← История

История · id 14329

المرآة

حمدان خوجة

Полный текст (260 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

من المدافع والذخيرة الحربية. وقد تمركز مدة ثلاثة أيام في نواحي الدار البيضاء ليجمع الخيل والبغال التي كانت للدولة، وكذلك كل ما استطاع أن يعثر عليه في مزارع الدولة وضيعها. فجمع حوله ثلاثة آلاف تركي وعددا كبيرا من أسر مدينة الجزائر التي تركت المدينة لأن بعضها لم يعد مطمئنا لها بينما هرب البعض الآخر خوفا من الظلم. لقد أخذ باي قسنطينة، إذن، كل هذا العدد الكبير من الناس تحت حمايته. وكان يوجد ضمن هذا العدد حوالي خمسمائة امرأة، ولم تؤخذ المؤن لمجابهة أتعاب الطريق لأنه لم تكن هناك استعددات لهذه الرحلة. غير أن باي قسنطينة، قد برهن، في هذه الظروف الطارئة، على كثير من الإنسانية والبطولة، وأن أعماله لكفيلة بأن تمجد، إذ تولى بنفسه إشباع جميع الحاجات الضرورية لهذه الهجرة، وثم اتخاذ كل ما يمكن من الإجراءات. ثم سار بقافلته نحو قسنطينة، ووعد الأتراك بنصف أجورهم. وقد وصل الجميع إلى أبواب تلك المدينة دون أن يمسهم البرابر بأذى. عندئذ وسوس الشيطان لذلك العدد العديد من الأتراك وأوحى لهم ذلك المشروع الفظيع الرامي إلى عزل القائد الذي أوصلهم إلى هناك. إن الحاج أحمد باي قسنطينة، لم يعدهم إلا بنصف الأجر، ولكي يحصلوا على الأجر كله فكروا في عزله من منصبه واستبداله بابن شاكر باي (٢) وقد كان شاكر هذا بايا على قسنطينة. ولكن الابن كان شريرا وسكيرا.

стр. 177

غير أنه وعد، وقبلت الشروط ثم وقع الاتفاق. وبالفعل، ففي اليوم المحدد لدخولهم إلى قسنطينة ترك الجنود أبواب المدينة وابتعدوا بحوالي ميلين: هناك كان رئيسهم الجديد في انتظارهم. وبعد ذلك بقليل أخبروا الحاج أحمد بنواياهم، وصرحوا له بأنه ينبغي أن يعتبر نفسه معزولا. ولم يضيع هذا الباي لحظة واحدة في إخبار سكان قسنطنية بتلك الإجراءات الغادرة، وقال لهم أنه لا يريد أن يكون سببا في نشوب حرب أهلية، وإذا كانت لهم نفس نوايا المتمردين، فإنه يرجوهم أن يخرجوا من المدينة كامل أفراد أسرته، وإنه بعد ذلك سينسحب إلى الصحراء عند أهله (٣)، إنه كان يفضل أن يتصرف كذلك بدلا من أن يسفك دماء مواطنيه. بعد أن وصلت هذه المعلومات إلى أعيان المدينة والفقهاء، اجتمعوا للتشاور حول الحزب الذي يجب أن يختاروه، وقد تقرر ما يلي: إن الحاج أحمد باي قد عين من طرف حسين باشا، وكان هذا الأخير وكيلا للسلطان. ولذلك لا نعترف إلا بسلطة السلطان. وأن السلطان ما يزال موجودا وإذا كان ممثله في الجزائر لم يعد موجودا سياسيا، فإن ما قام به هذا الأخير قد تم بموافقة الباب العالي وعليه يجب أن يكون الحاج أحمد هو رئيسنا، وهو صالح لنا فعلا. ولا نستطيع تغيير هذه الأمور دون أن تكون هناك تعليمات جديدة من الباب العالي. ونظرا إلى المسافة الفاصلة بين البلدين، وفي حالة وفاته فإنه يمكننا أن نختار، دائما بموافقة السلطان، من يصلح بنا لحماية الأمن والسهر

стр. 178

على هدوء البلاد وفي جميع الحالات، فإن ابن شاكر مغامر، ولا يمكن أن يكون تعيينه شرعيا. وهكذا، إذن، فإننا لن نواصل اعترافنا بسلطان الحاج أحمد باي فقط، وإنما ينبغي أيضا أن نعترف به كباشا ليتمكن من تهدئة القبائل والعرب، إنه سيخلف باشا السلطان، وبعد ذلك نطلب رأي السلطان فيوافق أو لا يوافق على هذا الإجراء. وفي الحين أرسل هذا القرار إلى الحاج أحمد، وأخبر بأن جميع السكان مستعدون لحمايته ضد أعدائه لأنهم يعتبرونه كباشا، وعندئذ توجه لمحاربة المتمردين وهزمهم. وليبرهن هؤلاء الأخيرون على خضوعهم، أرسلوا له رأس قائدهم. وزيادة على ذلك اشترط الحاج أحمد أن يسلم إليه المحركون الرئيسيون لهذه الثورة وعددهم عشرون، فينفيهم إلى تونس. غير أن عددا منهم قد هرب وتفرق في أوساط القبائل والعرب. وبعد ذلك دخل الحاج أحمد منتصرا إلى قسنطينة. وبعد هذا الحادث، أرسل باي قسنطينة قرار أعيان هذه المقاطعة إلى باقي سكان الإيالة ودعاهم إلى طاعته ففعلوا. ثم طلب من سكان عنابة أن يرسلوا له كمية من الذخائر الحربية، وولى عليهم المسمى الحاج عمار الذي كان وكيلا له في تونس. ولكن الحاج عمار هذا كان يحظى بسمعة سيئة في عنابة، وكان يعتبر حاكما عاجزا، وبما أنه كان قد شغل هذا المنصب في نفس المنطقة، فإن السكان أصبحوا يقدرونه حق قدره. وعلى هذا الأساس شق سكان عنابة عصا الطاعة؛ فلم يمتثلوا لأوامر الحاج أحمد باي ورفضوا أن يرسلوا له ما طلبه من ذخيرة، ولما أحس الباي

стр. 179

وعليه فقد آن الأوان لتتسلحوا ضد الفرنسيين، ولتتحدوا قصد طردهم. وهكذا، إذن، اتحدوا فيما بينهم، وأمنوا الطرقات. لقد توقعوا أن يقوم الفرنسيون بنهب الجزائريين، ولذلك سارعوا إلى الاستيلاء على ممتلكات سكان مدينة الجزائر في متيحة، إنهم لم يتركوا ماشية ولا حبوبا.

стр. 180

الفصل السادس عن إدارة المارشال بورمون عندما نزل المارشال بورمون بأرض الجزائر، نشر، باسم الأمة الفرنسية، بيانا ذكر فيه بأنه سيقضي على نظام اظلم السائد في الجزائر. وتنص معاهدة الاستسلام على أن الأتراك يعتبرون من سكان المدينة. ولكن، بعد استسلام المدينة بفترة وجيزة، قام بورمون بنفيهم واختطافهم. ففصلوا عن نسائهم وأطفالهم دون أن يقترفدا أي ذنب. وكانوا يقادون إلى السفن قبل ساعة الإبحار بأيام عديدة. وأشيع أمام الرأي العام بأنه ثبت أنهم ينوون التآمر ضد الفرنسيين، وهي جريمة مزعومة لا أساس لها من الصحة. ألم يكن من حق رجل كالسيد دوبرمون، المكلف بمهام سامية والمتمثل لأمة متحضرة، أن ينظر في المسألة ليتأكد من صحة أو عدم صحة الاتهام؟ وهل يمكن أن يكون لذلك أساس؟ .. أن قلة عددهم وكذلك ضعفهم لا يسمحان لهم بتدبير أية مؤامرة. وقد كان عليه قبل أن يتصرف بهذه الكيفية،

стр. 181

أن يستخبر هل أن الوشاية كانت لفائدة الصالح العام، أم هل هي لمجرد الانتقام. هناك مثل عندنا يقول: (إذا كان النمام مجنونا، يجب أن يكون المستمع عاقلا). كيف يمكن أن تكون لهم نوايا عدوانية، وهم بدون سلاح ولا عتاد حربي ولا مدفعية، وعددهم قليل؟ لقد كان الأتراك في السلطة، وكانت لهم كنوز وجيش، وكان البايات معهم، وكانت لهم القصبة والحصون، ومع ذلك فإنهم لم يحاربوا الفرنسيين. وبدون كل هذه الموارد، هل يستطيعون التآمر ضدهم؟ كيف إذن، يمكن لقائد جيش أن يهتم يتقارير كاذبة، بعيدة كل البعد عن الحقيقة ولا تدل إلا على النوايا السيئة التي يضمرها أعداء الأمن العمومي. وفيما يلي أذكر حادثا يدعم أقوالي: لقد تجمهر الناس ذات يوم بالقرب من القصبة وكانوا جميعا من المسلمين الذين يريدون تقديم شكوى ضد إهانات كان اليهود قد وجهوها إليهم، وفي الأخير أوفدوا من بينهم اثنين إلى الجنرال بورمون ليعرضا له موضوع الشكوى باسم الجميع. ولكن المبعوثين، بدلا من أن يقوما بالمهمة التي كلفا بأدائها، إنقادا لدعايات الماكرين وتقدما إلى الجنرال قائلين له: بأن الجماهير تشتكي من الأتراك. صدق المارشال تقرير هذين الشخصين، وبذلك يكون قد اتخذ تدابير على أساس تصريح بسيط. إنني أسمح لذينك المتناورين وأغفر ذنبهما ونواياهما الخبيثة ولكنني لا أستطيع أبدا أن أسمح لرجل مثل السيد دوبرمون الذي يشتغل منصبا ساميا أن ينخدع لبعض الطامعين ويحكم في الأمور عن غير معرفة وبدون تفكير. ولو أنه حقق في القضية لعرف السبب الحقيقي الذي قاد للتجمع، ولما

стр. 182

كانت النتيجة هي طرد الأتراك من وطنهم، وجعلهم ييأسون ويفصلون عن نسائهم وأطفالهم. لقد رأيت بنفسي بعض الفرنسيين يولون ظهورهم للمشهد؛ ويدرفون الدموع من الألم. لقد استطاع كثير من الناس أن يلحظوا مثلي كنه هذه المكيدة، فرأوا كيف أن شكوى كان من المفروض أن توجه ضد اليهود، قد حولت ضد الأتراك. إن الإدارة إذا، لا تقوم بواجبها. إنها لا تهتم إلا بالذهب والفضة، وأضل رجال السلطة سعيهم وراء الثروات. ومن سوء الحظ بالنسبة إلينا، فإن ما أقوله هنا حقيقة لا تخفى على أحد، وهي السبب في كل الشرور التي أصابتنا. إن هذه الأساليب قد أجبرت الأغنياء على مغادرة البلاد على الرغم من أنهم هم المورد الوحيد بالنسبة للطبقات الفقيرة ولذلك حدث سخط عام في أوساط الشعب وبدأ الاحتراز من الفرنسيين الذين لا يوفون بعهدهم. وافتري على القاضي الحنفي بدوره فنفاه السيد دوبرمون متهما إياه بأنه جمع أعيان المدينة في أحد المساجد لتدبير مؤامرة ضد الفرنسيين، وأصبحت إدارة دوبرمون عهد خوف ورعب تتهم فيها النوايا الحسنة بالإجرام، ويسير العدل وفقا للأهواء والنميمة. ومع ذلك، فإن للسيد دوبرمون تراجمة فكان باستطاعته أن يستشير السكان قبل أن يتصرف بتلك الطريقة الظالمة. إنه لم يحترم وثيقة الاستسلام التي وقع عليها بنفسه، لأنه نقض أهم موادها بعد التوقيع بثمانية أيام فقط. هل ينبغي أن ننتظر من الحكومة الفرنسية أنها تتصرف بمثل هذا الجور نحو أمة يزعم أنها كانت، قبل الاحتلال، جاضعة لحكم تعسفي ظالم. وفيما يلي حادث آخر يكاد يشبه الذي انتهيت الآن م روايته ولكنه

стр. 183

وقع في عهد حسين باشا. إنني سأنقل حرفيا ما جرى أمامي في تلك الأثناء. لقد اشتكى بعضهم، ذات يوم، للداي بأن القاضي لا يحكم بالعدل، وقيل له أنه أصدر حكما منافيا للقانون، لم يسبق لغيره من الفقهاء ورجال العدالة أن أوردوه. وبدلا من أن يعاقب المتهم دون الاستماع إليه؛ فإن حسين باشا، قد طلب من القاضي - في أدب - أن يحضر إلى بيته حيث كان قد جمع سائر رجال القانون، ثم دعاه إلى تقديم الأسباب التي دفعته إلى إصدار حكم ظالم، وأمر المفتي والفقهاء أن يتناقشوا معه في الموضوع وأن يطلبوا منه ذكر المادة التي جعلته يتخذ مثل ذلك القرار. ولما تلكأ القاضي في أجوبته، وثبتت الشكوى التي قدمت ضده، عزله الداي في حينه ونفاه إلى وهران دون أن يرسل معه رجال الدرك. هذه مقارنة بين إدارة الإيالة والإدارة الفرنسية، ومع ذلك، فإن السيد دوبرمون يزعم أنه جاءنا ليقضي على التعسف، ويطبق القانون وفقا للعدالة والإنصاف. فلو أن هذه الأخطاء ارتكبها شخص آخر غير السيد دوبرمون لكان يمكن غفرانها. ولذلك صار كل واحد منا يقول: أين هم، إذا أولئك الفرنسيون المشهورون، تلامذة نابليون العظيم، أين هم أولئك الجنرالات المتصرفون، والمواطنون والقضاة النزهاء؟. ماذا فعلوا بعلمهم، ومقدرتهم وذكائهم؟ لقد احتجزت أسلحة الميليشيا وسكان المدينة. وجال في أذهاننا أن تلك الأسلحة ستوضع في مستودعات كوسيلة ضمان وأمن. ولكننا كنا نعتقد، كذلك، أن الفرنسيين سيصرفون مثل الروس عندما غزوا الإمبراطورية العثمانية، لقد قام هؤلاء الروس بجمع الأسلحة ثم جعلوا لكل قطعة بطاقة تحمل اسم صاحبها وأودعوا الكل في مسجد على أن تعاد لأصحابها في الوقت المناسب.

стр. 184

وأقول في إمكاننا أن نعتقد بأن من واجب الفرنسيين أن يصنعوا مع الجزائريين، مثلما صنع الروس مع الأتراك على الأقل. وزيادة على ذلك، أن هناك أشخاصا بين سكان الإيالة يعتبرون السلاح كأثاث منزلي يزينون به حجرات منازلهم، وتكون قيمته حسب ثروة صاحبه. فهناك من يملك أسلحة محلاة بالفضة والذهب وبالجواهر الثمينة. فهذه الأسلحة تحتوي على ثروة؛ وقد سلمت إلى الفرنسيين عن طريق الشرف وحسن النية اللذين يستوجبان صيانتها. ومن الواحب أن تكون لديهم بمثابة أمانة مقدسة. لا يجوز التعدي على حرمتها. فبأي قانون استطاعوا أن يستولوا على هذه الأسلحة، لتصبح ملكا لهم؟ أباسم الشراء، أم باسم الإيجار ; أم باسم الهبة؟ إنهم أصبحوا أسيادا في البلاد. وقد فعلوا ما بدا لهم في هذه الظروف أن يفعلوه؛ مع أنه يستحيل أن يوجد قانون فرنسي يسمح بالسلب، والاغتصاب. فبالعكس، فإن قانون الإنسان يعارض ذلك تماما وأنا - كذلك - كنت أملك أسلحة ثمينة، مثلما كان يملكها أبنائي. وكانت هذه الأسلحة محلاة بالذهب، والفضة، والمرجان، والأحجار الكريمة. وكانت قيمتها تقدر بعشرين ألفا من الفرنكات. ومن أجل امتثال الأوامر جعلتها في صندوقين، ثم وضعتهما لدى القائد (لوفير دو) (loverdo) الذي تسلمهما مني في منزله. وبعد مدة قصيرة طلب مني هذا القائد أن أرفع أمانتي من عنده، فنقلتها إلى منزل صديقي قنصل (نابولي) (Napoli) . ثم إن هذا الأخير قد دخله بعض الخوف من ذلك،

стр. 185

فظننت من واجبي أن استودعها بين أيدي القائد هـ ... (١) الذي كان يسكن بمنزلي المخصص للنزهة والاستجمام. فوضع هذا القائد الصندوق في إحدى الغرف؛ واحتفظ بمفتاحيهما في شقته وفي يوم خروجه من المنزل لم أجد هناك سوى الظرفين أعني: وجدت الصندوقين فارغين فعندئذ سألته: ماذا حدث لأسلحتي وأين هي؟ فأجابني: (إن ولدك أخذ جزءا منها وأنا أخذت الجزء الآخر. وها هو - كما أظن - الثمن المقدر لقيمة الجزء الذي احتفظت به لنفسي). ولعلني أتذكر أنه أعطاني ستة وثلاثين دينارا من فئة (نابليون). ثم تبين لي - فيما بعد - أن والدي لم يأخذ أي شيء من تلك الأسلحة، لأنه لا يمكن أن يسرق ما هو ملك له. إذن فالقائد وأتباعه هم الذين اختلسوا أسلحتي.

стр. 186

الفصل السابع عن أحداث الترسانة والاحتلال العسكري عندما أيقن مصطفى، وزير البحرية، بأن الكارثة آتية لا ريب فيها، فتح صندوق النفقات اليومية، ووزع ما فيه من مبالغ على العمال، ثم أحرق السجلات، عندئذ أبحرت كثير من الأسر على متن قوارب الترسانة قاصدة بلاد القبائل وبجاية. وجاءت السفن التجارية المرافقة للحملة إلى المرسى، فنهبت الميناء، وأخذت السلاسل والحبالة والصوف التي كانت في الخنادق، والمراسي، والقنب ومجموعة أخرى من العتاد والذخائر، وتقدر كل هذه الأشياء التي أخذتها تلك السفن ليلا، بواسطة قواربها، نعم تقدر بمبالغ هائلة، ونحن نجهل إذا كان ذلك قد ثم بالاتفاق مع السلطة الفرنسية. ولكنني أعتقد أن كل واحد كان يأخذ لنفسه، لقد كان هناك ما يكفي الجميع، وكان اللصوص متفقين فيما بينهم فلا يوشي بعضهم ببعض. كانت تلك هي الثمرات الأولى للاحتلال وللحضارة الفرنسية؟

стр. 187

كان نصف الجيش الفرنسي متمركزا في أجنة سكان المدينة (أو في ديارهم المعدة للاستجمام). ولن نقر إلا حقيقة، إذا ذكرنا هنا بأن مالكي تلك المساكن لم يحصلوا أبدا على أي تعويض، ولم يكن لهم حق التمتع بملكياتهم وأن الأبواب كانت تكسر لتحرق، وسياجات الحديد تقلع. وكان الجنود يحفرون الأرضيات بحثا عن الكنوز الموهومة. وأخيرا، فإن الأجنة والمساكن قد خربت إلى درجة أنها لم تعد صالحة لشيء. وكل ما أرويه هنا بعيد عن المبالغة والمغالاة، ولكن، لكي تكون للمرء فكرة واضحة يجب أن يرى بنفسه ما وقع من تخريب. كانت هذه أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت الملاك إلى التنازل عن ممتلكاتهم بالشروط التي تقدم لهم وبأسعار بخسة. وهكذا لم يعد في استطاعة أي واحد أن يفخر بكونه يمتلك عقارات في الجزائر. وبهذه الطريقة كانت الأملاك الوطنية تكتسب في فرنسا أثناء الثورة، ولكي تنسى هذه الاغتصابات، يجب أن ننتظر قرونا، أو ينبغي أن تدفع تعويضات تقدر بالملايين لكي يرتاح ضمير المالكين. أنه عهد الثورة والفوضى، ذلك الذي يخرب فيه كل ما يمكن تخريبه. إن بعض الأوروبيين من المالكين الجدد قد اختلققوا النزاع ليتحللوا من العقود التي أمضوها، وذلك بعد أن اقتلعوا الأشجار، وخربوا الأجنة وجمعوا الأموال من كل شيء، ثم أصبحوا عاجزين عن دفع المبالغ السنوية المتفق عليها، وكانت المحكمة مكتظة بالمترافعين لأن معظم تلك العقود كان قد تم بالتراضي عن طريق الدلالين. ومن ثمة فإن بعضهم قد خرب كل شيء ثم أظهر سوء نيته، بينما كان الآخرون يبيعون من جديد وكانت تلك العمليات المتتالية تخلق كثيرا من النزعات، لأن البيع الأول لم يكن شرعيا ولا خاليا من الإشكال

стр. 188

لقد كان هناك غموض بالنسبة للسكان وللمحاكم على السواء. وأصبح من المحتوم، في هذه الحالة، على المالكين الحقيقيين، أن يرضوا بالتفاهم بدلا من أن يخسروا كل شيء. بهذه الطريقة وقعت كثير من عمليات البيع والشراء، وتوصل الفرنسيون أو سيتوصلون إلى امتلاك جميع الملكيات في البلاد. إنني لا أعلم أن هناك ملكية واحدة قد اشتريت بكيفية عادية وشرعية. وليست هذه العقود كلها إلا كرامات دائمة وقانوننا لا يعترف بصحتها، لأن عقد الكراء عندنا لا يمكن أن يكون إلا لسنة. ويزعم بعض الفقهاء أنه يمكن أن تمتد العقود على ثلاث سنوات. ولكنه يبقى، دائما، للمالك حق تمديد الكراء أو إلغائه بعد السنة الأولى. إنني سأتطرق في فصل خاص بكيفية واضحة ومفصلة إلى كل ما له علاقة بقوانيننا. إن الأسباب التي منعت الفرنسيين من أن يشتروا بالطرق الشرعية على غرار ما يتم عندنا وفي فرنسا، يمكن تفسيرها كما يلي: ١ - لأنهم غير متأكدين من مواصلة الاستعمار. ٢ - لأن معظم الأوروبيين الذين ذهبوا إلى الجزائر مغامرون بدون أموال، يريدون اكتساب الثروات على حساب الجميع. وعلى هذا الأساس، فإن الجنرال كلوزيل قد أخطأ عندما زعم، في أحد كتبه، أن بيع العمارات في البلدان الإسلامية لا يتم بنفس الطريقة المعمول بها في فرنسا وإنما مقابل ريع دائم. وإننا نود أن يكون اليهود، مستشاروه المفضلون، هم الذين أضلوه، وإلا فإنه قد يتهم بأنه أضل الأمة الفرنسية، وأولئك الذين توجهوا إلى الجزائر للحصول على ملكيات بطريقة في مثل تلك السهولة.

стр. 189

الفصل الثامن عن الاحتلال العسكري وسلوك أهم ضباط الجيش الفرنسي لقد أسكن عدد كبير من الجنرالات والكولونالات وغيرهم خارج المدينة. فكانوا يتسابقون لاختيار أجمل الحدائق، والمساكن الأكثر ملاءمة، ينتصبون فيها سادة لا ينازعهم منازع. وكانوا يقطعون الأشجار أو يقلمونها حسب رغبتهم، ولم يعد المالكون قادرون على الدخول إلى ممتلكاتهم، ولم ينفق فرنك واحد لإصلاح أبسط الأمور، وإنما كانت المصاريف تخصص لاقتلاع الأشجار أو للتخريب. وفيما يخصني، فإن الجنرال هـ .... قد استحوذ على جناني، على غير علم مني، وطرد خدمي وعنبدما علمت بذلك أرسلت ولدي إلى المارشال بورمون ليطالب بالحماية التي تعهد بشرف الأمة، أنه يقدمها لنا. ولما لم يتمكن ولدي من رؤية المارشال توجه إلى الجنرال تولوزان، فأعطاه هذا العسكري الممتاز، حينا، أمرا بترحيل الجنرال هـ ... الذي كان قد سكن داري المعدة للإستجمام. وعندما قدم له ولدي الأمر، غضب ثم قطعه وقال:

стр. 190

لقد احتللنا الجزائر، وأصبحنا سادتها بلا منازع، كل ما فيها ملكنا، وليس من حق السيد تولوزان أن يبعث لي بمثل هذه الأوامر. ولما وصلتني إجابة هذا الضابط سارعت إليه لعلي أجد فيه إنسانا متحضرا ومتسما بالاعتدال والعواطف الفرنسية النبيلة، وقلت له إن ولدي كان مخطئا عندما اشتكى عليه، وأنه يجب أن يعذر شابا صغيرا، وإنني جد مسرور باستقبال ضيف كريم مثلك لأنني متيقن من أنه سيحمي الدار من نهب الجنود. وفي الحين فتحت جميع الخزائن لكي لا تكسر ووضعت تحت تصرفه أغلى ما فيما من أثاث وحلي وزرابي وأوان خزفية، (عدد هذه الأواني كان يزيد عن ٥٠٠ قطعة). وكذلك طقم خزفي لتناول الشاي اشتريته من باريس بثلاثمائة فرنك، ومجموعة من أدوات الطبخ كلها من الخزف، والخزف المزخرف وجرار مملوءة بالزيت والزبدة وغير ذلك من المؤن الكثيرة التي تعودنا أن نعدها في البادية. ومن ثمة، فقد وضعت تحت تصرفه دارا كاملة، مجهزة بكل ما يحتاج إليه بما في ذلك أدوات الزينة. كما أنني تركت له بعض البغال، وشاتا للاعتناء بها. وبالتالي لم يكن هناك قائد أسعد منه في هذا الميدان. ومع ذلك، فإنه تقبل كل ذلك باعتزاز ولم يوجه لي حتى عبارة شكر، كما لو كنت قد قدمت متاعا هو له. وفي نظري، لقد كان من الواجب عليه أن يتصرف بطريقة أكثر تأدبا ولباقة وأن يبرهن على أنه يعرف كيف يقدر المواقف، وأن أصله يتناسب مع مرتبته. إن هذا الجنرال لم يمتنع عن شيء مما قدمته له، واستعمل بسعة كل ما وجد، وعندما شارك في حملة المدية مع الجنرال كلوزيل، أخذ اثتين من بغالي، نفقا، من التعب أو الجوع، بعد رجوعهما من الرحلة مباشرة.

стр. 191

لقد كان من الضروري القيام بمثل تلك المجاملة لأنني كنت مجبرا على ذلك. وإذا بدا لي أن أزور جناني، فإنني أمنع، أو يطلب مني أن أحضر أمرا من الجنرال ليسمح لي بالدخول، ومع ذلك، فقد كانوا يعلمون أنني أنا المالك الحقيقي. وعندما غادر الجنرال هـ .... مسكني أخذ معه كل ما أعجبه، وما كان يمكن أن يحمل حتى أواني الخزف المزخرف، مدعيا بأن كل تلك الأشياء إنما سرقها مترجمه. وبالإضافة إلى ذلك أخذ صندوقي الأسلحة اللذين سبق أن تكلمت عنهما. أن ديار المدينة التي سكنها الأجناد لم تعد صالحة للسكن. لقد علمت من أناس مطلعينا أن الشخصيات التي سكنت القصبة (مقر الداي) قد حفرت كل الأراضي آملة أن تعثر على الكنوز المخفية. كما أن بعض الأسوار قد هدمت لنفس الغرض. ومن جهة أخرى أجبر الخواص على الرحيل عن مساكنهم لكي تحتل عسكريا، وقد غلب اليأس على هؤلاء السكان فهاجروا عن طريق البر أو البحر. يا لها من أساليب تلك التي استعملها رجال السلطة الذين كان يجب عليهم، على الأقل، أن يدفعوا أجرا للمالكين تعويضا لحرمانهم من ممتلكاتهم. وبعد أن تمركز، أرسل الجنرال بورمون إلى باي وهران يطلب منه أن يستسلم لفرنسا. ووفقا لرغبة قائد الجنرالات، استجاب هذا الباي للأوامر وأعلن ولاءه للفرنسيين ولذلك كلف بالبقاء في وهران إلى أن يحين الأوان، وأن يحصن المدينة، ضد سكان المناطق الداخلية، من الإيالة، ويحفظ الأمن إلى أن ترسل له الجيوش. وباستسلامه لفرنسا، قطع الباي كل علاقة ودية مع القبائل وتخلى عن صلاته القديمة. وللاحتفاظ بالمنصب، كان عليه أن ينفق

стр. 192

من أمواله الخاصة على جيش من الأتراك. إن هذا الرجل، قلت في السابق، مسن ومسالم، لا يرغب إلا في الراحة. ولذلك استجاب لإرادة الجنرال الفرنسي، ولم يعد ينتظر إلا تنفيذ الوعود التي ضربت له والتي تتعلق باحترامه واحترام كل ما كان يملك. وحسب العدالة، لقد كان يجب أن يجازى هذا الباي وأن تدفع مصاريفه لأنه حكم وهران لحساب الفرنسيين منذ استسلامه إلى أن غادرها، أي مدة سبعة أشهر. وقبل أن يحتل الفرنسيون تلك المدينة وردت وفود متعددة إلى إحدى الشخصيات، وإنني أعرف كما يعرف الجميع أن هذه السخصية أرسلت بدورها، مرات متعددة، بعض البواخر إلى وهران تحمل رجالا من حاشيتها، وكان هؤلاء الرجال يشترطون على هذا الباي كثيرا من التضحيات التي لم يحدت أن رفضها في يوم من الأيام. سأقص في مكان آخر مغامرات هذا الباي مع الجنرال كلوزيل. عندها علمنا بالتغيير الهام الذي حدث في النظام الملكي الفرنسي ; فرحنا بالحادث أشد الفرح، وقد ابتهجنا خاصة للظروف التي أدت إلى وقوعه. واعتقدنا بدورنا أننا سنستفيد من ثمار تلك الحرية. لقد كان أملنا وطيدا في العاهل الجديد، لويس فليب (١) الذي كان ينبغي أن تحفظه تجربته ومآسيه من كل ضعف، والذي كان يجمع في نفس الوقت جميع الصفات الضرورية لقيادة أمة عملت على تعيينه ليكون رئيسها وحاميها، إنه رجل يجمع بين الشجاعة

стр. 193

والإحساس، ولقد شوهد في ميدان المعركة يظهر كل عطف الأبوة والزوج الصالح. وكما يقول الشاعر: (لا يعرف الحب إلا من كان عاشقا). فالفرنسيون، إذن، لم يكن في استطاعتهم أن يختاروا أحسن منه. ومن جهتنا كنا نقول: ليس هذا هو العاهل الذي يسمح بأن يخضع الجزائريون لنظام تعسفي، ليس هو الذي سيأمر بفصل الزوج عن زوجته وأطفاله، ولا بأن تؤخذ أملاكنا وكل ما لنا من موارد). في سنة ١٨٢٠، كنت في باريس، وتشرفت برأية الدوق دورليان (٢) يتأبط ذراع الدوقة زوجته وهو محاط بكامل أفراد أسرته. كنا لا نسمع عنه إلا الخير، وكان الحفل كله مديحا وتبركا. لقد كان هو الطيبة نفسها، ومثال الإحساس الرقيق، والحلم المشخص، لقد كان الدوق دورليان هو أفضل رجال القرن. عندما علمت بالحادث السعيد الذي جاء بتعيينه قلت لنفسي: (إن الفرنسيين سعداء، إنهم سيتمتعون بالحرية). وطمأنت جميع الأصدقاء مؤكدا لهم إن هذا الأمير كان كثير الاعتدال، عادلا وأهلا لأن يحب، وعليه يجب أن نهنىء أنفسنا بحكومته. ولكن مع الأسف لقد طال صبرنا وخاب أملنا. وأخيرا رفع العلم المثلث واستبدل المارشال بورمون بالجنرال كلوزيل. وكان أول أعماله، لطمأنة سكان الجزائر، هو إلغاء ما يسمى بالمحكمة الحنفية وإقرار محكمة الإسرائيليين. وكسابقه، لم يحط نفسه إلا باليهود الذين لا يستحون ولا يترددون أمام أي شيء. إن لنفوذهم ودهائهم الماكر دورا

стр. 194

كبيرا في تسيير بلدي المسكين: اغتصاب الأملاك وسفك الدماء، والنهب والجرائم .. تلكم هي الأعمال التي تتم في الجزائر، يا له من دستور، ويا لها من قوانين لا إنسانية تتعارض مع نظم المساواة والسلام،؛ يا له من ميثاق هذا الذي يسير شؤوننا! إن النفي والاغتصاب يكونان منه المادة ٥٧. وينبغي أن نعتبر أنفسنا سعداء إذا لم تضف مادة أخرى تقضي بإبادة الشعب الجزائري. وإذا كان مكتوبا (لاستعمل عبارة السيد الجنرال كلوزيل) فإنه يجب أن نستسلم للأمر الواقع، ولكن من سيكون جلادنا! إن إلغاء هذه المحكمة كما ذكرت؛ خطأ لا يغتفر؛ وهو مناف لترتيبات قوانيننا. وهناك مادة من معاهدة الاستسلام تنص على حصانة تلك القوانين. وعليه، فإن إلغاء هذه المحكمة يتناقض مع مبادىء المعاهدة المبرمة بين الجزائر وفرنسا. فبمقتضى أي حق وأي قانون قام السيد كلوزيل بإلغاء هذه المحكمة؟ أليعارض الأمة العثمانية؟ وبما أنه لا توجد أية عداوة بين فرنسا والإمبراطورية العثمانية فلماذا تحتقر قوانينها ويستهان بنظمها؟ وبهذه المناسبة أورد بعض الفقرات من قرار ٢٢ أكتوبر ١٨٣٠. المادة الأولى: ترفع جميع دعاوى المسلمين، في الميدانين المدني والجنائي إلى القاضي العربي، ينظر فيها بكل حرية وبدون استئناف، وفقا للقوانين وللعرف السائد في البلاد. وفي حالة ما إذا كان القاضي العربي (المالكي) في حاجة إلى مساعدة المفتي أو القاضي التركي (الحنفي) فإن هذا الأخير لا يكون له إلا صوت استشاري، لأن القرار من اختصاص القاضي العربي وحده. المادة الثانية: ترفع جميع دعاوى الإسرائيليين، في الميدانين المدني

стр. 195

والجنائي، إلى محكمة تتكون من ثلاثة رباينة تنظر فيها بكل حرية وبدون استئناف، وفقا للعرف والتقاليد الإسرائيلية، الخ ... وهكذا، إذن، نرى من خلال ما تقدم أن المحكمة الحنفية التي يسيرها قاض تركي قد ألغيت على الرغم من الاحتفاظ بالمحكمة الإسرائيلية. إن هذه التدابير الظالمة من شأنها أن تخلق كثيرا من الغموض في قوانين البلاد.

стр. 196

الفصل التاسع عن مصطفى بومزراق، وباي التيطري عندما وصل بو مزراق مصطفى، باي التيطري الذي سبق أن تكلمنا عنه، إلى المدية وضع مشرعا جنونيا لإعلان نفسه باشا أو رئيسا مستقلا للإيالة: فنظم ديوانه، وعين من بين الأتراك خزناجيا وآغا، وسك العملة. وبعد ذلك، تام بأعمال تعسفية، واختلاسات وجرائم مختلفة. وأرسل آغا، لإجبار القبائل المجاورة لمدينة الجزائر على أن تدفع له دراهمها وكل ما تملك بحجة أنها كانت تحمل المؤن لتغذيه الفرنسيين في المدية، وكتب كذلك إلى باي وهران لينجده بالأموال والذخائر الحربية والقهوة، وقد ثبت لي أن هذا الباي أرسل له كل ما طلب واعدا إياه بأنه سيضم إلى قضيته عندما يحين الأوان. وبعث باي التيطري نفس البيان إلى باي قسنطينة، ولكن هذا الأخير رفض طلبه وأجابه قائلا: (إننا متساويان، ولا فضل لأحدنا على الآخر). ثم حذره من أن يوجه إليه مثل هذه الطلبات في المستقبل، وأخبره بأنه لن يستسلم له كما دعاه إلى الاهتمام بشؤونه الخاصة. وأراد مصطفى أن يجدد

стр. 197

الكرة، فأرسل له، في هذه المرة الثانية، قفطانا ومرسوم تعيينه على رأس البايلك. إن هذه الوقاحة المخزية لم تزد باي قسنطينة إلا غضبا حتى أنه لم يتفضل بإجابته. واغتاظ باي التيطري بدوره من عدم اللياقة هذا، مما أدى إلى اشتعال الحرب بينهما. ثم اتصل باي التيطري بإبراهيم ليكون إلى جانبه، وكان إبراهيم هذا بايا على قسنطينة في عهد الأتراك، وقد عزل لعجزه وسوء تدبيره، وعندما كان في الحكم تزوج من بنت أحد شيوخ الصحراء اسمه فرحات (١). ولذلك حمل إبراهيم السلاح إلى جانب باي التيطري، ولكن هذه المحاولة لم تنجح رغم تضافر المجهودات (٢). وواصل -مصطفى- باي التيطري - تصرفاته الجنونية التي لم يستفد منها إلا الجنرال كلوزيل. لقد أرسل لهذا الجنرال برقية مليئة بالمآخذ والتعابير العدوانية، وأخيرا أعلن أمام الملأ أنه يتخلى عن المهمة التي كلفه بها بورمون. لقد ترجمت بنفسي هذه البرقية وكلفت بالرد عنها. وعلمت أن سكان المدية اتصلوا سرا بالجنرال كلوزيل وطلبوا إليه أن يأتيهم. وبهذه المناسبة طلب الجنرال من أعيان الجزائر أن يقدموا له قائمة بأسماء أشخاص متوسطي العمر ينتسبون إلى أسر كريمة، ليختار من بينهم واحدا يعينه بايا على التيطري. وكان يوجد ضمن القائمة الطويلة التي قدمت له اسم مصطفى بن عمر الذي قيل إنه ابن أخ حسين باشا داي الجزائر القديم، وهذا خطأ لأنه لم يكن إلا ابن خال زوجة حسين باشا. وكذا تم تعيين مصطفى بن عمر بايا على التيطري.

стр. 198

الفصل العاشر تابع لإدارة الجنرال كلوزيل، وحملاته ضذ المدية والبليدة نسخة المعاهدات خرج القائد الأعلى من الجزائر على رأس جيش ومعه آغا العرب (حمدان ابن أمين السكة) متوجها إلى المدية. لقد كان سكان الإيالة، إلى أن جاء الفرنسيون، يرون في مدينة الجزائر حصنا منيعا، ولذلك ظنوا أن الأمة الفرنسية التي استولت عليها هي أمة عظيمة واعتقدوا أنه لا يوجد شعب يستطيع مقاومة جيوشا. ومن جهة أخرى، فإن تعسفات مصطفى باي التيطري (بو مزراق)، ومراسلات حمدان الآغا المذكور التي كتبها في صالح القضية الفرنسية، كلها أفادت الفرنسيين وساعدت كثيرا على القيام بحملة المدية. ويقال كذلك - لكنني أستيعده - أن الجنرال كلوزيل قد وزع الأموال سرا، لتسهيل وصوله إلى المدية. وعندما دخل إلى هذه المدية نشر بيانا يؤكد فيه تلك الوعود التي ضربها المارشال بورمون. وقد كتب هذا البيان في البليدة، وهي مدينة أو

стр. 199

قرية تقع في سفح الجبل، معظم سكانها من الجبليين الذين تحضروا لتحسين أوضاعهم. وعندما اقترب الجيش الفرنسي فروا إلى الجبال. وغادر الفرنسيون هذه المدينة بعد أن تركوا فيها حامية صغيرة تتكون من ٦٠٠ شخص فقط. وقد استعد الجبليون بمساعدة بعض سكان البليدة لمهاجمة تلك الحامية، ولولا أن الجنرال كلوزيل رجع بسرعة من المدية لأبادوها عن آخرها. ولما علم الجبليون برجوع الجيش تفرقوا ولاذوا بالفرار. وعندما قام الجنود الفرنسيون بأعمال وحشية في هذه المدينة وأحدثوا مجزرة رهيبة، لم ينج فيها رجال ولا نساء ولا أطفال. هناك من يذكر أنه تم تقطيع بعض الرضع على صدور أمهاتهم. ووقع النهب في كل مكان، ولم يستثن حتى الجزائريون الذين فرا إلى هذه المدينة لينجوا من ظلم الحكومة الفرنسية، وليجدوا وسائل تمكنهم من العيش (إنني أتكلم هنا بكل نزاهة، ولا أروي وقائع الأحداث إلا كما جرت). وهكذا، فإن عددا كبيرا ممن لم يكونوا يفكرون في خيانة الفرنسيين، ولا حتى في معاداتهم، قد وقع تقتيلهم في هذه الظروف! هل من العدل أن يكون الاحتداد أو الغضب في سبب مثل هذه الأعمال؟ وبهذه المناسبة أذكر الحادثة التالية: لقد اضطر المسمى محمد بن سفطة إلى المجيء إلى البليدة ليعيش فيها، وكانت مهنته كإسكافي لا تكفي لتوفير وسائل عيشه، وعيش امرأته وبناته الصغيرات الأربع. وقد كان يسكن دارا صغيرا، دخل إليها في أثناء الهجوم وأغلق الباب. إنه لم يملك أي نوع من أنواع السلاح، ولم يكن معه سوى الأدوات التي يشتغل بها. وعندما دق الجنود الباب خرج إليهم صحبة زوجته،

стр. 200

ولكن سرعان ما وجهت إليه طلقات عديدة أودته قتيلا، كما قتلت طفلة لها من العمر عامان، أما زوجته فقد كسرت ذراعها، ونهبت الدار كلها. ولما بقيت الزوجة المسكينة بدون مورد بعد أن كسرت ذراعها وأصبح عليها أن تعول ثلاث بنات، توجهت إلى القائد الأعلى، ولكن شفقته لم تزد على أنه أركبها بغلة دون أن يضمد جرحها الذي ظل يدمي طيلة الطريق. إنه ليؤلمنا كثيرا أن نذكر هذه التفاصيل! لأن المؤرخ أيضا، إنسان، وهو مجبر على أن يتوقف عن التفكير وعن المتابة ليتحسر على بعض أفعال الناس. ومع الأسف، فما هو العلاج لكل هذه الشرور؟ إن شياطين السوء تظهر في كل العصور، تحر وراءها أنواعا من الآفات. والملوك - في كل عهد - مجبرون على مشاهدة تلك المعارك، يدوسون الجثث بأقدامهم ويسمعون صيحات الألم ... ويرون، أخيرا، جميع ويلات النهب والموت!!! إن هذه المرأة قد أصبحت تتسول بعد هذا الحادث. وغيرها من السكان كثيرون. ولقد كنا فيما مضى، نستطيع إعانتهم لأننا كنا نملك مؤسسات خيرية. أما الآن فإن تلك المؤسسات كلها أصبحت في أيدي السلطات الفرنسية التي توزع من حين لآخر بعض الصدقات ... فيعطى لكل فقير في كل أسبوع (سوردي) أو اثنين في بعض الأحيان. يأتي هؤلاء البؤساء بالآلاف، فيتنازعون ويتضاربون على تلك المعونة البسيطة. روفي أثناء التوزيع تنسد الطرقات. إن مثل هذه المساعدة وهذا التوزيع القليل لا يحققان الهدف المنشود، ولا يكفيان لسد حاجات مثل ذلك العدد من المعوزين. ولكن المدير لا يستطيع أن يفعل أكثر من ذلك. ومن جهة أخرى، فإن نصف المبالغ المخصصة لهذا النوع من الإعانات يعطى

стр. 201

لشخص لن أذكر اسمه، ويوزع الربع الأول من النصف الباقي على المدير والموظفين والمعوزين أما الربع الأخير، فإنه، يحفظ لأملاك الدولة ولتنمية خزائن فرنسا. ولكي نعود إلى حوادث البليدة، أقول، أخيرا، إنه كان يجدر بالجنرال ألا يترك أية حامية في المدينة بدلا من أن يترك واحدة لا تستطيع أن تحمي نفسها من الجبلين الكثيري العدد، وعندما يأتي المرء للحرب في هذه المقاطعة، كان يجب عليه أن يتوقع جميع أنواع الانتقام خاصة عن شعب تعصبي ساخط، ثم إن هذا الغزو لا يشرف فرنسا لأن نتائجه تؤدي، حتما، إلى إبادة جزء كبير من المخلوقات التي تكون الجنس البشري. وهل كان الفرنسيون يتصرفون بمثل هذه الطريقة لو أن الجزائريين كانوا يتدينون بدينهم؟ وعلى الرغم من أني لا أعتقد، شخصيا، بأن الفرنسيين قدموا إلى الجزائر بدافع ديني، فإن تلك هي فكرة كثيرة من الأشخاص الآخرين الذين يدعمون رأيهم بواقع لا تقبل المنازعة. ما هو الغرض من مساعدات قدمت لليونانيين ومقدارها ستون مليونا، ساهمت فيها فرنسا وحدها بعشرين دون أن يكون لها أي مقابل، أليس الغرض من تقديم المساعدة هو بناء مجد فرنسا، ولكي تتمكن تلك الأمة العظيمة من احتلال مكانة في سجلات التاريخ؟ والمساعدات التي قدمت للبلجيكيين، وللبولونين، وتلك التي تقدم حاليا للبرتغاليين، ألم تعط كلها لنفس الغرض لأن كل هذه الشعوب لا تقدم لفرنسا أي مقابل يتناسب مع مثل هذه التضحيات كلها؟ وعندما نرى مثل هذه النوايا الحسنة كيف نصدق بأن نفس فرنسا هذه ترضى بأن يحكم الجزائريون التابعون لها بمثل تلك الطريقة الجائرة.

стр. 202

إن وقوع مثل هذا العدد الكبير من الأحداث الجائرة يحتم علي أن أعرف بها ليسجلها التاريخ، ولنبين للأجيال القادمة كيف كانت تفهم الحضارة في القرن التاسع عشر. إننا نظلم، في الجزائر، وإذا أردنا أن نرفع أصواتنا ضد هذا النظام التعسفي، فإننا ننفى ... أيستطيع الناس، إذن، أن يفرضوا السكوت؟ ولماذا لا يحكمنا الفرنسيون حسب نظامهم القانوني؟ لماذا لا يكونون معتدلين، ولا يتصرفون وفقا لقوانين العدالة إذا كانوا يريدون حكمنا بسلام؟ وما من شك أنه كان يسرنا أكثر أن نتكلم بلغة أخرى، فنذكر محاسنهم ونجه لهم عبارات الشكر والتقدير، ولكننا، مع الأسف، مجبرون على ذكر وقائع تنتصب لهم في شكل متمم. وإننا لا نذكر هنا ولا نعيد إلا رسم المشاهد المؤلمة لكل ما يجري، مع العلم بأننا لا نستطيع نقلها كما ينبغي. ولأتمم ما له علاقة بحملة المدية، أقول: إن الجنرال كلوزيل لم يلق - صحبة آغا العرب وابن عمر باي التيطري - أية مقاومة في طريقه. لم يقم أي واحد بحمل السلاح ضد الحملة للأسباب التي ذكرناها، وأن معظم من كان يمكن لهم أن يحاربوا الفرنسيين قد انسحبوا إلى جبالهم الوعرة حيث يستطيعون حماية أنفسهم من جميع الهجومات بالحجارة فقط. لم يكن لمصطفى، باي التيطري، أنصار من بين البرابرة، ولما تأكد من عجزه وفشل قضيته لجأ إلى أحد المرابطين. وهكذا، إذن، استسلمت المدية لسلطان الفرنسيين، وفي الحين شرعت السلطة في الاستيلاء على أملاك الأتراك وكل ما كان تابعا للحكومة القديمة. وبهذا الصدد نقلت إلي الواقعة التالية، ومع ذلك فإنني لا أستطيع تأكيد صحتها: قبل أن يسحب القائد الفرنسي جيوشه ترك بن عمر في المدية بصفته بايا، ولكنه لم يترك له أية حامية لتدعيم سلطته. وقد سمح له بأن يجمع الضرائب على الطريقة التي كانت

стр. 203

تجمع بها في عهد الأتراك، وذلك بقطع النظر عن كون البيانات تؤكد إلغاء تلك الضرائب. وإن أسر ابن عمر بجمع الضرائب وحده كاف للتدليل على أن وعود الفرنسيين ليست إلا كلاما فارغا، وحيلا مخزية للوصول إلى الهدف الذي يصبون إليه. لقد كان أخذ الضرائب هو عمل الجور الذي تعير به الإدارة التركية، ومع ذلك لم يكن هناك نفي ولا نهب ولا تقتيل. لقد كان الأتراك مستبدين، ولكن في درجة أقل من استبداد الفرنسيين الذين حققوا تقدما كبيرا في هذا الميدان!. ومن الواجب على الجنرال كلوزيل أن يعجب بجزء من هذا التأليف. هناك من يؤكد بأن الحكومة الفرنسية قد أمرت بأن يعتنق المسلمون الديانة المسيحية. ويبدو أن (البريد الفرنسي) الصادر بتاريخ ٢٠ جوان قد اكتشف السر، ومع ذلك لم يصدر أي تكذيب في الجرائد الوزارية. من الممكن أن ثمة من يعتقد، في أوروبا، أن الجرائد لا تصل إلى البدو، وأن هؤلاء الأخيرين لا علم لهم بالسياسة الأوربية، وهذا خطأ لأن البدو يعرفون كل ما يجري في أوروبا، بينما لا يعرف الأوروبيين ماذا يصنع البدو في أفريقيا، ولكنهم يضخمون الوقائع. وأن معظم البرابر الموزعين في مدن الإيالة وفي مدينة الجزائر خاصة ما زالوا يحتفظون بعلاقاتهم مع أهاليهم الذين يسكنون الأرياف. وموضوع أحاديثهم بالطبع هو أحداث اليوم. وكل ما يجري في مجال السياسة. وتتردد الأخبار من فم إلى أذن إلى أن تصل حدود الصحراء، وكما يقول الشاعر العربي: إن الوقائع تتكلم بالنسبة لمن يريد أن يخفيى سيرته). وعندما رجع من المدية لم ينس الجنرال أن ينسب لنفسه مجد ونتائج هذه الحملة. فعزل حمدان آغا الذي لم تعد لنفوذه أية فائدة في إنجاح مثل هذه الحملات الداخلية، وأعطيت الأوامر لكي يصحب برجلين من رجال

стр. 204

الدرك كلما أراد الخروج من داره (١). ويوجد حمدان آغا، الآن في باريس، وقد أعطاه الجنرال كلوزيل شهادة تثبت بأنه خدم القضية الفرنسية بإخلاص ونجاح. فلماذا عزل إذن؟ ولماذا كل ذلك التشكيك العجيب في سيرته؟ لماذا استبدل بحاكم آخر؟ وإن سلطات الحاكم الجديد لا تتعدى حدود المتيجة. فيا لها من إدارة طائشة؟! يستعمل أحد أبناء البلد كل سمعته ونفوذه وثروته لخدمة القضية الفرنسية. وعندما يقدم خدمات جليلة يعزل! يعلن عن إلغاء الضرائب ثم يكلف ابن عمر باي ويؤمر بجمع تلك الضرائب في المدية على الطريقة التي كانت تجمع بها في عهد الأتراك، وذلك بعد أن نشر الجنرال يوسف، بأمر من الجنرال المذكور بيانا يؤكد إلغاءها، يا لها من تناقضات عجيبة! ومع ذلك يبدو لي أن هذا الجنرال كان يجب أن يكون صادق الوعد لأنه يمثل ملك الفرنسيين في مملكة الجزائر. وإذن، فقد وجد ابن عمر نفسه في حيرة إزاء سكان المدية، فالذين كانوا خارج المدية، رفضوا أن يدفعوا، ولم يكن يملك الوسائل لإرغامهم. إذ لم يترك له سوى مدفعين وقليل من البارود. ولقد كان من الممكن أن يذهب ابن عمر ضحية لو لم يساعده بعض المغتربين من مدينة الجزائر الذين هاجروا إلى المدية. إنه لم يكن قادرا على الاعتماد على سكان المدينة الأخيرة، التي لم تستسلم للفرنسيين إلا منذ مدة قصيرة، ثم إن هؤلاء السكان كانوا يخشون البدو أكثر مما يخافون السلطة الفرنسية. إن هجوم هؤلاء البدو شديد، ومن الصعب أن يقاومو عندما يهيجون. لقد كانوا يهاجمون الجزائر من حين لآخر، ولولا وجود الجيش الفرنسي ومدفعيته لقتل الجزائريون عن آخرهم،

стр. 205

وسبب تلك الهجومات هو أن هؤلاء الأخيرين قد تبنوا قضية الجيش الفرنسي لقد كان من الواجب على الجنرال كلوزيل أن يترك لبن عمر قوات كافية, وأن يبدي استعدادات حسنة، واعتدالا، وأن يوفي بعهوده وبالالتزامات التي أخذها على نفسه. بهذه الوسائل كان من الممكن ألا يظهر البدو أية عداوة، وأن تعيش المنطقة في هدوء وأن يستغني ابن عمر عن استعمال القوة. عندما قام الجنرال كلوزيل بحملته ضد المدية كانت المواصلات بين هذه المدينة ومدينة الجزائر تكاد تكون مقطوعة. ولما رجع جاءه الأشرار وأخبروه بأن عددا من السكان كانوا قد أشاعوا بأن الجنرال انهزم أمام القبائل وكنت واحدا من المتهمين بارتكاب هذا الذنب. وبهذه المناسبة كان السيد، كادي دوفو، قد جمع المجلس البلدي وكنت عضوا فيه لتهنئة الجنرال بالعودة سالما. وعلى أثر الزيارة أخبرنا بالتقارير التي وصلته. وقال بأنه عملا على راحته وللتدليل على الثقة للحكومة الفرنسية، يجب أن نجمع له على الأقل ٥٠ من أبناء الأعيان، يبعثون إلى فرنسا كرهائن، وليتعلموا اللغة، الخ ... أيد شيخ البلدية هذا الطلب واقترح أن يشرع في تنفيذه، وإلا إذا تعذر ذلك، أن تشترط مبالغ مالية بدلا من الأطفال، ثم أضاف السيد كادي دوفو بأن رفض إرسال الأطفال إلى فرنسا سيعتبر خروجا عن طاعة الفرنسيين، والذي لا يريد الامتثال لهذا الإجراء يجب عليه أن يخرج من مدينة الجزائر. ومع ذلك، فإنه لم يجرأ أحد على الخروج من الجزائر، وعلى إرسال أبنائه إلى فرنسا. ١ - لأن الوالي لم يكن موثوقا به. ٢ - لأن هذا الطلب جائر، وحتى من كان يرغب في إرسال ولده ليتعلم في فرنسا، فإنه أصبح يرفض الموافقة على هذا الطلب

стр. 206

التعسفي. وعليه، فإن شيئا لم يتم في هذا الميدان، وضاعت القضية في عالم النسيان. كان المجلس البلدي يتكون من سبعة أعضاء كانوا، قبل تعيين السيد كادي في منصب شيخ البلدية، يستطيعون التداول بحرية حول القضايا. غير أن السيد كادي لم يعد يعطي أي اهتمام لآرائهم، وصار، بتصرفاته كأنه يحتقر هذا المجلس. ونتيجة لذلك هاجر اثنان من أعضائه وهما: سيدي مصطفى السائجي ومحمد ولد إبراهيم ريس. نظرا لذلك التغيب شرع في العمل على استبدالهما. وهكذا دعاني، الجنرال تولوزان، لشغل إحدى الوظيفتين. فقبلت لأنه لم يكن بإمكاني أن أرفض. وقبل هذا العرض كنت متهما، نظرا لأنني كنت في خدمة الأتراك، بأنني أرغب في عودتهم، وبأنني لن أرضى بأية وظيفة في ظل الحكومة الفرنسية. ولذلك، وعلى الرغم من أن وقتي يكاد يضيق عن مشاكلي الخاصة، فإنني قبلت منصبا كان الجميع يرفضونه، ومن جهة أخرى، فإننا لم نكن قادرين على التعبير عن آرائنا أثناء اجتماعات المجلس. فالمداولات كانت صامتة وشكلية فقط، وبكلمة، فإن مساهمتنا كانت غير مجدية. كان أحد أعضاء هذا المجلس، وهو المسمى بو ضربة، في نزاع معي. فلم أكن أرغب في لقائه، وكان كل منا يشتكي بصاحبه إلى القائد الأعلى، وقد انتهت هذه القضية بعزل أربعة منا واستبدالهم بآخرين. كان هذا العزل مصدر سعادة لنا وتخلصا من أحد الأعباء التي تثقل كواهلنا ذلك أنه على الرغم من أن السيد شيخ البلدية لم يكن يتبع سوى هواه، فإننا

стр. 207

كنا مسؤولين، تجاه سكان الجزائر، عن أعماله لأننا كنا نوافق عليها كما لو أنها كانت أعمالنا. قبل أن أتخلى عن وظيفتي كان الجنرال كلوزيل قد طلب من البلدية أن تسلمه مسجد العاصمة الكائن بناحية ميناء المسمكة ليحول إلى مسرح، وأكد بأن حكومته أذنت له بأن يقدم مثل هذا الطلب فقلنا له: إننا لا نستتطيع الموافقة على هذا الإجراء، وحتى لو أردنا أن نفعل ذلك، فإننا لا نتتطيع، لأنه ليس من اختصاصنا، واكتفينا، بأن قلنا له: إذا كان المرغوب هو إقامة مسرح، فإنه يمكن استعمال مسكن الداي القديم الذي هو واسع، كما أنه يمكن استعمال الأراضي المحيطة به لبناء مسرح جديد إذا اقتضى الأمر ذلك. وهكذا ظل الطلب غير مجاب ولم يبن المسرح. كان من بين اليهود المقربين إلى الجنرال واحد اسمه ب ... ، وهو رجل لئيم لكنه يجيد التآمر، وتوجد لديه جميع الوسائل الضرورية للتسرب إلى المجتمع يدير المكائد ويقوم بالأعمال الذميمة. وهكذا أرسل حظي هذا الجنرال إلى وهران، في مهمة لدى الباي، يستخرج منه الفوائد ويجعل منه بقرة حلوبا. ومقابل هذه الخدمات وتلك المحاباة أعطي للسيد بـ ... (١) وسام جوقة الشرف. وعندما قدم رسل تونس إلى الجزائر قدموا إلى السيد كـ ..... (٢) هدايا رائعة، أجهل نوعها. كانت مهمة هؤلاء الرسل إمضاء عقد خاص ببيع مقاطعتي قسنطينة ووهران. كانت المفاوضات حول هذا الموضوع قد ابتدئت من طرف السيدين د ...... (٣) وجـ ...... (٤) اللذين أرسلهما الجنرال بورمون خاصة لتوزيع

стр. 208

البيانات التي تدعو الشعب إلى عدم الاعتداء على الجيش. وقد رأيت بنفسي أثاء سفري إلى قسنطينة، تلك البيانات المختلفة التي يكاد يكون معناها واحدا، فهي تدعو العرب والقبائل إلى مصادقة الفرنسيين، وتعدهم وعدا قاطعا بأنه لم يعد يشترط منهم تلك الضرائب التي تعودوا دفعها للأتراك، وبأن جميع أنواع الظلم والإهانات ستتوقف، وبأنهم سيتمتعون بالعدالة والحرية، وتضمن لهم حرية العبادة، الخ ... عندما وصل مبعوثا الفرنسيين السيدان د .... وجـ .... ، إلى تونس، اتصلا بالباي عن طريق قنصل فرنسا. عندها ظهر مشروع بيع المقاطعتين وبمقتضى هذا المشروع تسلم قسنطينة ووهران إلى باي تونس مقابل مورد سنوي قدره مليون من الفرنكات يدفعه لفرنسا عن كل مقاطعة. ويقال إنه كان يتوقع أن ينال المبعوثان الفرنسيان مكافأة هامة، ولكن التغيير المفاجىء في الحكومة الفرنسية، وعزل المارشال بورمون بعد ذلك، منعا من إدخال المعاهدة في حيز التنفيذ. ولما وجد الجنرال كلوزيل مشروع البيع هذا في وثائق سابقة، أمر بإحيائه من جديد وتم التوقيع عليه من الأطراف المعنية. ويقال لنا بهذا الصدد، وإن كنا لا نجزم القول، إنه بالإضافة إلى المليون السنوي تم الاتفاق على أن يعطى مليون آخر لشخصية لا أريد ذكرها هنا، ومائة ألف فرنك لشخصية أخرى لها مرتبة أدنى. ويقال إن هذا المبلغ الأخير قد وقع تحويله وإنه /يوجد عند أحد رجال البنوك بباريس، وإن الصيرفي قد دفع عربونا قدره بضعة آلاف من الفرنكات. وحسب ما أعرفه، فإن الحكومة التركية، لم تكن تستخرج من كل

стр. 209

مقاطعة، في ميدان الضرائب، إلا ثلاثمائة ألف فرنك على أكثر تقدير (٥). وهكذا، إذن، فإن تلك البيانات التي تؤكد إلغاء الضرائب تتعارض مع معاهدات الجنرال كلوزيل التي تجعل الشاري، باي تونس، مجبرا على أن يستخرج من السكان أكثر من ثلاثة أضعاف الضرائب العادية التي كانت تدفع للأتراك، كل ذلك بقطع النظر عما كان يمكن أن يطلبه ذلك الجنرال من منافع أخرى. وبهذه الكيفية، فإن من كان يدفع عشر فرنكات يصبح مطالبا بأربعين على الأقل. هذا ما أدركه العرب والقبائل أنفسهم. وإن هذه التصرفات، كما نرى لا تحتاج إلى تعليق. كل هذه الظروف قد أبقت العرب والقبائل في حالة عداء دائم ضد الفرنسيين، وساهمت كثيرا في تقريبهم من باي قسنطينة. ومن حقنا أن نصرح هنا بأن فرنسا. عندما أبرمت مثل هذه المعاهدات، قد تصرفت في الإيالة بكيفية لا يمكن أن تضاهيها كيفية من حيث الجور والتعسف (٦)، وما من شك في أن هذه الأعمال كانت ستدان من طرف الدول الأوربية التي تهتم بتحرير الشعوب وعتق الرقيق (٧). بمثل هذه (النوايا الحسنة) كيف لا تريدون أن يرغب العرب والقبائل

стр. 210

في أن يعود إليهم السيد المارشال كلوزيل؟ وما من شك أن سلوكه هذا هو الذي جعل الجرائد تكتب يوميا، بأن هذه الشخصية محل عبادة في إفريقيا. ولقد كنت أود؛ عندما سافرت إلى قسنطينة، لو صاحبني بعض الشهود ليسجلوا (الثناء) الذي كان يوجه لهذا القائد الفرنسي طوال الطريق، من الجزائر إلى قسنطينة. كان المفتي سيدي محمد العنابي رجلا نزيها وناضلا. ذنبه الوحيد أنه كان يكتب دائما إلى الجنرال كلوزيل يلومه على تصرفاته التي كانت تبدو له مخالفة لوثيقة الاستسلام، للقوانين الفرنسية ولحقوق الإنسان. ولكن الوالي كان عنيدا، وعليه قبض رجال الدرك على المفتي وقادوه إلى السجن؛ وتعرضت أسرته لجميع الإهانات بحجة أنها كانت تدبر مؤامرة. يا ترى، ما هي الجناية التي يمكن إسنادها للنساء والأطفال؟ وعندما تقدمت إلى الجنرال كلوزيل أسأله عن سبب هذا الاعتقال أجابني بأنه كان يتفاهم مع القبائل لإثارتهم ضد الفرنسيين. ثم توجهت إلى المفتي فحدثته عن هذا الاتهام وسألته عن الأسباب التي يمكن أن تكون في أصل تلك الادعاءات، فاحتج أشد الاحتجاج ضد هذه التهم، وقال إنها كاذبة، وما عليهم إلا أن يأتوا بالبراهين. وبعد التمحيص فيما يمكن أن يكون السبب أو الأصل في الاتهام، وجدت أنهم إنما استعملوا تلك الحجة لإبعاد المفتي عن الجزائر حتى لا يقال أنهم نقضوا المعاهدة فجأة. وبعد ذلك علمت من المفتي نفسه كيف وقع اعتقاله، وأرى من

стр. 211

الواجب علي، لفائدته، أن أقدم لقرائي تفاصيل الحادث (٨). لقد جاءه ترجمان الجيش وأخبره بأن الجنرال ينوي إخلاء مدينة الجزائر، قال له: (إنه يريد أن يسلمك الحكم، هل في استطاعتك أن تنظم جيشا وقوة كافية، لتهدئة البلاد وللدفاع عن نفسك؟). أجاب المفتي بأنه (عندما يحين الأوان، سأبذل كل ما في وسعي للقيام بإعادة التنظيم). - هل ستحصلون على الجنود من الداخل، أم هل لكم الكفاية في مدينة الجزائر؟ - في المدن وفي كامل أنحاء الإيالة؛ وعندما يقتضي الأمر، فإنني أستطيع الحصول على ثلاثين ألف جندي يكونون تحت تصرفي. ويقال إن الترجمان كان قد أخفى شخصين ليكونا شاهدين على هذه المحادثة، ولاستعمالهما، عند الحاجة، ضد المفتي. هذه على ما يبدو هي الوسائل التي استعملت للتخلص من المفتي. وتلك هي المبادىء التي كان يطبقها السيد الوالي! فعندما يريد هذا المسؤول أن يقوم بعمل نعسفي أو أن ينفي هذا، ويبتز أملاك ذاك، فإن جميع الوسائل (تبدو له صالحة). والذي ينفي أو يفقد أملاكه يجب أن يعتبر نفسه سعيدا لأن هناك من يقدم للمحكمة العسكرية. وعلى هذا الأساس، فإذا أراد الوالي أن يتبرأ من نفي هذا المفتي، فما عليه إلا أن يدلنا على القانون الذي خول له القيام بإجراءات ضده!

стр. 212

عندما أخبر المفتي بالنفي توجهت من جديد للقائد الأعلى، أتوسل إليه أن يسمح له، على الأقل، بتسوية شؤونه وبيع أملاكه وأثاثه وعقاراته. وبعد كثير من الصعوبات حصلت له، تحت كفالتي، على أجل مهلته عشرون يوما سوى خلالها حساباته, وعند انتهاء الأجل رحل إلى الاسكندرية. إن هذا العمل الجائر قد جعل الناس كلهم يرتابون، وخاصة السلطة التشريعية والقاضي والمفتي. فلم يعد أي وحاد منهم يجرؤ على الكلام عن وثيقة الاستسلام خشية أن ينال مصير المفتي المذكور. وأمر المكلف بإدارة أملاك مكة والمدينة بأن يدفع إلى صندوق أملاك الدولة كل ما كان يحتفظ به من أموال، وأن يسلم في نفس الوقت جميع الدفاتر. لقد امتثل ذلك المدير إلى تلك التدابير وعلمت أن المبالغ المسلمة كان قدرها ١٤٠ ألف فرنك. غير أنه أذن لهذا الشخص أن يواصل اقتضاء مقادير الكراءات حسب العادة، ولكنه تلقى تعليمات جديدة تغير قوانين المؤسستين تغييرا كليا. لقد كان الهدف من هذه القوانين هو مساعدة الطبقة الفقيرة، كما سبق أن أشرنا إلى ذلك، وتوزيع جميع الواردات عليها، أما الآن فإنه لم يعد يوزع عليهم أسبوعيا، إلا حوالي ٨٠٠ فرنك. ما هي الوسائل التي استعملت لجعل الحكومة الفرنسية توافق على هذه التدابير؟ فيا ليتني كنت أستطيع أن أرى مراسلات هذا الوالي إبان حكمه لكي أتعرف على ما الذي أيد آراءه في مثل ذلك التناقض مع نوايا الحكومة الفرنسية، خاصة فيما يتعلق بالطبقة الفقيرة المحتاجة. لقد كان الجنرال بارتوزين، خلال المدة التي حكم فيها الجزائر، ينوي إعادة أملاك مكة والمدينة لأصحابها. وكان للسيد بيشو والدوق دوروفيكو

стр. 213

نفس التفكير، ولكن واحدا من هؤلاء لم يطبق تلك الإجراءات الحسنة. ولأبرهن لقرائي على أنني لست إلا مرددا لآراء مواطني، فإنني أحيلهم على كتاب السيد بشؤون الصفحة ٤٤٢ للاطلاع على وثيقة كان أحد قادة العرب قد وجهها لذلك الوالي. وبدلا من أن يصلح الأضرار ويعوضنا، فإن السيد جان تي دوبيسي، قد فعل أحسن من ذلك: أنه صرح بأن جميع المساجد والمؤسسات الخيرية والأوقاف ملك للدولة. وهكذا، تم الاستحواذ على جزء كبير من المساجد، اكتري بعضها لتجار حولوها إلى محلات، وخصص بعضها الآخر لإسكان جيوش الحملة (٩). لقد سبقني سيدي إبراهيم بن مصطفى، الذي غادر باريس منذ مدة وجيزة، إلى تقديم جميع هذه الاعتراضات إلى الحكومة الفرنسية. وأجيب بأن تعليمات ستوجه إلى السيد جانتي دوبيسي لإصلاح الأخطاء ولتكون إدارته مطابقة للعدالة (١٠). غير أن الرسائل التي ترد علينا من الجزائر، تخبرنا بأن نفس النظام ما يزال سائدا، وأن السيد جانتي ما زال يتصرف بنفس العنف إلى درج أنه أجبر عددا من مستأجري بعض العمارات التابعة لأملاك مكة والمدينة على أخلائها قبل انتهاء العقد.

стр. 214

وفي رسالة وزير الحربية، بتاريخ ١٨ جويلت ١٨٣٣، التي يلاحظ فيها بأنه يجب أن أكون راضيا وردت الفقرة التالة: (لقد أمرت بأن يسمح لكم بتقديم اعتراضاتكم. ولقد استقبلتم من طرف الشخص الذي كلفته بشؤون الجزائر). هذا الشخص هو السيد مارتينو. وها هو ما قاله لي عندما مثلت بين يديه: (فكروا في كل ما تقدمونه للحكومة من كلام، ولا تكونوا متحيزين ولا مبالغين). إنني لا أعرف كيف أفسر مثل هذه الإجابة. إنني أعترف بأنني لست فرنسيا، ولا أعرف جميع دقائق هذه اللغة. وإنني عرضت الوقائع، في مذكرة المطالبات، بكيفية صريحة ولا يعتبريها غموض ; ولكني لا أعتقد، ولا يمكن أن أتصور أن تلك طريقة مباشرة للإجابة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحاكم المريد لكل سيء. (إن الموقعين أسفله، بارون فولان، رئيس مقتصدي الجيش الفرنسي في إفريقيا ومقتصد مملكة الجزائر، المفوض من طرف الجنرال كلوزيل القائد الأعلى لجيش افريقيا، وسيدي خير الدين آغا الممثل لجلالة باي تونس، وأحمد باي وهران، المجتمعين للاتفاق على ضبط الشروط التي يتولى بها أحمد باي إدارة بايلك وهران، قد اتفقوا على ما يلي: المادة الأولى: إن أحمد باي، أمير البيت المالك في تونس، الذي عين بايا بقرار من القائد الأعلى للجيش بتاريخ ٤ فيفير الحالي، سيتولى حينا ولاية

стр. 215

البايلك المذكور بجميع ملحقاته ما عدا حصن المرسى الكبير الذي تحتفظ به الحكومة الفرنسية لنفسها. المادة الثانية: سيبقى إزاء الاحتلال الفرنسي، الذي يوجد مقره بالجزائر في نفس وضع التبعية التي كان عليها سابقوه من البايات إزاء إيالة الجزائر. وبديهي أن هذه المادة لا تتعلق إلا بكلمات التي حصلت عليها فرنسا بواسطة الغزو. المادة الثالثة: لا تؤخذ عن البضائع والسلع القادمة من فرنسا إلى موانئ البايلك غير الرسوم التي تفرض على مثيلاتها عندما تدخل ميناء الجزائر. وعليه فإن تعاريف الجمارك المسنونة أو التي ستسن في الجزائر هي التي تطبق دائما. المادة الرابعة:؛ يحظى الفرنسيون والأوروبيون بحماية خاصة في كامل أنحاء البايلك. ومن يأتي منهم لفلاحة الأرض تعفى منتوجاته من جميع الرسوم والضرائب خلال السنتين الأولى والثانية. المادة الخامسة: إن الباي هو الذي يتقاضى جميع موارد البايلك مهما كان نوعها وبدون أي استثناء. ويدفع الباي بدوره إلى حكومة الجزائر، في صيغة إتاوة مبلغا سنويا قدره مليون من الفرنكات، ولا يشترط شيء آخر مهما كان نوعه. المادة السادسة: يدفع هذا المبلغ إلى خزينة الجزائر فصليا بالتساوي، وذلك ابتداء من اليوم الذي يتولى فيه الباي منصبه الجديد. وقد تم الاتفاق على أن تخفض الأتاوة في السنة الأولى إلى ثمانمائة ألف فرنك، وإن أجل الدفعة الأولى يؤخر إلى فاتح سبتمبر القادم.
следующие страницы →