← История

История · id 14329

المرآة

حمدان خوجة

Полный текст (260 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الواجب علي، لفائدته، أن أقدم لقرائي تفاصيل الحادث (٨). لقد جاءه ترجمان الجيش وأخبره بأن الجنرال ينوي إخلاء مدينة الجزائر، قال له: (إنه يريد أن يسلمك الحكم، هل في استطاعتك أن تنظم جيشا وقوة كافية، لتهدئة البلاد وللدفاع عن نفسك؟). أجاب المفتي بأنه (عندما يحين الأوان، سأبذل كل ما في وسعي للقيام بإعادة التنظيم). - هل ستحصلون على الجنود من الداخل، أم هل لكم الكفاية في مدينة الجزائر؟ - في المدن وفي كامل أنحاء الإيالة؛ وعندما يقتضي الأمر، فإنني أستطيع الحصول على ثلاثين ألف جندي يكونون تحت تصرفي. ويقال إن الترجمان كان قد أخفى شخصين ليكونا شاهدين على هذه المحادثة، ولاستعمالهما، عند الحاجة، ضد المفتي. هذه على ما يبدو هي الوسائل التي استعملت للتخلص من المفتي. وتلك هي المبادىء التي كان يطبقها السيد الوالي! فعندما يريد هذا المسؤول أن يقوم بعمل نعسفي أو أن ينفي هذا، ويبتز أملاك ذاك، فإن جميع الوسائل (تبدو له صالحة). والذي ينفي أو يفقد أملاكه يجب أن يعتبر نفسه سعيدا لأن هناك من يقدم للمحكمة العسكرية. وعلى هذا الأساس، فإذا أراد الوالي أن يتبرأ من نفي هذا المفتي، فما عليه إلا أن يدلنا على القانون الذي خول له القيام بإجراءات ضده!

стр. 212

عندما أخبر المفتي بالنفي توجهت من جديد للقائد الأعلى، أتوسل إليه أن يسمح له، على الأقل، بتسوية شؤونه وبيع أملاكه وأثاثه وعقاراته. وبعد كثير من الصعوبات حصلت له، تحت كفالتي، على أجل مهلته عشرون يوما سوى خلالها حساباته, وعند انتهاء الأجل رحل إلى الاسكندرية. إن هذا العمل الجائر قد جعل الناس كلهم يرتابون، وخاصة السلطة التشريعية والقاضي والمفتي. فلم يعد أي وحاد منهم يجرؤ على الكلام عن وثيقة الاستسلام خشية أن ينال مصير المفتي المذكور. وأمر المكلف بإدارة أملاك مكة والمدينة بأن يدفع إلى صندوق أملاك الدولة كل ما كان يحتفظ به من أموال، وأن يسلم في نفس الوقت جميع الدفاتر. لقد امتثل ذلك المدير إلى تلك التدابير وعلمت أن المبالغ المسلمة كان قدرها ١٤٠ ألف فرنك. غير أنه أذن لهذا الشخص أن يواصل اقتضاء مقادير الكراءات حسب العادة، ولكنه تلقى تعليمات جديدة تغير قوانين المؤسستين تغييرا كليا. لقد كان الهدف من هذه القوانين هو مساعدة الطبقة الفقيرة، كما سبق أن أشرنا إلى ذلك، وتوزيع جميع الواردات عليها، أما الآن فإنه لم يعد يوزع عليهم أسبوعيا، إلا حوالي ٨٠٠ فرنك. ما هي الوسائل التي استعملت لجعل الحكومة الفرنسية توافق على هذه التدابير؟ فيا ليتني كنت أستطيع أن أرى مراسلات هذا الوالي إبان حكمه لكي أتعرف على ما الذي أيد آراءه في مثل ذلك التناقض مع نوايا الحكومة الفرنسية، خاصة فيما يتعلق بالطبقة الفقيرة المحتاجة. لقد كان الجنرال بارتوزين، خلال المدة التي حكم فيها الجزائر، ينوي إعادة أملاك مكة والمدينة لأصحابها. وكان للسيد بيشو والدوق دوروفيكو

стр. 213

نفس التفكير، ولكن واحدا من هؤلاء لم يطبق تلك الإجراءات الحسنة. ولأبرهن لقرائي على أنني لست إلا مرددا لآراء مواطني، فإنني أحيلهم على كتاب السيد بشؤون الصفحة ٤٤٢ للاطلاع على وثيقة كان أحد قادة العرب قد وجهها لذلك الوالي. وبدلا من أن يصلح الأضرار ويعوضنا، فإن السيد جان تي دوبيسي، قد فعل أحسن من ذلك: أنه صرح بأن جميع المساجد والمؤسسات الخيرية والأوقاف ملك للدولة. وهكذا، تم الاستحواذ على جزء كبير من المساجد، اكتري بعضها لتجار حولوها إلى محلات، وخصص بعضها الآخر لإسكان جيوش الحملة (٩). لقد سبقني سيدي إبراهيم بن مصطفى، الذي غادر باريس منذ مدة وجيزة، إلى تقديم جميع هذه الاعتراضات إلى الحكومة الفرنسية. وأجيب بأن تعليمات ستوجه إلى السيد جانتي دوبيسي لإصلاح الأخطاء ولتكون إدارته مطابقة للعدالة (١٠). غير أن الرسائل التي ترد علينا من الجزائر، تخبرنا بأن نفس النظام ما يزال سائدا، وأن السيد جانتي ما زال يتصرف بنفس العنف إلى درج أنه أجبر عددا من مستأجري بعض العمارات التابعة لأملاك مكة والمدينة على أخلائها قبل انتهاء العقد.

стр. 214

وفي رسالة وزير الحربية، بتاريخ ١٨ جويلت ١٨٣٣، التي يلاحظ فيها بأنه يجب أن أكون راضيا وردت الفقرة التالة: (لقد أمرت بأن يسمح لكم بتقديم اعتراضاتكم. ولقد استقبلتم من طرف الشخص الذي كلفته بشؤون الجزائر). هذا الشخص هو السيد مارتينو. وها هو ما قاله لي عندما مثلت بين يديه: (فكروا في كل ما تقدمونه للحكومة من كلام، ولا تكونوا متحيزين ولا مبالغين). إنني لا أعرف كيف أفسر مثل هذه الإجابة. إنني أعترف بأنني لست فرنسيا، ولا أعرف جميع دقائق هذه اللغة. وإنني عرضت الوقائع، في مذكرة المطالبات، بكيفية صريحة ولا يعتبريها غموض ; ولكني لا أعتقد، ولا يمكن أن أتصور أن تلك طريقة مباشرة للإجابة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحاكم المريد لكل سيء. (إن الموقعين أسفله، بارون فولان، رئيس مقتصدي الجيش الفرنسي في إفريقيا ومقتصد مملكة الجزائر، المفوض من طرف الجنرال كلوزيل القائد الأعلى لجيش افريقيا، وسيدي خير الدين آغا الممثل لجلالة باي تونس، وأحمد باي وهران، المجتمعين للاتفاق على ضبط الشروط التي يتولى بها أحمد باي إدارة بايلك وهران، قد اتفقوا على ما يلي: المادة الأولى: إن أحمد باي، أمير البيت المالك في تونس، الذي عين بايا بقرار من القائد الأعلى للجيش بتاريخ ٤ فيفير الحالي، سيتولى حينا ولاية

стр. 215

البايلك المذكور بجميع ملحقاته ما عدا حصن المرسى الكبير الذي تحتفظ به الحكومة الفرنسية لنفسها. المادة الثانية: سيبقى إزاء الاحتلال الفرنسي، الذي يوجد مقره بالجزائر في نفس وضع التبعية التي كان عليها سابقوه من البايات إزاء إيالة الجزائر. وبديهي أن هذه المادة لا تتعلق إلا بكلمات التي حصلت عليها فرنسا بواسطة الغزو. المادة الثالثة: لا تؤخذ عن البضائع والسلع القادمة من فرنسا إلى موانئ البايلك غير الرسوم التي تفرض على مثيلاتها عندما تدخل ميناء الجزائر. وعليه فإن تعاريف الجمارك المسنونة أو التي ستسن في الجزائر هي التي تطبق دائما. المادة الرابعة:؛ يحظى الفرنسيون والأوروبيون بحماية خاصة في كامل أنحاء البايلك. ومن يأتي منهم لفلاحة الأرض تعفى منتوجاته من جميع الرسوم والضرائب خلال السنتين الأولى والثانية. المادة الخامسة: إن الباي هو الذي يتقاضى جميع موارد البايلك مهما كان نوعها وبدون أي استثناء. ويدفع الباي بدوره إلى حكومة الجزائر، في صيغة إتاوة مبلغا سنويا قدره مليون من الفرنكات، ولا يشترط شيء آخر مهما كان نوعه. المادة السادسة: يدفع هذا المبلغ إلى خزينة الجزائر فصليا بالتساوي، وذلك ابتداء من اليوم الذي يتولى فيه الباي منصبه الجديد. وقد تم الاتفاق على أن تخفض الأتاوة في السنة الأولى إلى ثمانمائة ألف فرنك، وإن أجل الدفعة الأولى يؤخر إلى فاتح سبتمبر القادم.

стр. 216

المادة السابعة: يتعهد الباي بأنه سيستعمل، بعدل واعتدال، السلطة التي سيمارسها على هؤلاء السكان، وبأنه يعمل على حمايتهم من اعتداءات الخارج، وعلى بذل كل ما في وسعه للحفاظ على السلام والهدوء في الداخل. المادة الثامنة: يستطيع جلالة باي تونس، بصفته رئيسا للبيت المالك، بفعل ذلك إلا بعد الحصول على موافقة الحكومة الفرنسية أو القائد الأعلى الذي يمثلها. المادة التاسعة: لا يمكن للحكومة الفرنسية أن تعزل الباي إلا عندما يخل بالالتزامات الواردة في هذه الاتفاقية. المادة العاشرة: في حالة ما إذا تبين من خلال مرور الزمن والتجربة والظروف أنه لابد من تغيير أو تعديل هذه الوثيقة، فإنه لا يمكن أن تتم تلك التغييرات أو التعديلات إلا بموافقة جميع الأطراف المتعاقدة. المادة الحادية عشرة: إن جلالة باي تونس هو الضامن والمسؤول فيما يخص الالتزامات التي يتعهد بها باي وهران في هذه الاتفاقية التي تقدم له للمصادقة عليها. المادة الثانية عشرة: لقد تم التوقيع على هذه الاتفاقية المصوغة باللغتين من طرف المفوضين، كل حسب صفته المذكورة أعلاه، وأرسلت في نسختين أصليتين ليصادق عليهما الطرفان المتعاقدان؛ وسيتم تبادل الوثائق في أقرب وقت ممكن. إمضاء: بارون فولان، في أصلية العقد ٥، وختم سيدي خير الدين آغا.

стр. 217

شهد على أنها نسخة طبق الأصل: الجنرال، القائد الأعلى لجيش افريقيا كلوزيل. إن الجنرال، القائد الأعلى للجيش الفرنسي في افريقيا، بمقتضى السلطات التي خولها له ملك الفرنسيين، وبصفته قائدا أعلى، وسيدي مصطفى المفوض المطل لجلالة باي تونس، ولأخيه سيدي مصطفى، والذي ستبقى نسخة من تفويضه ملحقة بأحد هذه الأصول، قد اتفقا على ما يلي: المادة الأولى: بما أن القائد الأعلى قد عين بمقتضى السلطات المذكورة أعلاه بايا على قسنطينة، سيدي مصطفى الذي اختاره جلالة باي تونس، أخوه، وبما أن سيدي مصطفى الباي المعين قد فوض ذلك التفويض المطلق المذكور أعلاه، سيدي مصطفى الوزير وحافظ الأختام على أن يضمن باسم جلالة باي تونس وباسم الباي المعين، تنفيذ الشروط التي تم الاتفاق عليها بين الطرفين المتعاقدين، فإنه قد تم الاتفاق على صياغة تلك الشروط في هذه الاتفاقية، على أن تكون الكتابة باللغتين، وأن يكون التوقيع على الوثيقة من الطرفين كل حسب صفاته المذكورة في المقدمة. هذه الشروط هي كالآتي: ١ - يضمن جللالة باي تونس، ويتعهد شخصيا بأن يدفع في تونس، كضريبة عن مقاطعة قسنطينة، مبلغا قدره ثمانمائة ألف فرنك بالنسبة لسنة ١٨٣١. وتكون الدفعة الأولى، وهي الربع، في خلال شهر جوليت القادم، ثم تأتي الدفعات الأخرى في أوقات لاحقة بحيث تكون الأخير في نهاية ديسمبر ١٨٣١، ولتسوية الحساب، فإن سيدي مصطفى حافظ الأختام، وأحد

стр. 218

الأطراف المتعاقدة يقدم، باسم باي تونس ولصالح الخزينة في الجزائر، أربع سندات تقدر الواحدة بمائتي ألف فرنك. ٢ - وبالنسبة للسنوات المقبلة، فإن الدفع يكون بالربع أو فصليا. ويرفع المبلغ إلى مليون من الفرنكات يقسم على أربع دفعات. هذا بقطع النظر عن الاتفاقات التي قد تحدث عندما تتم تهدئة مقاطعة قسنطينة. ٣ - تسمح الحكومة التونسية بإرساء السفن الفرنسية، مجانا، في جزيرة طيرقة كما تسمح لها بصيد المرجان وغيره. ٤ - لا يدفع الفرنسيون في موانىء عنابة وستورة وبجاية وغيرها من مراسي مقاطعة قسنطينة إلا نصف الرسوم التي تفرض على الأمم الأخرى (١١). ٥ - إن الباي هو الذي يتقاضى موارد مقاطعة قسنطينة مهما كان نوعها. ٦ - تقدم جميع أنواع الحماية للفرنسيين والأوروبيين الذين يأتون للاستقرار في مقاطعة قسنطينة كتجار أو كفلاحين. ٧ - لن تنصب أية حماية فرنسية في موانىء، البايلك أو في مدنه، ما لم يتم إخضاع المقاطعة كلها؛ وعلى أية حال سيقع الاتفاق فيما يخص اتخاذ التدابير الرامية لحفظ الأمن لصالح الطرفين. ٨ - وإذا استدعى جلالة باي تونس، باي قسنطينة، أخاه، فإنه سيتم تعيين أمير آخر تتوفر فيه الصفات الضرورية. وبعد موافقة القائد بعهد له بتسيير بايلك قسنطينة.

стр. 219

المادة الثانية: لقد وقع على هذا العقد المكتوب باللغتين، القائد الأعلى وسيدي مصطفى، كل حسب صفاته المذكورة أعلاه وكان ذلك في نسختين بقيت إحداهما عند القائد الأعلى والثانية عند سيدي مصطفى. الجزائر، يوم ١٨ أكتوبر سنة ١٨٣٠ إمضاء: كومت كلوزيل سيدي مصطفى شهد على أنها نسخة مطابقة للأصل الباقي عند القائد الأعلى أمين عام الحكومة إمضاء: ف. كز.

стр. 220

الفصل الحادي عشر عن الأوقاف، والتغييرات التي تعرضت لها تلك المؤسسات والمحاكم التي تنظر في شؤونها أثناء ولاية الجنرال كلوزيل لقد أنشئت، حسب قوانيننا، مؤسسات خيرية وأوقاف تهدف كما ذكرنا إلى تحسين أوضاع الفقراء والتخفيف من مصائبهم. وهناك طرق متعددة للتصرف في هذه الأملاك. فوفقا لمبادىء القضاء المالكي، أن الذي يهب ملكا م يتعهد بأن يسمح للمؤسسات المهدى لها أن تشرع حينا بالتمتع بذلك الملك. وحسب مبادىء القضاء الحنفي، فإن إرادة الواهب تصبح بدورها قانونا. غير أن الذي يوقف أملاكه على فقراء من غير مديتته أو قريته، فإن إرادته لا تنفذ إلا بعد النظر فيما إذا لم يكن فقراء البلدة التي توجد فيها الأملاك أكثر احتياجا من غيرهم. في هاته الحالة يفضل الفقراء الأكثر احتياجا، وكذلك إذا كان الواهب يرغب في أن يعطي حق استثمار أملاكه للفقراء مدة عشر أو خمسة عشر عاما، وبعد انقضاء الفترة المحددة تعاد له أملاكه كاملة، فإن ذلك لن يكون شرعيا، ولا يستطيع الواهب أو ورثته أن يتصرفوا

стр. 221

فيه بعد تلك المدة، ويصبح حق الإنتفاع هبة أبدية. وبمقتضى هذه القوانين المختلفة، أجمع الفقها على أن يطبق المذهب الحنفي على كل الهبات المشروطة، وذلك لرفع الموارد الخاصة بالطبقة المعوزة. وعلى العكس، فلو نطبق مبادئ القضاء المالكي، فإن الأوقاف تقل بكثير عما هي عليه. وإذا كنت قد دخلت في هذه التفاصيل الخاصة بالوقف، فلأنني متأكد من أن الأوروبيين سيقرأون هذه التفسيرات بكل اهتمام حتى يتحققوا من أن شريعتنا تعتمد أساسا على مبادئ حضارية وأخلاقية. وحسب هذه المبادئ نفسها، فإن جميع الممتلكات في الأرض لله، ولسنا في هذه الدنيا إلا عابري سبيل، وما تمتعنا فيها إلا وقتي. هكذا تأسست قوانيننا، وهكذا أصبحت تلك الأعمال مفيدة للسكان المعوزين، ووافق عليها أهل العصر. إن كل من يهب ملكية ما إلى مؤسسة من هذا النوع، لا يستطيع، أن يرجع في هبته أو أن يتراجع في أعماله، ويعتبر عقد الهبة أحسن وثيقة، ولا يختلف عن أي نوع من أنواع عقود البيع بشرط أن تتم الهبة لصالح مؤسسة تتوافر فيها حميع الصفات المطلوبة لهذا الغرض. وهكذا، فإنه يحق لجميع الفقراء أن يطالبوا بالإجراءات التي تقع لصالحهم، أي الإعانات، ولكنه لا يسمح بأن يتصرفوا في ملكية معينة. وحسب القضاء المالكي، فإن الهبة لا تقبل إلا إذا كانت في حينها وبدون أي تقييد. فالذي لا يريد أن يهب ملكه لمسجد ما أو لمؤسسة أخرى إلا بعد وفاته، فإن هبته لا تقبل إلا بالنسبة للقضاء الحنفي، ووفقا لقول نبينا: نوايا المرء الحسنة أبلغ من أفعاله - العوائد المتداولة تتحول إلى قانون - لا تحابوا واحد على الآخر، بل يجب أن تكون المنافع مشتركة - حاولوا أن

стр. 222

تقطعوا جذور الشر قبل البحث عن الخير.- (أو كما قال) مثلا: هناك رجل يملك دارا يسكنها ثم يريد أن يقوم بعمل خيري. حسب المذهب الحنفي فإنه يواصل التمتع بمسكنه طيلة حياته وبعد ذلك تنتقل الدار إلى إحدى المؤسسات الخيرية. وأما المذهب المالكي، فإنه يعتبر العمل باطلا. وبالإضافة إلى ذلك، تقر قوانيننا شروطا وشكليات ضرورية. فالمدير أو الوكيل على المؤسسات الخيرية يجب أن يكون مسلما، يقوم بتعيينه الحاكم الذي هو أيضا من المسلمين. وتساعد هذا الوكيل جماعة من الجباة والموثقين لجمع حقوق الإنتفاع وتوزيعها وفقا للتراتيب القانونية. ويتقاضى هؤلاء العمال أجورا عن متاعبهم وأشغالهم. وعلى الرغم من أن القوانين لا تنص على هذه الخاصيات، فإن العمل قد جرى بها وفقا للمبادىء المشروحة أعلاه والقائلة: إن العوائد المتداولة تتحول إلى قانون. يجب أن تتوفر في وكيل أملاك مكة والمدينة نفس الخصال التي تشترط في من يوكل على أملاك المؤسسات الخيرية الأخرى، ويتحتم عليه أن يعمل حسب العرف والعادات الجاري بها العمل منذ تكوين تلك المؤسسات. مثلا، فإن مساكن هذه المؤسسات كانت تكترى بأجور معتدلة على شرط أن يقوم المستأجرون بالإصلاحات الضرورية، ولكن هذه التأجيرات لم يكن يسمح بها إلا لبعض الأشخاص الذين كانوا يحصلون على الإمتياز نتيجة أوضاعهم الإجتماعية، ويعتبرون تلك المساكن كأملاك لهم. وحسب الإجراءات الجديدة التي سنتها السلطات الفرنسية، فإن الفقراء لا يحصلون إلا على جزء من موارد هذه المؤسسات، أما الباقي فيدفع إلى صندوق أملاك الدولة. وتلك لم تكن هي نية المؤسسين. وبمثل ذلك الإجراء

стр. 223

وقع تغيير وجهة تلك الأوقاف، وحصل انتهاك حقوق الإنسان. إن هذه الإجراءات لظالمة، ولا أخلاقية. إنها تدخل اليأس على سكان الإيالة، وتجعلهم يكرهون سائر الأوروبيين بوجه عام، ويعتبرون كل من يحمل قبعة مسيحيا. وبالتالي عدوا لشعوب أفريقيا. أعود إلى ملاحظاتي عن المؤسسات الخيرية فأقول: أن من كان يريد أن يهب شيئا بعد وفاته، يتوجه إلى ما يسمى بالمحكمة الحنفية، غير أن هذه المحكمة قد ألغيت من طرف الجنرال ملوزيل، والمالكيون أنفسهم، فإنهم كانوا يحيلون عقودهم على تلك المحكمة لتشجيع الواهبين ومساعدتهم، ولمضاعفة موارد الطبقة المعوزة. هذه هي الأسباب التي أدت إلى ضرورة إبقاء محكمتين وقاضيين، وكل محكمة لا تقرر إلا بعد أن يبحث الفقهاء شروط العقد. ويكون هؤلاء الفقهاء من المدرسة التي ينتمي إليها القاضي، وذلك لكي لا يقع غموض عند الناس. غير أن هناك حالات يتحتم فيها على المحكمتين، المالكية والحنفية، أن تتفقا وتقررا في أتجاه المبدأ الأساسي. وإذا كان رب أسرة قد قدم هبة، تنتقل، بعد وفاته، حسب المذهب الحنفي، إلى إحدى المؤسسات الخيرية، وكانت أسرته نفسها معوزة، فإن الهبة تلغى وينظر اليها بحسب المبادىء المشروحة أعلاه والتي تقول: (حاولوا أن تقطعوا جذور الشر قبل البحث عن الخير). وليس من العدل في شيء أن نساعد الأجانب على حساب أفراد الأسرة المحتاجة. وإذا كان الواهب غنيا، ثم هلك ولم يترك وارثا، فإن تركته تعود

стр. 224

إلى بيت المال. وإذا كان قد أوصى بشيء لبعضهم، فإنهم ينظرون أولاء، إلى الوضع الذي يكون عليه صندوق بيت المال، وتلغى وصية الواهب إذا كان ذلك الصندوق فارغا. وإذا أراد أحد المسيحيين أن يهب أملاكه لكنيسة أو لفقراء من المسيحيين؛ فإن القاضي يثبت العقد الذي يعتبر شرعيا، ويكون للهبة نفس مفعول هباتنا نحن. وعلى العكس، فإذا أوصى ذلك المسيحي بنفس الهبة لمساجدنا أو لفقراء من المسلمين، فإن القاضي لا يستطيع أن يثبت بنفسه ذلك العقد الذي يعتبر غير شرعي والذي لا يعترف القانون بصحته مهما كانت الصفة التي يقدم بها. ويظل المالك حائزا على أملاكه يتصرف فيها كيفما شاء. والسبب في ذلك هو أن ذلك المسيحي لم يقدم ذلك العمل الخيري إلا مجاملة أو بدوافع لها ارتباطات بالسياسة. وهكذا، إذن، فإن الهبة تكون صحيحة ما دامت نيته لم تتغير، وإذا أراد إلغاءها بسبب من الأسباب، فإنه يترك وشأنه دون تجديد العقد أو إعادة غيره. تكون الهبة بتصريح أمام شهود أو بتخصيص الغاية للأشياء. مثلا: يقيم رجل بناية لا يمكن بطبيعتها، أن تعود عليه بأية فائدة، كمسجد يشيده في أرضه ويسمح فيه للعموم بأن يجتمعوا لأداء الصلوات. فبدون أن يقال بأن تلك البناية مخصصة لكذا أو كذا، وبدون أن تفصل عن الملكية الأساسية، فإن المالك يكون قد قدم هبة صحيحة تتوفر فيها جميع الشروط حسب المبدأ القائل: (إن العمل صريح كالقول، والعرف هو أحسن القضاة) إن شكل هذه البناية نفسه يدل في العادة، على أنه لا يكترى. وإذا وقع، بدلا من ذلك، بناء قاعة كبيرة في دار المالك للإجتماع فيها وللقيام بالشعائر

стр. 225

الدينية، مرة أو عدة مرات، فإن المكان لن يصبح هبة: أولا إنه لن يعتبر كمسجد لأن شكله يختلف عن شكل المسجد، وثانيا لأنه لن يكون مفصولا من الملكية. إن التفاصيل الخاصة بشكل وطريقة تسيير تلك المؤسسات الخيرية كثيرة جدا، تؤلف وحدها كتابا كاملا، ومن الصعب جدا أن نتمكن، في لمحة، من تحديدها كما ينبغي، وإشباع فضول قرائنا، ومع ذلك، فإنني سأذكر المبادىء الأولية في الجزء الخاص بالتشريع. إن مثل هذه المؤسسات لا يمكن إلا أن تحظى بتأييد الرجال الطيبين والمشرعين في جميع البلدان وسائر الأزمان، لأن هدفها الإنساني لا يرمي إلا للتخفيف من آلام أمثالنا، وللمساهمة في إسعاد ذلك المجتمع الكبير الذي تربطنا به روابط لا تفصم. وهناك سبب آخر سياسي وهو العمل على تخفيض أسباب الجنوح، لأن البؤس كثيرا ما يؤدي إلى القيام بأعمال شريرة ويدفع إليها ذلك الذي، لولا الضيق والحاجة، لما جنح وارتكب، جريمة يبدو أن وضع أسرته البائس قد جعلها شرعية في نظره. ومن ثمة فكيف أقدم الجنرال كلوزيل على تهديم قواعد تلك المؤسسات واستمع إلى نصائح السيدين فوجرو وفولان فاستولى، باسم الحكومة الفرنسية، على ذلك الصندوق المتواضع وصده عن الهدف الذي أنشىء من أجله، وهو هدف، يبدو لي، شريف وجدير بالمدح؟. وعندما نقارن ثروة فرنسا بثروة هذا الجزء من إفريقيا، ومواردها المتعددة وتأثيرها وعظمتها بموارد وتأثير وعظمة إيالة الجزائر، فإن المقارنة

стр. 226

تحط من قيمة تلك الأمة في نظر الإفريقيين، وفي أذهان أصدقاء الإنسانية والحضارة الذين يعملون على التوفيق بين الشعوب وتوحيدها، وعلى تدعيم علاقاتها الإجتماعية والتجارية والسياسية. في عهد ولاية السيد بورمون، كان السيد دوبينيوز هو الرئيس المكلف بقسم الشرطة وكان يدرك مصالح البلاد إدراكا تاما، يضاهي إدراكه لمصالح فرنسا. وأثناء إقامته القصيرة في مدينة الجزائر، جاءني ذات ليلة يريد الإجتماع بي لنبحث عما يمكن استعماله من وسائل للإعانة الطبقة المحتاجة. كان أثرياء المدينة يهاجرون منها، وكانت الصناعة قد أصبحت أثرا بعد عين، وكان البؤس قد انتشر، وأذكر أنني أثناء حديثنا حول هذا الموضوع ; قد قلت له: بما أن المؤسسات الخيرية، المخصصة أساسا لمساعدة هذه الطبقة توجد تحت تصرف السلطة الفرسية، فإنه يجب أن يكون كل حق الانتفاع، الناتج عن تلك المؤسسات، لفائدة أولئك المحرومين. عندما طلب مني السيد دوبينيوز أن أقدم له قائمة بأسماء أهم الأعيان لتكوين لجنة تشرف على الأوقاف. فقدمت له القائمة، ولكن الأمر بقي عند ذلك الحد، إذ لم يعمل بالآراء التي أبديتها، واحتفظت السلطة بتلك المؤسسات الخيرية. ومن سوء حظ سكان مدينة الجزائر أن السيد دوبينيوز استبدل في مهامه، لأن ذلك الرجل الموقر كان يفهم الأوضاع ويعمل، بقدر الإمكان، على إصلاح مفاسدها. أعتقد أنني عثرت على السبب الذي جعل الموظفين الفرنسيين يشيرون على الحكومة الفرنسية بالاستيلاء على تلك المؤسسات: إنهم فعلوا ذلك، أولا للحصول على وسيلة يكسبون بها ثروة طائلة، في أسرع وقت ممكن، ولو على حساب

стр. 227

الإنسانية وشرف الأمة. وثانيا، لافتتان الأنفس، وترغيب فرنسا في الاحتفاظ بالايالة لنفسها عندما يظهرون لها أن المدخول معتب، غير مبالين بشرعية أو عدم شرعية تلك الحقوق. إنكم تعطون الملايين لليونانيين وللبولونيين:!! .. وتنجدون تلك الشعوب بأموال الجزائريين!! إنكم تستغلون هذا البلد المسكين، ومع ذلك، فإن الجزائريين، أيضا، أناس!! ... ما هي الذنوب التي اقترفوها لتسلط عليهم مثل هذه العقوبات؟؟ .. وبالتالي، ماهو في هذه الظروف، موقف الحكومة الفرنسية؟. لقد كان من الأفضل أن تحجم الحكومة عن تقديم تلك المساعدات ما دامت تتسبب في شقاء مواطنيها. وكيف يمكن أن نفترض بأنه لم يتفطن أحد لهذه الوقائع؟ لا بكل تأكيد، وأن التاريخ سيسجل كل هذه الأعمال الشريرة!! أيحق أن نعتقد بأن الناس لا يصلحون؟، إن أخطاء القرن السادس عشر، وزلات المستبدين تتكرر في أيامنا هذ, لماذا؟. لأن الناس احتفظوا بأهوائهم الذميمة التي ورثوها عن آبائهم، وعلى الرغم من أن الإمبراطوريات أصبحت تحكم بكيفيات مختلفة، فان النتائج ما تزال واحدة .. فالجريمة المسموح بها تبقى جريمة، وعند الملوك حل الضعف محل الطغيان. وهكذا، إذن، إذا كان وكيل الأمة يقوم بأعمال تثير الظنون، وإذا كان سلوكه مشبوه ومطبوع بضعف مخز، فما هي الطريقة التي تقدمه بها ليتمكن المعاصرون من تقييمه؟. إن المجتمع، في بداية الأمر، قد سن القوانين لتيسيره. ثم تزايدت الحاجات على التوالي، فنشأت تللك الأوضاع والمهن الختلفة، وبدت

стр. 228

ضرورة تكوين حكومة وتعين رئيس يقودها، من هنا يبدأ كل شيء. وسواء أكان الرئيس سلطانا، ملكا أو واليا، أو غير ذلك، فإنه يقود ويعطي المثال. وأن أعماله الجائرة توهن عزيمة شعب بأكمله. لقد أمر السيد الجنرال كلوزيل بتهديم محلات تدعى القيصرية كانت تبيع الكتب التي هي أدوات الحضارة، والتي تنير طريق الإنسان المثقف. وفيها كان يوجد الناسخون، لأن المطابع معدومة في أفريقيا. وبما أن الفرنسيين كانوا ينوون إدخال الحضارة إلى إفريقيا، فلماذا وقع تهديم هذا المصدر الذي كان يعطي العلم والمعرفة في جميع الميادين؟، إن هذا السلوك يدل على أن هذا الجنرال، بدلا من أن يعمل على تزويدنا بنور العلم والحضارة، كان ينوي إغراقنا في الظلمات والجهل. وهدم الجنرال كلوزيل، كذلك، محلات كانت تدعى سوق المقايس، تصنع فيها الأساور من قرون الجواميس وهي أساور جرت العادة أن تزين بها نساء العرب والقبائل أذرعتهن. وكانت تشكل فرعا رئيسيا من فروع الصناعة في مدينة الجزائر، وتصدر إلى تونس وطرابلس وحتى إلى مصر. وكانت المادة الأولية، التي هي قرون الجواميس تشترى حمولات بأكملها وكان لأصحاب المصانع مندوبون مكلفون بشراء تلك المادة الأولية وتوزيعها على كل مصنعي حسب أهمية المؤسسة وبرؤوس أموال قليلة، كانوا يقومون بتجارة واسعة، وكان هذا الفرع من الصناعة يشغل عددا كبيرا من السواعد. وبعد تهديم هذه المحلات أصبح كل هؤلاء العمال بدون مورد واضطروا إلى التسول. وهدم نفس الجنرال محلات ثالثة تدعى سوق الصباغين، كان العرب والبدو يتعمدون المجىء إلى مدينة الجزائر ليصبغوا فيها كل ما لديهم من

стр. 229

قماش. وكانت هذه الصناعة هامة؛ تستهلك كمية كبيرة من القرمز والنيلة والقوة وغيرها من التوابل الصالحة للتلوين. عندما تهدمت هذه المحلات الثلاث، قضي على جزء كبير من الصناعة. ووقع تهديم محلات أخرى تسمى القرارية، وهي خاصة بجميع أنواع الأدوات الحديدية المصقولة مثل الأقفال وصفائحها وأنابيب البنادق الخ ... الخ ... ولم يترك إلا حوالي ثمانية حوانيت معزولة. ووقع كذلك تهديم ثلاثة مساجد كانت خاصة بسكان تلك المحلات الثلاث. وهدمت أيضا، مصانع الحرير. وكانت صناعة الحرير من أهم الصناعات في مدينة الجزائر. لقد كانت حمولات المراكب من الحرير تأتي من بيروت أو إزمير فتصنع منها الأقمشة وغيرها من الموارد الأخرى، ثم تصدر إلى مملكة المغرب وتونس وطرابلس وتركيا ومصر، وحتى إلى سوريا. وهناك محلات أخرى تسمى السوق الكبير كان يباع فيها الكتان، والملابس المنسوجة وتصنع فيها الحبالة الحريرية والفتائل والأزرار. لقد قام الجنرال كلوزيل بتهديم جزء من هذه المحلات، وما تبقى أكمله الدوق دوروفيكو. ولم تنج المراحيض الضرورية لسلامة المدينة وراحة السكان، ووقع تهديم المحلات المخصصة لصائدي الأسماك. إن الأماكن التي خصصت لبناء ساحة الجزائر، لا تتناسب مع مساحة

стр. 230

المدينة ولا تتلائم مع هندستها المعمارية، وذلك أن ساحة الجزائر لا تقل سعة عن ساحة الفاندوم في باريس ودائرة المدينة لا تزيد عن دائرة حديقة التويلري؛ وعليه فإن هذه المساحة بالنسبة للمدينة كقلنسوة الجندي بالنسبة لرأس طفل يتراوح عمره ما بين ٥ و٦ سنوات. كان يحيط بالجنرال كلوزيل عدد كاف من اليهود الذين كانوا يوحون إليه بأخلاقهم الخاصة، تلك الأخلاق التي وصفها كما ينبغي فاتل وكروتيوس. ويقول تاسيت في حديثه عنهم: إن اليهود، بسبب تعصبهم، يحملون حقدا شديدا للأمم الأخرى. وكان المرؤوسون، كذلك محاطون بأناس من نفس الجنس يسيرونهم حسب أهوائهم. وعندما أطلع هؤلاء اليهود على نقطة الضعف عند الجنرال، أي على طمعه في الثروة، جعلوه يلعب أكبر دور مثير للسخرية، فأوهموه بأن المسجد المسمى: جامع السيدة، يحتوي على كنوز الداي. ولذلك صار هذا الجنرال يزور في خشوع، ذلك المكان التعبدي ويقصده مرارا، (للصلاة فيه وللدعاء)، ثم قرر (بكل عفة) أنه يستولي عليه وعلى الزرابي والثريات والمشاعل وعلى منبر رخامي كان هناك. وهكذا أمر الجنرال كلوزيل بغلق أبواب المسجد، وأدخل إليه، ليلا جماعة من العمال للبحث عن الكنز المزعوم. وظل الأمر كذلك إلى أن استنفذت جميع وسائل البحث وضاع كل أمل. ولتغطية هذه الفضيحة شرع حينا في تهديم ذلك المسجد الذي كان يشمل على أعمدة من الرخام النادر وعلى أبواب ضخمة قيل إنها بيعت فكيف يمكن بيع أشياء هي من ملك المسلمين وحدهم؟

стр. 231

ومن هم الذين اشتروا؟ يقال إن تلك الأشياء نقلت إلى تولوز (١) وقد كانت حيطان ذلك المسجد مغطاة بمربعات الخزف الصيني التي استوردت من اسبانيا. وكانت في المسجد أيضا عارضات كبرى من خشب الكرسنة النادر الذي يستورد من فاس بإذن، لأن امبراطور المغرب لا يوافق على تصديرها إلا بصعوبة، وقبل الإنتهاء من تهديم هذا المسجد الذي لم يحصل إلا للبحث عن الكنز الموهوم وقع الإستيلاء على جميع الأشياء المذكورة أعلاه، وأهملت عملية مواصلة الهدم، واعتقد أن مصاريف ذلك الهدم لا تتجاوز مبلغ ١٠،٠٠٠ فرنك. إن نفس الجنرال كلوزيل الذي يزعم أن الأفريقيين يرغبون بشدة في عودته؛ قد أوجب على المفتي أن يسلمه المساجد الواقعة أمام الأبواب التي يدخل منها البدو المتزمتون الذين يمولون مدينة الجزائر. لقد طلب هذه المساجد ليجعل منها مستشفيات لجيوشه، وتعهد للمفتي أنه لن يستعملها أكثر من شهرين واضطر المفتي إلى تنفيذ ذلك الأمر السامي. وهناك أفعال أخرى كثيرة أستطيع أن أقول بأنها منافية لتقاليدنا، وهي التي تنفر السكان من السلطة. هذه هي الأسباب التي جعلت الجزائر غير قابلة للاستعمار، , وبإمكاننا القول بأن السيد كلوزيل هو الذي كان أصلا في وجودها. وعندما كنت عضوا في مجلس البلدية، في عهد بورمون، طلب منا شيخ البلدية أن نسمح له بتحويل عدد من المساجد إلى مستشفيات للجيش، ذلك الذي قال عنه بأنه لا يملك مسكنا يأوي إليه في الشتاء، فأجبناه بأن تلك الأماكن

стр. 232

معدة لأمور لا نستطيع تغييرها وعليه لن نوافق لمحض إرادتنا، ولكنه إذا أراد استعمال القوة للاستيلاء عليها فإننا نكون عاجزين عن منعه. وبعد قليل من المحادثات، رفضت ملاحظاتنا ووقع الاستيلاء،، ظلما على المساجد. إن الحكومة الفرنسية باستعمالها العنف، تنفر السكان وتثيرهم ضدها كما أنها تتصرف ضد المعاهدات والالتزامات التي كانت قد وقعت عليها. وحسب شريعتنا، فإن المساجد ملك للجميع وهي مخصصة، فقط لعبادات المسلمين. والقاضي نفسه لا يستطيع تغيير هذه الوجهة، والمسجد مكان مقدس لا يحق انتهاكه بالنسبة لجميع المسلمين، سواء منهم سكان فارس والمغرب أو الصين. وبما أن وثيقة الإستسلام تعترف باحترام المساجد وتتعهد بضمان ذلك (٢)، فإن سكان مدينة الجزائر لن يتوقفوا عن الإحتجاج ضد هذه الانتهاكات. وبقطع النظر عن هذه الملاحات، فإن السيد جانتي دوبيسي قد صرح أمام الملأ بأن كل المساجد والمؤسسات الخيرية تابعة لأملاك الدولة، والإدارة العامة هي التي تتصرف فيها وتستغلها كيفما شاءت تكتريها كمحلات أو تستعملها لأشياء أخرى. والذي يدهشنا في هذا الموضوع هو إذن رئيس الوزراء لأننا نفهم من

стр. 233

خلال ملاحظات السيد بيشون، بهذا الصدد، في تاريح ١١ ماي ١٨٣٢، أنه أعطى أوامر فيما يخص ذلك. وفيما يلي فقرة السيد بيشون: (لقد درست قضية المحلات التابعة للدين الإسلامي، وإنني، منذ أن وصلت وأحطت علما بوجود لجنة تدعى (لجنة المحلات العسكرية) لم أسمع إلا صيحات متوالية فيما يخص المساجد وضرورة استزادة خمسة أو ستة منها بالإضافة إلى الستة أو السبعة التي توجد في حوزتنا. إن بعض الأشخاص الذين يعتبرون أنفسهم كمبيدين للديانة الإسلامية وللسكان الذين يتدينون بها، لا يهمهم أن يعرفوا إذا كان ذلك يتفق مع وجهة نظر الحكومة ونواياها أم لا. إن هؤلاء الأشخاص كانوا يتقدمون إلي بنوع من الابتهاج والسخرية ليشكروني على عدم تمكني من إنقاذهم. كل هذه الوقاحات لم تؤثر في. ومن حسن الحظ أن هناك من يقدر أعمالي غير هؤلاء الجهلة المجانين. ومن ثمة، فإنني انتظرت إلى أن جاءتني أشغال اللجنة. إنكم تدركون جيدا. سيدي الرئيس بأنه لا يمكن أن أتردد لحظة واحدة للمساهة في أخذ جميع المساجد لو كنا في حاجة إليها، ذلك لأن سلامة الجيش هي الهدف الأسمى بالنسبة لي. ولكن القضية قضية ذوق وهوى بالنسبة للأشخاص الذين ذكرتهم. فالمسألة إذن ليست مسألة حاجة وضرورة الخ ... عندما نرى مثل هذه الأعمال، يمكن لنا أن نتوقع الكثير من نوعها. وهكذا فمن الممكن أن يكون مشروع تمسيح الجزائر قد وجد في أذهان ولاتنا كما أشار إلى ذلك (البريد الفرنسي الصادر بتاريخ ٢٠ جوان سنة ١٨٣٣، مستعملا العبارات التالية: إن الذي لن يفاجأ به الجمهور هو أن رئيس مجلس الوزراء الحقيقي منذ ثورة جوليت وإلى عهد قريب جدا كان قد كتب إلى المقصتد

стр. 234

المدني في الجزائر يوصيه بتمسيح الإيالة. وسكوت الجرائد الوزارية عن هذا الموضوع لا يدل أبدا على أن في الأمر خيرا. وعلى الرغم من أنني لا أعتقد أن من الضروري تمسيح افريقيا لإدخال الحضارة والحرية إليها، وبما أننا لا نعرف نية السادة الوزراء الرسمية فإننا نكتفي بالإشارة إلى أن هذا المشروع يبدو لنا صعب التنفيذ. وأكرر أن العدد الكبير من البناءات التي هدمت في مدينة الجزائر يستوجب مبالغ هامة للتعويض إذا لم تكن الوعود؛ في هذه المرة أيضا، حبرا على ورق. ومع ذلك فإننا علمنا أن عددا كبيرا من تلك التهديمات لم يقيد. ولكي يكون هناك تعويض من الضروري أن يقع قبل الهدم، تقييد كل ما يمكن أن يكون محل مطالبة. إن كل ما يمكن تصوره من الشرور ممكن في عهد الظلم والطغيان. وبمجرد الاتفاق على مبدأ التعويض أنشئت لجنة مكونة من موثقين عموميين لدى المحكمة، ومن سيدي محمد بن إبراهيم ريس، وسيدي الحاج العربي ابن الرايس وكلاهما من أعضاء المجلس البلدي، ومني أنا حمدان. ووقع الاتفاق على أن تقيم الأملاك حسب أجور الكراء أي ٥ % بالنسبة للمساكن و٢،٥ % بالنسبة للمحلات والحوانيت. وهكذا فإن الدار التي تكترى بألف فرنك تقدر قيمتها بعشرين ألف. والمحل التجاري الذي يكترى بمائة فرنك تقدر قيمته بأربعة آلاف. تلك هي على الأقل الطريقة التي اتبعها لتحديد قيم المباني المهدمة. وقد حددت الأجور حسب ما كانت عليه في العهد التركي، لا وقفا لما أصبحت عليه منذ احتلال الجيش الفرنسي. وفي هذا الصدد نشر الجنرال كلوزيل قرارا، أنقل، بكل أمانة، نصه فيما يلي:

стр. 235

(إن الجنرال، القائد الأعلى، بعد الإطلاع على تقرير مقتصد مملكة الجزائر، والاستماع إلى اللجنة المكلفة بمصلحة الطرقات، يقرر ما يلي: المادة الأولى: إن سكان مدينة الجزائر الذين شملت مساكنهم وحوانيتهم ومحلاتهم التجارية، أو ستشملها، في المستقبل، تلك التهديمات التي أمر بها لفائدة المصلحة العامة، وتوسيع الطرقات وتجميل المدينة وصيانتها، إن هؤلاء السكان سيعوضون على أساس أجور الديار والحوانيت والمحلات التجارية التي تهدم أو التي تصبح غير قابلة للاستعمال. المادة الثانية: إن العمارات التي دخلت في أملاك الدولة هي التي ستخصص لتلك التعويضات وذلك بمجرد أن يبين الإحصاء الجاري ما هي البنايات التي يمكن للحكومة الفرنسية أن تتصرف فيها. المادة الثالثة: إن اللجنة التي سبق أن أنشئت، ستواصل تسجيل الاعتراضات لينظر فيها عندما يحين الأوان. المادة الرابعة: إن مقتصد مملكة الجزائر، مكلف بتنفيذ هذا القرار. في مقر القيادة بالجزائر، يوم ٢٩ أكتوبر ١٨٣٠. إمضاء: كومت كلوزيل عن نسخة ثانية من الأصل، أمين عام الحكومة. إمضاء: ف. دوكاز.

стр. 236

غير أن هناك فارقا بسيطا بين النص الفرنسي والنص العربي (لأن هذا البيان نشر باللغتين).ولا نستطيع أن نفسر كيف وقع ذلك: أبحيلة من المترجم أم عن عجز. مثلا، ففي النص العربي، المادة الأولى، بدلا من أن يقال: سيعوضون على أساس أجور الديار الخ ... جاء ما يلي: سيتقاضى المالكون حوالي قيمة كراء الديار أو غيرها، ويعطى لمن حرموا من التمتع بأملاكهم الخ ... وعلى الرغم من أننا استطعنا أن نقرأ ونفهم بأن التعويض سيكون كراء دائما -حسب الوثيقة العربية، وإن كان المعتبر كنص شرعي هو ذلك الذي كتب بالفرنسية وأمضاه الجنرال باسم الحكومة الفرنسية- فإن الحكومة الفرنسية أصبحت، بمقتضى هذا القرار مسؤولة أمام الجزائريين عن قيمة أجور ممتلكاتهم المهدمة لا تنفعها في ذلك حجة. وإذا أرادت أن تتهرب من تلك المسؤولية فإنها ستتهم، عن جدارة؛ بسوء النية. وبمقتضى هذا البيان، حضر جميع المالكين الذين كانوا موجودين في مدينة الجزائر وجاؤوا معهم بالعقود. وقدمت قائمة القيم المثبتة إلى القاضي باللغة العربية، وقدمت نسخة عنها بالفرنسية إلى شيخ البلدية. وعندما تقدم بعض السكان إلى مدير أملاك الدولة للمطالبة بالأجور حسب ما فهم من النص العربي، أمرهم بأن يذهبوا إلى القاضي المالكي لكي يثبت صحة تلك العقود. وللقيام بذلك، أخذ القاضي المذكور خمسة فرنكات عن كل شهادة، وبعد ذلك فإن بعض الأشخاص فقط قد حصلوا، ولكن بشق الأنفس على قيمة ستة أشهر من الكراء من صندوق أملاك الدولة وأجل الآخرون

стр. 237

إلى وقت لاحق، غير أنهم اليوم قد يئسوا بعد مطالبات كثيرة قدموها بدون جدوى. لقد دامت عملية التهديم طوال المدة التي تولى فيها الجنرال كلوزيل على الجزائر ويقال، بهذه المناسبة، إن أعوان الوالي قد ارتكبوا مخالفات كثيرة، لأنهم كانوا يبقون على كثير من الديار مقابل تعويض، حتى ولو كان الأمر قد صدر بتهديمها. وهناك أشخاص آخرون من المشتغلين في الهندسة العسكرية، قد دفعتهم خيانتهم إلى أن يكتروا لحسابهم بأثمان بخسة وان تشتروا مقابل ريع دائم. ومن ثمة، فإن عمليات التهديم كانت هامة، ولكن المسؤولين في ذلك الحين كانوا على الأقل يسجلون عدد البنايات التي تهدم. أما بعد تعيين السيد جانتي دوبيسي، فإن المسؤولين لم يعودوا يتبعون أنفسهم بالتسجيل، لأنهم كانوا يعتقدون بأن تصرفاتهم شرعية!! ولقد صرح السيد جانتي دوبيسي لأحد أعضاء البلدية بقوله: إننا أخدنا الجزائر، فنحن أصحابها بلا منازع، وسنعمل فيها كل ما يحلو لنا سواء من ناحية الهدم أو غيره. عندما وصلت إلى باريس عرضت على معالي وزير الحرب عددا كبيرا من الاعتراضات من جملتها هذا العمل التعسفي (١)؛ ولما لم أتلق من هذا الوزير إلا جوابا لم أكن أنتظره في الواقع رأيت من واجبي أن أتوجه للملك نفسه بشكوى متواضعة يوجد مضمونها في آخر هذا المجلد. لم أحصل على أية نتيجة من تلك المساعي الجديدة ومع ذلك، فإن وثيقة

стр. 238

الاستسلام تضمن ملكياتنا، وإن البيانات التي نشرها كل من المارشال بورمون والجنرال كلوزيل لتؤكد ذلك. هل ينبغي أن نؤمن بأن مزايا المعاهدات، لا تنالها إلا الشعوب القوية على حساب الشعوب الضعيفة؟ وعندها ماذا يكون مصير المبادىء الأخلاقية التي نرتكز عليها؟ لماذا يدرس علم القانون العام في أوروبا وفي فرنسا؟ لماذا وجدت مدارس الحضارة والحرية؟ هناك تعارض مع مبادىء المسيحية التي يؤمن بها الأوربيون. ومن ثمة فماذا يكون مصير أخلاق المسيح أو أخلاق نبينا؟ قال محمد: (إن شريعة خلفائي وأخلاقهم هي تعاليمي). ولأعود إلى حججي، فلو كان بإمكاني أن أعرض للجميع ما أستطيع ذكره دون أن أضطهد لقدمت أشياء كثيرة! ولكنني في عالم مجهول ولا أدري أين توجد المصائب. إنني أخشى أن أنال مصير عدد من مواطني: أن أسجن ما بقي لي من أيام أو أن أبعد عن أسرتي وبلادي. من يدري لعلي أتهم بالتآمر مع القبائل. وأنى لي أن أعرف التهمة لأدافع عن نفسي. وعلى الرغم من أنني لا أتفاهم مع أبي ضربة، فإنني أنصفه عندما أقول بأن الاتهامات الموجهة له خاطئة. إنه لم يكن أبدا إلى جانب العرب والقبائل ضد الفرنسيين إنه لمن المدهش أن يصدق السادة الولاة الأكاذيب، وأكثر من ذلك دهشة أن يطالب أبو ضربة بالعدالة ولا يحصل عليها في بلد كفرنسا. لقد تم الاستيلاء على المعابد وتحويلها إلى مساكن في زمن ولاية السيد كلوزيل على افريقيا. ولقد سبق أن شرحت كيف كان يتوجب احترام مثل هذه البنايات التي تجد سندا قويا في تقاليد وتعصب الطبقة الفقيرة. وفي عهد الأتراك، أدرك المسؤولون ضرورة مسايرة تلك الأوضاع لأسر القلوب

стр. 239

وإذن، فإن الحكومة الفرنسية قد استولت على تلك المعابد ووضعتها تحت تصرف إدارة أملاك الدولة، كما أنها اكترت بعضها لعدد من التجار فبمقتضى أي قانون تستولي تلك الادارة على تلك البنايات؟ ألتنفر قلوب الأفريقيين؟ أو لتجدد التعصب وتضاعف الإهانات، وتجعل البلاد غير قابلة للاستعمار؟ أم هل تستعمل هذه الوسائل لإثراء فرنسا ومضاعفة كنوزها؟ لا إن الهدف هو أن يجعل من الاسم الفرنسي أو الاسم الأوروبي اسما بغيضا في هذه القارة التي يميز فيها الإنسان بالقبعة والشاش. إننا لا ندرك بحق، الأسباب التي جعلت حكومة متنورة تسمح لموظفيها أن يثروا أنفسهم بواسطة النهب والمخالفات وعلى حساب فرنسا وشرفها. وكذلك فإن سيدي إبراهيم بن مصطفى باشا قد عرض على الحكومة الفرنسية جزءا من الأعمال الشائعة التي وقعت عنف ضد مواطنيها. وكانت إجابة الحكومة أنها ستكتب إلى الجزائر لتمنع مثل تلك الأعمال التعسفية. ولكن على الرغم من هذه التأكيدات، فإن جميع الأخبار التي تردنا من الجزائر تعلمنا بأن الاستبداد ما يزال مستمرا وأنه يتطور إذا صح استعمال هذه العبارة وإنه وقع الاستيلاء أيضا على معبد المرابط المسمى سيدي الجودي للاستفادة من أجره المتواضع الذي يقدر بمائة فرنك. هل صحيح أن الحكومة كتبت في هذا الموضوع؟ هل يمكن أن تعارض أوامرها؟ إنه للغز بالنسبة لي. ودائما في زمن ولاية السيد كلوزيل، وقبل أن استقيل من عضوية المجلس البلدي، دخلت ذات يوم غلى بيت خالي الحاج محمد، ابن السكة، فوجدت عنده السادة: فوجرو المفتش العام للجالية وجيرودين مدير أملاك الدولة، ودوفال رئيس المحكمة. كان الأمر يتعلق بدين في ذمته زعموا أنهم عثروا عليه في سجلات الإيالة،

стр. 240

وكان الغرض من زيادة هؤلاء السادة هو أن يحملوه على التفاهم معهم؛ وعلى أن يدفع لهم مبلغا هاما من المال. ويستطيع قرائي أن يروا في نهاية الجزء، جميع التفاصيل حول هذه القضية التي كانت قد رفعت إلى مجلس الدولة. وهناك مكيدة أخرى استهدفت باي وهران بعد الاستسلام مباشرة ودخول الفرنسيين إلى الجزائر؛ كان هذا الباي كما سبق أن ذكرنا، قد أعلن عن طاعته للقائد الأعلى مبديا له رغبته الشديدة بإخلاء المدينة لفائدة الجيش الفرنسي. وكان الجنرال عندئذ مشغولا بجمع كنوز الداي فاكتفى بأن طلب منه أن يحتفظ بوهران وينتظر أوامره ولكن بعد حوادث جوليت مرض الباي فتوجه إلى الجزائر صحبة أسرته وحاشيته. ولتفادي أطماع بعض الأشخاص أحضر معه عددا من الهدايا، ولم يقتصر على اليد كـ ... وأسرته، وإنما قدم لكل من كان محيطا به كثيرا من الحلي والسيوف الذهبية وغيرها من أسلحة الزينة المحلاة بالحجارة الكريمة. أما الأموال، فإنه لم يعط منها إلا إلى السيد كـ ... حدثني حسن، باي وهران، نفسه بأنه أرسل لذلك الجنرال، أولا ٢٠٠٠ رباعي من الذهب (١٧٠،٠٠٠ ف). وعندما تجدد طلب هذا الأخير أرسل له مرة أخرى، ١٠،٠٠٠ سلطاني ذهبي (٩٠،٠٠٠ ف). بودنا لو نعرف إذا كان ذلك الجنرال يستلف بالقوة لحساب حكومته، أم هل كان يتوجه إلى باي وهران ليقرضه شخصيا فقط؟ وفي هذه الحالة الأخيرة، وبما أن الاستدانة كانت عن ثقة، وإن الكتابة عند الأشراف غير ضرورية لإثبات الدين، فإننا نعتقد بأن شخصية كبيرة مثل السيد الجنرال كـ ... لا تنتظر إلا وقتا مناسبا لإرجاع الفرض هذا، أكرر مرة أخرى، إذا كانت الاستدانة لحسابه الخاص. حسن باي هو أحد أصدقائي القدماء، أعرفه إنسانا، فاضلا ومن واجبي

стр. 241

أن أقر له بهذه الحقيقة أمام الملأ. وعندما جاء إلى مدينة الجزائر لم أر مانعا من أن أكون معه خاصة وأنه كان يعمل لصالح الفرنسيين. ونطرا إلى أنه حكم وهران سبعة أشهر لحساب الفرنسيين فإنه كان ينتظر نوعا من الاحترام والتقدير من السلطة وهو أهل لأن يحظى بالعناية. ولكنه في الواقع لم يحظ إلا ببعض الزيارات الهادفة. قال بنفسه وهو يتحسر على وضعه: إن السيدين ف ... (٢) وف ... (٣) وغيرهما من أعوان الجنرال، لم ينقطعوا عن زيارتي للحصول على مختلف المنافع. إن المقربين إليهم من اليهود كانوا يقولون لهم بأن هذا الباي كان أغنى من حسين باشا، داي الجزائر، وإنه كان عندما يأتي إلى الجزائر قد تعود أن يقدم كثيرا من الهدايا لجميع أفراد حاشية الداي، وعليه فمن حقهم أن ينتظروا منه، أو أن يجبروه على تقديم نفس المزايا. عجيب أمر هؤلاء المستشارين وهل كان ينبغي اتباع نصائحهم؟ ففي تلك الأثناء أمر الجنرال ك بالعودة إلى فرنسا؛ وكان حسن باي يفكر في الابتعاد عن الجزائر بعد أن أعياه نهب أصدقائه الجدد، وصار يخشى العقاب إن هو رفض إطعام أناس لا يشبعون ولذلك اقترح عليه الجنرال ك أن يذهب معه إلى فرنسا على متن سفينة تابعة للدولة. استشارني حسن باي في هذا الموضوع فأجبته صادقا بقولي: (تستطيعون البقاء هنا في أمان سيعاملكم الفرنسيون كما ينبغي لأنكم تستحقون ذلك منهم). ولاحظت له كذلك بأن باي التيطري أجير الفرنسيين عندما حمل السلاح ضدهم على أن يتصرفوا معه بكل شدة، وأن زميله باي قسنطينة لم يعط أي اهتمام لهؤلاء الفرنسيين. وعليه فنظرا لموقفكم الودي، لا أعتقد أنكم ستمسون بسوء بل على العكس إنكم ستجازون، ومن الممكن أنهم سيسندون لكم قيادة العرب

стр. 242

فتكونون جنرالا، وأضفت حسب رأيي بأن: (جميع العرب سيخضعون لكم بكل سهولة نظرا لثروتكم الشخصية الطائلة، لأنهم لن يخشوا منكم أن تفرضوا عليهم ضرائب مفرطة). إنني كنت أرغب في أن تبقى هذه الشخصية في الجزائر لتساهم في تخفيف آلام الطبقة المحتاجة، لأن كل الأثرياء والأغنياء قد غادروا البلاد. وكنا قد بدأنا نشعر بالبؤس الشديد. إنه لم يبق في المدية إلا الشيوخ الأتراك والمقعدون الذين كانوا في السابق، يتقاضون أجرا أو منحة من الدولة، وكذلك العمال في مختلف الميادين، وكل هؤلاء لم تكن لهم ثروة ويكادون يكونون معدمين. وأخيرا، استجاب ذلك الرجل الفاضل إلى رغبتي الملحة. ولقد كان الجنرال كـ ..... أكثر مني تبصرا، إذ من الممكن أنه كان يحس بأن بعض الأشخاص في الجزائر لم يكونوا ذوي نية حسنة وشريفة، إزاء حسن باي ولأجل ذلك كان قد اقترح عليه أن يأخذه معه إلى فرنسا! وبعد رحيل الجنرال كـ .... بدأت الاضطهادات تسلط على حسن باشا: سأذكر كل هذه التفاصيل في الفصل الذي يتعلق بالجنرال بارتوزين وولايته على الجزائر. غير أنني أقول بأن تلك اضطهادات كانت قاسية إلى درجة أنها أجبرته على الهجرة إلى الاسكندرية، متهما إياي بأنني خدعته فيما يخص تقديري للفرنسيين. ومن الاسكندرية توجه إلى مكة حيث مات، وترك فيها كنوزه. ولو أنه عومل كما كان يستحق ذلك لبقيت ملايينه في الجزائر ولورثت منها الحكومة ما في ذلك شك، ولكن هناك كثيرا من الأشخاص لا يستشيرون إلا مصلحتهم الخاصة، ولإرضائها ينسون مصالح أمة بأكلمها.

стр. 243

أذكر أن السيد الجنرال كلوزيل دعاني مرة لأتناول طعام العشاء مع أعضاء البلدية، وفي ذلك اليوم نفسه أعلمنا بأننا عزلنا لأننا لم نكن متفقين فيما بيننا! وبعد ذلك دخل الترجمان زاكر وبدأ يسخر من اجتماعنا عند الجنرال، موجها كلامه المازح إلى هذا الأخير قائلا: (أتوسل إليكم، أيها الجنرال، فلا تقطعوا رؤوس هؤلاء الأفاضل، إنهم أرباب أسر). وإذا كنت فيما يخصني، لم أهتم بهذا المزاح فهناك، من بيننا، من استاء له. وبعد أن انتعشت المحادثة تكلما عن سيرة باي وهران. فلاحظ بعضهم بأن هذا الباي، لو كان عند حكومة غير الحكومة الفرنسية، لكان يخشى الكثير ولوقع قتله للاستيلاء على ثروته. وعليه، فإنه لا يليق به بلد أحسن مما تلائمه فرنسا، ومن ثمة يجب أن يبقى تحت سيطرة الفرنسيين. في تلك الظروف كنت أفكر مثلهم، فوافقتهم ولم أنتبه إلى أنهم كانوا يتكلمون كذلك عن خبث، لأنهم كانوا يعرفون أنني كنت صديقه، وإنني سأنصحه بالبقاء. ولكي أذكر فضائل الجنرال كلوزيل، ما علي إل أن أعدد بعض الأعمال الخالدة التي وقعت أثناء ولايته لافريقيا. ففي عهده نهب الأموات في مدافنهم، وسمح بالاتجار بالعظام البشرية، وبيعت حجارة المقابر ثم نقلت إلى باب الوادي لتحول إلى مادة الجير ووقع الاستيلاء على آجر المقابر، الخ ... وقد تزايدت هذه التجاوزات إلى درجة أن القاضي رأى من الواجب عليه أن يقدم للجنرال كلوزيل اعتراضات في هذا الموضرع، ولكن هذا الأخير لم يجبه إلا بكيفية غامضة، كما لو كان يريد التخلص منه، هناك من يرى أن الحكومة الفرنسية لم تسمح بانتهاك المقابر إلا لحقدها على ديننا. وفيما يخصنا، فإنه لا يوجد أي اعتبار يمكن أن يسمح بتجريد الأموات من لباسهم الأخير، وتشتيب عظامهم في التراب ..

стр. 244

وفي أثناء ولاية كلوزيل على الجزائر، لم يكن يستمع لأية شكوى، ولقد كان الفقهاء يريدون تقديم الاحتجاجات باسم أبناء وطنهم، ولكنهم لم يكونوا يستطيعون ذلك، وكلما قدمنا اعتراضا أجبنا عليه بعمل أكثر ظلما وتعسفا. ومن ثمة وجب السكوت والصبر. وبهذه المناسبة، فإن هؤلاء المساكين، الذين يزعم الجنرال كلوزيل بأنهم كانوا تحت تأثير التعصب الشرقي قد قالوا مستسلمين: (أنها إرادة الله! ولا يمكن أن تعارض القدر). وبالفعل هل كان في استطاعتهم أن يحتجوا ضد الجور؟ هل كانت لهم الوسائل والقدرة على دفعه؟ لقد كان على هذا الجنرال الذي ردد تلك العبارات بكيفية ساخرة، وهو لا يؤمن، بلا شك، بعظمة الإله الصمد، لأنه كان عليه أن يستعمل عبارات أكثر احتراما للخالق الذي أحسن إليه، لأنه لا يتكلم مع ملكه إلا باحترام، وأن ملكه نفسه ينسب كل أفعاله لإرادة الله العلي العظيم. إن الطغاة أنفسهم لا يبدأون خطاباتهم إلا باسمه تعالى. وعلى الرغم من أن الله رحيم وقوي في آن واحد، يبدو لي أنه كان على هذا الجنرال أن يستعمل لغة تكون أكثر لياقة.

стр. 245

الفصل الثاني عشر تفسيرات حول ممتلكات الأوربيين في الجزائر لقد حصل الأوروبيون، في الجزائر، على الملكيات بشروط كلها لصالحهم. إنهم كانوا يستطيعون الامتلاك بواسطة الريع الدائم أو بأثمان زهيدة جدا، وهذه الطريقة للحصول على الأملاك قد استوردت حديثا لبلادنا، ولا يسمح بها قانوننا الإسلامي. ولذلك كان الباعة والمالكون الجدد في خصومات مستمرة دائمة، خاصة إذا كان هناك سوء نية من أحد الجوانب، وجهل من الجانب الآخر. ومن ثمة، كان لا بد أن تكون هذه الطريقة في الاكتساب محل غموض ومحاكمة لا تنتهي. إن السكان الذين غادروا البلاد برضاهم قد وافقوا على هذا النوع من المعاملات ليتمكنوا من الاعتناء بمساكنهم ومن أن يستخرجوا منها بعض المنافع. ولكن هناك من المالكين الأوروبيين من استغل الثقة وأحدث كثيرا من الخسائر، فهدموا كل ما يمكن أن توجد فيه أشياء تباع للاستفادة منها، وضاعت حقوق المالكين القدماء في تلك

стр. 246

القضايا، لأن الهدم كان يقع في حين أنه لم تكن هناك إمكانية لاستبقاء حقوقهم، خاصة وأن معظم عقود البيع كانت تتم بواسطة تحايل السماسرة اليهود. وفي الجزء الخاص بالتشريع الإسلامي، سأتكلم بإسهاب عن تلك التجاوزات والعقود التي كانت - وأكرر ذلك - تتنافى مع قوانيننا. غير أنني سأذكر فيما يلي، بهذا الصدد، حادثة عرضية. لقد كان أحد أقربائي يملك جنانا فيه دار للاستجمام أنيقة البناء. وكانت هذه الملكية من جملة الأملاك المحتلة عسكريا. ولما رأى بعضهم تلك الأبهة وتلك الزينة، ظنوا أن الدار تحتوي على كنز دفين (لأن معظم السادة الأوروبيين لا يحلمون إلا بالكنوز). وهكذا، سارعوا إلى الحفر وتفتيش الأرضيات وتهديم بعض الحيطان التي شك في أنها تخفي بعض الثروات. ولما لم يجدوا شيئا باعوا كل المواد التي كان لها ثمن لجمع كمية من المال. وفضل وصي هؤلاء الأيتام الذين كانوا يملكون الجنان، فضل الكراء على أن يقوم بإصلاحات. وتقدم طبيب إنكليزي للشراء، وبما أن الوصي لا يستطيع القيام بغير الكراء، فإن المفاوضة وقعت فيما يخص حق الانتفاع، لا فيما يخص الملكية. وطلب مني أن أحرر البنود والشروط وفقا للقانون، وقد أوضحت بأن ذلك الملك كان مستأجرا فقط مقابل مبلغ سنوي قدره كذا، ولا تدوم الاتفاقية إلا ما دام المبلغ يدفع مضبوطا. وبعد إبرام العقد، تسلم الطبيب الملك وقام بجميع الإصلاحات الضرورية في ذلك المسكن. ولما علم القنصل الإنكليزي في الجزائر بإمكانية أجراء مثل هذه الصفقة، وبأن نفس الأيتام كان لهم جنان محتل عسكريا كذلك، اقترح على الوصي المذكور أن يسلمه له بشروط مشابهة للشروط التي وقعت مع الطبيب الإنكليزي،

стр. 247

لقد طلب الوصي ١٨٠٠ فرنك عن الكراء السنوي، ولكن الجنرال كـ .... الذي سمع بهذا الاقتراح تدخل في المفارضات، وأبلغ الوصي بأنه سيهدم البنايات ويقتلع الأشجار لو وقع اكتراء الجنان للقنصل الإنكليزي ومن ثمة، فإن ذلك الوصي لم يتمكن من الاكتراء للقنصل الإنكليزي بسبب الضغط الذي وقع عليه. ويقال إن الجنان اكتري فيما بعد للجنرال كـ .... مقابل ١٠٢٣ فرنك عن كل سنة فيما أعتقد. وبدلا من أن يقوم الجنرال المذكور بتصليحات وإعادة الجنان إلى وضعه الأول، فإنه قد أهمله وتركه يزداد تخريبا. وبنفس الطريقة، استولى الجنرال كـ ... على ضيعة جميلة كانت من أملاك علي باشا (١) وتشتمل عل بنايات ممتازة، فيها جميع المرافق التي يمكن تصويرها، ولكن الملاك يشتكون من أن السيد كـ .... لا يدفع حتى أجرة الكراء. وبالفعل، فإنه كان يعتبر كل هذه الأملاك من أملاكه الخاصة، ويقال أنه كان يحتفظ بالعقود ولا يريد تسليمها لأصحابها. واستولى نفس الجنرال على ضيعة أخرى تعرف باسم (والي دادي) (٢) كانت تابعة للمؤسسات الخيرية، كما أنه استولى على ضيعة كبيرة كانت تعرف باسم (الآغا) وتدعى اليوم (الدار المربعة) ابتناها يحيى آغا)؛ وقد كلفته أكثر من مليون من الفرنكات. ومقابل هذه الضيعة فإن الجنرال كـ ... لم يعط لأيتام يحيى آغا سوى حانوت أخذه من أملاك الدولة لهذا الغرض. وإذا كان وصي هؤلاء الأيتام قد وافق

стр. 248

على العملية فلأنه لم يكن قادرا على معارضة ذلك العمل التعسفي الذي ما كان ليقع في عهد الأتراك.، وهكذا، أخذ الوصي ما أعطي له في المقابل بدلا من أن يضيع كل شيء. بهذه الطريقة أصبحت للجنرال كـ .... أملاك في مدينة الجزائر! فهو لا يريد دفع الكراء ولا إعادة العقود لأصحابها. إن السيد كـ ... يزعم بأنه تحرري، ويعارض حكومته لأنه لا يشغل منصبا. أن السيد كـ ... العضو في مجلس النواب، مكلف ببحث المصلحة العامة في فرنسا. ولكن ما أعظم أخطاؤه في إفريقيا، وهو مع ذلك شخصية بارزة! وبمقتضى أية مبادىء أخلاقية يتصرف على ذلك النحو؟ إننا نرى بأن هذا المشروع يطبق، على الأقل نوعين من المبادىء يختلفان كل الاختلاف إذا قارنا تلك التي اتبعها في إفريقيا وتلك التي يدينها في فرنسا. ونراه كذلك بوجهين: فهو تحرري من جهة ورائد للحكم المطلق من جهة أخرى. وأخيرا نسأله هل هو يريد تسيير الجزائريين وحماية مصالحهم وفقا لقوانين نابليون أم لقوانين الإقطاعية القديمة. يستخلص مما ذكر أعلاه، أن الجنرال كـ ... قد اغتنى على حساب الجزائريين وشرف الأمة الفرنسية، إن هذا الجنرال يتلقى كراء مرتفعا من الحكومة الفرنسية عن جنان علي آغا. إنه يعرف كيف يأخذ مقابل أملاكه المزعومة، أما الجزائريون الذين أخرجوا بحد السلاح من مساكنهم فإنه لا يدفع لهم ثمن بيع ولا كراء. ولتتويج أعماله، فإن هذا الجنراد لم يخش أن اقترح إبادة الجزائريين بعد أن تفاهم وجردهم من جميع ممتلكاتهم. أرجو أن يثق قرائي بأنني لم أعزم على ذكر سيرة السيد الجنرال كـ ...

стр. 249

في هذا الكتاب إلا بعد أن رأيت أعماله وقرأت كتاباته. وشخصيا، فإنني لا أحقد على هذا الجنرال، وعليه، فإنني لن أعرض هنا إلا الأفعال التي شاهدتها بنفسي، وأستطيع القول بأنني أمر مر الكرام على بعض الأحداث التي لو ذكرتها لأبعدتني عن الإطار الذي حددته لنفسي، والتي كان يمكن أن تجلب انتباه محبي الإنسانية والعدالة. إن كل إنسان عادل يرى بوضوح أن السيد كـ ... قد نقض ما جاء في وثيقة الاستسلام، وأن هذا الخطأ الأول كاف للتدليل على سلوكه السيء إزاء الإفريقيين، وأن طريقته في الحكم كانت تتنافى مع مصالح الفرنسيين. وعلى هذا الأساس، فإن أنانية شخص واحد هي التي تسببت في العار والتوبيخ اللذين تعرضت لهما الحكومة الفرنسية في إفريقيا. وهذا صحيح بحيث أن القبائل صاروا يجيبون كل من يريد إقناعهم بإمكانية حدوث اتفاق سلمي، بقولهم: (لا ينبغي أن نصدق من لا يفون بوعودهم) - وبالفعل فما هي الثقة التي توضع في تاجر لا يلتزم بوعوده؟ ويوفي ما عليه من سندات بالكلام الطيب؟ إنه يكون مجبرا على أن يشتري كل شيء نقدا. إن الحكومة الفرنسية، بالنسبة للقبائل، توجد في نفس وضعية التاجر المذكور، وهؤلاء القبائل لم يعودوا يفرقون بين الأوروبيين، إنهم يعممون ويقولون: (إنهم مسيحيون ولا يمكن أن يصادقوهم ولا أن ينسوا حقدهم الديني، ذلك لأنهم لو أتيحت لهم الفرصة للاعتداء عليهم لفعلوا، ولأنهم لا يعتدون على الأحياء فقط إنما يسلطون حقدهم كذلك على الأموات بتهديم مدافنهم، الخ ... الخ ...). وهكذا، فإن سلوك السيد كـ ... وإدارته في الجزائر لم يؤديا إلا لتنفير قلوب الجزائريين والإفريقيين بصفة عامة - إنه جعلهم يحذرون من نوايا

стр. 250

فرنسا إزاءهم، وقدم لهم الدليل القاطع على أن الفرنسيين، بدلا من أن يأتوا لنشر مبادىء الحرية والحضارة، إنما جاؤوا معهم، على العكس من ذلك، بالتعسف والعبودية اللذين يجيدون تطبيقهما أحسن من الأتراك أنفسهم، لقد كان هؤلاء الأتراك على الأقل، يوحدون مصالحهم بمصالح الأهالي، ويحترمون ملكياتهم وعاداتهم وحتى تقاليدهم القديمة على الرغم من أنها مخالفة للصواب. فبتلك السياسة، وباتباعهم تلك الطريقة، استطاعوا أن يحكموا هذا الشعب وأن يكتسبوا قلوب الإفريقيين الذين لم يستعملوا معهه، أبدا، لا القوة ولا العنف. إن الظلم لا يدوم، والعدالة خالدة، والحرية هي أساس النظام الاجتماعي. لقد لوحظ أن هذا الجنرال كان يذرف الدموع وهو يغادر الجزائر .. يا له من ارتباط ويا له من عطف على هذا البلد! إنه التعطش إلى الثروة، لا يمكن التخفيف من حدته، فكلما شربنا تقنا إلى الشرب، ولذلك نستطيع القول إن نشوة الجنرال كـ ... ما تزال مستمرة. إنه يقارن الجزائر في مؤلفاته بالأرض الموعودة، وأخبث الأراضي في الجزائر هي بالنسبة إليه، أحسن من أراضي الهند والجزر. ولكن الأغرب في الأمر هو أنه يزعم أنه محبوب، وبأن جميع سكان مدينة الجزائر يرغبون أشد الرغبة في عودته. وفي مناسبات أخرى يتهم الجزائريين بأنهم منعوه من تحقيق مشاريعه ويسأل السيد دوفنتان إذا كانت هناك وسائل أخرى للتخلص منهم غير الإبادة. إن الجنرال كـ .... في نظرنا، قد قدم مشاريع جنونية لا تطبق، إن نظريته تبدو لنا صعبة التطبيق لأنه يريد أن يجعل من متيجة مصدر ثروة لفرنسا
следующие страницы →