمير عبد القادر باءت بالفشل، شأنها في ذلك شأن الحوار مع السلطات الفرنسية. لقد تعين مرور ١٣٠ سنة من الإبادة ومن إعادة تشكيل عموم مجتمعنا على وقع توالي ضربات النظام الاستدماري كي تبثق أفكار حمدان خوجة النيرة أخيرا وتخرج من حجب ظلام (الليل الاستدماري). فقبلت الدولة الفرنسية، في مارس ١٩٦٢، على أسس أخرى وبعد معاناة طويلة. قبلت على مضض الاعتراف بسيادة الدولة الوطنية الجزائرية واستقلالها. منصفة حمدان خوجة ضد الجنرال كلوزيل وصوت التحديث السلمي والإرادي ضد التحديث الحربي والإبادي. رجاؤنا هو أن يملأ، في ٢٠٠٥. صوت حمدان خوجة الأسماع في ضفتي البحر الأبيض المتوسط. عبد العزيز بوتفليقة

стр. 6

مقدمة هل تتجدد مصائب القرن السادس عشر في القرن التاسع عشر؟ إن كل ما وقع في الجزائر، منذ ثلاث سنوات، يفرض علي واجبا مقدسا يتمثل في التعريف بالوضع الحقيقي لهذا البلد قبل الغزو وبعده، وذلك لألفت انتباه رجال الدولة الى هذا الجزء من العالم، ولأقدم لهم ما لدي من معلومات وأنورهم حول بعض النقاط التي لا شك أنهم يجهلونها. أفعل ذلك لعلهم يبدون عطفهم على الجزائريين عندما يرون أوضاعهم. وبسرد الشرور التي تعرض لها أبناء وطني، فانني أريد، كذلك، أن أرفع من معنويات بعض المساكين. ومن الصعب جدا أن أجد، في مسألة الجزائر، جانبا إيجابيا بالنسبة للأهالي. إنني لا زلت أبحث بدون جدوى عن مسليات لهؤلاء السكان. فمصالحهم مجهولة، وآمالهم مغيبة، ولا شفقة عليهم ولا رحمة ولا عدالة، وبالتالي، فإنني أتساءل لماذا تزعزع بلادي في جميع أسسها وتصاب في جميع مبادئها الحيوية. وإلى جانب ذلك أنظر إلى الأوضاع التي توجد عليها دول أخرى مجاورة لنا، فلا أرى أية واحدة

стр. 7

منها مجبورة على تحمل ظروف مشابهة للظروف المفروضة علينا: إنني أرى اليونان تساعد وتتكون على أساس متين بعد أن فصلت عن الامبراطورية العثمانية، وأرى شعب بلجيكا يفصل عن هولنده بسبب بعض الاختلاف في المبادىء للسياسية الدينية، وأرى، جميع الشعوب الحرة تهتم بالبولونيين وباسترجاع سيادتهم، كما أنني أرى الحكومة الإنكليزية تخلد مجدها بعتق الزنوج، ويضحي البرلمان البريطاني بنصف مليار للمساعدة على ذلك العتق، وعندما أدير البصر إلى بلاد الجزائر، فإنني أرى هؤلاء السكان المساكين يرزحون تحت نبر الاستبداد معرضين للإبادة ولجميع آفات الحرب وتلك المظالم كلها التي ترتكب باسم فرنسا الحرة. وعلى الرغم من أن عددا كبيرا من الكتاب قد نشروا مؤلفات عن الجزائر فإن معظمههم لم يعالج هذه المسألة إلا من زاوية المنافع المادية في البلاد. هذا بقطع النظر عن الطرق التي اتبعها السادة الولاة للحصول على تلك المنافع. هذا هو الجانب الذي اهتممت به في كتابي، وأعتقد أن السلطات الفرنسية قد تصرفت بكيفية تتعارض كليا مع المبادىء التحررية ومع الإحسان الذي كان من حقنا أن ننتظره من حكومتها. ولقد شذ السيد بيشون عن قاعدة هؤلاء الكتاب. إن معرفتي لأنحاء هذا البلد ووضعي الاجتماعي في مدينة الجزائر قد مكنني من تقديم صورة صادقة، كما أنني اعتمدت في ذلك على معرفتي لأحوال الإنسانية بصفة عامة. إن مسألة الجزائر مسألة خطيرة لأنها تخص حياة أمة بأجمعها، تتكون من عشرة ملايين نسمة، وهي الآن، من سوء الحظ، في نقصان يتزايد من يوم لآخر بسبب الحرب، والبلاد يقودها الظلم والطغيان مند ثلاث سنوات.

стр. 8

ورغبة مني في القيام بالمهمة الخطيرة الملقاة على عاتق المؤرخ الحقيقي: تلك المهمة التي ما زال لم يضطلع بها أي واحد من المؤلفين الذين كتبوا عن إيالة الجزائر، وعزما مني على عدم إخفاء أي شيء، بعيدا عن الزعم بأنني أكتب أحسن من غيري، ولكنني مقتنع من أن لفرنسا رجالا لن بهملوا، لاكتشاف الحقيقة، أية وسيلة تقدم لهم ونمكنهم من التأمل في عواقب تجاوزات السياسة، ومتأكد من أن هؤلاء الرجال المعتبرين سيهتمون أساسا بمجد الأمة الفرنسية وذلك بالقضاء على جميع الأعمال المنافية لذلك المجد الذي يجب أن تهتم به فرنسا كل الاهتمام لكي تحظى بثناء الأجيال المقبلة. على هذا الأساس، فإنني أتوجه خاصة لهؤلاء الرجال الذين يضحون بسعادتهم لإسعاد الآخرين ولمضاعفة العلاقات الاجتماعية وتدعيمها. إن المدنية الحقة لا تكون بالكلام فقط، ولا يمكن أن تطبق إلا بواسطة أناس مجربين يميزون بين احترام الإنسان ومصالحهم. ومن جهة أخرى، فإنني أجنبي ولا أريد أن أعرض نفسي لانتقاد السوقة أو الفضوليين، خاصة وأن واجبي يتمثل في قضية مقدسة لها علاقة بسعادة الإنسانية. إنني لست مرتاح البال، بل على العكس فإن مصائب بلدي تقلقني باستمرار، ولقد كنت في كثير من الأحيان، وأنا أسجل تلك المصائب، أجبر على التوقف عن الكتابة لأترك المجال لدموعي تنساب. وعلى الرغم من أن كتابي رواية تاريخية، فإنه قد كتب ليقرأه أشخاص من ذوي الرحمة والإحساس. لقد قال أحد الفلاسفة: (إن كل جملة تصاغ بعبقرية تدل في نفس الوقت على الجوهر وعلى مساوىء الإحساس، إن الإنسان الذي يقلقه الحب

стр. 9

يكون ملكا لشعوره، ولا يهتم على الإطلاق بالكيفية التي يعبر بها عما يخالج نفسه: إن التعبير الأكثر بساطة هو قبل كل شيء ذلك الذي يفهمه). وإذن، فإن هناك موضوع آخر يشغل بال الناس في هذه الدنيا، وهو الخلاف الموجود بين الديانات والعادات والقوانين. فلا ينبغي أن يندهش القارىء لتنوع الأخلاق والتقاليد في مختلف المقاطعات التي تكون إيالة الجزائر كالصحراء والتل والجبال والمدن. ولو أننا نزور جزءا من سويسرا، أو إيطاليا، أو المجر، وألمانيا، فإننا سنجد في تلك البلدان، أيضا، تنوعا كبيرا حتى فيما يخص القوانين. وكل شعب بصفة خاصة ألا يعتقد أنه يملك أحسن التقاليد وأحسن القوانين؟ ومع ذلك فليس ثمة حتى في نظر السوقة ما هو أكثر سخرية من مثل تلك الادعاءات. وعلى من له تلك الأفكار أن يراجع نفسه ليرى أنه يهزأ بها عندما يسخر من الآخرين. ومن سوء الحظ، فإن مثل هذا الاختلاف في العادات والتقاليد هو الذي يكون دائما في أساس احتقار الأمم بعضها لبعض، وهو أمر ما كان يجب أن يحدث لأن الحضارة لا تتمثل في كيفية الجلوس على مقعد أو على أريكة، أو في اللباس بهذه الطريقة أو بتلك، ذلك أن بعض الناس أنيقون، يترددون على الصالونات ولكنهم يشكلون، في بعض الأحيان، خطرا على الأخلاق أو على المجتمع، أما البعض الآخر فهم أناس بما في الكلمة من معنى يحتاجون في بعض الأحيان إلى من يصلح أحوالهم. وبكل تأكيد، فليست هذه هي الحضارة التي نريد إدخالها إلى إفريقيا. إن الشرقيين يعتبرون الحضارة هي اتباع الأخلاق الشاملة والعدل إزاء الضعيف والقوي على حد سواء، والمساهمة

стр. 10

في إسعاد الإنسانية التي تشكل أسرة كبيرة واحدة. ولكن التغلب على الأهواء والنزوات، وللقيام بالواجبات، ينبغي أن نستعمل جزءا من الوقت للتعرف حق المعرفة على الأسباب التي تجلب للبعض توبيخا من الناس أجمعين وتغطي الآخرين بمدح أبناء وطنهم، وكذلك للتعرف على عظمة الأمم وانحطاطها قصد اتباع الخير وتجنب الشر. إن المجربين المتعودين على القضايا سيفهمون كما ينبغي هذا الأسلوب الفلسفي، فإلى هؤلاء الناس أهدي هذا الكتاب. حمدان بن عثمان خوجة

стр. 11

لمحة تاريخية وإحصائية حول إيالة الجزائر يسكن إيالة الجزائر عشرة ملايين نسمة، وتتكون هذه الإيالة من مدن، وقرى، وموانىء وأرياف. غير أن الجزء الأكبر الذي هو قاعدتها ومصدر ثرواتها يوجد خارج المدن التي يبدو أنها تكونها. ويسكن هذا الجزء أناس يطلق عليهم اسم البدو.

стр. 12

الفصل الأول البدو وأصلهم ينقسم البدو إلى طبقتين أو على الأصح، إلى نوعين متميزين من السكان فالذين يسكنون السهول هم العرب الحقيقيون، أصلهم من الشرق وينحدرون من قبائل عربية مختلفة. أما الذين يسكنون الجبال أو الأماكن الوعرة المنحدرة فهم البرابرة الحقيقيون أو (القبائل) الذين تختلف لغتهم عن لغة العرب. والفرق واضح بين اللغتين، فمثلا يقول البربر، للتعبير عن كلمة رجل ارغاز، ويسمون الحجر ادغاغ. وعندما احتل بن يومي أفريقيا لاحظ أن هؤلاء السكان كانوا جهلة متزمتين محبين للحرب شجعان ولكنهم عنيدون، يعيشون مرتاحي البال لا ينشغلون بالمستقبل إلا قليلا ويتخذون من جبالهم الوعرة حصونا تحميهم من كل هجوم ولاحظ في الأخير أنهم كانوا يعيشون بطريقة بسيطة جدا، ويرتدون ملابس غاية في البساطة ولا يعرفون أي نوع من أنواع الترف ولا أي إمتياز من الامتيازات الاجتماعية.

стр. 13

ومراعاة لعاداتهم، اكتفى هذا الفاتح بقبولهم الدخول في الاسلام أو على الأحرى بحملهم هذا الاسم، ولم ير من حقه، لصالحهم وصالحه، أن يفرض عليهم قوانين غير قانونهم. بل ترك الناس يعيشون، كما كانوا في السابق في تعصبهم وأخطائهم، ولم يفرض القانون الذي يحرم المرأة من الميراث، ووافق على عدم إقامة الحد على الذي يخالف الشرع أو التقاليد، مع العلم أن من عادتهم في مثل هذه الحالات، اتباع قانون الجانب القوي، وهلما السلوك الذي رأى الفاتحون المسلمون اتباعه في الفترات الأولى قد جعلهم يأملون في أن تصبح هذه الشعوب مثلهم بمرور الزمن وبالتعاشر المستمر ولذلك تركوا في كل قرية عالما مستنيرا اطلق عليه اسم (المرابط) يتحتم عليه تعليل كل ما يريد منهم أن يتبنوه في صالحهم، وفي سبيل الوصول إلى سعادة مشتركة. وعندما أراد العرب فتح اسبانيا (١)، استعملوا هؤلاء البرابرة كأداة تخدم مشاريعهم، وجعلوهم يؤمنون بأن الموت في سبيل الدين تضحية لها قيمة كبرى عند الله، كما خلقوا فيهم حقا تعصبيا ودينيا ضد جميع الذين لا يؤمنون بالإسلام، وفي نفس الوقت أظهروا لهم كل الفوائد التي تنتج عن الحرب والفتح، وعن نهب أملاك الأعداء. وما دامت هذه المبادىء لا تتنافى مع أخلاق المغلوبين، فانه كان من السهل على المسلمين أن يبقوا بينهم إلى يومنا هذا، وأن يحتفظوا بثمرة فتوحاتهم. أما مبادىء

стр. 14

الحرب أو السلم وإنحاز المعاهدات، فإنهم لم يطلعوا عليها، خاصة وأنه لا توجد في جوارهم شعوب على دين موسى أو عيسى، بل وأنهم لم يطلعوا حتى على المعنى الحقيقي لهذه الآيات القرآنية التي تقول: ﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان وقد جعلتم الله عليكم كفيلا﴾ (٢). كما انهم يجهلون حديث الرسول الذي يؤكد أن كل عداوة ينبغي أن تنتهي بعد السلم. وأن احترام أملاك الأعداء يصبح بعد ذلك واجبا كما يجب إعطاء هذه الأملاك نفس الامتيازات التي تحظى بها أملاك المؤمنين. وأخيرا، فإنهم لا يولون أي اعتبار لغير ذلك من المبادىء التي تهدف إلى المحافطة على الجنس البشري وتحسين مصيره، وصيانة ما يسعى، عموما في أوروبا، بحرية الشعوب أو الحقوق الاجتماعية. ومن المعلوم أننا بهذه المبادىء الأخلاقية التي هي أساس مؤسساتنا، قد صنعنا كثيرا من المعجزات وكسبنا العديد من الأنصار. وبفضل هذه الوحدة وباتباع هذه السياسة سيطر الفاتحون على جزء كبير من العالم كما يعلمنا بذلك جميع المؤرخين. وعلى الرغم من أن الخلفاء لم يطبقوا هذه المبادىء الطيبة، وانقلبوا إلى ملوك متجبرين على الشعوب، فإننا لا نكذب في صحة مؤسساتنا الدينية. ولقد رأينا أن هؤلاء الملوك، عندما يحيدون عن هذه المبادىء، كثيرا ما يخفقون في مشاريعهم قبل تحقيق أهدافهم الحكومية التي يصبون إليها. ومنذ ذلك الحين احتفظت هذه القبائل التي ظلت تعيش في جهل

стр. 15

مطبق، احتفظت بأفكار غالطة متزمتة , غير أن إحدى خاصيات عاداتهم هي تلك الروح الوطنية التي تتحلى بها كل قبيلة. ذلك أنه إذا ما تعرضت واحدة لاعتداء قبيلة مجاورة بدون أي سبب، فإن القبائل الأخرى تتبنى قضيتها حتى ولو عرفت أنها ستهلك وتبيد في تلك المعركة. وعليه، فإن الحروب بين هؤلاء السكان كثيرة، وأن هذه المناسبات هي التي تعودهم على المجازر، وفيها يكتسبون الشجاعة، وتبرز أبطالهم. وفيما بينهم، ان حق القرابة مقدس، كما أنهم يولون الأجنبي الذي ينضم إليهم برابطة الزواج تأييدا وحماية لا رجعة فيهما. أما السلم، فإنه يتم دائما بتدخل المرابط. وعلى الرغم من عدم وجود قانون يسوون به خلافاتهم ويكبحون به جماحهم وعلى الرغم من أنهم لا يقبلون الخضوع لأي سلطان، فإن طاعتهم للمرابط، طاعة لا يمكن تفسيرها إذا أخذنا بعين الإعتبار الوصف السابق لطبائعهم. وأما الشيوخ، فإنه لا يكاد يكون لهم تأثير إذا قارناهم بالمرابط , وفي هذا الصدد ها هي نبذة عن جمعياتهم التي يبحثون فيها مصالحهم المشتركة. ان هذه الجمعية تتكون من جميع رجال القبيلة، شبانا كانوا أم شيوخا. ويبدأ الشيوخ بالكلام، فيقدمون مشاريعهم، ويعرضون فوائدها، وإذا لم تقبل هذه المشاريع بالإجماع، أو إذا وجد معارضون واحد، فإن ذلك المعارض يطلق صرخة من وسط الجمعية. وان هذه الصرخة التي يسمونها صرخة الإنذار، يعبرون عنها في لغتهم بكلمة (ويك)!. وبعد هذه الصرخة يقول المعارض بصوت مرتفع: (انظروا لهذا الرجل الذي يريد أن يدنس كرامتنا ويجعلنا من الأنذال!). وبانتهاء هذه العبارات يحدث الاضطراب وتتفرق الجمعية. وان المرابطين الذين يقطنون بين القبائل يعلمون الأخلاق ويفسرونها

стр. 16

بقدر المستطاع وبقدر إدراك هؤلاء السكان. انهم يعلمونهم الصلاة، ويهدونهم إلى المكارم الأخلاق، ومقابل ذلك يجنون الطاعة المطلقة المحفوفة بالاحترام، وتعتقد القبائل ان كل دعائهم مقبول عند الله الذي يؤمنون بقداسته وجلاله. وهكذا، فعلى سخط أو على بركة المرابط تتوقف سعادة القبائلي الخيالية. وكل من رغب في شيء، فإنه يقدم القرابين ويتوجه إلى المرابط لكي يأمل في تحقيق ما تمنى. أما الذي تلاحقه الشرور، وتعذبه الآلام، فإن إيمانه ناقص، وانه للمذنب الذي يعاقبه الإله. ان اسم المرابط مشتق من كلمة ربط العربية التي تعني الالتزام والتعهد، أي أن المرابط يعامد الله على ألا يتصرف إلا لما فيه خير الإنسانية. ولذلك. فحتى بعد موتهم، يبقى هؤلاء المرابطون محل توقير دائم. وتدفن أجسامهم في قبر يحاط بتابوت يمكن أن يلجأ إليه كل مجرم. وبالتالي، فإن المكان يصبح موقرا إلى درجة أن الابن لا يجرأ على اقتحامه لمطاردة قاتل أبيه. وهكذا فان المرابط، وهو ميت، قد يحظى باحترام يفوق الذي كان من الممكن أن يحظى به وهو حي. وهذه القبور كثيرة جدا في إيالة الجزائر، وقد احتل الجيش الفرنسي معظمها بعد الغزو. وترك هذا التدنيس أثرا سيئا في نفوس الطبقة الدنيا. وعلى الرغم من أن بعض أبناء هؤلاء المرابطين لم يتبعوا سلوك آبائهم، وأهملوا مبادئهم فإن الشعب ينظر إليهم باحترام ولا يدعوهم بأسمائهم وإنما يطلق عليهم اسم سيدي، متبوعا باسم الشهرة أفراد العائلة. إن وجود هؤلاء المرابطين في المجتمع الأفريقي نعمة، إذ بمجرد ما لهم من نفوذ على هذه الشعوب يسكتون أسلحة الخصوم، ويمنعون إراقة الدماء. وإن سلظانهم على نفوس القبائل الجاهلة المحدودة النظر لعجيب. ويبدو أن

стр. 17

الله نفسه يرشدهم ويقودهم، وأن تصديق هذه الشعوب لهم ليبلغ درجة الضلال والعمى. وفي يومنا هذا، فإن المرابط الذي ما زال يتمتع بأكبر ثقة، والذي يكاد يؤله من طرف القبائل يدعى: سيدي علي بن عيسى، ويسكن فرومه (٣) وهو من مريدي المرابط الشهير المسمى سيدي محمد بن عبد الرحمن. ولق أحرز هذا الأخير في حياته على أكبر شهرة يمكن تصورها في الطهارة. وانتقلت هذه الشهرة حتى إلى مدينة الجزائر وأواسط القبائل الذين يسكنونها. وقد مات هذا الشخص العجيب في نهاية القرن الثامن عشر، ودفن في الحامه (٤) وذات ليلة اختطف القبائل جثته وحملوها إلى جبال جرجرة ثم دفنوها في قرية فرومة على مقربة من فليسه (٥) غير أن المكان الذي سبق أن دفن فيه ما زال محترما. وعلى القرب منه تعود الناس أن يتصدقوا على الفقراء، فيوزعون عليهم الخبز والدراهم، أملا في أن يستجاب دعاؤهم. وإن هذا النوع من العبادة غير معقول، خاصة وإن مبادىء الدين الاسلامي لا تسمح بتأليه الآدميين. ونحن نعتقد بأن مشيئة الرحمن واحدة في الأرض وفي السماء وإن الله الموجود في كل مكان لا يمكن حصره في مكان، وإن ما نتصدق به على أمثالنا دليل على إيماننا وقبل أن نستحق نعمة الاله يجب علينا أن نعمل بما أوصانا به. ونحن نؤمن أيضا بأن أعالنا من خير ومن شر ستجازى في يوم من الأيام. وهكذا إذن، فإن الاعتقاد الشعبي إزاء المرابطين، أساسه الجهل والمبادىء الغالطة والتعصب وليس من السهل إصلاحها، غير أن المتعلمين منا

стр. 18

ورؤساء الحكومة التركية يدركونها حق الإدراك. والسياسة هي التي جعلت الآخرين يبقون على هذه المبادىء الغالطة أو يتركونها تستمر ويحترمون الأماكن التي تقدسها القبائل. وهذه المعالجة هي التي مكنتهم من الحصول على ما حطمه الجيش الفرنسي منذ أن وصل إلى أراضي الجزائر ذلك انه بدلا من أن يطبق نفس هذه المبادىء، أراد استبدالها بمادىء جديدة لتعارض تماما مع عادات وتقاليد السكان. ولكي نعود إلى المرابط ابن عيسى ونعرف ما له من نفوذ على نفوس الجزائريين يكفي أن نقول بأنه هو نفس الشخص الذي قدم على أثر الغزو الفرنسي وساطته لإبرام السلم بين الفرنسيين والقبائل ويمتد سلطان هذا الرجل إلى مملكة تونس وله في كل قبيلة ومدينة وقرية على أرض الإيالة ممثل في المساجد يتقبل الهدايا الموجهة إليه ويجمع عشر الغلال ثم توزع هذه المحصولات على الطبقة المعوزة وتستعمل في الإعتناء بالمحلات المخصصة للضيافة. وأينما وجد ممثل جامع توجد دار مفتوحة للضيافة يطعم فيها المسافرون ويبيتون بلا مقابل وكذلك الحيوانات التي يستعملونها والتي ترافقهم. وفي نهاية كل سنة يرسل إلى المرابط الرئيسي كل ما لم ينفق في هذه المؤسسة. ولقد اجتمعت شخصيا بهذا المرابط ووجدت فيه رجلا بسيطا، ليس له غرور، وإنما ذو بصيرة، تحدوه العواطف الإنسانية بلا تحيز، لا يملك ثروة طائلة، ذلك إنه، بعد أن يوزع الصدقات، لا يبقى له أكثر مما يقتات به. أمام بابه يوجد عدد كبير من الأجفان لإطعام ضيوفه، وكذلك أكياس من الشعير والتبن للحيوانات التي ترافقهم. وهو يستضيف كل شخص يقصد بيته. وقد أراد في ذلك الحين أن يكلفني ببيع جنان كان يملكه في مدينة الجزائر ولكنني جعلته يعدل عن هذه الفكرة حتى يتمكن بما له من نفوذ من أن يخدم المصالح الفرنسية، وربما من أن يدفع

стр. 19

بواسطة باي قسنطينة إلى إبرام صلح مشرف. وفي هذا الإطار كان الدوق دوروفيقو (٦) يعمل على أن يضمه إليه ويجعل منه صديقا له لأنه كان يريد أن يعترف له ببعض الجميل. إن المرابط الذي يعرف أغراض دينه يعرف كيف يسخر تسخيرا مثمرا وذكيا جميع الوسائل الموجودة بين يديه. إنه لن يقول للقبائل: يجب أن تطيعوا القانون، وعليكم بالاستماع إلى الموعظة وباتباعها، وإنما يقول لهم: لعن الله من لا يفعل كذا! وهكذا يجعلهم يطيعون ويحصل منهم على كل ما يريد، وإذا اقتضى الأمر فإنه يستعمل عبارات مطلقة تبدو كأوامر العلي الجبار. غير أن هؤلاء المرابطين يتصرفون بلطافة وكياسة ولا يسمحون أبدا بأي تجديد ولا يقومون بأي شيء مما يمكن أن يتعارض مع كرامة أو عادات الشعب وبهذا السلوك يحتفظ هؤلاء المرابطون بنقوذ لا حدود له.

стр. 20

الفصل الثاني طبائع البربر وعاداتهم يرتدي الرجال قماشا من الصوف. ولأبستهم شكل كيس مثقوب في الوسط لإخراج الرأس، وبه ثقبان آخران على الجنبين لإخراج اليدين، عرضه حوالي ذارع ويهبط إلى منتصف الساق. والقماش من الصوف الأسود، وهو من صنع النساء، وبما أن هذه الصوف لا تغسل كما ينبغي، فإنها تصدر رائحة لا تطاف عندما تبللها الأمطار، وعندئذ يصبح هذا اللباس ثقيلا جدا وهو بمثابة القميص والسروال وغيرهما في آن واحد. لكن الأغنياء منهم يضيفون لباسا آخر فوقه يسمونه البرنس، وهو دئما من نفس القماش، وشكله معروف في أوروبا وهذا النوع من الكساء يرفع ويبقى إلى أن يتساقط إربا إربا وعادة فإن برنسا واحدا يكفي لمدة حياة الإنسان لا يفارق الجسم، يتبلل وييبس على ظهر صاحبه إما بمفعول الهواء أو بفضل حرارة النار. وتتدثر النساء في حائك يشبك بالدبابيس ويصنع هو أيضا من قماش ينسجنه بأنفسهن يكف هذا الكساء بقطعة أخرى من القماش ذي اللون الأحمر أو الأزرق عرضها حوالي أربعة أصابع وتستورد هذه الصوف الملونة من مدينة الجزائر، والمثريات من النساء يغطين رؤوسهن بقطعة من الكتان أو منديل قطني. أما

стр. 21

الأطفال، فإنهم عراة تماما كما رأيتهم بنفسي، ولا تعطى لهم ألبسة إلا في الشتاء. أو عندما يصلون سن البلوغ. والذي يغطي رأسه بقلنسوة لا يجرأ أحد في مدينة الجزائر على أن يتقلنس بها، يعتبر أنيقا. ونرى بعض هؤلاء الأنيقين يحتفظون بهذه القلنسوة مدة طويلة دون أن يبدلوها حتى تصبح سوداء من العرق والغبار. أما عن الأحذية، فإن أغنياء القبائل يلبسون مثل الرومان نوعا من الكوثرن مربوط بالجلد، ولقد شاهدت هؤلاء البربر في مناطقهم وفي مدينة الجزائر، شاهدتهم صيفا وشتاء يخلعون ثيابهم ويجعلون منها وسادة عند النوم. ومن كان له برنس فإنه يغطي به نفسه ويتمدد على حصيرة ان وجدت. وفي الصيف يرقد أغلبهم متفرقين فوق الرمال، وفي الشتاء يشعلون نارا كبيرة بما يحتطبونه من الغابات المتكاثرن ويرقدون جاعلين أرجلهم أمام هذه النار، فينامون هكذا، نوما هادئا. أما غداؤهم فخبز الشعير وزيت الزيتون والتبن المجفف والبلوط. وإلى جانب ذلك فإن الأثرياء أي الذين يملكون عنزتين أو ثلاثا، يشربون الحليب. وهناك، أيضا من يملك عددا من المعز والشياه المخصصة للبيع في المدن. والقبائل، عادة، لا يأكلون الأغنام ولا الدواجن ولا يذبحونها إلا عندما يؤمهم ضيف، لأن قانون الضيافة مقدس عنهم. ويعتبر ذلك اليوم في القبيلة، يوم عيد، يتطاير فيه الأولاد فرحا وتذبح الشاة ثم يطهى اللحم مع الكسكسي وعندما يحضر الطعام يقطع اللحم أطرافا يزن الواحد حوالي رطل (١) ويقدمه صاحب الدار إلى الضيوف على

стр. 22

النحو التالي: يعطى لكل ضيف طرف لحم وإذا بقي شيء يعطى للجيران الذين يرقبون الأحداث من بعيد نصيبهم من الطعام، وفي جميع الحالات، فان رب البيت يغالي في الأدب إلى درجة أنه يطعم هؤلاء الفضوليين قبل أبنائه. وفي التحلية يأكل القبائل التين المجفف حتى ولو كانت لديهم فواكه أخرى. وبما أن الأشجار المثمرة كثيرة، فإنهم يحتفظون بثمارها ويبيعونها لسكان المدن في الأسواق أما هم فإنهم لا يكادون يعرفون طعم هذه الفواكه.

стр. 23

الفصل الثالث طبائع وعادات البربر (تابع) تبنى المنازل في القرى الصغيرة أو في الأكفار بالأخشاب والقصب بربط بعضه في بعض ولكل منزل أربعة أوجه، وتفرش أرضه بنفس مادة البناء ثم يحصن الكل بخليط من الطين وخثي البقر لمنع المياه من التسرب وعلى السطح يزرع نوع من العشب يسمى الديس. ولا يزيد إرتفاع هذا البناء عن قامة رجل. ثم إن الأهالي يجمعون الحشائش وأوراق الأشجار فيدخرونها لتغذية الحيوانات عندما يسقط الثلح، وتأوي هذه المساكن في نفس الوقت النعجة، والمعزة، والبغل والدواجن، والكلاب والرجال والنساء والأطفال، كلهم يعيشون منكسين في مكان واحد. وعندما تشعل النار للتسخين، فإن الأوخام التي تنشرما هذه الكائنات بالإضافة إلى الدخان الذي لا مخرج له تشكل ضبابا كثيفا وغير صحي وبما أنني لم أتعود هذا النمط من الحياة فإنه كان من المستحيل علي أثناء رحلتي إلى قسنطينة أن أتحمل العيش داخل هذه المساكن التي كنت أفضل النوم في الهواء الطلق على المبيت وسط سفينة نوح هذه. ولقد اضطر صاحب المسكن الذي نزلت عنده إلى الخروج معي يحميني ويحمي حيواناتي ضد غارات اللصوص واعتداء الحيوانات المتوحشة لأن الأسود

стр. 24

تأتي في بعض الأحيان تدور حول المساكن لاختطاف بعض المواشي بيد أن السكان يبعدون هذه الحيوانات الكاسرة بنفس البرودة التي نطرد بها الكلاب وذلك نظرا لتعودهم زيارة مثل هذه الحيوانات المهولة واذا استثنينا ما يمكن استعماله في الفلاحة وفي تربية الماشية فإن السكان لا يملكون أي نوع من أنواع الأثاث وانك لتجد عندهم مطحنة صغيرة لطحنن الحب وكذلك كمية من دقيق الشعير ومن الحبوب يحتفط بها لما يطرأ من الأحداث، وترى أيضا عندهم تينا مجففا في كيس، وبعض الأواني الخشبية وقربة فيها ماء الشراب معلقة على الدوام. إن الحروب متعددة بينهم والمنتصر يحرق دار المهزوم غير أن تلك الدار يعاد بناؤها في أقرب ما يكون لوفرة الأخشاب التي تغطي هذه البلاد. وتصعد الخيل والبغال والحمير الأماكن الوعرة بكل سهولة ويستعمل السكان الأسلحة النارية في أغلب الأحيان ولذلك يولونها كل العناية، ويحفظونها في القماش وهذه الأسلحة هي التي يقصدها اللصوص ويفضلونها على أي شيء آخر يأخدونه من الأهالي الذين كثيرا ما يجردون على الرغم من حذرهم الشديد. ومساجد هذه القرى مبنية على منوال المساكن بفارق واحد هو أنها تبيض بالجير والذين يحسنون الشعائر الدينية من بين الأهالي يعتبرون كما نعتبر العلماء في مدننا. أما القرى الكبيرة، الواقعة في الجبال الوعرة، فإنها منيعة لا يصلها العدو إلا بشق النفس. وتستخرج من هذه الجبال الحجارة الصالحة لبناء المساكن. ولقد زرت بنفسي جبال فليسه، وزواوه وبني عباس ووادي بجاية وبني جنات

стр. 25

حيث توجد قرى كبيرة تشبه المدن عندنا. وكل العمارات فيها مبنية بناء متينا بالحجارة وبالكلس، والسطوح مغطاة بالقرميد، وفي المساجد مآذن كمآذن مدينة الجزائر. وفي هذه القرى مصانع للأسلحة النارية تصنع فيها على نحو ما في الجزائر أساتين البنادق المرصعة بالفضة، كما يصنع فيها البلاتين. ويعرف السكان طريقة استخراج خامات الحديد ومناجم الرصاص وملح البارود موجودة لديهم بكثرة فهم أناس كثيرو الأشغال بالصناعة. وتشمل صناعتهم على الخصوص صنع البرانس والأغطية التي يمكن استعمالها في المدن لأنها من الصوف الجيد , ويوجد في هذه القرى كذلك مشاغل تصنع فيها النقود المزيفة. فالأهالي ذوو مهارة ومقدرة فائقة في نقش المعادن وتقليد جميع أنواع النقود مثل نقود الجزائر (١) وقروش اسبانيا (٢) ولو انهم يتصلون بالجيش الفرنسي فإنهم لن يترددوا في تقليد النقود الفرنسية إلى درجة انه يصعب على الصراف التمييز بين النوعين. ففي هذه الجبال قدم لي المسفوف، وفيها مدينة تدعى القلعة (٣) لا يتم الوصول إليها إلا بشق الأنفس وبما أنني لم أتمكن من الذهاب إليها راكبا فإنني قطعت الطريق راجلا لأراها وإنه لطريق وعر منحدر جدا إلى درجة أننا عندما يتسلقه ثلاثة أشخاص بالتتالي، نرى رأس الثالث عند قدمي الأول. وفي مثل هذه المدن التي حصنتها الطبيعة يودع سكان السهول لرواتهم وحبوبهم ولا يبقون لديهم الا ما كان ضروريا للحياة اليومية، ولقد أكدوا لي انهم يعرفون طريقة للاحتفاظ بالحبوب مدة تزيد عن العشرين سنة.

стр. 26

أما لغتهم وطبائعهم وطريقة معيشتهم فتكاد تشبه لغة وطبائع وطريقة معاش سكان الأكوار السابقة الذكر. ولو أنني لم أكن في مثل ما كنت فيه من الحيرة والعذاب من جراء ما آل اليه بلدي المسكين، ولو أنني لم أكن في مثل هذه السن المتقدمة، ولولا الاتعاب التي أصابتني لكان باستطاعتي أن أجمع وثائق غاية في العجب حول هذا الجزء من افريقيا، وثائق قد تساعد على كتابة تاريخ هذه المناطق. ومن بعيد كنت أشاهد مدنا تكاد تشبه ضواحي بجاية والمرابطين ابن عيسى وأكرومه. انني لا أقدم هنا تاريخا مفصلا وانما عرضا ضروريا لتكوين فكرة عن هذه المناطق وعن سكانها، هؤلاء السكان الذين هم على العموم أناس رحل قريبون من التوحش، ولكننا نعتقد ان من الصعب على فرنسا أو على غيرها من الدول أن نخضعهم. وإلى جانب ذلك فإن هذا الاحتلال بالنسبة لفرنسا لن يكون في مستوى عظمتها. انها تملك ثروات متعددة من حيث الرجال والأموال فماذا ستستفيد من محاربة هؤلاء السكان وإنفاق كنوزها واراقة دماء جنودها وتعريضهم للموت الناتج عن المناخ؟ وما هو الهدف من قيامها بمثل هذه الحملة أيكون ذلك لمجرد الرغبة في إبادة الناس أم لأجل نيتها الحمقاء في اكتساب أراض لا تنبت شيئا.

стр. 27

الفصل الرابع سكان السهول: طبائعهم وعاداتهم ينقسم سكان الاماكن المنخفضة أو السهول إلى قسمين: أهل الصحراء الرملية وأهل التل ساكني الجبال الصغيرة القليلة الإرتفاع. والجميع من أصل عربي ويتكلمون اللغة العربية كما ذكرنا ذلك في الفصل الأول. مهنتهم كلها فلاحة، ومسكنهم تحت الخيام المصنوعة من الوبر، ليس لهم مكان مستقر، ينزلون حيث يجدون المرعى لماشيتهم ونظرا للأهمية التي يولونها للزراعة ولما يريدونه من حماية لغللهم وضمان لأملاكهم، فإنهم يدفعون طواعية ضريبة لرئيس الإيالة. ولا يوجد بين هؤلاء الأهالي الرحل مرابطون غير أن أصول دينهم هي نفس أصول دين القبائل، وكما هو الشأن بالنسبة للآخرين فإن لديهم تعصبا ليس من التعقل العمل على استئصاله. يتدثر الرجال بحائك شائع في أوروبا تربط نهايته إلى الرأس بجبل من وبر يقارب شكله شكل العمامة: ويلبسون تحته نوعا من القمصان يسمونه القندورة كنا تكلمنا عنها في الفصل الخاص بالقبائل، إلا ان هناك فارق في نوع القماش فه قطني بدلا من أن يكون صوفيا وتستعمل الأغلبية منهم أحذية متينة

стр. 28

تصنع في القرى ويحمل الأغنياء منديلا من القطن أو من الحرير بحسب الطاقة، يربطونه في الحائك لكي لا يضيع. وتلتف النساء أيضا في نوع من الحائك يصنع من قماش القطن صيفا ومن الصوف شتاء ويتمنطقن بأحزمة ملونة مصنوعة من الصوف أو من الوبر الجيد خبزهم من القمح والشعير أو من الشعير وحده ولا يكون أبدا من القمح الصافي وذلك راجع إما للمناخ وإما لقناعتهم، وعلى الرغم من وفرة القمح لديهم، فإنهم يستهلكون الشعير بكثرة. والزيت نادر عندهم ولذلك تحضر المأكولات بالزبدة التي تملح للاحتفاظ بها طويلا. في الصباح لا يخرج أحدهم من بيته قبل ان يفطر بخبز الشعير والزبدة. ويستخدم الأغنياء أو الملاكون في هذه المناطق، العمال والأجراء (لا يمكن مقارنة ثروات هذا البلد بثروات أوروبا). وقد جرت العادة أنهم عندما يشغلون أو يسخرون واحدا من هؤلاء، يدفعون عنه ديونه، ان كانت عليه ديون، أو يقدمون له مسبقات تساعده على سد حاجاته، وهم بذلك كأنما يبيتون نية في أن يشدوه اليهم، ويسكن هذا الرجل عند المالك صحبة زوجته وأطفاله على النحو الذي سنذكره مفصلا في ما يلي: يعطي المالك، صاحب المزرعة أو المؤسسة، لهذا العامل بقرة أو بقرتين حسب إمكانياته أو حسب الاتفاقيات المبرمة بينهما. ويتعهد الأخير بتسليم الأول أرطالا معينة من الزبدة (الرطل في هذا البلد أكبر من الرطل الأوروبي، إنه يساوي ٢٨ أوقية) (١) وهكذا، فان هذا الرجل

стр. 29

يجمع الزبدة ويلمها إلى صاحبه في نهاية كل فصل. ومن الفلاحين من يستعمل، أحيانا، الزبدة التي يجمعونها ثم لا يتمكنون من تسليم الكمية الموعودة أو المتفق عليها: وعليه يضطرون إلى تجديد الإلتزامات أو إلى الإستدانة، وهناك من يوفي بالعهد ويستفيد في بعض الأحيان. يعيش هؤلاء المالكون عيشة معتدلة ومنتظمة، لا يأكلون اللحم إلا في بعض أيام الأسبوع أو في أيام السوق، وفي هذه الأسواق تجتمع القبائل المختلفة لتبيع سلعها ومواشيها. للوصول إليها يمشي المرء ساعتين أو ثلاث ساعات: وان من عادات البلاد ان تتنقل الأسر من بعيد إما لتبيع وإما لتشتري بضاعة أو سلعا مختلفة وتنقل الصوف والزبدة والعسل على البغال، وكذلك تحمل الحيوانات المخصصة للجزائريين. وعلى الرغم من أن صاحب المزرعة يملك الكباش والخرفان والعجول، فانه لا يذبح منها إلا عندما يؤمه ضيف جديد. وهؤلاء السكان هم، ربما، أكرم من القبائل، ومأكولاتهم المبجلة هي الكسكسي والحليب. الأراضي شديدة الخصب بحيث ان ارتفاع سنابل القمح والشعير يزيد في بعض الأحيان عن قامة رجل. وفي أثناء الحصاد تهمل السنابل القصيرة، ويترك في الحقول كثير من التبن والحبوب ترعاها الماشية فيما بعد، ولذلك فإن الحيوانات تكون دائما سمينة والحليب جيدا وكثيرا. وفيما يتعلق بوصف خيامهم، لقد سبق ان قلنا أنها من الوبر، وهو قماش مضلع بالأحمر أو بالألوان الأخرى. وتأخذ هذه الخيام شكلها المكور أو المثبت بواسطة أوتاد من الخشب وتقاس ثروة المالك باتساع هذه

стр. 30

الخيام وبعدد الأوتاد التي تشدها (أنطر رسم مختلف أشكال هذه الخيام آخر الكتاب) (٢). تحاط الخيمة بحجارة توضع عليها الأواني والذخائر اليومية , ويخصص جزء منها للمطبخ، وفيه توجد الطناجر والقدور وهي من الطين ولكن الصحون والملاعق خشبية وكذلك الأوعية التي تحفظ السمن والعسل الذي يودع في الأجلاف. وفي المطبخ أيضا تربى الدواجن. ويستعمل الجزء الآخر من الخيمة لاستقبال الضيوف وللاجتماعات الودية. ومن داخل الخيمة كنت أسمع حركة وخوار العجول والبقر وكذلك غثاء الخرفان، والنساء هن اللاتي يحلبن الماشية ويعتنين بصغارها، كما أنهن راعيات، بينما تقوم الكلاب بحراسة القطعان، وعندما يقترب الأسد تحس الكلاب بذلك فتنبح ويكون نباحها هذا بمثابة تنبيه وإنذار، فيستيقظ الأهالي ويطرد الأسد بواسطة التهديد فقط، ومن خاف منه وقع ضحية. أما الخيل والبغال فانها تربط أمام الخيمة مدة ثلاثة فصول، وفي الشتاء، عندما يكثر البرد والجليد توضع على ظهورها أغطية من الصوف. هؤلاء السكان يحبون الخيل حبا جنونيا. ولا يفكرون إلا في مضاعفة أعدادما، وهم يفرفون بين أنواعها ويحفظونها بعناية. وتستعمل السلالات الوضيعة للحصول على البغال، وهناك سلالات تخصص للحرث، ولكن أحسن الأنواع، أي الجياد، فإنها للسباق وللحرب ولا تباع إلا نادرا، وفي هذه المناطق يسمى تجمع عدد من الخيام (دوارا).

стр. 31

وهكذا، كما رأينا، فإن المالكين أو أصحاب المزارع يستخدمون العمال والرعاة الخ ... وليس لهؤلاء أرض، ولا أموال ولا مواشي، وإنما تعطى لهم التسبيقات حسب حاجاتهم. ويسكنون بأزواجهم وأولادهم عند الملاك. ويقوم كل واحد بما يقدر عليه من العمل وكثيرا ما يتزوج بعضهم بأكثر من امرأة ليستعين بهن في أشغاله، ولأن من الصعب على امرأة أن تحصل على عيشها ان لم يكن الى جانبها زوج. والأسرة بأكملها تعاون صاحب الضيعة على زرع الأراضي وانجاز جميع الأشغال اليدوية. يعطي المالك أو صاحب الضيعة للعامل خمس الغلة مقابل أتعابه والمجهودات المادية التي يقوم بها أفراد أسرته. وإذا لم يكفه ذلك، فانه يستقرض الحبوب من قمح وشعير. وقبل تسليم الخمس لهؤلاء العمال، وذلك عادة أثناء جمع المحاصيل، فان فائدة الدوار يخصم كل ما عليهم من ديون وتسبيقات، ولا يعطى لهم إلا ما تبقى. وعلى أثر التقسيم يذهب العامل إلى السوق لبيع محصولاته. وبما أن الغلل تجمع في نفس الوقت تقريبا، فإن الحبوب تكون رخيصة في فترة معينة من العام، بينما تكون الأسعار ثابتة عندما يقوم الأغنياء بتمويل الأسواق. ويرى هؤلاء السكان الرحل أن من الضرورة الملحة أن يكتسب المرء حصانا وبندقية وسيفا. والذي لا يملك هذه الأشياء يكون محتقرا ومنبوذا، لأنه، كما يقولون، لا يقدم أي ضمان سواء للقيام بواجباته أو الدفاع عن المجموعة. يوجد قائد بالنسبة لعدد من الدواوير، ويعين من طرف الباي أو من طرف آغا الناحية التي ينتمي اليها، وتنحصر اختصاصاته في جمع الضرائب والسهر على تنفيذ القوانين وتبليغ تدابير حكومته.

стр. 32

ومن بين مالكي هذه الدواوير أو رؤساء العائلات، هناك من يبدو ثريا. ولقد دعيت، شخصيا لتناول الطعام عند أحد هؤلاء الملاكين فقدم لي (ابريقا) من الفضة لأغسل يدي قبل الأكل، على الطريقة الشرقية، وأحضر الوجبة في صحون من الخزف الصيني. وكما ذكرنا سابقا، فإن النساء اللاتي يكلفن بالحلب، يذهبن كذلك لجلب الماء وقطع الحطب لإشعال النار. وفي الأماكن التي يوجد فيها الحطب بقلة، كما هو الشأن في نواحي قسنطينة، فإن الأهالي يستعملون محروقات من نوع آخر، مكونة من خليط العشب وخثي البقر المجفف. والنساء هن اللاتي ينسجن الخيام، والحياك والبرانس، وهن اللاتي يمخضن، ويتبعن طريق الحصادين لجمع السنابل كما أنهن يتولين طحن الحب، وعجن الدقيق، والقيام بكل ما هو منزلي على العموم، ولذلك نرى هؤلاء النساء اللاتي لا يتوقفن عن الإشتغال، نراهن قذرات لا يعتنين بهندامهن، الأمر الذي يجعلهن عرضة للحمى ولغيرها من الأمراض الناتجة عن كثرة ما يلاقين من أتعاب. وعلاجهن عبارة عن نباتات معروفة بنجاعتها لأن السكان هنا لا يعرفون مبادىء التطيب. وبالنسبة اليهم، فالطبيعة وحدها هي التي تصنع المعجزات، ومن العادة أنهم، في مثل هذه الحالات، يلجؤون إلى الحمية (٣). أما فيما يخص حيواناتهم فإنهم يعرفون علم البيطرة كما هو معروف في أوروبا. وتوجد لديهم طريقة للاحتفاط بالحبوب سنوات متعددة دون أن يلحقها

стр. 33

ضرر، وذلك بأن يضعوها في مطامير بعيدة عن الهواء والرطوبة. وانك لتجد عندهم، بدون مغالات، قمحا مخزونا منذ أكثر صمن خمس عشرة سنة، واني لمتأكد من هذه الحقيقة المعروفة في افريقيا معرفة جيدة. ولكننا نلاحظ عند الطحن أن دقيق هذه الحبوب التي تخزن طويلا لا يحتفظ بنفس البياض الذي يتسم به القمح الجديد، كما يكون له طعم لا يطيقه جميع الناس، ويحبه هؤلاء السكان حبا جما، ويقدمونه للضيوف كشيء نادر مثلما تقدم، في أوروبا، الخمر المعتقة أثناء وجبات الغذاء. ويدعى هذا النوع من القمح (المطمورة)، وتختار لخزنه، أماكن مجهولة تهيأ بدقة حتى أن الأعداء يمشون فوقها عندما يغزون المنطقة ولا يكشفوننها إلا إذا دلهم على ذلك أحد الخونة. ويوجد بين هؤلاء السكان فرسان ممتازون يتسمرون بكثير من الشجاعة والمهارة، عندما يركب الواحد منهم لا يتردد في محاربة عشرين أو ثلاثين شخصا، وله القدرة على رد هجوماتهم، وهم معروفون ببسالتهم وبعزة النفس، وجعل أبناؤهم على هذه الأخلاق، فلا يرضون بفعل أدنى دنيئة، ولا أعتقد أن هناك من يستطيع إنكار هذه الحقيقة. ومن الفرسان من يمد يده إلى الأرض، أثناء الركض، فيلتقط حجرا أو شيئا آخر دون أن يغادر صهوة جواده. أما سكان الصحراء البعيدة، فإنني لم أزرهم شخصيا، وما أقوله عنهم إنما هو رواية عن أشخاص موثوق بهم. وتنحصر ملكيات هؤلاء السكان في الجمال والبقر والخيل، وليس لاعلاهم درجة قطعان من الغنم ولا من المعز، لأن هذه الحيوانات تعرقل

стр. 34

فرارهم عندما تهاجمهم قبيلة من القبائل العدوة، وفي كثير من الأحيان يضطرون إلى تركها. وهم يحبون خيلهم حبا شديدا، ويجعلونها في مكانة خاصة إلى درجة أنهم يقدمون لها حليب النوق. عدد هؤلاء السكان كبير، وأصلهم عربي كما تقدم، والقيادة فيهم يتورثها الابن من الأب. ويزعمون أن هؤلاء القادة ينحدرون عن النبي داوود. ويتصرف كل قائد في حوالي عشرة آلاف خيمة لا تبقى في مكان واحد أكثر من شهر. وأهم ما يتغدى به هؤلاء الأهالي التمر وحليب النوق، ويقدمون منتوجاتهم للسكان المزارعين مقابل الشعير والقمح وكذلك القماش الذي يصنعون منه لباسهم والمناديل الحريرية التي تستعملها نساؤهم. ويحملون على ظهور الجمال الصوف والسمن الخ ... ويعتبر صوفهم من أجود الأنواع وهو يشبه المرينوس الى حد كبير. جمالهم شبيهة بالمتوحشة لا تروض إلا بصعوبة، ولا تستعمل في الأشغال كما يفعل ذلك سكان التل. ويوجد لدى هؤلاء السكان نوع من أجود أنواع الخيل، وهم بالطبع، أكثر نشاطا، وقوة من السكان المزارعين الذين ذكرناهم أعلاه، ونستطيع القول بأن الرجل منهم يساوي عشرة من الآخرين. وتعيين مشايخ الصحراء من اختصاصات باي قسنطينة، وعندما يقلدهم زمام الحكم يهدي إليهم معطفا مدبجا بالخيوط الذهبية. ويضع تحت تصرف الشيخ الواحد عشرين خيمة من الجنود الأتراك وأعلاما وجوقة موسيقى عسكرية، ويكون هذا الشيخ كالملك بالنسبة لسكان الصحراء، الذين تبذل جميع الوسائل الممكنة لجلبهم إلى قسنطينة، فيدعون للتنقل إليها أيام السوق

стр. 35

يبدلون فيها منتوجاتهم خدمة لمصالح هذه العاصمة، ولذلك نجد مدينة قسنطينة التي ما كانت تبلغ هذه المكانة لولا هذه المنافع، نجدها مزدهرة تتمتع بكل ما تدره التجارة المركزة فيها، إلا أن هناك بعض المشايخ، الذين لا تسمح لهم كبرياؤهم بالخضوع لسلطة الباي، يفضلون الذهاب لأسواق أخرى في الجهة الغربية مثل التيطري وغيرها من المدن. وبفضل تنقلاتهم اليومية، يفيدون مقاطعة باي التيطري دون أن يخضعرا لأي واجب من الواجبات، ولأجل هذه المنافع يهتم البايات كثير الاهتمام بالتحالف، عن طريق المصاهرة، مع رؤساء هؤلاء السكان الرحل الأباة. إن الحاج أحمد (٤)، ياي قسنطينة الحالي، ابن أخت أحد كبار رؤساء هؤلاء العرب، ويدعى الذوادي بن قانة. وقد كان الباي ابراهيم (٥) الذي سلم عنابة للفرنسيين، بايا في قسنطينة أيام الأتراك وفي ذلك العهد صاهر أحد أفراد عائلة الشيخ فرحات (٦)، وهو من قواد الصحراء.

стр. 36

وعندما غزا الفرنسيون الجزائر، استلى مصطفى بومزراق (٧)، باي التيطري، على المدية الواقعة غربي مدينة الجزائر، وأعلن نفسه باشا، وارتأى إبراهيم باي، الذي كنا نتكلم عنه والذي تحالف مع مصطفى المذكور، أن ينصب نفسه، بمساعدة صهره الشيخ فرحات، بايا على قسنطينة مكان الحاج أحمد، وأن يستولي على المدينة وعلى ثروات هذا الأمير (كان يجهل أن هذه ثروات قسنطينة وأنها نقلت إلى الصحراء). وقد كان يأمل أنه يجد في كنوز الحاج أحمد ما يكفيه للقيام بمحاربة الفرنسيين، واعتقد الشيخ فرحات، بهذه المناسبة، أن من حقه أن يبذل كل ما في وسعه، ظنا منه أن مسألة المدية تكون لها نتائج مرضية. وفي الوقت الذي فشلت فيه مخططات باي التيطري، كانت المعركة قائمة بين الحاج أحمد والشيخ فرحات الذي منعته عزة النفس من التراجع على الرغم من أن جيشه كان في وضع سيء، وعندما انتصر عليه الحاج أحمد استولى على ثرواته وأتباعه وعلى كل ما ينتسب إليه، ولكن الحاج أحمد المنتصر كان رحيما وكريما، فأعاد النساء والأطفال إلى خيماتهم وأرجع للشيخ جميع ثرواته كما هي العادة عند البواسل، ثم أحضر لهم الخيل وما عداها من الحيوانات الضرورية لنقل أمتعتهم، وعندما يحل السلم تنطفىء الضغائن ويسود الإحسان، وفي جميع الحالات تجب حماية النساء واحترامهن، ولا تكون

стр. 37

الحرب إلا بين الرجال. وبعد أن أعادهن لرئيسهن ولأبائهن، وجه الحاج أحمد لفرحات رسالة يؤمنه فيها من كل خوف، ويقدم له الأمان، ويدعوه إلى زيارته. بيد أن هذا القائد، الذي أخزته الهزيمة، رفض التنقل شخصيا ولكنه ظل، من ذلك الحين، يراسل باي قسنطينة، فشرح له الأسباب التي أدت إلى الحرب، وبعث له الرسائل التي تكون علاقاته مع الدوق ((دوروفيغو))، وأحاطه علما بجميع الاتصالات التي يقوم بها يهود الجزائر، كما أحاطه علما بالجواب الذي أخص به الدوق والذي يقول فيه أنه لا يستطيع قبول عروضه، وأن شرفه ومركزه الاجتماعي بين الرؤساء الآخرين، يفرضان عليه عدم مساعدة أي كان ضد وطنه، وبالتالي فإنه ليس من طبعه أن يخون مواطنيه وبلاده. وقد أطلعني الحاج أحمد على أسرار كل هذه المراسلات، وبهذا الصدد قال لي: كيف أن الفرنسيين الذين اشتهروا بالفكر الثاقب وبحدة الذكاء يظهرون العكس في مثل هذه الظروف؟ كيف يثقون ثقة عمياء في يهود مناورين، وفي ذلك المدعو ابن قارة علي الذي عين خليفة في المنطقة الشرقية والذي لم يتمكن من شغل هذا المنصب أكثر من ثلاثة أيام؟ ان هذا السلوك قدبين للعرب أن الفرنسيين يثقون بأناس لا أهلية لهم ولا كفاءة، وينقص من قيمتهم في نظر هؤلاء العرب أنفسهم وفي نظر سكان الصحراء. وزيادة على ذلك، فإن هؤلاء السكان بعيدون بطبعهم عن جميع الأوربيين ودلك بسبب الاختلاف الموجود في اللغة، واللباس، والطبائع، ثم إن أفكارهم التعصبية تعد من أهم الحواجز التي تمنع كل تقارب ولذلك، كما قال الحاج أحمد، فإنه ليس للفرنسيين أن يأملوا في أن يساعدهم هؤلاء الأهالي على أن يصبحوا سادة عليهم وعلى البلاد. وعلاوة على ذلك، أضاف الحاج أحمد، فإن إدارة

стр. 38

الفرنسيين والأساليب التي استعملوها حتى الآن لم توضع للإغراء. وفي الصفحات المقبلة، عندما أتكلم عن رحلاتي إلى قسنطينة، ومحادثاتي مع باي هذه المقاطعة، سأذكر بعض الملاحطات القيمة التي أبداها الحاج أحمد. ويحق لي أن أذكر بأنني كنت كلما قدم الحاج أحمد حججا، أبذل كل ما في وسعي لإقناعه بالتخلي عن الفكرة التي تكونت لديه، ولقد أردت أن أفهمه بأن ليس للحكومة الفرنسية سوى نوايا حسنة، وأن الآمال التي قام بها بعض القادة والتي يعتبرها ناقصة وتستحق العقاب إنما نصفها مبالغ فيه، والربع لم يؤول تأويلا صحيحا، والباقي، الذي تدينه الأمة الفرنسية، لم تأمر به حكومتها. ان وصول رسل الشيخ فرحات الذوادي كان سببا في الحادث المفجع الذي وقع لقبيلة العوفية (٨). ولقد قدم السيد بيشون (٩)، في كتابه، تفصيلا عن تلك الفضيحة التي ستكون صفحة سوداء في تاريخ الشعوب والتي لا يصدق الكثير أنها وقعت في القرن التاسع عشر، عهد الحرية والحضارة الأوربية. منذ ذلك الوقت، أخذ الشيخ فرحات حذره، وصار باي قسنطينة يحترس من الفرنسيين، وكذلك الأمر بالنسبة لجميع القادة الآخرين وللسكان بأكملهم. إنهم يعتقدون أن عدل الفرنسيين ظاهري فقط. وأن كل قبيلة تحتمي بهم

стр. 39

وتبدي الإخلاص لقضيتهم تلقى مصير العوفية. هل ان الفرنسيين لا يودون التقرب منا إلا لإبادتنا ونهبنا، كما فعلوا ذلك بالنسبة لتلك القبيلة الضعيفة؟ ان الفائدة التي يمكن انهم حصلوا عليها نتيجة نهبهم إياها لضئيلة جدا، إذا قارناها بالخزي والعار اللذين أصابا المتسببين في هذه النكبات. والذي يدهشني في هذه الواقعة، ويخجلني عندما أتكلم عن هذه الأحداث هو أن السيد بيشون قد عرض قبلي، في كتاب، وبكيفية صادقة هذه الأحداث، ولم تتخذ الحكومة الفرنسية أدنى الإجراءات للتنديد بهذه الأعمال التي لا تليق بمقامها وبكرامتها. ولقد كان من حقها أن تبرهن على أن مشاعرها تتعارض مع هذا النوع من التصرفات، ومن واجبها، كما فعلت ذلك بمناسبة الاستيلاء بالقوة على الصوف، أن تشجب بشدة وبواسطة تصريح وقوع مثل هذه الكوارث التي يتسبب فيها أعوانها. وأخيرا، كان عليها أن تعوض للسكان القلائل الذين سلموا من المذبحة ما أتلف من أملاكهم، وأن تمنع بيع الغنائم المغتصبة. لقد تم هذا البيع في باب عزون، ومن جملة ما رأينا أساور ما تزال مشدودة إلى زنود مقطوعة وقرطا دامية. وعلى العكس فإن جميع الأعمال التعسفية كانت تشجع وانطمست مبادىء العدالة كلها في أذهان الحكام. وبهذه التصرفات، سوف تستحيل الإقامة في هذه القارة بالنسبة للفرنسيين الذين سيفقدون إلى الأبد جميع الامتيازات التي يكونون قد اكتسبوها. وهكذا نظمت حملة عسكرية ضد البليدة التي كانت بين أيدي الفرنسيين وفي حمايتهم، وعلى غرار ما وقع في العوفية، فإن سكانها نهبوا وذبحوا. وهذه المدينة المعرضة، دائما، لهجومات المفسدين المقيمين في الجبال المحيطة

стр. 40

بها. ليس فيها أي حصن ولا يمكن لها أن تقاوم طويلا. وإنني لأذكر هذا الحادث وأترك الحكم فيه للأجيال المقبلة. لقد خضع سكان البليدة للفرسيين على رغم أنف جيرانهم سكان الجبل، ثم أن الفرنسيين تركوهم فريسة للأحقاد، يموتون دون أن يقدموا لهم وسيلة للدفاع عن أنفسهم. وكل هذه الأعمال التخريبية الهدامة معروفة ويزداد انتشارها من يوم لآخر في كامل أنحاء الإيالة. ان هذا البلد، كأنه سلسلة في إحساسه بالخير والشر، يكفي أن تمس حلقة واحدة لتقوم الباقية برد الفعل. وهكذا، فإن الانطباعات التي تنتح عن تصرفات الحكام تسري حينا وإلى كل مكان، لكن، مع الأسف، فإن جزءا من الإنسانية وحده هو الذي يرزح تحت عبء كل ما يمكن تصوره من الشرور. ولكي أعود إلى وصف الخيم، فعلى الرغم من أنني لم أتجول في هذه الدوارير التابعة للشيخ الشهم الكبير الذوادي ابن قانه، خال الحاج أحمد، باي قسنطينة، أستطيع القول بأنها رحبة ومقامة بأناقة وأبهة. وعلى كل مدخل تجد الخيل الجميلة مربوطة. ولقد سألت عن عدد الفرسان الذين يمكن تجنيدهم عند أول إشارة، وكان الجواب أن الشيخ ابن قانه يستطيع الاعتماد على عشرة آلاف فارس. ولا أعتقد أن في هذا العدد مبالغة، لأن مجموع الخيم يزيد عن العشرة آلاف وإذا فرضنا أن كل خيمة يمكن لها أن تجهز فارسا واحدا وجدنا بكل سهولة العدد المطلوب، أما أنا، فإني أعتقد أنه بالإمكان، عند الحاجة، مضاعفة العدد، وذلك نظرا لكثرة ما يملكه هؤلاء السكان من
следующие страницы →