← История

История · id 14329

المرآة

حمدان خوجة

Полный текст (260 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وعندما غزا الفرنسيون الجزائر، استلى مصطفى بومزراق (٧)، باي التيطري، على المدية الواقعة غربي مدينة الجزائر، وأعلن نفسه باشا، وارتأى إبراهيم باي، الذي كنا نتكلم عنه والذي تحالف مع مصطفى المذكور، أن ينصب نفسه، بمساعدة صهره الشيخ فرحات، بايا على قسنطينة مكان الحاج أحمد، وأن يستولي على المدينة وعلى ثروات هذا الأمير (كان يجهل أن هذه ثروات قسنطينة وأنها نقلت إلى الصحراء). وقد كان يأمل أنه يجد في كنوز الحاج أحمد ما يكفيه للقيام بمحاربة الفرنسيين، واعتقد الشيخ فرحات، بهذه المناسبة، أن من حقه أن يبذل كل ما في وسعه، ظنا منه أن مسألة المدية تكون لها نتائج مرضية. وفي الوقت الذي فشلت فيه مخططات باي التيطري، كانت المعركة قائمة بين الحاج أحمد والشيخ فرحات الذي منعته عزة النفس من التراجع على الرغم من أن جيشه كان في وضع سيء، وعندما انتصر عليه الحاج أحمد استولى على ثرواته وأتباعه وعلى كل ما ينتسب إليه، ولكن الحاج أحمد المنتصر كان رحيما وكريما، فأعاد النساء والأطفال إلى خيماتهم وأرجع للشيخ جميع ثرواته كما هي العادة عند البواسل، ثم أحضر لهم الخيل وما عداها من الحيوانات الضرورية لنقل أمتعتهم، وعندما يحل السلم تنطفىء الضغائن ويسود الإحسان، وفي جميع الحالات تجب حماية النساء واحترامهن، ولا تكون

стр. 37

الحرب إلا بين الرجال. وبعد أن أعادهن لرئيسهن ولأبائهن، وجه الحاج أحمد لفرحات رسالة يؤمنه فيها من كل خوف، ويقدم له الأمان، ويدعوه إلى زيارته. بيد أن هذا القائد، الذي أخزته الهزيمة، رفض التنقل شخصيا ولكنه ظل، من ذلك الحين، يراسل باي قسنطينة، فشرح له الأسباب التي أدت إلى الحرب، وبعث له الرسائل التي تكون علاقاته مع الدوق ((دوروفيغو))، وأحاطه علما بجميع الاتصالات التي يقوم بها يهود الجزائر، كما أحاطه علما بالجواب الذي أخص به الدوق والذي يقول فيه أنه لا يستطيع قبول عروضه، وأن شرفه ومركزه الاجتماعي بين الرؤساء الآخرين، يفرضان عليه عدم مساعدة أي كان ضد وطنه، وبالتالي فإنه ليس من طبعه أن يخون مواطنيه وبلاده. وقد أطلعني الحاج أحمد على أسرار كل هذه المراسلات، وبهذا الصدد قال لي: كيف أن الفرنسيين الذين اشتهروا بالفكر الثاقب وبحدة الذكاء يظهرون العكس في مثل هذه الظروف؟ كيف يثقون ثقة عمياء في يهود مناورين، وفي ذلك المدعو ابن قارة علي الذي عين خليفة في المنطقة الشرقية والذي لم يتمكن من شغل هذا المنصب أكثر من ثلاثة أيام؟ ان هذا السلوك قدبين للعرب أن الفرنسيين يثقون بأناس لا أهلية لهم ولا كفاءة، وينقص من قيمتهم في نظر هؤلاء العرب أنفسهم وفي نظر سكان الصحراء. وزيادة على ذلك، فإن هؤلاء السكان بعيدون بطبعهم عن جميع الأوربيين ودلك بسبب الاختلاف الموجود في اللغة، واللباس، والطبائع، ثم إن أفكارهم التعصبية تعد من أهم الحواجز التي تمنع كل تقارب ولذلك، كما قال الحاج أحمد، فإنه ليس للفرنسيين أن يأملوا في أن يساعدهم هؤلاء الأهالي على أن يصبحوا سادة عليهم وعلى البلاد. وعلاوة على ذلك، أضاف الحاج أحمد، فإن إدارة

стр. 38

الفرنسيين والأساليب التي استعملوها حتى الآن لم توضع للإغراء. وفي الصفحات المقبلة، عندما أتكلم عن رحلاتي إلى قسنطينة، ومحادثاتي مع باي هذه المقاطعة، سأذكر بعض الملاحطات القيمة التي أبداها الحاج أحمد. ويحق لي أن أذكر بأنني كنت كلما قدم الحاج أحمد حججا، أبذل كل ما في وسعي لإقناعه بالتخلي عن الفكرة التي تكونت لديه، ولقد أردت أن أفهمه بأن ليس للحكومة الفرنسية سوى نوايا حسنة، وأن الآمال التي قام بها بعض القادة والتي يعتبرها ناقصة وتستحق العقاب إنما نصفها مبالغ فيه، والربع لم يؤول تأويلا صحيحا، والباقي، الذي تدينه الأمة الفرنسية، لم تأمر به حكومتها. ان وصول رسل الشيخ فرحات الذوادي كان سببا في الحادث المفجع الذي وقع لقبيلة العوفية (٨). ولقد قدم السيد بيشون (٩)، في كتابه، تفصيلا عن تلك الفضيحة التي ستكون صفحة سوداء في تاريخ الشعوب والتي لا يصدق الكثير أنها وقعت في القرن التاسع عشر، عهد الحرية والحضارة الأوربية. منذ ذلك الوقت، أخذ الشيخ فرحات حذره، وصار باي قسنطينة يحترس من الفرنسيين، وكذلك الأمر بالنسبة لجميع القادة الآخرين وللسكان بأكملهم. إنهم يعتقدون أن عدل الفرنسيين ظاهري فقط. وأن كل قبيلة تحتمي بهم

стр. 39

وتبدي الإخلاص لقضيتهم تلقى مصير العوفية. هل ان الفرنسيين لا يودون التقرب منا إلا لإبادتنا ونهبنا، كما فعلوا ذلك بالنسبة لتلك القبيلة الضعيفة؟ ان الفائدة التي يمكن انهم حصلوا عليها نتيجة نهبهم إياها لضئيلة جدا، إذا قارناها بالخزي والعار اللذين أصابا المتسببين في هذه النكبات. والذي يدهشني في هذه الواقعة، ويخجلني عندما أتكلم عن هذه الأحداث هو أن السيد بيشون قد عرض قبلي، في كتاب، وبكيفية صادقة هذه الأحداث، ولم تتخذ الحكومة الفرنسية أدنى الإجراءات للتنديد بهذه الأعمال التي لا تليق بمقامها وبكرامتها. ولقد كان من حقها أن تبرهن على أن مشاعرها تتعارض مع هذا النوع من التصرفات، ومن واجبها، كما فعلت ذلك بمناسبة الاستيلاء بالقوة على الصوف، أن تشجب بشدة وبواسطة تصريح وقوع مثل هذه الكوارث التي يتسبب فيها أعوانها. وأخيرا، كان عليها أن تعوض للسكان القلائل الذين سلموا من المذبحة ما أتلف من أملاكهم، وأن تمنع بيع الغنائم المغتصبة. لقد تم هذا البيع في باب عزون، ومن جملة ما رأينا أساور ما تزال مشدودة إلى زنود مقطوعة وقرطا دامية. وعلى العكس فإن جميع الأعمال التعسفية كانت تشجع وانطمست مبادىء العدالة كلها في أذهان الحكام. وبهذه التصرفات، سوف تستحيل الإقامة في هذه القارة بالنسبة للفرنسيين الذين سيفقدون إلى الأبد جميع الامتيازات التي يكونون قد اكتسبوها. وهكذا نظمت حملة عسكرية ضد البليدة التي كانت بين أيدي الفرنسيين وفي حمايتهم، وعلى غرار ما وقع في العوفية، فإن سكانها نهبوا وذبحوا. وهذه المدينة المعرضة، دائما، لهجومات المفسدين المقيمين في الجبال المحيطة

стр. 40

بها. ليس فيها أي حصن ولا يمكن لها أن تقاوم طويلا. وإنني لأذكر هذا الحادث وأترك الحكم فيه للأجيال المقبلة. لقد خضع سكان البليدة للفرسيين على رغم أنف جيرانهم سكان الجبل، ثم أن الفرنسيين تركوهم فريسة للأحقاد، يموتون دون أن يقدموا لهم وسيلة للدفاع عن أنفسهم. وكل هذه الأعمال التخريبية الهدامة معروفة ويزداد انتشارها من يوم لآخر في كامل أنحاء الإيالة. ان هذا البلد، كأنه سلسلة في إحساسه بالخير والشر، يكفي أن تمس حلقة واحدة لتقوم الباقية برد الفعل. وهكذا، فإن الانطباعات التي تنتح عن تصرفات الحكام تسري حينا وإلى كل مكان، لكن، مع الأسف، فإن جزءا من الإنسانية وحده هو الذي يرزح تحت عبء كل ما يمكن تصوره من الشرور. ولكي أعود إلى وصف الخيم، فعلى الرغم من أنني لم أتجول في هذه الدوارير التابعة للشيخ الشهم الكبير الذوادي ابن قانه، خال الحاج أحمد، باي قسنطينة، أستطيع القول بأنها رحبة ومقامة بأناقة وأبهة. وعلى كل مدخل تجد الخيل الجميلة مربوطة. ولقد سألت عن عدد الفرسان الذين يمكن تجنيدهم عند أول إشارة، وكان الجواب أن الشيخ ابن قانه يستطيع الاعتماد على عشرة آلاف فارس. ولا أعتقد أن في هذا العدد مبالغة، لأن مجموع الخيم يزيد عن العشرة آلاف وإذا فرضنا أن كل خيمة يمكن لها أن تجهز فارسا واحدا وجدنا بكل سهولة العدد المطلوب، أما أنا، فإني أعتقد أنه بالإمكان، عند الحاجة، مضاعفة العدد، وذلك نظرا لكثرة ما يملكه هؤلاء السكان من

стр. 41

الخيل ولكثرة شغفهم بركوبها وبخوض الحروب. وهناك، أيضا، مشايخ كثيرون يعرفهم ابن قانه ويسكنون هذه المناطق. وها هي الآن بعض التفصيلات عن الصحراء. إنها باب وموطن للرمال، نرى فيها من حين لآخر جبلا شامخا ثم يزول في لمح البصر لأنه من رمل وليس من أجسام صلبة. إن الرياح تصنع الجبال وتهدمها كما شاءت، وتصنع السهول والأكوام. ومن المستحيل شق طريق تضمن الذهاب من نقطة والإياب إليها، إننا لا نجد فيها شجرة ولا حجرة ولا أنهار ولا أودية، ولا أية علامة لمعرفة الاتجاه. غير أن سكان هذه الناحية يتمتعون بموهبة خاصة تقودهم في الأسفار، إنهم يهتدون بكواكب النهار ونجوم الليل، ويكشفون المياه بسهولة عجيبة، وفي بعض الأحيان فإن هذه الينابيع تكون مغطاة بقدم وقدمين من الرمل، ولكن ذلك لا يمنع من الوصول إليها وهذه ملكة اختصوا بها دون غيرهم. يوجد في وسط الصحراء بعض المدن مثل بسكرة، ميزاب، لغواط وغيرهما ... مقامة على الأنهار أو على الينابيع، وتخضع لإدارة مشايخ الصحراء الذين يتقاضون نوعا من الغرامة مقابل حمايتهم لأهالي هذه المدن. وسكان الصحراء لا يعرفون البذلة الأوربية، ما عدا أولائك الذين يذهبون إلى المدن الساحلية مثل مدينة الجزائر وغيرها. ويوجد في هذه المناطق عدد كبير من الحيوانات السامة مثل الثعابين والعقارب، وهي خطيرة جدا، ولا أستطيع ذكر أنواع الحذر التي يتدرع بها السكان لحماية أنفسهم، لأن هذه الحيوانات تختبىء في الرمال، وهناك أيضا، الأفاعي بأحجام مختلفة، ونوع آخر قصير ونحيل ينطلق نحو الأفراد

стр. 42

وكأنه السهم، وبمجرد ما تتصل هذه الزواحف بالجسم تطلق النار ثم تقتل نفسها بعد أن تميت الشخص الملدوغ، ويقال كذلك أنها تترك أثرا في قطعة الحديد أو الفولاذ التي تصطدم بها. فمثلا ان ركاب الخيل في هذه المناطق عريض ومحقق لتجد الرجل فيه مكانها، وعندما يلمسه هذا الحيوان، فإنه يترك فيه علامة. ولن أنتهي من هذا الفصل دون التذكير بأن هذه المنطقة الواقعة في داخل البلاد هي مصدر ثروات الإيالة وأساس كيانها السياسي، وأنها تشكل بمفردها أكبر جزء تعتمد الإيالة كل الاعتماد عل سكانه. - وهنا أصل إلى تفاصيل أقل أهمية على الرغم من أن بعض مشاهير الكتاب أرادوا أن يظهروا بأن المناطق الساحلية أهم وأغنى، وسأبين في الفصل القادم مدى خطأ زعمهم، وأبرهن، بكيفية منطقية وهندسية، على أنهم ارتكبوا أغلاطا فادحة عندما تكلموا عن أشياء لا يعرفونها إلا معرفة سطحية. وأن إقناع ذوي المنطق السليم والرأي الصائب لا يتم أبدا بواسطة الجمل المنمقة، والمحيط لا يمكن أن ينشأ فوق مونتمارنر كما أن القصور في اسبانيا ستظل خرافات، وعلى الرغم من كل ما قد تفوهت به تلك الشخصية التي هي بلا شك أقرب إلى أن تكون رجل سيف منها إلى أن تكون رجل قلم، عل الرغم من ذلك وعلى الرغم من أني من مواليد المشرق، فإنني سأقف ضد حقوق غير مشروعة وأحارب الآرام الخاطئة بواسطة حجج لا تقبل المنازعة.

стр. 43

الفصل الخامس المتيجة: طبائع سكانها وعاداتهم إن المتيجة التي دوخت بعض الشيء ذلك الكاتب المشهور (١) وجعلته يحلم بأنها الأرض الموعودة، التي أراد الجنرال أن يحولها إلى جزيرة في وسط هذه القارة الواسعة بعد أن أوحت له بعدد آخر من المشاريع الوهمية، رقعة منقعية وغير صحيحة. أنها سهل لا تساوي تربته تربة غيره من سهول الإيالة، بالإضافة إلى كونه موطنا لحمى تظهر في أوقات متقطعة، فتصيب السكان وتلازم حتى المتأقلمين. وعليه، فإن الجنرال الشهير وأنصاره مخطئون كل الخطأ وأرى من واجبي أن أتصدى لوسائلهم التي تبدو لي غير صالحة. يعتقدون أن باستطاعتهم استصلاح هذا السهل، ويتوهمون أنهم اكتشفوا قنوات كتلك التي تعود الرومان أن يستعملوها وظنوا أنها كافية لتجفيف التربة.

стр. 44

ومن واجبي، كمالك - من أب لابن - لجزء كبير من هذا السهل مثل أسر أبي قندورن، وأبي هراوه، وناصف خوجة، - من واجبي أن أقول بأنني أجهل تماما وجود قنوات تشبه قنوات الرومان. وشخصيا، فإنني أملك عددا من هذه القنوات على مقربة من مزارعي ومن الأليق أن نسميها ميازيب لأنها معدة فقط لإبعاد المياه العفنة والمضرة ولجعل الضواحي قابلة للإسكان. وكلما حاول بعض الكتاب أن يقارنوا رقعة منقعية كمنطقة المتيجة بأراضي أمريكا، فإنهم يكونون عرضة للانتقاد. ومن الأفضل لهم التفكير في مقاطعات لومبالديا (٢) أو في ضواحي روما اللاصحية لتكون المقارنة عادلة ومنطقية. وعليه، فإن من واجبي أن أقوم، عن وعي، بتكذيب كل ما قيل عن هذه المنطقة حتى ولو كان في ذلك خيبة أمل بعض الأشخاص الذين ينتظرون منافع كبيرة من الاستعمار. ان سكان الإيالة، أو الأهالي كما يسمون، يعرفون بلادعم أحسن من الأجانب الذين زاروها مرة أو مرتين والذين يمكن التشكيك في إدعاءاتهم الإحصائية والطبوغرافية. هناك أشخاص يزعمون أنهم يعرفون مقاطعة أو مملكة، جبلا جبلا وحجرا حجرا، وهم في الواقع لم يشهدوا تلك الأماكن إلا عرضا ومن بعيد. تماما كما لو قلت إنني أعرف فرنسا حق المعرفة لأنني قطعت المسافة ما بين مرسيليا وليون وبارس وكالي، ذهابا وإيابا فوق العربة. فبكل نزاعة لا أستطيع أن أكتب مقالة وصفية إعتمادا على

стр. 45

مثل هذه المعطيات، وأترك للقارىء حرية الحكم على الملاحظات التي قد تتعارض مع الإستلاحة. ان الطبيعة لم تحب سكان المتيجة. انهم مجبلون على الكسل والنذالة والخيانة والحقد والدسيسة. وليس لهم مورد غير التسبيقات التي يقدمها لهم الجزائريون (سكان العاصمة) مقابل الإعتناء بمزارعهم وقطعانهم، وما يدره عليهم الحليب الذي يبيعونه في مدينة الجزائر. وعندما يراد وصف شخص بأنه كسول ومسكين يقال عادة أنه من متيجة. ان قمح هذه المنطقة أقل جودة من غيره، ولونه يميل إلى الواد وكمية النشاء فيه أقل من تلك التي تحتوي عليها القموح الأخرى. ولا يمكن خزنه أكثر من سنة لأنه يتعرض للفساد حتى ولو كان البذر من مكان آخر. وهذا العيب ناتج عن جو المنطقة ومناخها، ويقول الفلاحون أن اللون القريب من السواد ناتج عن كثرة الندى الذي يتساقط على القمح قبل فترة النضج. وهذا أمر لا نجده في بافي أنحاء الإيالة. إنني أتكلم عن بصيرة لأنني كما ذكرت في السابق، أحد المالكين في المتيجة، وأزرع سنويا في هذا السهل، ولحسابي الخاص، حوالي مائة وستين حمولة جمل من القمح، وحولي مائة أو مائة وعشرين من الشعير. إنني أزور هذا السهل مرة في ربيع كل سنة لأنني أخشى الحمى في الفصول الأخرى، وحتى في هذه الفترة آخذ معي ماء الكولونيا وغيره مما يقيني شر الهواء الفاسد، كما أتزود من ماء مدينة الجزائر أشرب منه. إن هذا السهل يشبه الغدير في الشتاء، وفي الصيف والخريف تستوطنه

стр. 46

الحمى باستمرار إلى درجة أنه من الصعب جدا إتقائها، وما تمسكي بهذا السهل إلا لأنه قريب من المدينة ولأن فيه مزارع ومواشي عير بعيدة عن ضواحي الجزائر التي أزرع فيها القطن وهي زراعة منتجة لا يعرفها العرب. وعلى اثر الغزو الفرنسي ضيعت هذه الزراعة كما أرغمت على ترك منافع أخرى. ان هذا السهل يكاد يكون مملوكا من طرف سكان مدينة الجزائر وحدهم، أما معاش سكان المتيجة فمن وادي جر ومليانة، (٣) وعندما لا تكون الغلل كافية يلجأون جميعا إلى المناطق الغربية. وبعد مجيء الفرنسيين ارتفعت الأسعار وقلت الموارد في هذه المنطقة بكيفية ملموسة. وأصحبت الطرقات غير آمنة مما جعل سكان الغرب لا يسلكونها كما كانوا يسلكونها في السابق. ان هذا الشر قد ظهر خاصة هذه السنة بعد اعتقال مرابط القليعة الذي هو أكثر المرابطين تأثيرا في هذه المنطقة، والذي كان يحمي المسافرين ويدفع السكان البعيدين إلى الإتيان ببضائعهم وذلك بأن يحفظهم من جميع أنواع الشتم. لقد أصبح اعتقال هذا المرابط مصيبة على المنطقة، لا سيما وأنه اعتقال غير شرعي وان براءة الشيخ لا يشك فيها أحد. ويبدو ان الإعتقال ما يزال مستمرا، وان غرامة مجحفة قدرها مليون قد فرضت عليه وأغاظ هذا التصرف الجائر جميع سكان الإيالة إلى درجة أنه لم يعد لديهم أي استعداد للإتحاد مع الفرنسيين الذين صاروا ينظرون إليهم كمغتصبين. ولقد باع أهالي هذا المرابط كل ما يملكون من ماشية وخيل وأراضي وحبوب ولم يتمكنوا إلا من جمع عشرة آلاف فرنك. وعلى الرغم من دفع هذا المبلغ، واستحالة الحصول على أكثر من ذلك، فإن اعتقال قائدهم

стр. 47

ووالدهم ما يزال مستمرا. وهذا هـ السبب الذي دفعني إلى القول بأن سكان المتيجة تألموا كثيرا من هذا الوضع، وبأن فلاحتهم قد توتفت كما انقطعت وسائل عيشهم الأخرى لأن هذا القائد هو حامي الفلاحين في هذا السهل، وهو نفسه واحد منهم,. وعلى فرض هؤلاء السكان سيخلصون الى الفرنسيين، فان وسيلة عيشهم محصورة في بيع البقر والدواجن، فيا لهم من تعساء! لأن عرب الجبال يتحكمون في هذا السهل بحكم موقع المنطقة الطبوغرافي. والخيل غير موجودة بتاتا، وما هو في حوزة السكان منها يستعمل للركوب ولنقل السلع وحرث الأرض. وعندما يصل أهالي هذه الناحية إلى مدينة الجزائر يعرفون بكل سهولة نظرا لما هم عليه من جهد وتعب، وذلك لأنهم لا ينقصون تغدية فحسب، ولكن العذاء الذي يتناولونه لا ينفع كثيرا بل هو غذاء مضر , ونظرا لكل هذه الإعتبارات يبدو لي من العجب أن يكون (الدوق دوروفيكو) أراد أن يفرض على هؤلاء المساكين ضرائب كتلك التي كانت تفرض عليهم في عهد حكومة الأتراك. وهم كذلك يقولون ((إننا كنا ندفع الضرائب للأتراك مقابل قيامهم بتهدئة البلاد وتأمين الطرق وحمايتنا الخ ... فافعلوا مثلهم وسندفعها لكم!!!)). ان دفع الضرائب في بلاد الإسلام واجب ديني لأن الأموال المتأتية منها تنفق في صالح المجتمع بصفة عامة، ومعنى ذلك ان رئيس الدولة ليس إلا أمين مال المجموعة. يجمع الضرائب لينفقها في سد حاجات البؤساء والأرامل والأيتام ورجال الدين وأبناء السبيل. وأخير، في العمل على صيانة النوع البشري وتحسين أوضاعه. ولكي تكون هذه الضريبة شرعية يجب ان يكون رئيس الدولة مسلما، لأنه إذا لم يكن كذلك، يتحتم على

стр. 48

السكان ان يقوموا، حسب ضمائرهم، بتوزيعها بأنفسهم. وإذا أرغموا على الدفع، فإنهم يعتبرون ذلك قرصنة أو سرقة، ولا يمكن ان تكون السرقة عملا شرعيا. ولا يمكن لجميع الأشخاص الذين يعرفون التشريع الإسلامي ان ينكروا هذه المبادىء. ومن خلال هذه التفاصيل يجب نفهم بأنهم اذا امتنعوا عن إبداء هذه الملاحظات للدوق دوروفيكو، فلأنهم كانوا يخشون ضغينته والتعرض لمصير قبيلة العوفية. ومن نتائج هذا التعسف ان جميع السكان هاجروا وفروا وأخذوا جميع ثرواتهم إلى الجبال المجاورة ليكونوا في مأمن من سائر أنواع العدوان. ولم يبق، اذن، سوى الضعفاء والبؤساء وهم لا يقدرون على حرث الأرض. وسيكون من الصعب إجبار هؤلاء السكان على دفع الضرائب خاصة بعد ان حرموا من الفلاحة التي هي من أهم وسائل عيشهم. وحتى إذا دفعوا الضرائب، فإنهم لن يحصلوا على أمن الطرق ولا على الحماية التي وعدوا بها، بل سيكونون كسكان البليدة الذين اضطهدوا وأجبروا على دفع ضرائبهم بعد ان خضعوا للفرنسيين، وتعرضوا بسبب ذلك إلى انتقام سكان الجبال المجاورة لهم والذين هم أقوى منهم، بدلا من أن يحصلوا على الحماية الفرنسية وعلى وسائل إقامة الحصون التي تقيهم وتدفع عنهم الشرور. ولأجل ذلك تركوا البلاد ووجدوا أنفسهم مجبرين على إقامة العلاقات مع سكان الجبال. وفيما يخص طريقهم في الحياة وألبستهم، فإنهم يعيشون ويلبسون على وجه التقريب مثل السكان الذين تحدثنا عنهم سابقا، حسب ما توفره لهم وسائلهم المالية. ولن أخصص بابا لوصف طبائعهم وعاداتهم على الرغم من أن شخصا مدفوعا بمصالح شخصية، - ما في ذلك من شك - قد قام

стр. 49

بوصف هذه المنطقة وبوصف سكانها وصفا سطحيا لا أساس له من الصحة، وإنني أمتنع، في الوقت الحاضر، عن محاربة هذه الأغلاط التاريخية التي، بالرغم من أنها تخدع القارىء، أكسبت صاحبها مرتبة أعلى وهو يأمل أن يرى المخططات التي وضعها تتحقق. وإذا سمحت لي الظروف فيما بعد، فإنني سأعود الى الوراء وأعالج هذا الموضوع. البليدة سكان البليدة يشبهون بعض الشيء سكان المتيجة إلا أنهم أكثر منهم حضارة، أنهم يصنعون قماش المناديل التي تباع في مدينة الجزائر، وبرغم ذلك، فإنهم فقراء لا يعرفون تجارة ولا صناعة. مناخهم غير صحي.

стр. 50

الفصل السادس عن سكان الجهة الغربية هذه المنطقة أقل خصبا وأقل اتساعا من قسنطينة. وتلمسان التي هي إحدى المدن الرئيسية فيها ما زالت تحتضن أوابد كبيرة ومآثر هندسية جميلة للغاية. وقد كانت هذه المدينة، في القرن السابع، عاصمة للمقاطعة، تأوي حكومة مستقلة (١)، وهي أقدم من مدينة الجزائر، كما أنها كانت مقرا رسميا لدولة عبد المؤمن (٢). وفي المدينة ما زال يعثر على نقود تحمل اسمه، ومن جملة هذه النقود قطع من الذهب الدقيق في حجم نصف العملة الانكليزية أو سكين جمهورية البندقية القديمة. ومدينة تلمسان التي هي أكبر مدن الإيالة كانت قد تهدمت، وشرع في بنائها من جديد وهي الآن آهلة بالسكان الذين ينقسمون إلى صنفين: الأتراك والعرب أو الأهالي.

стр. 51

وبما أن الجزائر كانت تحت حمياة الباب العالي، فإن من المسلم به أن حكامها يكونون دائما أتراكا وكذلك نظامها العسكري، وإن العرب لا يقبلون أبدا في صفوف الميليشيا. ونتيجة هذا التمييز تولد بين الصنفين، في تلمسان، حقد ما زال إلى يومنا هذا وكثيرا ما يؤدي إلى صراع بينهما في وسط المدينة. وعندما دخل الفرنسيون الجزائر قامت معركة بين الطرفين، وحتى لا تسود الفوضى، طلب من سلطان المغرب (٣) أن يتدخل ليضع حدا لهذه الحرب الأهلية. وقبل السلطان هذه الدعوة، ولكنه بدلا من أن يحمي السكان ويعيد الأمن سلط على المدينة ظلما أدهى وأمر من الظلم الذي كان يسودها. فأبعد إلى مدينة فاس عشرين من الأعيان ولم يطلق سراحهم إلا عندما استولى على سائر ممتلكاتهم. ولما رأوا أن سلطان المغرب بغى عليهم، وإن الفرنسيين، من جهتهم، سلطوا على مدينة الجزائر حكما جائرا، ووجدوا أنفسهم بين نارين. بادروا إلى إبرام الصلح فيما بينهم. كانت مصالحهم تستدعي الوحدة فنسوا كل الضغائن المهلكة التي لا معنى لها. وفي هذه الفترة أرسلت فرنسا السيد دومرني في مهمة لدى سلطان المغرب قصد الحصول على الانسحاب من هذه المقاطعة التي تحتلها الجيوش المغربية. وفي أثناء الانسحاب شكل الأهالي حكومة مستقلة مكونة من أشخاص محنكين يعرفون جميع التقلبات البشرية، وباختصار، أقاموا نوعا من الجمهوريات اذ أن الحكم أصبح بيد جمعية يؤلفها عدد من أعيان المقاطعة. لقد اطلعت على تفاصيل هذه الأحداث عن طريق مستغانم التي هي أيضا

стр. 52

مدينة من مدن الجزء الغربي في مملكة الجزائر، وتقع على مقربة من وهران. وتأكدت لدي هذه المعلومات بواسطة جزائريين يسكنون تطوان وغيرها من مدن المملكة المغربية أجبروا على الخروج من مواطنهم بسبب التنكيلات التي تعرضوا لها من طرف الفرنسيين. وكما سبق أن ذكرنا، فإن سكان تلمسان من الأتراك والعرب، أشداء، ذو خلقة حسنة، عنيدون ومغترون، يحبون المجد وهم شجعان. ولكنهم طيبون واجتماعيون وتجار وفلاحون في أرضهم. يوجد في منطقتهم عدد من معامل الصوف يصنع فيها نوع من الأقمشة العادية التي يستعملها الجيش، كما تصنع فيها المحازم التي يبلغ عرضها أربع بوصات والتي تنسج (٤) نسجا متينا وتنقل إلى كامل أنحاء البلاد. مناخ تلمسان ألطف من مناخ الجهات المجاورة لها، ووضعها الطوبرغرافي جعل منها منطقة ثرية ومزدهرة، انها أحسن من منطقة الجزائر لو تزود بحكومة عادلة. ومن الممكن أن تصبح تلمسان مخزنا للسلع بالنسبة لكامل الجزء الغربي ولجنوب غربي افريقيا. إن مملكة المغرب تفرض على المواد الصناعية والتجارية الأوروبية ضريبة قدرها ١٠%. وعليه فبالإمكان أن نستورد عن طريق البر بجميع أنواع السلع دون أن ندفع رسوما، كما يمكن لنا أن نجد أسواقا جديدة في مملكة المغرب وفي داخل افريقيا.

стр. 53

المدية (٥) سكان المدية شجعان ومتصلبون. لا يميلون إلى الصناعة. مناخهم معتدل ولكنه بارد دائما تقريبا. إنهم يجنون ثمارا ممتازة والجو صحي في منطقتهم. مليانة (٦) يتسم سكان مليانة بنوع من العناد. أرضهم خصبة للغاية وهم فلاحون وثمرهم ممتاز. لا يمارسون أي نوع من أنواع الصناعة وليس لهم حرف غير تجفيف الفواكه، وصناعة نوع من المعجون بعصير العنب واللوز يمكن الاحتفاظ به طوال السنة. مناخهم صحي. وهران لم تدخل هذه المدينة في حوزة الجزائريين إلا سنة ١٧٩٠ (٧). والذي استرجعها من الاسبانيين هو الباي قاره محمد (٨). وهي آهلة بسكان معسكر والمغاربة وبني مزاب والبرابرة. وضعها الجغرافي جعل من سكانها تجارا وذلك

стр. 54

لما في التجارة من منافع ولأن الباي مهتم بها. ويأخذ الباي من التجار رسما مقداره ٥ بالمئة من السلع، ويبيع هذه البضائع إلى السكان نقدا أو مقابل حبوب ومواشي كالأبقار والأغنام. وبهذه الحالة يكون هو أيضا تاجرا. إن الدراهم متوفرة والفلاحة مزدهرة والبلاد في رخاء. معسكر (٩) سكانها من الأتراك والعرب والبربر وفيهم كثير من الكراغلة. طبائعهم وعاداتهم كثيرة الشبه بطبائع وعادات أهل تلمسان. إنهم فلاحون ويشتغلون خاصة بمضاعفة أجناس الخيل المختلفة وغيرها من الحيوانات الأخرى. يمارسون التجارة مع بني ميزاب. وفي هذه المنطفة تصنع البرانس الشهيرة السوداء ذات اللون الطبيعي والأقمشة الكتيمة والتي تستعمل في كامل أنحاء إيالة الجزائر، وتصدر إلى مصر وتركيا، يباع البرنس الواحد من البرانس المهفهنة بسعر يبلغ المائة قرنك. ولقد أصبح الفرنسيون أنفسهم من هواة البرانس. مدينة معسكر أقل قيمة من مدينة تلمسان. وعندما كانت وهران في قبضة الإسبانيين، كانت معسكر هي مقر الباي، وكانت المقاطعة عندئذ غنية، وشاع الترف في معسكر يظهر ذلك من خلال منازلها وهندستها. إنها مدينة أكثر تقدما من مدينة تلمسان. أما المدن والقرى الأخرى، فلا يبدو لي من المفيد أن أتكلم عنها إذ هي شبيهة بها لا تختلف عنها إلا بحسب موقعها.

стр. 55

وتبلغ مقاطعة التيطري نصف مقاطمة تلمسان وقد وصفناها ووضعنا حدودها. ويقطن باي التيطري في المدية، وتعتبر المقاطعة أسهل مقاطعة يمكن أخذها في الإيالة، والأتراك يعرفون ذلك كما أعرف أنا. وهناك مثل يقول بأن باي التيطري أضعف وأفقر من أمين بني ميزاب. وبنو ميزاب هم سكان الميزاب الذين تكلمنا عنهم عندما ذكرنا الصحراء، يأتون مدينة الجزائر كعمال يشتغلون بأحقر المهن، فيشتغلون مثلا في الحمامات والمطاحن ولبيع اللحوم والفحم، ويمكن مقارنتهم، في باريس، بسكان مقاطعتي الليموزين والصافوا (١٠). وحفاظا على الأمن العمومي، تعين الشرطة أمين بني ميزاب أو مسؤول الطبقة الشغلية. لا ينبغي اعتبار التيطري منطقة جبلية تصعب على المدفعية أو على الخيالة، وإذا قيل عن حملة التيطري أنها تشبه حملة أوسترليتز (١١) أو حملة وفرام (١٢)، فإن ذلك بلا شك للحصول على تقدير الأمة الفرنسية. أما الهزيمة التي مني بها الجنرال بارتوزين (١٣) في المدية، فإنها لا ترجع

стр. 56

أبدا إلى تفوق قوات التيطري، ولكن اتحاد مجموعات أخرى من برابرة الجهة الغربية هو الذي زاد في عدد القوات التي قد تكون وجدت في هذه الناحية، وجعل الجنرال بارتوزين ينخدع في حساباته. إنه لم يكن ينتظر مجابهة مثل هذه القوات المجتمعة ففشل في مهمته. غير أن الذين نصحوا الجنرال بتنظيم هذه الحملة ادعوا - تخلصا من التوبيخ - بأن الاتحاد تم بإيعاز من الأتراك الباقين في مدينة الجزائر. ولذلك اضطهد هؤلاء المساكين وأخذتهم القوات المسلحة من ديارهم لينفوا أو ليزج بهم في السجون. وكان صهري من جملة هؤلاء المظلومين. فقصدت الجنرال بارتوزين لأعرف أسباب الاعتقال ولكنه أعتذر وأجابني بأن قائد الشرطة ; الذي كان آغا، هو صاحب القرار الذي أفقد صهري حريته. وعندما توجهت إلى قائد الشرطة أجابني بكل برودة ولم يزد على قوله: (يجب أن تذهب، يجب أن تبعث النساء إلى تطوان أو إلى غيرها). ولما ذكرت له بأني لا أوافق على ذهاب بناتي أجابني بقوله: (اذن، فليطلق!). إننا لم نعرف الطلاق الإجباري في عهد أكثر الحكومات جورا، ولكن الإدارة الفرنسية سنت هذا القانون في إفريقيا مع أنه غير موجود في فرنسا، ولا يمكن - مهما كان الأمر - أن يوجد على هذه الصيغة. وفي هذه الحالة وجدتني مجبرا على الاحتجاج ضد هذا الإجراء، وتوجهت إلى القاضي لإبقاء الزواج وللبحث عن كيفية الخضوع لهذا العمل التعسفي خضوعا ظاهريا على الأقل. كل هذه الإهانات جعلت الجزائريين ييأسون. وإن الطريقة التي تسلكها

стр. 57

الإدارة الفرنسية قد نفرت السكان ونقلت الحضارة أكثر من قرن إلى الوراء. وفيما يخصني، إنني مقتنع بأن الحكومة الفرنسية لا تعلم بكل ما يجري من أحداث، وإذا كانت على علم بهذه التدابير اللاإنسانية واللادستورية ولم تعاقب أصحابها، فإنا نستطيع القول بأنها تشجع الإجرام وتساعد على البغي. وفي هذه الحالة تكون سيرتها مناقضة تماما للمبادىء التحررية وللفكرة التي أخذتها عن الشعب الفرنسي. تبدأ حدود هذه المقاطعة في مليانة (شرقا) وتمتد إلى وجدة (غربا) (١٤). مساحتها تقارب ربع مساحة قسنطينة، وقد أخذت هذه التفاصيل عن باي قديم مارس سلطته في وهران ثم في قسنطينة. أما المدن الأخرى التابعة للمدية، فإنني أستطيع أن أعفي نفسي من وصفها لأنني لا أعرف عنها ما يمكن أن يكون عجيبا أو مفيدا. هذه هي، إذن، التفاصيل الوصفية والإحصائية والجغرافية والزمنية الخاصة بالجهتين الشرقية والغربية في إيالة الجزائر، ولقد ذكرت كذلك الأقسام التي تتكون منها المقاطعات في كل منها، وبقي علي أن أتكلم عن العاصمة وعن تنظيم الحكم التركي والوسائل التي تمكن بها من إخضاع هذا الشعب، والطريقة التي استعملها لاكتساب قلوب هؤلاء الناس، ذلك أن هذا الحكم استطاع ; بفضل سياسته التي يزعم أنها همجية، أن يثبت ثلاثة قرون (١٥) في جوار أوربا.

стр. 58

الفصل السابع الجزائر تسكن الجزائر طبقات مختلفة من الناس، وكان سكانها في الأصل من العرب الذين فروا من إسبانيا عندما كان الإسبانيون يستعملون مضيق جبل طارق لاقتراف جريمة الإغراق إلى درجة أن عدد الضحايا بلغ ثلاثة ملايين نسمة. وفي ذلك الحين جاء الأتراك لنجدتهم، ولقد عرفنا التاريخ بهذه الفترة المشؤومة حق المعرفة. وإذن، فإن جزءا كبيرا من سكان مدينة الجزائر مكون من العرب والأتراك. والأطفال الذين يولدون نتيجة الزواج بين هذين الصنفين يسمون الكراغلة. ويسكن المدينة، أيضا، أعراب وقبائل لهم نفس عادات ونفس حضارة العرب والأتراك. وإن مر الزمن قد أتى على الأصول الأولى وأصبح جميع الذين يسكنون مدينة الجزائر اليوم يسمون جزائريين. ولهؤلاء السكان صفات خاصة وأخرى عامة، وإن المناخ لذو تأثير كبير على طبيعة الإنسان. وعلى العموم، فإن سكان هذه المدينة شجعان واجتماعيون وأوفياء للعهود وكرماء وبسطاء في نمط حياتهم ونظيفون في منازلهم، وصناعيون

стр. 59

وتجار. وإذا وضعوا ثقتهم في شخص فللأبد، وكذلك إذا خدعوا فإنهم سيحذرون إلى الأبد الشخص الذي خدعهم. إن معظم مبايعتهم يتم بدون عقد وبدون شهادة، وبكل أمانة ينفذون جميع التزاماتهم. عندما تقع أفراح الزواج أو عندما تكون هناك أعياد عائلية، فإن هؤلاء السكان يستلفون من بعضهم حليا وجواهر ثمينة يفوق سعرها في بعض الأحيان عشرة أو خمسة عشر ألف فرنك. وكل شيء في هذه الظروف، يرتكز على الثقة ولا يشترط أي دليل لإثبات الدائنية. ولقد يوثق بامرأة عجوز إذا كانت معروفة حتى ولو كانت فقيرة. وإننا لا نذكر أن مشكلا قد وقع من جراء ذلك. ولقد جرت العادة كذلك أن بعض الأسر الغنية (التي نفي مغظمها من الجزائر نتيجة الحكم الفرنسي الجائر) تشتري جواهر وحليا فاخرة تعار للأيتام عند زواجهم وللفقراء الذين لا يستطيعون الحصول عليها. وتعتبر الأسر هذا التصرف كعمل من الأعمال الخيرية ونحن نعتقد أن الخير لا يتم فقط بواسطة التصدق على الفقراء، وإعطاء فرنك أو ألف فرنك لشخص معين، ولكن الخير يكون كذلك في كل ما يفرح الجار ويحدث في نفسه شعورا بالغبطة والسرور. وهكذا، فإن هذه الحلي مخصصة فقط للاستعمال المحلي كما فصلنا ذلك أعلاه، ومن ثمة، فإن قيمتها تشكل نوعا من الرأسمال الجامد. إن الجزائريين مسالمون بالطبع، ويخضعون للسلطة حتى ولو جارت. وإن المحنة التي سلطها عليهم الفرنسيون لخير دليل على ذلك، إذ ما أكثر الآلام التي تعرضوا لها من طرف السادة الحكام ابتداء من بورمون (١) نفسه إلى

стр. 60

هذا الذي يحكم الجزائر اليوم (٢)، إلا أنه يجب أن نستثني الجنرال بارتوزين. إن الجزائريين صريحون وصادقون، لا يعرفون الحقد والبغضاء، وهم كرماء في أعمالهم، يحترمون الجيران كما لو كانوا أقرباء. وعلى الرغم من أن النساء عند المسلمين يحجبن عن الرجال الأباعد، فإن الأسر التي تنتمي إلى الطبقة الفقيرة والتي لا تستطيع أن تسكن وحدها، تجتمع في دار مشتركة على أن يخصص مسكن لكل عائلة، ويبقى الرجال في معزل عن النساء. إن الهندسة المعمارية الشرقية وتقسيم المنازل المحيل يختلفان كل الاختلاف، عما تعود عليه أهل فرنسا - وعلى العموم، فإن الأمن يسود المدينة، وليس في استطاعة الرجال، حتى ولو كانوا أشرارا، أن ينالوا من التقاليد لأن ذلك يكون بهتانا وتدنيسا. وإذا كانت هذه هي الخاصية العامة، فإن هناك بعض الاستثناءات، وهناك، أيضا، أشخاص لهم نوع من الفلسفة يخيل إليهم أنها متصلة بالدين، ومفادها أنهم يبذرون أموالهم دون التفكير في المستقبل. غير أن الدين أو القانون لا يتدخلان في مثل هذه الأمور. وإنما يحث الدين على اكتساب المال الحلال وعلى عمل الخير بقدر المستطاع. وبما أن عمل الخير لا يتأتى إلا بالثروة ; فإنه يحث، بالتالي، على النشاط والحركة. ويوجد لدى الجزائريين من المحاسن ما يجلب الانتباه، إنهم أوفياء لا يعرفون سرقة ولا خيانة ولا قتلا ولا أي نوع من أنواع الجريمة. وعلى العموم فهم رجال شرف لا يخلون بعهودهم أبدا. وعلى الرغم من أنهم بنو وطني،

стр. 61

فإنني أعترف لهم بهذه الخلال الحميدة. وقد يتمكن الفرنسيون من مناقضتي، لكنه لن يكون في وسعهم إلا الثناء على الجزائريين، في حين أن الفرنسيين لم ينجزوا الجزء المئوي مما وعدوا به في بياناتهم ومعاهداتهم. إن معظم الفرنسيين لم يؤدوا حتى واجباتهم الاجتماعية - التي تسمى بالحقوق العمومية - إزاء أمثالهم من البشر وبصفتهم ينتمون إلى أمة متحضرة. وعندما وطأت أقدامهم أرض الجزائر، نسي الفرنسيون جميع قواعد الأدب والأمانة، بينما لم يطرأ أي تغيير على الجزائريين الذين استسلموا استسلاما كليا لمصيرهم البائس حتى أن السيد كلوزيل وصف هذا الاستسلام بالقدرية الشرقية. إن الفرنسيين يتركون أبواب منازلهم مفتوحة طوال الليل ويجوبون الشوارع في الظلام وبدون سلاح، ومع ذلك لم نسمع أنهم تعرضوا لمكروه أو لشيء مما كان يقوم به ضدهم الإيطاليون والإسبانيون وغيرهم من سكان البلدان التي حملوا إليها الحرب. أما في الجزائر، وعلى الرغم من هذا الظلم، فإن الفرنسيين لا يشكون من السكان ظلما ناتجا عن التعصب أو الاختلاف في الدين، لأن قوام ديننا أخلاق فاضلة فقط، وأساس شريعتنا مبادىء حقوق الإنسان، والجزائريون يطبقون هذه المبادىء. أما من حيث الطاقات الفكرية، فإن خيال الجزائريين خصب، وأفكارهم منظمة. إنهم يدركون الأمور بكيفية عجيبة ولا يصعب عليهم أي عمل يدوي كان أم آلي، أوله علاقة بالعبقرية. إنهم يصنعون مختلف الأقمشة الحريرية والمحازم، يصدرونها إلى مملكة المغرب وتونس وطرابلس وكامل أنحاء آسيا. ولهم كذلك معامل تصنع الألبسة المطروزة بالحرير التي تنال إعجاب

стр. 62

الشرقيين وغيرهم من سكان الدول الأخرى. وبالنسبة لمعظم هذه الحرف، فإن مدية الجزائر هي التي تزود تونس وغيرها من المدن بالعمال. إن الجزائريين يعتنون كذلك بالعلوم والآداب، ففيهم الشعراء والأدباء وأساتذة التاريخ والمشرعون. ومن حيث التكوين الجسدي، فإن أجسام الجرائريين رشيقة، ذلك أن امتزاج العنصر الترر بالعنصر الأندلسي قد أنتج عنصرا مختلطا من النوع الرفيع. الأمر الذي جعلنا لا نجد في مدينة الجزائر رجالا من ذوي العاهات أو المصابين بالأراض المزمنة مثل النفرس وغيره، كما لا نجد فيها تلك الأمراض الكريهة أو أمراض الجلد، ومرض الزهري لم يعرف إلا حديثا ويسمى (باريس) ويعالج بحمية من أصعب ما يكون ولكن المريض يشفى شفاء كاملا في ظرف شهرين.

стр. 63

الفصل الثامن حكومة الأتراك: تنظيمها وأصلها في سنة ١٥٣٠، عندما طرد الإسبانيون الأندلسيين من بلادهم بواسطة الاضطهاد، أرسل الباب العالي خير الدين باشا لنجدة المسلمين ووضع تحت تصرفه أسطولا صغيرا للقضاء على الأعمال الوحشية التي يتعرضون لها (١). فجاء هذا الرسول، إذن، إلى الساحل الإسباني لإنقاذ البؤساء المطاردين

стр. 64

من الأندلسيين وقيادتهم إلى جيجل وبجاية (٢) وغيرهما من الأماكن المجاورة، ولم يكن في الجزائر في ذلك الوقت سوى حصن فانال (٣) الذي يشكل جزيرة كانت في قبضة الأوروبيين، أما الباقي فهو عبارة عن قرية مسلمة. وقبل هذا الحادث بقليل، كان سلطان المغرب (٤) قد بنى في هذا المكان مسجدا وكذلك صومعة للاعلان عن المواقيت، كما شيد معهدا لتدريس العلوم وأحياء صحية مفصولة عن هذين المبنيين للراحة والاستجمام. والمسجد ما زال موجودا إلى يومنا هذا وسمى الجامع الكبير، والأسوار التي تحيط به قد بنيت في ذلك الحين. والقصبة أيضا من الآثار القديمة. وكانت تتكون في ذلك الوقت من بضعة منازل تحيط بجامعها والباقي كان خلاء يعقد فيه البدو والبرابرة أسواقهم في أيام معينة من الأسبوع. وتحمل هذه الأماكن أسماء خاصة مثل: سوق الجمعة وهي السوق التي تعقد يوم الجمعة، وسوق السمن وهي التي تباع فيها الزبدة. وسوق الكتان وهي خاصة بالأقمشة، وما زالت هذه التسميات شائعة في مدينة الجزائر إلى يومنا الحالي. أما عن حكومة الأتراك، فإن هؤلاء السكان عندما رأوا أن هذا القائد المسلم جاء لنجدة الأندلسيين ولمنع الإسبانيين من أن يقتلوهم أو يغرقوهم،

стр. 65

استقبلوه بالعرفان والحماس وعينوا له القصبة ليتخذها مقرا (٥). وبعد حين من ذلك تكونت في مدينة الجزائر حكومة قائمة على مبادىء معتدلة وتدعو إلى التفاهم لربط مصالح الأهالي بمصالح الأندلسيين. وقد ساعد وجود الأندلسيين في الجزائر مساعدة كبيرة على تنظيم الحكومة وعلى تقدم الحضارة وهكذا نشأت ثلاث سلطات: إحداها مدنية، والثانية، قضائية، والثالثة هي سلطة السيادة التنفيذية. وجعل على رأس السلطة المدنية شيخ المدينة يساعده مجلس بلدي. ومن اختصاصاته المحافظة على الأمن والنظافة والعمل على توفير كل ما من شأنه أن ينفع المدينة. كما أنه مكلف بجمع الضرائب، وكانت في ذلك الوقت تفرض على الحوانيت فيدفع كل حانوت شهريا حوالي ست (سوردي) من سوارد فرنسا (٦). وضبطت غرامة على اليهود والأغنياء لحماية أشخاصهم وضمان معتقداتهم، وهي غرامة تتناسب مع ثرواتهم وتتماشى مع قانون البلاد. ومن بين الأسر التي كانت تفر من إسبانيا عدد كبير من اليهود الذين فضلوا مدينة الجزائر على غيرها لما رأوا فيها من حكم معتدل وأمن على أشخاصهم. ولتمكين الدولة من الحصول على مدخولات، أنشئت، أيضا، مصلحة للجمارك تفرض رسوما على الصادرات والواردات ; وسأتطرق فيما بعد إلى الكيفية التي كانت تدار بها هذه المدخولات. لكني أشير إلى أن هذه الرسوم كانت قد حددت بخمسة في المائة بالنسبة للمسلمين والأوروبيين على السواء (٧).

стр. 66

وكانت السلطة القضائية تشمل على محكمتين، ومكونة من قاضيين ومفتيين أحدهما مالكي والآخر حنفي. سأشرح فيما بعد الفارق بين هاتين الوظيفتين، الحنفي وهو الذي يتولى الرئاسة لأن الباب العالي هو الذي يعين رئيس الدولة، والباب العالي حنفي، وقصره يعتبر محكمة عليا. وتنظر هذه السلطة التشريعية في القضايا الإجرامية والتأديبية والجنائية، والمدنية والحكومية، وتنظر كذلك في الخلافات التي قد تقع بين رئيس الدولة وأي شخص أخر. وهذه المحاكم مستقلة عن السلطان، وحكمها لا رجعة فيه. وأخيرا سلطة السيادة، التي بالإضافة إلى سهرها على تنفيذ الأحكام التي تصدرها السلطة القضائية، والتشريعية، وفقا للمبادىء الأساسية التي يقوم عليها قانوننا ومؤسساتنا والتي تكاد تكون، من سوء الحظ، مجهولة في أوروبا يعهد لها بجمع المدخولات العمومية وإدارتها التي تشتمل على الأغنياء بالمؤسسات والمحاكم ودفع أجور موظفي الدولة، ومساعدة الفقراء والأرامل والأيتام الذين يتحتم على الدولة أن تسهر على مصلحهم بقطع النظر عن معتقداتهم، وأخيرا المحافظة على الحصون والجسور والطرقات والغابات، الخ ... وإن باب الحكومة في قانوننا ليكلف العاهل بالسهر على العائدات العمومية المأتية من الفلاحة كما سأشرح ذلك فيما بعد. هكذا نشأت إيالة الجزائر. وشرح الأهالي إلى هذا العاهل طبائع الشعب البربري، وبينوا له نقطة الضعف فيه، أي أنهم نصحوه بأن يمنح المرابطين ثقة مطلقة لأن ذلك يمنع الجميع من أن يقفوا موقفا معارضا خاصة وأن هؤلاء السكان لن يتددوا في قتل أصدقائهم وحتى أقاربهم إذا علموا أنهم يحتقرون المرابطين، أحياء كانوا أم أمواتا. ومن ذلك الحين لم يكتف الأتراك بأن

стр. 67

فرضوا على أنفسهم احترام هؤلاء المرابطين، وإنما صاروا يقدمون لهم أكبر الامتيازات وأثمنها. وصارت أماكن سكانهم وضرائحهم، بعد الموت، مقدسة، كما أن القانون لا يمس كل من لجأ إليها. كانت هذه من إحدى الوسائل التي استعملها الأتراك لاكتساب ود العرب والبربر. وهناك وسيلة أخرى استعملوها وتتمثل في أنهم كانوا يظهرون أنفسهم في مظهر حماة الذين، ويمتنعون عن القيام بكل ما هو مناف للقوانين، ولا يعملون إلا بالقانون ولفائدة القانون. ثم هناك وسيلة ثالثة عرضية فحواها أن الأتراك يقيمون الصلاة بانتظام مما جعل البرابرة يتصورون أنهم مرابطون وصالحون. هذه هي الأسباب التي جعلت سكان الإيالة يخضعون طواعية للأتراك ويثقون فيهم ثقة عمياء. وإذا اعتزمت إحدى القبائل على تشويش الأمن العام، فإن القبائل الأخرى تنضم إلى الأتراك لمحاربتها. وقلما يلجأ هؤلاء إلى قوتهم الحربية، وإنما كانوا يفضلون الاعتدال لبلوغ الأهداف التي وضعوها لأنفسهم. والدليل على ذلك أنهم عندما يخضعون قبيلة عدوة ثم تستسلم تلك القبيلة، يستقبلونها بحفاوة ويعيدون إليها ما أخذ منها أثناء الحرب، وقد يعوضون لها الأشياء المتلفة حتى يتمكنوا من أن يجلبوها إليهم بعد الانتصار عليها. لقد كانوا يبرهنون لمثل هذه القبيلة على ثقتهم بها ويدفعونها إلى أن تعيش هادئة. وكانوا يقولون لها بأن الهجوم لم يكن موجها لإبادتها وإنما لتأديبها وإرجاعها إلى الصراط المستقيم. وعلى الرغم من أن هؤلاء البربر أميون، فإن الاعتدال والإكرام يؤثران فيهم أكثر من القوة والعنف. وإذا كانت بعض القبائل، كما ذكرت، تضم أحيانا إلى الأتراك لإخضاع القبائل الثائرة، فإن القبائل في ناحية بجاية وفي الجبال المجاورة

стр. 68

للمنطقة، لم تكن ترضى بأن تأتي قبائل أخرى إلى أرضها لتساعد الأتراك على إعادة الأمن. وإن كبار المنطقة ورؤسائهم هم الذين يسهرون على أمن الطرقات الواقعة في المقاطعة، ولكن ذلك لا يتم إلا إذا قام الشخص أو القافلة، باتخاذ أحد المرابطين كمنقذ أو كحام، ويزعمون أن ليس في استطاعتهم، بدون مرابط أن يؤمنوهم من الحوادث التي قد تقع في أثناء السفر. وجعلت الضرورة من هذا الإجراء شيئا لا بد منه تبناه الأتراك بدورهم للمحافظة على أمن الطرق. وما زال هذا النظام ساري المفعول إلى يومنا. وإن الحاميات التركية نفسها عندما تتوجه إلى حصن بجاية، سنويا، مضطرة إلى اصطحاب مرابط، وإلا فإنها تأخذ طريق البحر. ونتج عن هذه السياسة وهذا الاعتدال طاعة العرب والقبائل وأمن الطرقات. وهناك وسيلة أخرى استعملها الأتراك لاكتساب ثقة الأهالي. وتتمثل في تطبيق العدالة والإنصاف اللذين يعتبران أساسا لجميع الحكومات التي تريد أن تكون عظمتها دائمة. وعندما يتم التأثير على العقول فإن الأجسام تتبع بالطبع، وما الفتح الحقيقي إلا ذلك الذي يستهدف القلوب لا الأجساد. وبما أنني أرغب صادقا، في إسعاد وطني، رأيت من واجبي أن أبلغ إلى الجنرال بواي هذه المبادىء لأبين له الوسائل التي ينبغي استعمالها لإخضاع قبائل الداخل. إذ أن هذه الطريقة هي التي مكنت الأتراك من السيطرة على هذه الرقعة الشاسعة التي تمتد من وجدة غربا، إلى الكاف في الجنوب التونسي. ولقد رجوته أن يقول للجنرال كلوزيل ألا يحيد عن هذه المبادىء إذا كانت فرنسا تنوي الاستفادة من الجزائر عن طريق نشر العلم والحضارة. وأوصيته بعدم اللجوء إلى وسائل العنف وباحترام المبادىء السائدة عند هؤلاء الأقوام

стр. 69

الذين ليس لهم المعرفة الكافية لاستبدال عاداتهم مقابل للقوانين الأوروبية التي لن يخضعوا لها بالقوة أبدا. وإن تطبيق النظام القائم وحده هو الذي من شأنه أن يؤدي إلى نتائج مرضية. ولكن التعطش إلى الثروة الذي يبدو أنه استهوى الفرنسيين في الجزائر قد نفى عنهم كل حذر وكل تعقل، فأصبحوا صما عميا لا يبصرون. إن هذا النظام الذي ظل يطبق منذ زمن طويل لم يعد نظاما نظريا، وإن الأحداث لتشهد بصحة ومتانة المبادىء القويمة التي نريد إثباتها. ولكنني أكرر بأن طمع الفرنسيين في الثروات قد وصل، في الجزائر، إلى درجة أنني عندما ألجأ إلى الاستعارة أشبه هؤلام الأوروبيين بعملاق يدفعه العطش، وأشبه المدينة بحوض صغير من الماء المالح، كلما شرب العملاق ازداد عطشا، ويجف الحوض ولكن العطش لا يزول. وللدلاة على ما يحدثه العدل والاعتدال من مفعول حسن، أشير إلى أنه تم غزو تونس إحدى عشرة مرة، منذ أن استقر الأتراك في الجزائر، وفي جميع هذه الغزوات لم تنتهك ولو مرة واحدة مبادىء الحرب ومبادىء حقوق الإنسان، ومعنى ذلك أن هذه الحروب لم تكن من أجل التنافس على السلطة. ولقد كان الغالب يدخل تونس منتصرا فيخلع الباي الحاكم وينصب الباي الجديد ثم يقيم معه معاهدات فيها منافر للجزائر وإذلال للمغلوبين. ولم يحاول الغالبون، ولو مرة واحدة، الاستيلاء على تونس، أو الاستحواز على ممتلكات الأهالي التي ورثوها عن آبائهم أو التي حصلوا عليها بمجهوداتهم الخاصة. لقد كانوا دائما يحترمون الأملاك بما فيها من عقارات ومنقولات ولم يتسببوا، أبدا، في قلب النظام الاجتماعي وإنما كانوا يغادرون البلاد

стр. 70

بعد إبرام المعاهدات مباشرة كما يحدث ذلك عند الشعوب المتحضرة، وليس ثمة أمة تستعمل القوة إزاء شعب ضعيف دون أن تنال من مبادىء حقوق الإنسان. ولتدعيم هذه الحجج، أذكر بالأحداث الأخيرة التي أصبحت فيما بعد من التاريخ، والتي تتمثل في غزو الجزائريين للإيالة التونسية. وأتمنى أن يحقق قراء هذا الكتاب في صحة ما أوردته قبل أن يتهموني بالتحيز ضد الفرنسيين وبالحقد عليهم. وأترك للمتنورين والفلاسفة مهمة المقارنة بين أعمال الحكام الفرنسيين وأعمال الحكام الأتراك، وبين عنف الأولين واعتدال الآخرين. كما أترك لهم أن يحددوا أي الحكمين كانت لهم أحسن المبادىء. وإذا رجعنا إلى تفاصيل نظام حكم الأتراك، وتنظيمات الأهالي المجاورين لمدينة الجزائر مثل المتيجة وبئر سليمان، الخ ... أعيد إلى الأذهان بأن هؤلاء السكان قد طلبوا من الباشا .. قائد الإيالة، أن يعين لهم أحد الأتراك يجمع الضرائب ويقيم بينهم شهيدا على تصرفاتهم وشاهدا على طاعتهم للباشا. واستجابة لهذا الطلب تم تعيين قائد هذه المنطقة. ولأمور سياسية، كان الباشا يثق في السكان أكثر من ثقته بعامله، وذلك أن السلطان أو الملك يستطيع الاستغناء عن أي حاكم ولكنه لا يستطيع أن يكون على ما هو عليه إذا لم يكن تحت إمرته شعب يشكل أساس حكمه. وهكذا، إذن، كان الباشا مستعدا لتأييد شعبه أكثر من استعداده لمساندة عامله، اللهم إلا إذا حظي هذا الأخير بشهادة جزء من السكان لتزكية سلوكه وتبرير مواقفه. هذه هي الطريقة التي استعملها الأتراك لبسط نفوذهم، ثم تمكنوا بالتدريج من تمدين القبائل

стр. 71

بواسطة إشراكهم في النشاط البحري حيث كانوا يحاربون بشجاعة وإقدام موقنين بأنهم إنما يستشهدون في سبيل الدين. ومن بين هؤلاء القبائل رجال أذكياء يتكيفون مع الحياة البحرية. وهناك أمثلة رائعة عن استعداداتهم الطبيعية (٨)، ومنخم من يستولون على السفينة بعد رحلتهم الأولى وهم يجهلون مبادىء الملاحة الأولية، وبما أنهم يعرفون الجبال وقممها معرفة جيدة، فقد كانوا يتمكنون من التمييز، بدقة بين نقطة وأخرى. وعلى أثر الترقيات، فإنهم ينتقلون من درجة نوتي إلى رتبة ربان. وعندما يتخلون عن المهنة، يأتون إلى مدينة الجزائر حيث يغيرون أوضاعهم وأنماط حياتهم وينتقلون من البساطة إلى البذخ. وعندئذ، يتركون جبالهم إلى الأبد ليستقروا في المدينة. وسرعان ما يتبنون عادات المدنيين وطبائعهم. وعندما يلاحظ العربي أو البدوي، هذا التغيير في وضعه يزداد ارتباطا بالأتراك الذين تصبح مصالحهم هي نفس مصالحه. وعلى أثر الغزو الفرنسي تعرض القبائل أو البدوي إلى جميع أنواع الاضطهاد فصاروا ولا زالوا يتمنون الحكم التركي الذي كان يمكنهم الاستفادة من منافع كثيرة حرموا منها الآن، ولكن كانت خيبتهم كبيرة عندما اطلعوا على حقيقة محاسن الحضارة والحرية الفرنسيتين.

стр. 72

الفصل التاسع حول كيفية تجهيز سفن القرصنة (١) في الجزائر وتوزيع الغنائم، وحول التنظيم العسكري والديوان لقد نتجت فكرة تجهيز سفن القرصنة في الجزائر عن الرغبة في الانتقام. وكان لا بد أن تتسم مثل هذه الاستعدادات بالعنف والضراوة ضد الإسبانيين الذين تشكو منهم هذه الشعوب أكثر من أية أمة أجنبية أخرى. وفيما بعد سوف تستعمل هذه السفن في تصفية النزاعات الدينية. كان الجزائريون يجهزون سفنا صغيرة تشبه سفن الإسبانيين، وكانوا يراقبون السواحل ويقومون بنوع من التجارة، وفي نفس الوقت يحتجزون السفن الأسبانية ويقودونها إلى مدينة الجزائر. ولا تدوم هذه الجولات البحرية، في العادة أكثر من خمسة أو ستة أيام. وعلى الرغم من أن قواد هذه السفن يجهلون فن الملاحة، كما سبق أن ذكرنا ; فإنهم يعرفون أن الساحل الإسباني في الشمال والساحل الإفريقي في الجنوب، وكانت قمم الجبال هي بوصلتهم التي تقودهم في سيرهم وتساعدهم على بلوغ الهدف.

стр. 73

ونطرا للنظام البحري الذي وضعته الإيالة، وتشجيعا للطامحين على امتهان هذه الحرفة، كان هؤلاء البحارة يستطيعون الارتقاء حتى إلى درجة أميرال ويشاركون في المجالس التي تنظر في أمور السلم أو الحرب مع هذه الأمة أو تلك. وليس للداي، في هذا المجلس، أكثر من حقه في التصويت. وكيل الحرج هي التسمية التي تطلق على من يتولى وزارة الحبرية. وتنحصر اختصاصاته في الجزائر، في كونه محاسبا للعتاد الحربي في الإيالة، ومراقبا لأشغال الترسانة. وعندما تجلب الغنائم إلى مدينة الجزائر، تباع للسكان وتوزع قيمتها حينا على ذوي الحقوق. وتأخذ الخزينة العامة الخمس كنصيب لها ووفقا لما تنص عليه شريعتنا، على أن هذا الخمس لم يكن تاما أبجا لأن الأشياء الثمينة كانت تؤخذ قبل الاطلاع على الغنائم. وفي كثير من الأحيان تعلم الحكومة بذلك ولكنها تغض الطرف حتى لا تفشل هؤلاء البؤساء الذين يعرضون أنفسهم للموت إما تعصبا للدين وإما رغبة في الحصول على الغنيمة. وكانت حكومة الأتراك تعلم كل العلم أنها إذ تشجع السكان في إنجاز مشاريعهم هذه، وتدفعهم في طريق الثروة، إنما تعمل على إثراء نفسها. وعلى الرغم من أن العائدات كانت ضئيلة عندما تأسست الإيالة، فإنها كانت تدرك بأنها إنما تعمل للمستقبل، وإنها سوف تتمكن فيما بعد من أن تجني، بطريقة شرعية، ثمار صناعتها وسياستها مثل رسوم الجمارك وغيرها. وعندما تأسست الإيالة كانت الميليشيا تتكون من الأتراك وأبنائهم من النساء العربيات، لأنهم كانوا يتزوجون من الأهالي.

стр. 74

ويتسم الآتراك بالقناعة والشرف والكرم. وبمجرد ما يحصل أحدهم على بغض المال يسافر إلى تركيا مسقط رأسه (٢)، فيأخذ معه ألبسة فاخرة ليظهر في مظهر الرخاء والترف أمام بني وطنه وليعجبهم، إذ ربما هو ابن لأحد العمال أو المزارعين. وعندما يعود إلى الجزائر حيث عائلته، يصطحب معه جماعة من سكان بلاده يقدمهم إلى الدفتر، وتحت ضمانة يقبلون في صفوف الميليشيا ثم يتولى بنفسه تدريبهم على الجندية وتعليمهم واجباتهم الجديدة. ويخبرهم بأن في استطاعتهم الارتقاء، يوما، إلى أعلى مرتبة، وفي إمكانهم، على غراره وبعد أتعاب الحرب، أن يتمتعوا براحة طيبة، ويعيشوا في هناء ورخاء في أوساط المجتمع، وأن يتزوجوا بدورهم من الأهالي. ومن النادر أن تجد سارقا أو قاتلا من بين هؤلاء الجنود. وقد كانوا شديدي الحرص على احترام عادات البلاد ليحببوا أنفسهم إلى سكان الإيالة. ومن كانت لهم بعض المساوئ، كانوا يعملون على إصلاحها أو يخفونها بدقة للأسباب التي ذكرنها ولأن مستقبلهم موقوف على حسن سيرتهم. وبعد المشاركة في إحدى الحملات، يستطيع الجندي التركي أن ينخرط في صفوف البحرية تدفعه إلى ذلك مصلحته الشخصية وتساعده تربيته والصدف في بعض الأحيان. وتشتمل هذه المهنة على إمكانيات كبيرة للهلاك ولاكتساب الثروات. فبعض البحارة يموتون أو يستعبدون، وبعضهم يحصلون على الثروة والرتب. وفي الفصل الخاص بالفن العسكري سأذكر الدرجات التي يمكن لهم أن يبلغواها.

стр. 75

وفي وقت من الأوقات، رأى الداي نفسه مضطرا إلى بناء مسكن يقيم فيه خارج القصبة، وتشييد حصون لحماية المدينة، وثكنات للجيش. وحتمت عليه مثل هذه المصاريف ألا يمنح الجندي الواحد سوى أجر مقداره ١٨ فرنكا عن كل شهرين وأربع خبزات يوميا، وللاقتصاد، كان هذا الخبز يحتوي على ثلثين من القمح وثلث من الشعير. ويعطى للجندي، عند انخراطه في السلك العسكري، بذلة عادية وبندقية وطقان وقليل من البارود وقطعة من الرصاص يذيبها ويقولبها بنفسه، وبما أن الغنائم كانت معتبرة في ذلك الحين، فإن هذه المؤن كافية بالنسبة للجندي الذي يستعد للمشاركة في حملة من الحملات. أما الأجناد المتزوجون، فإنهم يتنازلون عن الخبز عندما يرون أن خزينة الإيالة مثقلة بالديون، ولما تجمع الحكومة، فيما بعد، مبالغ كافية تمنح لكل واحد منهم، اعترافا له بالجميل، صاعا قمحا (٣) أي ما يعادل حوالي مئة رطل في فرنسا. يسكن الجنود أو الميليشيا التركية، في الثكنات تحت إشراف قوادهم، كل غرفة تحمل رقما، ويسير كل كتيبة ثلاثة قواد، اسم الأول بولكباشي والثاني أوضاباشي والثالث باش بولداش. وعندما يتغيب أحدهم يستخلفه الآخر ويتولى تطبيق الانضباط. وكلما نظمت حملة أو وقع تغيير حامية تحتم على بولكباشي أن يقود الكتيبة صحبة نائبه. ولهذين القائدين فقط حق ركوب الخيل حتى ولو كانت المسافة قصيرة، كما أنهما يستطيعان اصطحاب الشواش. ولهؤلاء الجنود الأتراك قوانين عسكرية لا يتجاوزونها أبدا،
следующие страницы →