← История

История · id 14329

المرآة

حمدان خوجة

Полный текст (260 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

بواسطة إشراكهم في النشاط البحري حيث كانوا يحاربون بشجاعة وإقدام موقنين بأنهم إنما يستشهدون في سبيل الدين. ومن بين هؤلاء القبائل رجال أذكياء يتكيفون مع الحياة البحرية. وهناك أمثلة رائعة عن استعداداتهم الطبيعية (٨)، ومنخم من يستولون على السفينة بعد رحلتهم الأولى وهم يجهلون مبادىء الملاحة الأولية، وبما أنهم يعرفون الجبال وقممها معرفة جيدة، فقد كانوا يتمكنون من التمييز، بدقة بين نقطة وأخرى. وعلى أثر الترقيات، فإنهم ينتقلون من درجة نوتي إلى رتبة ربان. وعندما يتخلون عن المهنة، يأتون إلى مدينة الجزائر حيث يغيرون أوضاعهم وأنماط حياتهم وينتقلون من البساطة إلى البذخ. وعندئذ، يتركون جبالهم إلى الأبد ليستقروا في المدينة. وسرعان ما يتبنون عادات المدنيين وطبائعهم. وعندما يلاحظ العربي أو البدوي، هذا التغيير في وضعه يزداد ارتباطا بالأتراك الذين تصبح مصالحهم هي نفس مصالحه. وعلى أثر الغزو الفرنسي تعرض القبائل أو البدوي إلى جميع أنواع الاضطهاد فصاروا ولا زالوا يتمنون الحكم التركي الذي كان يمكنهم الاستفادة من منافع كثيرة حرموا منها الآن، ولكن كانت خيبتهم كبيرة عندما اطلعوا على حقيقة محاسن الحضارة والحرية الفرنسيتين.

стр. 72

الفصل التاسع حول كيفية تجهيز سفن القرصنة (١) في الجزائر وتوزيع الغنائم، وحول التنظيم العسكري والديوان لقد نتجت فكرة تجهيز سفن القرصنة في الجزائر عن الرغبة في الانتقام. وكان لا بد أن تتسم مثل هذه الاستعدادات بالعنف والضراوة ضد الإسبانيين الذين تشكو منهم هذه الشعوب أكثر من أية أمة أجنبية أخرى. وفيما بعد سوف تستعمل هذه السفن في تصفية النزاعات الدينية. كان الجزائريون يجهزون سفنا صغيرة تشبه سفن الإسبانيين، وكانوا يراقبون السواحل ويقومون بنوع من التجارة، وفي نفس الوقت يحتجزون السفن الأسبانية ويقودونها إلى مدينة الجزائر. ولا تدوم هذه الجولات البحرية، في العادة أكثر من خمسة أو ستة أيام. وعلى الرغم من أن قواد هذه السفن يجهلون فن الملاحة، كما سبق أن ذكرنا ; فإنهم يعرفون أن الساحل الإسباني في الشمال والساحل الإفريقي في الجنوب، وكانت قمم الجبال هي بوصلتهم التي تقودهم في سيرهم وتساعدهم على بلوغ الهدف.

стр. 73

ونطرا للنظام البحري الذي وضعته الإيالة، وتشجيعا للطامحين على امتهان هذه الحرفة، كان هؤلاء البحارة يستطيعون الارتقاء حتى إلى درجة أميرال ويشاركون في المجالس التي تنظر في أمور السلم أو الحرب مع هذه الأمة أو تلك. وليس للداي، في هذا المجلس، أكثر من حقه في التصويت. وكيل الحرج هي التسمية التي تطلق على من يتولى وزارة الحبرية. وتنحصر اختصاصاته في الجزائر، في كونه محاسبا للعتاد الحربي في الإيالة، ومراقبا لأشغال الترسانة. وعندما تجلب الغنائم إلى مدينة الجزائر، تباع للسكان وتوزع قيمتها حينا على ذوي الحقوق. وتأخذ الخزينة العامة الخمس كنصيب لها ووفقا لما تنص عليه شريعتنا، على أن هذا الخمس لم يكن تاما أبجا لأن الأشياء الثمينة كانت تؤخذ قبل الاطلاع على الغنائم. وفي كثير من الأحيان تعلم الحكومة بذلك ولكنها تغض الطرف حتى لا تفشل هؤلاء البؤساء الذين يعرضون أنفسهم للموت إما تعصبا للدين وإما رغبة في الحصول على الغنيمة. وكانت حكومة الأتراك تعلم كل العلم أنها إذ تشجع السكان في إنجاز مشاريعهم هذه، وتدفعهم في طريق الثروة، إنما تعمل على إثراء نفسها. وعلى الرغم من أن العائدات كانت ضئيلة عندما تأسست الإيالة، فإنها كانت تدرك بأنها إنما تعمل للمستقبل، وإنها سوف تتمكن فيما بعد من أن تجني، بطريقة شرعية، ثمار صناعتها وسياستها مثل رسوم الجمارك وغيرها. وعندما تأسست الإيالة كانت الميليشيا تتكون من الأتراك وأبنائهم من النساء العربيات، لأنهم كانوا يتزوجون من الأهالي.

стр. 74

ويتسم الآتراك بالقناعة والشرف والكرم. وبمجرد ما يحصل أحدهم على بغض المال يسافر إلى تركيا مسقط رأسه (٢)، فيأخذ معه ألبسة فاخرة ليظهر في مظهر الرخاء والترف أمام بني وطنه وليعجبهم، إذ ربما هو ابن لأحد العمال أو المزارعين. وعندما يعود إلى الجزائر حيث عائلته، يصطحب معه جماعة من سكان بلاده يقدمهم إلى الدفتر، وتحت ضمانة يقبلون في صفوف الميليشيا ثم يتولى بنفسه تدريبهم على الجندية وتعليمهم واجباتهم الجديدة. ويخبرهم بأن في استطاعتهم الارتقاء، يوما، إلى أعلى مرتبة، وفي إمكانهم، على غراره وبعد أتعاب الحرب، أن يتمتعوا براحة طيبة، ويعيشوا في هناء ورخاء في أوساط المجتمع، وأن يتزوجوا بدورهم من الأهالي. ومن النادر أن تجد سارقا أو قاتلا من بين هؤلاء الجنود. وقد كانوا شديدي الحرص على احترام عادات البلاد ليحببوا أنفسهم إلى سكان الإيالة. ومن كانت لهم بعض المساوئ، كانوا يعملون على إصلاحها أو يخفونها بدقة للأسباب التي ذكرنها ولأن مستقبلهم موقوف على حسن سيرتهم. وبعد المشاركة في إحدى الحملات، يستطيع الجندي التركي أن ينخرط في صفوف البحرية تدفعه إلى ذلك مصلحته الشخصية وتساعده تربيته والصدف في بعض الأحيان. وتشتمل هذه المهنة على إمكانيات كبيرة للهلاك ولاكتساب الثروات. فبعض البحارة يموتون أو يستعبدون، وبعضهم يحصلون على الثروة والرتب. وفي الفصل الخاص بالفن العسكري سأذكر الدرجات التي يمكن لهم أن يبلغواها.

стр. 75

وفي وقت من الأوقات، رأى الداي نفسه مضطرا إلى بناء مسكن يقيم فيه خارج القصبة، وتشييد حصون لحماية المدينة، وثكنات للجيش. وحتمت عليه مثل هذه المصاريف ألا يمنح الجندي الواحد سوى أجر مقداره ١٨ فرنكا عن كل شهرين وأربع خبزات يوميا، وللاقتصاد، كان هذا الخبز يحتوي على ثلثين من القمح وثلث من الشعير. ويعطى للجندي، عند انخراطه في السلك العسكري، بذلة عادية وبندقية وطقان وقليل من البارود وقطعة من الرصاص يذيبها ويقولبها بنفسه، وبما أن الغنائم كانت معتبرة في ذلك الحين، فإن هذه المؤن كافية بالنسبة للجندي الذي يستعد للمشاركة في حملة من الحملات. أما الأجناد المتزوجون، فإنهم يتنازلون عن الخبز عندما يرون أن خزينة الإيالة مثقلة بالديون، ولما تجمع الحكومة، فيما بعد، مبالغ كافية تمنح لكل واحد منهم، اعترافا له بالجميل، صاعا قمحا (٣) أي ما يعادل حوالي مئة رطل في فرنسا. يسكن الجنود أو الميليشيا التركية، في الثكنات تحت إشراف قوادهم، كل غرفة تحمل رقما، ويسير كل كتيبة ثلاثة قواد، اسم الأول بولكباشي والثاني أوضاباشي والثالث باش بولداش. وعندما يتغيب أحدهم يستخلفه الآخر ويتولى تطبيق الانضباط. وكلما نظمت حملة أو وقع تغيير حامية تحتم على بولكباشي أن يقود الكتيبة صحبة نائبه. ولهذين القائدين فقط حق ركوب الخيل حتى ولو كانت المسافة قصيرة، كما أنهما يستطيعان اصطحاب الشواش. ولهؤلاء الجنود الأتراك قوانين عسكرية لا يتجاوزونها أبدا،

стр. 76

ولا يحظى أحدهم بشيء، ولا يتقدم في الرتبة إلا بعد مرور الوقت الذي يحدده القانون. ولكي يصبح الجندي قائدا يجب أن يقضي على الأقل، عامين أو ثلاث سنوات في الخدمة العسكرية ويجب أن يمر بجميع الدرجات. والقواد برتبة بولكباشي هم الذين يكونون الديوان , وعددهم في هذه الهيأة ستون، يجتمعون صبح كل يوم في محل مخصص لمداولاتهم لاطلاع على الأعمال الإدارية أي لمراقبة الحكومة بمقتضى السلطات المخولة لهم بصفتهم هيأة عليا تتكون من قواد الجيش. ولا يحصل الداي أو الباشا على مرتبته إلا منهم وبحضورهم، وحتى عندما يبعث الباب العالي بالقفطان والقرمان (٤) فإنهم هم الذين يقومون بعملية الانتخاب ويعينون العاهل لمبعوث الباب الذي يحمل تعيين من تم تعيينه بعد. وعند كل بيرم (٥) تنظم الاحتفالات كالآتي: يعقد الاجتماع في قاعة وينتصب الداي الحاكم وسط المجتمعين ثم تقترح إعادة انتخابه، وبمجرد ما يتم ذلك تسلم له الإجازة، وإذا ما وجد اختلاف في الآراء يعين آخر في مكانه ولا يمكن أن يصبح الإنسان عضوا في الديوان إلا إذا توفرت فيه الشروط التي ينص عليها القانون، يجب أن يبرهن عن خبرة ومقدرة، وأن يكون عمل في الجيوش البرية والبحرية، ولذلك فإن جميع أعضاء الديوان تقريبا يكونون متقدمين في السن ومتزوجين من الأهالي. ويسمى رئيس

стр. 77

الديوان آغا العسكر، ويحمل سيفا ونوعا من القراب يضع فيه قوانين الإيالة. ولا يحق للآغا أبدا أن يتخلى عن هذا القراب. كما أنه يركب حصانا مدبجا ويتولى، صباح كل يوم، رئاسة الديوان الديوان كما ذكرنا ذلك. ولا تدفع أجور الجنود إلا بمحضر هذا الرئيس. لأن خزينة الدولة، في الجزائر، لا تفتح إلا بحضور الخوجه أو موثق الدولة وبحضور لجنة خاصة يكون لكل عضو فيها مفتاح وكلما استدعى جاء لتقييد المدخولات والمخروجات. وإن الداي نفسه لا يستطيع التصرف في خزينة الأمة. وإنما يأتي كالجندي البسيط ليتقاضى مرتبة أو مخصصات الملك. ومن اختصاصات رئيس الديوان تطبيق العدالة، في منزله، على الأتراك الذين يخلون بقواعد الانضباط أو يتعدون على القوانين، كما أنه يقوم بنفس المهمة بالنسبة للكراغلة الذين هم أبناء الأتراك أو من سلالتهم. وفي القضايا الخاصة بالعادات والقووانين العسكرية، يتوجه رؤساء المحاكم الجنائية والتأديبية إلى القاضي لمعرفة رأيه ولتطبيق القوانين. وإذا كانت هناك عقوبة، فإن رئيس الديوان هو الذي يأمر بتنفيدها في مقر الديوان حتى نعطى لقرار القاضي صبغة رسمية. لا يمكن أن يدخل الأتراك أو من كان من نسلهم إلى أي سجن آخر غير سجن الديوان. وفي حالات مختلفة، يلجأ القاضي نفسه إلى الديوان لتنفيذ الأحكام لأن العسكريين لا يحاكمون أبدا بواسطة القوانين المدنية وإنما بواسطة القوانين العسكرية. لا تدوم مهمة رئيس الديوان سوى شهرين، ويتولى الرئاسة كل عضو

стр. 78

بالتناوب وحسب الأقدمية، وإذا وجد خلاف يكون الفصل بأغلبية الأصوات. وعندما تؤول الرئاسة إلى أحد أعضاء الديوان، يضاعف مرتبه. والديوان هو الذي يقرر في كل ما له علاقة بسياسة الإيالة الخارجية أو الداخلية. وإذا حدث أي اضطراب في الداخل كتمرد قبيلة أو انقطاع طريق، فإن أعضاء الديوان يحققون في أمره ثم يعطون رأيهم فيما يخص الوسائل التي يجب استعمالها لإعادة الأمن. وكما هو الشأن في فرنسا، فإن القانون لا يعترف بالعهر. وإنما ترجع إباحته إلى عادات البلاد وأمن المجتمع، والديوان، دون القاضي، هو الذي ينظر في جميع الخلافات التي تحدث في هذا الميدان. وبما أن أبناء الأتراك ومن كان من نسلهم قد قبلوا، في وقت من الأوقات لعضوية الديوان، فإنني سأوضح فيما بعد الأسباب التي أدت إلى حرمانهم من التمتع بهذه العضوية.

стр. 79

الفصل العاشر حول الداي وحكومته ومختلف العادات ليس للداي سلطة غير الأمر بتطبيق القوانين المدنية والعسكرية، والإشراف على حصون المدينة وتنظيم الجيوش ومراسلة القبائل المختلفة قصد التهدئة والمحافظة على الأمن، وقصد حماية تلك القبائل من سائر أنواع الظلم وذلك بأن يبرز لها منافع السلم ومساوىء الحرب. إن المالية العمومية والتنظيم الضروري لإدارتها، وكذلك تعيين الوزراء وغيرهم من أعضاء حاشيته تدخل أيضا في جملة اختصاصاته. ومن خلال النظام السياسي الذي وضعوه في الجزائر، يحاول الأتراك، بقدر المستطاع، أن يتحالفوا مع البرابرة وأن يشجعوا الصناعة بجميع أنواعها. ولكل حرفة أمين أو مفتش، ويسمى رئيس كل هؤلاء الأمناء شيخ البلدة أو والي المدينة. زيادة على ذلك يوجد في كل مدينة حاكم ثان يختار من بين الأسر الشريفة التي تنتمي إلى أحد المرابطين. ويسمى هذا الشخص نقيب الأشراف، وواجبه كلما حدث أمر هام، أن يجمع في بيته شيخ البلدة وسائر الأمناء التابعين له للبحث عن التدابير التي يجب اتخاذها.

стр. 80

فهؤلاء هم الذين ينظمون شؤون المدينة، ويحافظون على الأمن في أوساط مختلف الطبقات العاملة، ويراقبون الشرطة المحلية، والنظافة والقنوات والمؤسسات العمومية والجمعيات الخيرية والمستشفيات، الخ ... وأخيرا، فإليهم تلجأ السلطة في جميع الحالات. ومن قوانينهم أنه لا ينبغي أن يساهم جميع المواطنين، بدون استثناء، في تكوين الجيش، لأن بعضهم يشتغل بصناعته أو يسهر على رعايته أسرته، ومثل هؤلاء لا يطلب منهم القيام بما قد يعرقل أعمالهم أو يعقدهم عن واجباتهم، وإنما يكونون، فقط، أجنادا متطوعين لحماية مناطقهم الخاصة إذا كانت هناك تعبئة عامة، ومعنى ذلك أنهم ينخرطون في جيش لا يتقاضى أجرا ويمكن مقارنته بالحرس الوطني في فرنسا (١). وعندما وضع هذا التنظيم للإيالة، كان الأتراك يريدون أن يساهم مواطنوا الجزائر في الديوان الذي تكلمت عنه أعلاه; غير أن هؤلاء المواطنين رفضوا حتى لا يكونوا مسؤولين أمام الحكومة، وقالوا بأنهم يفضلون أن يكونوا وسطاء بين الحاكم وسكان الداخل ; ومراقبين لما يقوم به الحاكم أو أعوانه من أعمال، أملا منهم بأن سلوكهم هذا يجعل الأتراك يزدادون ارتباطا بالإيالة ويرتاحون للثقة التي يوالونها إياهم. أما الذين يصبون إلى المسؤوليات، فإنهم كانوا يقدسون القوانين ولا يخالفونها أبدا. وبما أن هناك جنودا من الميليشيا يرتبطون بالأهالي عن طريق الزواج ويندمجون في المجتمع قبل بلوغهم درجة بولكباشي، فإن الواجب يحتم عليهم قبل ارتقائهم إلى

стр. 81

الديوان أن يقضوا عدة سنوات في دراسة الشؤون الإدارية والحكومية. وللحصول على هذه العلوم الجديدة الضرورية لعضوية الديوان، يجتمعون عند شيخ البلدة ونقيب الأشراف، ذلك أن الديوان هو المجلس الأعلى للحكومة التركية المكلف بمراقبة جميع أعمالها. وبواسطة هذا التنظيم الحكومي، تمكن الأتراك من بسط نفوذهم في إفريقيا، لأن غالبية سكان الإيالة، كما أشرنا إلى ذلك أعلاه، مكونون من الأندلسيين ومن القبائل أو البرابرة الذين تمدنوا وغيروا أوضاعهم. وبتبنيهم الطرق الجديدة لحياة المدينة حدث التقارب بينهم وساعدت على ذلك مصالح الأسرة والمصالح الصناعية والتجارية. وتأكدت الحكومة التركية من أن قوة القبائل لا تقهر، وأيقنت أنها لن تتمكن من إخضاعهم بحد السيف وإنما باللطافة والتسامح والإرادة الحسنة التي أسفرت عن نتائج مرضية تتمثل في بقاء الحكومة مدة تزيد على ثلاثة قرون. وللباشا أو الداي نائب يحتفظ بمفتاح الخزينة ويسمى الكاهية. ومن جملة أعضاء الحكومة يوجد اثنان أحدهما يسمى وكيل الحرج، وثانيهما يسمى الخزناجي ومن بين هؤلاء الأشخاص يختار الداي، لأن الحكم، في الجزائر، ليس وراثيا، إذ أن الاستحقاق الشخصي لا ينتقل إلى الأطفال. وبعبارة أوضح نستطيع القول بأن الجزائريين اختاروا مبادىء الحكم الجمهوري (٢)، ورئيس الجمهورية هو الداي.

стр. 82

وبعد الوظائف التي ذكرناها تأتي مرتبة الآغا وهي درجة سامية، إذ هو الذي يقود وحدات الفرسان التي تتكون في معظمها من العرب أو القبائل. وعليه يتحتم على الآغا أن يتكلم العربية ليتمكن من إعطاء الأوامر وتسيير جيوشه. وبعد الآغا يأتي خوجة الخيل الذي يشرف على الأملاك الوطنية، وتدخل في اختصاصاته، أيضا، إدارة الحارات (٣) والتصرف في الجمال المخصصة لنقل الجيوش والعتاد الحربي. وهو الذي يأمر بتوزيع هذه الخيول والجمال على مختلف قبائل الإيالة التي تتولى الاعتناء بها والمحافطة عليها، وذلك بعد أن تدمغ بخاتم الدولة. وإذا وقع حادث يؤتي بقطعة الجلد التي تحمل العلامة للتدليل على صوت الحيوان. ونتيجة لهذه الطريقة في العمل يحظى الحيوان بعناية وتمنح الثقة لتلك القبائل التي تجد منفعة في استعمال الحيوانات لقاء حاجتها. وبالإضافة إلى ذلك تعمل هذه الوسيلة على تمكين الرباط بين القبائل ومصالح الحكومة. ويحدث في بعض الأحيان أن رعاة الخيل والجمال هؤلاء يحتاجون إلى دراهم فيبيعون صغارها. عندئد يحدد خوجة الخيل سعر المبيعات بأثمان تكون دائما معتدلة، ولتسهيل الأمور على هؤلاء الرعاة، غالبا ما يعطيهم أجلا للدفع يتراوح ما بين عام وعامين. وكثيرا ما يقدر الحيوان المباع بثمن أقل من سعره الحقيقي، وذلك لشدهم إلى الدولة وللحصول على طاعتهم طوعا، وإقناعهم بعدل الحكومة إزاءهم وبالعناية التي توليها لإسعادهم.

стр. 83

وهناك شخص آخر هو رئيس الكتبة ويسمى المقطجي (٤) وهو الذي يشرف على سجل محاسبات الدولة وسجل القوانين العسكرية الذي يحتوي على الأسماء والألقاب والدرجات المختلفة بالنسبة لكل فرد. ويوجد تحت تصرف هذا الكاتب الأول ثلاثة أشخاص مكلفين بالسجلات. يسهر أحدهم على المحاسبات الخاصة بالعسكريين وعلى كل ما يتعلق بهم، ويقوم الثاني بالمحاسبات العامة فيما يخص الدولة، أما الثالث فيعتني بسجلات الجمارك. وتنقل هذه السجلات الثلاثة على سجل رئيسي كبير، لأن كل واحد منها يعتبر كمجرد دفتر يقيد فيه بالضبط كل ما يجري لتجنب سائر أنواع الخطأ والنسيان. إن مهمة المقطجي أو الكاتب الأول لفي غاية من الأهمية. وتعتبر كمهنة شيخ الإسلام الذي هو المفتي الحنفي. ومن الواحب على هذا الكاتب الأول، الذي يستشيره العاهل في جميع الحالات، أن يعرف القوانين الأساسية والتاريخ وحقوق الإنسان حتى لا يقوم بأي عمل ضد القانون، كما أنه يحظى بلقب أفندي الذي لا يلقب به سوى الداي والمفتي. وعلى الرغم من أن رتبة الخزناجي مساوية لدرجات هؤلاء الأشخاص الثلاثة، فإنه لا يتمتع بهذا اللقب. وعندما يحضر أحد هذه الشخصيات الأربع يتحتم الوقوف على جميع القادة العسكريين الذين يكونون الديوان. وإذا كان الخزناجي يحظى من العامة بنوع من الاحترام فلأنه من الممكن أن يصبح دايا في يوم من الأيام، ولذلك يتوددون إليه مسبقا. إن الحكومة التركية لم تتمكن أبدا من تأسيس إمبراطوريتهما في إفريقيا إلا

стр. 84

بالعدل وبتطبيق النظام السياسي الذي انتهيت الآن من وصفه. ومكانتي في مدينة الجزائر هي التي مكنتني من أن أقدم هذه التفاصيل بدقة. لقد كان والدي مشرفا وأستاذا بالقانون، كما أنه اشتغل مقطجي أو كاتبا أول، وهو الذي علمني نظام الحكم التركي، وفي عهده درست شريعتنا ثم اشتغلت بالتدريس بعد وفاته. وفي أثناء رحلتي إلى أوروبا، درست مبادىء الحرية الأوروبية التي تشكل أساس الحكم التمثيلي والجمهوري، ووجدت أن هذه المبادىء كانت تشبه المبادىء الأساسية لشريعتنا إذا استثنينا فارقا بسيطا في التطبيق، وعليه فكل من يدرك الشريعتين إدراكا صحيحا يستطيع الموافقة بينهما وأعتقد أنه لن يتمكن من إنكار هذه الحقيقة. وهناك أحد المبادىء الأساسية في شريعتنا يقول: (تترتب عن الزمن وحاجات الإنسان ظروف لم تتوقعها القوانين، ولذلك يجب على المشرع أن يتفهم الضرورات ويعمل على إيجاد كيفية حكيمة لتطبيق هذه القوانين). لكن من سوء الحظ أن سائر الملوك يجهلون مبادىء هذه القوانين، مما تجعل أوروبا تنتقد تشريع الشرق. ولو أن السادة المتحررين كانوا يعرفون مبادىء قوانيننا معرفة جيدة ويدركون مدى الحرية التي تتسم بها مؤسساتنا، لكان من الممكن أن نجد فيهم مساعدين بدلا من أعداء كما هو الشأن الآن. سأقدم، فيما بعد بسطة عن شريعتنا وعن قواعدها الأساسية. وعلى الرغم من أنه ليس من اختصاص هذا الكتاب أن يعالج هذه المبادىء، وما دمت أتكلم عن تاريخ الإيالة. ونظام حكومة الأتراك وعن السياسة التي سلكوها للبقاء مدم طويلة، فإنني أرى من المستحسن بل من الضروري أن

стр. 85

أعطي فكرة عن القوانين الشرقية. وأقول شرقية لأن هذه القوانين هي التي تسير شؤون جميع البلدان الإسلامية أو ١٣٠ مليونا من المسلمين الذين يسكنون مختلف أنحاء المعمورة. وللرجوع إلى حكومة الأتراك، أقول بأن الإدارة لا تطاق إلا إذا كانت عادلة. ولذلك فبمجرد ما تعلن مقاطعة عن خضوعها لقوانين. كانت الحكومة التركية ترسل حامية تقي سكانها من كل هجوم، ويقود الحامية ضابط برتبة بولكباشي يساعد أوضاباشي وباش يولداش. وهؤلاء الثلاثة يمثلون الديوان، ويعتبرون قادة عسكريين وإداريين في نفس الوقت وعليهم أن يتفاهموا مع رؤساء المقاطعة لحماية المصالح المحلية والقيام بمهام الشرطة وبتنفيذ القوانين وبالمحافظة على الفلاحة والتجارة، الخ ... وتغير الحماية كل سنة. وكان الشيوخ الذين مارسوا هذه الوظائف يرددرن، دئما، للشبان ولخلفائهم: (إننا أجانب، لم نخضع هذا الشعب ولم نمتلك البلد لا بالقوة ولا بحد السيف. إننا لم نصبح سادة إلا بالاعتدال واللطافة!!! وفي بلادنا لم نكن رجال دولة، وإنما حصلنا على ألقابنا ومراتبنا في هذه الأرض، فهذه البلاد إذن وطن لنا. وأن واجبا ومصالحنا تتطلب منا أن نعمل على إسعاد هؤلاء السكان كما لو كنا نعمل من أجل أنفسنا. ومن واجبات الداي كذلك العمل على معرفة مشاعر سكان الإيالة، وسلوك ولاته، وعلى كيفية تطبيق العدالة. وأداء هذا الواجب يكون على الدوام موضوع المناقشة بين الديوان والداي كلما دعي المجلس للانعقاد. وأن ارتباط المصالح والزواج من نساء جزائريات قد جعل من اختصاص أعضاء الديوان أن يتداولوا فيما يخص منافع البلاد وما يجري في الإدارة. وكانت

стр. 86

مجهوداتهم تهدف، دائما، إلى تحقيق السعادة والأمن العموميين. وباختصار لقد كانوا يتصرفون كأرباب أسر تجاه أبنائهم. هذا، وإن الأتراك - وأكرر ذلك - يبدؤون جنودا، فيعرضون أنفسهم إلى جميع المخاطر قصد الحصول على الثروة وعلى المسؤوليات. وعندما يتقدمون في السن يجنحون إلى الراحة ويتقاضون تعويضات تتناسب مع خدماتهم، وعندئد، فقط، يبلغون المراتب العليا، ويستطيعون الارتقاء حتى إلى درجة داي. وعندما يموت الباشا، يجتمع الديوان كما تنص على ذلك القوانين، ومن توفرت فيه جميع الشروط الضرورية يتم انتخابه ويعلن باشا، ثم يجلس حينا على أريكة الملك بعد أن يكون قد ارتدى قفطان الداي الراحل. بعد ذلك يؤدي اليمين القانونية ويحتفل بتعيينه , وعندما تنتهي عملية التنصيب يكلف أحد الأشخاص بالذهاب إلى الباب العالي للإخبار عن وفاة الباشا القديم وقيام الديوان بانتخاب الحاكم الجديد، وبهذه المناسبة تكتب رسالة تحمل إمضاء وخاتم كل واحد من أعضاء الديوان وخاصة القاضي والمفتي ونقيب الأشراف. ويوافق أعيان المدينة كذلك، على هذا الاختيار ويشهدون على مقدرة الشخص المعين. ويسمى الرسول الذي يحمل هذه الرسالة آغا الهدية، إذ أنه يحمل معه هدية مكونة من بضعة جلود الأسود والنمرة، وعدد من الأغطية الصوفية التي تصنع في الجزائر. والغرض الرئيسي من الهدية، التي لا تتجاوز قيمتها ٥٠٠٠ فرنك، هو تقديم نموذج عن منتوجات الإيالة الصناعية. وتوزع على السلطان وأعضاء حاشية الذين هم القبطان باشا والوزير، الخ ...

стр. 87

ويكلف هذا الرسول بأن يطلب شفاهيا، من الباب العالي أن يعطف على الإيالة ثم يطلعه على بؤس البلاد وقلة الأموال اللازمة لإقامة الحصون، ويطلب المساعدة والحماية. عندئذ يقدم الباب العالي للإيالة عتادا حربيا مثل المدافع والبارود والحبالة، وأخشاب البناء إلى غير ذلك، وفي بعض الأحيان يزودها ببواخر جاهزة. وإذا استمر عهد الباشا أو الداي حوالي عشرين سنة، فإن الأمر ينتهي عادة، إلى تجديد البعثة للحصول على قفطان جديد أو فرمان. وظلت هذه التقاليد سارية المفعول إلى سنة ١٧٧٠. وفي عهد محمد باشا، سنة ١٧٨٤، (كنت صغيرا آنذاك) صاحبت خالي الذي سافر إلى القسطنطينية مع آغا الهدية في ذلك الوقت. ويقال أن الهدية، في تلك الفترة، كانت معتبرة، ومع ذلك فأنا متأكد من أن قيمتها لم تتجاوز ٦٠٠٠ فرنك. وجاءت هذه السفارة بعد حملة الإسبانيين المشهورة عندما كانت الجزائر في حاجة إلى بعض العتاد الحربي، وبالفعل، فإن الباب العالي قد زودها منه بثلاث حمولات كاملة. وبعد وفات محمد باشا الذي خلفه مصطفى باشا (٥)،كانت الهدية التي أرسلت إلى الباب العالي أكثر اعتبارا، إذ تتضمن الماس والمجوهرات وأشياء

стр. 88

أخرى مماثلة مما يتقبله الدايات من البلدان الأوروبية (٦) , ويمكن تقييم هذه الهدية بمبلغ مليون من الفرنكات. وبالمقابل كانت عطية الباب أكثر أهمية إذ اشتملت حتى على بعض الحراقات. هذه هي المساعدة التي تقدمها الجزائر إلى الباب، وهذا هو المقابل الذي تتلقاه بدورها من السلطان كإعانة للمحافظة على الإيالة التي تعد من جملة أملاكه. ووفقا لأحد قوانين حكومة الأتراك -عهد ذاك - تأسست في الإيالة، هيأة يسمى رئيسها التركي بيت المالجي، يساعد هذا الرئيس قاض وموثقان وكاتبا ضبط ومسجلون. تتولى هذه الهيأة مراقبة تركات جميع الأشخاص الذين يتوفون , والأولياء هم الذين يقدمون إليها المعلومات. ولا يمكن أن يقبر الميت إلا بأمر من رئيس هذه الهيأة التي تعين حقوق الورثة، وإذا كانوا متغيبين، فإن القاضي الخاص يقوم، صحبة أحد المسؤولين السامين، بتعيين وكيل يمثلهم، وأوصياء بالنسبة للقاصرين. وإذا كانت هناك وصية ما ينفذ محتواها بعد تسجيلها والتأكد من صحتها. عندئذ يؤذن بحمل الميت، في نعش، إلى مثواه الأخير، ويذهب الموثقان إلى محل سكناه يقيدان جميع الأشياء الموجودة فيه. وتنقل الأشياء الثمينة، التي يخشى أن تضيع، إلى مأمن حتى يجتمع الورثة أو غيرهم من ذوي الحقوق. وإذا كان الميت أجنبيا، مجهولا أو كان أهله متغيبين، فإن هذه الهيأة تمثلهم. فتبيع التركة بالمزاد العلني وتحتفظ بالقيمة كوديعة مقدسة

стр. 89

بعد أن تخصم منها المصاريف التي يجب أن لا تتجاوز سبعة في المائة لتدفع أجور كاتب الضبط والموثق ومصاريف البيع العلني الخ ... ويودع المبلغ في صندوق عمومي، ويسجل مقداره في ثلاثة سجلات، ولا يستطيع أحد أن يتصرف فيه إلا بإذن شرعي. وإذا لم يترك الشخص المتوفى وارثا حاضرا أو غائبا. تحسم المصاريف المترتبة عن دفنه وتدفع ديونه إن كانت عليه ديون، ثم تنفذ رغباته الأخيرة إذا كانت لا تتجاوز المقدار الذي ينص عليه الشرع. لأنه لا يملك التصرف إلا في ثلث أملاكه، هذا حتى ولو ترك أقرباء أما الثلثان الباقيان فيضمان إلى الأملاك الوطنية، وتستعمل الأموال التي يحصل عليها هذا الصندوق العمومي في دفن الفقراء والأجانب الذين لا مأوى لهم، وفي مساعدة المعوزين ودفع أجور الأساتذة العمومين الذين ينفقون أوقاتهم في تنوير المجتمع وتزويده بالمعرفة , كما أنها تستعمل لمساعدة المؤلفين والطلبة المعدمين، الخ ... وهناك من الأتراك من هو مرتبط أشد الارتباط بالإيالة. فنجد الكثير منهم لا يتزوجون عمدا ليتركوا ثرواتهم إلى بيت المال. ولهذا السبب كان دخل هذا الصندوق معتبرا في وقت من الأوقات. وبمجرد ما تجمع خمسون ألف فرنك في هذا الصندوق تحول إلى الخزينة العامة نظرا لمصاريف الدولة المرتفعة ودخلها الضئيل , وقد ظل هذا هو الشأن إلى أن كان الغزو الفرنسي. وتعتمد قوانين بيت المال على المبادىء الأساسية لشريعتنا، وفي بعض الأحيان يستلف صندوق من صندوق آخر دون أن يحدث أي خلل في النظام القائم.

стр. 90

وفي زمن الطاعون (٧) كان لإدارة بيت المال نشاط يفوق نشاط جميع الإدارات الأخرى، فهي التي تقوم بإحصاء الموتى وتعمل على تجنب الفوضى التي قد تتسبب فيها كثرة الوفيات كما أنها هي التي تتولى التركات المهملة وتقوم بعمليات الميراث .. الخ. وعندما كان الغزو الفرنسي استولى الفرنسيون على صندوق بيت المال الذي كان يحتوي على مبالغ هائلة (٨) كما إنهم استولوا على الودائع الخاصة التي كانت فيها، وبذلك صار الصندوق في عجز كبير. وعلى أثر هذا الغزو، ومنذ أن طرد الأغنياء، صار دخل بيت المال في نقصان كبير، وكيف يمكن لهذه الإدارة أن تسترجع دخلها العادي إذا كانت تركة الشخص الميت بالوقت الحاضر سواء كان له ورثة أم لا، لا تكفي إلا لدفع مصاريف دفنه؟ بل إنني أعتقد جازما أن رئيس بيت المال حاليا، وهو جزائري ; يدفع أموالا طائلة من عنده لدفن الفقراء كتسبيق للصندوق مثلما تعود أن يفعله سابقوه. ولكن الراجح هو أن هذا الرئيس إنما يقصد بتصرفه عمل الخير لأن تصرفاته كانت دائما هي تصرفات الإنسان السخي المحسن. والملاحظة هو أنه لا يمكن التصرف في الأموال المودعة في خزينة بيت المال لأنها لأشخاص مختلفين من الخواص وفي عهد الأتراك كانت هذه المودعات

стр. 91

لتعتبر دائما من المقدسات التي لا تمس. وكأحد سكان مدينة الجزائر العالمين بنشاط خزينة بيت المال، أستطيع أن أؤكد صحة كل ما قيل أعلاه. وللأسباب التي ذكرتها، فإن مدخولات مداينة الجزائر غير معتبرة ولكن أعمال الظلم لا يمكن أن يكون لها أثر خارج المدينة، لأن السلطة الفرنسية لا تمتد إلى ما وراء الأسوار. لكن لم يكن للحكومة التركية، عندما أسست، موارد كبرى حتى أن أحد الدايات أو الباشوات قد وجد نفسه مضطرا، لدفع أجور الأجنااد، أن يقدم أشياء مختلفة مثل العتاد الحربي وغيره، ويعيد شراءها عندما تتوفر الأموال في الخزينة. وفي وقت من الأوقات، كان خمس الغنائم المخصص للدولة لا يكفي لسد حاجات الإيالة اليومية، الأمر الذي كان يجعل من الصعب إيجاد متطوع للحكم. ولقد حدث أن بقي العرش خاليا إلى أن رأى السلطان من الضروري إرسال أحد الباشاوات بعد تقليد زمام الحكم. وكان هذا الشغور يدوم فترات طويلة. وعندما تحسنت أوضاع الخزينة، وذللت الصعوبات، توقف الجزائريون عن مطالبة القسطنطينية بتعيين القادة ورضي السلطان بذلك. وعندما تم توحيد تلمسان وقسنطينة إلى باقي أجزاء الإيالة، وجد باشا الجزائر نفسه مضطرا إلى تنظيم إدارة هاتين المقاطعتين الجديدتين. وبهذا الصدد أرسل بايا أو واليا إلى قسنطينة وآخر إلى معسكر.

стр. 92

أما وهران، التي هي مقر الباي، فإنها كانت تابعة للاسبانيين في ذلك الوقت. ولم تخرج من قبضتهم إلا مؤخرا، كما أوضحنا ذلك سابقا. وفي نفس الوقت تم تعيين باي في المدية وهي أهم مدينة في مقاطعة التيطري. وفيما يلي قانون هؤلاء البايات: تأتي هذه المرتبة بعد درجة الآغا الذي ذكرنا اختصاصاته أعلاه. وعلى كل واحد من هؤلاء البايات أن يؤم مدينة الجزائر يخبر عن إدارته، ويقدم بنفسه فائض المدخولات، وذلك لأنه يخصم منها كل ما هو ضروري لموظفيه ولفرسانه ورجال المدفعية بحيث يكون المبلغ الذي يدفعه إلى الخزينة العمومية كل ثلاث سنوات مساويا لثمن مدخولاته. حدود كل مقاطعة مضبوطة، وكل باي مسؤول عن إدارته وعن الحدود. إن الأجزاء التي توجد بها أملاك وطنية تخضع في إدارتها وتسييرها لخوجة الخيل. أما الأراضي الكئنة في ضواحي مدينة الجزائر، والتي لا تدخل في ممتلكات الدولة ولا في مقاطعة من مقاطعان البايات الثلاثة، فإنها تكون تحت تصرف الآغا (٩). وعندما يموت الباي، فإن الواجب، يقضي بأن يكون خليفته صهرا لشيوخ العرب ومطلعا كل الاطلاع على العادات والتقاليد. أما تركة الباي المتوفى فتعود لورثته، باستثناء العتاد الحربي وكل ما له صلة بالإدارة التي كان مكلفا بها، إذ أن هذه الأشياء تترك في المسكن تحت تصرف الباي الجديد

стр. 93

حتى لا يكون مضطرا لشرائها أو للمطالبة بالأموال اللازمة لذلك، وهكذا يجد الباي الجديد موردا هو بداية ثروته. وقد جرت العادة أن يرسل الباشا لكل باي حامية في كل سنة مرة. وبما أن سكان مقاطعة التيطري فقراء وقليلو العدد، فإن الحامية لا تبقى عندهم إلا شهرين ثم ترجع إلى مدينة الجزائر. وفي معسكر، في الجزء الغربي، تبقى الحامية أربعة أشهر، وأما في قسنطينة التي تشكل شرق البلاد، فإنها تبقى ستة أشهر. وإذا أراد أحد الجنود، في حامية ما، أن يقيم في المقاطعة إلى أن تعود الحامية المقبلة، فإنه يحصل على الإذن بكل سهولة. وإن الكثير من أعضاء الميليشيا يفضلون البقاء في المقاطعات على العودة إلى مدينة الجزائر: ١ - لأن مرتباتهم تتضاعف أثناء غيابهم، وادخارهم يتزايد لأن حياة المدينة أغلى من حياة الريف. ٢ - لأن الباي الذي يبقون معه يقدم لهم العطايا والمنح. وفي أثناء السير تطعم الجيوش بالبرغل، أي بالقمح، يقلى ثم يرحى ويغربل لتنزع منه النخالة فيصبح نوعا من البسيسة. ويحتفظ بهذا القمح المطحون عاما كاملا، ويحضر ويطبخ تماما مثل البيلو (أكلة تركية شائعة في فرنسا). ويحضر بالزبدة فقط. ولا يأكل الجنود اللحم إلا مرة في الأسبوع. ولذلك يفضلون في الشتاء حياة الحامية في المقاطعات على البقاء في مدينة الجزائر وعلى حياة القرصنة. تتكون حامية قسنطينة من ١٠٠ خيمة، وحامية معسكر من ٦٠ وحامية المدية من ٤٠ وتأوي كل خيمة ٣٠ جنديا يقودهم ضابط برتبة بولكباشي

стр. 94

وآخر بدرجة أوضاياشي وثالث يسمى باش يولداش. وفي كل واحدة من هذه الخيام محافظ للمؤونة يحرس المعاش والطبخ ويسمى الطباخ. ويساعده في مهمته عامل يسمى الصاغا، يكلف بجلب المياه من مختلف الآبار وتوزيعها على الجيوش. ولكل خيمة، بالإضافة إلى ذلك، خادم يتولى جمع المتاع ونقله على الجمال من مكان لآخر. وعؤلاء الأشخاص الخمسة الذين ذكرتهم يركبون الخيل، أما الباقي فيمشون راجلين ويحمل كل واحد سلاحه. ويشرف على كل معسكر قائد يسمى آغا المحل. ويختار عادة من بين الضباط الذين لهم رتبة بولكباشي ; بحيث لا يمكن التقدم في الدرجة إلا بقدر ما تكون الوفيات كما ينص على ذلك قانون الميليشيا في الجزائر. ويصطحب هذا الآغا شاوشا من ديوان الجزائر يعهد إليه بنقل أوامره. وعندما يقوم البايات بجولات في كامل أنحاء مقاطعاتهم لجمع الضرائب، فإنهم يصطحبون معهم الحامية التركية، وعندئذ يكلف الشاوش بنقل تعليمات الباي إلى الآغا. فعندما يشير الباي بتبديل المكان، يقوم الآغا بنقل أوامره إلى الأوضاباشوات الذين ينقلونها بدورهم إلى من هم أدنى منهم درجة بحيث تتخد جميع الإجراءات في رمشة عين. وبحسب الموقع الذي يكون فيه المركز، يجب أن تقام خيمة الباي وسط الجيوش محاطة بهالة من الفرسان هي نفسها مطوقة بدائرة من المشاة، ولا يترك سوى ممر يقود إلى وسط المركز، وعلى حافتي هذا الممر تقام خيمة كبيرة نحد فيها المستشفى والصيدلية والمقهى، وأخرى يقيم فيها آغا المحل. وأمام

стр. 95

هذه الأخيرة تنصب الأعلام من جهة، والمدافع والمدفعيون والعتاد الحربي من جهة أخرى. وعندما يريد الباشا عزل أحد البايات، يرسل تعليماته إلى آغا المركز أو آغا الحامية، بحسب المكان الذي يكون فيه الباي، فيضع حدا لسلطته ويلقي عليه القبض في بعض الأحيان إلى أن يأتي خلفه، وذلك مخافة أن يهرب، الأمر الذي قد يؤدي إلى وقوع الاضطرابات في البلاد. كان البايات لا يعزلون إلا نادرا، في الأيام الأولى من عهد الأتراك. وعندما أصبح الباشوات والدايات جشعين يجرون وراء الثروة كثرت التبديلات والتغييرات التي كانت مضرة بالنسبة للشعب وللحكومة على السواء. وكان من عادة الباشوات القديمة القيام بجولة ربيعية في كل سنة. ويرافق الباشا في هذه الجولة ديوانه الخاص الذي يشكل الحاشية، وكذلك أعضاء ديوانه الأعظم ما عدا آغا اليولداش الكبير ونائبه اللذين يجب أن يبقيا في المدينة. ويتبع الباشا ; أيضا، القواد والسناجق وفرقة موسيقية كاملة وعدد من الشخصيات الأخرى. وعلى بعد حوالي نصف ساعة من مدينة الجزائر، بجوار حديقة مصطفى باشا، يوجد مكان في موقع حسن وله منظر جميل، تقام فيه خيمة رائعة لاستقبال الباشا وحاشيته. وعندما يصل الباشا يدور الموكب دورة حول هذه الخيمة قبل النزول، ثم يقفز الفرسان إلى الأرض ويدخلون خيمة الداي حيث يجدون طاولة مجهزة بأنواع المبردات والحلويات والمرطبات، الخ ... وبعد أكل خفيف تقام صلاة يعقبها ابتهال إلى الله ليحفظ السلطان ويرفع عدد العرب ويسعدهم ويقوي إيمانهم في حدود معينة حتى لا يتقاسموا الحكم مع الأتراك. وبعد هذه الحفلة يرجع أعضاء الديوان

стр. 96

الأعظم وغيرهم من الشخصيات الأخرى إلى مدينة الجزائر، ولا يبقى في الخيمة إلا والباشا وحاشيته لتسوية قضايا البلاد , ويفتح المقطاجي السجل ليعين الجنود الذين سيعينون للقيام بالحملات ولتكوين الحاميات الضرورية لمختلف الجهات. ثم ترتب المعسكرات وتنظم، وتعين الوحدات التي ستقوم بالحملات البرية، وفي الحين تعطى الأوامر لإقامة الخيام ولتموين الجيوش، الخ ... يبدأ الاعتناء بالجيوش التي تجه إلى مستغانم، ثم تجهز جيوش التيطري وتبقى حامية قسنطينة هي الأخيرة، وكل هذه الحاميات يجب أن ترسل في الأيام الأولى من فصل الصيف. وعندما تتم جميع هذه الإجراءات، يعود الباشا إلى مدينة الجزائر. ولكنه بمرور الزمن، أهمل الدايات هذه الحفلة وصاروا لا يقيمونها بالكيفية التي وصفناها، وإنما أصبحت العادة شكلية فقط، أي أن الخيمة ظلت تقام في المكان المعين ويقصدها الديوان في اليوم الموعود كما لو كان يذهب إلى نزهة، وبدلا من أن يترك الداي وحاشيته في الخيمة، صار يترك فيها أحد الحراس فقط.

стр. 97

الفصل الحادي عشر تحديد رسوم الأرض وطريقة جمع الضرائب وفقا لشريعتنا، ترتب الأرض على النحو التالي: إذا كانت البلاد ملكا للمسلمين بمقتضى الفتح وبحد السيف، وإذا كان سكانها القدماء قد بقوا فيها يعد تفاهم مع الفاتحين، فإن أراضيها تسمى خراجا وهي كلمة تعني أن الحكومة لن تطلب أكثر من المبلغ المتفق عليه حتى ولو انتقلت تلك الأراضي من مالك لآخر على شرط أن تحترم الالتزامات المنصوص عليها في بداية الأمر, وعندما بعتنق مالكو الأراضي الإسلام طواعية، فإنها تسمى عندئذ، حكرا. وعلى هذا النوع من الأراضي يؤخذ العشر أو الجزء العاشر من الإنتاج، وتوضع مقادير تلك الأعشار في صندوق الخزينة لدفع مرتبات الجيش وللاعتناء بالفقراء ولتربية الأيتام ودفع أجور القضاء الخ ... وحتى إذا لم تطالب الحكومة بهذه الأعشار، فإن كل واحد منا مجبر، حسبما يقتضيه ديننا على أن يضعها جانبا ويوزعها وفقا للطريقة المذكورة، ولا يستطيع أي أحد أن يستحوذ على تلك القسمة كما سبق أن أشرنا لذلك.

стр. 98

وتسمح القوانين للعاهل أن يتفاهم مع الشعب حول تلك الأعشار، واستبدالها بمبالغ معينة. وأراضي الجزائر كلها من هذا الصنف الثاني. وعندما علم الأتراك ان جباة الضرائب يقومون بتجاوزات، أي ان الدولة لم تكن تقبض بالضبط جميع المبالغ التي تعود لها، أو ان الجباة كانوا يجمعون أكثر من اللازم. عندئذ أوجدوا وسيلة تمنع تلك التجاوزات التي كانت تثبط الفلاحين وتعوقهم. لقد فرض على كل محراث بجره ثوران حمولة بعير من القمح وأخرى من الشعير، وعندما يأتي السكان بمقادير رسومهم، فان القابض يسلمهم مقابل ذلك وصلا. ان القائد في كل قبيلة مجبر على إحصاء عدد الفلاحين المالكين للمحاريث، وبعد ذلك يسلم نسخة صحيحة للقابض الذي يجمع الضرائب حسب ذلك الإحصاء. ويعطي الإيصالات لكل فرد، ويتفقد الكميات المقبوضة من الحبوب ليتمكن من محاسبة القابض الرئيسي في الدولة. ولكن عندما يثبث ان الأراضي لم تنتج شيئا، فان المزارعين يعفون من تلك الضرائب. يستعمل، في العادة لزراعة ما يغطيه محراث واحد حوالي ست حمولات من القمح وأربع من الشعير. لقد سبق ان تعرضنا لاستعمال هذه الضرائب، ولكن الشعب يعتقد كذلك، أنه عندما يدفع ما عليه يصبح من الواجب على الحكومة ان تحميه، وأن تؤمن الطرقات وتحرسها، وأن يكون الملك متدينا بدينه. وحسب قانوننا، فإذا قام مغتصب أو ملك لا يتدين بنفس الدين،

стр. 99

واستحود على الضرائب التي ينص عليها ذلك القانون، فان الفلاح يبقى في عين الشرع، مطالبا بأداء واجبه الذي لا يكون إلا عشر الكمية الباقية له بعد الإغتصاب. وحسب هذا القانون الشائع في افريقيا، فانني أعجب للدوق دوروفيكو الذي اشترط، بإيعاز من اليهود والأشرار، ان تدفع متيجة العشر وسكانها أفقر الناس وأكثرهم بؤسا. ومع ذلك، فان الولاة الفرنسيين كانوا قد نشروا بيانا يعلنون فيه لسكان الايالة أنهم يلغون جميع أنواع الضرائب ; وان الحكومة تتنازل عن هذه الأنواع من الموارد. وبقطع النظر عن هذا الوعد، فان الحكومة الفرنسية لا تستطيع أن تجمع الضرائب بكيفية شرعية ما لم تؤمن الطرق، وما دام البلد مضطربا، فعليها ان تبدأ بالحفاظ على الأمن وحمايته من كل هجوم تقوم به القبائل المعارضة والمعادية. وخلاصة القول، فان كل ما يمكن ان يعطى للحكومة الفرنسية التي لا تتدين بنفس دين هذا الشعب، لا يعتبر إلا من قبيل التعسف، ويبقى السكان - في عين الشرع - مطالبين بأداء واجبهم. ويترتب عن هذه الأوضاع، كذلك، ان قبائل الداخل، عندما تعلم بأن الضرائب دفعت للفرنسيين، ستحارب أولئك الذين دفعوها ونتهمهم بأنهم خضعوا لمن هم أعداء الايالة بأكملها.

стр. 100

لقد كانت الضرائب تدفع على النحو الذي ذكرنا، إلى أن كان الغزو الفرنسي. واليوم، وبما أن هذا الشعب لا يعرف ملكا شرعيا ولا ظاهرا في البلاد، فإن كل مالك سيوزع أعشاره بنفسه على الفقراء. وليكسب ثقة هذا الشعب، فإن باي قسنطينة، بدلا من أن يشترط حمولة بعير من القمح وأخرى من الشعير عن كل محراث، فقد اكتفى بأن يقبض مكان ذلك مبلغ ١٥ فرنكا، كما أنه اكترى للفلاحين، مقابل سبعة وعشرين فرنكا، كل ما يمكن أن يغطيه طوال السنة محراث يجره ثوران. يقوم القادة أو جباة الضرائب بالإحصاء عندما تجمع المحاصيل. وقد يحدث في كثير من الأحيان، أن هؤلاء الجباة يبقون لأنفسهم جزءا من الضرائب، ويتركون منها جزءا آخر للفلاحين، فيترتب عن ذلك أن الدولة لا تقبض جميع مدخولاتها. وعلى الرغم من أن الباي كان على علم بوقوع مثل ذلك التفاهم، فإنه كان يغمض عينيه لكي لا يثبط عزائم الفلاحين وليكسب الشعب حوله ويبين اعتداله. أما عن مقاطعة الغرب، فإنني أجهل وضعها الحالي، ولا أعرف شيئا عن فلاحتها ولا عمن تدفع إليه الضرائب. إن مقاطعة التيطري فقيرة، خاصة بعد الزيارة التي أداها لها الجنرال كلوزيل. ويعتبر جميع البدو والقبائل أن سكان التيطري من ألد أعدائهم لأنهم لم يبدون العداوة للفرنسيين، ويتهمونهم بالتفاهم معهم وبأنهم لم يخبروهم بوصول الجيش الفرنسي، ولو فعلوا لوفروا لهم الوقت الكافي لاتخاذ التدابير

стр. 101

وللدفاع عن أنفسهم. ومن هنا يتحتم على جميع القبائل أو كل من يخضع للفرنسيين أن يكون يقظا لتجنب سخط القبائل. وعندما نرى سلوك الولاة في افريقيا، نميل إلى الاعتقاد بأنهم إنما ينشرون الخلاف والشقاق من أجل التضحية بالشعب الجزائري.

стр. 102

الفصل الثاني عشر عن انحطاط حكومة الأتراك وسقوطها بعد أن ثبتت حكومة الأتراك أقدامها في هذا البلد، ووسعت سلطانها المتمثل في الحصول على طاعة هذا الشعب، كان من أسباب انحطاطها إرسال مندوبين إلى أزمير يجمعون الأجناد. وبدلا من أن يتبع هؤلاء المندوبون الطريقة القديمة التي لم تكن تسمح بأن يجند في الميليشيا إلا الرجال النزهاء الذين لهم جاه ومكانة، فإنهم كانوا يفتحون أبواب الميليشيا لأي كان حتى لأناس كانوا قد أدبوا أو أدينوا. وكان يوجد من بين المجندين يهود ويونانيون ختنوا أنفسهم. وكما أن حبة فاسدة تكفي لإفساد كوم كامل من القمح، فإن رجلا فاسد الأخلاق يكفي لجلب الشر على جميع الذين يخالطهم ويحيطون به. وهكذا، صارت تلك الميليشيا المسلحة التي لا مبدأ لها، صارت ترتكب المخالفات ضد البدر والقبائل. ثم قام هؤلاء البئساء بإشعال الثورات وقلب قادة الدولة بحسب هواهم.

стр. 103

وكان أول ضحاياهم الملكية هو الداي مصطفى باشا، والد سيدي إبراهيم الذي كان موجودا بباريس قبل مدة قصيرة. لقد جعل الثائرون على رأسهم المسمى أحمد خوجه الذي دبر المؤارة والذي كان دفتر دار معزولا. إنه هو الذي كان سببا في موت ذلك الداي عندما أمر بالهتاف في كل مكان لم نعد نبغي حكومة مصطفى باشا! واستجابة لتلك الهتافات تجمعت الميليشيا، فحطمت عظمة الداي مصطفى وقتلته دون أن يكون قد ارتكب أدنى خطأ (١). أما السكان، فإنهم لا يشتغلون أبدا في مثل هذه القضايا، ويخضعون لمن يختاره الديوان ملكا عليهم. إن الجريمة السياسية تؤدي دائما إلى جرائم أخرى تتبعها: لقد عامل هؤلاء المتهيجون بعنف ووحشية معظم أعضاء حاشية الداي وأهم أنصاره واستولى أحمد خوجه على الحكم (٢). لقد ارتكب هذا الرجل، أثناء ولايته، عددا من الجرائم. ولمكافأة الميليشيا رفع أجور أفرادها. ولكنه عزل وقتل البايات للاستيلاء على أملاكهم وثرواتهم. وكانت الشخصيات المحيطة به والمكونة لحكومته تنقصها المهارة ولا تملك الوسائل، إذ لم تكن تعرف حتى تقاليد العرب ولم تكن لها أية علاقة بمختلف الشيوخ. وفي تلك الفترة، لم يكن على الذي يريد أن يصبح بايا إلا

стр. 104

أن يتجه لأقارب أحمد باشا ويمدهم بالأموال. لقد كانت تلك المناصب تباع وتشترى، وهو أمر كان يلائم رجال الحكم الذين كان ظلمهم يتجاوز القانون. ودام هذا الوضع إلى أن كانت الحادثة التي تعرضت لها مدينة قسنطينة التي كان باي تونس يريد استرجاعها. سأوري، فيما بعد وفي فصل آخر، تفاصيل تلك الأحداث وكذلك تفاصيل الحملة التي قام بها أحمد باشا ضد تونس. وبعد ثلاث سنوات من الحكم تعرض أحمد باشا بدوره إلى مؤامرة تهدف إلى قلبه. وكان على رأس الميليشيا مجهول يدعى علي خوجه الذي استطاع أن يدفع الميليشيا لاستبدال أحمد بعد أن فضح التجاوزات التي قام بها وكذلك الأعمال الوحشية والإعدامات التي سلطها على معظم أعيان الأتراك. لقد قتل أحمد مصطفى باشا فكان له نفس المصير. وبعده تولى الحكم علي باشا، ولم يكن هذا الملك إلا آلة في خدمة الأتراك، يستعملونها لتنفيد مشاريعهم، لأنه كان عاجزا عن الحكم وعن فرض طاعته. وبعد ذلك بفترة وجيزة (٣) قتل خنقا واستبدل بالحاج علي باشا (٤). ولقد برهن هذا الأخير على نوع من الكفاءة ولكنه كان سفاحا، فقتل كثيرا من العرب وبعض أعيان البلاد دون أن يرتكبوا أية جريمة.

стр. 105

وخلال ولايته، كاد الحظ ان يكون دائما إلى جانبه، ومع، ذلك لم يتمكن، بالرغم من مجهوداته، من غزو مملكة تونس التي كان يريد السيطرة عليها. سأتكلم عن هذه الحملة فيما بعد. كان الحاج، بعد أن استولى عل زمام الحكم في الجزائر، يشعر بتفوق كبير في العلوم والمعرفة، ولذلك احتقر وزراءه وآراءهم، وعندما أهين هؤلاء الأخيرون وملأ الرعب قلوبهم وضعوا مشروعا يهدف إلى التخلص منه. وهكذا فلما ذهب يستحم، ذات مرة، قام الشخص المكلف بإعداد الحمام على الطريقة الشرقية - وكان من امتآمرين - يغلق الأبواب غلقا محكما ثم ضاعف النيران بكيفية عنيفة إلى أن اختنق الحاج باشا بالبخار بدون ضجيج ولا هرج، واستبدل بخزناجبه المسمى الحاج محمد باشا (٥). ويعتبر هذا الأخير نموذجا حقيقيا للأتراك القدماء، إذ كان رجلا فاضلا، وكان من الممكن أن يحكم مدة أطول لو لم يتعرض لخيانة آغاه المسمى عمر (٦). وكغيره، ضحى عمر هذا بالحاج محمد باشا بعد ان تفاهم مع الميليشيا على ان تعطى له الولاية. وكان عمر، أيضا، سفاحا! وكانت الظروف تكاد تكون دائما غير مؤاتية له، وهذا الداي هو الذي أبرم مع اللورد آكسماوث، سنة ١٨١٦، معاهدة بعد ان قام بقنبلة المدينة. وقد ساهم هذا الحادث مساهمة كبرى في سقوط عمر.

стр. 106

وقام علي (٧)، وهو رجل مجهول ومعتوه، فاغتنم هذه الفرصة وجمع الجيوش ثم استولى على مقاليد الحكم في الجزائر. وعندما تولى الحكم، قام الداي علي هذا بثورة شاملة في نظم الإيالة القديمة. كما أنه ارتكب عددا من الجرائم ونفى كثيرا من الناس. وذات يوم، أمر سكان مدينة الجزائر ان يغلقوا أبوابهم في ساعة مبكرة، وأمر كذلك بغلق الثكنات، ثم جمع عددا كبيرا من البغال حمل عليها، ليلا، جميع كنوز الجزائر التي كانت في محلات الباشا القديم، ونقلها الى القصبة التي انتقل إليها مصحوبا بالجيش يحافظ على شخصه، وفي الصباح أعلن عن هذا التغيير بطلقات مدفعية. وخلال مدة ولايته التي لم تدم سوى ستة أشهر، ساءت أحوال الدولة الى أقصى درجة. وأثناء نقل الثروات الى القصبة، وقع كثير من النهب قام به وزراؤه وأعضاء حاشيته. وقد مات علي بالطاعون في مقر إقامته الجديد، ولو انه عاش لتسبب في خراب الايالة ما في ذلك شك. وكان أعداؤه الذين كان يضطهدهم هم أنصار عمر باشا. ولم ينج من هؤلاء الأنصار سوى حسين خوجة الذي عينه خزناجيا، وفيما بعد رفعه الى مرتبة خوجة الخيل. وقد دهش الجميع عندما رأوا ان حسين الذي كان من المقربين لعمر، يحظى بمثل تلك التقديرات من علي باشا. وحقيقة فإن حسين - من بين

стр. 107

الشخصيات التي كانت تحيط بذلك الداي - هو الوحيد الذي كان نزيها وذا أخلاق فاضلة، أما الآخرون، فإنهم لم يكونوا سوى مغامرين. وعندما توفي علي باشا هذا، اجتمع الديوان لاختيار الملك، فوقع اختياره على حسين الذي كان آخر باشوات الأتراك قبل الغزو الفرنسي. ولقد ارتكب الأتراك خطأ فادحا عندما تركوا السلطة المطلقة بين أيدي الباشوات، لأن ذلك جرد الديوان من كل قوة وسلطان وجعله كلا شيء، في حين أنه أنشىء لمراقبه أعمال الباشوات ومساعدة الحكومة عن طريق تزويدها بالنصائح. ولم يعد يطلب من أعيان البلاد آراؤهم، كما ان أهم المناصب في الدولة والوزارات ووظيفة خوجة الخيل لم تعد تعطى إلا للأتراك لأن الكراغلة طردوا من الحكم على الرغم من أنهم كانوا فروعا لهؤلاء الأتراك أنفسهم. وفيما يخص الكراغلة، سأروي حادثة تاريخية كانت هي السبب في إبعادهم: ففي حوالي سنة ١٦٣٠، وللاستيلاء على الحكم، وضع أفراد تلك الطبقة مشروعا يهدف إلى طرد الأتراك (آبائهم وأجدادهم) الذين كانوا يحكمون البلاد. ولهذا الغرض اجتمعوا في حصن الامبراطور. وعندما علم الأتراك بهذه المناورة فكروا. لإحباط المشروع ; في ان يلبسوا عددا من العمال الذين يدعون بني ميزاب ملابس نسائية، ولما تدثر هؤلاء بالملاحف أخذوا أسلحتهم والذخيرة في شكل متاع مستورد، ثم تقدموا الى مدخل الحصن وكأنهم نساء هربن من جور الأتراك. وبمجرد ما دخل أولئك الرجال الحصن وهم تحت ذلك القناع، هاجموا المتمردين بمساعدة فوج كان يتبعهم عن كثب، فأخضعوهم وأحبطوا مشاريعهم. وعلى اثر هذا الحادث،

стр. 108

وبما ان الأتراك لم يكونوا قادرين على ان يطردوا ذريتهم من البلاد، فانهم قرروا فقط، عدم السماح للكراغلة بشغل المناصب السامية. وقد عزل كل من كان يشغل منهم وظيفة حساسة في ذلك الحين. وهكذا، اذن، فان كل كرغلي يصل الى المرتبة السابعة، كان يعزل، وبهذه الكيفية لم يكن لأي واحد منهم ان يشتغل في البلاط. وان الترجمان الذي هو مترجم البلاط، أو أمين اللغات الأجنبية (وهي وظيفة هامة جدا) وكتاب الدولة، كلهم كانوا يختارون من بين العرب لا من الكراغلة كما ان مراقب المؤاسسات الخيرية التابعة لأملاك مكة والمدينة، كان يعين من بين العرب. وقد استمر هذا الحقد من الأتراك على أفلاذ أكبادهم مدة قرنين تقريبا. وهؤلاء الكراغلة كثيرو العدد، وموزعون على كامل أنحاء الايالة، وخاصة في المكان المسمى وادي الزيتون الواقع في سفح جبل فليسه، ويعتقد أنه يوجد منهم في هذا المكان وحده ما بين ٨ و ١٠ آلاف محارب. ومعظمهم كان يأخذ أجرا من الدولة، وعلى الرغم من إبعادهم، فانهم ظلوا يتقاضون رواتبهم خوفا من إثارة سخطهم. وبعد ذلك فكر الكراغلة في استعطاف آبائهم ونيل رضاهم، ثم قاموا بإحضار جنود آخرين، على نفقتهم، وسجلوا أبناءهم كمتطوعين في الميليشيا. والكراغلة الذين كانوا يتقاضون أجورا من الدولة، والذين كانوا موزعين على مختلف أنحاء الإيالة، لم يكونوا يستطيعون الحضور، شهريا، كما هي العدة، لتقاضي مرتباتهم، ولذلك كانت جماعة من اليهود تسبق لهم رواتبهم السنوية مقابل وكالة تسمح لهم بأن يقبضوا - باسمهم - ما لهم

стр. 109

في ذمة الدولة. وفي العادة، فان هذه التسبيقة لا تكون في شكل نفود، وإنما تدفع في شكل بضائع وبالفائدة. وقد كان هؤلاء الرجال دائما في وضعية تجبرهم على قبول التسبيقات مهماكانت الشروط. ولكن، لو ان واحدا منهم يموت قبل نهاية السنة، ولم يترك وراءه شيئا، فان اليهودي، يخسر المبالغ المسبقة. وكانت قوانين الإيالة تسمح بهذا النوع من المعاملات وعندما قام الفرنسيون بغزو الجزائر توقفت أجور هؤلاء الكراغلة، وضاع الضمان المثمثل في الحكومة التركية بالنسبة لكل من كان مقرضا لهؤلاء الرجال، ذلك ان الفرنسيين لم يكونوا يدفعون الاجور للكراغلة. وعندئذ اجتمع اليهود وأرسلوا اعتراضاتهم إلى السيد المارشال بورمون يطلبون منه أن يدفع ذلك الدين المترتب على الدولة. وقد رفض المارشال التسليم لادعاءاتهم. إنهم كانوا يريدون الحصول على ديونهم من موارد المؤسسات الخيرية المخصصة للاعتناء بالثكنات التي تقوم في هذا البلد مقام دار العجزة والمقعدين في فرنسا لانها لم تكن آهلة إلا بالجنود المقعدين وبأرامل الجنود وأيتامهم وهؤلاء المقعدون هم وحدهم الذين لهم الحق في المطالبة بالمعونة من تلك المؤسسات. أما مطالب اليهود الناتجة عن ديون وقع التعاقد عليها مع جنود يعملون ويتمتعون بصحة جيدة، فإن وفاءها لو تم من صندوق تلك المؤسسات لشكل خرقا للترتيبات التي وضعها منشؤ تلك المؤسسات. وعندما رأى اليهود أنهم لن يحصلوا في الجزائر على أي شيء يرضيهم من الولاة الفرنسيين وجهوا مطالبهم إلى باريس قصد الحصول على المبلغ الذي هم به دائنون وأنني أجهل ماذا كانت نتيجة مطلبهم.

стр. 110

ولقد جاءني عدد من هؤلاء اليهود يسألونني رأيي فيما يخص مطالبهم وليعرفوا ماذا أفكر في مثل تلك المطالبة. وكانت إجابتي كالآتي يا أصدقائي ليس لكم أي حق في مطالبة الفرنسيين وليس في إمكانكم إلا أن تلتمسوا من تلك الحكومة لنمنحكم عطفها ومساعدتها، وأنني لا أشك في أنها ستستجيب لرغبتكم عندما تعرضون عليها أوضاعكم. ولكي أعود إلى ذلك الشقاق الذي كان موجودا بين الأتراك والكراغلة أقول انه منذ أن وقع الحادث المفصل أعلاه تكون حاجز بين الطائفتين بحيث أن الأتراك أصبحوا لا يستفيدون من علوم أبنائهم ولا من نفوذ ما لهم من أقارب في البلاد وقد كان حذر الأتراك شديدا إلى درجة أنهم لو أسدى لهم الكراغلة النصائح ولو كانت مفيدة لهم لنظروا إليها كحبائل منصوبة لاقتناص حسن نيتهم وإذا ما علموا أن هناك اجتماعا يعقده الكراغلة في مكان ما فإنهم كانوا يرسلون إليهم جواسيسهم تنظر هل يشتغلون بالسياسة وينتقدون بعض أعمال الحكومة أو حتى الحياة الخاصة للأتراك، كما أن الكراغلة كانوا يراقبون خشية أن يحدث بينهم وبين بعض الأعيان في داخل البلاد نوع من التفاهم بقصد الاستيلاء على الحكم، وعندما يكتشف الأتراك أنهم يضمرون لهم نوايا سيئة، بل عندما يخامرهم أدنى شك في ذلك، فإنهم كانوا ينفون قادتم ويفرقون اجتماعهم. وأخيرا لقد بلغت الإهانات التي كانت تسلط عليهم إلى درجة أن سكان الجزائر من كراغلة وغيرهم لم يعودوا يهتمون بالسياسة لا في اجتماعامم، ولا امام الملأ، ولا في مجتمعاتهم الخاصة. ومما يحدث أحيانا أن بعض الأشرار كنوا إذا ما أرادوا الانتقام يتهمون الشخص الذين يبغون هلاكه
следующие страницы →